النوراني – صوت الإنسان

تصدّرت الممثّلة التونسية الشابة نادية بوستّة غلاف العدد الأخير من مجلّة Tunivision التونسية، وقد أثارت صورتها العديد من ردود الأفعال المُندّدة، بخاصّة وأنّها أبرزت جزءا من ثدييها وخصرها، حيث لم ترتد سوى سترة، دون حمّالات صدر، وسروال جينز. وكتب أحدهم على الصفحة الرسمية الخاصّة بهذه الممثّلة الشابة “حقّا هناك فرق كبير بين النساء اللواتي تصدّين بصدورهن لرصاص القمع والاضطهاد خلال أحداث الثورة وبين نادية بوستّة التي لاقت صدرها لمصوّر فوتوغرافي للمتاجرة به من أجل كسب القليل من الدينارات دون إعارة أيّ اعتبار للعادات والتقاليد التي تشجب مثل هذه الأفعال”. كما تواترت ردود الأفعال والتعليقات الغاضبة من هذه الصورة التي أخرجت الصورة من طابعها الفني الجمالي إلى طابعها الأخلاقي والقيمي في مجتمع ما يزال محافظا، ويعيش فترة انتقال حساسة على جميع المستويات. كما تمّ توجيه العديد من الاتهامات لهذه الفنانة والتي من أبرزها “تشويه سمعة المرأة التونسية ومحاول تصويرها على أنها امرأة هواء” فيما اعتبر البعض الأخر أن مثل هذه الصور “تعبر عن مناخ الحرية والإبداع الفني الغير محكوم بضوابط سائدة في المجتمع فمن ضرورات الإبداع والخلق الفني التمرد على السائد والمتعاقد عليه أخلاقيا تحت يافطة حرية التعبير والتفكير” ونشر موقع “باب نات” (المحسوب على التيار العلماني) مقالا، يحمل إمضاء “مريم . م”، وجاء فيه “سمعة المرأة التونسية ومحاولة المتاجرة بها ومحاولة تلويث مكاسبها الحداثية بنسبها الى مثل هذه السلوكيات تستوجب وقفة حازمة من جمعياتنا الوطنية النسائية التي ننتظر صدور بيانات لها تندد بمثل هذه السلوكيات و توضح للرأي العام التونسي مواقفها في مثل هذه الأمور فالقضية فاعتقادي أكبر من فن و حرية ومجرد صورة ستنشر على غلاف مجلة تونسية بل هي كرامة وعفة المرأة التونسية” وأضافت “كثيرا ما يتعرض من ينقد مثل هذه الممارسات و التجاوزات الأخلاقية إلى اتهامات بالرجعية والظلامية والانتماء إلى تيار سياسي معين لكن الأمر مختلف هذه المرة عندما توضع صورة المرأة التونسية في الداخل والخارج على المحك تذوب هذه السجالات الأيديولوجية وتتوحد المواقف والتعليقات”. كما طالب العديد من مشتركي موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” مكوّنات المجتمع المدني بـ “إدانة مثل هذه التجاوزات اللامسؤولة التي تحاول ربط قيم الانفتاح والحداثة التي تتمتع بها المرأة في تونس بممارسة هذه التجاوزات الأخلاقية والتي عكس ما يظن مرتكبيها تمس من صورة التونسيات ولا تخدمهن داخليا وخارجيا فالصورة تمس من كرامة وعفة النساء التونسيات وأمهات الحاضر والمستقبل الذين رغم أنهم يؤكدون على تفتحهن وإيمانهن بقيم الحداثة والانفتاح وقيم حرية التعبير وحرية الملبس”. ولم يصدر أي تعليق لا من قبل الممثّلة ولا من قبل إدارة أعمالها.

بقلم: نجيب فارس

“النورانية” دعوة يبشر بها الفلسطيني “حسن ميّ النوراني” صاحب الأفكار والأعمال الأدبية التجديدية الجريئة والمثيرة للجدل، التي لم تأخذ حقها من النشر الورقي أو الاهتمام لأكثر من سبب.. قبل 24 عاما نشرت دار الفرقان الأردنية، ذات الاتجاه الإسلامي، للنوراني، الذي كان معروفا حينها باتجاهه الإسلامي، كتابا صغيرا، فريدا في معالجته/ حمل عنوان/ “رؤية دينية للدولة الإسرائيلية”.. بهذا الكتاب، حاز النوراني، وكان يومها يعرف بـ “حسن محمد ميّ”، على لقب : “مفكر إسلامي”.. وربما كانت رؤية حسن مي حول الدولة الإسرائيلية، هي الرؤية التي حملتها “حركة المجاهدين المسلمين” التي سعى الرجل لتأسيسها عام 1967م، عندما كان لا يزال حينها طالبا في كلية الزراعة بجامعة أسيوط المصرية.. كان الغرض من تأسيس “حركة المجاهدين المسلمين” هو “أسلمة القضية الفلسطينية جهاديا، إضافة إلى فلسطنة الحركة الإسلامية”.

بعد كتاب “رؤية دينية ..” لم تقبل أي من دور النشر تبني أيا من أعمال النوراني.. وينقل عنه، أن الناشرين كانوا يتعوذون بالله من الشيطان الرجيم عندما كان يعرض عليهم كتابا له بعنوان “فاعلية المسلم” الذي ينتمي لمرحة النوراني الإسلامية، لكن على أرضية اجتهاد لم يتقيد بالمفاهيم الدينية التقليدية.. ويكفي أن نشير هنا إلى ما قاله النوراني، وهو يعرِّف بكتابه “الصغير الحجم – وهذا ما يميز جميع أعمال النوراني الفكرية، الأمر الذي لا ينطبق على أعماله الأدبية – ” أرادت هذه الرسالة، أن تقول بوضوح وجلاء، أن التزامنا بقضية حرية التفكير، هو شرط نهوضنا الحضاري الذي نتطلع إليه؛ والفكر الذي يفتقر للشجاعة، لا يبدع رؤية طليعية مقدامة”.

هكذا أخذ النوراني على عاتقه، أن يلتزم بحرية التفكير باعتبار أن هذه الحرية، هي شرط للنهوض الحضاري العربي.. وفيما بعد، تعمق إيمان النوراني، بالحرية حتى الدرجة التي دفعته لأن يجعل من “الحرية مادة الله”، كما ذهب في “دعوة النورانية” التي نكرس لها هذه المقالة غير الاستقصائية لفكر النوراني المدون في عدد كبير من الرسائل والمقالات والأعمال الأدبية..

بين “الخطر” الذي تحمله “دعوة النورانية” كما يبشر بها النوراني، وبين الاهتمام بها، مسافة قطيعة ممتدة، قد تعود لصعوبة اللغة التي كتب بها النوراني دعوته، ولكنها تعود في الأساس إلى شعور عام بالخوف الذي قد يصل لحد “الرجفة” أمام دعوة جريئة، يخالها المتعاطي معها كما لو كانت دعوة نبوة جديدة.. وهذا ما سنركز عليه في تعاطينا السريع مع دعوة تقدم صياغة جديدة لمفهوم الألوهية كما يبين عنوان يضعه صاحبه على معالجته هو كالتالي “الله: الحرية المبتهجة بنورانيتها”.. وكل معالجة مخالفة للنظرة السائدة حول مفهوم الألوهية يعكس خطورة تأتي من حساسية قضية الألوهية في الإسلام، الذي ينتمي النوراني لأهله بحكم انتمائه التاريخي والحضاري..

أحد كتاب الشبكة العنكبوتية، قال أنه يجد لديه الحماس للكتابة عن دعوة “حسن مي النوراني” لكنه “يخشى من أن يساهم في نشرها”..

وفي سياق ترشح النوراني لرئاسة السلطة الفلسطينية في انتخابات عام 2005م، كتب عدلي صادق: “يُلقي حسن ميْ بذرتها (يقصد بذرة دعوته) في مجتمع محافظ، يتطير من المذاهب ومن المواويل الفكرية الوافدة“. لكن أديبة شابة اخترقت جدار الخوف والتطير وقالت في وصف النوراني: “هو شموس غير حارقة، فلماذا لا تبحثون عنه”!!

محاولتي هذه، تلبية لدعوة الأديبة الفلسطينية الشابة سماح محمود..

ومع احترامي لما ذكرته سماح، فإن من الواضح جدا أن شموس النوراني “حارقة جدا” لمفاهيم لا يتفق معها النوراني.. الذي وصف دعوته بأنها “علاج انغلاق الفكر وفساد الأخلاق” في مجتمعه وفي العالم كله..

وفي تعريفه بديوانه الذي حمل عنوان “إن الحب فوقن” قال النوراني عنه: “ليس شعرا.. ولكن صيحة تقلق غفلتكم”!

في هذا الديوان، غير الملتزم بالمعايير الفنية الشعرية التقليدية، تناول النوراني، فيما يزيد عن 60 نصا، قضايا فكرية مجتمعية ودينية وعاطفية، بأسلوب مبتكر، وبجرأة عالية الوتيرة تطاولت على المفاهيم وعلى اللغة معا.. وباستثناء الناقد الفلسطيني خليل حسونة، لم يهتم أي من العاملين في الحقل الأدبي بديوان النوراني، الممنوع من النشر ورقيا، المنشور اليكترونيا في عدة مواقع.. كما هو شأن كل أعمال النوراني، الفكرية والأدبية.. سبب المنع والتجاهل محدد.. إنه جرأة أطروحات النوراني وجرأة دعوته..

في صدر ديوانه “إن الحب فوقن” كتب النوراني:

هنـــــــا

“فِسْــــقُنْ”

وبابُنْ

في

كتابِ النبوَّةِ المفتوحِ

أَنــــــــــــــــــا

 

وينقل عنه بعض معارفه، أنه وصف النبوة، في ندوة نظمتها كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة، بأنها “فسق جميل”، فأثار بهذا “الإستفزاز” نقمة الحاضرين من أساتذة الجامعة، لكن أحدهم، حمل وصف النوراني للنبوة بالفسق، على المعنى اللغوي للكلمة، التي تعنى “الخروج على المألوف”، والنبوة في حقيقتها، خروج على مألوف العصر الذي تظهر فيه النبوة..

ربط النوراني في صدر ديوانه بين النبوة والفسق، ووصفه للديوان بأنه “باب في كتاب النبوة المفتوح” مضيفا الوصف إلى ذاته، بقوله “أنا”، يشي أن دعوة النورانية هي دعوة نبوية، لكنها “دعوة نبوة مفتوحة”.. وكثيرا ما ردد النوراني القول بأن دعوته هي دعوة عقل منفتح بالحب.. ويحدد النوراني دعوته بقوله إنها دعوة “العقل الحر المحب المبتهج”. هذا يؤكد أنها دعوة تفتح العقل بالحرية وتقيد الحرية بالحب، وتصبغ العقل بالبهجة.. والركائز الأربعة: العقل والحرية والحب والبهجة، مندمجة معا، تبدع تجربة إنسانية منفتحة.. يسميها صاحبها: “النورانية”.

دعونا نقترب أكثر من المسألة التي تعنيني في هذه المقالة، فأسأل: هل يدعو النوراني لدين جديد؟ وهل يصنف نفسه نبيا جديدا؟

قيل عنه، إنه يرى أن “ميزة النبي الأساسية، هي أنه يملك الجرأة التي تكفي لإعلان نفسه نبيا”. قد لا يكون النقل دقيقا، ولكنه يساعدنا على الاقتراب من شيء ما يعتمل في صدره. ويساعدنا نص واضح في دعوته، على افتراض أنها “دعوة إلى دين جديد”، يقول النوراني: “تحابوا.. ليشرق في الناس دين جديد.. دين من النور يكون لنا بهجة حب..”.. ويتوجه النوراني للناس بقوله: “تحابوا.. إن الحب يبهجكم.. وبهجة الحب تنيركم”، فهو لا يقف عند حدود التنظير، بل يتقدم منه نحو الولوج في دائرة الفعل، وهذه ميزة من مزايا النبوة، التي لا ينفصل فيها التنظير عن الفعل.

نجدد سؤالنا: هل يدعو النوراني إلى دين جديد؟

سوى ما ذكرناه أعلاه، فإني لم أعثر على مؤشرات محددة في نظرية النوراني تثبت أنه يؤسس لدين جديد، وهو وصف نفسه في ديوانه بأنه “باب في كتاب النبوة المفتوح”. لكنه لم يصف نفسه مطلقا بأنه “نبي جديد”، مما يوجهنا نحو فهم ما ورد في صدر ديوانه، بأنه ينتمي لمنهج النبوة، دون أن يعني أنه يصنف نفسه نبيا، من الأنبياء الذين شهدهم تاريخ الإنسانية. ونلحظ في كتاباته غيابا تاما للإشارة الصريحة أو الضمنية بأنه يتلقى وحيا على طريقة الأنبياء، على الضد تماما، فإن منهجه “عقلاني” لكن عقلانيته تتمايز عن العقلانية المعهودة، حيث هي تستند على منهج “العقل المحب” بوصفة، مما يعني أنه يجمع العقلي بالوجداني، وهذه ميزة ينفرد بها النوراني، وتشهد له بالتفرد والأصالة الفكرية.

جدير بنا أن نشير إلى أن “النورانية” تلت مرحلة كان فيها النوراني متطرفا عقليا، كما ينعكس في رسالته “فاعلية المسلم”. وبين “فاعلية المسلم” و”النورانية” كان النوراني يتبنى فلسفة واحدية، وحدت الوجود كله في وحدة واحدة مطلقة. وبين الواحدية والنورانية، طرح النوراني تفسيرا جديدا للوجود، ألغى فيه وجود الفاعل الخالق، كما ألغى القسمة التقليدية بين الفاعل والفعل، وتحدث بدلا عنه عن وجود “الفعل الخالق”، واستبدل مفهوم الله بمفهوم “اليكونية”.

في “دعوة النورانية” عاد النوراني يتحدث عن “الله: الحرية المبتهجة بنورانيتها”. وجاءت دعوة النورانية في نسق كتابي  دعوي مختلف عن النسق الذي تم به كتابة بقية كتابات النوراني الفكرية. دعوة النورانية مكتوبة بأسلوب تقريري، يطرح فيها صاحبها فكرة مقررة ينتقل منها لفكرة أخرى ذات صلة بها، بما يوحي بتوالد المفاهيم بعضها من بعض.. يظهر ذلك في القسم الأول من مقالة الدعوة.. لكن المنحى يختلف في القسم الثاني حيث يتحول التأليف إلى صيغة “الدعوة للفعل”.. مثل: ” فلننطلق..” بما يشير إلى أن الدعوة ليست فكرا نظريا فحسب، ولكنها فكر نظري وعقيدة سلوكية حركية، الأمر الذي يقربها من الدعوات الدينية التي تركز على توجيه السلوك أكثر مما تعنى بمناقشة القضايا نقاشا عقليا.. بوضوح يمكن تلمس أن النوراني في مقالته “دعوة النورانية” يأخذ دور المعلم الموجه المحرض على تبديل السلوك وتبديل المفاهيم في وقت واحد. وتتضمن المقالة عبارات تتحدث عن “الله” وعن “جنة” وعن “نار” وعن “الخير” وعن “مرض الإنسان الفتاك”. وصاحب الدعوة يتحدث عنها باعتبارها “دعوة الحق” و”دعوة الحياة”. والدعوة مكرسة لرسم طريق “الخلاص” للإنسان. كما يرى صاحبها أنها نهوض روحي جديد.. يقول في نهايتها:

“إن الروح تنهض من جديد..

“انهضوا بها.. لها.. لنا..

“وزغردن/ زغردوا..

“إن مجد الإنسان قام”.

هكذا تقترب الدعوة من طبيعة دعوة الأنبياء. يؤيد هذا ما جاء في الدعوة من قول صاحبها: “وإن الكبير في تاريخ الروح (النبي) محمد (صلى الله عليه وسلم)، قال لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا..”.. وبعد ذلك مباشرة، قال النوراني: “أورثنا الكبير في تاريخ الروح (النبي) عيسى (عليه السلام)، أن الله محبة”.. أضاف النوراني مباشرة: “ومن قلب الروح، ومن عقلها، النورانية تنهض”..

إذن، لا لبس في أن النوراني يريد أن يقول أن دعوته تنتمي إلى الظاهرة الدينية التي تنتمي لها كل من الديانتين الكبيرتين: الإسلام والمسيحية.

وبتأكيده في ختام الدعوة أن “مجد الإنسان قام”، يبدو النوراني كما لو أنه يريد أن يقول، إن مجد الإنسان يقوم للمرة الأولى، من خلال دعوته هو وحده. وهو لم يقطع علاقته بالإرث الروحي الإنساني، ولكنه يبدو كما لو أنه يرى أن دعوته، هي أعلى مراحل الظاهرة الروحية الإنسانية، وأن الدعوات الروحية السابقة كانت تمهيدا لها.

وفي تقديره، فإن دعوته تمثل نقطة تحول مفصلي بين تاريخين: تاريخ الغاب، وتاريخ النورانية كما يبشر بها.. يقول: “النورانية دعوة للتحرر من تاريخ الغاب ومن الرضوخ لظلاميتنا..”، إذن، ووفقا له، فالإنسانية لا تزال راضخة للظلامية، وأن النورانية هي وحدها سبيل الخلاص من الظلامية، مثلما أنها الكفيلة بأن توفر للإنسانية السلام المنشود.. يقول: “السلام أن نبتهج بالحرية المبتهجة بنورانيتها: بالحب النوراني الذي يحررنا من ظلاميتنا”..

وكما الأديان، فإن “النورانية رؤية وإرادة وفعل”..

بطبيعة الحال، فإن ما قلته هنا لا يفي بما يجب أن يقال عن دعوة خطيرة وعميقة ولها جذور في تاريخ النوراني الفكري المتميز في طروحاته، وقد اكتفيت بأداء مهمة التنبيه على أهمية وخطورة ما يقدمه النوراني في الفكر وفي الأدب معا.. ومع ذلك فإن لديّ سؤالا لا يزال يبحث عن إجابة: هل النوراني مؤمن أم ملحد؟

وأصارحكم القول أني في موقف من يختلط عليه الأمر.. فالرجل كما يعرفه المقربون وكما يكشف عنه تاريخه الشخصي، على قدر كبير من الالتزام الأخلاقي، وهو مؤسس حركة المجاهدين المسلمين عام 1967م التي سبق بها الحركات الجهادية الفلسطينية بعشرات السنين، وهو الذي ترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية عام 2005 ببرنامج يتمحور حول قضية العدل وهي قضية مركزية في الدين الإسلامي.. وقد وصف مثقف عربي فيما كان يعلق على عمل للنوراني يحمل عنوان: “تجليات الأمل” بأنه عمل ممتاز نجح مؤلفه في تصوير حقيقة الإسلام بأسلوب فلسفي تأملي فريد من نوعه.. كذلك فإن حديث النوراني عن البهجة واعتبارها غاية الغايات يجعل رؤيته متطابقة مع الأديان التي تجعل الجنة بما فيها من بهجة مطلقة هي غاية الغايات الإنسانية.

ويشهد له شيوخ أجلاء من معارفه المقربين بأنه أخذ بأيديهم نحو التحول للتدين، ويشاهد تردده على المساجد، وقد يؤول البعض أن هذا التردد يأتي منه لتفادي وصمه بتهمة الإلحاد، خاصة في مرحلة يعيش فيها قطاع غزة/ الذي يعيش فيه النوراني، تحت هيمنة حركة حماس الإسلامية المتشددة. لكن ما يشهد به مقربيه من أنه يؤدي الصلاة في منزله (المتواضع جدا) بعيدا عن الناس، يدحض تأويل تردده على المساجد خشية من انتقام حركة حماس منه بسبب أفكاره التي تبدو جريئة جدا واستفزازية جدا لمشاعر المتدينين المحافظين.

لكني مع ذلك، لا أستطيع أن أقدم إجابة حاسمة على سؤالي: هل النوراني مؤمن أم ملحد؟.. مثلما لا أستطيع أن أقدم إجابة حاسمة على سؤالي: هل النورانية كما يبشر بها حسن مي النوراني، نبوة جديدة، أم هي تجديد في مفهوم النبوة كما يعتقد بها سواد الناس؟!

 

القاهرة – 23/3/2009

فاعلية المسلم

Posted by: alnorani on: 30/11/2011

بسم الله الرحمن الرحيم

فاعلية المسلم

 

 

الدكتور حسن ميّ النوراني

alnorani@live.com, alnoorani@hotmail.com

 

إن جناح الهلاك لا يطوي رجالا يجاهرون بالحق..

فهم أكبر من أن يفنوا..

هم الماجدون!

 

تحفيز

 

هذه الرسالة تحفيز للفكر العربي المعاصر، على مواجهة واقع المفعولية الذي ترضخ له الأمة؛ منتج التاريخ الطويل، والراهن المرير، معا:

 فبدأت بمقدمة تشير إلى “المفعولية”، نقيض الفاعلية العقلية التي دعت إليها؛

 وبنت وجهة نظرها على قاعدة “واحدية الوجود”؛

 وتكلمت عن “منهاجية التفكير العربي” الإنفعالي؛

 ووصفت “إيمان الأوائل” بأنه كان انفعاليا، ولم تهدف إلى تجريح أسلافنا العظام؛

 وفي فصل “الواسعية إعجاز القرآن” نقدت المفاهيم الشائعة عن الإعجاز القرآني؛

 ثم قالت في “تقويم الفكر” أن القرآن مرقاة الواسعيتين الفعلية والعقلية؛

 وفي تناولها لقضية “الحدوث”، رفضت القول بأن الوجود المدرك بدأ من عدم؛

 وفي “العابد فاعل” قررت أن المسلم فاعل بعبادته التي يحقق بها واسعيته؛

 

أرادت هذه الرسالة، أن تقول بوضوح وجلاء، أن التزامنا بقضية حرية التفكير، هو شرط نهوضنا الحضاري الذي نتطلع إليه؛ والفكر الذي يفتقر للشجاعة، لا يبدع رؤية طليعية مقدامة.

 

شوال ـ مارس / 1414هــ ـ 1994م

 

 

      مقدمة : المفعولية

هزيمة المسلم في الجبهة الفلسطينية، آية سقوط حضاري تأدت إليه الأمة المفعول بها وفيها، صورته المجملة غياب فيما وراء دائرة الفعل، وجمود على هامش الوجود، محكوم بسلطان التقليد للآباء، في زمان مغاير للزمان القديم؛ زمان اقتحمته دعوة العقل، فتهاوت أمام معاوله المنتشية بنصر باهر، حصون تاريخية، كانت فاعلة فيما انقضى؛ ولكنها اليوم، وبمنهاجية تكيفها مع الواقع، معوقات لحركة مواجه التحدي.

إن ذيلية الأمة، والشروخ الغائرة في بنيتها المادية، وترديها الخلقي، وتخلفها التقني، وهزيمتها المنتشرة في ثناياها الجوانية، وانفصاميتها الحضارية الحادة، وتيبس رؤيتها، وظواهر أخرى، هي أعراض مفعوليتها المتناقضة مع الفاعلية المقدامة.

وعندما يهجم الطوفان، فإن الإنغلاق على الذات، واستدبار الحقائق، وتفادي المواجهة، موت، أو يشبه الموت.

وعندما يحدق بالأمة خطر قاتل، فإن حاجتها إلى فضيلة الصدق، وإلى بطل جسور، تعادل حاجتها إلى التشبث بالحياة.

ولكن الطائفة المناط بها حراسة وجود الأمة، تخلفت عن إنجاز مهمتها؛ لأسباب يعود بعضها إلى انتماء غير واع للتراث؛ ويعود بعضها الآخر، إلى خور أخلاقي أصاب أولئك الذين توهموا ان النفاق والكذب منجاة من عذاب الله، وسنن كونه.

وإن هذا لبلاء عظيم!

المفعولية مشكلة المسلمين في العصر الراهن!

وللمفعولية جذورها التاريخية، وما لم يكشف عن هذه الجذور؛ فلن يعرف الداء، ولا الدواء‍!

إن الأزمات التي تستفحل أخطارها إلى الدرجة التي بلغتها أزمة الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، تتطلب ما هو أكبر وأجدى من حركة حانية تلمس برفق عرق الحياة النازف!

فليست مشكلة المسلمين الراهنة من تلك المشكلات التي يكفي لعلاجها التوقف عند مستواها الظاهر، لأن ظاهرها مستوى ولد من آخر له جذور ضاربة في تراث ما قبل الإسلام.

فهم المسلمين للدين، هو أصل مشكلة المفعولية المسئولة عن أزمة الأمة الحضارية في العصر الراهن.

وهو فهم تلقاه اللاحقون عن السابقين، تحت نير سلطة فكرية، دعمتها سلطة السياسة القديمة، فاصبح كل نظر حر خروجا على الدين وعلى الجماعة؛ بينما هو في الحقيقة خروج على أوهام المتدينين، والمصلحة الآنية للمتسلطين.

كانت التعددية أحد خصائص الإدراك العربي الجاهلي للوجود، وتكييفا للفكرة الإسلامية كما نزل بها الوحي من الله تعالى. ولتعددية العربي، برزت في وعي المسلم، تفرقة حادة بين اثنين: الأول فاعل، والآخر مفعول؛ هذه الثنائية، هي معطى تكوين بيئي تراثي صنع النموذج الفكري العربي؛ لم يهيء له ـ للفكر العربي ـ  إمكان الفهم الصحيح للدعوة الجديدة.

ثم ترجمت سلطة السياسة فكرة الثنائية العقيدية، إلى ثنائية الحاكم والمحكوم؛ وفي التطبيق، فقد كان الحاكم فاعلا، والمحكوم مفعولا؛ بيد أن الحاكم ظل يزعم أنه مفعول لفاعل على الحقيقة هو الله؛ فتكرست فكرة المفعولية، وطغت على وعي الأمة.

كانت المفعولية في وعي وسيرة المسلم الأول، تمثلا للأمر الإلهي بحمل الراية والإندفاع بها في حركة، كانت فاعلة الأثر، ونبضت بها قلوب مؤمنة، لم تكن مشغولة بنظر يتغيا الفهم الأصيل للدور الإنساني في الوجود؛ ولكن الغاية التي سعى المسلم الأول لتحقيقها، كانت تجسيد الدور وبلورة نموذج حركي له.

ثم إن منهج العقل لم يكن قد ألح على مسلمي أول الدعوة، مثلما لم يكن قد ألح على الأجيال التالية؛ فلم يواجه التحدي العقلي الأمة كما يواجهها اليوم، ولم تدخل الأمة في ماضيها كله، مأزقا حضاريا يوازي المأزق الراهن، الذي يخلقه تحدي الإنجاز العقلي، والذي دهمها بينما هي في غيبوبة الغفلة والعبث.

العقل هجم على اللاعقل، فانتصر العقل واندحر اللاعقل.

وعقيدة الإسلام كما يدين بها الناس من اللاعقل الذي ورثناه عن أجداد لم يحيوا في زمن سيادة الفاعلية العقلية.

وما من سبيل الآن إلى إنكار دور العقل أو التكيف بغير منهجه؛ وليس من سبيل أمام المسلم المعاصر غير أن يقبل التحدي العقلي لعقيدته، وأن يثبت صدق ما نزل به الوحي.

فإذا لم يستقم أمر عقيدة المسلمين بمعيار العقل، فهل يستقيم الدين ذاته على هدى العقل المتحرر من أوهام الأولين واللاحقين التابعين؟‍

والدين القويم، يصدق أمام كل محك، خاصة المحك الذي يثبت أن الإنسان، من خلال منهاج العقل، فاعل، وشريك في الوجود، مختار بإرادة، صانع غير مقهور، ثم هو رائد حركة، يتحرر بها الفرد وتتحرر بها الأمة من إرهاب الماضي، لتلج بها الأفق الوسيع.

ومثل هذا الدين هو مطلوبنا‍؛ فهل الإسلام هو الدين المطلوب؟ أو؛ هل هو الدين الذي يمكن للعقل فهمه فهما يسترد به المسلم فاعليته؟‍ أجل!

                      حسن ميّ النوراني

 

                                          العين ـ الإمارات العربية المتحدة

                                       17 رمضان 1405هـ ـ 5 يوليو 1985م

واحدية الوجود

الله هو قضية الدين النظرية. وعلى مستوى الفعل، فإن قضية الدين، هي العلاقة بين الخالق والخلق.

والله، في المفهوم الديني، واحد، خالق.

والله، في معتقد المسلمين، خالق، مغاير للخلق؛ هو وجود مستقل، خلق وجودا آخر، ليس هو؛ فبعد أن كان الوجود الأزلي واحدا، أظهر الله وجودا آخر، زمانيا، هو الخلق؛ فصار الوجود وجودين: وجود الله، ووجود العالم.

هذه الثنائية الوجودية، هل يسلم بها العقل؟

وهل ثنائية الوجود مسلمة دينية، أم هي وهم عقيدي؟

فإذا رفض العقل ثنائية الوجود، فلا بد له أن يرفض الدين، إذا كان جوهر الدين، الإيمان بوجودين متغايرين، هما: الله، والعالم.

وبزعم الفكر العقيدي، فإن الله وجود لا يتصور العقل نهايته، فإذا كان الله لانهائيا، فإن خلقه لوجود غيره، تناقض مع ذاته، ولا يزول التناقض إلا بنفي ثنائية الوجود؛ فإن كل وجود آخر، غير الوجود الأول، حد للوجود الأول، وحكم عليه بالتناهي.

نحن نعرف الوجود ابتداء من خبرتنا ـ خبرة الذات بالموضوع ـ والوجود الذي نعرفه بالخبرة، ونتخيله بالعقل، غير محدود؛ إنه ملاء، يملأ مقولة الوجود. وإذا كان الله قبل العالم يملأ الوجود، أو كان هو الوجود الممتلىء بذاته، فلا قدرة له على خلق وجود آخر مغاير له؛ والخلق لا بد أن يكون بـ، ومن، وفي ذاته. ولو كان العالم محدودا، فهو حد للوجود الإلهي. فإذا كان الوجود الإلهي مالئا للوجود من قبل الخلق، فإن القول بخلق مغاير نفي لقضية ملءْ الله للوجود؛ فيكون الله ناقصا، محدودا؛ والدين يرفض نقصان الله.

وإذا صارت مغالطات الأفكار عقائد تحكم الحياة الإنسانية، صار البلاء قاسيا. وقد أفرزت الثنائية سلبيتها، منذ تجرأ سلطان السياسة الإسلامية على الزعم أنه قدر الله الذي لا راد له، ومنذ أن تحولت الإمامة من حاكم يسأل الأمة أن تصلح إعوجاجه، إمام يحمد الله على أن الأمة لن تتردد في تقويم اعوجاج أميرها بالسيف؛ إلى إمامة تكره الأمة على ما تأباه، فيجبر الحاكم الناس على مبايعة إبنه بالخلافة، من غير حق؛ ثم يجيء سلطان فيرى الإرادة الحرة رؤوسا يانعة حان قطافها!

كرس نظام السياسة عقيدة الثنائية؛ فإذا كان الوجود إثنين: الأول مطلق هو الفاعل، والآخر مفعول مسلوب الحول، خلقه الخالق من عدم؛ فما حيلة الإنسان أمام تصاريف الزمان، إن كانت التصاريف حكما مقضيا به ومقدرا من حاكم فوق، يفعل ما يشاء؟! وباسم حاكم التصاريف، يسوس حاكم المسلمين الرعية!

هيمنت فكرة المفعولية على المسلم، وبرزت سلبيتها بما أحدثته من انفصام البنية، وقبول جور الحاكم، ومطاوعة الظلم. وكيف المفكرون الحياة المجتمعية مع القدر السياسي الصارم؛ واحترزوا من خوض غمار معركة يتحدون بها سلطان العقيدة، أو عقيدة السلطة؛ افتقد المفكرون روح التجديد البطولية وهادنوا؛ فعززوا انقسام المسلم إلى ديني، ودنيوي؛ وبالطبيعة، قدم الناس عاجلهم على آجلهم، وهم لا يزالون مشدودين بوجدان مزدحم بقضاء وقدر، يظنونه جار من فوق وجودهم، ومن غيره، لا فيه؛ أو هو قدر واقع عليهم، لا بهم!

***

الدين يوسع فاعلية العقل، وعندما يجيز العقل الدين، يصبح الدين عقلا، ويصيرالعقل دينا بتوسعه إلى مستوى الوجود الديني. تختلف واســـعية العقل الإنساني ـ بلا دين ، الدنيوي ـ عن واسعية العقل لدى الإنسان الديني. وبتفاوت السعتين العقليتين، يتفاوت المدى الوجودي للدنيوي، والديني. ومن ثم، يمتاز الديني بالقدرة المتفوقة على الحركة في الدنيا، حركة تجاوزية، مرتكزة إلى الدنيا، لا مفصولة عنها.

العقل يوسع الحاضر، وخلال تقدمه المتواصل، يكتشف الوحدة التي تختفي في المتفرقات، وبالنظر القريب. والوحدة لا تلغي الفردية؛ إن كائنات الوجود متفرقة، ولكان العقل، وخلال نموه، يتقدم نحو تفسير واحدي لما هو متفرق في العيان، وكان آينشتين يطمح إلي صياغة نظرية المجال الموحد، ليفسر بها ظاهرات الطبيعة، بنظرية موحدة.

يدعم العلم الطبيعي الرؤية الواحدية، لكن الأخيرة غير معوزة للعلماء الأفذاذ للكشف عنها. فهي تنكشف بالوعي بالوجود الواحد الذي لا يتصور العقل التأملي تعدديته؛ والذي يمتنع فيه تصور العدم المحض، أو اللاوجود المطلق. ستكون الواحدية رؤية باطلة، لو كان للاوجود كينونة، بأية صورة، وكان ـ اللاوجود ذو الكينونة ـ غير الوجود، مغايرة تدفع به إلى خارج التصور الوجودي. ولكن، لما كان لا يمكن تصور إلا ما هو وجود، فإن اللاوجود وجود بالتصور، واللاوجود هو صيرورة وجودية، لا إلغاء للوجود البتة. فكرة الوجود لا تقبل اللا، ولا التعدد.

الوجود هو الصفة الأولى، المطلقة، لكل فرد. وتباين الأفراد فيما بعد اتحادهم في الصفة الأولى، هو تبــاين وجــودي، الوجـــوديـــة صفته الأولى، والمطلقة أيضا؛ فهو ـ التباين ـ ينتفي برؤيته بمنظور الصفة الوجودية الأولى، التي تطوي التباينات في معناها، وفي واسعيتها.

الوجود الواحد يسع الكثرة، لكنه لا يلغيها، الكثرة فاعلية الوجود، وإلغاء الكثرة إلغاء للوجود، بإلغاء فاعليته؛ وحقيقة كثرة الوجود، تطابق حقيقة واحديته. وبلغة العلم الطبيعي؛ فإن العالم طاقة، وهو كثر من الأفراد؛ فالفردية حقيقة كونية وجودية تتكون من طاقة، والوجود كله طاقة متحققة في أفراد. والفردية فعل حركي، فالعالم طاقة، والطاقة حركة؛ فالعالم حركة: العالم أفراده؛ والفرد هو فاعلية العالم. الوجود واحدي؛ والفردية فاعلية واحديتـه.

منهاجية التفكير العربي

لم تكن البيئة الثقافية العربية ـ التي تلقت الوحي ـ معنية بتجريدات العقل؛ كان العربي مشغولا بالتكيف العملي مع الحاضر الراهن المباشر، وكان مهموما بتقلبات بيئته الطبيعية والإجتماعية، دفاعا عن كينونته التي تهددها عوامل ظروف شاقة قاهرة. انعكس هذا الهم على مدركاته العقلية، وكانت معتقداته، تجسيدات لانفعالاته بالبيئة الطبيعية والإجتماعية، وتشكلت رؤاه بآنية لم تحظ بالتقدير في سياق شامل لمقولة الوجود المطلق من حدية الآن، أو محدودية الزمان والمكان.

صبغت البيئة العربية التي تلقت الوحي، حياة الإنسان، الذي هو ـ الإنسان ـ صورة زمانه على كل حال. كانت قسوة الحياة، وحركة العربي المكانية السريعة، عوامل أنتجت منهجية تفاعل حيوي، بمواقف انفعالية. والإنفعال استجابة عجلى، وتغير مفاجىء، يباين نشاط العقل المتردد، والمتراخي في مدة أكبر، تسمح بالتفكير البارد، وإجراء عمليات تحليل القضايا وتركيبها.

الانفعال طغيان ذاتي على لحظته، وعلى موضوعه. لا يقدر المنفعل على التفلت من إرادة الحياة المصمتة المركوز عليها وجود الإنسان الإبتدائي؛ فتنغلق على المنفعل فتحات تواصل اللحظة مع السريان، ويسجنه موضوع انفعاله، لتبرز الفردية حادثة متشنجة، تلغي في جوانية المنفعل الدور الفاعل لممكناته الكلية، النظرية والإجرائية.

كان العربي مضطرا للقفز في المكان، دفاعا عن وجود تتهدده عوامل ظرف لا تدعه يسكن في مقام. وقد انعكس أثر خاصية القفز في المكان على النشاط الأدبي العربي؛ فكان قفزات تنتمي للوجدان وترسم صورته، تنفعل بالقضية فجأة، وتنقلب عن أخرى فجأة، من غير تسلسل من مقدمات إلى نتائج بينهما رابطة الوحدة الموضوعية.

ونشاط التجارة الذي مارسته بعض قبائل العرب، لا يند عن خاصة القفز في المكان؛ فلم تكن التجارة العربية  عندهم علما يتطلب غور التفكير؛ ولكنها كانت قوافل تحمل بضاعة في الذهاب والإياب؛ لقد كانت قفزا في الفيافي، وانتقالا ونقلا. ثم إن التجارة في مجملها، عمل فردي الدوافع والغايات، يلعب فيه حب المال دورا مؤثرا وحادا على الذات؛ فيتكثف بالمال، وراء جدران الذات، وجود أنــانـــي مصمت، يناقـض الكليــــة ـ والجمعية ـ فكرا وسلوكا.

وتتشابك الانفعالية مع الأنانية في نظام القبيلة العربية. لقد كانت “أنا” العربي تنتفخ لتملأ الفرد بـ “أنا القبيلة’”. والإنتفاخ بالقبيلة خاصة انفعالية تعكس أثر العلاقات بين الإنسان والإنسان، والإنسان والبيئة؛ وهو منحى مضاد للعقل؛ لأن رؤية العقل تهدي إلى تجاوز حدود القبيلة، إلى حدود أبعد، بغاية التعاون لمواجهة تحد بيئي قاس تفرضه ظروف البيئة العربية. غير أن شعار العربي كان هو : “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”؛ والأخوة في معناها لا تخرج ـ في مفهوم عرب الجاهلية ـ عن حد القبيلة، وهي مدى العربي الجمعي، إضطره إلى الوقوف وراءه، سلوك القفز في المكان، وسوغه له منطق القفز في الأحكام، وهومنطق الإنفعال. ولم تكن جماعية القبيلة تدريبا للعربي يؤهله إلى رؤية كلية أوسع، التي هي سمة العقلانية، ولكنها ـ جماعية القبيلة ـ أصلت الأنانية وأغلقت النوافذ دون الآخر الحقيقي، الآخر المنتمي لقبيلة أخرى.

وكان الشعر والفروسية والكرم من مفاخر العرب. وكانت هذه الخصال، وعلى ما تنطوي عليه من معان إنسانية كلية، كانت ـ في البيئة العربية ـ مغلولة بقيد الـ “أنا” بشكليها الضامر والمنتفخ. كان الشعر صوت القبيلة وإعلامها المنافح عنها بالكلام. وكانت الفروسية دفاعا عن ذاتية القبيلة؛ وكان الكرم مواجهة عربية ضد خطر الهلاك الذي يهجم على مرتحل في مجاهل الصحراء، إذا ضل هلك، وإذا جاع قاتل؛ وإذا لم تكرم القبائل وفادته، تناقلت الألسن مذمتها، وانحط شأنها في الناس بصنيع البخل الوضيع. فالشعر والفروسية والكرم عند العربي انفعالات بالواقع، ودفاعات أنانية في إطار القبيلة، تأصلت بها المنهجية غير العقلية، المختلفة عن رؤية العقل الواسعة المدى، التي تتعامل مع الفردية، لا في عزلتها عن الجمعي المطلق، ولكن، برد الفردية إلى أبعادها ومقوماتها الفاعلة.

إن مدى الانفعال ضيق، وكان العرب الذين زامنوا الوحي انفعاليين؛ وعقيدة الدين عندهم دليل صريح على منهجيتهم الانفعالية  في الفكر والسلوك. فالوثنية لا عقلية، وكان العرب يعبدون الأصنام تزلفا إلى الله، ومن بطلان المنطق جمع الأضداد معا في مقولة تتأبى على القبول، مثل مقولة الشرك التي تجمع بين الله المطلق، الذي له السماوات والأرض، كما كان العرب يعتقدون، برواية القرآن، وبين صنم لا حراك فيه، يراه الوثني مدراجا إلى الله. ولكن نقيضة المنطق ظلت حبيسة الفكر، جردتها الممارسة من مضمونها في الواقع؛ فاكتفى العربي من وجهي معبوده، بالصنم الذي يصنعه بيديه.

ولم يأبه العرب بدعوات كانت تحضهم على التحرر من جهالة الوثنية، بل قاوموها بسلبية الطفولة حينا، وبمكابرة ظلومة حينا آخر، ورغم مشاعر واضحة لديهم، بأن الإله لا تصنعه الأيدي، ثم يأكله الجياع، وتبول عليه الكلاب؛ فلا يحمي نفسه، ولا يرد عدوانا. ولكن عقيدة العربي الوثنية دفاع عن الشخصية العربية المتمثلة في نمط القبيلة؛ فقد كان لكل قبيلة إله تكرس به انفصاليتها، وكان الإيمان بالصنم جمودا فرديا وجمعيا على تراث الأولين، وكان رفض معتقد الجاهلية خروجا على وحدة القبيلة؛ فلا تتردد القبيلة في مقاومة الرافضين لعقيدتها بكل أشكال القمع والإغراء، كما فعلت قريش مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، ومع المسلمين عامة.فقد زعم القريشيون أن محمدا فرق شمل جماعتهم، فقاوموه فلم تثنه مقاومته عن مواصلة الدعوة، فأغروه بالملك عليهم، وأن يتوحدوا تحت لوائه، بشرط تراجعه عن دعوته إلى دين جديد، رأوا أنه يرفض تقاليد الأولين، ويكسر جمودهم، ويعصف بالأساس البنيوي للقبيلة؛ مبشرا بقيم عظمى لا يستوعبها مفهوم العربي الجاهلي؛ فالدعوة الجديدة، انتماء إنساني للكل، يناقض انتماء الإنسان للبعض، بالتصور العربي الجاهلي الضيق.

الوثنية عقيدة ضيقة، انفعل العربي بها، فظل ضيق الفكر، مغلولا في دوائر وجودية، تمثلت في مفهوم استنكر توحيد الآلهة في إله واحد؛ فهو ـ العربي ـ بحكم تعددية سياسية، ورؤية انفصالية، لم يتأهل لمعرفة واحدية للوجود. كانت إرادة الحياة، لدى العربي، تحت ضغط البيئة والتراث، هي إرادة العزلة. والإنسان الذي يشتبك بالحياة، بمواقف انفعالية، تطغى عليه انفعاليته، وتسلب الانفعالية منه، إمكانات التكيف العقلي. لم يكن العربي عقليا في رضوخه لتراث الأجداد، وكان التكيف العقلي بالنسبة للعربي، يمثل ثورة، لم يكن الواقع العربي قد تأهل للقيام بها.

والجمود والانفعال خاصتان للعربي الجاهلي يجمعهما موقفه المناقض للعقل. على أن الانفعال حركة نفسية كانت تحكم تكيفات العربي الوجدانية مع وجود الآخر؛ أي أن الانفعال كان قوالب التكيف؛ وكان الجمود هو الجانب الموضوعي لانفعالية العربي، أي: هو مادة قوالب تكيف العربي مع وجود الآخر.

 كان الانفعال منهاجا عربيا؛ وكان على كل دعوة جديدة أن تعبر إلى دائرته الذاتية من هذا المنهاج. وكان تحول العربي عن جموده لا يعني تحوله عن منهاجه، ولكنه كان إحلال مضمون جديد في وجدان العربي، محل مضمون قديم، في قالب لم يختلف.

ولست أزعم أن العرب لم يكونوا يفكرون، فالفكر سمة إنسانية عامة؛ ولكن العربي لم يكن يفكر بطريقة علمية تحتكم إلى شروط التحرر من الرؤى والمواقف السابقة، والتحرر من سلطان تراث الآباء على المعتقدات.

كان العربي يفكر بطريقة انفعالية. وقد تتقاطع حركتا الانفعال والعقل في نقطة واحدة من مساريهما، ولكن تماثل نقطتين من خطين لا يلغي مابين الخطين من اختلاف، كالاختلاف الواقع ما بين طريقة الانفعال، وطريقة العقل العلمي.

ومن خصائص العقل طابعيته، ومن خصائص الانفعال انطباعيته؛ فلم يكن العربي قبل الإسلام صانع بيئته، لقد كان مصنوعها. فإذا نضب الماء وأجهز الحيوان على المرعى، ارتحل العربي عن مقامه إلى غيره؛ ولم يحترف العربي مهنة مدنية يتكيف بها مع عناصر بيئته، محاولا مغالبتها، لينتزع منها مقومات معاشه، كما هو شأن الحضارة الفاعلة. كان العربي يفر من أرضه إن أجدبت، ويكر إذا جاع أو عطش. وكان أثره العمراني أطلالا يبكيها إذا وقف عليها، وكانت ثقافته شعرا يدون تجربة الوجدان، أو حكمة تبلور تجربة حياته، أو أقاصيص تحكي تاريخ الأولين، أو تتبعا لأنساب الجن والإنس والحيوان؛ وكان في ثقافته هذه كلها، نتاجا مطبوعا غير طابع، يدل على ثقافة تسجيل، لا ثقافة عقل مبدع.

والانطباع انفعال. وعندما دعا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، العرب للإسلام، انفعلوا بدعوته، قبولا ورفضا. فلم يجمد المشرك على شركه، ولم يؤمن المؤمن بالدين الجديد، بتحليل قضية الشرك أو قضية الإيمان، تحليلا يتناول القضية بالطريقة العقلية العلمية التي يمتلك بها الباحث زمام حريته وهو بصدد الحكم على ما بين يديه بصدقه أو كذبه.

ومن الأمثلة الدالة على الأسلوب العربي الجاهلي في تناول قضية الدعوة الإسلامية، ما روته سيرة إبن هشام من أنه اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر موسم الحج، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموســم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا. فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بحنقه ولا تحالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما تقول أنت يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما انتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته.

فالمشركون مطبوعون بانفعال رافض للدعوة، فلم يتناولوا قضيتها بالعقل ليحكم عليها، فقد اجتمعوا ليبحثوا في تسويغ الرفض بوسيلة التمثيل ، ولم يقبلوا تمثيل الدعوة الجديدة إلا بالسحر المنافي لطبيعة العقل؛ السحر الذي يدمر بنية القبيلة، جامعة القيم الجاهلية النفسية والفكرية، ورضوا هذا التشبيه لأن العربي ينفر من دعوة تهدم بنية القبيلة، وغير هين عليه أن  يستبدلها بدعوة تقوم على عقل يضيء ظلمات النفس، فتستنير الحياة الإنسانية بعقيدة تقوم على القيم القائمة على الحقيقة كما جاء بها الوحي، وكما يسلم بها، تسليما عقليا، أولئك القادرون على التحرر من منهاجية الانفعال، ومن هيمنة الآن على الفكر وعلى السلوك.

كان رفض المشركين للدعوة الجديدة انفعالا بمقومات الجمود الطاغية الظللومة؛ فقد شتم محمد ـ بزعمهم ـ الآباء والآلهة وعاب الدين وسفه الأحلام وفرق الجماعة، جماعة الشرك، وما أبقى على أمر قبيح إلا جاء به فيما بينهم وبينه. وهم قد رأوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، بمنظور الجهالة المصمتة المنفعلة بقيم الدنيا الضيقة، فظنوا أنه إنما جاء يطلب المال أو الشرف أو الملك؛ فإن لم يبتغ أيا منها، فما حديثه غير رئي يراه.

كان الفكر العربي زمن الوحي ساذجا لم يألف منهج التحليل والتركيب العقلي الجامع للأبعاض في وحدة. وكانت أحكام العرب عجلى، تتدافع تحت ضغوط المواقف الآنية، ولا تصدر عن روية ورؤية مستقلة مترددة بين تقديرات متعددة ومختلفة، يقلبها الناظر فيها على وجوهها المحتملة وغير المحتملة، ليمايز بينها ويقارن ويختار. في هذه البيئة الفكرية، ظهرت الدعوة الإسلامية، وبمنظور الإنفعالية التجزيئي، غابت واحدية الإسلام.

إيمان الأوائل

دخل العرب الإسلام بمنهاج الانفعال.

ومن الأمثلة الدالة على منهاجية الانفعال عند العربي، قصتا إسلام حمزة عم الرسول وعمر بن الخطاب، رضي الله عنهما. تروي سيرة ابن هشام أن أبا جهل آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره. فلما نما إلى حمزة خبر أبي جهل مع ابن أخيه، “احتمله الغضب”، فخرج يسعى، بحثا عن أبي جهل، ولم يقف على أحد، حتى لقيه، فأقبل نحوه، وقام على رأسه، فضربه بقوسه، فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول؟

فهذا حمزة ـ أسد الله وأسد رسوله ـ قد دخل الإسلام غضبا لابن أخيه، فجأة، ومن غير إعمال للعقل فيما يدعو إليه النبي، ولكنه أعلن إيمانه بدعوة عمه، في لحظة طغى عليه فيها انفعال الغضب لعمه، على عدو من أعداء عمه، وفي هذه اللحظة الخاطفة، خرج حمزة من عقيدة الجاهلية إلى عقيدة الإسلام؛ قفز من قديم إلى جديد؛ خرج من وجدانه القديم، وامتلأ بوجدان جديد!

وقد أسلم عمر بن الخطاب، أحد أعظم رجالات الدعوة الإسلامية، بعد أن ارعوى! روى ابن هشام عن ابن اسحق، أن نعيم بن عبدالله لقي عمر، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: “أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله”. فقال له نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب. فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما. فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها سورة طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها. وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم، ندم على ما كان صنع، فارعوى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا، انظر ما هذا الذي جاء به محمد. ثم قام عمر فاغتسل، وقرأ من الصحيفة صدرا فقال: “ما أحسن هذا الكلام وأكرمه”، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم.

كان ارعواء عمر مما صنع بأخته هو ذروة منحنى خط الحركة في الحادثة المركبة التي روتها سيرة ابن هشام عن إسلام عمر؛ وهي حادثة تناقضت فيها المواقف واختلفت بين طرفين في لحظة انفعال وجداني، كانت لحظة حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية بمكة قبل الهجرة، وعلى امتداد التاريخ الإسلامي كله. وصحيح أن عمر أسلم بعدما قرأ بعض القرآن، فأعجبه؛ ولكن هذا الموقف نشأ ـ فورا  ومباشرة ـ عن موقف وجداني انفعالي، كان بمثابة الظرف الذي هيأ ولادة التحول المفاجىء لعمر، نحو عقيدة لم تكن بعيدة عنه، قبل حادثة إسلامه؛ ثم، هل يصح أن تحاكم دعوة كبيرة، تسع الوجود كله، ولها أهمية لا تحصرها الحياة الدنيا، هل يصح أن نقبلها أو أن نرفضها، في ومض من الزمن، واستنادا إلى نص لا يعدو الكلمات القليلات؟ لا يصح هذا المنهاج بحكم العقل، ولكنه صح بمنهاجية الانفعال!

انفعل عمر بالرفض قبل إيمانه، وانفعل بالإيمان أيضا. وعكس إسلامه انفعال العربي بالوقائع، فصور منهج القفز من حال إلى حال نقيض، وهو قفز انطوت عليه البنية العربية تحت إلحاحات إرادة الحياة في بيئة العرب القاحلة، التي تضطر الناس إلى التخفف من أعباء مقام طويل، ومن أ‘عباء تفكير عميق، وتؤهلهم للحركة السريعة، في الفكر وامتداد المكان، حركة يقفزون بها من نقطة إلى نقطة، بحثا عن مقومات النجاة، منفكي الرابطة بالقديم وبالجديد من المكان،، فالقديم شيء جاوزه الزمن، وخلا من النفع، والجديد مقام غير مأمون، يتهدده مستقبل يقضي ـ إذا كان انفصاليا، كما يعيش العربي الزمان آنا منفصلا عن آن ـ على الحاضر، وعلى أمن االشعور والحياة.

وكما العرب يقفزون من القاحل إلى الخصيب، قفز عمر، ومثله حمزة، من قاحلية الشرك، إلى ملاء الإيمان. لم يكن اعتناق حمزة وعمر للإسلام عقليا؛ ولا نزعم أن ايمان الصحابيين العظيمين فعل يناقض العقل، لكننا نرى أن منهجيتهما كانت منهجية لا عقلية.

كان إيمان المسلمين الأوائل إنقلابا على العقيدة القديمة، يقع فجأة. كان عمر جامدا على عقيدة الآباء، ومغلولا بموقفهم، ولم ترو سيرته أنه أعمل فكره في الدعوةالجديدة، القريبة منه، والمسموعة الصوت بوضوح كان كافيا لأن يوقظ فيه ملكة التفكير في صحتها؛ كان وجدانه مفعما بالكراهية للرسول، صلى الله عليه وسلم، والى الحد الذي دفعه إلى طلب قتله، وكانت كراهية عمر للمسلمين جلية ومروعة، والكراهية سلوك لاعقلي. وقد ظل وقتا طويلا يرفض الدعوة الجديدة ويقاومها بغير عقل، ولكن بانفعال، عكس موقفا عاما تفاقم في ذاتية عمر ، ونفخ أناه، ومنعه من أن يعي الحق، أو أن يصيخ السمع له، أو أن يتأمل الدعوة الجديدة تأملا حرا فيقرر منها موقفا منفك الرابطة بموقف جماعة المشركين، أو جماعة القبيلة بما تنطوي عليه من قيم تتهددها القيم الجديدة التي دعا إليها النبي الكريم.

كان إيمان عمر قفزا كالقفز العربي في المكان.والقفز يحدد الوقائع والقضايا بفواصل تقطع صلة الحادثة الفردة بالسياق الكلي المحيط بها. إن الفردية التي لا تند عن علاقة الفرد بالكل مفهوم عقلي تترجمه الرؤية الواحدية للوجود، والعربي لم يكن يوحد؛ إن تعددية القبائل، وامتلاء الوجدان العربي بهذه التعددية، وما تولد عن ذلك من سلوك وفكر؛ وتعدد المقام، والتباين الحاد بين القاحل والخصيب، الموازي للتباين بين الموت والحياة، هذا التعدد والتباين حفر في الذات العربية، إلى درجة غائرة، عادة الإشتباك مع الوجود في مستوى الحادثة أو القضية الفردة المنفصلة؛ وهذا يفسر إيمان عمر، باعتباره نموذجا للإيمان العربي بمنهجية الانفعال، في موقف غير متصل بالماضي ولا بالمستقبل؛ فأعمل فكره في بعض قليل من الوحي، لا بالدعوة كلها، وبتفاصيلها، أو بأمهات قضاياها. آمن عمر في لحظة فردة غلبته، ولم يعاود النظر فيها، ولم ينطلق فكره بالتحرر من الحاضر، كما لم ينطلق من الماضي الذي حكم موقفه العدائي من المسلمين، والذي حكم موقفه أيضا وهو يتحول من العداء العنيف، إلى الولاء العميق.

 لا شك أن عمر ، في لحظة الانقلاب السريع، وازن بين دعوة النبي وحال المشركين، والموازنة عنصر في منهاج العقل، لكنها أيضا عنصر في منهاج الانفعال الوجداني. وفي حالة الإيمان العمري، فالموازنة أدنى إلى أن تكون انفعالية وجدانية، لحصولها في ظرف وجداني صرف، ولانفلاتها من عقال التسلسل المبني من مقدمات ونتائج منطقية، لا التسلسل كما وقع وعمر ما زال يتوشح سيفا توشحه ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويدلل إيمان علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، كذلك، على المنهجية الإيمانية الانفعالية. فعلي اتبع النبي الذي كان قد ضمه إليه اتباع الولد لأبيه؛ لقد آمن بالنبي وكان عمره عشر سنين، فإيمانه انفعال صبي، وانفعاله لا يشينه، فالناس أبناء أزمانهم، كما قال علي ذاته فيما نقل عنه.

وآمن أبو بكر، رضوان الله عليه، بدعوة الرسول، وما تلبث وما تردد. وكان إيمان أبي بكر انفعالا بشخص الرسول؛ روت السيرة النبوية أن أبا بكر كذب حادثة الإسراء والمعراج لما أخبره المشركون بها، ولكنه عاد وصدقها لما علم أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، رواها؛ فالقضية في تقدير أبي بكر، صادقة أو كاذبة بمعيار الحامل لا المحمول. ولا يخفى الانفعال في موقفي ابي بكر، موقف الإنكار وموقف القبول.

وكان قد ارتد بسبب حادثة الإسراء كثير من المسلمين؛ فما تفسير نتيجة تناقضت صورتاها بين ازدياد إيمان أبي بكر وارتداد الكثيرين عن الإسلام، وهي نتيجة ارتبطت بموضوع واحد؟!

انطـوى أبو بكر الصديق تحت راية الداعي لثقته في صدقه وأمانته، وأسلم أبو بكر ـ السهل ـ للنبي قياد نفسه، مطمئنا إلى أن محمدا نموذج أخلاقي رفيع، وكان أبو بكر ذا خلق ومعروف، لكنه لم يكن يساوي النبي، فالنبي، في تقدير أبي بكر، إمام، وهو مأموم له. إنقاد أبو بكر للداعية الذي عرفه، أكبر مما انقاد للدعوة التي لم يعرفها كلها؛ فلم تكن الدعوة قد اكتملت. وعندما صدق حادثة الإسراء، كان منفعلا بالإمام الذي لا يكذب، ولم يكن متعقلا للحادثة تعقلا يستقل بذاته، عن ارتباط الحادثة بشخص النبي.

والذين كذبوا الإسراء من المسلمين، وارتدوا بسببه، انفعلوا بحادثة قطعوا صلتها بسياق الدعوة،؛ فلم يعقلوا قضية الإسلام الكلية، التي هي انفتاح القدرة الضيقة للإنسان، على إمكانات الوجود الواسعة؛ وأحسب أن حادثة الإسراء برهان على واحدية الإسلام، لم يتبينه المسلمون الأوائل، لوقوعهم في دائرة المنهجية الانفعالية، التي لا ترى الحادثات بعقل غير مغلول بالآنات المنفصلة، هذه الآنات المحكومة بالانفعال.

تأدى موضوع الإسراء ـ الواحد ـ إلى نتيجتين مختلفتين، اعطتهما حركة الانفعال. والانفعال حركة نفسية تقيد المنفعل، وتتقيد به، وتتأدي إلى غايات لا تجمعها الوحدة، وذلك لتباين الذوات الإنسانية، ومن ثم، تباين وجهاتها ومواقفها إزاء واقعة بعينها.

وإذا كان من خصائص العقل أن يجمع، فإن من خصائص الانفعال أن يفرق. والقصة الواحدة التي فرقت المؤمنين، دليل على منهاجية الانفعال عند العرب في عصر تنزل الوحي.

والحق أن قصة الإسراء والمعراج دليل على أن الإسلام ثورة ضد المنهاجية الجامدة، منهاجية الانفعال. والقصة آية من آيات النبوة المحمدية الدالة أن وعي الدين مرهون بالعقل الحر المستنير، المتفلت من قوالب الرؤية القديمة ضاربة الجذور في بيئة العرب القاحلة؛ لقد كان إسراء الرسول انفتاحا على الخصب المطلق الذي يعطي الأمن والحرية والسلام؛ وكانت الصحراء العربية مقبرة للقيم العليا، وكانت فلاة الانفعال المحبوس في مضائق العقول والنفوس.

الواسعية إعجاز القرآن

العقيدة القادرة على مواجهة مشكلة الأنا الظلوم، أهم مشكلات الإنسان، والتي لا تلغي فردية الأنا، ولا تجحد قيمة العقل؛ هي العقيدة التي يعوز البشرية في عصرها الراهن الإيمان بها.

وصلاح الدين المعقود عليه الأمل بالنصر في معركة تتغيا الخروج من مأزق الحضارة المعاصر’’ة، مأزق الدنيوية، هو وجه الإعجاز الذي يثبت به صدق دعوته؛ دعوة الدين.

وبمنهاج العقل المستنير بالحرية، نعالج قضية الإيمان بالدين الإسلامي، باعتبار وحدتها وتمامها؛ فنخالف منهاج الأولين في الإيمان، الذي كان انفعالا وقفزا لا يلتزم الانتقال المعقول من نقطة إلى أخرى، ترتبطان بعلاقة السببية، مثاله إيمان أبي بكر الذي آمن بدعوة محمد لأن محمدا كان صادقا أمينا! فهل الصادق الأمين في ماضي الزمن صادق أمين في حاضر الزمن ومستقبله؟ وهل يكذب الصادق ويخون الأمين بإرادة إذا توهم الحق في قضية باطلة بذاتها؟! وإذا صح قول محمد أن الدعوة متنزلة عليه، فهل يلزم بالضرورة أنها منزلة من الله رب العالمين؟ ولماذا لا يكون محمد قد نسب دعوته إلى الله ليضمن لها القوة الكفيلة بتحرير قومه من خضوعهم المهين لأصنام وأوثان وقيم عبودية لا تليق بالإنسان كما تشوق إليه الداعية الكريم؟

تلك كلها فروض جائزة التقدير، لا يمنعها زعم من احتج بأن محمدا ظل في قومه أربعين عاما، فلم يدعهم إلى ما دعاهم إليه بعد هذا العمر المديد؛ فما العلاقة بين عمر الداعية وصدق دعوته؟ فلو أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، تلقى الوحي قبل أو بعد الأربعين، فهل يصح أن يحسب ذلك نقيصة في الدعوة؟ كلا. وهل يصح أن نكذب دعوة نبي لم تأت في ميقات يوافق عامه الأربعين؟ كلاّ.

تلك الفروض جائزة، لا يلغي جوازها أن تكون دعوة محمد قد نقضت الوثنية العربية الباطلة. فليس دعوة تتنزل من الله هي الحق وحده، إذا كان محك صدقها قوة إبطالها لعقيدة الوثنية العربية. وليس محمد هو أول داعية في عرب الجاهلية دعا إلى رفض عبادة الأوثان.

***

وليست العقيدة الفاعلة في عصر الأزمة الحضارية ـ العربية الإسلامية العالمية ـ هي العقيدة التي يؤمن بها المؤمنون بمنهاجية الانفعال غضبا أو ارعواء أو إعجابا أو اقتداء أو تسليما علي عماء. العقيدة الفاعلة هي الحق في كل ظرف ومن كل وجه، والحق هذا هو معجزتها التي لا يبطلها التغير.

فما وجه إعجاز دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يكشف أنها الحق، وأنها علاج مشكلة الإنسانية في الزمان الراهن، وفي كل زمان؟

ترتكز القضية الدينية على دعوى تنزلها من الله رب العالمين. فإذا صح أن القرآن وحي الله نزل به جبريل الأمين على قلب محمد الرسول الكريم، فلا مسوغ بعد لجدل يدور في مستوى العقل أو دون مستواه، حول صدق الدعوة الإسلامية في ذاتها، وصلاحها لمواجهة تحديات الوجود الإنساني. فإذا كان الدين متنزلا من رب العالمين، خالق الأكوان، لا يند عنه كون؛ فإن كلام الله خلق لله يهدي به خلائق الإنس؛ على تقدير سابق، وآخر لاحق، تبرز بينهما أزمة الوجود بمعنييها الديني والحضاري الدنيوي على السواء. فإذا اجتاز الإنسان أزمة الوجود بهدى وحي الله بمقالة الدين، ثبت أن القرآن كتاب الله لا ريب فيه، وأنه الحق الصراح في ميزاني العقل والفعل.

فهل القرآن كتاب منزل من لدن الله؟ الجواب على صورتيه، فرض تعوزه الحجة.

أم أن القرآن كتاب من عند محمد، ثم زعم أنه منزل من لدن الله؟

ينفي القرآن عن نفسه كل نسبة لغيرالله، ولن يأتي الجن ولا الإنس ـ يقول القرآن ـ بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وقد تحدى القرآن العرب على أن يأتوا بسورة من مثله؛ فلما عجزوا، ثبت ـ بمنطق القرآن ـ صدق دعوى تنزل القرآن من لدن الله.

ومن حق العقل إذا تناول قضية الدين أن يسأل عما إذا كان عجز العرب عن الإتيان بسورة من مثل القرآن، دليلا حاسما على صدق دعوى تنزل القرآن من لدن الله؟

فإذا كان الفعل القرآني فائقا ولا يرقى العرب إلى محاكاته، فهل العجز العربي عن الإتيان بشيء من مثله، دليل كاف على أن القرآن وحي الله نزل به جبريل على قلب نبي الله محمد؟

وعلى صحة افتراض أن يكون القرآن فعل غير محمد، فهل هذا الغير هو الله لا سواه؟

فمن ذا الذي يزعم، زعما يؤيده الدليل، أن الوجود ابتداء من مرتبة الإنسان، محصور بين الله والإنسان؟‍

ومن ذا الذي يزعم، زعما مؤيدا بالدليل، خلو الوجود من أكوان لا يمتنع في العقل أن يتنزل منها على محمد كلام، ويقال أنه كلام الله؟

إن العقل المستنير بالحرية يتغيا الحق لذاته، فيقتحم كل بحر، ولا يتهيب افتراض الفروض، إلى أن يثبت عنده صحة فرض بحجة يخالها لا تنقض؛ ولا يغفل عن الوعي بأن الحجة أيضا، حكم غير معصوم.

وقد رد المفكرون المسلمون المعجزة القرآنية إلى نظم القرآن البليغ، وإلى ما اشتمل عليه من أمور الغيب، وقصص السابقين، ونبوءات المستقبل، ودعوته إلى خير الإنسان، وسبقه لمكتشفات العلوم التجريبية، في نسق لا تتعارض فيه أجزاؤه.

ولا يزعم مفكر مسلم، أن مقدار ما تحدى الله به العرب، من القرآن، يشمل أوجه الإعجاز التي عمد الدارسون المسلمون لذكرها كلما ناضلوا المنكرين لقضية الدين، أو أثبتوا صدق نزول القرآن من لدن رب العالمين.

فلما تحدى الله العرب أن يأتوا بسورة واحدة من مثل ما نزل على الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، فأعجز التحدي العرب؛ دل العجز العربي على أن إعجاز القرآن صفة له كله، وصفة لكل سورة من سوره. وليس كل سورة من سور القرآن فيها أوجه الإعجاز المتعددة التي ذكرها الدارسون المسلمون للوحي.

ولم يكن العرب، زمن تنزل الوحي، أهل علم واف بما سبق من أخبار الأمم، ولا أصحاب كشف عن مخبوء الزمان مما تنبأ به القرآن أو أضمره من معان؛ فيردوا دعاوى القرآن إلى ما يعلمون أو يكشفون، ليتبينوا حقيقتها من زيفها. ولكن الدين الجديد كان يسحر العربي فيؤمن به، ولا يكون ـ العربي ـ قد وقف إلا على القليل من آياته، أو أن يكتفي بأن يخبر ناحية من أخلاق الدعي به.

كان للعربي وجدانا منفعلا، لا عقلا محللا ومركبا ومتريثا يتريث قبل أن يصدر الحكم. ولو تريث المؤمنون الأوائل بالوحي قبل الإيمان به على ما انتهى إليه لحظة إيمان كل منهم، إلى أن يتم تنزل الوحي كله، لكان إيمانهم أقرب إلى منهاج العقل الذي يحدد موقفه من القضية التامة وليس من أبعاض معلومة لكل مجهول؛ لكن قضية القرآن التامة قائمة في كل بعض من القرآن، بتقدير للإعجاز القرآني، لا يطابق المفاهيم الشائعة حول قضية الإعجاز القرآني.

كان للإيملن الذي كان يقدح وجدان العربي الصحراوي القاسي المنفصل المتعنت، كان له فاعليته الخاصة التي مكنت الوحي من أن يقلب وجهة النفس العربية من صورة إلى نقيضها. ولا تنفعل نفس بدعوة ، إن لم تكن عوامل النفس مواتية لنمو بذور الفكرة الجديدة. ولم يكن العلم بالسابق أو اللاحق من عوامل تكوين النفس العربية التي ملكت دعوة الإسلام نواصيها.

كان العربي يقفز من الشرك إلى الإيمان في لحظة انقلاب لا ينكفىء عليها، بأداة التحليل؛ بل كان يندفع بها، بقوة تكمن في دعوة الوحي، لها ـ للقوة ـ صداها في وجدان المؤمن ـ الإنسان ـ بها.

فالإيمان الذي يطفر من أعماق نفس مظلمة، في برهة قصيرة، وبآيات قليلة، لا ينبني على أساس ما في القرآن من وجوه إعجاز درج المسلمون على ذكرها، وحض الناس على الإيمان بالوحي من بابها.

لم يتوجه التحدي القرآني للعربي القديم وحده، ولكنه تحد للإنسان ـ ومعه الجان ـ في كل زمان. فلا بد أن وجه الإعجاز القرآني هو واحد بعينه، يغلب العربي إذا  تحداه، ويغلب سواه في كل مصر وعصر، خاصة وأن محمدا رسول الله للناس كافة.

فإذا قيل يكمن في البيان وجه إعجاز القرآن، بدلالة كل آية من أياته، فهذا قول تنقضه عمومية الرسالة وعمومية التحدي. فإن كان العربي بليغ اللسان، تحداه القرآن بالبلاغة ذاتها التي يتقن صنعها؛ فأين وجه التحدي القرآني لغير العربي؟ أو للعربي في عصور انحطاطه البياني؟ فلو أن البيان هو وجه الإعجاز القرآني، فإن من الحق الزعم أن القرآن تنزل للعربي في عصر بلاغته البيانية ولا غير؛ طالما أن  القرآن معجزة بلاغية، لا تكون معجزة إلا إذا تحدت البليغ فأعجزته، ولا تكون معجزة ربانية إذا تحدت غير بليغ البيان، فنكص عن تحديها.

ولم يكن العرب يؤمنون بالقرآن لبلاغته البيانية. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو العرب للإسلام بأفكار القرآن. ولم تكن دعوته للقرآن  بصورته البلاغية في كل حال. ولم يذكر من أخبار الإيمان أن المؤمنين الأوائل جربوا الرد على التحدي القرآني البياني، فإذا أعجزهم التحدي استسلموا للدعوة النبوية المحمدية. ولم يكن الأعجمي يؤمن بسبب بيان القرآن، فأعجمي اللسان لا يدرك ما في لغة العرب من بيان! وأعجمي اللسان ليس مكلفا الإيمان بالقرآن إن كان باب الإيمان هو البيان!

والتفاوت في البلاغة بين متكلمين بلسان واحد، مسلمة في كل العصور والأمم. وكان العرب يمايزون بين بلغائهم ويجعلونهم مراتب يعلو بعضها بعضا؛ فإذا ادعى محمد النبوة لعلو مرتبته البلاغية، جاز أن يدعي النبوة كل بليغ ارتقى سدة البيان في أمته وعصره.

البيان البليغ صفة للقرآن، غير أنه ليس وجه إعجازه اللازم عنه أيمان الناس به في كل زمان، الناطقين بكل لسان. البيان صفة للغة، لكن اللغة ترجمة للإفكار، من ترجمات متعددة؛ فلا تستغرق كل أنماط الفكر؛ والإسلام أفكار؛ فإن كان الإسلام معجزا، فإن إعجازه في فكره، لا في شكل من أشكال الترجمة الفكرية. وقد يلتقي الناس كافة، في كل الأزمان والبلدان، على فكر واحد، لكنهم لن يلتقوا على صورة واحدة من الترجمات المتعددة لفكرة واحدة؛ فالفكر المنتج عقليا، واحدي بذاتيته، لكن تجليات ما هو واحد بذاته، متعددة؛ واللغة، عربية أو غير، بليغة أو غير، لها تجلياتها المتباينة المتفرعة عن أصل واحد، غير الشاملة عليه كله. ولا بد أن إعجاز القرآن يكمن في الأصل الواحد الشامل غير المشمول.

ولا ينماز القرآن عما سواه بالوجوه الأخرى التي رأى المفكرون المسلمون فيها إعجاز القرآن غير ما فيه من إعجاز البيان. فإذا احتجوا باجتماع ما ذكروا من أوجه الإعجاز القرآني على تفرد القرآن، لزمهم إثبات اجتماع الناس عليها في كل زمان وعلى كل حال. غير أن اختلاف الناس في فهم القرآن واقع، فالتفاسير متعددة، والتأويلات متعارضة، وظلت بعض الحقائق القرآنية مطوية في النصوص، تنكشف على كر الزمن. فالإعجاز القرآني على الوجه الذي يظنه الرأي الشائع، لم يظهر من القرآن ظهوره التام في أية حقبة من الزمان. ولا بد أن يظهر إعجاز القرآن كله، وفي كل زمان، لكل من يعي سر الإعجاز، ووعي سر الإعجاز القرآني ميسور لكل نظر عقلي واحدي، وليس للنظر المشروط بالكشف عن الوجوه التي عددها الدارسون التقليديون لقضية الإعجاز القرآني.

إن ما ذكره الباحثون التقليديون من أوجه الإعجاز القرآني لا تنفي عن القرآن، نفيا قاطعا، احتمال نسبته لغير الله.

فبلاغة القرآن، وانتظامه في النسق الخاص به، ليس من المسائل التي لا يستطيع الإنسان فعلها.

وتاريخ الأمم السابقة مدون في الكتب، فٌإذا زعم أن قصص القرآن رواية جديدة لأخبار حفظتها آثار اليهود والنصارى، فهو زعم لا يدل دلالة قاطعة على أن النبوة المحمدية ربانية. ولا يضعف فرض النقل المباشر أو غير المباشر عما سبق، بالقول أن رواية القرآن بينة، وأنها أجلى معنى من روايات التوراة والإنجيل؛ فكل تجديد يمتلك إمكانات التقوية والتجلية. وقد يجوز أن يكون محمد قد وضع يده على الروايات الأصلية للكتب السابقة، على اعتبار أن الروايات المتداولة لا تطابق الحقيقة.

وهل نبوءات محمد دليل على أن رسالته متنزلة من لدن الله؟ فهل يحق لكل نبيء أن يزعم أن وحي الله قد تنزل عليه؟ ثم إن انتماء النبوءة للمستقبل أمر يحيل الحكم عليها إلى زمان وقوعها، الذي لم يقع في زمان التنبؤ، وهو الزمان الذي يرجو المتنبيء من الناس أن يصدقوا فيه دعوته. فالنبوءة قبل وقوعها، تقبل أن يفترض فيها الصدق والكذب، وإن قبول الدعوة يتطلب التسليم بصدقها تسليما عاجلا، لا تسليما مؤجلا.

وأخبار الغيب قضية لا تستقل عن قاعدتها، ولا تصدق إلا بردها إلى مقدمات ثابتة. فإذا صدق الزعم بتنزل القرآن من الله، وصح الفرض بأن الله منزه عن الكذب، لزم التسليم بقضة الغيب، وفق منطق ارتباط النتائج بمقدماتها الصحيحة.

وحكم إشارات القرآن العلمية هو حكم النبوءة والغيب. وقد تكون هذه الإشارات أمارة نبوغ بشري، وقد تكون سبقا للزمان، أو موافقات عفوية. والقول بها، وفي كثير من الأحيان، شيء مفتعل، يقصد به المتأخرون الدفاع عن الدين، وفي مواجهة العلم المعاصر، بلغة العلم، على ما في هذا الدفاع من مجافاة لمنطق العلم، المبني على قاعدة أساسية، هي قاعدة التخلي ـ ابتداء ـ من التسليم لكل معتقد، غير معتقد التحرر من الأحكام السابقة. وأظن ـ وليس كل الظن إثم ـ أن المدافعين عن الإسلام بالتقاط الموافقات بين نصوص القرآن، وتقريرات العلم، لا يتحلون بالتخلي المطلوب في منطق العلم، فهم مؤمنون من قبل، مؤمنون من بعد؛ وهم لا يتحلون كذلك بالوعي بقضية تغير مقررات العلم، مع تغير العصور، ولا يعون أن تغير العلم يجر إلى تغير الحكم على الدين؛ فلو أن العلم قرر أن الأرض مسطحة، وأنها ثابتة لا تدور، فزعم القائلون أن القرآن كشف هذا من قبل؛ ثم قرر العلم غير ما قرر من قبل، فقال أن الأرض تدور وأنها كروية، فماذا سيكون موقفنا نحن معشر المؤمنين بصدق القرآن؟ وبأي مقررات العلم ندافع عن صحة معتقدنا؟ هل الدين صادق في كل زمان، أم صادق في زمان، كاذب في زمان؟ أما ربطه بمقررات يكذب اللاحق منها السابق، فهو فك ارتباط ما بينه وبين عقل لا تجتمع فيه المقررات المتخالفة، عن قضية واحدة، عن واقعة واحدة.

وليست قيم الإسلام الأخلاقية، أو نظمه التعبدية والتشريعية، ليست جديدة على الإطلاق، ولم تنسج على منوال لم يسبق. ففي التراث الإنساني عامة، والعربي خاصة، قيم أخلاقية كريمة، كما في الإسلام. وعرف الناس قبل محمد عقائد وشرائع مثل تلك التي دعا إليها النبي؛ وعرف العرب خاصة، أغلب ما تبناه الإسلام من العقائد والشرائع والأخلاق. وبفرض أن لا يكون محمد نبيا مبعوثا من رب العالمين، فهو مصلح عظيم، لم يخرج عن سنة المصلحين، الذين دعوا أجمعين إلى الخير، وبطرائق تتأدى إليه.

أوجه الإعجاز التي يبرزها المفكرون الإسلاميون التقليديون ـ غير الواحديين ـ لا تنفي عن القرآن تهمة نسبته لغير الله؛ فهي لا تقوم حجة على معجزة القرآن الربانية، ولا تتجاوز مدى التدليل على أن القرآن فعل فائق، ولكنه يحتمل أكثر من تفسير، ويمنح الباحث العقلي حرية افتراض كل ما يجوز افتراضه.

وقد يستند الخصم إلى ما ثبت من إخلاص الداعية لوجه رسالته، وطلبها منه لذاتها، وللخير الذي تحض عليه؛ لا للملك ولا للمال. بيد أني أسأل: هل رفض الحياة الدنيا من محمد إذا دانت له، دليل على صدق دعواه؟ يكون الرد بالإيجاب، إذا كان الإخلاص للدعوة هو صدقها عينه! لكن الإخلاص أخلاق تحكم الموقف الذاتي للإنسان؛ والصدق صفة تتعلق بالفكرة،  مستقلة عن الإيمان بها أو الإخلاص في تطبيقها.

ولو أن الإخلاص لدعوة هو صدق الدعوة، إذن لاستوى على صراط مستقيم، أهل العقائد أجمعين، بميزان حق واحد، يثبت بمعياره صدق كل عقيدة. وهو غلط ينقضه المنطق السليم، الذي يحكم بأن الحق في حلبة صراع أو خصومة، موقف واحد لا يتعدد مع تعدد مواقف المتصارعين أو المتخاصمين.

فلماذا لا يكون وفاء محمد لدعوته، دليلا على التزامه بدعوته، لا دليل صدق دعوته بذاتها؟ فالالتزام بالدعوة كما التزم بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، خاصة بطولية، ومحمد، ومن كل زاوية، بطل فذ! وهذا فرض يجيزه العقل، ويسوغه منهاج التحليل المستنير بالحرية.

وقالوا: كان الرسول أميا، فهل يجمع الأمي ـ القول لهم ـ علمي السابق واللاحق؟ وإن كنا لا نبالي في هذا المقام بالخلاف حول معنى أمية الرسول صلى الله عليه وسلم،؛ فإني لا أسلم بأن الخلو من دربة القراءة والكتابة في الجزيرة العربية زمن حياة الرسول، حائل يقوم جدارا عاليا كثيفا، بين طلاب العلم، وإرادة التعلم وحصول المعرفة. فالبصر ليس أداة التعلم وحده؛ وليست اليد الكاتبة هي الدالة وحدها على حصول المعرفة؛ خاصة في بلاد العرب أيام جاهليتهم، التي لم يغلب فيها عليهم العلم قراءة وكتابة؛ لكن ذلك لم يمنع من أن يكون للعرب علوما، وأن يمتلكوا أساليب التعبير عنها. وليست جهالة العرب أنهم لم يكونوا يعلمون، أو يتناقلون فيما بينهم ما يعلمون؛ كانت الجهالة العربية جهالة منهجية عامة؛ ولا يستحيل في العقل خروج نفر من المصلحين عليها، أداتهم العلمية أداة زمانهم، ومنهاجهم ثورة فكرية، وقاعدة للتغيير.

***

فإذا كان القرآن وحي الله المتنزل على رسوله هداية للناس أجمعين، فلا بد أن ينكشف الإعجاز الدال على إلهية القرآن للناظر من كل جهة. لم تعتبر الرؤية التقليدية لإعجاز القرآن هذا الشرط لفهم سر القرآن الذي تحدى الله بمعجزته ـ التي هي سره ومعناه ومبتغاه ـ العرب والإنس كلهم والجن.

الإسلام الذي امتد عالمه، وتطاول في تقدمه، منذ أربعة عشر قرنا، إنما هو دعوة واحدة، على مرتكز واحد، يتبلور في مفهوم أساسي، ويتجلى في تفصيلات لا يند منها شيء عن الأساس. ومفهوم القرآن الأساسي هو إعجازه، وهو إعجاز لم يتخلف منذ بدأ تنزل الوحي، ولا ينقضي إلى آخر الأزمان.

الإعجاز القرآني متعضون بتجربة الوحي ، معرفة وتاريخا. وهومنبث في الإيمان، انفعالا وتعقلا. الإعجاز القرآني هو الفاعلية القرآنية؛ فاعلية القرآن كله، وفاعليته سورة سورة، وآية آية.

بدأ تنزل الوحي والرسول مجاور في غار حراء. وورد عنه، صلى الله عليه وسلم، قوله: “فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: إقرأ، قلت: ما أنا بقاريء ـ وفي رواية أخرى: ما أقرأ ـ قال (الرسول): فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني. فقال: إقرأ، قلت: ما أنا بقاريء، فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال: إقرأ، فقلت: ماذا أقرأ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: “إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرا وربك الأكرم،الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم”. قال الرسول: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني. وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا؛ فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل؛ فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل.

وهكذا وقع انفتاح الإنسان محمد على ربه الذي خلق الإنسان من علق؛ الأكرم، الذي علم الإنسان بالقلم، ما لم يكن يعلم؛ ودلالات هذا النص القرآني الافتتاحي دلالات واسعية: الربوبية، والخلق، والعلقية ( = العلاقية )، والأكرمية، والعلم القلمي. فتبين منذ أول تنزل الوحي، أن فاعلية الدعوة الإسلامية هي الواسعية؛ يوكد ذلك، ظرفية واقعة افتتاح الإتصال الإنساني يالربوبية؛ فالمتلقي كان في عزلة الغار والنوم، لكنه كان موصولا بعمق الوجود، فجاء جبريل ليحمل محمدا، بالقراءة، من عزلة الغار والنوم، إلى واسعية الوجود؛ وليفتح العمق الذي كان المعتزل للناس موصولا به، على العمق الموصول به الوجود كله: الله رب العالمين.

رسم الوحي وجهته منذ ابتدائه، وتحددت بالبداية معنى القرآن؛ ومن ثم، كشف القرآن إعجازه وفاعليته؛

والوحي متنزل على محمد الأهل له؛

فالقرآن، أو الوحي، واقعة حادثة متقومة بأسبابها العاملة، شأن كل واقعة حادثة أخرى. والقرآن دعوة الله دعا بها النبي محمد بأمر الله؛ فالله الآمر بالدعوة، والرسول الداعي بالدعوة، عاملان سببيان داخلان في فعل تكوين بنية الدعوة الإسلامية. وعامل الفعل، كل عامل لكل فعل، لا بد وأن يكون مؤهلا لدوره، وقيامه الفعلي بالمشاركة دليل حاسم على أهليته لدوره. لقد تمت الدعوة الإسلامية بالرسول، وهذه حقيقة يترتب عليها، بالضرورة، أن الرسول مؤهل للدخول في بنية الدعوة التي دخل فيها الأمر الإلهي كذلك.

والواقعة فعل مركب من عوامل لها قابلية التوحد معا في كل واحد. فإذا تكونت واقعة ما من عوامل متعددة، دل هذا على مثلية العوامل المتحدة من جهة توحدها.

فإذا كان الوحي الإلهي واقعا دخل الأمر الإلهي في بنيتها، فإن الله من جهة آمريته عامل مكون لواقعة الوحي؛ والله واسع؛ فالوساعة الإلهية عامل تكويني في الأمر الإلهي الذي هو في الوحي؛ وأمر الله الواسع المتنزل على قلب محمد، يتطلب أن يلقى وساعة قلب محمد، أو: وساعة أفقه الوجودي المؤهل للدخول في تكوين فعل واحد، من عوامله وساعة الله الوجودية بالمفهوم القرآني.

لقد كان محمد واسعا. ومن آيات واسعيته ـ التي ترويها كتب السيرة النبوية ـ مجاورته في غار حراء، شهرا من كل عام؛ فيتفلت في الغار من أغلال الاستغراق في دائرة الفعل المعاشي الضيق، منطلقا بالتأمل باحثا عن معنى وراء حياة ينسلب فيها  من الإنسان قيمة الكرامة ، كما تمثل ذلك في عبادة الأوثان وشيوع الحرمان من الحق بالعدالة التي تساوي بين الناس كافة. كان محمد يعيش في مجاورته حالة من الرفض الفردي لمعايير حياة قومه. كان يوجه نظره للكعبة، وكأنه كان يسائل نفسه عن مصداقية توظيف القرشيين والعرب لهذا الرمز الموصول بأبي الأنبياء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام. ولم يكن رفض محمد جوانيا وحسب، فقد كان يصلح من سلوكه باطراح الآثام، وكان يعبر عن تعلقه بالمثل العليا، بإطعام المسكين إذا جاءه وهو في اعتكافه.

وقد أحب محمد قبل مبعثه الخلوة، فلم يكن ـ برواية عائشة، رضي الله عنها ـ شيء أحب إليه من أن يخلو وحده. وللخلوة في البيئة الجاهلية العربية دلالة الرفض السلبي لمعايير الحياة التي كانت سائدة في مجتمع النبي قبل تنزل الوحي. إن الجمود في الرؤية الضيقة هو أحد أبرز صفات الجاهلية العربية، التي كانت منغلقة على ذاتها في دائرة منفصلة عن وساعة الوجود، ومناقضة لرؤية العقل الواحدية التي تتجلى فيها الكلية الوجودية بتعيناتها الفردية.

انفلت محمد من دائرة عصره الضيقة، إلى دائرة الوجود المطلق الواسعة، وتمثل انفلاته في مجاوزته للأنا الظلومة خلال حركة دخول تحت مظلة الوجود الواحد مع المسكين الذي كان يجيئه في خلوته في حراء، فيطعمه. فلم يكن محمد يملك، وهو في مرحلة الرفض السلبي لمفاهيم وممارسات الوجود الضيق المظلم، غير أن يعبر عن وساعته بحرية النظر؛ وفتح أناه على الآخر.

وقد روى عبد الله بن عبيد الله، أن الرسول قبل مبعثه كان إذا خرج لحاجته، أبعد حتى إذا تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال الحجر أو الشجر: السلام عليك يا رسول الله. ومكث كذلك يرى ويسمع حتى جاءه جبريل عليه السلام.

وقد يعجل مدعو العقل ـ الدنيوي ـ فينفوا صدق الرواية هذه، لما فيها من خبر حديث الحجر والشجر، زعما بأنه مسألة لا تخضع للتجريب، ولم تشهد لها خبرة الإنسان العامة بالصدق. ولست أعجل فأنفي حكم التجريب ومصداق شهادة الخبرة العامة للإنسان؛ ولكن نفي ما لم نعلم، بناء على ما نعلم، غلط لا يتفق ومنهاج التفكير الرشيد الذي يأبى التوقف بحدود المعرفة في دائرة ما حصل منها، أو ما يمكن أن يحصل بالمماثلة مع الحاصل. فالعلم يتنامى، وتفيد تجربة الماضي ذاتها، أن الحاضر ليس سقف العلم؛ العلم متجاوز لذاته، مترام في المستقبل. وقد تخلو معرفة الإنسان الماضية من كلام الحجر والشجر؛ وقد يقال أن الكلام بلغة الإنسان هو مفردة إنسانية خاصة به، لا تسع غير الإنسان؛ وقد يقال أن رواية تسليم الحجر والشجر علي النبي قبل مبعثه خبر كاذب؛ كل هذه افتراضات ، لكنها ليست أحكاما قاطعة. فخلو الماضي من واقعة ما، ليس دليلا قاطعا على عدم إمكان وقوع تلك الواقعة في غير الماضي، وقد يكون الخالي هو معرفتنا؛ فقد تقع الواقعة ولا نعلم وقوعها؛ وخبرة الإنسانية العامة ليست جسدا مصمتا يأبى التشكل الجديد، الخبرة الإنسانية مرنة تقبل الإستثناءات؛ وقصر خاصة الكلام بطريقة الإنسان، على الإنسان وحده، لا يغلق الأبواب على تأويل آخر لرواية عبدالله بن عبيدالله؛ وتكذيب خبر لا يسوغه التفكير الشائع، ليس حجة تنفي احتمال وقوع حادثة فذة، تجري في سياق فعل كبير، فذ كله، وغير عقلي بزعم عقل لا يستنير بالحرية.

ويظل لخبر تسليم الحجر والشجر على النبي قبل مبعثه، قيمة يستمدها من مصدره، فهو مما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق في كتابهما المشترك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي صدر في وضوح التاريخ الإسلامي، ويعكس فهما إسلاميا عاما يقبل مثل فكرة حديث الحجر والشجر مع النبي. فالخبر يستمد قيمته من المكانة العلمية الممتازة لسيرة ابن هشام؛ ومن القبول العام في الفكر الإسلامي للوقائع الإستثنائية ذات الدلالة على انفتاح محمد الذي جاوز الدائرة الإنسانية ـ ولم ينفك عنها ـ إلى دائرتي الأحياء والجمادات.

فإذا صح خبر الحجر والشجر فهو دليل على وساعة وجودية محمد قبل تنزل الوحي عليه؛ فإذا لم يصح، فهو إشارة إلى الوساعة المميزة للدعوة الإسلامية التي لا يرفض مناخها الفكري العام التسليم بوقوع حوادث كثيرة من نوع حادثة تسليم الحجر والشجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثه، في التجربة الدينية الإسلامية خاصة والتجربة الدينية عامة. وامتياز الدعوة الإسلامية بالواسعية، دليل على وساعة الداعية لها، الذي هو أحد عواملها التكوينية.

كانت نوافذ محمد منفتحة على الوجود الواسع في صحوه ونومه. روت عائشة رضي الله عنها، أن أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح. والرؤيا الصادقة استباق علمي بالحادثة قبل وقوعها، فهي امتداد وجودي في المستقبل، تدل على تجاوز وجودية الرسول قبل مبعثه لحدود الماضي والحاضر. وهذا التجاوز أخذ شكله الواضح عندما بدأ تنزل جبريل بالوحي على محمد بينما كان نائما. فالرؤية الصادقة، وتنزل الوحي على محمد بينما كان نائما، يدلان على أن الصلة بين محمد والواسع لا تبدأ من طرف محمد الفرد المحدود، ولكنها تبدأ من “قلبه” الوجودي؛ أي: من المحض الوجودي لمحمد. ليس وجود محمد متطابقا مع الوجود الكلي؛ لكن مركز دائرته الوجودية الفردية هو مركز دائرته الوجودية، “القلبية”، التي تمتد حدودها لتسع بعدا وجوديا، دل عليه الرؤيا الصادقة وتنزل جبريل من لدن الله، على الرسول في نومه بغار حراء، عندما كان مجاورا متفلتا من أغلال دائرة الحياة الجاهلية المغلقة الظلومة؛ ومنطلقا من حركة تصاعد طالب للحق توخاه في رؤية أخرى للوجود، نقيضة لرؤية المشركين العرب؛ فالتقت حركة الصاعد بحركة الوحي المتنزل في نقطة انبثق منها داعية يحمل للناس دعوة الله الهادية المبشرة بحياة أخرى تمد أفق الوجود الدنيوي إلى مدى متطاول يجاوز به الإنسان المؤمن حدود السلب الوجودي؛ متحققا بعبادة الله، ومحققا الله به أمره.

كان نزول جبريل الأول على محمد وهو نائم، دليلا على أن محمد واسعي الوجود على كل حال؛ فنومه لا يغلق عليه نوافذ التفتح على الوجود الواسع، بل إن اتصاله الفاعل بالوجود الواسع، وقع في نومه؛ ولكنه اتصال لم يخضع لحالة النوم، إنما كان صحوة كبرى، عينت وظيفة محمد الوجودية، وتجلت بها، ابتداء، وظيفة الوحي؛ أو: فاعليته وإعجازه.

كان محمد واسعيا قل مبعثه، وأهلته واسعيته لتلقي الوحي، الأكبر وساعة. وعندما كاشف محمد زوجته العظيمة خديجة بما خطر له من أن تنزل الوحي عليه قد يكون شيئا عرض له؛ بشرته وثبتته، راجية أن يكون نبيا؛ وكانت حجتها التي استندت إليها  هي أن الله لن يخزيه أبدا؛ فهو يصل الرحم، ويصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ويحمل الكلّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فخديجة العظيمة تعرف لمحمد العظيم، أخلاقه الواسعية ـ الواحدية ـ التي تؤهله لأداء دور وجودي واسع يجاوز أقصى حدود الوساعة الدنيوية.ّ

لم تكن لوساعة محمد قبل مبعثه، مدى وساعة الدعوة التي حمل لواءها، لكن وساعته كانت البذرة الحية التي تنزلت عليها بركات الله الواسع من غير حد، فنمت واسعية محمد وترعرعت. إن للفعل الإلهي قانون نصه في قوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”؛ ففعل التغيير الإلهي، اللاإنساني يبدأ من قلب فعل التغيير الجاري في النفس الإنسانية؛ بلغة واضحة: يبدأ الفعل الإلهي بالفعل الإنساني المكتمل؛ أي: الأصيل الصادق. الفعل الإلهي التغييري توسيع للفعل الإنساني التغييري، الواسعي. كان محمد واسعيا، فنزل الوحي يعزز واسعيته، ويمدها في أفق لم يكن العقل قادرا على اختراق غيبها، وإن كان قادرا على استيعاب صورته، والتكيف بها، إذا انحسرت له. إعجاز القرآن هو واسعيته، وفاعلية المؤمن بالقرآن هي واحديته؛ فالواحدية هي التي تفتح ما هو ضيق على ما هو واسع، كما انفتح محمد على درجات الواسع، بمنهج تعمقي للوجود، يكشف عن الحقيقة الواحدية للكل، ذي الفعل الفردي. والإيمان فعل يتعمق الوجود، يجاوز به المؤمن محدودية الدنيوي.

كانت وساعة محمد الدنيوية دليلا على وساعته ما فوق الدنيوية؛ على أن الأخيرة كانت إمكانا خرج إلى التحقق على يدي جبريل، عليه السلام، الذي غت محمد غتا، ظنه محمد الموت؛ غت جبريل محمد مرتين، كلما أمره أن يقرأ كتابا في يده، فلا يقرأ محمد لأن القراءة في غير مقدوره الواقعي. ولما خشي محمد حبس النفس أو عصر جبريل الشديد له مرة ثالثة، قرر اقتحام ما وراء دائرة خبرته، فقال: ماذا أقرأ؟ فانفتح بقراره القحام على دائرة الإمكان التي فض الغت مغاليقها، وترامت وساعة محمد في فيض الله الزاخر، أوله ووجهته قول الله تعالى: “إقرأ باسم ربك ….” إلى آخر ما تنزل من الوحي الأول.

صورت أيات القرآن الأولى المتنزلة على الرسول صلى الله عله وسلم، العلاقة بين طرفي الدعوة،؛ فبينت ارتكازها إلى القراءة، وحددت نوعيتها الخلقية، بلام ساكنة، التي تربط بين الرب الخالق، والإنسان الخلق، والرب الأكرم، والإنسان الذي علمه الرب الأكرم بالقلم ما لم يعلم.

فأول ما بدأ انفتاح الرسول بواسعية الوحي، بدأ ـ الانفتاح ـ بصفة الربوبية عليها. والمعاني اللغوية لمادة “رب” ومشتقاتها تدور حول: العلو، والإصلاح، والجمعية، والملك، والزيادة، والحذر، والتقوى، والمراقبة، والحراسة، والعهد، والدنو، والطليعية، والإدراك، والسياسة، والكثرة، والإحسان، والنعمة، والحاجة، والعقدة المحكمة، والضخامة. وكلها معان تفسر فعل الوحي في ابتدائه واستمراره على السواء، بوجهيه الآمر والمكلف بالأمر؛ فكانت علاقة الربوبية حركة الصعود من الإنسان، والتنزل من أمر الله، في نقطة التقاء جامعة، هي عقدة محكمة تتداخل في بنيتها عوامل إلهية وعوامل إنسانية، ليصبح الفعل الإنساني في مثاله المسلم، فعلا إلاهيا واسعا؛ تنامى من علق، ثم بعلم، علمه الرب الأكرم، فكرم به الإنسان.

لقد عززت أول آيات القرآن حركية الإنسان الخلقية ـ الخاء بفتحة ـ والعلمية منذ أن كان علقة إلى أن بلغ مرتبة النبوة، والانفتاح على الوجود الواسع بأقصى مداه. ولا شك أن العلم منهاج تفتح الإنسان، ونماء عقله. والعلم خاصة إنسانية فريدة، تنطلق بالإنسان إلى آفاق الوجود الرحبة؛ وليس ثمة انطلاق أوسع مدى من انطلاقة محمد بتنزل الوحي عليه، يأمره أن يقرأ باسم ربه؛ فيعقل الوجود، لا المحدود منه، ولكن الوجود الذي يحيط به علم الله، ويعجز علم الإنسان المحدود عن كشف غيبه، وتلك كانت واسعية النبي الفذة، وواسعية الدعوة الإسلامية، وفاعليتها، وإعجازها.

ثم إن تحدي الله للعرب ومعهم من يدعون من دون الله، بأن يأتوا بسورة مما زعموا أن محمدا افتراه، يراد به معنى السورة مع مبناها، إذا صح أن الله أراد مبناها فيما أراد. فالقرآن دعوة حركية قوامها الفكر، وهو منهاج تغيير ليس لعصر من العصور أو مصر من الأمصار؛ فالقرآن فاعلية عقلية، وفاعلية وجدانية؛ ولو كان تحدى القرآن بالمبنى الفني البليغ، لكان معجزة بيانية لها فاعليتها الوجدانية الجمالية في عصر البلاغة العربية، ولكان وقفا على العرب ذوي البلاغة، فلا يجاوزهم إلى الناس كافة، ولكان وقفا على حاسة الجمال فلا يعدوها إلى فاعلية العقل.

والسورة ـ بسين بفتحة وبواو ساكنة، المشتقة من “سار” المشتق منها: “السورة”، التي سينها بضمة ـ في اللغةهي: المنزلة، والشرف، وما طال من البناء إلى جهة السماء وحسن. وقد سميت القطعة المستقلة من القرآن بالسورة، على قول بعض الأسبقين، لأن القرآن بسوره كلها، يمثل منزلة بعد منزلة، يرتفع بها القارىء ـ أضيف: المؤمن أولى ـ واحدة بعد الأخرى.

ومن معاني السورة أيضا: الصعود، والوثب، والثورة، والأمر بمعالي الأمور. ومن المعنى الأخير نشأت تسمية أبعاض القرآن بالسورة؛ لأن كلام الله هو الأمور العاليات، أي: الأمور الواسعة؛ فالله واسع ومتعال بوصف القرآن، ومن كان كلامه عاليا لتعاليه، كان لكلامه وساعة لواسعيته.

ومن معاني السورة: الإحاطة؛ والإحاطة والوساعة معنيان يحضران معا. السورة كلمة يدل معناها على مبناها دلالة تامة. وتطابق أوجهها اللغوية معاني الدعوة الإسلامية منذ باكورتها، ساعة تنزل جبريل عليه السلام على النبي الكريم في غار حراء؛ فالقرآن يحقق للإنسانية المؤمنة به منزلة شريفة تحسن بها مكانتها، ويتطاول بنيانها في المدى الواسع للوجود. السورة القرآنية مرقاة تصاعد حركة الوثبة، أو الثورة الإنسانية على جمود الجهالة وظلمة الأنا إلى معالي الأمور.

وليس ثمة أمر أعلى من أمر الواحد، ثم أمر يتمثله المؤمن، فيطلب التحقق بالأمر الأعلى. والأمر الأعلى هذا، وطلب التحقق به، هو إعجاز القرآن وفاعليته؛ للقرآن كله، وله سورة سورة.

العلو الإنساني حركة وساعة، تتجاوز انغلاقية الأنا، وتنفتح على الوجود بأوسع معانيه وتحققاته. والإعجاز في السورة القرآنية هو قوة دافعيتها الفاعلة في الحركة الإنسانية المنطلقة إلى أقصى ممكنات الوجود الإنساني. وإذا تحدى الله الناس أن يأتوا بسورة لها قوة الإنطلاق بالإنسان إلى ما وراء حده المدرك، فهو تحد يعجز قبالته العرب والعجم في كل عصر؛ فالناس، بعقل لا يجاوز مداه حد المدرك أو المقاس على المدرك، لا يكشفون وساعة الوجود كما كشف عنها وحي الله المتنزل على الرسول محمد صلى الله عليه سلم، الذي اكتملت به النبوة.

تقويم الفكر

محمد فعل اخترق جدار الأنا الظلومة التي كانت مستبدة بعرب الجاهلية، منطلقا في الواسعية الواحدية؛ تنزل عليه جبريل من الواسع ذاته، يهدي ضلال خطى الباحث عن دين يعزز القيم العليا للحياة، ويناضل اللامعنى في فناء الآن السلبي الوجود.

والقرآن مستقلا بموضوعه، دعوة واسعية إلى ما فوق واسعية محمد قبل النبوة. القرآن بالنسبة إلى محمد قبل ابتعاثه مرتبة فائقة عليه من كل وجه. وهو مرتبة فائقة على عصره كله، وعلى العصور كلها بعده.

فالقرآن حادثة، ليس محمد ومقومات عصره، أو مقومات الإنسانية المحدودة بقدرتها الذاتية، هي الأسباب العاملة وحدها على إيجادها. فواسعية القرآن المتفوقة على كل واسعية إنسانية محضة، دليل  على أن ثمة عاملا آخر، به تفسر واسعية القرآن؛ وبه يدل على واسعيته المتفوقة على واسعية الوجود الإنساني القاصر على ذات الإنسان.

فما هو العامل الواسع الذي انعكست واسعيته في تفوق القرآن على التجربة الإنسانية المنفصلة بذاتيتها؟

يزعم المفكرون الدينيون التقليديون أن الله المفارق للعالم هو العامل الواسع، أو هو مصدر الوحي المتنزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا تأبى العقل على التسليم بالثنائية الوجودية؛ بطلت فكرة الله المفارق للعالم، وبطلت النتائج المترتبة عليها، ومنها أن الله المفارق للعالم مفارقة وجودية، هو مصدر الوحي.

القرآن واقعة وجودية، تضعها الرؤية العقلية الواحدية المنهج، في السياق الكلي للوجود، كأية واقعة وجودية أخرى. القرآن بعض الوجود الواحد، يمتاز بوساعة يجاوز مداها وساعة العقل المستقل بذاته؛ ولكنه ـ القرآن ـ لا يند عن مفهوم العقل الرئيس، المفهوم الواحدي للوجود؛ قاعدة كل فهم ومظلته.

والفرض الذي يزعم أن الله المفارق للعالم مفارقة وجودية هو مصدر الوحي، مساو للفرض الذي يجيز أن يكون مصدر الوحي غير آخر، غير الله، وغير محمد.

أما بالمفهوم الواحدي للوجود، فالله هو الوجود، وكل مصدر للوحي يفترضه العقل هو الله؛ ومنه أن يكون محمد مصدرا للوحي؛ ليس محمد الإنسان المحدود بإنسانيته، إنما محمد الرسول الذي تعين به أمر الله المتنزل وحيا، المتحقق فعلا؛ أو محمد الرسول واسع الوجود بوساعته الأولى، وبتفوقه عليها.

محمد قبل النبوة وبعدها مستويان وجوديان لهما بؤرة واحدة، تلتقي في نقطتها أقطار دائرتيهما. وهما دائرتان متباينتا الأبعاد، متماثلتا المعني، تربطهما علاقة البعض والكل التي تربط ظواهر الوجود المتعددة بالوجود الواحد. فكل ظاهرة فعل تعين، تنفرد ولا تنفصل عن الكل بفواصل العدم.

ومحمد والوحي تعينا فعل الواحد، إتصلا بالمناسبة، فتفتح في محمد الإنسان محمد الرسول الداعية بأمر الله له.

والقرآن فعل عوامله السببية هي هو، نبدأ منه لمعرفتها؛ فإذا كان دعوة واسعة، دل على واسعية مصدره، أو واسعية عوامله التكوينية؛ أما كل افتراض آخر، ليس له تسويغ كاف من الواقعة كما هي، وهي القرآن الذي بين أيدينا الآن، فهو ـ أي افتراض آخر ـ رياضة عقلية، لا تدعو إليها الحاجة الحركية للمسلم، ولا ترقى إلى مرتبة الحق الملزم.

فإذا كان الله هو الوجود الواسع، فالوحي فعل إلهي، وهو دعوة توسيع الوجود الإنساني المحدود في دائرة الوجه المفعول لحركة الخلق المحدث. وقد تنزل أمر الله، مكلفا المؤمن، الخروج من مفعوليته، واستئناف الحركة الفاعلة الممتدة جذورها إلى عواملها السببية المكونة لحادثة الخلق الإنساني.

ولما كان الوجود الواسع حقا، فلا يصدر عنه باطل، ولا يلتقي في مركز واحد مع نقيض له. وتكون الصور التي عددها المفكرون المسلمون السابقون، وهم بصدد إبراز أوجه الإعجاز القرآني، تكون هذه الصور حقا لا يند عن حقية الوحي كله؛ وتكون أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، الرفيعة المستوى، هي أهليته لتلقي الوحي، والإلتقاء مع الدعوة المتنزلة في بؤرة فاعليتها، وأصل إعجازها الإلهي.

الإسلام في مجمله ومفصله، دعوة لمجاوزة الذاتية الضيقة الظلومة للإنسان. ومصداق الدعوة الإسلامية، بالمفهوم الواحدي الواسعي، هو التحدي الذي أعجز العرب؛ ويعجز الناس أجمعين عن ابتداع دعوة تناظر دعوة الوحي المتنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالحق المبين، الذي أزهق باطل المشركين.

وغاية الدعوة الإسلامية الفكرية تصحيح المفهوم الإنساني عن الوجود، برؤية واحدية له، تجاوز تصورات الشرك التي وقع فيها الفكر المغلول، على تفاوت درجاته. فأول حقائق الإسلام وأساسها وحدانية الله وقدمه الذي لم يشاركه فيهما وجود آخر. فإذا قرر الإسلام أن الله كان ولاشيء معه، فهو، متسقا مع حكم العقل المستنير بالحرية، يقرر أنه لم يزل على ما كان. فلا وجود غيره، قبله، أو معه، أو بعده. هذا هو الحق عينه، والله هو الحق بنص القرآن الكريم.

إن القرآن مرقاة الواسعية الفعلية مثلما هو دعوة الواسعية العقلية. ورحلة إسراء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم، آية واسعية المسلم الوجودية في المثال النبوي له. لقد علا الرسول سماء بعد سماء مبتدئا من بيت المقدس، وبعدما كان قد وسع المدى من مكة إلي المسجد الأقصى في مستوى الدنيا؛ إلى أن بلغ سدرة المنتهى، آخر ما يبلغه وجود له أول.

والصلاة التي يؤديها المسلمون عبادة تتمثل رحلة الرسول إلى سدرة المنتهى، المتعمقة في أقطار الوجود. والصلاة عماد الدين، تاركها عن عمد كافر، إن صلحت، صلحت بها أفعال الإنسان بميزان الحساب يوم الآخرة. وهي صلة بالله وكل ما طوى، ينفتح بها الفرد على الوجود كله، منطلقا من أناه الظلومة، حرا يستغرقه فعل عبادة الله، وطلب الدنو منه، بوساعة القلب المؤمن لله، وتدفقه به، سالكا طريق الخلود في جنة عالية، هي دار السلام، والمقام الكريم.

والصلاة رابطة تشد وثاق الجماعة بعبادة موحدة النية والأداء والمطلب، شأن عبادات إسلامية أخرى، تعزز في الفرد الفاعلية الجماعية، بتفتح الأنا على الأنا، على قاعدة الحب، وعلى هدى عدالة تبني صرح وحدة الأمة، ولا تلغي حق الإنسان في الوجود المتساوي للناس أجمعين.

الحج عبادة واحدية أيضا، على مستوى الوجود بين الخلق والخالق، وعلى مستوى الجماعة بين المسلم والأمة الإسلامية. فالحاج المتجرد عن شهوات الحياة الدنيا والرفث والفسوق، مرتق إلى الله، فإذ برقيه عن ذاته الضيقة بعض من كل؛ فلا تصده عن الأخوة الفاضلة، أنانية عمياء لا يعدو فعلها أدنى حدودها.

والصوم مقاومة للشهوة، آلة الأنا الضيقة الحادة؛ وهو إمساك عن كل ما يؤذي الآخر لكيلا يفت ـ الأذى ـ من عضد الجماعة المسلمة. وهو فعل كريم كله جعله الله له، لتنزه الإنسان به عن ذاته، وترقيه به في طلب الواسع، الله تعالى.

والتصدق بالمال تحرر من سلطانه على النفوس. فإذا تحرر الناس من هيمنة المال، أو الملك، غدا المال قيمة اجتماعية، لها وظيفتها العامة، فيتم تجاوزه كأداة استبداد به من الحائز بالمحروم، ولا يبقى وسيلة افتئات على حق الآخرين في الوجود الكريم. فإذا أصبح المال دعامة الإجتماع، كانت غاية الصدقة هي تحقيق واسعية دائرة الأنا، بانفتاح الأنا على وجود موحد بالجهد المشترك، بأداة مشتركة، هي أحد أهم أدوات المعاش الإنساني على غير وجه؛ تلك هي المال العامل بالخير؛ الصدقة انفتاح على الواسع، أي: انفتاح الأنا، بالجماعة، على الله رب العالمين.

وأخلاق الإسلام كلها واسعية الفاعلية. وقيمتها الجماعية بارزة في صغير أثرها وكبيره. تشترك عبادات الإسلام وأخلاقه وتشريعاته التنظيمية في هدف واحد، تتغيا الأمة الإسلامية، بأفرادها، تحقيقه في مستوى الحياة الدنيا، وهو تحقيق جماعية المسلم، وحماية وحدة الأمة المسلمة. وقد ذكر الحديث الشريف أن الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، تتراوح ما بين الإيمان بالله، وإماطة الأذى عن الطريق؛ ولا يخفي ما يشير إليه حديث النبي من تقرير للوحدة الموضوعية بين شعب الإيمان كلها، وتقرير للغاية الجماعية للإيمان؛ الغاية الواحدية التي نبلغها بالواسعية الربانية. وقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وأوضح صلى الله عليه وسلم أن أقرب المؤمنين منه في الجنة أحسنهم أخلاقا. ووازي بين كمال الإيمان وكمال الأخلاق.

والدين الذي يعزز القيم الأخلاقية في جماعة المؤمنين به، هو مطلب حركي يساوي مطلب وحدة بنية الأمة، ووحدة وظيفتها. ووظيفة الأمة الإسلامية عبادة الله الواحد؛ وأخلاقها أخلاق الأمة المتعبدة لله، المكلفة بالخلافة في الأرض بدستور الإسلام المتنزل وحيا على رسول الله الكريم، الواسع قبل مبعثه، المتقوقة وساعته بعد مبعثه.

الحدوث

في الوجود المدرك، تلد الحاثات من اتساق أسباب عاملة في بنية واحدة، تعادل فعل الإتساق؛ أو هي فعل الإتساق ذاته، بتقدير تكونه. والحادثة المتولدة فعل ينبض بحركة مؤهلة للإتصال بالآخر، تنفي جذرية انفصال الفردية عن الكلية، بحكم تداخل الفردي مع الكلي معا، بعلاقات حميمة يتبادلان بها التأثر والتأثير. كل حادثة فعل يتكون بعوامل سببية، وكل فعل يتحول ليدخل بنية حادثة أخرى، كعامل سببي.

نوضح ذلك بفعل الكتابة الجاري الآن: هذا الفعل واقعة يتوحد فيها، وبها، عوامل كثيرة اتسقت معا في بنية متمايزة بتفردها، ترتد بالتحليل إلىعوامل سببية بسيطة بنسبتها إلى بنيتها المركبة. ولكل عامل سببي تاريخه الخاص الذي تحرك فيه بين الفعلية والعاملية دون انقطاع.

يتكون فعـل الكتابـة من عوامـل الإنسان والقلم والورق والضوء وسوى ذلك، ومن ـ أيضا ـ قابلية العوامل كلها للتوحد معا في نسق له بنية مستقلة بدرجة توكد فرديتها، لا إنفصاليتها. والإنسان الذي دخل عاملا في فعل الكتابة، شأنه شأن العوامل الأخرى، له تاريخ من الحركة، يكشف تحليله عن تداخلات كثيرة ومتباينة المستويات، انتقل بها ـ الإنسان ـ من فعلية إلى عاملية إلى فعلية؛ وهكذا دواليك، إلى اللحظة التي أنتجت أهليته التاريخية عاملية دخوله في بنية فعل الكتابة الجاري هنا.

لست أزعم أن للإنسان بنية واحدة جامدة منذ أول حادثة وقوعه؛ فالرجل الراشد ليس هو الطفل الرضيع. الراشد بنية وجودية لها عوامل تكوين مختلفة عن عوامل تكوين الرضيع. ورغم أن الصلة قائمة بين حالتي الرشد والرضاعة من جهة ما، إلا أن لكل حالة منهما فرديتها المتمايزة بها.

فإذا وقعت حادثة الكتابة فعلا متفردا، تأهلت ـ الكتابة الواقعة ـ على الفور للدخول في حادثة تالية هي حادثة القراءة ممكنة الوقوع لأسباب تعمل في اتساق، فيتكون من توحدها معا فعل جديد، لا يكون ما لم تكن عوامله السببية.

والكتابة ليست عاملا تتأدى عنه القراءة بالضرورة، فلا يقال: إذا وقعت الكتابة لا بد أن يلحقها وقوع القراءة؛ فالأسباب لا تصير إلى مسبباتها بضرورة وجودها؛ تصير الأسباب بالضرورة إلى المسببات إذا صار السبب أولا عاملا مؤهلا للدخول في بنية حادثة جديدة مع عوامل أخرى مؤهلة للدور ذاته، في زمان بعينه، يولد بتوحدها فعل أو واقعة مساوية في التكوين وفي الفاعلية للعوامل السببية في حال تلاحمها الأصيل الذي يتجاوز به كل عامل منها حده الفردي إلى حد جمعي يشملها معا في فردية جديدة. فالجماعة التي تتكون من عشرة رجال، بنيتها عشرة رجال مجتمعين، لا عشرة رجال فقط؛ فالجماعة نسق متباين عن النسق الفردي، والإتساق عامل أصيل في كل بنية. ولهذه الجماعة فاعليتها، وهي فاعلية عشرة رجال يكونون جماعة واحدة؛ وليست فاعليتها فاعلية عشرة أنساق فردية غير متصلة معا في بنية موحدة. فالواقعة مساوية لعواملها، وعواملها، في مثال الجماعة التي تضم عشرة رجال، ليست الرجال العشرة أفرادا لا تربطهم علاقة الجماعة؛ عواملها هي رجال عشرة بينهم رابطة جمعية؛ أي: رجال عشرة كل رجل منهم عضو جمعي، يشارك في بنية الجماعة بعامل جمعيته؛ وباتساق عشرة عوامل جمعية، تولدت واقعة جمعية عشرية لا تزيد في التكوين والفاعلية عن العوامل الجمعية العشرة المتسقة معا.

ولا ينفصل الفعل بالزمان عن اتساق عوامله السببية معا؛ الفعل هو الإتساق ذاته. والحدث الذي يقع يريد زمانا، فالزمان أحد عوامل الفعل التكوينية، وهو ـ الفعل ـ يتم في آن يمثل الوحدة الزمانية المميزة لسريان الزمان في فرديته التي لا تلغي كليته. والآن الزماني هو مقدار ما يفي بحاجة الحدوث الفردية. والحدوث حركة تجاوز كل سكون يحد الحادثة ويعزز ميلها الإنعزالي بحكم فرديتها. ففي كل آن يحدث فعل جديد باتساق جديد لعوامل ليست هي هي فيما هو زمان ممتد. وكما أن الآنات متفلتة دوما من الساكنية؛ فالحادثات ـ برؤية جذرية ـ متفلتة كذلك من جمود فرديتها، لأنها بعض كل لا يتيح لأفراده الاستغراق النهائي في عزلة تفصل الواحد عن الآخر؛ وأيضا، فإن كل استغراق في الساكنية يعني الموت للحادثة كواقعة.

فإذا كان الزمان عاملا يدخل في بنية الفعل، فإن الزمان لا يمتد من بنية الواقعة إلى خارجها، بالنسبة لواقعة بعينها. إن زمان الواقعة هو بعض نسيجها، لا غير. فلا تتراخى الحوادث في الوقوع عند تمام فعل اتساق العوامل المكونة للحادثة؛ لأن تخلف عامل منها عن الدخول في بنية حادثة ما، يتأدى إلى لاالحادثة هذه؛ أي: يتأدى إلى حادثة أخرى؛ فإذا كان ثمة زمان يسمح بالتراخي، فهذا الزمان لا علاقة له بالحادثة المعنية، على فرض ـ يفرضه الخيال ـ وجود زمان مستقل بذاته عن الحادثات.

الوجود المدرك حادثات متباينات؛ فإذا أمكن لحادثتين أن تتماثلا، فالأصل تماثل العوامل السببية التي اتسقت معا في بنية كل حادثة منهما. إن تساوي تلاميذ فصلين عدديا، يساوي بين واقعتي الفصلين العدديتين؛ لكن الفصلين واقعتان متباينتان من زاوية أخرى، مثل زاوية الذكاء الإجمالي لكليهما. فالذكاء الإجمالي واقعة يدخل في إحداثها عوامل زائدة على عامل العدد؛ وبحصول الإختلاف في عامل واحد، نتج تباين الحادثتين، ويزداد التباين كلما زاد عدد العوامل المختلفة في تكوين الحادثتين.

منشأ تباين الحادثات، ومن ثم، تفرد كل حادثة، هو اختلاف العوامل السببية المكونة لكل حادثة على حدة. فتباين الحادثات حكم دال على مسئولية العوامل السببية عن وقوعها بعدما لم تكن.

لكل حادثة جذور في الواقع العام. ولا تعدو الحادثة فعل اتساق عواملها السببية. ولا يكشف تحليل الحادثات عن غير عامل سببي من العوامل المنتمية كلها للوجود المدرك بما فيه حركية كل عامل، وأهليته للدخول في بنية الحادثة الجديدة.

وكان الغزالي قد أنكر، جريا على رأي الأشاعرة، التلازم الضروري بين الأسباب ومسبباتها، الذي قاله الفلاسفة المسلمون؛ دفاعا ـ من الغزالي ـ عن حرية الفعل الإلهي ومطلقية قدرته كما تتجلى في المعجزات، التي لا تفسرها مقولة السببية، بزعم الغزالي. وصف الغزالي في “تهافت الفلاسفة” العلاقة بين “ما يعتقد في العادة سببا، وبين ما يعتقد مسببا، بأنها اقتران ليس ضروريا”، وقال: “بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا اثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشراب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشراب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرا، إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه وتعالى بخلقها على التساوق لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وهلم جرا إلى جميع المقترنات”.

يقول الأشاعرة ـ وهم من نفاة السببية ـ أن المقدور الواحد لا تقع عليه قدرتان. يعنون أن الحادثة لا تقع بقدرة الله وقدرة الأسباب. ورفض الوقوع مشاركة، رفض لاستقلال الأسباب بالأحداث؛ وعندهم: ليس لغير الله قدرة على الحقيقة، وما ليس له قدرة حقيقية لا يفعل، فإذا قيل: غير الله يفعل، ففعل غير الله ـ المزعوم، الرأي للأشاعرة ـ نفي لفاعلية الله المطلقة. الثنائية هي أساس مذهب الأشاعرة، وعندما تتعارض فكرة الثنائية الأشعرية مع قولهم بالوجود الإلهي المطلق، يخرج الأشاعرة من هذا المأزق، بنفي حقيقة وجود وفاعلية العالم للإبقاء على وجود وفاعلية الله المطلق، والذي هو الحقيقة التامة.

لكن العالم ذو وجود حقيقي، وله فاعلية حقيقية. وتصور وجود آخر غير العالم، هو تصور ممتد من التسليم ببديهية وجود العالم وفاعليته. والفاعلية الحقيقية للوجود المدرك، لا تنفي الفاعلية الحقيقية لوجود غير مدرك، ولا تنفي مطلقية القدرة والوجود معا، شرط أن لا يتناقض الوجودان في العقل، وهما لا يتناقضان إلا باعتبارهما اثنين متغايرين؛ ومع غياب التناقض، فالوجودان، في الأصل، وجود واحد.

وباعتبار الوجود واحدا، بعضه مدرك، وكله مطلق، فإن الفاعلية في الوجود المدرك، هي فاعلية الوجود المطلق ـ والأخير شامل للمدرك ـ فلا يقع على مقدور واحد قدرتان، لعدم وجود اثنين، قادرين؛ فالمقدور الواحد، هو فعل قادر واحد. وفاعلية العوامل السببية هي فاعلية الوجود الواحد، وهو الله في المصطلح الديني.

فالحدوث يتكون بعلاقة ضرورية بين الأسباب العاملة ومسبباتها؛ فالكل وجود إلهي مترايط بالضرورة، ولا انفكاك لبعض عن ارتباط ضروري بالكل. الحادثة بعض يرتبط بالضرورة بالكل، بروابط سببية.

لا مسببات بلا أسباب، لا بحكم التجربة الماضية؛ فقد يوجد السبب الذي دخل بنية حادثة ما، ولا توجد الحادثة التي دخل السبب ـ المعين ـ بنيتها في واقعة سابقة؛ لكن، وبحكم أن كل حادثة تتقوم بوجود، وهذا الوجود الذي تتقوم به هو سببها العامل، ولا نتصور حادثة مفرغة من الوجود؛ الفراغ الوجودي عدم يحد الوجود، ولا نتصور أن للوجود حدا؛ ولو تصورنا أن وراء الوجود عدم، فلا بد أن نتصوره في زمان ومكان، أي شيئا، وكل ما تشيأ، فهو وجود، لكون الشيئية مقولة وجودية حقيقيةلا ينفيها العقل.

والمعجزات لا تنفي الإرتباط الضروري بين الأسباب ومسبباتها، الداخلين معا في بنية واحدة. حدوث المعجزة على غير معهود التجريب لا يدل إلا على أن التجربة الماضية بعض التجربة الكلية التي تترامى في المستقبل. فالتجربة المكتسبة لا تستغرق إمكانات التجريب كلها.

ويجوز في التصور حدوث الري بغير الشراب، لكن الري هذا ليس هو الري الذي يحدثه الشراب؛ هاتان حادثتان متغايرتان، لكل منهما أسبابها العاملة، وقد تتمايزان بأن أحداهما معهودة للخبرة الماضية، والأخرى مستحدثة لم يسبق العلم بها. وقد يوجد الشراب ولا يكون سببا للري، أو لا يحدث من وجوده المجرد ريا، يحدث هذا عندما لا يعمل الشراب في نسق فعل الري؛ أما إذا وقع الري بالشراب، فالشراب سبب ضروري لواقعة الري هذه.

وقد خالف مذهب المعتزلة المذهب الأشعري في قضية السببية، فأثبت المعتزلة علاقة ضرورية بين الأسباب ومسبباتها، ورأوا أن الفاعلية في الوجود المدرك حقيقة، ولا تنفي ـ هذه الحقيقة ـ حقيقة الفاعلية الإلهية.

كان المعتزلة يقدمون العقل على النقل. وليس يمكن في حكم العقل نفي الفاعلية في الوجود المدرك، الثابتة بالعيان الصريح. لكن مذهب الاعتزال لم يسلك طريق العقل إلى نهاية مداه، ، فظل العقل المعتزلي حبيس تصور ديني موهوم، يسلم بثنائية الله والعالم، ثنائية يفارق بها الأول الآخر، مفارقة تزعم أن الله وجود بلا حد، وأن العالم حادث من لاشيء؛ غافلة عن أن حدوث العالم، بزعمها، حد لله، أي: نقض لمقولة الوجود الإلهي بلا حد.

الثنائية منطق مغلوط. فالحدوث من لاشيء قضية لا يجيزها العقل، ولا الدين. كل حادثة، في العقل، متقومة بوجود، وما تقوم بوجود ليس من عدم. الوجود ضد العدم، والضد لا يلد ضده. والعدم نفي مطلق، وتصوره سابقا للحدوث، متناف مع فكرة العدمية، أو هو تصور موهوم. والحدوث حق لا يجيء من موهوم. كل حادثة هي فعل وجودي ممتد فيما قبل الحادثة، والماقبل وجود، وليس ليسا. الوجود يشمل في مقولته الماقبل والحادث، فهو واحد وجوديا، لا ينقسم إلى اثنين أو أكثر.

وفي الدين، العالم خلق لله؛ والخلق فعل لم يوجد من عدم. وتؤكد النصوص القرآنية الصريحة أن الخلق كان من شيء، مثاله قوله تعالى: “أم خلقوا من غير شيء”، (الطور:35). فالخلق في المفهوم الديني فاعلية لم تبدأ من عدم. والفاعلية من الفاعل، أو هي هو بوساعة الفعل.

العالم محدث، فهو وجود، متقوم بوجود قبله، ما قبله متماد فيه بالفاعلية لا بالإمتداد، لأن الوجود غير منته إلى فراغ وجودي يحيط به، فيمكنه التمدد فيه.

ويرفض الفكر الإسلامي عامة فكرة التناهي الوجودي لله؛ والقول بالثنائية يناقض فكرة لانهائية الله الوجودية. فالله يشغل الوجود كله؛ الله ملاء الوجود. وإذا كان العالم وجودا، وهو كذلك، فهو من الوجود كله، لا زيادة وجودية على الله؛ إن تصور الله قابلا للزيادة الوجودية، تحديد له، ودعوى شرك بالله يأباها إيمان المسلم الموحد لله.

فكر الإعتزال السببي حق إلى المدى الذي احتكم فيه إلى العقل. لكن المعتزلة فرقة دينية ابتدأت من مسلمات المعتقد الديني غير العقلي؛ وكان يمكن للفكر المعتزلي أن يتمثل الدين كله بالعقل، لو تحرر المعتزلة من قبليتهم العقدية، وواجهوا خصمهم في فيحاء العقل الواسعي الواحدي المطلق. لكن إيمانهم القبلي بثنائية الوجود، لجم حركتهم العقلية عند حد الوجود المعاين، وتوهموا أن الحد المعاين للوجود، هو الحد الذي ينبغي على العقل التوقف دونه.

والقول أن الوجود المدرك ابتدأ من العدم، قول ينفي حقيقة الوجود المدرك، وينفي فاعليته أيضا. فالواقعة بجذورها، فإن كانت جذور الواقعة عدما، فلا واقعة. والواقعة وجود، والعدم ليس أصلا للوجود؛ قول ما عدا ذلك تناقض لا يرفعه إلا إثبات ما هو ثابت ـ بالإدراك ـ ونفي ما ينقضه الثابت بالمعاينة أو بالخبرة. إن القول بالثنائية، على مذهب المعتزلة، يناقض قولهم بفاعلية الوجود المدرك بالمعاينة. فإذا كانت فاعلية الوجود المدرك حقا، بضرورة سببية، فإن الثنائية زعم باطل.

ليس الحدوث دليلا على أن الوجود المدرك مغاير للوجود المطلق كما يتوهم التفكير الديني التقليدي؛ الحدوث دلالة على تكون الحادثة من أسباب عاملة، صارت من نسق وجودي إلى آخر، في سياق الوجود الواحد؛ وهو دلالة أيضا على تساوي الفعل الحادث مع فعل التكوين للحادثة. الحادثات لا تزيد عن عوامل فعلها، العوامل الداخلة في تكوينها. من الحادثات نستدل على المحدثات ـ بكسرة على الدال ـ بتحليل للأوليات يقودنا للأخريات؛ فالحادثة قضية مركبة، تمثل نتيجة لازمة عن مقدمات صارت نسقا جديدا لا يغاير مقدماته في تمام التئامها الفاعلي.

الحدوث فعل وجودي دال على فاعلية الوجود. والحادثة مفعول عوامل فاعلة؛ فإذا انتقلت الحادثة إلى الإحداث، فقد انتقلت من المفعولية إلى الفاعلية.

الفاعلية صفة الوجود الواحد الأساسية، وكل فاعل يشارك الوجود الواحد صفته الأساسية؛ وبالفاعل يتحقق الوجود الواحد، وبالوجود الواحد يتحقق فاعل مؤهل لتمثل حقيقة الواحدية الوجودية.

العابد فاعل

العبادة فعل قوامه عوامل سببية لها جذورها في الوجود. وفاعلية العبادة هي فاعلية عواملها السببية، شأن كل حادثة أخرى.

والعبادة بالمفهوم الإسلامي تحقق بالأمر الإلهي المتنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يتجاوز به المؤمن حد المفعولية إلى دائرة الفاعلية التي تجري بها، ومن خلال مشاركة المؤمن، الفاعلية الإلهية، مستهدفة بلوغ المراد الإلهي المتضمن في قوله تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، (الذاريات:56).

والأمر الإلهي، والإنسان، وأهلية الإنسان لقبول الأمر الإلهي، وطاعة الإنسان للأمر الإلهي، هي عوامل سببية يتقوم بها ويساويها، فعل العبادة.

والإنسان فعل لله له ـ في انفراديته ـ نهاية؛ إذا استغرق الوجود الإنساني في نهايته، يفنى بالمفعولية. غير أن الأمر الإلهي دعوة ترمي إلى أن يتجاوز بها الإنسان فناءه بالمفعولية، إلى البقاء بالفاعلية؛ فالفاعلية متصفة بالإستمرارية؛ والإستمرارية صفة للوجود الواحد الباقي من غير بدء إلى غير نهاية.

بالفاعلية تتسع حدود الإنسان الوجودية، وإلى المدى الذي يمكن له بلوغه، متقوما بعاملية دعوة الوحي المتنزل على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ الوحي دعوة وجود واسع إلى وجود ضيق، ليخرج الضيق من دائرة أناه الظلومة ، إلى النور المشع على صفحة، وفي ثنايا وحنايا الوجود الكبير.

الوجود الواسع مكون من مكونات فعل العبادة، الذي يتمثل به ـ العابد بالوجود الواسع ـ الواسعية، فيتحقق بها، ويحققها بذاته؛ بالقــدر الذي يؤهله له خلقه ـ بلام ساكنة ـ وفاعلية طاعته لأمر الله.

وبرؤية واحدية، فالحياة الدنيا بعض أصيل من الوجود بإطلاقه؛ الوجود الواسع. والدنيا مركز الدائرة الوجودية الإنسانية على تفاوت واسعيتها. والفعل الإنساني المجاوز لدائرة الحياة الدنيا، يرتكز إليها ـ للدنيا ـ وينطلق منها؛ وهي تبقى جزءا منه، بشرط أن يستغرقها ولا تستغرقه، أي: يهيمن عليها، لا تهيمن عليه.

الدنيا المحكومة للمسلم، هي قاعدة ومحور واسعيته الوجودية المجاوزة للحياة الراهنة، لا المنفكة عنها.

والمسلم فاعل إلاهي بعبادته التي يحقق بها واسعيته الوجودية، التي تنبني، من ضمن ما تنبني منه وبه، من وبمقدرات الحياة الدنيا، باعتبار الأخيرة بعضا أصليا من الوجــــود المطلـــق الواحـــد. وكل ما في الدنيا، عدا المسلم الكامل، مفعول لله؛ لجموده ـ الماعدا ـ في دائرة وجود ضيقة، بميزان الوحي؛ ومن ثم، فإن كل ما في الدنيا، عدا المسلم الفاعل بالعبادة، مفعول للمسلم الفاعل بالعبادة، المستخلف في الأرض؛ لتحققه بالفاعلية الإلهية التي هي الله الواسع.

الواسعية مفهوم تقدمي عقلي تتقهقر أمامه جهالة العقل الدنيوي وجنود الظلمة النفسية. حقق الإنسان صورة واسعية، وطوى تحت رايته مقومات الحياة الدنيا بنشاطه العلمي، فعزز فكرة الخلافة الإنسانية المرتكزة للعلم. وبين القرآن أن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها؛ فسجدت له الملائكة وهي التي لم يؤهلها التسبيح لله بحمده، وتقديسها لله، للخلافة في الأرض. أما آدم فقد تأهل للخلافة بالعلم، رغم الإفساد وسفك الدم. ويلح القرآن الكريم على أهمية العلم، فاستفتح الله وحيه المتنزل على النبي محمد، صلوات الله عليه وسلامه، بدعوة الله لمحمد للقراءة، باسم ربه الأكرم، الذي كان من أكرميته، أنه علم الإنسان بالقلم ما لم يعلم.

لا مندوحة للمسلم من علم يتعبد به الله. وعبادة الله تفتح الوجود الإنساني الضيق على الوجود الواسع الواحد، وبه ـ بالعلم التعبدي ـ تتسق عوامل فعل الخلق ـ بلام ساكنة ـ الإنساني المؤمن؛ فيولد الإنسان الرباني المكافىء للعوامل السببية الداخلة في تكوين بنيته.

والعبادة هي تحرير فعل الخلق الإنساني من نهاية المفعولية، ويحصل ذلك باستئناف فاعلية بداية الفعل، وهي البداية الإلهية المتصفة بالواسعية التي كشف عنها قوله تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا لعبدون”؛ تبين هذه الآية الكريمة غاية الخلق الإنساني، وما يراد منه لله، مما قبل بدايته؛ فهي تبين النية والقصد معا. وما بين النية والقصد، تتسق الأهلية الإنسانية مع دعوة الوحي، مع القبول الإنساني، في بنية واحدة تتكافأ مع عواملها السببية.

وفاعلية الإيمان هي القبول ـ المتحقق ـ بدور المشاركة في فعل تحقيق المراد الإلهي. أو: هي فاعلية السبب الذي يتأدى منه المراد الإلهي إلى واقعة فعل واحدي تتعين به واحدية الله كصفة أساسية أولى له، من غير إغفال حقيقة أن القبول ذاته فعل يلد لأسباب عاملة تنتمي إلى الماقبل الوجودي؛ فكل فعل إنساني هو فعل وجودي كلي متعين في صورة فردية. فالفاعلية الإنسانية فاعلية وجودية. وفاعلية الإيمان فاعلية واحدية الوجود.

وقد اختلفت آراء المفكرين المسلمين الذين تناولوا قضية الفعل الإنساني؛ فقال فريق أن الفاعل على الحقيقة هو الله، لا الإنسان؛ وقال فريق آخر أن الإنسان فاعل على الحقيقة. واحتج الفريق الأول بأن القدرة لله وحده؛ واحتج الفريق الآخر بعدالة الله التي تبني الحساب على فعل الإنسان ذاته.

وتصدر آراء الأشاعرة والمعتزلة، ومن دار في فلكيهما، أو قريبا منهما، عن معتقدهم الرئيس الذي يذهبون به إلى تصور ثنائية الوجود؛ وهو الذي يترتب عليه أن الله فاعل، والإنسان مفعول لله؛ وأن الوجود المدرك كله مفعول لله، بحكم إحداثه من بداية، وانتهائه إلى نهاية له؛ ولو كان ذا فاعلية؛ ففاعلية المحدث ـ بدال عليها فتحة ـ المفعول لله، الذي لا يتجاوز حده، هي، في الحقيقة، مفعولية للمحدث ـ بدال مكسورة.

نشأ الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة، من رؤية الفعل الإنساني عند الأشاعرة، بمنظور الوجود الإلهي، المفارق للوجود الإنساني، وابتداء منه؛ ومن رؤيته، عند المعتزلة، ابتداء من الفعل الإنساني؛ فأثبت المعتزلة فاعلية الإنسان المقررة عيانا، ولم يثبتها الأشلعرة.

وكان قفز الأشاعرة، وأهل الجبر عامة، عن الواقع الثابت عيانا، هو أصل الضعف في مذهبهم في الفعل الإنساني. وإلغاء الثابت عيانا بالنظر القافز على الواقع، غلط منطقي تكذب به القضية، ولا يستقيم به حكم العقل.

ومع أن المعتزلة قالوا أن الإنسان فاعل؛ لكن مذهبهم يلزم بالقول أن الإنسان مفعول؛ فقد قالوا أن الإنسان مفعول لله، وقالوا أن الفاعلية والمفعولية الإنسانيتين حقيقتان، ليسا مجازين؛ فجمعوا في مقالة واحدة، اثباتا ونفيا لقضية واحدة؛ فلم يصح حكمهم. وكل حكم عقلي يبدأ من ثابت الواقع، فهو حكم يسلك المنهاج القويم؛ فإذا ناقض حكم تال ما قرره الثابت، في دائرة قضية واحدة، فالحكم التالي إنحراف عن المنهاج القويم.

إن العبادة طاعة أمر، هي فعل للعابد، والعابد بها فاعل. ثم أن الإنسان فاعل على أوجه حياته الأخرى؛ وفاعلية الإنسان المعاصر متعاظمة، فلا يمكن تجاهل حقيقتها؛ كما لا يمكن مواصلة، ومواجهة تحديات الوجود ـ الدنيوي، مرتكز الوجودية المطلقة في مذهبنا الواحدي ـ بغير منهاجها. والمعتقد الذي ينفي فاعلية الإنسان على الحقيقة، وهم لا يقدر أن يقاوم طغيان العقل ـ الفاعل بطبيعته ـ ولا أن يواجه تحدياته الحضارية.

المسلم، إذا ما أراد التمسك بالوجود، الدنيوي الكريم، والأخروي، فلا بد له من أن يكون فاعلا لا مفعولا به، أو فيه، أو مفعولا مطلقا. ولا تقوم فاعلية المسلم إلا بالفاعلية الإلهية، بالصدور عن فهم واحدي للوجود؛ الإنسان فيه بعض حقيقي، وممتاز بخاصة الوعي التي تؤهله لتجاوز دائرة الوجود الإنفعالي الضيقة، إلى الوجود الواسع.

إن الله تام القدرة، والإنسان فاعل بقدرة حقيقية له، ولا تتناقض قدرة الله مع قدرة الإنسان؛ فالقدرة الإنسانية قدرة إلاهية، والإنسان بعض حقيقي تتعين به القدرة الإلهية، مثلما يتعين به الوجود الإلهي الواحدي. في إطار حركة الإنسان الوجودية، فإن الفعل الإلهي والفعل الإنساني فعل واحد. الفعل الإنساني محدث ـ بفتحة على الدال ـ يتقوم بأسباب عاملة هي أسباب إلاهية. والوجود الإنساني ليس زيادة على الوجود الإلهي؛ الزيادة حكم بالمحدودية على المزيد عليه، والوجود الإلهي يملأ الوجود كله، هو وجود لا يحد ـ بضمة على الأول، وتشديد الأخير ـ فلا يقبل زيادة عليه.

العبادة فاعلية تترامى بها حدود الفعل الإنساني إلى ما بعد حد المفعولية، ليسع الوجود الإنساني ـ الفاعل ـ الوجود ـ بفتحة ـ الإلهي الواحد، كما أشار حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه أن الله الذي لم تسعه أرضه وسماواته، وسعه قلب عبده المؤمن.

وتجاوز حد المفعولية أمانة أنيطت بالإنسان لأهليته المنماز بها؛ فحملها الإنسان بتكوينه الذي فاق السماوات والأرض والجبال، كما صور القرآن. وميزة التكوين الإنساني الفارقة ما بينه وبين الخلائق كلها، حركية واسعية تجاوزية إلى ما وراء حده الآني بشهادة الوقائع التي لا ترد لها شهادة.

وقد قرر القرآن بنص واضح وحدة المشيئتين الإلهية والإنسانية، فدل على واحدية وجودية: الله كلها، والإنسان بعضها؛ قال تعالى: “وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين”، (التكوير:29). وقوله تعالى هذا تعقيب على آيتين سبقتا الآية هذه من غير فاصل؛ وصفت الآية الأولى منهما القرآن الكريم بأنه “ذكر للعالمين”، وقال جل جلاله في الآية الثانية: “لمن شاء منكم أن يستقيم”. أثبت القرآن المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية، ووحدهما. فالقرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم في تصوره وحركته؛ هذه المشيئة الإنسانية هي مشيئة إلاهية، كما تقرر الآية (29)، التي يدل نصها على كل مشيئة، سواء كانت مشيئة استقامة، أو غير. الإنسان لا يشاء ما لم يشأه الله؛ فإذا كان من الإنسان مشيئة، فهي مشيئة شاءها الإنسان وشاءها الله؛ ومن المشيئة الإنسانية نعرف مشيئة الله، التي ـ الأخيرة ـ تتبدى لنا بالمشيئة الإنسانية، هذه ـ الأخيرة ـ ليست خالية، هي ملاء بالمشيئة الإلهية المكونة لها تكوينا عامليا سببيا، وتملأ ـ هي ـ المشيئة الإلهية؛ نستدل على المشيئة الإلهية بالمشيئة الإنسانية، كما نستدل على عوامل تكوين حادثة من إدراك الحادثة ذاتها.

وبالمفهوم الثنائي للفكر الإسلامي، تبدو نصوص “التكوير” الثلاثة متناقضة. تبدو الآيتان (27)، (28) منحازتين لحرية المشيئة الإنسانية؛ وتبدو الآية (29) حجة لصالح نفاة الحرية الحقيقية للإنسان. أما كلام الله فمتنزه عن التناقض، الذي ـ التناقض ـ يترتب على القول بتجزيء الوجود. وقد توارث الفكر الإسلامي الثنائي مفهومه التجزيئي من المنهجية العربية القديمة التي أعوزتها الرؤية الواحدية الكفيلة برؤية الأبعاض في كليتها، المنتجة ـ المعني: الرؤية الواحدية ـ لمعرفة بالكل بتعيناته الحادثة في الواقع. الآية الثالثة من النصوص السابقة، تدور على موضوع المشيئة الكلية التي تتعين في المشيئة البعضية الإنسانية؛ والكلي لا يتناقض مع البعضي؛ فإذا قرر القرآن حرية المشيئة الإنسانية في نصوص أخرى، فلن يتناقض تقريره هذا مع الآية (29) من سورة “التكوير” التي قررت حرية كل من المشيئة الإلهية والإنسانية، حرية واحدية.

وقد جرت عادة المفكرين المسلمين التقليديين على مواجهة النصوص القرآنية التي يتوهمون تناقضها، لثنائية نظريتهم، بالتهرب منها، أو بافتراض حاجتها للتأويل. مثال ذلك ما صنعه الألوسي؛ قال في معرض تفسيره في “روح المعاني” لقوله تعالى: “وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كل من عند الله، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك”، (النساء: 78، 79): ” إعلم أنه لا حجة لنا، (يعني الأشاعرة)، ولا للمعتزلة في مسألة الخير والشر بهاتين الآيتين لأن إحداهما بظاهرها لنا، والأخرى لهم، فلا بد من التأويل”.

يرى الألوسي تناقض القرآن في نص واحد من آيتين. والتناقض لا يرفعه التأويل، فالتأويل سبر للمعنى، وليس ليا لعنق النص واستنطاقه بما ليس فيه، لاغتصاب اعتراف منه بسلامة المذهب. النص هذا صريح الحكم على أن الحسنة والسيئة من الله، وتغلق صراحته كل باب أمام دعوى تزعم أن أحدهما من غير الله؛ ومن ثم، فلا بد من العدول عن التفسير الذي لا حجة له إلا أنه انتصار لمذهب، إلى تفسير يعالج النصوص برؤية عقلية مستنيرة لا قيد عليها، إلا قيد طلب المعرفة الحقة الملزمة.

لقد نصت الآية الأولى على أن الحسنة والسيئة من الله. ونصت الثانية على أن الحسنة من الله والسيئة من النفس الإنسانية.

ونشأت المشكلة الموهومة من رد السيئة في الآية الأولى لله، وردها في الآية الثانية للإنسان.

لكن، لو قلنا أن الله هو الكل، وأن فعله فعل كلي؛ وأن الإنسان بعض الكل، وفعله هو فعل بعض الكل؛ لأمكن القول أن السيئة فعل كلي بنص الآية الأولى، وفعل بعض الكل بنص الآية الثانية؛ وما تصح نسبته للبعض تصح نسبته للكل؛ فإذا كان المنسوب إليه هو الكل، صحت نسبة السيئة إليه؛ وإذا كان المنسوب إليه هو البعض، صحت نسبة السيئة إليه؛ ولا يقع تناقض ، فقول العليم منزه عنه.

ومن جهة أخرى، فإن رد حادثة السوء إلى عواملها السببية، هو رد لها لأصلها الإلهي، باعتبار ارتداد الفعل الإنساني، باعتبار وجوده كله، لأصله الإلهي.

وكان الفيلسوف الإسلامي ابن رشد قد أخطأ إذ زعم في “مناهج الأدلة” أنه لاحظ ظهور جانبي الحرية والجبر في آن واحد، في قول الله تعالى: “أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير. وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله”، (آل عمران: 165، 166).

ابن رشد، الفيلسوف العقلي صاحب “تهافت التهافت” الذي ينقض به “تهافت الفلاسفة” للغزالى الأشعري، لم يكن فارس الفكر المقدام، فيجاوز عقلانية المتكلمين مجاوزة جذرية، بعقلانية مستنيرة؛ لو اقتحم بها حصن الموروث مما قبل نزول الوحي، ما استمرت حركة تقهقر الأمة الإسلامية، إلى أن وصلنا إلى حالة المفعولية الحضارية، لحضارة تنامت من قراءة لابن رشد، مستقلة عن تراثه. كان يمكن لابن رشد أن يجذر ثورته العقلية على الفكر الأشعري، بالتحرر الكامل بالعقلية المستنيرة المستقلة عن التراث التعددي العربي؛ ولو فعل ذلك، لكان قد غذا العقل الإسلامي بدم حار،  به يستعيد المسلم فاعليته الإيمانية، فيتحقق بالعقل لا بالوجدان، فلا يبقى شطرين: مسلما بالوجدان؛ وشطرا مقسوما على ذاته، بين اثنين موهومين، فلا هو بهذا، ولا بذاك؛ فالحق أن الوجود ـ نسبة لله والإنسان ـ واحد؛ هو الله بالكلية المطلقة، والعابد بفاعلية البعضية.

ولآيات “النساء” و “آل عمران” المذكورة آنفا، دلالة واحدية الفعلين الإلهي والإنساني. وهي تكشف أيضا عن دور الفاعلية الإنسانية في الفعل الإلهي الكلي. فالنصوص القرآنية تثبت فاعلية وفردية حقيقيتين للإنسان؛ فالسيئة والمصيبة فعلان للنفس الإنسانية المفردة، تستقل بالفعل في حدود بعضيتها، وتتحمل نتائج فعلها في مداها البعضي. توكد هذا الآية (165) من “آل عمران”، بنصها على أن المصيبة التي وقعت بالمسلمين، جاءتهم من عند أنفسهم؛ المسلمون إذن فاعلون، وفاعليتهم ذات أثر يقع، بهم، عليهم.

وكان الوجود الفاعل للمسلمين في معركة أحد، قد انحسر من الدائرة الإلهية الواسعة، دائرة الفعل الإيماني، إلى دائرة الإنسانية الضيقة، لمخالفة المقاتلين لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحصل تراجع لفاعليتهم من مداها الإلهي الواسعي،إلى مدى الأنا المصمتة، الساكنة في نقطة المفعولية، السالبة لحركية العابد.

ورد الحسنة إلى الله في آيات “النساء” آنفة الذكر، لا يعني استئثار الله بالحسن وقصر القبح على الإنسان؛ المعني، بدلالة النص، هو أن فعل الإنسان الحسن، هو فعل كلي يوسع الوجودية الإنسانية بعوامل إلاهية يتقوم بها الوحي؛ وهي العوامل التي تدخل بنية الفعل الإيماني، فتحرره من قيود التعين في واقعة مفعولة لله، وتنطلق به في الأفق المترامي لفاعلية الله الواسع، الواسعة. ويعني رد الحسنة لله أن فعل الحسنة فعل واسعي، وبفعله، يصير الإنسان واسعيا؛ وبغير فعله، يبقى الوجود الإنساني حبيس ظلمات النفس السيئة بمحدوديتها، أي: بمفعوليتها.

الفعل الحسن فعل حركة إنسانية تجاوز دائرة المفعولية، ويتعين بها فاعلية الله الواسعة. وفاعلية الله تتعين في خلق الله على تفاوت: أعلاها مرتبة مؤمن بواحديته، وعاملا  عملا صالحا، يصير كل ما يحده الفناء به، عبدا له؛ صبورا على المكروه، إلى أن يفوز، بفاعليته، بثواب مقيم في دار السلام.

المسلم فاعل فاعلية تسع الوجود المدرك، وما هو أوسع.

والفاعل لامفعول.

والمسلم، برفض المفعولية، يتأهل للنهوض من ضمير الأمة، بطلا فاعلا مقداما؛ فيرد العدوان، وينتصر للحق المبين، ويعبد الله عبادة يبلغ الله، جلت قدرته، وتعالى، بها مراده الإنساني.

فاعلية المسلم تحققه رائدا للحركة الإنسانية، بترجمة واقعية، جماعية، أداتها إرادة العدل وحضوره البهي القوي.

وعلى الله قصد السبيل.

والحمد لله رب العالمين على ما هدانا إليه.

نهوض الأصل

Posted by: alnorani on: 30/11/2011

الدكتور حسن ميّ النوراني

(دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس)

alnorani@live.com, alnoorani@hotmail.com

 

توضيح:

(1) كتبت هذه الدراسة في المرحلة التي كان فيها تفلسفي مؤطرا بنظريتي “الواحدية” التي تقدمت منها فيما بعد إلى مستوى تفلسفي لم يلغها، ولكنه يعمقها وهو الذي يحمل اسم “النورانية” أو “النورانية الواحدية” وبمفهومي الخاص والمتميز عن المفاهيم الفلسفية الواحدية أو النورانية التي عرفها تاريخ الفكر الإنساني الذي كان ينبوع أفكاري لكنني لم أقم بتكرار أي من تجلياته ولكنني أنتجت ما يصطبغ بلوني الفردي.

(2) أعتذر عن عدم توسيع دراساتي النقدية التي يتضمنها اجتهادي المقدم هنا ليشمل كل ما أنتجه الأفاضل الثلاثة الذين تناولت كتاباتهم حتى تاريخ إعدادي للدراسة الراهنة. وهذا وجه يوهن من قوة رأيي فيهم، لكن ظروف الترحال المستمر وإقامتي الراهنة وغير المستقرة في غزة، التي لا يتوفر فيها للباحث الفلسفي وغير الفلسفي ما يحتاج إليه؛ ظروفي هذه، وقد يضاف إليها أن شهوة البحث باتت ضعيفة عندي كما ضعفت شهوات كثيرة جميلة ومشروعة تحت ضغوط القهر المتخلف التي يحياها المتطلعون لمستقبل أجمل.. ذلك كله، قد يجعل من اعتذاري مقبولا.. وهو اعتذار آمل أن يكون مشفوعا لي بما لا يزال يتحرك في كياني من إرادة الانتصار على ظلاميتنا وعلى تخلفنا.. لذا، أدفع بهذا الاجتهاد للنور..

 

 

 

 

 

***************************************************************

الموضوعات

استهلال

الجنة.. من الآن، ومن هنا

القسم الأول

إرادة الجهاد المنفتح

(1) غياب الفاعل الفرد

(2) العقل المطلوب

القسم الثاني

شرط الواحدية

زكي نجيب محمود: ثنائية العلوي والسفلي

حسن حنفي: الضيق يحاصر الواسع

محمد عابد الجابري: استدعاء لحظة بلا آفاق

فاتحة النهضة الواحدية

من “المخلوق” إلى “الخلق”

****************************************************************

استهلال

الجنة.. من الآن، ومن هنا

الفكر المرتجف لا يبدع الحب والسلام. يرنو العقل الواحدي ـ الذي ينتظم فيه هذا الاجتهاد ـ إلى استنهاض جماعية الكثر بمشروع يؤصل القيمة الفردية الأولى: قيمة الحرية الفاعلة، لا الحرية القاهرة. والحرية الفاعلة، في الرؤية الواحدية، تنهض من “أصل” الوجود، وتنطلق في كل أفق ينطلق فيه الوجود؛ ولا أفق للوجود إلا أفق الحرية التي تفتح مغاليق الدوائر المظلمة، دوائر المفعولية التي تحاصر تطلعات المشروع النهضوي العربي إلى تحقق جديد للأمة، لا يكرر قديمها، ولا يذوب في الراهن الإنساني الغربي العدواني.

وسوف تبقى مشكلة التراث والمعاصرة ـ التي تشغل العقل العربي المعاصر ـ عصيّة على الحلّ، ما بقي المشروع النهضوي العربي المعاصر هيّابا لا يمضي، واضحا، وحازما، مستقيما، وبلا التواءات، ليقتحم “القلب المحض” للنسيج الحضاري العربي الإسلامي الذي ما زال موروثنا منه يهيمن على واقعنا المعاصر.. من هذا القلب البعيد الحاضر، يبدأ مشروع نهضوي جديد؛ لن يبدأ من نصف حيّ أو ما شابه الحياة، ونصف ميّت، أو ما زعم له الموات، ولكنه يبدأ من “واحد” عميق واسع، عمق الوجود المطلق وسعته. فإذا ولد مشروع نهضوي من هذا الواحد المنفتح على ذاته المطلقة (الحرة)، المنفتح بفاعليته الخالقة بـ وعلى، خلقه التاريخي والزماني؛ فسيلد نهوضا متواليا، غضا، لكنه صلب الإرادة، ماض في عزم، يجتاز عوائق القهر التي تسلب الفردية طاقة الوجود السيّال، وتستبد بالحق الأصيل لكل ذات في حياة كريمة، تحوز، بالعدل، حظها الكامل في الوجود.

وإذا حازت كل ذات حقها الكامل في الوجود، فلا بدّ أن تشرع، ودفاعا عن حقها الأصيل، في أداء واجبها الكامل ـ أيضا ـ تجاه الوجود، الذي هو وجودها، الوجود الذي تساوي قيمته درجة رفيعة، كما الجنّة، مرتبة الحب والسلام، في أعلى صفاء، جنة نغرسها هنا والآن، وننطلق في رحابها، من الآن ومن هنا، على صهوة زمان نبدعه نحن، لنا نحن، تبدعه نحنُ كالبلّور، لا عتمة فيها ولا جوْر ولا قهر ولا استبداد.. مثل هذه النحن التي تينع بها، وفيها، كل أنا، حلم يستولد إشراقة إنسانية جديدة تبدو قريبة المنال، في كنف حال أنهكه العدوان، ويستحث عقلا واحديا، هو الآن يغذو الخطى نحو تواصل أعمق، ليخلق عالما أوسع، سبق الوحيُ إليه، بدعوة فتحت الخلق على الخالق، والشهادة على الغيب، والزمان على المطلق؛ فتح الدين، ويفتح العقل، وجودا واحدا، ذروته إنسانية واحدة، ذروتها السلام.

صنعاء في 18 شوال 1413هـ/10 نيسان (إبريل) 1993م

القسم الأول

إرادة الجهاد المنفتح

(1)  غياب الفاعل الفرد

إذا عجزت قوى التنامي عن مواصلة فاعليتها الحيوية في مواجة عوامل الهلاك، صارت الحياة فعلا مختنقا. التنامي خاصة حيوية يتحقق بها الكيان الوجودي الحيوي في مستوياته الفعلية كلها، وفي ذروتها مستوى الإنسانية؛ هذا المستوى الذي امتاز عمّا عداه من مستويات التحقق الحيوي بالقدرة على جمع مفردات خبرته، وصياغتها في تاريخ، حقق بدوره، فاعلية التنامي الحيوية، بصورتها الإنسانية. والتاريخ الإنساني ليس تجميع خبرات مفردة مغلقة، هو جمع تشارك فيه الخبرة المفردة بفعل يتعضون به الجزئي في الكلي، أي: ينفتح به الجزئي، بالكلي، على الكلي الممتد إلى ما بعد حدود الجزئي المكانية والزمانية. التاريخ هو فاعلية تفتّح الفردي على الجمعي، أو تفتّح الفردي، بالفردي، ليصنعا معا جمعيا واحدا، عوامله الفاعلة هم الأفراد الصانعون للتاريخ؛ الأفراد المبدعون لتحققاتهم الحيوية الوجودية، وهي تحققات لا يبدعها أفراد معزولون، كل في دائرة وجودية مغلقة؛ الإبداع الحيوي الوجودي هو فعل التنامي في الأفق الواسع للوجود، هو فعل تعميق الوجود الأنوي في الوجود العام. وبالتنامي المعمق يصير الوجود الأنوي فعلا تاريخيا، خلال صيرورته إلى فعل جمعي، يخلق بطبيعته تاريخا فاتحا، كل لحظة، عالما متجددا، يشتبك مع عوامل الهلاك، ويتجاوزها، أو يحيلها إلى شروط جدارة حضوره وشدة درجة فعل مشاركته في إعادة صياغة الوجود. ولكن شعلة الحياة تخبو في اللحظة التي تتجمد فيها فاعلية الحضور، وفي هذه اللحظة، تسقط الحياة في شراك الأزمة.

الأزمة حضور حيوي متجمد تاريخيا يضيق فيه الوجود الفردي وينغلق على ذاته، ويفقد قدرته على التنامي الجمعي، ومن ثم، تفقد الجماعة، أو الأمة، قدرتها على إبداع حضورها التاريخي الفاعل في التاريخ الإنساني العام. والحياة لا تتوقف عن تحققاتها إذا فقدت قدرتها على إبداع حضورها التاريخي الفاعل، ولكن ، تتجه تحققاتها إلى الأداء الحيوي في وضعية المفعولية.

وضعية المفعولية حالة استلاب وجودي لكيان يعجز عن التواصل الفاعل مع المعطيات الوجودية، ثم ينقلب عجزه، أو يتفاقم، فيصير هو، نعني الكيان، معطى، مسلوبا، للموضوعات الوجودية الأخرى؛ أي: يصير معطى يمارس الغير فيه فاعليته، ويمارس عليه حصاره الخانق. المفعولية وضعية ذاتية، لا يخلقها الغير، ولكنها تغري الغير ليمارس عليها فاعليته. فالذات، كل ذات حية، مجبولة على الحركة التوسعية، فإذا تعطلت مكنة التوسع لدى ذات، فإن هذه العطالة مقدمة لحركة توسعية تنجزها ذات أخرى تمتلك عوامل الفعل، الفاعل، امتلاكا ذاتيا، ومنهاعامل شهوة الحيازة على الآخر، وهي شهوة تتفاقم، إذا صار الآخر أرضا سهلة وقابلة للاجتياح؛ أي: إذا صار الآخر في وضعية المفعولية، وهي حالة يتقهقر إليها الكيان، بعد أن تكون عوامله قد ألجمت فعله المبادر بتلقائيته الوجودية. ومن ينكص عن المبادرة الفاعلة، يهوي في ظلامة التاريخ، وتهرسه عجلات زمان يتحرك بالذي يحركه، ولا يجمد مع الجوامد. الحركة طبيعة الوجود، والوجود لم يزل، فالحركة لم تزل، وهي اتجاهات، إما نحو الأمام، وإما نحو الخلف؛ والفاعلون هم الذين يبدعون زمانا يتحرك للأمام. بينما تشتد وضعية المفعولية كلما ضاقت المساحة الوجودية بالحركة المنكفئة على ذاتها، المقلوبة الاتجاه.

المفعولية وضعية لا تستجيب للتحديات الخارجية بكيف يجعل منها عوامل بناء للذات. الآخر نسبة إلى الذات المأزومة بوضعية المفعولية، مخرج استهلاكي؛ هي تستهلكه، وهو يستهلكها. لكن استهلاكها له، تدمير لها، وتدمير له في ذاتيتها؛ أي: إعدام له كعامل استفزاز لها ودافع للتنامي بتوظيف فاعل يقلب تحديه لها إلى تحديها له. واستهلاكه لها، تدمير لها بمحاصرتها في دائرتها، دائرة وضعية المفعولية، لا تدميرا مطلقا، ولكن تدمير فاعليتها، لتظل سهلا مفتوحا لأداء فاعليته العدوانية.

الأزمة، كما الحياة، ذاتية. كما لا يقدر أحد على الحياة نيابة عن غيره، لا تخرج أمة من أزمتها، ما لم يكن الخروج مطلبا ذاتيا لها. ومن الجرثومة التي يبدأ منها مشروع الحياة، منها يبدأ مشروع النهوض الجمعي، متحديا حالة المفعولية، ومتحديا في الوقت ذاته، عدوانية التحدي الخارجي.

وكما جرثومة الحياة، أساس المشروع الحيوي للكيان، أساس عميق، فإن أزمة الكيان الجمعي، ذات أساس عميق أيضا، يضرب جذوره في التراث، ويفترش مركب عقل ووجدان الفرد والأمة في الحاضر المحكوم بالماضي، محكومية تغلق أفق المستقبل.

لماذا حشرت الأمة ـ أمتنا العربية أو الإسلامية ـ رأسها في صدع جدار كثيف سلبها الحضور في التاريخ، بينما لم يغب الجدار عن التاريخ، وظل يضغط على الرأس المحشور في صدعه المتفاقم؟! لماذا فشل مشروع الأمة النهضوي الحديث رغم انبلاج تباشيره منذ قرنين، ورغم تنوع طروحاته وتكرار تجاريبه؟ لماذا عجز العقل العربي المعاصر عن إنقاذ جمجمته المحاصرة بظلمات الصدع التاريخي المتكاثفة عهدا بعد عهد؟!

لماذا بددت السياسة العربية ـ أو الإسلامية ـ إمكانات قوتها، فانتهت بالأمة إلى وضعية المفعولية المزرية المسلوبة حق التعبير عن احتياجاتها الطبيعية وعن طموحاتها السامية؟ لماذا تراجعت الأمة من دور الحاضر الفاعل إلى دور الحاضر المنفي؛ من دور “الرسول” إلى دور المستباح؟!

ودعوة السلام التي تصعّدت من ذرا وجودنا، ومن ذرا فلسطيننا، لماذا تهاوت إلى دعوة انهزام واستسلام في مواجهة طوفان العدوان؟!

الهزيمة في فلسطين، ابتداء من الاحتلال الصهيوني لها، وانتهاء ـ حتى الآن ـ بالاعتراف بمشروعية العدوان، والتسليم بـ”حقه” ـ ولا حق لعدوان في البقاء ـ في وجود آمن، وبضمانة نشارك فيها، هذه الهزيمة تمثل ذروة وضعية المفعولية للحضور العربي ـ الإسلامي ـ المعاصر، وتجسد الخلاصة المكثفة للأداء الحيوي العربي ـ الإسلامي ـ المقلوب الاتجاه، والمدمر لذاته، المستباح للآخر. الموقف العربي (الإسلامي) من العدوان الصهيوني، دليل الأزمة التي يعانيها الحضور الراهن للأمة، فهو دليل فقدان السيطرة على زمام إرادة فعلها الجامع لإمكاناتها الذاتية الوفيرة، الموجه نحو مقاومة تحدي العدون الخارجي لها، الذي تجسد العدوانية الصهيونية مراميه وأهدافه وخطورته على الدور الكياني الفاعل للأمة العربية (الإسلامية).

ليست الهزيمة في فلسطين، هزيمة عسكر في مواجهة عسكر؛ إنما هي هزيمة حضور في وضعية المفعولية، قبالة حضور في وضعية الفاعلية. والحضور في كل وضعية له، أداء حيوي شامل، تنتجه طريقة معينة لتكييف إمكانات الوجود المتعددة وعلى صُعُد كُثْر، ولكن، في نسق واحدي، تتعضون فيه الأجزاء، وتنتج كليا عاما يسجل حضوره النوعي في التاريخ والجغرافيا. واالحضور العربي، أو الإسلامي، قبالة الحضور العدواني الصهيوني الفاعل، حضور يكيف قدراته الذاتية في نسق مهزوم، بكفاية متدنية، وبإرادة مسلوبة، وحركة متدهورة تتقهقر إلى مضائق أشد، أو إلى أزمة أعنف.

ما الذي يوثق رباط رزوح الأمة تحت نير الوجود الضيق المأزوم في دائرة ظلامية وضعية المفعولية؟! ما الذي يُقْعِد إرادتها عن الانقلاب على حالة المفعولية النافية لفاعلية مقومات وجودها التاريخي والمعاصر، إنقلابا يفجر مكنونات الحياة المقدامة، التي لم يبخل بها الخالق عن تشيؤ له، الذي أودع في كل ما خلق من أحياء قوة مغالبة عوامل الفناء؛ التي منها، ومن أشرشها، فيما يخص الحياة الجمعية، عامل الرضوخ للوجود في دائرة المفعولية الضيقة النافية للتحققات الذاتية، للفرد والأمة، تحققات تبدع حضورا فاعلا، وإشراقا ناهضا للحياة؟!

لم تزل الأمة، ورغم محاولات متعددة، أسيرة كوابح تكبل إرادة الفعل المقدام الرابض في كينونتها الحيوية والذاتية، وهو قوة يطويها كل كيان حيوي بضرورة التكوين الخَلقي، النازع إلى الفاعلية، بصدوره عن فاعل أو عن “الفاعل (=الخالق)”، الذي ابتعث من لدنه “روحا” تحققت تارخيا في الأمة العربية الإسلامية حاملة رسالة الهداية للناس أجمعين في حركة عميقة أخرجت الناس من ظلمات الوجود المغلول بالجهالات والمحاصر في مضائق الأنوية، إلى نور الوجود المتحرر من الباطل الزاهق، الموسوم بالحق والمرسوم بالجهادين الأكبر والأصغر. والمتحرر من رؤى السلف، برؤية متجددة، تساوق تغيرات الزمن، تساوقا يشترطه كل نهوض جديد للإرادة الفاعلة المقدامة.

والتجديد الذي وقع مع ابتعاث النبوة المحمدية، انبثق عن رؤية مقدامة، وحّدت بإبداع منهجي شتات الكيانية العربية الثقافية والجسمية، وأخرجت الطاقات الحيوية من كمونها الوجودي في محابس الماضي تحت هيمنة سلطان الأبوية المتجمدة بمفاهيم خاطئة عن الوجود عامة، وعن الوجود الإنساني خاصة، والمرهونة بضلالات معتقدات كانت سائدة تحت شروطها الظرفية، لا تحت كل الشروط، ولا كل الظروف. كشفت منهجية النبوة المحمدية عن الروح الفاعلة في الكيانية العربية الفردية،، وأزاحت عنها حجاب الكفر، فانطلقت من كيانية الفرد كيانية الجماعة، وعمّقت الكيانية الجمعية كيانية الفرد، بتحرير الأنوات من مضائق الآنات المنفصلة، أو من مضائق الأزمة التاريخية التي غيبت العربي في عصر ما قبل الإسلام عن الحضور الفاعل في التاريخ، وهي، الأزمة ذاتها التي عاودت تغيييب العربي، والمسلم، عن الأداء التاريخي الفاعل في العصر الراهن.

وعلى الرغم من تغاير العصور، تظل الغيبوبة التاريخية نتيجة سبب لا يتغير جوهره، كما لم يتغير جوهر سبب الهلاك، فإن جوهر سبب الغيبوبة وسبب الهلاك، هو جمود الكياني في ذاته المنغلقة المنفصلة المتجسد في فردية “كافرة” واقعة في النهايات العدمية للوجود. حرر الإسلامُ الفردَ الكافر من حصار النهايات العدمية المنغلقة، وفتح وجوده على أفق مطلق يبدأ من لحظة “الإيمان” ويتدفق في فاعلية تاريخية وحّدت الأفراد، ووحّدت الأزمان المرئي منها والمُتَخَـيَّل، بمنهاج صادر عن الخالق الواحد، رب العالمين؛ أي: بمنهاج واحدي يعمق وجودية الفرد، باعتباره واحدا فاعلا مسلما للواحد المطلق: الله؛ وفاعلا بنسق جمعي واحد، لا يجور على واحديته الفردية، ولكنه ينبثق من فرديته الواحدة المسلمة لرب العالمين أجمعين، إسلاما يصح على وجهته إذا صحّ الإيمان؛ ولا يصح الإيمان إلا على معنى أخوة المؤمنين التي يقررها كتاب الإسلام، القرآن الكريم، وعلى معنى الحديث النبوي الشريف: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه”. هذه الروح الإيمانية، الواحدية، التي أشرقت بها الذاتية الفردية الجمعية، هذه الروح، هي روح الأصل الذي انبثقت منه النهضة العربية الأولى، وهو الأصل الذي نحسب أنه لا بد أن تنهض منه النهضة العربية المطلوبة. فهل كشف مشروع العقل النهضوي العربي المعاصر القيمة الإبداية للأصل النهضوي العربي الذي أنتج الدور الرسالي للعربي المسلم في عصور الإسلام الزاهية؟!

إن زعمنا بوحدة الأصل النهضوي العربي في نموذجها الذي تحقق تاريخيا، وفي صورتها المطلوبة حاليا، ليس زعما يدّعي التوحيد بين مشكلات النهضة العربية الأولى والنهضة المبتغاة. ثم هو ليس يزعم للأصل النهضوي خاصة الجمود؛ فالصفة النهضوية تنفي جمود موصوفها، فالنهضة حدث مغاير للراهن، ومغايرتها محمول يجدد صياغة الموضوع، فالموضوع مقيد بالمحمول من جهة محمولية المحمول. النهضة فعل محكوم بالظرفية، وما من شك، أن الظرفية العربية المعاصرة مغايرة للظرفية العربية زمن البعثة المحمدية. والأصل الذي نزعم أنه واحد لكل نهضة عربية يسع التغاير الظرفي بواسعيته التي لا تضيق عن استيعاب التشيؤات الوجودية كلها، والتشيؤات متغايرة، والأصل النهضوي الواحدي هو أصل التغاير، والتغاير هو صورة فاعلية الأصل الواحدي التي لا تجري إلا في حركة تغاير، فالأصل الواحدي للنهوض العربي الرسالي، هو ذاته، المانح لمشروعية تغاير صور النهضة العربية الأولى عن النهضة العربية المرتجاة، وهو لن يمنح المشروعية لصورة تكرارية للماضي، فالتكرارية الصورية في الوجود وَهْم الرؤى الضيقة التي تحبس إمكانات التفتح في النهايات المغلقة للتاريخ.

الانغلاق الذاتي في دائرة وجودية ضيقة منفصلة ومعزولة هو الجامع المشترك للوضعيتين العربيتين ما قبل الإسلام، والعصر الراهن. ومع هذا الجامع المشترك، فإن الانغلاق العربي المعاصر يباين الانغلاق العربي ما قبل الإسلام، تباين ما يعاني العربي الأول والعربي الراهن من مشكلات، أنتجت في حالة الأول قضاياها الخاصة، وصاغت تكيفات مشروعها النهضوي بها؛ وهي غير القضايا الراهنة المعطاة للواقع المعاصر، الذاتي والموضوعي، والقومي والعالمي. كان طغيان العزلة في ضراوة المكان وظلامة الكيان الوجودي هي السمة الغالبة على وضعية العربي ما قبل الإسلام، وهي وضعية الجاهلية في حكم الإسلام، أو بالقياس إلى الدعوة المحمدية المنفتحة بالنور الإلهي على تحققات الوجود المطلق (الحر) والمتعين في وقت واحد. واجه الإسلام مشكلة علاقة الخالق بالخلق، التي تجسدت صورتها في عبادة الأوثان، وكانت هذه العبادة معنى يجسد العزلة الاجتماعية داخل إطار قبلي تعصبي، فكان لكل قبيلة وثنها المعبود، ومن ثمّ، كان لكل قبيلة دائرتها الوجودية الضيقة المنفصلة عن الدوائر القبلية الأخرى، والمنفصلة المنعزلة بوثنيتها عن المطلق الوجودي الإلهي، الذي تمحورت حول تجلياته دعوة النبوة المحمدية. وبهذه التجلية لواحدية المعبود للناس أجمعين، عالج الإسلام مشكلة التنافر البنيوي العربي، التي كانت المشكلة المعيقة لخروج العربي من دائرة الأزمة المنفصلة المنعزلة عن مجرى التاريخ الفاعل، إلى الصفحة المشعة للحضور التاريخي الرسالي.

وما زال التنافر البنيوي مشكلة عربية معاصرة، تمثل حالة تقهقر إلى ما قبل الدور الرسالي، ولكن مدى المشكلة المعاصرة يترامى إلى أبعاد أوسع من أبعاد المشكلة القديمة، وهي ـ المشكلة المعاصرة ـ تستعيد المشكلة القديمة، وتتمدد، ومن المشكلة القديمة، لتضيف مشكلات جديدة أخرى، تعكس جميعها، المشكلة الأم، مشكلة أزمة وضعية المفعولية، والتي لن تعالجها الرؤية السائدة ـ في الفكر الإسلامي التقليدي ـ لعلاقة الخالق بالخلق، ما لم يتم إبداع جديد لهذه الرؤية، بلا نفي لمفهومها الوجودي الأصلي، وبالتوكيد على تغيرات الظروف التاريخية، التي توجب على العقل العربي المعاصر استحداث نظرية زمانية تهدي المشروع النهضوي العربي المطلوب، وتستهدي بالأصل النهضوي العربي الأول الواحدي. فما زال الأصل الواحدي قادرا على إشعاع نور هداية للذات العربية الفردية والجمعية الراضخة لعبودية الانفصال والعزلة عن العالم الراهن، وعن التكوين التاريخي الخاص.

العربي المعاصر غائب عن الحاضر العالمي، وغائب عن زمانه الذاتي ، وغائب في وطنه، وهو مقهور قبالة ذاته، وقبالة تراثه، وقبالة غيره. لا يقبض على زمام وجوده، ولا تتقدم إرادته تجاه الغد، مطبوع للزمان غير فاعل فيه، تتفاقم وضعية مفعوليته بالاستسلام لحالة الهزيمة المتفشية في مفاصله الحركية، والتي هيأته لحالة استسلام موازية للعدوان الأجنبي الطامع عليه. والبنية الجمعية العربية المعاصرة مفككة، تعكس تفكك البنية الفردية لها. ويضاعف هذا التفكك المزدوج من تعقيدات مشكلة الوجود العربي المعاصر، ويضاعف، بالتالي، المسافة التي تعزل هذا الوجود عن دور رسالي عصري يبدع حضورا عربيا متميزا بالروح التي أبدعت الحضارة العربية الإسلامية الأولى، روح السلام في عالم واحدي يصنعه المحبون العادلون؛ وسيظل هذا العالم حلما يتغياه مشروع نهضوي جماعي يخلق من الإمكانات الذاتية والموضوعية أداة فاعلة تخترق حصار المفعولية، وتتقدم بالكل الذي لا ينفي ولا يستلب أبعاضه، ولكن، الكل المتقوم بأبعاضه، المالكة زمام الحرية، المبادرة، لا عن إكراه، بالنهوض الذي تطلبه هي، وتصنعه هي، وتتقدم به كما يتقدم بها. لا تحقق الأمم أحلامها، ولا تواجه الأخطار المحدّقة بها بفعل فردي حبيس آن منفصل عن امتداداته؛ فالنضال العربي تصدٍ واسع لجبهة عدوانية مركبة، وفعل يتغيا الخروج من الأزمة، والفعل الفردي المنفصل المنعزل فعل ضيق له طبيعة الأزمة، أو هو صورة الأزمة.

أما مشروع النهوض العربي الجديد، الذي حاولت تجارب القرنين الأخيرين (السياسية) من التاريخ العربي إنجازه، فلم يقدر على التفلت من دائرة المفعولية الضيقة المحاصرة. وكان بذاته، تعبيرا متجددا عن وضعية المفعولية. وقد أعوزته أداة النهوض، القادرة على إنجاز الفعل المطلوب. كان مشروعا غاب عنه الفاعل الفرد (الحر المبدع) صانع النهضة، الفرد الموحد، العضو الفاعل في الجماعة الموحدة. ظل الفرد حبيس القهر، مسلوب الحرية، بينما النهوض هو فعل الحرية، والجماعة من أفراد مسلوبي الحرية لا تصنع نهضة. النهوض حضور فاعل إبداعي جماعي تلقائي يضاد مفهومه القهر والحجر على حرية الفرد في تحقيق إمكاناته الوجودية، التي لا تتحقق إلا في نسق جمعي حر أيضا.

والمشروع الذي لا يملك أداة فاعلة، يفقد ذاته. وكان المشروع العربي النهضوي الجديد قد فقد ذاته، لا لفقدان الأداة الفاعلة، ولكن لسبب أعمق، كان فقدان الأداة الفاعلة نتيجة له، السبب الأعمق هو عوز المشروع النهضوي العربي المعاصر إلى رؤية فاعلة تبدع الفاعل الناهض. وإذا كانت المشكلة العربية الأولى، والأخطر، هي انشطارية الكيان الوجودي الفردي والجمعي، فالرؤية الفاعلة الناهضة القادرة على تحدي هذه المشكلة، هي الرؤية الواحدية التي تتعمق بنية التكوين العربي الحضاري، وتكشف عن جرثومته الوجودية، التي لا تزال، ولن تزل، تحوز قدرة مواصلة الحياة بشروط وتحت ظروف متغايرة، هي شروطها وظروفها التي تتحقق بها، وبفاعلية استكشاف متنام لآفاق وجود لا ينحبس في حدود، ويستحيل كل حدٍّ لديه نقطة بداية جديدة.

واجه المشروع النهضوي العربي المعاصر مشكلة احتلال الدول الاستعمارية لبلدان الوطن العربي، وأفلح في تبديل ألوان الرايات التي كانت ترفرف على رؤوس مواطنيه، فاستبدل الرايات الوطنية بالرايات الأجنبية على غالبية مساحته، وكان يمكن لهذا التبدل أن يستحداث واقعا جديدا يحرر العربي، فردا وجماعة، من غيابه التاريخي وراء الحجب الكثيفة، ومن هيمنة عدوان خارجي تسلط على مقدرات الوجود العربي وانتهك خصوصياته الثقافية. ولكن الاستقلال العربي (السياسي ؟ الظاهري) لم يحقق هدفه النهضوي بإطلاق حقيقي لإمكانات الفعل؛ وظلت الأمة على وضعية التابع المقهور رغم الاستقلال الظاهر، والذي اشتدت معه التبعية القاهرة فاشتدت مقهورية المواطن والوطن بالقهر المضاعف المُمارس عليهما من الأجنبي والوطني. قهر الوطني للوطن والمواطن تمتد جذوره في الماضي وتتشابك عصيّة، تشابُك عوامل مركب النقص الذي يعاني منه الذين يعانون من التخلف الحضاري ومن مشاعر الدونية التي اكتنفت جوانحهم قبالة مستعمر قاهر جامح أفرغهم من معاني الانتماء الأصيل إلى ذواتهم القومية، وجردهم من عقيدتهم الجمعية وعقيدة الحرية التهضوية التي لا يقوم مشروع إنساني على غير قاعدتها وبدعاماتها؛ فالنهوض فعل بنية واحدة تتقوم كينونتها بالحرية، ولكن، ظلت الذات العربية الفردية والجمعية مشطورة في زمن الاستقلال الظاهري، كما كانت مشطورة في زمن التعبية الباطنة الظاهرة. ولم يعالج الاستقلال الظاهري، بمشروعه النهضوي الخاص، لم يعالج مشكلة الانشطار التي نشأت تحت قهر المستعمر؛ للوطن والمواطن.

لم يعالج مشروع الاستقلال الظاهري مشكلة الانشطار البنيوي العربية لأنه لم يمتلك أهلية المعالجة، فقد كان هو بذاته يحمل الداء ولم يكن يملك الدواء؛ ويعود داء الانشطار إلى ما قبل الاستعمار، وما نشأ منه تحت قهر الاستعمار كان صورة جديدة له، عن صورة قديمة تمتد جذورها في تاريخ التكوين العربي الفردي والجمعي، وتتصل بما قبل الإسلام، لكن الدعوة المحمدية أطاحت بها إلى قعر الوجدان، ثم ما لبثت أن طفت في النصف الأخير  من عصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ تصدعت الوحدة السياسية للأمة المسلمة، وخاض المسلمون وراء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ووراء معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية يرحمه الله، حربا ضروسا غرزت أسافين الشروخ الأولى في بنية النهضة العربية الإسلامية في مرحلتها المبكرة، وأوقدت رمادا قديما كان مدفونا على بقايا نار لم تنطفىء كلها بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

والانشطارية خاصة عربية جاوزت البنية إلى المفهوم. وبوعيه الوجودي المشطور تلقى العربي القديم دعوة النبوة المحمدية على أنها تكريس للتعددية الوجودية التي بلورها النظام القبلي المتعدد والنظام العقيدي الوثني الموازي للتعددية القبلية، والتي بلورتها بيئة قاسية فرضت العزلة على القبائل وعلى فاعلية الأداء الحيوي والتاريخي للعرب ما قبل الإسلام؛ وتلقى العرب مفهوم الخالقية على أرضية ثقافتهم التعددية، التي لم يستأصلها إسلامهم من جذورها، ثم استعادت فاعليتها بعدما تحول المسلمون الأوائل عن صفاء الدعوة النبوية إلى شوائب الحياة الدنيا، فبرزت القبلية مرة أخرى، وظهر الحاكم القاهر المتعالي، المستبد بأمر الجماعة باسم الدين، وانشق الوعي الإسلامي إلى شق دنيوي وشق أخروي، وكثرت الفرق والتشيعات وجمحت الشهوات وتضخمت الأنوات، وتسابق الناس على النهايات؛ ضاقت دوائر الوجود وتكالبت الأمم على الأمة، وغار الدور الرسالي للعربي المسلم، واندحرت دعوات العقل وتفشت الاتكالية، وغاب المواطن في مجاهل الوطن وفي دهاليز قصور الحكام، وصار الحاكم (المستبد القاهر الجائر) حاكما بأمر الله، وانقهر الناس بالحاكم “المستنصر بالله”، وواصل حملة إرث النبوة يرددون قول “لا حول ولا قوة إلا بالله”، بلسان الضعيف المقهور؛ وما زال واقع الأمة المتقهقر يتراجع ويتراجع حتى اقتحم عليها نفوس أبنائها وديارها عدو من الشرق وعدو من الغرب؛ قامت تصد هذا مرة، وتستسلم لذاك مرة حينا، ثم تدحره، ثم جاء الطوفان العارم الذي هزمها وشطرها على أشطارها، وخرج تظاهرا بالخروج لا خروجا حقيقيا، بعدما أخرجها، أو كاد، من ذاتها.

تصدت حركة الاستقلال السياسي العربية المعاصرة للظاهرة الاستعمارية التي كانت قد أنتجت حالة خراب قومي في الوطن العربي، فلم تفلح حركة التصدي في مواجهتها مع حالة الخراب التي أصلتها ممارسات نظم نقلت القهر التاريخي وقهر العدوان الأجنبي إلى الساحة الجوانية للذاتية العربية الفردية، فأنتج هذا النقل فردية مشلولة تاريخيا، ومحصورة في دائرتها الوجودية الضيقة المنعزلة والمنفصلة، لا في البعد القومي لها فحسب، ولكن في البعد العالمي أيضا، الذي صار، في الزمن الحاضر، مكونا رئيسيا للذات المعنية بالحضور التاريخي الفاعل. العالم يتقدم نحو بلورة واحدية وجوده، بينما يواصل العربي أو المسلم إنكفاءه على ذاته المقهورة المغيَّبة، الغائبة، ويكرس عزلته في كينونة التعدد الحيوي والمفاهيمي، وما زال يعمق انشطاريته، بينما يحث العقل المعاصر خطاه الجريئة نحو الكشف عن فاعلية وجودية واحدة، تنتظم بها كثرة الأشياء، في نسق لا يقهر أبعاضه، ولا ينفيهم في نهايات عدمية الوجود، التي ينفذها نظام منعزل، لا عن النسق العالمي الواحدي الفاعل، وإنما منعزل في ذاته الفردية الضيقة عن ذاته الجمعية التاريخية والمعاصرة، والتي ينقلب بها هذا النظام المنعول عن وجهة العالم نحو نسقه الواحدي، إلى وجهة تلغي الحضور الفاعل للذات الوطنية الفردية والجمعية، بتأصيل وضعية المفعولية التي يحياها العرب المعاصرون، والذين قادهم المشروع السياسي إلى حضيض التبعية لقوى العدوانية العالمية، وقادهم إلى حضيض مهانة الاستسلام للعدوان المتبلور في قيام الدولة الصهيونية، ليغلق، بظلماته، الكوة التي كان نبي المسلمين قد نفذ منها، مرتقيا درجات الروح، إلى واسعية الخالق، والتي كان منها، وقبل نبي المسلمين، قد نهض النبي عيسى يدعو إلى السلام، لا للاستسلام كما يتكيف المشروع العربي للاستقلال الظاهري مع عدوان الصهيونية ومع معطيات العالم التي يتحرك في اتجاه الحرية، بينما لم يزل نظامنا يضغط في اتجاه العبودية. الحاكم العربي يفهم النسق الواحدي، أنه هو الواحد الكل، أما الناس في وطنه فهم حشو له؛ هو الواحد (الكل المطلق)!!

 (2) العقل المطلوب

هزيمة النظام السياسي في معركته ضد العدوان وضد التبعية للأجنبي لا تعني هزيمة للأمة لن تقوم لها قائمة بعدها؛ ولكنها تعني أن الأداء النضالي بالطريقة التي جربها مشروع الاستقلال السياسي، لم يكن هو الأداء الصحيح، ولا يقدر على أن يكون صحيحا، لأن الأداء الصحيح لمقاومة التبعية وصد العدوان، هو أداء عقل مستنير، لا أداء الأيادي الباطشة. فالعقل المستنير المنفتح هو أداة معركة الإنسانية الوجودية؛ أما الأيادي الباطشة فهي أدوات ملوك الغاب والغزاة المتوحشين قتلة الروح. وإذا كان ثمة أمل في النهوض، فهو الأمل المرهون بالحرية التي يينع بها عقل الأمة المقدام من جديد، وتتفلّت بها الرؤوس المحشورة في صدع الجدار العازل عن واسعية الوجود، الجدار الذي ينذر بالتهاوي إلى قاع الحياة؛ فإذا تهاوى، تهاوت معه الرؤوس، وتهاوى معه الأمل إلى مدى من الزمان، قد يطول، ولا شك أن الأمة التي لا تفيق على إنذار تهاويها، حقَّ على الزمان أن يفنيها. وقد ذهبت أمم كثيرة، أهلكها الجمود في قواقع ذاتياتها، صارت أحافير تاريخ، بينما ولدت أمم انفتحت على التاريخ وصنعت حركته.

الجمود هلاك، والانفتاح حياة، والإنسان عقل إذا جمد أهلك بجموده صاحبه. وإذا انفتح العقل فانفتاحه يبعث صاحبه. فإذا أمكن للعقل العربي المعاصر أن يبتعث طاقات الحياة في جسد الأمة، تكون الأمة قد استجابت لتحدي الهلاك، بالأداء الفاعل الناهض المقدام.

فما العقل المطلوب؟

ما هو الفعل الذي إذا أنجزه العقل العربي المعاصر، يكون قد أدى مهمته النهضوية القائدة، ويكون قد ابتعث طاقات الحياة العربية المركومة، التي لم تزل في انتظار من يوقد شمسها مرة أخرى؟!

العقل صورة الحق. وردد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يهدم معبودات الوثنيين العرب فور دخوله مكة فاتحا قول الله تعالى في سورة الإسراء: “وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهزقا”. والحق الذي جاء مع النبي الفاتح، هو الإيمان بالله الواحد ربّ العالمين، الذي ينفي عقيدة العرب المشركين الواهمة أن المعبودات كُثْر. بادر النبي إلى محو هذا المعتقد الموهوم، في اللحظة التي تعمق فيها التراث العربي وبلغ مستوى الأب الواحد إبراهيم عليه السلام، الذي كان قد شيّد البيت الحرام بمكة، بيت الله الأول في الأرض. كانت مكة، بالبيت الحرام، الكعبة، رمز وحدة المكان العربي ووحدة التاريخ الإنساني العربي منذ الأب إبراهيم، ووحدة المعبود، التي تعكس، بمفهوم “الله رب العالمين” وحدة الوجود كما يقررها نسق جماعة المسلمين، التي تلقت اسمها هذا ـ المسلمين ـ عن إبراهيم أيضا، جدّ أنبياء الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، والتي يجمعها الإسلام المحمدي في مسماه ومعناه. إبراهيم هو أبو حركة توسع الحياة الدنيا بمفهوم الحياة المطلقة الديني، المتقوم بربوبية الله الواحد للعالمين. العقل بالمفهوم الديني هو العقل المؤمن بواحدية الله رب العالمين، خالق كل شيء، وبالمفهوم الديني (الإسلامي) فإن ربوبية الله الواحد للعالمين، خالق كل شيء، هي الحق الذي جاء فاتحا مكة، الذي زهقت به تعددية الربوبية، غير الخالقة، ولا لذاتها، والتي وصفها النبي محمد بأنها باطل، وقرر، بالنبوة المنفتحة على الألوهية المطلقة، الفاتحة: “إن الباطل كان زهوقا”؛ أي: الباطل زهزق بطبيعته الوجودية، وفي المقابل، فالحق هو ديمومية الوجود التي لا تبطل ولا تزهق، وهي التي جاءت إلى مكة بالنبي المنفتح الفاتح بالله الأول والآخر والظاهر والباطن. والآية التي رددها النبي الفاتح بينما كان يهدم معبودات العرب الوثنية المنصوبة في البيت الحرام، جاءت في النص القرآني بعد آية “وقل ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”، وهذه الآية ـ الأخيرة ـ توجيه للنبي عليه السلام، أتى في سياق دعوته، من الله، بإقامة الصلاة المعمقة، والتهجد المكثف؛ أي: بالانفتاح المعمق على الحضور الإلهي المُستحضر بشدة، وهذا الانفتاح القوي، موثق بحركة دخول وخروج عبر الـ “الصدق” المؤسس بدوره على سلطان رباني من لدن الله، يؤيد حركة الصدق، أو يعطيها معناها. والسلطان هو الحجة، مصدرها الله، يمنحها للنبي الذي يحوزها بطلب صادق لها، وبأداء حركي: مدخل ومخرج؛ والحركية متدفقة، ومتواصلة ونشطة، تقاوم عوارض الجمود: صلاة في الليل الذي يهجع الناس فيه عادة للسكون، وقرآن (= صلاة) في الفجر: بعث مجدد للانفتاح على الربوبية مع مطلع دورة يومية متجددة من الفاعلية التي تنشط في النهار عادة، وتهجد زائد (نافلة) يأمر الله به النبي ليعمق فاعليته الحركية، باعتباره القدوة للمؤمنين، نحو مقام محمود يبعثه الله، ربه، ورب العالمين، وهو بعث منبعث من الفاعلية التعبدية النبوية، المنبعثة بدورها، من فاعلية الربوبية، أو فاعلية الانفتاح على “الحق”، باعتبار ربوبية الله هي “الحق”، الذي جاء بالنبي الفاتح المنفتح، الذي أزهق جهالة الوثنيين العرب، الجهالة التي قيدت فاعلية طاقات الحياة التي أودعها الخالق، رب العالمين، في الكيان الإنساني. الحق، هو معنى إطلاق فاعلية الكيان الإنساني، وبالمفهوم الديني، فهو إطلاق الفاعلية الإنسانية من قيد “الباطل الزهوق”، إلى واسعية رب العالمين الواحد، التي لا تقيدها الحدود.

العقل هو أداة حركية الحق. فالأداء العقلي بحث عن الحق، بمداخل ومخارج الصدق، أو بمعايير الصدق. والصدق واقعي، ما وقع منه وما يقع الآن وفيما بعد. والدخول والخروج بالصدق، هو انفتاح على واقعة، ولكن، مع عدم تجمد فيها، بالتفاعل معها، وبها، باعتبارها دائرة، ينفتح بها ما قبلها على ما بعدها، لا دائرة منفصلة منعزلة عمّا قبلها وما بعدها، ولا منفصلة عما معها، ولا منعزلة عنه. هي دائرة علاقة العقل المنفتح بما حوله، تنشأ بالحجة (العلم / السلطان) الربانية، والحجة الربانية حق، والحق هو ما يصور العقل، أي الذي يكونه، فالعقل الديني صورة للفاعلية المنفتحة بالربوبية الجامعة للعالمين، على هذه الربوبية؛ فهذه الربوبية هي الحق، المطلق، الواحد؛ فالعقل الديني انفتاح، بالمطلق الواحد على هذا المطلق الواحد. العقل الديني النبوي هو الذي أزهق بطلان عبودية العرب الوثنيين، التي كانت لأرباب متفرقين، لا لله رب العالمين، الواحد. وبهذا الإزهاق، فتحت النبوة المحمدية الدائرة الوجودية للمؤمن بها على ذاته التاريخية، بالكشف عن انتمائها لأب واحد، أبوة دينية، وبالكشف عن انتمائها لخالقية رب العالمين، الواحد المطلق، فالنبي كشف، وهو يزهق باطل وثنية العرب، عن المعنى الواحدي لرسالته، الإنساني، والرباني، دونما ثنائية؛ فالمعنى الإنساني هو معنى رباني أيضا، فإبراهيم، أبو العرب، هو نبي، وأقام البيت الحرام، بفاعلية النبوة الإلهية، وهو داع لله الواحد، الذي دعا إليه النبي محمد، وأعلن نبوته بفاعلية هذه الواحدية الإلهية الخالقة.

الواحدية هي صورة الأداء التاريخي الفاعل للنبوة المحمدية التي تحققت في أمة واحدة تعبد ربا واحدا هو الله الخالق، عبودية وحّدت الأمة المؤمنة بالخالق “المؤمن”. واحدية النبوة المحمدية عمقت واحدية المسلم الجمعية الفاعلة، بواحدية المسلم الربانية الوجودية المطلقة الفاعلة.

يغيب المعنى الواحدي الفاعل عن وعي المسلم الراهن الذي يعيش حالة تشطر تأدّى إليها بتطورات تاريخية ذاتية وخارجية ابتدأت من المفارقة الأساسية بين المعنى العقلي الواحدي للإسلام ومن العجز العقلي العربي عن استيعاب هذا المعنى الواحدي للنبوة الفاتحة، التي أنجزت تحققها التاريخي الواحدي بقوة الدفع الذاتي الطبيعي فيها، الذي حجب فاعلية العجز العقلي عن أداء مضاد تحت الفيض المتنامي لحركة المسلمين الجهادية المبكرة الموصولة بالربوبية؛ التي تتنامى فيها ـ في حالة الانشطار ـ الفاعليات العاجزة عن الإشراق الوجودي، لحلولها في الدوائر الضيقة المنغلقة المنفصلة المنعزلة، ومنها فاعلية العجز العقلي، التي ما تلبث أن تنقلب إلى وضعية المفعولية.

كانت تعددية المعبود العربية مظهرا للتكوين التاريخي للوجدان والعقل العربيين تحت مؤثرات النموذج الحيوي الفردي والجمعي الذي صبغته بيئة الصحراء، وحركة الترحال، أو الانفصال المستمر عن المكان، سعيا وراء مصادر الحياة، وطلبا للأمن النفسي والاجتماعي، الذي كانت تتهدده الصراعات الدموية بين القبائل؛ هذا الصراع الذي عمّق تعددية الوجدان العربي، وانغلاقية الحضور العربي التاريخية، فأنتج ـ الصراع والتعددية والانغلاق ـ عقلا غير مؤهل لوعي الوجود وعيا واحديا؛ ومن ثم، لم تتوفر للعقل العربي الذي تلقى الدعوة المحمدية، لم تتوفر له أهلية وعي النبوة المحمدية وعيا واحديا. ولكن الوحي، الذي شدّد على قضية واحدية الربوبية، دفع بالوعي العربي الوجودي خطوة هامة نحو الاقتراب من الواحدية العقلية، بالقدر الذي كان ضروريا لأداء النبوة. وتحول الوعي العقلي العربي التعددي إلى وعي عقلي ثنائي ظل فيه الخالق متميزا عن الخلق، ولم يكن العقل العربي الذي كان يتلقى الوحي، وينفعل ويتحقق به، لحظة بلحظة، معوزا للتغور العميق في معناه الواحدي العقلي، الذي جاءت النبوة ذاتها تحققا تاريخيا له؛ ولم ينتج عن الثنائية العقلية التي تطورت إليها التعددية، خطر يهدد الدعوة، وقد تكون هذه الثنائية، التي أعطت فاعلية إيمانية منقادة لرب له الأمر وحده، فاعلية تحققت في فرد مقدام، قد تكون هذه الثنائية أحد عوامل الاندفاع القوي للجماعة الإسلامية الأولى، في حركة الفتح الواسع، والذي ابتدأ مع فتح مكة الذي سماه الوحي “الفتح”؛ وكان الفتح حركة تحقق تاريخي لواحدية النبوة، التي نجت في بدايتها، من سلبيات الوعي الثنائي للوجود. كانت فاعلية الجماعة الإسلامية الأولى مقدامه، وصانتها عقيدتها الواحدة الجامعة من التصدع لذي قد ينتج من وعي غير واحدي، ولكنه يظل إمكانا قابلا للتحقق. ولا يتحقق ـ التصدع ـ وبصورة مَرَضيَّة، إلا إذا تراجع الفعل الجامع إلى فعل فردية منغلقة منعزلة منفصلة.

خلقت النبوة المحمدية تحققها التاريخي في جماعة واحدية البنية الجسمية والعقلية، على اساس عقيدة جماعية، وأخلاق جماعية أيضا. لكن البنية الواحدة للجماعة المسلمة، أخذت تتخلخل في النصف الثاني من خلافة عثمان رضي الله عنه، واشتد تخلخلها برفض الخليفة الثالث التنحي عن إمامة المسلمين بحجة أنه “لن يخلع ثوبا البسه الله إياه”؛ فصارت الإمامة بهذا المفهوم عزلا للإلهية الخالقة عن عباد رب العالمين. وفي غياب الوعي العقلي الواحدي، فصل المفهوم الجديد للإمامة بين طبقة الوجود الإلهي، وطبقة الوجود الإنساني المؤمن بالله الواحد، والمتحقق تاريخيا، إسلاميا، به، وصار “الإمام” يستمد مشروعيته وسلطانه من الله الذي ـ كما صورته الممارسة الحاكمية المستحدثة ـ لا يشرع الشريعة لمصلحة الناس، ولكن لمصلحة “الإمام” الذي ما زال يحتفظ بلقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما شريعة الإسلام في حقيقتها، ذات مقاصد جماعية، هي مقاصد العقيدة الإيمانية برب واحد للعالمين، التي حققتها النبوة المحمدية في التاريخ. ثم جاء معاوية بن أبي سفيان من تحت ثوب الخليفة عثمان، وصبغ وظيفة الحكم بمعنى تعصبي ضيق خرج عن المفهوم الجماعي الإسلامي، واستغرق الجماعة كلها في بطنه، واستبد بأمر الناس بدعوى “قدرية إلهية” لا يملك الناس غير الانصياع لها إذا ما شاؤوا أن يبقوا ـ بزعمه ـ مؤمنين برب العالمين. لملم معاوية الأفق الوجودي الذي نشرته الدعوة المحمدية الفاتحة المنفتحة، لملمها، بالقسر، في بطنه، وتجسم هذا الفعل بإكراه الأمة على مبايعة ابنه بالخلافة، التي صارت، ابتداء منه، “ملكا عضوضا”؛ أي: أداء أنويا ضيقا منغلقا منفصلا منعزلا، زعم لنفسه أنه قدر إلهي، فصار القدر الإلهي ـ بهذا المفهوم المغلوط ـ أداء ضيقا لا يسع الحركة الإنسانية المنطلقة المتفتحة بالدعوة النبوية الفاتحة، فانكشف بهذا التعارض بين المفهومين الواسع والضيق للإلوهية، تصدع البنية الإسلامية على مستوى التحقق التاريخي، وغار هذا التصدع إلى مستوى الوعي (غير الواحدي)، الذي ظل خطره إمكانا محتملا، صار واقعا فاعلا ضاعف خطر التصدع الجسمي، وصار الوعي (غير الواحدي) بالنبوة المحمدية خطرا، بانزياح الغطاء الذي وفره الأداء التاريخي الواحدي المبكر للجماعة المسلمة، الذي تحول إلى أداء فاعل في دائرة حاصرتها أنوية الحكم الضيقة، التي عزلت طبقة الحاكم، عن طبقة المحكوم، وأفرزت بداية الانشطار في الذات العربية المسلمة، بين الحاكم القاهر بقدر الله، والمحكوم المقهور، بقدر الله أيضا. فولدت ثنائية جديدة في وعي المسلم، بين القدر الإلهي القاهر، والقدر الإلهي المقهور، انضافت إلى، وعمّقت مفهوم الثنائية الأساسي بين الخالق والخلق. وعمّقت ثنائية القاهر والمقهور انشطار الذات العربية المسلمة بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى، وانعكست هذه الثنائية بين الحياتين في ثنائية المالك للدنيا والمحروم منها، وهي صورة أخرى لثنائية القاهر والمقهور، أو الحاكم والمحكوم، أو قدر الله الحاكم القاهر وقدر الله المحكوم المقهور، أو قدر الله الذي يتملك به المالك الحاكم القاهر وقدر الله الذي يحرم المحكوم المقهور.

الانشطار الذي تأدّت إليه الجماعة، هو في حقيقته المعطى التاريخي لغياب الاستيعاب العقلي للمعنى الواحدي للنبوة المحمدية المنفتحة الفاتحة. ففي كنف هذا الغياب، ظل انشطار الذات العربية ما قبل الإسلام قائما، رغم احتجابه، وعاود فاعليته التاريخية عندما وقع خلل ميزان الحياة الجمعية الإسلامية الأولى، ولم يقع في المقابل، استيعاب المرجعية العقلية للذات المسلمة لهذا الخلل وتجاوز خطره، لفقدانها أهلية مواجهة ومجاوزة خطر الثنائية على البنية الجمعية للذات وللأمة، ووقع الضد، عندما أدت المرجعية العقلية الإسلامية دورها التسويغي للتحقق التاريخي للوعي غير الواحدي، الذي هو وعيها هي، والذي أدّاه في الواقع نظام الحكم الجديد، هذا الذي قمع، من فوق الكرسي القاهر، التوجهات العقلية المناهضة للعقل الذي استندت إليه ممارسات الطبقة القاهرة، ضد الطبقة المقهورة. ظل السلاطين المسلمون، على اختلاف مسمياتهم، حريصين، وإلى وقت متأخر من التاريخ الإسلامي، على تأييد سياساتهم بالفتاوى الشرعية، ولم يعدموا أن يجدوا بين “حاملي” الشريعة، من يحملها على الوجه الذي يرضي “مولانا” السلطان؛ وكان “حاملو” الشريعة، وبهذا الدور، يواصلون تعميق الهوة بين طبقة الحاكم القاهر، وطبقة المحكوم المقهور، التي برزت منذ عهد معاوية، وذهبت تتكرر مع كل حاكم، فأصبحت الهوّة إرثا جمعيا، وإرثا فرديا أيضا. فهي تشطر الأمة إلى حاكم قاهر ومحكوم مقهور، وتشطر الفرد أيضا إلى المقهور القاهر، والمقهور المقهور؛ فالفرد يتمثل إرثه الجمعي، ليستعيد توازنه النفسي، فيتمثل الذات الحاكمة القاهرة، ويتماهى معها، وفقا لآليات الدفاع، وصدّا لهجوم خارجي باستخدام أسلحته، فيصير قاهرا، دن أن يقدر، في مواجهة قاهر طاغية، أن يتحرر بالكلية من مقهوريته والتي يحملها في أحشائه باعتبارها إرثا؛ وقاهريته لا تأخذ وجهتها السليمة، ضد القاهر الحاكم المستبد، لدوافع أمنية، ولكنها تصب في قناة مقهور، في قناته هو، وفي قناة فرد أخر مقهور. الفرد القاهر المقهور ينشطر من داخله، وينشطر عن البنية الجمعية المقهورة، التي تعاني من انشطارها بين الحاكم القاهر، والمحكوم المقهور. والحاكم القاهر مقهور أيضا، فما يصدره من فاعلية قاهرة للغير، هو، في حقيقته، إنتاج ذات مقهورة، القهر إنتاج ذات مقهورة، والقاهرية التي يمارسها الحاكم المستبد ضد المحكوم، هي انعكاس مخزون نفسي كثيف من المقهورية، يمثل المحكوم المقهور مصدرا هاما لها. فالقاهر، الظالم، يعيش حالة ترقب قلقة للحظة انفجار بركان غضب المظلومين، الذين وإن طال صبرهم، فهو لن يطول إلى الأبد، فالظلم واقعة منغلقة على ذاتها في نهايات العدم الوجودي، وهي واقعة واهنة لا تصمد أمام عاصفة طلب العدالة عندما تبدأ في اجتياح الظلمات. حالة ترقب القاهر الخائف في كل لحظة، تمثل للقاهر قوة قهر، تحصره بدوره، في مضيق الذات المقهورة، المشطورة، بالتالي، بين وضعية القاهر ووضعية المقهور، وهما وضعيتان تعكسان إرثا جمعيا قهريا، بقدر ما تتغذيان منه.

الذات، الجمعية والفردية، المشطورة، بلغت ذروة أزمتها التاريخية في اللحظة التي أتمّت فيها جاهزيتها للتحول إلى وضعية المفعولية قبالة وضعية فاعلية أجنبية، وتحققت ذروة الأزمة تاريخيا بالسيطرة الغربية على الوطن العربي الذي كان قد خضع لحالة انقسام جغرافي وانقسام زماني بينما كان يعبر طريق الاستعداد الذاتي لقبول الاستعمار الأجنبي الغربي له.

كشفت صدمة الاستعمار، منذ البداية، عن غيبوبة الأمة التاريخية، وعن تخلفها عن ركب الحضارة الذي كان قد هجرها إلى أمم أخرى، في غفلة منها، وبالمقابل، في صحوة الأمم الأوربية الحديثة. وحركت الصدمة الاستعمارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر (عام 1798م)، الإحساس الأولي، البدهي، بأزمة الغيبوبة والتخلف، عبّرت عنه، كلمات قليلة، لكنها دالة، حكاها صاحب “الخطط التوفيقية” عن الشيخ الأزهري حسن العطار (1180-1250هـ الموافق لـ 1766-1835م)، الذي شاهد الفارق الحضاري بين الأمة وبين الغزاة الغربيين، فقال: “إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها”.

والمشكلة التي أدركها الإحساس البدهي لشيخ أزهري، أخطر، وأوسع، وأشد، من وصفه لها. فالتخلف المعرفي عرض لمشكلة المفعولية التي غيبت الأمة عن ذاتها، في ظلمة إرثها، والتي غيبتها عن الحضور التاريخي الفاعل، وعن الغيبة التي تفاقمت إلى أن استدعت حالة الاستعمار الغربي والتي دخلت فيها، في غيبوبة جديدة. بالوضعية الاستعمارية، تراكمت طبقات الغيبوبة على الذات الجمعية والفردية الراضخة لمفعولية القهر والانشطار. وجاء الاستعمار الغربي يحمل المغلولين بمفعوليتهم الذاتية على الرضوخ لأغلال مفعولية جديدة، تُعمِّق الأولى، وتفاقم مشكلتها، بطبيعة نوعية تصدرها حضارة أخرى، مختلفة النوعية، بأصولها ومعانيها، عن الأصول والمعاني الحضارية العربية الإسلامية. بات على الذات العربية الإسلامية، ومنذ بدء التماس مع الحضارة الغربية المتفوقة، أن تتقهقهر مشكلة المفعولية لديها إلى حالة جديدة من الثنائية الشاطرة، مختلفة نوعيا عن الحالات السابقة الذاتية، هي حالة ثنائية حضارية شطرت المشطور قبلا علىمستوى الذات الجمعية والفردية، إلى ذاتي وأجنبي، ومن ثم، إلى ديني هو الصبغة العامة للذاتي، وإلى دنيوي أجنبي، هو الصبغة العامة للغازي بعسكره وبحضارته الثقافية.

انبهرت الذات العربية، تحت وضعية مفعولية مظلمة، بالتقدم الحضاري الغربي، الذي، وبقابلية ذاتية، افترش حيزا كبيرا من الوجود العربي الذي كانت الفاعلية الحضارية قد هجرته، وأحالته إلى كيان خرب يائس يعلق الأمل (بمنطق واهم) على حياة أخرى، يثيبه الله فيها بالجنة عوضا عن خسارة الحياة الدنيا التي أفلتت منه، وصار أثرها عبئا يثقل كاهله المقهور الغائص في أوحال تخلفه والضائع في مجاهل ظلمات ذاته. استبان للذات العربية المسلمة، بعد اتصالها بالحضارة الغربية، أن حيازة المتعة ليست مرهونة بالآخرة فقط، فهي ممكنة في الدنيا، وبالجبلة الخلقية، يحب الإنسانُ العاجلَ، ويذر الآجلَ، والعاجل على هيئته الغربية، حاد، أخّاذ، لا تقاومه نفوس خربة مقسومة بين اشطارها، تنزف من صدوعها دم الحياة المقدامة التي سال إليها من التحقق التاريخي الرسالي الفاتح للنبوة المحمدية. تحولت الطاقة الحيوية السيّالة إلى داء “سيلان” أفسد أداة الفاعلية الحيوية الوجودية للذات العربية المسلمة، الجمعية والفردية، التي رزحت مساحة شاسعة من حضورها تحت عدوانية غازية حضارية.

طغت القسمة الجديدة للذات العربية المسلمة بين الخاص والأجنبي على أوجه القسمة الأخرى، التي لم تتلاشَ، وإنما تراجعت أهميتها، في الظاهر، قبالة أهمية المشكلة الناجمة عن طغيان المدّ الحضاري الغربي العدواني، الذي دفع حدود الوجود التاريخي الضيق للأمة، إلى مساحة تكاد لا تفي بالحاجة الضرورية للهواء الصحي. أطبق المدّ الحضاري الغربي حصاره على ذات تنتمي إلى تراث مغاير للتراث الذي أنتج الحضارة الأوربية، وكاد هذا الحصار المطبق أن يقتلع الذات العربية المسلمة من أصولها التاريخية بتعميق الصراع معها إلى مستواها التكويني التاريخي، ونجح، بفاعلية حادة، من توسيع الشرخ الذي أحدثه في البنية الفردية والجمعية للأمة، وإلى العمق الموازي لمستوى التكوين التاريخي لها. غير أن الذات العربية وتحت شدة وطأة الهجمة، لم تزل تتشبث ببقايا الروح التي بعثتها النبوة المحمدية، الكامنة تحت ركامات زمنية، المتحصنة في بؤرة عميقة، المضغوطة إلى حد القابلية للانفجار. فالحضارة الغربية الغازية تحوز قوة التمدد في مساحة التاريخ العربي الإسلامي، لكن قوتها، الدنيوية، تخذلها عندما تداعب مخيلتها أحلام اقتحام الحصن الأساس للذات العربية الإسلامية، وهو حصن إيماني مفتوح على الربوبية الشاملة للعالمين، بما فيهم الحضارة الغربية المعاصرة الغازية. لن يبلغ الخطر الغربي على الذات العربية المسلمة مستوى الربوبية الشاملة الذي يمثل بالنسبة للعربي المسلم بؤرة وجودية مفتوحة على المطلق، وعلى وجهها الآخر، فهي بؤرة مصمتة قبالة أية محاولة تطمع في تحديها. ورغم أن التحدي الغربي للذات العربية المسلمة يطال المفهوم الديني الأخروي، إلا أن هذه المطاولة تنتج من تفاقم التحدي الغربي للحضور العربي التاريخي الدنيوي، لا عن مواجهة مباشرة مع المفهوم الأخروي المستقل بذاته داخل منظومة المفاهيم الإسلامية، والذي حاز بهذا الاستقلال حصانة تؤدي فاعليتها المطلوبة في اللحظة التي يفلت فيها التحدي ضده من عقال معتد جامح. فالمفهوم الوجودي الأخروي العربي الإسلامي صامد في مواجهة تحدي حضارة الغرب الغازية، وهو صامد وراء جدار قلعة الوجود التي تلجأ إليها الأمم عندما يشتد عليها الخناق، صامد بينما سقطت المساحة الدنيوية التاريخية الوجودية للذات العربية تحت الضربات المكثفة للعدوان الحضاري الغربي، الذي ذهبت عدوانيته إلى ما وراء احتلال الأرض ونهب ثرواتها، إلى اقتحام عقل ووجدان العربي، وانتهاك تراثه وحضوره، فأوجد ذاتية عربية ضامرة تاريخيا، تمارس فاعليتها الوجودية ضد ذاتيتها، المشطورة قبل الاستعمار، والمشطورة اشطارها بعد الاستعمار.

استباحت الحضارة الأوربية الغازية دنيوية الذات العربية المسلمة بإنتاج مادي، هو معطى تاريخي لمنهجية عقلية ترفض التصور التقليدي للعقل العربي المعاصر بتراميه التراثي، الثنائي، والذي أعطى وضعية المفعولية لذات منغلقة منفصلة منعزلة، بينما الذات الأوربية الغازية ذات ناهضة منفتحة متصلة حاضرة، ولكن بخصائص مغايرة لخصائص الذات العربية المسلمة التي أعطتها دعوة النبوة المحمدية؛ فالأخيرة معطى تصور وجودي مطلق غير مقيد بالحياة الدنيا، والأولى معطى تصور وجودي دنيوي. فالمسلم يتكيف مع الحياة الكائنة برؤية تتجاوزها إلى حياة سوف تكون، ليس في الدنيا، سوف تكون في الحياة الأخرى؛ والأوربي الغازي يتكيف مع وقائع حياته برؤية تقيد هذه الوقائع بالكائن الآن، وبما قد يكون في حدود الدنيا. المواجهة بين العربي المسلم والأوربي الغازي ـ وكما هي في حقيقتها العميقة، وكما ينبغي أن تكون واقعيا ـ رؤيوية، وبرؤيتين واحديتين، تنسجان من الوقائع المتعددة والمتباينة تصورا عقليا واحديا، لكنه غير متطابق المدى، فهو، لدى المسلم، نسيج من وقائع تاريخية وأخرى فوق تاريخية، ولدى الأوربي نسيج من وقائع التاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل فحسب. انطلاقا من هذا التصور، تتحدى الحضارةُ الغربية، بتوظيف تاريخي لطاقاتها، الذاتَ العربيةَ المعاصرة، التي تراجعت عن توظيف طاقاتها تاريخيا، وعلقتها على أمل حياة أخرى، لا يعدو، الأمل، أبعد من “حلم”، علقت النبوة المحمدية تحقيقة بالعمل الصالح، وفي الدنيا، فهو، وفي ظل الغياب عن العمل، لا يعدو أن يكون أملا فارغا. الذات العربية المعاصرة، تواجه التحدي الحضاري الغربي، بمفهوم أخروي، فارغ من محتواه التاريخي، لا لفروغه من المحتوى بذاته، فالتاريخ ينفي مثل هذا الاتهام، ولكنه فارغ من المحتوى لفروغ الحاضر العربي الإسلامي من عقل يعيد بعث المفهوم الأخروي، في تحقق تاريخي يتكيف مع متطلبات التحدي الذي يواجهه من حضارة غربية هي منتج انبعاث عقلي أوربي، نهض بالذات الأوربية من وضعية المفعولية التي كانت ترزح تحت نيرها، إلى وضعية فاعلية مقدامة، توسعية، عدوانية.

والفشل الذي انتهى إليه مشروع الاستقلال العربي المعاصر، في مواجهة تحدي الغزو الأوربي للأمة العربية الإسلامية، لا يقضي على إمكان تحقيق فعل نهضوي، وهو إمكان قائم في صورة “قوة” ما زالت قادرة على أن تبعث الذات العربية متجددة، موصولة بذاتها الأولى، غير مقيدة بها. أما تلك “القوة”، فلن تنبعث، أو تتحقق في لتاريخ المعاصر، إلا باعتبارها منتج رؤية عقلية واسعة، توحد الذات العربية المسلمة المعاصرة، مع تحققها التاريخي الماضي، مع التاريخ الإنساني، مع الحاضر على إطلاقه، أي: على إبداعه، مع المستقبل التاريخي وفوق التاريخي. فالرؤية المبتغاة، لا تلغي الحضور التاريخي الأوربي الغازي في الحضور التاريخي العربي الإسلامي المعاصر المهزوم، ولكنها تقلب الحضور الغازي على وجهه الأصيل، وهو الوجه العقلي الإنساني، النهضوي، المقدام، وتتعضون مع أصله، وعلى أرضيتها التاريخية الأصلية، أي بالأصل العقلي الواحدي لها، الذي يصون الذات العربية المسلمة من وضعيات الانشطار المتعددة، معوقات النهوض الجديد؛ وبالأصل العقلي الواحدي للذات العربية المسلمة، لا يظل الأجنبي الأوربي عامل تحد مدمر، بل يصير عامل تحد بناّء، يتمثله عقل عربي إسلامي إنساني واحدي، يفجر الطاقات الوجودية للنوع الإنساني، نحو تحقق إنساني تاريخي رسالي فاتح منفتح بمعنى “السلام” الذي وصف الله، رب العالمين، به نفسه في القرآن الكريم؛ الذي هو وصف الجنة أيضا.

السلام عالم واحدي يبدعه الحب. والحب، المبدع ـ بفتح الدال ـ على مذهب الواحدية، هو الأداء المبدع ـ بكسر الدال ـ لذات منفتحة على الآخر، ضمن علاقة مؤسسة على شريعة العدالة التي تضمن للفردية حرية التحقق، وتكبحها عن فعل استلاب حرية تحقق فرد آخر، له من الوجود باعتباره بعضه، حق مساو لحق أية فردية أخرى. وتحقق الفردية الذي لا يسلب تحقق فردية أخرى، هو فاعلية جمعية، أو هو فاعلية انفتاح فردي يعطي انفتاحا جمعيا بين فردي وفردي، بلا جور على الفردية، بلا جور للفردية على الجماعة. تصنع هذه الفردية عالمها الواحدي النسق الذي تنسجه ذات تحب الآخر، طالما كان الآخر بعض الأفق الجمعي للفرد، الفرد الذي يبلغ ذرا تحققه بالفاعلية الجمعية له ولغيره، أو منه وبه ومن غيره وبه. لكن الذي لا يحوز واحدية ذاته الفردية، لن يشع الواحدية الجمعية، فالبيت الخرب ليس سكنا، والذات المشطورة بيت خرب، والذات المشطورة لن تكون عماد بناء جمعي واحدي فاعل ناهض مقدام. والعقل، بفاعليته الحرة المنفتحة هو طوق نجاة سفينة تخوض غمار المجهول، بينما هي أشطار، لا يجمع أبعاضها إلا ذاكرة لم تفقد بعد قدرتها على استعادة ماضيها المجيد، ولا الأمل الذي ما زال يحدوها، أمل النصر في مواجهة تحدي الفناء الذي يتهددها.

العقل المنقذ، هو الذي وصفناه بأنه صورة الحق، ما تحقق، وما يقبل التحقق، لا في الزمان المنظور، وإنما في كل الأزمان التي ستتوالى، وتوالت، على وجود لم يبدأ ولن ينتهي. والعقل الذي هو صورة الحق المطلق من قيود زمان فان، هو العقل الواحدي، الذي هو معطى معنى وجود واحد يتحقق في كُثْر، كل فرد منه، من الكثر، يعيد توكيد المعنى الواحدي، فالمفرد فردي باعتبار كونه معطى وجوديا متناهيا في ذاته، بذاته؛ وهو، أي المفرد، معطى وجودي للامتناهي بانتمائه إلى وجود يندّ عن قيد الفردية المتناهية في ذاتها وبذاتها. العقل صورة تحقق الوجود المتناهي واللامتناهي، باعتبار فردية المتناهي ومطلقية اللامتناهي من قيد التناهي الفردي؛ العقل بهذه الرؤية الواحدية، يحوز أهلية تأسيس مشروع نهضوي تواجه به الأمة وضعية المفعولية التي وقعت في دائرتها الضيقة المنفصلة المنعزلة؛ فهو يحوز إمكانات إبداع فاعلية ذاتية فردية وجمعية باعتبارها معطى للعقل الذي هو صورة الحق. والحق هو الزمان، والزمان هو فاعلية الوجود، والوجود واحد متكثر، فالعقل صورة للواحد المتكثر، صورة غير منفصلة أو منعزلة عن الوجود، أي غير منغلقة، هي منفتحة، ينفتح بها الفردي على الجمعي، وينفتح بها الذاتي على الغيري، وينفتح بها الآن على الزمان الديمومي، تنفتح بها الدائرة المنغلقة للمفعولية المقهورة وتنبثق بها الفاعلية الناهضة البانية المحبة العادلة السلامية.

يواجه العقل الواحدي المشكلة الأم للواقع العربي الراهن/ مشكلة التبعية للأجنبي، وهي التي لا يمكن مواجهتها بمعزل عن هذا الأجنبي الذي لا ينفك عن التحدي العدواني للوجود العربي الذاتي الفردي والجمعي، بدوافعه الطامعة في تحويل الحضور العربي المعاصر، وعوامله الحيوية، إلى موضوع لحضوره هو، بالجور على ما هو حق وجودي للآخر، وباستلاب حريته في إبداع حضور تاريخي متميز مستقل بذاته، ومساهم، بتميزه، في إبداع حضور إنساني وجودي، يسع المفهوم الوجودي الغربي (الدنيوي) للإنسان، ويتجاوزه بمفهوم الدين الأخروي للفاعلية الإنسانية. أبدع العقل الغربي، الحديث والمعاصر، انفتاحا إنسانيا دنيويا على الوجود المطلق. وتراجع العقل الإسلامي عن مواصلة التقدم الذي أحرزه في عصور الانبثاق والتكوين والتحققات التاريخية الأولى، لكنه ظل يحكم روابطه بالمفهوم الأخروي للوجود الديني للإنسان، في دائرة منغلقة على ما بعد الحياة (الدنيا)، ومن ثم، صارت الحياة الدنيا الإسلامية العربية دائرة منغلقة أيضا، منغلقة على ذاتها، في وضعية المفعولية، الوضعية التي استباحها المفهوم الغربي، الثقافي والتقني، للحياة الدنيا،  وفرغها من قيمة تراثها، وأحال تراثها إلى عبء يثقل كاهل حركتها التاريخي؛ فالتراث الذي لا تستطيع ذاتية إنسانية الانفصال التام عنه، يستحيل إلى قيد يغلّ الإرادة النهضوية، عندما يصير هذا التراث عامل تشطير للذات، لا عامل توحيد. ونجح المفهوم الحضاري الغربي في إيهام العقل العربي الإسلامي المعاصر بأنه لن ينطلق من ظلماته إلا بالخروج على تراثه، أي بالانفصال عن زمانه الماضي. والانفصال عن الماضي وهم لا يجيزه عقل هو صورة الحق. فإذا كان الواقع “حقا”، فالحضور العربي الراهن واقع “حق” لا ينفصل عن ماضيه، أي: عن تراثه الديني، وخاصة الأخروي. فالوهم الذي عشعش في العقل العربي، الذي ظن به أن خروجه من دائرة النفي المظلمة، مشروط بالانفصال عن ماضيه، هذا الوهم كاذب، لفقدانه شرط التعامل العقلي ـ العلمي ـ مع الواقع العربي والإنساني كله. فالواقع العربي الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه التراث حضورا فاعلا واسعا؛ والواقع الإنساني الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه فعل عدواني ناتج عن توظيف إرادة ضيقة أنوية لفاعلية عقلية منفتحة بضرورة انفتاح الطبيعة العقلية المجردة من التوظيفات الأيديولوجية المنغلقة بضرورة طبيعتها. الواقع الإنساني الراهن واقع تحت هيمنة عدوانية إرادة غربية، تقتضي عدوانيتها تجريد الآخر من عوامل القوة المؤهلة للدفاع عن الوجود الذاتي ضد هجوم عدوان مضاد بمفاهيمه الوجودية (الدنيوية) للمفاهيم الوجودية العربية الدينية (الأخروية التي تسع الدنيوية). فالواقع الإنساني العام الذي يفرض هيمنته على الواقع العربي الراهن، هو واقع عدواني أدلج العقل ـ الإنساني المنفتح ـ لتعميق عدوانيته، والعقل الأوربي المؤدلج هو الذي يتحدى الواقع العربي الراهن، يتحداه على وجهيه: وجهه العقلي المجرد، ووجهه العقلي المؤدلج، ومشكلة التحدي تكمن في أن العقل المجرد غير قابل للتحقق التاريخي إلا في صورته المؤدلجة، فالعقل المجرد، المعطى الغربي، دخل الحياة العربية في سياق اقتحام غربي لها، أي: دخلها باعتباره عاملا عضويا في عقل مؤدلج لخدمة مصالح الغرب العدوانية التوسعية؛ أما افتراض إمكان ردّ العقل الغربي إلى العقل المجرد، والتعامل مع الأخير كمعطى إنساني بريء من غرضية الأيديولوجيا، فإنه، أعني هذا الافتراض، وهْم لن تقل خطورته عن التعاطي مع العقل الغربي على ما هو عليه، فهو وهْم لأنه ينافي مفهوم العقل الذي هو صورة الحق، فالعقل الأروربي صورة الواقع الأروبي، الأول معطى للثاني، والأول والثاني عناصر كينونة واحدة تنعكس في الحضارة الأوربية التي صنعت عقلها، وصنعها عقلُها، العقل الأوربي الصوري والتطبيقي عقل حامل للخصوصية الأوربية بقدر ما هو محمول لها، والإشارة إلى عقل تجريدي لا تعني إلا أنه يجوز، لأغراض إجرائية بحثية، تصور وجود هذا العقل، وحقية هذا التصور لا تعدو كيانيته التصورية.

مشكلة تحدي العقل الغربي للعقل العربي الإسلامي أعمق مما خال للفكر العربي المعاصر الذي أعوزته رؤية عقلية واحدية لا تغفل لحظة عن فاعلية ارتباط عوامل تكوين العقل وتكوين الوقائع أيضا، وغياب الوعي بفاعلية ارتباط عوامل التكوين ينتج وهما، ينتج بدوره الوقوع من جديد في منزلق التبعية الحضارية للغير العدواني، فالتبعية لا تحصل إلا للعدواني، والتبعية للعدواني تعميق للشرخ الذي تعاني منه ذاتية راضخة، في دائرة المفعولية، لواقع يسلبها حق التفتح التاريخي، التفتح الذي لا يحصل باستيراد معطيات حضارية أجنبية عن البيئة الذاتية، هي معطيات ستجد فرصتها للنمو، ولكنه نمو يخرب الأرض ويفسد الهواء، وينتج ذرية مشوهة ومعوقة وتائهة في غيبوبتها عن ذاتها وعن الآخر أيضا. والرد على التحدي العقلي الغربي بمنهج تعريبي يمحي المسميات الأجنبية بمسميات محلية، ليس هو التحدي القادر على مواجهة الخطر الداهم القادم مع غزو حضاري قوته الفاعلة العقل الباني للحضارة الغازية، المبني لها، فالسلاح الذي يحارب به مقاتل هو سلاح فاعل طالما بقي سلاحا يحارب به هذا المقاتل، ولكنه سلاح قاتل لمقاتل آخر يحارب بسلاح ليس سلاحه؛ والحضارة الأوربية، بما فيها العقل الأوربي سلاح يقاتل به الأوربي، فالسلاح والمقاتل كينونة وجودية واحدة تترابط عناصرها ترابطا ينتج فاعلية واحدة، هي، بالرد إلى الذات العربية المسلمة، فاعلية عدوانية صادرة عن العقل الغربي الغازي، الذي هو الأداة الأكثر حدّة في معركة الغرب ضد العالم غير الغربي بما فيه العالم العربي.

كل منتج حضاري، ومهما قلّ شأنه، يحمل مفاهيم وخصوصيات ثقافية. وعندما تتعاطى أمة مهزومة حضاريا مع منتج أجنبي، فهي تزيد إلى مشكلة مفعوليتها مشكلة أخرى تتفاقم بها هزيمتها وتتضاعف تبعيتها وغيبوبتها عن ذاتها وعن غيرها وما يصح الحكم به على أمة مهزومة لا يصح الحكم به على أمة حاضرة في التاريخ بفاعلية، فالأمة القوية تتعاطى مع منتج حضاري أجنبي بروح “العزة”. القوي عزيز ممتنع على التبعية للغير، والمهزوم ذليل مستباح لكل عدوان.

النهضة إرادة رافضة للهزيمة الرافضة في دائرة المفعولية، والعزة هي الحالة الشرط للنهضة. النهضة العربية الإسلامية المطلوبة ذات بُعد تقني، فهي لا تتوهم أن بإمكانها مواجهة تحدي الحضارة الغربية المعاصرة بمنتج تقني ينتمي للزمان القديم، هذا التوهم صورة للانفصال عن المعطى العقلي الإنساني المنفتح زمانيا ومكانيا، ورفض العقل النهضوي العربي المفترض للحضاري الغربي ليس رفضا للانفتاح على ما هو منفتح، العقل الناهض انفتاح، هو فتح للمغلق، وفتح المغلق انفتاح، هكذا كل فعل ناهض مناهض للعدوان الذي هو ـ العدوان ـ الحالة المضادة للانفتاح. ولكن الانفتاح على الآخر لا يعادل الانسلاخ عن الذات؛ المنسلخ عن ذاته لا ينفتح على آخر، ينفتح على الآخر موصول بذاته، أو منفتح على ذاته، ومن انفتاحه على ذاته يتأسس انفتاحه على الآخر. النهوض فعل يبدأ من الانفتاح على الذات، ويواصل فاعليته بانفتاح الذات على الآخر، بتنامي انفتاح الذات على ذاتها. فالانفتاح على الآخر هو فعل تنامي الذات المنفتحة على الوجود الذي يبدأ بالنسبة لها من أصلها الذاتي ويتواصل في تحققات أخرى للأصل الذاتي، الذي يكشف تغوره عن أصليته للذاتية الإنسانية كلها. فالفعل الناهض من الأصل الراسخ في الغور الوجودي الإنساني، فعل منفتح على التحققات الإنسانية المنفتحة لا الراضخة لحالة العدوانية. لا يقدر الفعل النهضوي العربي الإسلامي على الانغلاق على المعطى النهضوي الغربي، شرط أن يتعاطى الأول مع الثاني “من فوق”. هذا التعاطي القوقي لا يضمر احتقار المعطى النهضوي الغربي، هو يخلِّص الأخير من حالة الرضوخ للعدوانية، فالفوقية، برؤيتنا الواحدية، شرط انطلاقة الفاعلية الإنسانية من قيود الدوائر الضيقة المحصورة في أغلال الكراهية إلى واسعية الوجود التي يشرق فيها حب يعطي السلام للناس أجمعين. الفوقية التي نشترط على الفعل النهضوي العربي أن يتعاطى بها مع المنتج الغربي، هي ضمانة مشروعة للأول تصون سلامة ذاته الناهضة في معركة تحدي عدوانية الغرب. تحصل هذه السلامة بإعادة صياغة المنتج الحضاري الغربي ليلائم بيئة جديدة تمتد من غور الوجود الإنساني إلى ذروته العليا، التي يحوز التصور الإسلامي إمكانات تجليتها ابتداء من أصله الأعمق، وتناميا، بفاعلية جهادية، إلى درجة “ظهور الإسلام بإرادة رب العالمين على الدين كله”.

العزة، ومعطاها: الفوقية، شرطان للفعل النهضوي العربي الإسلامي المطلوب. والجهاد، بتحققات منفتحة، أداة النهضة المطلوبة. مقولات العزة والفوقية والجهاد تؤطر، مبدئيا، منهاجا نهضويا عربيا عقليا وتنفيذيا، يتوحد به الأخلاقي مع النفعي والذات مع ذاتية الآخر، والحادث مع المطلق، وهذا كله على أساس ذات عامرة بذاتيتها الواقعة في الآن والمترامية في الزمان كله. العزة والفوقية والجهاد مقولات منهج نهضوي أصلي يتنامى من الجرثومة الوجودية للكينونة العربية الإسلامية التي تجلت تاريخيا في فتح النبي محمد عليه الصلاة والسلام لمكة، الذي كان أول الفتح بتجلياته التاريخية، أول انتصار إسلامي لربوبية الواحد، المطلق، الله، نور السموات والأرض، على تعددية الأرباب الميتة التي كان يعبدها العرب المشتتون الضالون. ثم انطلقت الحركة الإسلامية الجهادية، قوامها المجاهدون المأمورون بـ “وجاهدوا في الله حق جهاده”، الذين ساحوا في الأرض ليخرجوا الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ضيق الخلق إلى سعة الخالق. وبالخروج من ضيق الخلق إلى سعة الخالق تتعمق مقولة عزة المؤمن التي أسست فعله الجهادي، والتي ترفعه إلى حالة الفوقية، الواسعية، ليتوحد، بمقولة العزة، بصفة جمعت، في نص قرآني،
بين الله جل جلاله والرسول الفاتح صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. فالمجاهد، حاضر تاريخي فائق، منفتح على الجماعة المؤمنة، وعبر الرسول الفاتح، منفتح على الألوهية المطلقة الوجود، فإذا كان ثمة صفة تطابق الموصوف بالنهضة فلا صفة أدق وأحكم وأشمل من صفة المجاهد، الذي يجاهد نفسه الجهاد الأكبر، الذي يعمل للدنيا كأنه يعيش أبدا، ويعمل للآخرة كأنه يموت غدا.

النهضة فعل جهادي تواجه به الذات مهزوميتها، وتواجه به عدوانية الغير، ووفقا للتراث العربي الإسلامي، الجهاد جهادان: جهاد النفس أو الجهاد الأكبر، وجهاد العدو، وفي الحديث: “عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، فالجهاد الأصغر، ضد عدو، حالة مشمولة بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، الفردي الجماعي، ومعنى الجهاد النفسي التحرر من الرضوخ في مضائق الوجود، والانطلاق في الواسعية التي يعبر إليها المجاهد من ارتباطه مع النبوة، وبها، ومع الألوهية، وبها، في معنى العزة، التي يرقى بها المؤمنون إلى “فوق”: فوقية الإيمان، فوقية الذات الفردية والجمعية على حالة المفعولية، الوضعية الميتة التي تقابلها وضعية حية للمجاهد، ليس فقط قبل الموت الحيوي (الدنيوي)، ولكن بعده أيضا، فالفوقية الإيمانية تعال على ضيق الدنيا، ونفي للموت، ببعده الوجودي. الفوقية صورة لللانفتاح على المطلق، الذي ينفتحه المؤمن بعزة، ويحققه تاريخيا بالجهاد. والانفتاح على المطلق، هو فاعلية المشروع النهضوي العربي الإسلامي المطلوب، الذي ما زال يتعثر لاصطدامه بعقبة الفرد المغلول في أسر دائرة المفعولية الراضخة تحت نير القهر الواقع على الذات الفردية والجمعية. التحرر من القهر هو الخطوة العملية الأساسية للبدء في تحقيق نهضة عربية إسلامية معاصرة. وتلد هذه الخطوة الأساسية من قرار إرادة نهضوية عزيزة منفتحة على ذاتها أولا، وعلى الآخر ثانيا، وعلى ذاتها والآخر معا؛ لتحوز الذات بهذا كله أهلية عقلية واحدية تجمع عوامل تكوينها المعاصر في فعل مقدام لا يتردد عن المُضِّيِّ، بقوة ووضوح، من اللحظة الراهنة، إلى مستقبل لا يلغي الماضي، ولكن، مستقبل يعمق فيه العربي المسلم حضوره في الزمن الراهن، إلى مستوى عمقه التاريخي، وعمقه الوجودي الضارب بجذوره إلى لحظة آدم، باعتبار هذه الأخيرة تحققا تاريخيا للإرادة الإلهية المطلقة؛ باعتبار هذه الأخيرة، الفعل الخالق الدائم للخلق المحدث المستمد لوجوده من إحداث الدائم له، الذي يتجلى تاريخيا في تمثل الخلق للإحداث الدائم بإحداث الطاعة المبدعة للدائم.

النهضة إرادة مقدامة أداتها الفاعلة جهاد يحرر الذات من حالة الانشطار التي استدعت عدوان الأجنبي، واستدعت طيَّه مزيدا من الانشطار الفردي والجمعي. الجهاد هو وحده المؤهل للتفوق على حالة الانشطار، والعزة هي الشرط اللازم لانطلاقة حركة جهادية مبتدعة، مبدعة، توحد الذات الفردية والجمعية في مواجهة هزيمتها قبالة تاريخها، وقبالة العصر الراهن. والعزة هي الشرط الضامن للتعاطي المأمون مع الغير؛ وبالفوقية، ومعطى العزة، لن يتأتى من التعامل مع الغير خطر تعميق التبعية العربية الحضارية الراهنة للغرب العدواني، وإنما يتأتى الانتفاع بالمنجز الحضاري الغربي بشروط أخلاق الحضارة العربية، ولتكريس هذه الأخلاق بإنجاز نهضوي عربي إسلامي جديد، ينفتح على الآخر، انفتاح المؤمن، بالنبوة، على الله رب العالمين. وإرادة نهضة عربية إسلامية جديدة مرهونة بوعي واضح وقوي بالحاجة إلى التمايز الحضاري الرسالي الذي أفرد حركة المسلمين الأوائل بمعانٍ قيمية عليا، استوحتها من مصدر الوحي العالي علوا مطلقا. والدور الرسالي يعطيه فرد كريم على نفسه وعلى جماعته أما المهين، فهو مجلبة للعار والدمار. والكريم متوحد مع ذاته ومع جمعيته، كيانيا حيويا ثقافيا.

التوحد، فيما نحسب، هو منهاجية المشروع النهضوي العربي المعاصر المطلوب والمنوط بالعقل العربي المعاصر مهمة إبداعه. يتحدى الواقعُ العربيُ الراهنُ عقلَه بمشكلات انشطاراته بين اقسام الزمان من جهة، واقسام المكان من جهة أخرى. ويمكن للعقل العربي المعاصر أن يحوز أداة فاعلة يتحدى بها مشكلات واقعه المشطور المعاصر، تحوز بدورها، نعني الأداة، قدرة اختراق الراهن في اتجاهات الذات المتعددة، دون الانفكاك عن الأصل، أو الانفكاك عن الحاضر، وليس بالضياع في مسافة تُباعد بين الأصل والحاضر، إذ مهمة المشروع العقلي العربي المطلوب، إبداع واحدية الأصل والحاضر، أو إبداع الحاضر من الأصل الذي لا يتنافى معه، أي الأصل الأشد واسعية، المؤهل لإبداع لحظة آنية، غير منفصلة ولا منعزلة عن الزمان الساري من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، من الفردي إلى الجماعي، من الذاتي إلى الإنساني، من البعض إلى الكل، ومن الكل إلى البعض. والجهاد أداة تحوز إمكانات تحقيق المنهاجية الواحدية، المؤسسة لمشروع نهضوي عربي مطلوب، يبدعه العقل العربي المعاصر.

الجهاد قرار إرادة، لا يصدر عن حالة قوة حضارية، الأخيرة هي التي تصدر عنه، القوة معطى الإرادة، وحالة الوهن العربي الإسلامي الراهنة معطى غياب الإرادة النهضوية. والإرادة غير الأماني، الإرادة تستوجب أداة فاعلة، الجهاد أداة فاعلة، توحد إمكانات الذات التاريخية والبيئية، على مستويي الفردي والجمعي، بفاعلية مبادرة، متحررة من أسر القهر، منبثقة من الأصل الوجودي الفردي، الجمعي، الكلي، في لحظة واحدية، ومن ثم، مقدامة، تبدع تحققات جميع ممكناتها الحيوية، ليست عدوانية، بل فاتحة، تخرج الناس من الظلمات إلى النور.

الجهاد مفهوم يفيض عن استخدام القوة في معركة يتواجه فيها عسكران. هو مفهوم يسع، ويفيض عن، مشروع نهضوي متكامل، تتطلع إليه أمة، باعتباره معطى حضاريا لها، يبدع حاضرا موصولا بالمستقبل: “الغيب”. هذا الأخير، الذي يحوز إمكانات مفتوحة على المطلق الوجودي، تعطي الراهن (الدنيوي) الأمل المتدفق نحو غد أشد جمالا وسعادة وسلاما من اليوم، غد لن يحمل طيّه نعيّ الحياة، ولكنه يجدد البشارة بحياة لا يغلبها الموت. ونصَّ القرآن الكريم على أن الذين يقتلون في سبيل الله “أحياء يرزقون”. الموت ليس ذروة الجهاد، فالجهاد فعل مفتوح، وجهاد النفس جهاد أكبر، وجهاد النفس فعل يحرر الذات من أغلال قيودها، أو من دائرة مفعوليتها، ويسمو بها، إلى دائرة فاعليتها؛ ومشكلة الواقع العربي الراهن هي مشكلة الرضوخ في دائرة المفعولية، ومهمة المشروع النهضوي العربي المطلوب، هي تحرير الذات، الفردية والجمعية، من دائرة المفعولية والسمو بها إلى دائرة الفاعلية. الجهاد الأكبر مقولة مفتوحة غير جامدة في زمان، هي فعل التكيف مع ما هو واقع، والواقع الراهن غير متطابق مع الواقع القديم، فإذا قام اليوم جهاد أكبر، فلا يجيء قيامه تكرارا لجهاد أكبر جاهده السلف العظيم، ومع أن جهاد اليوم المطلوب، وجهاد الأمس المنصرم، معطيان لأصل واحد، فهما معطيان متمايزان، هما معطيا أصل واحد متمايز بتحققات كُثْر، يغزلها التاريخ المتجدد.

المهمة الأساسية، أو التحدي الحضاري الأشد، الذي يواجه العقل العربي المعاصر، هو، أو هي، إبداع مشروع نهضوي معطى لأصل يغزل التاريخ تحققاته، باعتبار التاريخ فاعلية إنسانية متجددة، وباعتبار الأصل وجودا يحضر حضورا بائنا، ويكمن، ولكنه لا يفنى؛ وباعتبار النهضة إرادة جهاد تصنعها ذات انتصرت على تحديات انشطاراتها، فانتصرت على مفعوليتها؛ وباعتبار العقل فاعلية الانفتاح بالفردي على الكلي، وبالكلي على الفردي، انفتاح الفردي على الفردي، والتاريخي على التاريخي، انفتاح الحب بالحب، والسلام بالسلام، والحب على العدل، (و) على السلام.

[ح‌م‌1] القسم الثاني

شرط الواحدية

تشترط الرؤية الواحدية للمشروع النهضوي العقلي العربي المرجو، التزام هذا المشروع بمنهج عقلي يسع الماضي والحاضر والمستقبل، غير مغلول بالتراث الفاعل في الحاضر، وغير مغلول بالمعاصرة على هيئتها الأجنبية؛ وينتمي إلى الحقيقة الوجودية المطلقة، الواحدية، ويدور في فلكها، الفلك الذي لا يقيد حركة، ويطلق كل حركة، طالما الغاية هي حب وسلام بالعدل لا بالجور؛ فإن هذه الغاية، حلم يتساوق مع الحقيقة الرابضة في الوجود، وفي الزمان، وهي حلم التاريخ الإنساني، جاهدت إرادة النهضة العربية الإسلامية الأولى في سبيلها، وجاهدت الإنسانية، ولم تزل، في سبيلها؛ يتغياها العقل المطلق من دوائر الذات الضيقة الظلوم، وينشدها وجدان الفن وتخلقها صوره. إن العدل الذي يجمع الحب والسلام، إنما يجمع خلقا من الجمال الذي ينبثّ في حنايا الوجود، وفي خبايا العتمات.. هناك، كالعذارى، يرقبن مولد عاشق يفضّ بكارة الليل، لتصدح الجوقات من كل نوع وكل لون، بأهزوجة النماء، ينشدها أطفال جاؤوا لتوهم، من نقطة انبثاق كل مجيء.. من أصل واحد، لوجود واحد.. تحقق في التاريخ وحيا دينيا محمديا..

***

ما علاقة فكرنا العربي المعاصر بالمطلق الوجودي، أصل الوحي الديني العربي الإسلامي؟ هل دنا الفكر العربي النهضوي المعاصر من شرطنا الواحدي؟ لا يزعم واحدي أنه يحتكر الحقيقة؛ ولكنه يعشقها، ويرنو إليها، ومن هذا العشق الراني إليها، نقدنا ثلاثة من الاجتهادات الفكرية العربية النهضوية المعاصرة، على أمل أن نشارك في صياغة للحلم النهضوي، لن تفيض عما أهلتني له قدرة أحسب أنها مقيدة بالفردية التي لا تحوز ذاتٌ إمكانات التفلت منها ولو شاءت. والحق الذي أباح لي نقد ثلاثة من النماذج الفكرية، يبيح نقدي، وأستبق كل نقد، فأزعم أنني لم أبلغ غاية المنى، وقد يكون ما بلغته شيئا من المنىالذي لا يقوى على مواجهة الواقع.. ولكن، إنما يستحق الحياة، أولئك الذين يمتطون موج البحر، وينهضون لمدافعة الهلاك.. فإذا ابتلعتهم ظلمة حوت، نالوا الشهادة.. والجنة.

زكي نجيب محمود

ثنائية العلوي والسفلي!

بدأ زكي نجيب محمود العناية بقضية التراث والمعاصرة بكتابه “الشرق الفنان” الذي صدر عام 1960م، والذي كان، يقول صاحبه، حجر الزاوية في بناء فكر جديد له[1]، شرع في تأسيسه بعدما كان يتبنى، بحرارة، الدعوة إلى الثقافة الغربية، بمنهاج الفلسفة الوضعية.

مايز مؤلف “الشرق الفنان” بين ثلاثة أنماط فكرية، قال إنها ظهرت في تاريخ الإنسان المتحضر، هي: حدس الصوفية التي أبدعها الشرق الأقصى؛ والعقل اليوناني القديم، والغربي كله من بعد؛ ونمط ثالث جمع النمطين السابقين “الضدين”، في كيان واحد فيه حدس المتصوف ومنطق الفيلسوف، هذا النمط الثالث هو الحياة الثقافية العربية، فـ “من ذا الذي يُذكر له التراث العربي، فلا تقفز إلى ذهنه أسماء لوامع كالجاحظ والمعري وابن سينا وابن رشد وابن خلدون، ومعهم رجال من أمثال الحلاج وابن عربي؟”[2].

يرى زكي نجيب التراث العربي نسيجا متآلفا “بين فكر عقلي منطقي ووجدان صوفي وشعري”، وهو ما تعكسه اللغة العربية، كما خُيـِّل لزكي نجيب، بتعقبها، وقد ركبت تركيبا يحمل الجانبين معا، “فهي منطقية إلى حد بعيد، إذا قيست إلى غيرها من اللغات، ثم هي مشحونة بشحنات وجدانية إلى حد بعيد كذلك”[3].

وهذا النسيج الثقافي العربي مركب ازدواجي، بدا لزكي نجيب وكأنه سمة بارزة “يمكن أن تكون أساسا متينا لإقامة ثقافة عربية جديدة، تصون أصالتها، وتساير عصرها في آن واحد”[4].

وعى زكي نحيب ازدواجية الثقافة العربية التراثية، لكنه لم يرَ فيها مشكلة، وإنما رأى أنها الأساس الذي ينبني عليه حل مشكلة المشروع النهضوي العربي المعاصر، رآها “وكأنها قابلية فريدة”[5] لنهوض معاصر يواصل الازدواجية الثقافية العربية التراثية.

يمثل تراجع دور العقل في ثقافة أمة، عاملا أساسيا، ولعله حاسم، في تشطير الذات الفردية والجمعية. والعقل في الثقافة العربية التراثية، لاحظ زكي نجيب، تابع للوجدان ـ الإيمان الديني لدى زكي نجيب من هذا الأخير ـ الذي ، أي الوجدان، يحقق نوازعه بالنشاط العقلي[6].. ويفسر زكي نجيب تبعية العقل للوجدان في الثقافة العربية القديمة، الممتدة بهذه الخاصية، في تقديره ـ وهو صحيح ـ إلى الثقافة العربية المعاصرة، يفسرها بالتفرقة الحاسمة بين الله وخلقه، هذه التفرقة، وصفها بأنها تمثل “صميم الثقافة العربية” كلها[7].

لا تتوقف العلاقة بين الوجدان والعقل في الثقافة العربية عند هيمنة الأول على الآخر، بل تذهب هذه الهيمنة، لطبيعتها، إلى حد أبعد، وبحكم ما يطلبه كل من طرفيها، يقول زكي نجيب: إن “كلا منهما يطلب ما يتنكر له الآخر، فالعقل يطلب أن تقام البراهين على كل فكرة يتقدم بها صاحبها إلى الناس؛ وأما الوجدان، فيقبل ما يقبله، ويرفض ما يرفضه بلا برهان”[8].

النتيجة المباشرة، الصريحة، لعلاقة التناكر ما بين العقلي والوجداني، المعطاة لعلاقة هيمنة الوجدان على العقل، هي أن مركبا ثقافيا من وجدان يهيمن على العقل، ويتنكر له، هو مركب مشطور، وليس نسيجا متآلفا، كما سبق لزكي نجيب وصفه، عندما تحدث عن السمة البارزة في الثقافة العربية التراثية، التي رأى فيها أساسا متينا لإقامة ثقافة عربية جديدة.

ويبالغ زكي نجيب في التفريق بين العقلي والوجداني [لديه: العلمي = العصري، والديني (الوجداني) = التراثي]، ويرى أنهما قابلان للانفصال النهائي، بالتحقق، كل على حدة، في أفراد الأمة، تحققا يغلق على الآخر منافذ له، فيكون هناك فرد عقلاني فقط، وفرد وجداني فقط، يقول: إن اللقاء بين الجانبين لا يشترط له أن يتم في الفرد الواحد، ويكفي أن يتحقق في مجموعة من الناس التي يتكون منها “أمة” ذات ثقافة متميزة، فيكون من أفرادها من هم أصحاب تفكير عقلي، ومن هم أصحاب حالات وجدانية”[9]. ثم يقول، وفي الموضع ذاته: “يؤمن المؤمن أولا، ثم لا عليه أن يتناول بالتحليل العقلي ما آمن به”. يوكد النص الأخير هيمنة وأولية الوجدان على العقل في الثقافة العربية، وهو يعكس تراجعا سريعا، لكنه ظاهري، لدى صاحبه، بالقياس إلى النص السابق مباشرة. فبعدما أجاز للوجدان أن يحتل، بالكامل، ذات فردة، أجاز له، للوجدان أو للوجداني، إمكان دخول العقل إلى دائرته، لا دخول الفاعل بطبيعته، بل دخول المفعول المقهور بفاعلية مفعول قاهر هو الوجدان. فالوجدان، معزولا في ذاته، مفعول، والعقل مقهورا بالمفعول، مفعول. فالوجدان الذي يهيمن على العقلي، حالة مفعولية؛ وإجازة وجدانية بعض من الأمة،ثم إجازة توظيف العقلي للوجداني، هي إجازة للانشطارية التي تعاني منها الأمة، تاريخيا، وفي العصر الراهن. ويعمق زكي نجيب حالة الانشطار المعاصرة، بعزل العقل في بعض الأمة، عزلا مستقلا؛ أو عزله في منفى الوجدان، وتحت هيمنته. وعزل العقل، فصل للحاضر عن الماضي، وللعقلي عن الديني، وللذات عن الغير، هو فصل زماني ومكاني، لا يمثل “قابلية فريدة” تمتاز بها الثقافة العربية ولا تمثل أساس نهوض جديد. ما إجازات زكي نجيب “العزلية الفصلية”، إلا انعكاس حالة المفعولية التراثية التي ما تزال تهيمن على الواقع العربي الراهن، بما فيه العقل العربي المعاصر.

لم يفلت زكي نجيب محمود من مفعوليته الثنائية التي شطرت الوجود، الكلي والفردي، إلى اثنين، يحد كل منهما الآخر. وكان فكره، أو مشروعه العقلي، في مرحلتيه، دليلا على استمرار حضور مشكلة الثنائية التراثية في الواقع العربي المعاصر، التي تولّد عنها، مشكلة التراث والمعاصرة العربية الإسلامية الراهنة.

اعتنق زكي نجيب محمود في مرحلته الفكرية الأولى، فلسفة حددها بأنها “طريقة بغير موضوع”[10]، وصاحبها لن “يقول للناس خبرا جديدا عن العالم، ليس من مهمته أن يحكم على الأشياء”[11]، فليس من غاية فلسفته “أن تبحث عن مسائل لتصل فيها إلى نتائج عن حقائق الكون”[12]. تحصر المدرسة الفكرية التي اعتنق نجيب فلسفتها، رؤية الباحث العلمي في حدود ما هو واقع؛ “أي في حدود ما هو ظاهر لأعضاء الحس وأدوات التجربة”[13]. ولا تتمادى هذه الرؤية في تغور الوقائع الكامنة، ومن ثم، تظل الوقائع الكامنة دوائر مغلقة، ويراها الباحث منفصلة، ويتعامل معها باعتبارها هذا، أي: وقائع منفصلة لا تكشف عن شيء غير تناهيها، فتنتفي بهذه الرؤية ارتباطات الواقعة المفردة بواقعة أو وقائع مفردة أخرى، وتكتسب كل واقعة مفردة، بها، مشروعية وجود مطلق في ذاتها، وفي علاقاتها مع الغير، التي لا تلغي، على أي مستوى، استقلالها التام.

يعود معتنق زكي نجيب الفلسفي، الوضعي المنطقي، أو التجريبي العلمي كما ينعته، إلى الفيلسوف الإنجليزي دافيد هيوم (1711-1776م) الذي كان يرى الواقع مجرى من الانطباعات “أسبابها مجهولة وغير قابلة للمعرفة”، وقد رفض العلية، وحصر موضوع المعرفة الأصلية في الرياضيات، ونفى إمكان معرفة الوجود، وقرر أن جميع الآراء في الموجودات تنطلق من التجربة[14].وأصدر هيوم حكما على كل كتاب ـ كائنا ما كان ـ في اللاهوت أو في الميتافيزيقا، بالحرق، إذا كان لا يحتوي أي تدليل مجرد يدور حول الكمية والعدد، أو لا يحتوي على أي تدليل تجريبي يدور حول الكمية والعدد، أو لا يحتوي على أي تدليل تجريبي يدور حول الوقائع القائمة في الوجود، فإن مثل هذا الكتاب “يستحيل أن يكون مشتملا على شيء غير سفسطة ووهم”[15]. وحاكى زكي نجيب المدرسة التحليلية الجديدة، المنتمية إلى هيوم، فحصر المعرفة العلمية في نوعين “لا ثالث لهما: وهما الرياضة والعلوم الطبيعية”[16].والدين، أهم عوامل التراث العربي، ليس رياضة، ولا علوم طبيعية. هو نشاط وجداني، لا يسعه النشاط العقلي، عماد النهوض المعاصر، الذي لن يلغي، في مشروع زكي نحيب، ثنائية العقل والوجدان في الفكر العربي المعاصر، وسيظل هذا الفكر، يحمل الآفة الثنائية القديمة التي صاحبت العقل العربي منذ بواكيره الأولى، والتي تحققت تاريخيا في انشطارات متعددة ورثها الواقع العربي الإسلامي الراهن.

ضيقت دعوة زكي نجيب فاعلية العقل وأقامت قبالتها فاعلية الوجدان الذي يمثل الدين عنصرا بارزا فيه، فجدد ثنائية المعقول والمنقول، وما يرتبط بها من ثنائيات فكرية أخرى عانى منها التراث العربي الإسلامي العقلي، وفرخت شرورها الثنائية في التاريخ العربي الذي نقلها إلى الواقع الراهن، المبتلى بثنائية مستحدثة، هي ثائية الذاتي والأجنبي، والتي يعكس مشروع زكي نجيب العقلي نموذجا لها؛ إذ هو مشروع محصور في معطى حضاري أجنبي، منقول قسرا إلى بيئة حضارية ذاتية، لم يتوحد بها، فهو ينكر عاملها الأهم، عامل الوجدان أو الدين، باعتباره حقلا ممكنا للنشاط العقلي، أو لاعتباره “سفسطة ووهما”.

الثقافة العربية نسيج محوره الدين. ومشروع عقلي لا يسع الدين، لن يسعها، لن يعالج مشكلاتها، ولن يؤهلها للنهوض المعاصر. الدين أهم عناصر الثقافة العربية، هو حكم تفسيري قيمي لوجودها، ما يحضر منه، وما يغيب عن الشهود، فهو يقول خبرا جديدا، ويصدر أحكاما، هو موضوع. معتنق زكي نجيب، لا يبحث عن حقائق الكون، هذه الأخيرة التي تمثل المرتكز الأقصى للدين، وبهذا الاعتبار، فالدين خارج دائرة مشروع عقلي وضعي.

لم يخلص زكي نجيب لمشروعه الوضعي تمام الإخلاص. ظل يدعو لموقفه الفلسفي الوضعي بعد أن تخلى عن “اغترابه” في الحضارة الغربية، الاغتراب الكامل في الظاهر. كان يستبطن تراثه الذاتي، الذي برز منذ كتابه، “الشرق الفنان”، عنصرا يقابل العنصر العقلي الوضعي الغربي دون توحد، للتناكر الذي قرره زكي نجيب بين الوجداني [العنصر المهيمن في التراث العربي] والعقلي [العنصر المقوِّم للحضارة الغربية]. ويوحي كتاب “التحول” من عنوانه: “الشرق الفنان” إلى توكيد هيمنة الوجدان على التراث العربي [الشرقي]، لكن زكي نجيب لا يستسلم لهذه الهيمنة، فظل يؤمن بالوضعية[17]، رغم تراجعها في نشاطه العقلي، الذي أفسح مجالا للعنصر التراثي الوجداني، بصفتنه المتناكرة مع صفة العقل الوضعي، على حد قوله، فأثبت بهذا التحول، أن مشروعه العقلي صورة مكرورة للواقع العربي الراهن المشطور بين الذاتي والأجنبي، وبين الدنيوي والأخروي، وبين القاهر والمقهور؛ فالوضعي، في مذهب زكي نجيب غربي (قاهر)، والتراثي، في مذهبه أيضا، ذاتي (مقهور). وثنائية القاهر والمقهور خطر يتحدى المشروع النهضوي العربي المطلوب، ويجهضه. وبلور زكي نجيب ثنائيته الفكرية بالدعوة الصريحة إلى “فلسفة عربية قوامها ثنائية السماء والأرض، وثنائية الطبيعة والفن”[18].

انحسرت الوضعية الخالصة في فاعلية زكي نجيب العقلية قبالة إلحاح الحضور الواقعي للتراث الرابض في ذاتية “المغترب في الظاهر”، ولن يجد وضعي عربي غضاضة في الإعلان عن تراجعه نصف خطوة، طالما كانت فلسفة التحليل التي شكلت وضعية زكي نجيب، مصدر تسويغ للتراجع تحت ضغط الوقائع، ففلسفة التحليل تتعامل مع الظواهر كما هي في الواقع، ولا تزيد على أن ترد الواقع إلى عوامل تكوينه. وعوامل تكوين الواقع العربي الراهن، من منظور زكي نجيب العقلي، هي الذاتي [التراث] والأجنبي [الوضعي]. ووفقا لمنهجه، مايز بين عاملي الذاتي والأجنبي، وأبقى عليهما معا، كما هما، ولم يصدر حكما ما عليهما، وهكذا أجاز مشروعية وجودهما معا، متقابلين، يرسمان ثنائية معاصرة، تحت مسمى “ثنائية السماء والأرض”، أو ثنائية الآخرة والدنيا، ثنائية السالب والمسلوب. وقع مشروع زكي نجيب في دائرة الرضوخ لقهر مزدوج: التراث المحصور في الماضي، المنغلق على الحاضر؛ والأجنبي الغريب عن الحاضر الذاتي، المعزول عن التاريخي المنماز بماهيته عن ماهية الحضارة الغربية التي أنتجت الوضعية تحت شروطها، وللوفاء بمتطلباتها. الوضعية المنطقية التي التزم زكي نجيب مذهبها الفلسفي، معطى ثقافي للحضارة الأوربية، بلورتها “جماعة فيينا” التي نشأت لمواجهة مشكلات أفرزها التطور الحضاري الغربي، بخصائصه التي ترسم معايير معطياته، وترسم أدوات علاج منعطفاته المرضية. فالوضعية المنطقية، شأنها شأن كل معطى عقلي غربي، ردة فعل بيئة، تفقد مشروعيتها في بيئات ثقافية أخرى، يحملها إليها المبهورون أو العجولون أو المنهزمون.

الوضعية المنطقية تعبير أمين عن المناخ الثقافي الأروبي الدنيوي، الذي يحصر الوجود في دائرة يمكن للعقل التجريبي الإحاطة بمضمونها، ثم لا يجاوز دائرة “الدنيا” إلى دائرة “أخرى” أعمق وأوسع، تملك المخيلة الإنسانية قدرة تصورها، وهو ما فعله العقل الحضاري العربي الديني، وهو فعل لا يستوعبه عقل تجريبي “دنيوي”، أو عقل الوضعية المنطقية الذي حمل لواء الدعوة إليه زكي نجيب محمود، ولكنها دعوة ظلت عقيمة[19]. احتذى زكي نجيب في المرحلة الأولى من مشروعه العقلي أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، بالمثال الغربي. وأقر فيما بعد، أنه كان ينظر للأمر من جانب واحد، وأنه أهمل الجانب الآخر، جانب الهوية الخاصة ـ العربية ـ وأن دعوته تلك، كانت “على كثير من التطرف”. وقال: “فجاءت نظرتي إلى الثقافة المنشودة نظرة مبتورة”[20].

كان زكي نجيب يبالغ في دعوته إلى تقليد الغرب، وأسرف فيها كما قال في مقدمة كتابه “شروق من الغرب”، [لاحظ دلالة العنوان!!]، فتمنى “أن نأكل كما يأكلون، ونكتب من الشمال إلى اليمين كما يكتبون، وأن نرتدي من الثياب ما يرتدون”. وفي غمرة مشاعره الاغترابية، اعتنق مذهب الوضعية المنطقية. وحكى قصة هذا الاعتناق في الكتاب الذي روى فيه سيرته العقلية، قال: “كنت لم أزل ماضيا في إعداد رسالتي للكتوراه… وبينما أنا ماض في طريقي ذاك، أُعلن عن تعيين الدكتور الفرد آير، (وكان إلى ذلك الحين أستاذا في جامعة اكسفورد)، رئيسا لقسم الفلسفة في الكلية الجامعة بجامعة لندن. [وهي الكلية التي كان قد التحق بها زكي نجيب للحصول على إجازة الدكتوراة في الفلسفة، ولكنه تركها والتحق فيما بعد بكلية الملك]. وجريا على العرف المألوف، كان على الأستاذ الجديد، أن يفتتح عمله بمحاضرة عامة. وأعلن بالفعل عن موعد تلك المحاضرة. لم أكن قرأت شيئا للدكتور آير، فرأيت ضرورة أن أعرف عن الرجل شيئا قبل استماعي لمحاضرته العامة، فكان أول ما قرأته من كتبه، كتابه الذي يلخص به اتجاها فلسفيا ظهر أولا في فيينا خلال العشرينات من هذا القرن، ثم أخذت دائرته تتسع. وهو اتجاه أطلق عليه أصحابه اسم “الوضعية المنطقية”، ثم شاع بعد ذلك اسم آخر لعله أنسب وهو “التجريبية العلمية”. فما أن تلقيت الفكرة الأساسية في هذا الاتجاه، حتى أحسست بقوة أنني خلقت لهذه الوجهة من النظر”[21].وفي موضع آخر من الكتاب ذاته، وصف زكي نجيب ولوجه عالم الوضعية المنطقية بقوله: “كانت لحظة نادرة من ربيع سنة 1946م، تلك التي كنت فيها جالسا كعادتي كل يوم، أطالع وأكتب وأدون المذكرات، في المكتبة العامة، بالمبنى الرئيسي لجامعة لندن، عندما أحسست بما يشبه اللمعة الذهنية تتوقد لتضيء لي طريقي منذ ذلك الحين، وإلى الساعة التي أكتب فيها هذه الصفحات [من عام 1982م]. وكان الموضوع الذي أطالعه عندئذ هو عرض لموقف فلسفي لم يكن قد مضى على ولادته في صورته المعروضة أكثر من ربع قرن، وأسماه أصحابه يومئذ بالوضعية المنطقية، وهو نفسه الذي أطلق عليه فيما بعد “التجريبية العلمية”. وأما اللمعة الذهنية التي أحسست بها في تلك اللحظة، فهي شعوري بأنني أوقع هنا، دون سائر التيارات والمذاهب”[22].

نقلنا رواية زكي نجيب عن تحوله الدرامي للوضعية المنطقية، لتوخي الكشف عن استحالة سلخ ذات عن تراثها، فكما لا تقبل ذاتية الوضعية المنطقية الأوربية الانسلاخ عن تراثها، فإن ذاتية زكي نجيب لا تقبل كذلك، شاء هو أم أبى، الانسلاخ عن التراث المهيمن على وجدانه، وعلى عقله، بالوجدانية المهيمنة عليه، أعني: على التراث العربي الإسلامي الذي لم ينفك عنه زكي نجيب، ولا انفك هو عنه، حتى في ذروة ما ظن زكي نجيب أنه اكتشاف عقلي لموقف عقلي، هو الوضعية المنطقية.

ولج زكي نجيب دائرة الوضعية المنطقية بقفزة تستدعي للخاطر قفزة جندب الصحراء، تحت وهج شمس، تتداخل تحت شدة حرارتها ألوان الجندب مع ألوان الرمال الصفراء الملتهبة القاحلة. صار زكي وضعيا بمنهاجية عربية؛ تكفي اللمعة الخاطفة لإجراء تحول عميق من مذهب إلى مذهب، من غير روية ولا تفكير في احتمالات، ولا تحليل ولا تركيب، ومن غير بحث في الأسباب ومن غير توقع للنتائج، من غير شرط من شروط العقل التجريبي، وعلى غير قاعدة من قواعده، ومن غير شرط من شروط العلمية، وعلى غير قاعدة من قواعدها، على الرغم مما يزعمه زكي نجيب من أنه صار منذ تلك اللحظة “تجريبيا علميا”، وأنه يقع “هنا ـ في التجريبية العلمية، دون سائر التيارات والمذاهب”.[ح‌م‌2]  ولا يعيب التجريبي العلمي أن يبدأ من وقدة لمعة ذهنية، أما ما يعيب منهج العقل العلمي، فهو التعاطي مع قضايا العقل بالإحساس، كما يتعاطى الفنان، بوجدانيته، مع اللحظات اللامعة التي تضيء في ذهنه فجأة، كما أضاءت في ذهن زكي نجيب، وفجأة، لحظة “إحساس شعوري قوي بأنه خلق لهذه الوجهة من النظر”، كأنما هبط عليه الوحي فجأة، فأيقظه من سباته، ليبتعثه “نبيا” يبشر بالخلاص الإنساني، لمَ لا؛ والنبوة خاصة عربية تراثية أصيلة؟! لمَ لا؛ والرسولية دور عربي ثقافي تاريخي، يتمحور التراث العربي الإسلامي، وقبل الإسلامي، حولها؟! وقد ينبه الإحساس إلى قضية، ولكنه لا يفتح أفق العقل فتحا مبينا. ولدى التجريبيين، فإن الإحساس مصدر أوليَ للمعرفة، ولكنه ليس المصدر الذي يسع المعرفة إلى آخر مداها.

تحول “إحســـــــــاس” زكي نجيب إلى موقف فلسفي وضعي “عربي”. كان تحوله “عربيـــا” منذ اللحظة الأولى. يتبدى ذلك من تفحص هذا التحول المفاجىء تحت التأثير المباشــر لـ “الرئيـس” آيـر، الذي ـ التحول ـ جاء بمثابة ولادة عجلى، أو انقلابية، عكست نموذجا  ـ معاصرا ـ لظاهرة عربية تراثية، حاضرة فاعلة، يصورها القول المشهور: “الناس على دين ملوكهم”. وواقعة تحول زكي نجيب للوضعية المنطقية، تترجم تراثا مفعولا لـ “الرئيس”.

لم يكن زكي نجيب منتسبا إلى قسم الفلسفة بالكلية الجامعة بجامعة لندن، حينما أسندت رئاسته إلى آير. كان زكي قد انتقل من الكلية الجامعة إلى كلية الملك ـ اللندنية أيضا ـ في وقت سابق[23]، فما الحجة على صحة ما نزعمه من رضوخ زكي نجيب، بعملية القفز إلى دائرة الوضعية المنطقية، لتراث من المفعولية لـ “الرئيس”؟ كان طالب إجازة الدكتوراة منهمكا في البحث في موضوع أطروحته: “الجبر الذاتي”، وهو “موضوع يمس حرية الإرادة بصفة أساسية وجوهرية”[24]، وخلاصته “أن الإنسان لا تسيره إلا ذاته”[25]. الجبر الذاتي في مفهوم زكي نجيب هو المعادل للحرية الشخصية قبالة الآخر، وكانت الحرية همّا لازمه طوال حياته و”منذ حمل القلم لأول مرة”[26]. الحرية همّ يعوز الطُـلّعة لتحقق بقيمتها العليا ذاتها. وقبل حضوره إلى لندن، عاش زكي حالة شعور بالمرارة مما كان يلقاه من إجحاف في “لجنة الترجمة والتأليف والنشر” بالقاهرة، الذي كان عضوا صغيرا فيها، والتي كان يسودها “علاقة استبدادية عجيبة” بين كبارها وصغارها ، وكان، بتقديره، من صغارها. ونفخ هذا الاستبداد “روح التمرد” في صدره[27]، الذي غذّى مشاعره اللاحقة إثر معايشته لبيئة علمية جديدة في لندن، قوامها تواضع لم يألفه من قبل، وكان يحسبه من قبيل الشائعات[28].

نزعت روح زكي نجيب المتمردة على العلاقة الاستبدادية العجيبة الســـــائدة في لجنة علمية مصرية ـ على حد قوله ـ للتطلع نحو “منزلة مرموقة في دنيا الفكر والأدب”، وعلى تقديره، فإن أستاذية الجامعة، هي السبيل إلى مثل ذلك المركز المرموق[29]. الحرية ـ من جهة طبيعتها ـ مطلب الروح المتمردة، ولدى زكي ـ هنا ـ مركز الأستاذية المرموق يحقق الحرية، التي تتقوم بالمساواة التي اغتالها الكبار في لجنة علمية مصرية، اغتيالا هو صورة اغتيال أكبر يجري في الحياة المصرية المحكومة بتراث عربي قديم حاضر فاعل، التي رأى ـ زكي ـ فيها “كثيرا من الظلم والقهر والاستبداد والتسلط والتنافر والكراهية، مما أدى في نهاية الأمر إلى فقدان الفرد لكرامته وحريته واستقلاله”[30]، وازدادت شدة قتامة هذه الصورة لديه، بما لاحظه من “الرعاية لكرامة الإنسان فردا فردا” في بريطانيا[31]. وكان بحثه في “الجبر الذاتي” تعبيرا عن شوقه للكرامة الفردية، صنو الحرية. كانت أطروحته للدكتوراة تعبيرا عن مطلب الحرية، لم تكن تحققا للمطلب ذاته، كانت تسويغا له، وإلحاحا عليه، وإجلاء لغوامضه. أما هذا التحقق، فقد كان الانقلاب الفكري تحت التأثير المباشر لتعيين رئيس جديد، لقسم الفلسفة، الذي بدأ فيه زكي نجيب الشروع في تجسيد تطلعه إلى أستاذية الجامعة، فكان قسم الفلسفة هذا، بالكلية الجامعة بجامعة لندن، “أرض المشرق”، التي أشرقت منه شمس الحرية التي نزع إلى طلبها، أستاذا مرموقا، وداعية إلى ثقافة الغرب، طلبا للحرية على الطريقة التي لاحظ الناس في بريطانيا يحيونها. في أرض مشرق حريته، كانت شمس الغرب، هي شمس زكي نجيب محمود.

نشدت حرية زكي نجيب رفض التراث العربي القديم المعيوش في الواقع العربي الراهن[32]. والرفض فعل هادم، يخلي لبناء جديد. والحرية التي تنشد رفض تراث قديم، تستدعي تراثا بديلا، وفقا لآلية التوازن الجمعي والفردي الذي عانى زكي نجيب من اختلاله تحت ضغط مركب الماضي / الحاضر المتنازع في كينونته. هذا المركب هو المجال الحيوي لفاعلية آلية التوازن الذاتي ـ فرديا وجمعيا ـ واختلال توازن زكي نجيب ناشىء عن رفضه للماضي المُعطى لتراثه العربي الإسلامي، الرفض الموازي زمانيا للواقعة المعنية. استدعى رفضه موحيات الواقعة المعنية، وهي عنصر ينتمي للماضي قياسا للحظة التي سجل فيها قفزته الاغترابية بالتحول، الحسي، العجول، للوضعية المنطقية. لحظة دخوله، باعتباره أستاذا جامعيا مرموق المركز، الحالة الاغترابية، جرَّت عنصرَ الماضي ـ القريب ـ ليوازي عنصر الحاضر في المركب الذي يخلق مجال فاعلية آلية التوازن الذاتي. لكن الماضي مفتوح على الماضي، الماضي القريب، تراث زكي نجيب الجديد، مفتوح على الماضي العميق، تراث زكي نجيب القديم، العربي، الذي تهيمن عليه مركزية الرئيس بمفهوم: “الناس على دين ملوكهم”. آير هو “الملك”، التراثي المستحدث، استدعته تراثية عميقة لذات نازعة للتحرر من هيمنتها ـ هيمنة التراثية العميقة ـ لكن، نزوع الواهم، فالزمان العميق في ماضويته، لا ينعدم عدمية مطلقة، العدمية المطلقة وَهْم، الماضي يجدد صورة فاعليته في الحاضر، بفاعلية الحاضر، وفقا لضرورة التوازي الحيوي الجمعي.

خلال معاناة زكي نجيب حالة النزاع التراثي، كان هواه يميل ناحية الثقافة الغربية. وكان هواه معوزا إلى عامل تكويني له خاصة تراثه القديم. وبفعل آلية الهوى ذي الطبيعة العائمة على ظهر موج الحركة، فقد طابقت خاصة العامل التكويني اللازم لاستعادة التوازن النفسي والجمعي، طابقت خاصة التحرك العائم على ظهر الموج، فاندفع، مفعولا للهوى، لا بقرار عقلي، إلى حشو فراغه التراثي العربي، بتراثه الجامعي الحديث، المبتدىء بزمان التحاقه بالكلية الجامعة بجامعة لندن، والمنتهي عند اللحظة التي جرّه فيها آير للوضعية المنطقية، وهي اللحظة التي كان لا بدّ لها أن تتجذر  بتراث من طبيعتها، هذا الذي، بدوره، كان لا بد له أن يتبلور في واقعة، كانت هي، اللحظة ذاتها التي قفز فيها زكي نجيب وراء رئيس ـ في الحاضر ـ لتراثه الجديد، الموهوم بطبيعة الحال، لأن التراث لا يتجدد لذات فردية أو جمعية، إلا من ذاته وبذاته. فالتراث الغربي لزكي نجيب، حالة مفتعلة، ورغبة هوى، لا تقتلع تراثه العميق، ولا تتصالح معه، هذا، على الرغم من أن حصولها وقع بمنهجية تراثه العميق، بمنهجيته العاجز عن الانفكاك عنها، والتي يمثل الهوى، أو الحركة العائمة على ظهر موج الشواطىء، أهم أدواتها.

اتبع زكي نجيب مذهب آير الذي تقلد منصب رئاسة قسم الفلسفة الذي ابتدأ زكي حياته الجامعية الغربية فيه، الذي كان قد تركه قبل رئاسة آير له؛ ولكنه لم يتبع مذهب كيلنج الذي كان رئيس القسم حينما كان أحد طلابه. لم يستحوذ كيلنج على إعجاب زكي نجيب رغم أنه كان يحسب أن كل أستاذ بريطاني سيملأه إعجابا، كان كيلنج هو أول أســــتاذ بريطاني لاقاه أول مجيئه إلى لندن[33]. لم يتمدد كيلنج في ماضي ـ تاريخي واقعي ـ زكي نجيب، فلم يدخل تراثه، ولم يتأهل لمزاحمة ـ فعلية ـ لتراثه القديم؛ أي: لم يملك كيلنج آلية إعادة التوازن لزكي نجيب، الذي اختل ـ توازنه ـ بالتمرد الذي خاضته روحه ضد تراثه القديم، الذي نزع إلى الاغتراب في الحضارة الأوربية. كان كيلنج من مشايعي ديكارت، فلم يكن يمثل النموذج الغربي المعاصر، البالغ ذروته الحضارية في الوضعية المنطقية، النموذج الجاذب لروح نازعة للاغتراب عن ذاتيتها، ديكارت نموذج قديم، يلتقي، بتقادمه، مع النموذج التراثي العربي الذي نزع زكي نجيب إلى رفضه، بما فيه من عامل ألوهي، يوجد أيضا في فلسفة ديكارت، هذه الأخيرة، التي تستدعي نموذج الغزالي، الشّاك، الذي شكّ ديكارتُ مثلَه. ثم إن فلسفة ديكارت فلسفة ثنائية، تقول بثنائية الروح والمادة، وتتوافق مع التراث العربي الإسلامي الثنائي، الذي نزع زكي نجيب إلى رفضه، ومن ثم، نزع إلى رفض كيلنج، الذي لم يهبه فرصة الخروج ـ كما يتوهم[34] ـ من تراثه القديم، بينما وهبه آير هذه الفرصة، التي ما أن سنحت له، حتى قفز خارجا ـ كما توهم ـ من تراثه القديم، إلى تراث جديد.

رحل زكي نجيب إلى الغرب وهو منقسم على نفسه. كان بعضه يندفع مع وجدانه ولا يبالي، وبعض ثان يمسك في يده ميزان العقل ويتخذ من فيلسوف اليونان القديم سقراط مثله الأعلى، وبعض ثالث أسلم ذاته لله تعالى وللمجتمع فيما نزل من شريعة يجب أن تراعى، ومن تقاليد وقوانين يجب لها أن تطاع عن قبول ورضا[35]. لم يرحل من أبعاضه الثلاثة إلى لندن إلا بعضه الثاني[36]: “النفس اللوامة.. نقيض الفطرة في بكارتها” ومعارضها ولاجمها[37]. حلت الوضعية المنطقية في الطبقة الفاصلة بين الوجدان المندفع، أو الفردية المنغلقة؛ والشرائع والتقاليد والقوانين، أي: الجمعية. كرست طبقة الفصل ـ العقلية ـ حالة الانشطار لدى زكي نجيب، لطبيعتها الاغترابية، الممتدة من سقراط إلى آير، ولطبيعتها الفكرية المنغلقة في “دنيا” التجريب، بالرد إلى طبيعة فكرية “أخروية” و”غيبية”، ظلت تهيمن على جماعه الذاتي، ويعجز عن التحرر منها، فاضطر إلى مصالحتها،  واستسلم لها، استسلاما مجزوءا، أبقى عليه مشطورا إلى نهاية مشروعه الفكري النهضوي.

تجلت ثنائية زكي نجيب في مشروعه الفكري النهضوي الذي كرَّس ما بعد الستين للدعوة إليه، بعدما خرج من جامعة القاهرة التي كانت مجال دعوته ـ العلمية العقلية ـ للوضعية المنطقية. وعانى في محاضرته الأخيرة على طلابه من اختلاط الأمر عليه بين ظاهر وباطن، كان “ينظر إلى ما يدور حوله مرة، ويغوص إلى باطن نفسه مرة”[38]. عاش في الجامعة الأستاذية ـ المركز المرموق ـ التي تطلع إليها، وحقق حريته فيها على طريقته الخاصة، واحتمى، داخل القاعات المعزولة عن واقع حال المجتمع، وداخل عقله المرهون لحضارة غربية، احتمى من المواجهة الصريحة التي حان، بالخروج من الجامعة، وقت خوض غمارها. استدعت المحاضرة الأخيرة معركة مواجهة عقل مغترب مع واقع قارٍ في غور صاحبه، هو من واقع المجتمع الممتد خلف أسوار قاعات الدرس الجامعية، الممتد تحت أساسات الجدران التي يتوهم الواهمون أنها تفصل العقل الناشط في دوائر العلم المغلقة عن الوجدان الناشط في دوائر  الذوات، بفرديتها وجمعيتها، ومنها ذات دعت للاغتراب، ثم دعاها واقع الحال لمحاكمة اغترابها بوقائع الأحوال التراثية والراهنة. والصورة التي رسمها زكي نجيب لحالته في محاضرته الأخيرة، صورة تولد من عتمة الشرخ الذي يفصل بين العقلي والوجداني، انفصال ثقافة الغرب وتراثهم عن ثقافة العرب وتراثهم، وهي صورة الاختلاط المتنافر بين الحاضر ـ الذي حبسه زكي نجيب في دعوة مغتربه ـ والماضي ـ الذي ظن أنه يقدر على كبحه بحد الحاضر الأجنبي عنه ـ لكن الماضي اختلط بالحاضر، اختلاط الباطن والظاهر في معركة استدعتها لحظة ما قبل المواجهة الصريحة، بين ما تقوقع عليه العقل، وما تقادم عليه الزمن، وغامت الرؤية على عقلية الوضعية المنطقية لدى زكي نجيب، لا تحت ضغط اللحظة فحسب، ولكن تحت ضغوط تاريخ مديد، كانت اللحظة في ذاتها، إحدى تجلياته الكاشفة عن أعماقه، أعماق التاريخ العربي، وأعماق زكي نجيب المقسوم على ذاته، ما بين ماض لم يبرأ منه، وحاضر لم يخلص له، ولانقسامه على ذاته، لا يقدر على أن يبرأ من ماضيه، ولا أن يخلص لحاضره.

رجع زكي نجيب، في المرحلة الأخيرة من مشروعه الفكري، عن صريح دعوته إلى تقليد الغرب في طرائق التفكير وطرائق الحياة أيضا، وتبنى الدعوة إلى نموذج مختلط، ليس موحدا، لاحت صورته في اختلاط الظاهر بالباطن، وفي اختلاط العقل المثلوج ـ بوضعيته المنطقية الغربية ـ بالعاطفة الساخنة، العربية، وذلك كله مقابل حالة تسليم بما “يتعالى” في السماء عن الأرض، وبما يتمايز به الفن عن الطبيعة؛ كما دعا، بصراحة تامة، في كتاب “تجديد الفكر العربي”، الذي محور رؤيته للمشروع الثقافي العربي النهضوي المطلوب على محور الثنائية، غير واع أنه يعيد صوغ المشكلة وتعميق جذورها بالعقل المأمول منه أن يبدع نظرية تواجهها، وتتجاوزها.

مشروع زكي نجيب الفكري، كله، تكثيف لمشكلة الأمة الأم؛ مشكلة الثنائية الشاطرة لذات الأمة الفردية والجمعية، التي تفشى خطرها في مجالات الفكر والاعتقاد والفن والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وأنتجت حالة المفعولية والتبعية الحضارية لثقافة غازية توسعية عدوانية بطبيعتها الدنيوية المباينة للثقافة العربية التراثية الأخروية الغيبية.

ولد تحوله الجديد، من ذاتيته الثنائية، التي عانت، بعد الخروج من جامعة القاهرة، حالة قلق متوتر، تخلص منها بـ “المصادفة اللافتة للأنظار”، التي التقى فيها رأسا سنة هجرية وسنة ميلادية في يوم واحد[39]. استعاد بهذه المصادفة، حالة التوازن التي افتقدها منذ محاضرته الأخيرة بجامعة القاهرة، التي عمقتها فرصة جديدة للعمل في جامعة الكويت[40]، عاود بها الأستاذية الجامعية، لم تكرر الأستاذية التي مارسها في جامعة القاهرة، تكرارا تاما، ولكنها عكست صورة التقاء بداية سنة من التاريخ الهجري ـ العربي الإسلامي ـ مع بداية سنة من التاريخ الميلادي ـ الغربي ـ وهي صورة لحظة يلتقي فيها زكي نجيب العربي الإسلامي مع زكي نجيب المنطقي الوضعي الغربي، لقاء لا يوحد الأبعاض؛ فالتاريخ العربي الإسلامي لا يقبل اللقاء، لقاء الأبعاض، مع التاريخ الغربي المبلور في الحاضر الغربي الذي غزا الواقع العربي المعاصر، وعمّق وضعية المفعولية المنعكسة على مرآة الذات العردية والجمعية العربية، التي لا تنجو منها ذات مفكر، ولا ذات أميّ جهول.

أبقى مشروع زكي نجيب على وضعية الدوائر المنفصلة في الحاضر العربي، بحكم منهجيته المنطقية الوضعية الغربية (العربية)، فأعطى أحقية الوجود المطلقة لعناصر الحاضر، التراثية والاغترابية، فلم يقيد أحقيتها بواقعيتها، ولكنه قيّد الوقائع برؤية ظن أنها الحق وحده، بيد أن الحق يسع كل واقعة، ولا تسعه كل واقعة.  الحق المغلول بقيود الوقائع حالة في وضعية انفصالية لا تبدع تجلياتها الفاعلة إلى أقصى مدى الفاعلية.

حسن حنفي:

الضيق يحاصر الواسع

أبدى حسن حنفي وعيا واضحا بازدواجية الشخصية العربية، التي يعكسها نموذج الشخصية المصرية. وتتمثل هذه الازدواجية في مظاهر متعددة، منها انفصال الفكر عن الواقع؛ فالفكر العربي ينسج ـ بالكلام ـ عالما من التمني والرجاء، ويسقط من حسابه عالم الواقع والفعل. وتأدى عن هذه العزلة الفكرية عن الواقع انقسام الحياة الفردية بعدم الصدق، أو انقسامها بين العزلة والنفاق؛ “نحن نقول ما لا نعتقد، ونعتقد ما لا نقول”. وتنقسم الشخصية العربية بين التفكير والتعبير، فهي تفكر ولا تعبر عن كل ما تفكر فيه، وتعبر عن أشياء لا تفكر فيها. ولا يتوحد القول والعمل لدى الشخصية العربية، فالخطاب ذو وجود مستقل ومنفصل عن مضمونه وتحقيقه. ومن ثنائية “القول والعمل” تنتج “ثنائية “النية والسلوك”، يعني: عندما لا يصدر السلوك تلقائيا عن نيّة، بل بتوسط من الفكر، بدافع من الحيطة والحذر، فإن تطابق القصد مع السلوك، أو النية مع العمل، يصبح “مستحيلا”. ثم هناك الانفصام بين الداخل والخارج… إلخ[41].

ردّ حسن حنفي ازدواجية الشخصية المصرية ـ العربية ـ إلى التفكير الديني التقليدي الذي تسوده ثنائيات: الله والعالم، الدنيا ولآخرة، الثواب والعقاب، الخير والشر، الملاك والشيطان، الحلال والحرام، وغير ذلك[42].

ويقترح توحيد الديني والدنيوي، ويعتبر مثل هذه الخطوة الجريئة، علاجا لمشكلة الثنائية الفكرية، من ناحية المصدر، أو من ناحية الغاية والهدف. ويردد ما كان هيجل قد قاله، من أن “كل مقدس دنيوي، وكل دنيوي مقدس، ليس للمقدس ميدان خاص منعزل عن باقي الحياة اليومية”. وتقديرا لهذا الموقف، فإن هيجل، يرى حنفي، تقدمي، وهو كذلك، لأنه أيضا، يقول حنفي، وحّد، وعلى مستوى الواقع، بين الفكر والوجود، فـ “قضى على الثنائية التقليدية في المسيحية بين الروحي والزمني”[43]. وبالتعلم من هيجل، “فإن بإمكاننا القضاء على المصدر الثنائي للمعرفة، ورؤية الوحي في الواقع، بمعنى الوصول إلى حقائق الوحي عن طريق العقل، والعقل هو الواقع، وهو التاريخ أيضا”[44]. وبالقياس إلى هيجل، ينفي حسن حنفي تهمة الكفر عن الصوفية المسلمين، لقولهم بوحدة الوجود، وإن تاريخ النبوة يطابق تاريخ التطور البشري، وأن الله متحد بالكون ولا يوجد خارجه[45].

يمثل وعي حسن حنفي بالمشكلة الأشد خطورة ، مشكلة الثنائية، خطوة هامة لتقدم الفكر العربي المعاصر نحو تحقيق المشروع النهضوي العربي الجديد. وتتأصل أهمية هذه الخطوة بتوجهها صوب رؤية واحدية. ولكن ما مدى أصالة هذه الخطوة عند حسن حنفي؟

النهوض فعل ينفي التمني. فهل جاء مشروع حسن حنفي النهضوي بريئا من آفة نفي التمني للفعل النهضوي؟ هل جاءت خطوته صوب رؤية واحدية نهضوية أصيلة بالقدر الكافي لمعالجة وتجاوز مشكلة الواقع العربي الراهن؟

يرمي حسن حنفي من مشروعه إلى “إعادة بناء للتراث من داخله”[46]، تتأدى ـ الإعادة ـ إلى “اكتشاف الأنا وتأصيلها وتحريرها من سيطرة الثقافات الغازية، مناهجها، وتصوراتها ومذاهبها، ونظمها الفكرية”[47]. نشأ التراث العربي من مركز عيّنه حسن حنفي بالقرآن الكريم والسنة النبوية، لكنه لا يصف القرآن والسنة والتراث بالقدسية[48]. التراث قضية ليست دينية رغم انطباعه بالصبغة الدينية[49]. التراث حضارة، والحديث عنه “ليس حديثا عن الدين”[50]. ويرى الإسلام معطى تاريخيا، “وليس باعتباره دينا”، هو لا ينكر الوحي، لكنه يرى الإسلام “واقعة حضارية حدثت في التاريخ” يهتم بما نشأ منها كحضارة، دون اهتمام بالمصدر الذي أتى منه الإسلام، “تهمنا حضارته بعد حدوثه بالفعل، تجديد التراث لا يبحث عن النشأة، بل عن التطور”[51].

أغفل حسن حنفي فاعلية الأصل ـ القرآن والسنة ـ الإلهي في التاريخ، مع الإقرار بأن التاريخ الإسلامي معطى له، وهو ينزلق من هذا الإغفال إلى المشاركة في تعميق انشطار الذات العربية (الإسلامية) ما بين الديني والدنيوي. أخرج الوحي من دائرة بحثه، بينما الوحي حاضر فاعل في وعي العربي المعاصر، وتجاهل الحضور الفاعل للوحي في وعي العربي المعاصر، ينفي ـ نظريا ـ نصف الوجود العربي التاريخي الراهن، ولكنه لا ينفي واقعية هذا النصف، أو أكبر من النصف، ومن ثم، ينزلق مشروع حسن حنفي إلى ثنائية النظري والواقعي وغير ذلك من ثنائيات شاطرة للذات العربية المعاصرة، كان قد حذّر منها، ولمس عللها، التي يعاود ترسيخها بالفصل بين الوحي والحضارة الناشئة عنه. حاكى حسن حنفي موقف سبينوزا تجاه الوحي الذي درسه أفقيا “ابتداء من إعلانه على لسان النبي للآخرين.. دون أن يبحث صلة النبي بالله أو بالطبيعة”[52]. وتابع مفهوم هيجل عن الدين، الذي قال فيه: “الدين ليس كتابا أو وحيا أو عقيدة أو إيمانا بل هو تاريخ أو حضارة”[53].انعاكسات الرؤى الأجنبية في موقف حسن حنفي تجاه مركزية الذاتية العربية يؤيد نفي التمني للفعل، الذي رضخ له العقل العربي المعاصر. تمنى حسن حنفي تحرير “الأنا” من سيطرة الثقافات الغازية، ولكنه لم يفعل هذا في الواقع، وحمل شاطورا ثقافيا أجنبيا ليقسم “أنا” الذات العربية إلى أصل وإلى تحققات تاريخية، كما لو شطر دارس ظاهرة ما إلى سبب ومسبب عنه، وهو شطر يلغي واحدية كينونة الظاهرة. وفي الحقيقة، فإن فصل السبب عن المسبب إغفال عقلي للظاهرة كلها. والمنهج الذي يدرس تحققات الدين في التاريخ، مفصولة عن مركز النشأة، هو معطى تاريخي لحضارة دنيوية تضيق عن سعة الحضارة العربية الإسلامية الدينية التي تحتل الدنيا بعض مساحتها. وتطبيق منهج دنيوي على حضارة دينية، تقييد للأخيرة وتعامل معها من خارج ذاتيتها، ومن ثم، نفي لها، بينما هي، لواقعيتها، لا تقبل النفي. والعقل اذذي يحاول نفي ما هو واقع، ينفي ذاته، أو يقيدها في دائرة التمني المنغلقة المنفصلة عن دائرة الفعل المنفتح المتساوق مع الواقع. مشروع حسن حنفي لن يساعدنا ـ وفقا لوعده ـ على مواجهة التحديات الحضارية والغزوات الثقافية التي نحن ضحية لها في هذا القرن، ولن ينقلنا ـ وفقا لوعده أيضا ـ من وضع التحصيل والنقل إل ةوضع النقد والخلق والابتكار[54]. ينقلنا مشروعه من مركزنا الحضاري (الوحي) إلى مركز حضاري أجنبي دنيوي، ليعمق اغتراب الذات العربية، وانقسامها على ذاتها.

يقصد مشروع حسن حنفي إلى تجريد التراث العربي من دينيته، أو من مداه المطلق الواسع وجوديا، وحصره في التاريخية الإنسانية المنفكة عن أصــولها الأبعد غورا، قال:
“التراث والتجديد ـ يعني مشروعه ـ في النهاية، إن هو إلا تحويل للوحي من علوم حضارية إلى أيديولوجية، أو ببساطة تحويل للوحي إلى أيديولوجية”[55]. هذا التحويل يلغي الوحي الإلهي، أي: يلغي واسعية التراث العربي الديني التي تستوعب التواريخ، ليحصر الحاضر العربي في ذاته التاريخية، بإعادة صياغته وفق أيديولوجية لا ترمي إلى ما هو أبعد من لحظة زمانية تبدعها الفاعلية الإنسانية المنفكة عن أصلها التاريخي، ومن ثم، إغلاق اللحظة الراهنة على ذاتيتها في رؤية واهمة تجتث الحاضر من الماضي، ليتعلق الحاضر في فراغ، ثم ليهوي، تحت أثر ضغوط ثقله، إلى أيديولوجية الطبقة العاملة التي يكتب لها حسن حنفي مشروع التراث والتجديد بغاية أساسية هي تحويل الوحي الإلهي الواسع للتواريخ، أي: للأمم والأطوار ـ إلى أيديولوجية لطليعة الطبقة المتوسطة التي تنتسب نفسيا ونضاليا إلى “الطبقة العاملة”، التي “بإمكانها أن تقوم بعملها النظري في “التراث والتجديد” وأن تناضل بالفعل، وأن تجند الجماهير، وأن تمارس السياسة يوميا من أجل تحقيق أيديولوجيتها” لتواجه بها يمين البرجوازية، الجناح الخائن من الطبقة المتوسطة، الذي لا يقل خيانة عن الجناح العميل المباشر، وهو يمين البرجوازية الخائن ـ وريث الإقطاع القديم، الذي يقود العصر[56]. بعد هذا الذي قاله حسن حنفي، لا شك أنه يصدر عن رؤية ماركسية. والأيديولوجية التي تحل في مشروعه محل الوحي، هي الأيديولوجية الماركسية التي وصفتها موسوعة فلسفية ماركسية أنها “علمية حقا” قبالة أخرى زائفة تغذيها مصالح الطبقات الرجعية؛ وهي ـ الأيديولوجية الماركسية ـ تعكس في النهاية العلاقات الاقتصادية[57]. الوحي يصير لديه علاقات اقتصادية، وصراع طبقي على محورها، فيفرغ من معناه الوجودي المطلق، المعنى الإلهي الذي يفرد الذاتية العربية الإسلامية بالتميز الفارق تاريخيا ووجوديا، وهو تفرد يبعث دورا تاريخيا جديدا للفاعلية الإنسانية الفاتحة، يتشوق له الراهن الإنساني، ويلح حاله المتدهور ـ قيميا ـ على طلبه.

نفى حنفي ماركسية مشروعه، وزعم استقلاله الفكري، وسوغ رؤيته الطبقية بقوله إن “فكر الطبقة وثقافتها أمر واقع بيننا، نلمسه، وسلطة الطبقة في مجتمعنا أمر نعاني منه كل يوم، ومصلحة الطبقة هي الموجه لسلوك السلطة…(وأن) هذه وقائع بديهية من واقعنا المعاصر لا تحتاج إلى نقل حضاري”[58]. النفي المزعوم لا يبطل واقعا. ونفي حنفي لماركســـية مشــــروعه وبطلان نفيه يتبت مجددا ثنائيات الشخصية ـ المصرية العربية ـ المرضية التي سبق ذكرها منسوبة إليه، وينفي ـ كذلك ـ أصالة مشروعه الثقافي النهضوي بما يكشف عنه تردده إزاء الإعلان الصريح عما يعتقد أنه الطريق القويم إلى تسوية ناجعة لمشكلات الراهن العربي. والإعلان الصريح إدانه، ولكن لبس “طاقية التخفي” خطيئة تسوغ إدانة أشد. في مجتمع لا يشغل الصراع الطبقي أول اهتماماته، ولا يمثل حل مشكلته حلا لمشكلته النهضوية، فإن إبراز قضية الطبقية موقف غير مفهوم إلا على ضوء ما تمليه النظرية الماركسية. ويؤيد هذه التفسير، ربط قضية الصراع الطبقي لدى حنفي بالغاية من مشروعه، التي يتحقق عنها “المجتمع الواحد الذي لا طبقات فيه، ولا استغلال ولا احتكار”. وهذه غاية ماركسية وغير ماركسية، إلا أن ربطها، منذ البدء، بالصراع الطبقي يسوغ رأيا يعتقد أنها ماركسية المصدر، وهو ما يسوغ أيضا القول إن مشروعه كشف حيازته لذهنية قبلية حكم بها على اللغة التقليدية ـ التراثية الذهنية ـ بالقصور عن تأدية وظيفتها في التعبير عن مراد مشروعه، أو عن إيصال مراده للآخرين، للفرق الزمني الشائع ـ كما يزعم ـ بين اللغة التقليدية وبين الباحث الحديث والقارىء المعاصر، ولما يسود اللغة التقليدية من “عيوب معيقة”؛ فهي ـ يواصل ـ لغة إلاهية تدور الألفاظ فيها حول الله، ولفظ الله، بزعمه، يحتوي على تناقض داخلي في استعماله، ويعبر عن اقتضاء أو مطلب، لا عن معنى معين؛ هو صرخة وجودية أكثر منه معنى يمكن التعبير عنه بلفظ من اللغة أو بتصور من العقل؛ هو ـ ما زال الكلام له ـ صرخة المضطهدين في معظم الحالات، والله هو العلم في مجتمع يخرج من الخرافة، وهو التقدم في مجتمع يخرج من التخلف؛ فإذا كان الله أعز ما لدينا وأغلى ما لدينا، فهو ـ لدى حنفي ـ الأرض والتحرر والتنمية والعدل؛ وإذا كان الله هو ما يقيم أودنا وأساس وجودنا، ويحفظنا، فهو ـ لديه ـ الخبز والرزق والقوت والإرادة والحرية؛ وإذا كان الله هو ما نلجأ إليه حين الضرر، وما نستعيذ به من الشر، فهو ـ عنده ـ القوة والعتاد والعدة والاستعداد. لأن لغة التراث الدينية، أوسع، بمفاهيمها، من مفاهيم الصراع الطبقي، أضحت في ميزان حنفي قديمة وتسودها ألفاظ تشير إلى موضوعات دينية خالصة مثل : دين، رسول، معجزة، نبوة؛ فصارت عاجزة عن إيصال مضمونها للعصر الحاضر، عصر مجتمع يقيمه “المؤمنون، الذين هم، بعبارات حنفي الواضحة: “الحزب الطليعي، أو بمعنى معاصر الحزب البروليتاري الذي يقوم بتحقيق الأيديولوجية في التاريخ”[59]. وسبق أن أيديولوجيته تلغي الوحي السماوي للدين، هذه اللفظة التي صيرها حسن حنفي لفظا “منعرجا”، لا يوصل إلا معنى واحـدا، هو المعنى الغالب، أي: إنه ـ يقول ـ لا يوصل إلا لأحد الجوانب في صورته المتطرفة، هو الجانب الإلهي أو الخارق للعادة، أو الأخرويات، أو ما وراء الطبيعة؛ “ولمّا كان لفظ دين قاصرا عن أداء المعنى، فإن لفظ أيديولوجية أقدر منه على التعبير عن الدين المعنيّ وهو الإسلام، وإيصال معناه”؛ إن ” لفظ التحرر هو اللفظ الجديد الذي يعبر عن مضمون الإسلام أكثر من اللفظ القديم [الدين]… ولفظ السلام أيضا يعبر أكثر عن مضمون الإسلام من اللفظ ذاته، لأن الإسلام هو الذي يحقق السلام الداخلي للإنسان بعد تحرره من كل قيود القهر والاستعباد”. وللتحرر مستويات متعددة، استثنى منها حنفي المستوى الديني الإلهي، لتحوله عن معناه، بتحويل الوحي إلى أيديولوجية أناط مهمة تحقيقها التاريخي للحزب البروليتاري، ولا يستثني “تحرر” حنفي[60] المعنى الطبقي الذي يصدر في مشروعه الفكري النهضوي عنه[61].

التحرر والسلام مضامين دينية لا تتجرد من علاقاتها بالمعاني الدينية الإلهية الأخروية، وتكتسب منها، برابطة حميمة وعضوية قيمة أعلى من تلك القيمة التي تكتسبها من علاقاتها بالطبقية التي تدور الماركسية على محورها. بالوحي، تتسع أو تتعمق مساحات التحرر والسلام على قدر سعة أو عمق المعنى الوجودي للإنسان، وبالصراع الطبقي تضيق مساحات التنفس أمام الحركة الإنسانية الفاعلة على قدر المساحة التي ينحسر إليها هذا الصراع المحدود في زمانيته، وبظروفه الوقتية. المفهوم الواعي العميق للوحي، يستوعب مفاهيم القيم الإنسانية ولا تقتضي هذه القيم إلغاء الوحي؛ الوحي مفهوم طليق (متحرر) من مفاهيم الإنسانية المنغلقة في الأزمنة والأمكنة، وطلاقته تعني مدافعة جمود المفاهيم الإنسانية عند الحدود المغلقة للأزمنة والأمكنة؛ طلاقة الوحي هي حيازة مستمرة لإمكانات كثيرة تتيح للحركة الإنسانية مجالا واسعا للتقدم، لا يتحدد بالواقع الدنيوي، مع أنه ينطلق منه وبه، لكن، ليتجاوزه إلى واقع أعلى (أوسع)، متصل به، ومتطور عنه. ألغى مشروع حسن حنفي ـ أو لم يكتشف ـ واسعية المفاهيم الدينية، ففصلها عن الواقع، وحبسها، مثلما حبس الواقع في دوائر مغلقة سلبتهما معا إمكانات التفتح، كل على الآخر، وإمكانات تفتح الإنسانية على تجددات تندفع للأمام دوما. فصل حنفي العقيدة عن تحققاتها، وزعم أن “ليس للعقائد صدق داخلي في ذاته، بل صدقها هو مدى أثرها في الحياة العملية وتغييرها للواقع”[62]، ففسخ العلاقة بين المعنى ـ العقيدة في ذاتها ـ وبين التطبيق، أو بين العقلي والواقعي؛ فالعقيدة ذات صدق داخلي إذا حازت على صدقها العملي؛ فالصدق معنى وواقع في واحدية تتحقق على المستويين النظري والعملي في وقت واحد. أما فصل المستويين، فهو نتيجة تتأدى إليها الرغبة في تجريد الوقائع من بعدها المطلق (المتحرر)، ما من شأنه التعامل مع الوقائع بتفسيرات لا تتجاوز حدودها الظرفية إلى أبعاد متحررة من ضيق اللحظات والهنات. ألحّ حسن حنفي على تجريد المفاهيم الدينية من قيمها الواقعية ـ الدنيوية ـ وعلى فصلها عن فاعليتها التاريخية وعزلها في دوائر مغلقة، فوصف لفظ الآخرة بالسلبية “لأنه لا يعبر عن شيء محسوس يمكن التحقق منه في الحياة العملية”[63]؛ وزعم أن “كل أسماء الله الحسنى تعني آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها؛ ونفى الحقيقة الذاتية لله، ونسب صفات العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة للإنسان “الكامل”، لا لله المجرد بزعمه من الحقيقة الوجودية؛ ولذلك، ينبغي، في رأيه، الانتقال من الله إلى الإنسان الكامل[64]، وتغيير الألفاظ الدينية التراثية القديمة مثل “الجن والملائكة والشياطين بل الخلق والبعث والقيامة (فهذه) كلها ألفاظ تجاوز الحس والمشاهدة ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع”[65]؛ وكان أحرى به أن يقول إنها لا تحصر الحياة الإنسانية، عقلا وواقعا، في مفهوم وجودي مادي، لا يسع إلا المحسوس، وينفي إمكانات التفتح على “غيب” لم تلجه الفاعلية الإنسانية بعد، ولا دليل على أنها لن تلجه؛ وثمة دليل، أو أكثر، على أن ما لا ندركه بالحواس أو نعيه بالعقل، لم يرسم، منذ بدأت رحلة الإنسان، حدودا نهائية للمعرفة أو الواقع.

الدين ينقل الإنسانية إلى مفهوم ربوبي إلهي، أو يوسع فاعلية الإنسان بالمفهوم الربوبي الإلهي، بتحويل فاعلي للدين، أو للوحي، لا بإلغائه، وبتحويله إلى أيديولوجية لا تنعزل عنه في دائرة دنيوية ضيقة؛ أي لا تحشر واسعيته في ضيقها، ولكن، تؤصل فاعليتها بواسعيته. مشروع حنفي لا يعكس هذه الرؤية، لصدوره عن رؤية دنيوية لا تستجيب لواقعية الذاتية العربية الممتدة دينيا في أعماق التراث، ومن ثم، لا تلبي المطلب النهضوي العربي المعاصر، لنقصان أو عدم كفايتها لـه. ولا يعدو مشــروعه مهمة شــطر الذات العربية المعاصرة، شـطرا جديدا، إلى “دنيا” وحالـة اغتراب عن الذات التاريخية، وإلى ديـن وأخرى، لا يقدر فكر ما على إلغاء حلولها في الواقع العربي المعاصــر؛ إلا أن من الممكن إغلاق بعض مســاحات الذات عليهما، فيكرس ذلك ـ ويفعل هذا مشروع حنفي ـ انشطار الذات العربية القديم، بين الديني والدنيوي، وبين الذاتي والأجنبي، لانتماء أصول مشروع حنفي الفكري إلى بيئة أجنبية أعطت مفاهيم متساوقة معها، لا متساوقة مع البيئة الثقافية العربية.

بان التوجه الماركسي لفكر حسن حنفي قبل إصداره كتاب “التراث والتجديد”. وللطبيعة الأجنبية للماركسية، اقترن توجهه بمحاكاة ومتابعة غير، كشفه مقالان له عرض في الأول منهما فكر داعية ماركسي أوربي، وعرض في الآخر دعوة فكر وعمل للاهوتي ماركسي من أمريكا اللاتينية، وكشف عرضاه عن تشابه دعوته في “التراث والتجديد”، ودعوة صاحبيه، ففند ما زعمه بعد أن مشروعه لا يدل على أثر خارجي من بيئة ثقافية أجنبية.

وصف حسن حنفي في مقال “الأيديولوجية والدين”[66] ماكسيم رودنسون مؤلف كتاب “الإسلام والرأسمالية” بأنه ماركسي التزم ـ في كتابه المذكور ـ بتطبيق روح الماركسية التي “ترتكز أساسا على الالتزام بالواقع وتفسيره بفروض لا تتعدى حدوده”[67]، وقال: “ساعده اعتناقه للماركسية على التحرر من تصور الدين القديم، وفهم الدين كأيديولوجية “بطبيعته”[68]. نقل حنفي عن رودنسون تصنيف الأيديولوجيات إلى ثلاث: وطنية ودينية وإنسانية أو شاملة، واستدرك عليه: “ولكن ينقص هذه الأيديولوجيات الثلاث الأساس الاقتصادي” وبنى على هذا الأساس قبول الاعتراف بالصراع الطبقي، فـ “هو مقياس صدق أيديولوجية عن أخرى”، وأكد الحكم على الأيديولوجية الشاملة بأنها أقرب الثلاث إلى الإقرار بهذا الصراع الطبقي؛ أما الوطنية أو الدينية فتتحول في كثير من الأحيان ـ لدى حنفي ـ إلى رجعية أو فاشية على أيدي الوصوليين وأصحاب الامتيازات باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة أخرى؛ “والأيديولوجية الاشتراكية وحدها، التي تقوم على الصراع بين الطبقات، هي القادرة على الالتزام بقيمها”[69]. تبنى رودنسون التفسير اليساري للدين[70]، ووافق ذلك هوى حنفي فدعا إلى “يسار إسلامي”[71]، زج به في مفهوم طبقي فردد صوت رودنسون: إذا أريد للأيديولوجية الإسلامية أن تقوم بمهمتها، فإن عليها أن “تدخل في الصراع الطبقي، وأن تحرك المسلمين بدافع من هذا الصراع”[72]، وعمّق “التراث والتجديد” هذا الصدى، فهو، يذكر مؤلفه، “تحليل طبقي” للمجتمع، ودفاع عن “الطبقة العاملة”[73]. عرض حنفي دعوة رودنسون إلى “مركسة” الإسلام في كتاب عبّر فيه عن رؤيته لوضعية “الأنا”، مساهمة منه ـ يقول ـ في “حل الأزمة (العربية) المعاصرة، ودرء الأخطار عن الأمة… نقدا للتراث وإصلاحا للذهن”[74]. وهذه عملية شارك فيها رودنسون، بدعوته إلى “مركسة الإسلام”، بحق وهبه له حنفي، مثلما وهبه للاهوتي الماركسي كاميلو توريز.

عرض صاحب “في فكرنا المعاصر” سيرة “القديس الثائر” توريز في فصل طويل ختم به كتابه، وعنونه بـ “الدين والثورة في أمريكا اللاتينية”. ويستدعي هذا الفصلُ الدهشة، فالكتاب ـ في فكرنا المعاصر ـ مفرد لـ “الأنا”، ووفقا لمفهوم “الأنا” المقيد في الكتاب بوظيفة حل الأزمة المعاصرة ودرء الأخطار عن الأمة”؛ ووظيفة نقد “الذات”؛ والأمة والذات والضمير “نا” في “فكرنا المعاصر (عنوان الكتاب)”، توحي كلها بعربية موضوعها؛ بهذا القيد، فـ “الأنا” توحي بعربيتها أيضا، ومطّ هذه “الأنا” لتشمل توريز، كما شملت رودنسون من قبل، أمر يستدعي الدهشة! وكان أحرى بالمؤلف أن يضم فصله عن توريز، وعن رودنسون أيضا، إلى كتابه “في الفكر الغربي المعاصر” حيث تسعهما الدلالة الجغرافية لعنوانه، ويسعهما موضوعه، فهو للحديث عن “الغير”[75]. ولا تلبث الدهشة أن تتبدد، مع تبدد القيد العربي على “الأنا” هذه، ومطِّها على مقاس البلاد النامية[76].فالواضح أن إفراد الفصل الأخير من كتاب عن “الأنا” العربية، لإبراز سيرة لاهوتي ماركسي غير عربي، هو خطوة، عن قصد واعي، لتجريد الذات العربية من هويتها الدينية، بعد تجريد “أناها” من عروبتها الحميمة العلاقة بالدين. جاء فصل توريز ليمثل جسرا إلى كتاب “التراث والتجديد”، بقضيته التي عدّها مؤلفه جزءا من العمل الأيديولوجي للبلاد النامية[77]. ومطّ “الأنا” بعروبتها حميمية العلاقة العضوية بالدين، إلى “أنا” الدول النامية، غير المجتمعة على تاريخ أو دين أو ثقافة أو مكان، يستجيب لمقصد حنفي الذي هو قلع “الأنا العربية” من تراثها الفارق، وزرعها في نظرية أجنبية يحملها لاهوتي ماركسي من أمريكا اللاتينية يقحمه حنفي في فاعلية ثقافية تنقد الذات العربية، وتضم “تحليلات الواقع العربية وحالتنا ـ [لاحظ: حالتنا، والنسبة لا شك أنها تعود، في الظاهر، للعربي] ـ الراهنة”[78]. ومع ذلك، يجيز هذا النص لحنفي ضم أجانب إلى كتاب عن “الأنا” العربية، بحكم الواقع العربي المشروخ المهلهل والمائع، الذي يبيح للغير اقتحامه، بدعوة منا أو بغير دعوة، خاصة وأن الواقع العربي وحالتنا الراهنة هو ـ لا أقول هما، لوحدتهما ـ موضوع الكتاب المنتهَك؛ انتهكه فصل لم يسبق نشره، كما هو شأن فصول الكتاب الأخرى التي سبق نشرها، دون استثناء، في صحف مصرية وعربية، أو سبق إعدادها لغرض النشر الصحفي، إلا الفصل المفرد لـ “الدين والثورة في أمريكا اللاتينية”، الأمر الذي يؤيد دعوى القصدية للتمهيد لمقدم مشروع حسن حنفي: “التراث والتجديد”، الماركسي النية والتوجه، وهو توجه دعمه مقال “الأيديولوجية والدين” عن رودنسون الماركسي الأوربي، هذا الذي يؤكد ضمّه إلى كتاب عن “الأنا”، أن دلالة “الأنا” عند حنفي لا تشير إلى ما هو عربي، ولا تنتمي إلى العالم النامي الذي ينتمي إليه توريز، ولكنها تنتمي إلى رؤية ماركسية، قصدَ حنفي إلى صياغة الواقع العربي الراهن بها، ودعا إليها عبر دعاة أجانب، منسجما بذلك مع الطبيعة الأجنبية للدعوة الماركسية بردها إلى طبيعة الذاتية العربية.

رهن توريز ـ الراهب وعالم الاجتماع ـ التغيير في المجتمعات النامية بتغيير البناء الطبقي للمجتمع[79]. وسعى إلى تفسير الدين المسيحي تفسيرا ثوريا، يعيد بناء عقائده ونظمه ومؤسساته؛ وتوسل، بإعطاء النصوص الدينية مضمونا ثوريا. نشر دعوته الثورية في مجتمع غلب الطابع التقليدي عليه، ودعا إلى ملكوت إلهي “لا يتحقق إلا على الأرض، ولا يتحقق إلا بالثورة”، هذا، وإلا فالدين أمل ورجاء عند المعدمين، و”أفيون شعوب”.. ومن ثم ـ  يضيف توريز أو حنفي ـ فلا خلاف بين الماركسية والمسيحية (؟!)، فكلاهما ثورة، بصرف النظر عن الأساس الفكري لكل منهما(؟!).. “الماركسية والمسيحية شيء واحد”(؟!).. إن تحقيق ثورة يقوم بها المسيحيون، ببرنامج توريز، هي ثورة مواطنين، لا باعتبارهم متدينين بدين خاص[80].

ألغى توريز الفارق الجوهري بين الماركسية والمسيحية، ممهدا لإلغاء الثانية، بخطوة أولى تقيدها بالوطنية، بعد أن قيد “ملكوت الله” بالأرضية، ليصل إلى غاية أبعد:يثور المسيحي باعتباره مواطنا، ولكن قد تنقصه الأساليب التكنيكية للثورة؛ إزاء هذه الفجوة، يستدعي توريز الماركسيين، “فهم تكنيكيون في الاقتصاد والسياسة…”، وليهم نظرية في العمل الثوري، والثورة قدرهم لاتاريخي، والماركسية عقيدة شعبية يمكنها تجنيد الجماهير؛ قال[81]. وجاوز توكيل الماركسيين بالثورة إلى تقييد المسيحي بها، وبصبغتها الماركسية: “ليس أمام المسيحي خيار.. لا يمكنه أن يعارض الثورة.. (إن) الثورة أمر معقد.. والواقع قد يندّ في بعض الأحيان عن أحكام الخير والشر [الدينية]، بل إن المادية الجدلية [الماركسية] قد تكون هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري”[82].

لا توهن “قد” في نص حنفي الأخير من صرامة موقف توريز المتبني دعوة التغيير الاجتماعي بالنظرية الماركسية. صحيح إن “قد” مع الفعل المضارع تفيد التوقع أو التقليل أو التكثير”[83]، بما يعني: من “المتوقع” أن تكون المادية الجدلية هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري؛ أو: “قليلا” ما تكون المادية الجدلية هي الأساس..؛ أو: “كثيرا” ما تكون… لكن “قد” هنا تعمل تحت قيد شرط السياق المستوحى من التوجه العام لدعوة توريز، وتحت قيد عمل “قد” في نص أسبق: “ولكن قد ينقصهم ـ يعني المسيحيين الذين يقومون بالثورة باعتبارهم مواطنين ـ الأساليب التكنيكية لتحقيق ذلك ـ أي: الثورة ـ ..”؛ “قد” في النص الأخير لا عمل لها على الحقيقة، وهو تعطيل لها ينسحب على شقيقتها؛ والمراد منها في كل حالة تزويد صاحب النص، بأداة تنقله إلى غايته، بأسلوب الخطوة خطوة؛ وفيما يخص توريز، فالموقف من المسيحية واضح، وإقحامها في “وحدة” مع الماركسية سلب لفاعلية المسيحية للتغاير الجوهري بينهما، ولاتجاه توريز الواضح نحو ترجيح كفة الماركسية، ولو كانتا قد تساوتا لديه، فما الداعي إلى التحول عما هو غائر الجذور في مجتمعه إلى نظرية أجنبية لا يقبلها مجتمع راسخ في عثيدته الدينية؟ “قد” لها وظيفة الساتر، عند حسن حنفي الذي ننقل نصوصه، وعند توريز الذي نتأمل موقفه عبر صياغة حنفي له، وهي صياغة واعية هادفة: فإذا كان من “المتوقع” أن يندّ الواقع عن أحكام الخير والشر؛ فإن من “المتوقع” أن تكون المادية الجدلية هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري. وأن يندّ الواقع عن أحكام الخير والشر أمر “متوقع”، أو هو أمر واقع، دليل وقوعه أن راهبا يدعو إلى الثورة عليه، بنظرية لا تتعامل مع الواقع برؤية الخير والشر بميزان المسيحية، التي ندّ عنها الواقع، فاقتضى الحال التعامل مع الواقع برؤية تكنيكيين زعم توريز أن “تحليلاتهم للواقع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد النامية مطابقة للواقع ولمتطلبات الجماهير، لذلك كانت الماركسية [عنده] “عقيدة شعبية يمكنها تجنيد الجماهير”[84]. والجزء الأخير من النص الأخير يعادل قول: المسيحية (ليست) عقيدة شعبية (ولا) يمكنها تجنيد الجماهير؛ وإلا ما الذي يدفع “راهبا” لإزاحة عقيدته الدينيه (الراسخة)[؟؟] في أعماقه الفردية والجمعية، واستدعاء الماركسية؟! لم يعد ثمة معنمى للأوجه المختلفة للـ “قد” طالما أن القصد نحو التحول للماركسية واضح ولا تستره السواتر.

لم يكن الحديث عن توريز، غير تمهيد لمشروع صاحب “التراث والتجديد” الذي رفض فيه ـ حنفي ـ التوحيد الديني الإسلامي القديم الحاضر بفاعلية التراث، فدفعه إلى ما وراء حدود الماضي، ليدعو إلى توحيد جديد هو توحيد “لاهوت الأرض، ولاهوت الثورة، ولاهوت التحرر، ولاهوت التنمية، ولاهوت التقدم، كما هو الحال في عديد من الثقافات المعاصرة في البلاد النامية”[85]. هل ثمة شك، بعد، في أن فصلا عن توريز، أحد ذوي الثقافات المعاصرة في البلاد النامية، بطريقة تستجيب لمقاصد حنفي، هل ثمة شك في أن ضمّ فصل عن توريز، غير العربي، في كتاب في الفكر العربي المعاصر، هو إلا إجراء توسل به حنفي إلى تمهيد الأرض العربية الإسلامية لشقها بزراعة الماركسية فيها؟!

ضيّق حسن حنفي الواسع، وعلى سنة توريز، حشرالواسع في الضيق. ورفض العود إلى منبع التراث الذاتي: القرآن الكريم، وزعم أن العود إليه “طريق مسدود محفوف بالمخاطر والصعوبات”، واقترح، بدلا عن ذلك، العود إلى الطبيعة[86]، وقال إن الوحي ذاته كان “عودا إلى الطبيعة”[87]. لم ينكر قيام الوحي كما هو بين أيدينا، لكنه عاب تفسيره على نحو إلهي، أكثر من تفسيره على نحو إنساني[88]؛ أي: عاب توسيع (تعميق) النص، ومن ثم، توسيع (تعميق) الوجود الإنساني، ورجح أهمية تضييقه ـ بالإنساني ـ ليحقق غاية مشروعه الدنيوي الماركسي[89].

لن يستجيب الواقع العربي الراهن، بكثرته، لمشروع فكري لا يستوعب حاضره وتراثه برؤية توحد أبعاضه الوجودية تصدر عن أصل ذاتي لا يتخلف عن تجديد إبداعاته التاريخية، في مناخه، لا في مناخات أجنبية لها أصولها المغايرة. الأصل العربي الذاتي أوسع (أعمق) من المدى الذي يحصر رؤية حسن حنفي التي قصدت إلى خنق إمكاناته النهضوية الفاعلة بنقله من أرضه إلى أراضي الغربة؛ ولا يؤصل هذا النقل مشروع النهوض العربي المعاصر المطلوب.

محمد عابد الجابري

استدعاء لحظة بلا آفاق!

حدد محمد عابد الجابري المشكلة النهضوية العربية الراهنة بالازدواجية التي تطبع كل مراتفق الحياة المادية والفكرية العربية؛ وأخطر ما في هذه المشكلة، في رأيه، ازدواجية موقفنا من هذه الازدواجية: فنحن نقبلها على صعيد الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي، ونبني مخططاتنا التنموية على أساس “تنمية” هذا الواقع المزدوج.. ننفق على القطاعات “العصرية” من أجل تدعيمها وتوسيعها تحت لافتة “التحديث”، كما ننفق على القطاعات “التقليدية” من أجل الإبقاء عليها وإحياء المندثر منها، باسم “الأصالة” والحفاظ على “التقاليد”؛ ونرفض، في الوقت نفسه، هذه الازدواجية على صعيد الحياة الروحية والفكرية: فبينما يدعو فريق إلى تبني قيم الفكر الغربي المعاصر، التي تشكل جزءا لا يتجزأ من نموذج الحضارة الغربية؛ يدعو فريق ثان إلى التمسك بقيمنا التراثية وحدها؛ ثم ينهض فريق ثالث فيلتمس وجها أو وجوها للتوفيق بين الأول والثاني، في محاولة للتخفيف من وقع هذه الازدواجية على الوعي ليس إلا[90].

ركز الجابري مشروعه الفكري النهضوي في “الشرعية التاريخية” ونشد “العودة إلى الأصول” مع الحذر من الانزلاق إلى اغتراب عن العصر الراهن، بالتقوقع في الماضي الذي تنتمي إليه الأصول، وما دعوة “العودة إلى الأصول” التي تبناها إلا “سلاحا” يتقوى به مشروعه، بحيازة عوامل القوة التراثية، أي: باستدعاء عناصر التراث النافعة بمقياس الحاضر ومقياس التراث[91]. وهو لا يشذ ـ على تقديره ـ عما عرف من نهضات، معرفة مفصلة، التي عبّرت، أيديولوجيا، عن بدء انطلاقتها بالدعوة إلى الانتظام في تراث، وبالضبط، للعودة إلى “الأصول”، لا باعتبار “الأصول” أساس نهضة مضت، ويجب بعثها على ما كانت عليه، “بل من أجل الارتكاز عليها في نقد الحاضر، ونقد الماضي القريب، الملتصق به، المنتج له، المسئول عنه، والقفز إلى المستقبل”. لم يتنكر سؤاله النهضوي للماضي كله، ولم يستدعه كله. احتمى بـ”الأصيل”  ووظفه لصالح النهضة، عبر عملية الانطلاق في نقد الحاضر والماضي القريب[92].

النهضة في فكر الجابري مشروع يحتوي الماضي، لا ككل وتفاصيل، بل كـ “أصل”. وساق شهادتين تاريخيتين تدلي بهما تجربتا النهضة العربية الإسلامية القديمة، والنهضة الأوربية الحديثة. انطلقت الدعوة الإسلامية والنهضة العربية الأولى في تراث التوحيد الذي يرجع إلى الأصل الإبراهيمي النقي: دين إبراهيم الأب، جدّ العرب[93]. وجاوزت بهذا الرجوع الموروث العربي، وشيدت تراثا جديدا انطلق، منذ انتصار فتح مكة الحاسم، بالدعوة التوحيدية ـ الحنيفية، ملة إبراهيم ـ إلى “أبعد مداها”. وارتكزت النهضة الأوربية الحديثة على “أصولها”، وانطلقت منها، و”عاد مركز السلطة الفكرية ـ في أوربا ـ إلى تجربة الفرد وعقله”[94]. ما هو الأصل الذي ينبغي على مشروع النهوض العربي المعاصر العودة إليه؟ قبل أن يعطي جوابا عن هذا السؤال، طرح الجابري سؤالا جديدا: لماذا لم تنجح النهضة العربية الحديثة، نهضة القرن الماضي والقرن الحاضر في تحقيق التجاوز النهضوي للماضي؟ أي: لماذا ظل التراث عندنا منذ بداية القرن الماضي إلى اليوم، يوضع بطريقة أو بأخرى، مقابل “تحديات العصر”؟ أو: لماذا بقيت إشكالية الأصالة والمعاصرة تمثل وإلى اليوم، أي: على مدى قرن ونصف، الإشكالية المحورية في الفكر العربي؟ ولماذا لم تعان النهضة العربية الأولى، ولا النهضة الأوربية الحديثة مما نعبر عنه اليوم بـ”إشكالية الأصالة والمعاصرة”، أو بما نسميه التراث وتحديات العصر؟[95]

لاحظ الجابري تباين ظروف النهوض العربي الأول، والأوربي الحديث، عن ظروف نهضة عربية جديدة، فبينما غاب “الآخر المنافس المضايق” في حالة النهوضين الأولين، يحضر “الآخر” في الظرف النهضوي العربي الجديد. غاب “الآخر” في تجربة النهوض العربي الأول بسقوط دولتا الروم والفرس من قبل؛ وغاب “الآخر” في تجربة النهضة الأوربية الحديثة بعدما سقطت النهضة العربية الإسلامية الأولى. غاب “الآخر” وتهديده في حالة التجربتين العربية القديمة والأوربية الحديثة، فأفسح غيابه أمام رجوعهما إلى الأصول، الذي اتخذ شكل الرجوع إلى الماضي لتجاوزه هو والحاضر إلى المستقبل. أما الحالة العربية الجديدة، فـ “الآخر” يهدد ويتحدى وجودها، فيدفعها للاحتماء بالماضي؛ تنتكس إلى الوراء. كان الرجوع إلى الماضي في التجربتين العربية الأولى والأوربية الحديثة آلية نهضة، في التجربة العربية الجديدة، آلية النهضة آلية دفاع أيضا في مواجهة خطر “الآخر”؛ لم يعد الماضي ـ في المشروع النهضوي العربي الجديد ـ ركيزة القفز إلى المستقبل حسب، لكنه غدا، بالدرجة الأولى، مطلوبا لـ”تدعيم الحاضر، ولتأكيد الوجود واثبات الذات”، فقامت ـ هذه الوظيفة المزدوجة لآلية النهضة ـ عائقا نهضويا، نجم منه “مشاكل حضارية وفكرية، وعلى رأسها إشكالية الأصالة والمعاصرة”[96]. حرك “الآخر” عوامل الواقع العربي الحديث الداخلية، بما حمل من عدوانية وغزو استعماري واحتكار وهيمنة.. وبما حمل، أيضا، من قيم الحداثة المادية والمعنوية، كالتقنية والعلم والديمقراطية والحرية.. كان “العدو والنموذج”؛ ازدواجية “الآخر” هذه، أنشأت موقفا نهضويا عربيا مزدوجا قبالة الماضي والمستقبل، فتوترت وقلقت والتبست علاقة الماضي والمستقبل، والتراث والفكر المعاصر، الأنا والآخر.. فلم تقم على الاتصال ولا على الاننفصال، قامت على “التنافر والتدافع”[97].

نتائج العودة للماضي الثنائي لا تبطل صلاحية مبدأ العودة للأصول، فلا نهوض دون هذه العودة، فهي مطلب نهضوي ضروري يقيده شرط حيازته إمكانات الاستجابة للعوامل الظرفية بكيف يتفادى إنتاج مشكلات جديدة، أو مفاقمة مشكلات قديمة. تبنى الجابري دعوة توحيد التراث والفكر المعاصر “على صعيد وعينا”، بإعادة بنية الوعي بالماضي والحاضر والعلاقة بينهما، لتكييف الأصول والمعاصر، في عملية تتطلب “التخطيط في آن واحد لثقافة الماضي وثقافة المستقبلل”، يعني: إعادة كتابة تاريخ ثقافة الماضي، ومن ثم، إعادة تأسيسها في وعينا، وإعادة بنائها كتراث لنا “نحتويه بدل أن يحتوينا”؛ والتخطيط يوفر شروط مواكبة ثقافتنا المستقبلية للفكر المعاصر، وللمشاركة في إغنائه وتوجيهه، بما يحقق المعاصرة التي تُجاوز بنا الماضي إلى المستقبل، بعد علاج مشكلة الأصالة والمعاصرة، الذي يجري مع التحرر من “ماضينا”، ومن التبعية للآخر. والتحرر من التبعية للآخر، أو من الانبهار به، والاستلاب لثقافته ـ الآخر المعني هو الغرب، ويشترط الجابري ـ لا يتم إلا “عبر ـ ومع ـ التحرر من هيمنة التراث”؛ فالتحرر من هيمنة التراث ومن هيمنة الآخر وجهان لعملية واحدة، يجمعهما موقف نقدي واحد منهما على السواء، مع أولوية التحرر من هيمنة التراث، يعيد ـ الموقف النقدي ـ إعادة كتابة تاريخنا الثقافي في كتابة عقلانية مسوغة تاريخيا لـ”تكون هي التربة الصالحة الغنية الخصبة، التي تستطيع حمل مبادىء العلم المعاصر وأسسه”، ليحترز الفعل العربي النهضوي المرجو، بنقل مبادىء وأسس العلم المعاصر، عن نقل نتائجه وثمراته؛ فلا نستورد لنستهلك؛ نستورد “لنغرس ونستنبت”.ونجاح الغرس والإنبات يتوقف على إعداد التربة الصالحة، “والتربة الصالحة لا تستورد”[98].

رفض الجابري هيمنة التراث، وسعى إلى الانطلاق من داخله، وبوسائله وأمكاناته، فـ”لا تجديد ولا تحديث يبدأ من الصفر، بل لا بد فيهما من الانتظام بعمل سابق، (أي:) في تراث”[99]. ومشروعه الثقافي ممتد ـ يقول ـ من مشروع “إعادة التأسيس”، الذي بدأه ابن حزم (384-456هـ) في الأندلس الذي أبرز تناقضات ومحاولات ما انتهى إليه التدوين في المشرق العربي من مذاهب وآراء ونتائج، والذي ضادها بإلحاح وحدَّة وإصرار وثقة، واضعا إصبعه على مظاهر الأزمة ومكانتها؛ ما رآه الجابري مشروعا فكريا فلسفي الأبعاد طمح إلى “إعادة تأسيس البيان، وإعادة ترتيب العلاقات بينه وبين البرهان، مع إقصاء العرفان[100] إقصاء تاما”[101]. تقوم المعرفة البيانية على الإنفصال؛ “فالشيء يكون بيِّنا، ظاهرا مفهوما، إذا تميز عن غيره، لا بل إذا انفصل عن محيطه وأصبح يقدم نفسه كيانا قائما بذاته”[102]. ومع قيامها على الانفصال، تحصر الرؤية البيانية النشاط العقلي “في المقاربة بين الأشياء بعضها مع بعض، لا يتعداها” إلى الاقتران الضروري[103]. اعتمد ابن حزم العقل في الشريعة؛ “وإنما في العقل الفهم عن الله تعالى لأوامره”. وعنده: إذا كان قد نُصّ على الدين كله وجميع أحكامه، فما الحاجة إلى القياس البياني؛ “قياس الفقهاء والنحاة واستدلال المتكلمين” الذي تؤسس الرؤية البيانية منهجه، وتؤطره داخلها، الرؤية المؤسسة ـ بدورها ـ على نظرية الجوهر الفرد التي ينحل فيها كل شيء في العالم إلى أجزاء لا تتجزأ، تقوم العلاقة بينها على التجاور والانفصال؟[104]. رفض ابن حزم الرؤية البيانية للعالم، وتبنى طبيعيات أرسطو ومفاهيمها ونظرياتها البرهانية، ليؤسس البيان على البرهان؛ أراد أن يؤسس البيان عقيدة وشريعة على البرهان”[105]. رأى الجابري في مذهب ابن حزم “نزعة عقلية تتمسك بالنص، وبالنص وحده، فيما ورد فيه نص، وهو قليل ومحصور كما يقول ابن حزم نفسه؛ أما الباقي، وهو غير محصور، فمتروك للعقل”[106].

واصل الفيلسوف ابن رشد مشروع إعادة تأسيس البيان، فاستعاد المحور الرئيسي في مشروع ابن حزم، وفي ميدان العقيدة خاصة، “بالتمسك بظاهر النص أيضا، والتعامل معه تعاملا “برهانيا” كذلك”[107]. بلغ ابن رشد، يقدِّر الجابري، مستوى فكريا فلسفيا ناضجا متمكنا من نفسه، واعيا بنضجه، فطبع بصماته على التأثير الحزمي فيمن جاء بعده؛ الشاطبي ومعاصره ابن خلدون المرتبطين بالحزمية الرشدية، وابن تيمية، الذي عاش قبلهما، الذي وافق آراء ابن رشد الرئيسية في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة”" ومنها اعتقاد ابن رشد “أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات”، أي: إن الله خارج العالم؛ كرر ابن تيمية هذه المقولة الرشدية في تعليقاته على “الكشف..”، ويمكن القول إن “كل ما قرره ابن تيمية في مختلف كتبه من أن العقل والنقل لا يتعارضان، إنما نجد مرجعيته المباشرة عند ابن رشد”[108]، قرر الجابري.

لا يزال مشروع إعادة تأسيس البيان، وفق عرض الجابري له[109]، يعكس الرؤية المعرفية البيانية المؤسسة على علاقات التجاور والانفصال: الله والعالم، العقل والنقل، النص واللانص، العقيدة والفقه، الظاهر والباطن.. وإزاء هذه الثنائيات، يحصر مشروع إعادة تأسيس البيان الذي ينطلق منه مشروع الجابري، يحصر الفعل العقلي في دائرة التسليم بالنقل (النص الديني) من جهة، وفي دائرة اللانص من جهة أخرى، وهما دائرتان منفصلتان لا يوحدهما العقل، في حالته الانفصالية، لفقدانه خاصة جوهرية فيه، خاصة الاجتهاد المفتوح؛ فالعقل، في مشروع إعادة تأسيس البيان، يقبل النقل باعتباره “كيانا قائما بذاته” مصدره الله، والمصدرية الإلهية، لدى الظاهرية التي يمثلها ابن حزم، تسدُّ أبواب الاجتهاد، إلا الباب الذي نتلقى منه الأمر بالقبول بالنص على ما هو عليه. والمساحة التي منحها مشروع إعادة تأسيس البيان لحرية حركة الاجتهاد العقلي تنتهي دون المساحة النصيّة، ذات الحرمة، الممنوع اقتحامها من داخلها، لـ”حصانتها النقلية”، فلا يجتهد العقل اجتهادا مفتوحا إلا خارج أرض النص، ولا يتحرر الفعل العقلي من حصاره في دائرتي النص واللانص؛ إن كل حد يحدّ به الفعل العقلي، هو حدّ تُحدّ به دوائر الثنائية المنغلقة على ذاتها، المنفصلة فيما بينها، انفصال الرؤية البيانية. كان إقصاء العرفان “إقصاء تاما” من مشروع إعادة تأسيس البيان، انسجاما مع ظاهرية ابن حزم، إشارة مبكرة إلى قصور هذا المشروع عن تحقيق إنجاز عقلي كامل يحرر الفكر العربي من ثنائية البيان والبرهان التي انتهى إليها ـ حتى الآن ـ مشروع ابن حزم / الجابري. الرؤية العرفانية لم تبرأ من داء الثنائية لتمييزها بين ظاهر النص وباطنه، ولكن نزوعها لاختراق منهجية العقلية العربية الجاهلية، عقلية مفردات اللغة المنفصلة بانفصال الأشياء كما كانت تبدو للعربي (الإعرابي)، هذا النزوع العرفاني نحو اكتشاف أبعاد أشد عمقا مما يشير إليه ظاهر النص، يمثل أساسا، تستطيع رؤية معرفية عقلية برهانية الانطلاق منه، لتوسيع “الظاهر” باختراق حدوده، لا بفصله عن “الباطن”، بل بتوسيع “الظاهر” باجتهادات مفتوحة، اجتهادات عقلية برهانية، يخضع لها الواقع كله، غير المجزء بين ثنائيات الثقافة العربية التقليدية.

ثم جاء الشاطبي بعد ابن رشد، بنحو قرنين، فكان ، في رأي الجابري “على مستوى واحد من النضج العقلاني، وعلى درجة واحدة في مجال التجديد والإبداع العقليين مع ابن رشد وابن خلدون”[110]. قرر الشاطبي في “مقاصد الشريعة” أن الله وضع الشريعة الإسلامية بالصورة التي يمكن بها للناس فهمها، فقد نزلت بلسان العرب، “وقصد الشارع من وضعها بلسانهم إفهامهم على معهودهم منه، وما هم عليه من الأمية”؛ ولأن العرب أميون، فإن الشريعة أمية كذلك، يقول الشاطبي الذي أراد ـ يقول الجابري ـ أن يخرج من توكيده على أمية العرب وأمية الشريعة أنه “لا بد من التقيد في فهم الشريعة وتفسير القرآن بمستوى هذه الأمية من جهة، والتزام معهودهم في أساليب التعبير من جهة أخرى”[111]. وبدا للشاطبي أن تحكيم العقل في الأحكام الشرعية، خروج على الأمية وعلى المعهود من أساليب العرب في التعبير [التفكير]؛ قال: قَصْدُ الشارع من وضع الشريعة ابتداء هو حفظ مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهي ثلاثة: ضروريات وحاجيات وتحسينات. “كيف ثبت أن هذه الأمور الثلاثة هي مقاصد الشريعة وكلياتها؟ هل بالدليل العقلي أم بالدليل النقلي؟ الجواب (للشاطبي) هو أن العقل لا موقع له هنا لأن ذلك راجع إلى تحكيم العقول في الأحكام الشرعية، وهو غير صحيح، (الكلام ما زال للشاطبي)، فلا بد أن يكون نقليا”. بعدما رفض الشاطبي توسيع فاعلية العقل لتستوعب الشرع (النقل)، حصر هذه الفاعلية في نشاط يستقرىء الشريعة، لتلمس روحها وتحليل عناصرها، “بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه… على حد ما ثبت عند العامة جود حاتم وشجاعة علي”[112]؛
ثبت جود حاتم وشجاعة علي “عند العامة” بالنقل لا بالعقل، أو بالنقل الذي يعاونه عقل العامة لا العقل المتحرر من السماع، والأكبر منه! وصف الجابري منشِىء “مقاصد الشريعة”، الشاطبي،  بأنه يحتل موقعه في أوج مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. لكن هذا الأوج ذروة من ذرا تعميق ثنائية المعقول والمنقول المتفشية في تاريخ الثقافة العربية، جسمها الشاطبي بتقرير “أمية الشريعة” ونفي إمكان فهمها بمنهجية لا تلتزم تقريره المبني على تقرير أمية أهل الشريعة، المؤسسة، وفقا لرؤية مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان، على رؤية بيانية لا برهانية؛ فوقع، لا في “أوج تراث مشروع نهضوي عربي معاصر، يحلم به الجابري، بل في أوج موقف متردد بين الرؤية البيانية والرؤية البرهانية: وقف، هو والمشروع المنتمي إليه على ذمة الجابري، مغلولا عند الخط الدائري الذي يفصل النقل عن العقل، فصلا موهوما، وعند هذا الخط الموهوم، مارس التردد العربي العريق بين العقل وتغييب العقل. مشروع الشاطبي هو مشروع العقل الذي يغيِّب العقل!

تكررت ثنائية العقل والنقل مرة أخرى لدى ابن خلدون، الذي عمل على تحقيق مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. قال الجابري: وضعنا ابن خلدون في “نهاية المطاف أما صنفين من الحقائق[113]: حقائق يؤكدها العقل، وأخرى يقررها الدين”؛ فجدد مشكلة التوفيق بين الدين والفلسفة التي شغلت الفكر الفلسفي في المجتمع الإسلامي منذ بدايته، التي تعادل مشكلة التوفيق بين النقل والعقل؛ التي انتهت، وانتهى إليه معها مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. ما موقف ابن خلدون من هذه المشكلة على وجه الخصوص، الذي ينبسط ليشمل أمّ مشاكل الثقافة العربية على وجه العموم؟ يقول الجابري: استمد ابن خلدون موقفه إزاءها من طبيعة رأيه في المعرفة البشرية وميدانها وحدودها. فما دام العقل مشروطا بالتجربة وميدانه محدود بنطاقها، فإن أية مسألة يقررها في ميدان ما وراء الحس، هي مجرد تخمين. ولذلك “فإذا هدانا الشارع [النص لابن خلدون] إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا، ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما، ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه….. أما شؤون الدنيا وأمور المعاش ومسائل الاجتماع والحكم فهي متروكة للعقل”[114].يعفينا النص الذي نسبه الجابري لابن خلدون عن معاودة التوكيد على وضعية العقل المنعزل في دائرة مغلقة دون مطلق المعرفة البشرية، القائمة قبالة دائرة الوحي، المحكومتان بعلاقة جوار، فيظل كل منهما في حدوده لا يتعداها، فإذا لم يزالا كذلك، انتفى ـ يحكي الجابري ـ التعارض بينهما، فـ “هما لا يتعارضان إلا حين يتعدى أحدهما نطاقه، ويدخل في نطاق اختصاص الآخر”[115]، قال الجابري. هذا التقسيم يعمق شطر الذات المؤمنة إلى ديني ودنيوي، أو إلى ثنائية الخالق والخلق في عقيدة المتكلمين الأشاعرة التي لم يخرج تصور ابن خلدون الديني الأساسي عنها؛ وهو ما لم يخرج ـ أيضا ـ عن الرؤية المعرفية البيانية القائمة على الفصل، التي أنتجت لدى الأشاعرة، أيضا، عقيدة تنكر الضرورة السببية، وتابعهم ابن خلدون على هذا المذهب، فالسببية لدى الأشاعرة، ولدى ابن خلدون، ليست مبدأ عقليا ضروريا وقبليا: “إن الاقتران والارتباط بين الأسباب والمسببات ليس ضروريا، وكل ما هنالك هو أن الله أجرى العادة على أن تحدث حوادث معينة عند اقترانها بحوادث أخرى”[116]؛ والضرورة السببية توجب الاتصال [الطبيعي المنطلق: الانفتاح الحر]، والاتصال لا يجب على الاقتران الجاري بحكم العادة.

ينتظم مشروع الحابري في مشروع إعادة تاسيس البيان على البرهان التراثي، باعتبار ما في الأخير من جوانب عقلية إيجابية هامة عكسها فكر ابن خلدون، ولم ينل من أهميتها، في نظر الجابري “إيمانه بالنبوة والوحي”؛ ألمح الجابري إلى أن مثل هذا الإيمان يُضعف العقل[117]، أو: الإيمان بالنبوة والوحي ليس من مهمات العقل المفكر، فـ”المهمة الحقيقية للفكر، وبالتالي للفلسفة، هي البحث فيما هو موجود وقابل للمشاهدة”، يقول الجابري[118]. فالنبوة والوحي في معيار عقل لا يسع التجربة الدينية، ويقف دون حدودها، ليسا موضوعيّ فكر موضوعاه هما الموجود والقابل للمشاهدة. وكان يمكن توسيع دلالة “الموجود” ليشمل التجربة الدينية بأفقها الكامل، ولكن تجليات مشروع إعادة تأسيس البيان لا تبيح هذا التوسع، فقد ظلت تتعامل مع الديني بعقل مستسلم مقيد، لا بعقل طليق يحاكم المقولات والوقائع بمنهجية نقدية تقتحم عوالمها كلها، وتوحد فاعلية التكيف الإنساني مع ممكنات الوجود المناهضة للانغلاق في دوائر منفصلة، دوائر ترضخ لمفعوليتها ذاتٌ تتكيف مع الديني بالنقل، ومع الدنيوي بالعقل، لتبقى مشطورة بين الضيِّق والواسع، فلا تملك حرية الحياة في الضيِّق ولا في الواسع.

تبددت لحظة ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون التي شهدها تاريخ الثقافة العربية بين أوائل القرن الخامس وأواخر القرن الثامن للهجرة، و”صارت ـ بعبارة الجابري ـ نسيا منسيا”؛ بيد أن لحظة أخرى، زامنتها، “بقيت مستمرة” واستمر معها فكر الغزالي والرازي والإيجي[119]، الفكر الواقف عند الطرف المقابل للفكر الذي أنتج اللحظة الأولى: لحظة مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. كان مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان ـ وفقا للجابري ـ اتجاها فكريا تجريديا عقلانيا نقديا، تعلق “بلحظة جديدة تماما في تاريخ الفكر العربي الإبيستيمولوجي الدي قام عليه الحقل المعرفي البياني منذ عصر التدوين”. اقترح المشروع التجديدي أساسا جديدا لتوظيف المفاهيم الإيبيستمولوجية المؤسسة لعلم عصره، مفاهيم البرهان كمنطق وطبيعيات بصورة خاصة، “توظيفا يرتفع بالممارسة النظرية في الحقل البياني إلى مستوى الممارسة العلمية البرهانية”[120]؛ لكنه لم يغادر منطقة التمني، بل غادره التاريخ.. كان، يقول الجابري: “بدون قابلة، بدون مستقبل”[121].

تفشّت في التاريخ الثقافي الإسلامي دعوة الغزالي في كتاب “تهافت الفلاسفة” الذي هجم على الفلاسفة المسلمين وكفّرهم، وانزوت دعوة ابن رشد الذي رد على “تهافت الفلاسفة” في كتابه “تهافت التهافت” ودافع فيه عن الفلسفة، وتقهقرت دعوة المشروع العربي الأندلسي العقلانية ـ في إطارها ـ إلى عتمة الخزانات القديمة، بيد أن العقلانية التي بعثها ابن رشد اينعت في أوروبا وأنتجت حضارتها الحديثة والمعاصرة، ولم يزل العالم العربي رهين محبسيه: محبس النقل المنفصل ومحبس العقل المنعزل؛ ما السبب؟ لم يتهدد مشروع إعادة تأسيس البيان الأندلسي من خطر أجنبي يقاوم ولادته ونموه، لكنه عانى قصورا ذاتيا حرم غرسته من استطالة الجذور والأغصان، لم يزرعه الزارعون في تربته الصالحة له، بل لم يزرعوه في أرض، البيئة العربية أرض يستبيحها الدين ولا تبيح للعقل الأجنبي عنها حق دخولها، ولا تبيح هذا الحق لعقل لا يواكب دينها، ويمتد إلى غايته في كل اتجاه. دحر الغزاليُّ الفلاسفةَ، ودحر الأشاعرةُ المعتزلةَ، ودحر نؤومو المشرق العربي أيقاظ المغرب العربي ولم يثمر مشروع العقل الأندلسي نهضة عربية تجدد النهضة الأولى لما حمله مشروع التجديد من فكر غريب لم ينفتح على أصل النهضة الأم، لطبيعة دنيوية منغلقة قبالة طبيعة الوحي، أصل النهضة العربية الأولى، الأصل الذي يغذو عقلا يستجيب لشروطه ويصون جوهره، ويجمع ـ العقلّ ـ بواحديته، واحديتّه. أما مشروع الأندلس، فقد بعثر الواقع العربي الديني، التجلي التاريخي للوحي، وشرخ الأصل النهضوي العربي، وغلّق على العقل دائرة وعلى النقل دائرة، وطفى على ظهر الماء، ثم غاص في غياهب الذاكرة الجمعية. هل يفلح مشروع الجابري المعاصر ويستنهض مشروع أجدادنا الأندلسيين ابن حزم والشاطبي وابن رشد وابن خلدون؟ أم هو استدعاء لحظة محالة للنسيان، ومشروع يلد بدون قابلة وبدون مستقبل، شأن المشروع الذي يجذّر مشروع الجابري، الذي استوهبه التسويغ التاريخي، حماية الأصول؟

يعتقد الجابري أن لحظة ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون “تنتظر اليوم من يعيد الحياة فيها”[122]. لن يطابق مشروع الجابري المشروعَ الأندلسي على كل وجه، هناك مجال للاختلاف في هذه المسألة أو تلك، هذا لا يهم الجابري؛ المهم لديه هو التوافق في “طريقة التفكير والمفاهيم الموظفة وكيفية توظيفها”، تلك التي قامت على المنطلقات المنهجية والتصورية المستمدة “من الحقل العلمي [العقلي] لذلك العصر، بل ولكل عصر”[123]، قال.  يُعنى مشروع الجاري، على منهج أسلافه الأندلسيين، بالمعقول دون المنقول، أو بالدنيوي المنعزل عن الديني. كانت هذه العناية “الشطرية” هي الخطأ الذي انزلق إليه المشروع الأندلسي، وساق معه تاريخ الأمة إلى مهاوي التبعية ومنغلق المفعولية. فالدنيوي (العربي الإسلامي) لا ينفك عن ارتباطه الحميم بالديني، وكل مسعى للفصل بين الديني والدنيوي في بيئة يهيمن عليها الإسلام، هومسعى، لا نقول إنه مضيعة للوقت والجهد فحسب، إنه تضييع للهوية وتطيير للأحلام واغتيال للمستقبل، ثم لنحصد تخلفا أنكى، وشوكا أحدّ، وتبعية أشد وقعا، وانشطارات تضاعف الانشطارات وتفاقم سلبياتها؛ انشطارات تعدد الوجود الواحد الذي تنزل الوحي على النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه ليعمق مفهومه ويحرره من أوهام الجهالة، ويطلق كل ممكناته ليبدع تجليات السلام في تحققات مفتوحة، كل على ذاته، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وكل على كل. ولكن فصل النقل عن العقل على أرض أصلها “واحد” لا يتجزأ، فصل لا يرتكز إلى أصل، هو أصل الأصول في الثقافة العربية الإسلامية. أما لحظة ابن حزم والشاطبي وابن رشد وابن خلدون، فهي لحظة منفكة عن أصلها التراثي، وهي لحظة لا تحوز أهلية التاصيل لمشروع ثقافي جديد، موضوعه الثقافة العربية الدينية. لماذا اندحرت الرشدية الحزمية إلى عتمة التاريخ العربي الإسلامي، ولماذا استطالت الرشدية الأرسطية في التجربة الأوربية النهضوية الحديثة؟ لسبب حاسم: انغلقت حزمية ابن رشد دون المنبع الأصلي الثقافي الذاتي، المنبع الواحدي (الديني العقلي)، انغلقت في دائرة المعقول، بعد فصله، بالوهم، عن المنقول، عطلت فاعلية الأصل الديني الواحدي بإجراء عقلي لا ينسجم مع عقلية واحدية، لا تصلح بغيرها، رؤية الواقع العربي الإسلامي، فلا يصلح، برؤية عقلية دنيوية تضيق عن الديني، تشخيص داء الأمة العربية الإسلامية، فالداء لم يصب عضوها الدنيوي، الداء متفش في جسمها كله، الديني والدنيوي، على أنه لا يصح أن يمايز في جسمها ما بين ديني ودنيوي؛ في الفاعلية الإسلامية، الديني دنيوي، والدنيوي ديني؛ الفاعلية الإسلامية فاعلية واحدية، لصدورها عن الواحد الكل المطلق، ولتوكيدها على الواحد الكل المطلق. والمشروع الذي لا يلتزم بالواحدية منطلقا وغاية، ومنهجا، سيظل مشروعا غريبا عن التربة الثقافية الإسلامية. كان هذا هو مصير المشروع الأندلسي، وسيظل هو مصير كل مشروع فكري يحاكيه ويتمثله. أما الرشدية الأرسطية، فقد زرعت بذرتها في أرضها العطشى لها؛ استردت أوربا، خلال ابن رشد، ذاتيتها الأصلية، بالانفتاح على تراثها العقلي الأصلي الذي كان أرسطو قد بلوره وكثفه وحفظه إلى حين الطلب. نهض الأوربيون انطلاقا من الصفحة الواسعة التي دوّن فيها ابن رشد شروحه للأرسطية، وطوى العرب المسلمون الصفحة ذاتها، بالغوا في انطوائهم التاريخي وبالغ الأوربيون في انتشارهم الحضاري فطوى انتشارهم كل حضارة أخرى جابهتها حركتهم التوسعية، ومنها الحضارة الإسلامية العربية المتقهقرة، التي لم يفلح المشروع الأندلسي في مسعاه لإيقاف تسارع انحطاطها؛ لماذا؟ لسبب حاسم، هو فصل العقل إلى عقلين: عقل دنيوي نقدي، وعقل نقلي استسلامي؛ ومن ثم، فصل الوجود إلى وجودين: وجود مطلق، ووجود انساني [إسلامي] مفعول للمطلق؛ ثم من بعد، فصل الفاعلية الإنسانية [للمسلم] إلى فاعليتين: فاعلية الأجنبي، وفاعلية المفعولية الذاتية.

ما قرره الجابري من أن كل مشروع نهضوي مقترح لا بد له من أصل تراثي، هوتقرير صادق ومسوغ تاريخيا وعقليا. كانت النهضتان العربية الأولى والأوربية الحديثة شهادتي صدقه التاريخيتين، يعمق صدقهما الواقع الذي يجسد تراثه التاريخي، خاصة الواقع الساكن الذي يستحث سكونه ولادات نهضوية تبدأ مشروعا عقليا يستجيب للمعطيات الظرفية للواقع كله، على أن ينقب في الواقع عن المركز الغائر الذي أعطى تجلياته على مدى التاريخ الثقافي الذاتي، أي أن يحفر ـ المشروع العقلي النهضوي ـ أرض الواقع إلى الطبقة التأسيسية التي انبثق منها تاريخ الأمة كله، بكل تنوعاته وكل تلوناته. هناك، بل هنا وهناك، وفي الخيط الواصل بين الحاضر والماضي البعيد، ما زال نبض قلب “الأم” يفعل سحره الجامع للأبعاض، وما زال يخبىء حبا ثرّا، ومن نبع ثرور: “قل: لو كان البحر مدادا لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي”. أما كلام المشروع الأندلسي، فليس من “كلام ربي” (الذي لا ينفد)؛ كلام لم يعيِّن “الأم”. المشروع الأندلسي عقلاني، والعقلاني بعض من كلام “ربي”، إلا أنه كذلك بالمفهوم الديني الإسلامي لـ”ربي”، ولكنه ليس كذلك بالمفهوم الأرسطي للربوبية، المفهوم الدنيوي الذي يحبس الربوبية في دائرة الدنيا الضيقة[124]؛ فإذا نقل مشروع نهضوي هذه الدائرة الضيقة إلى الدائرة الثقافية العربية الدينية، يكون قد نقل غرسا إلى غير أرضه. كان هذا هو خطأ المشروع الأندلسي الذي لم يصدر عن أصل نهضوي عربي إسلامي. وكل مشروع نهضوي عربي جديد يتوسل المشروع الأندلسي، لا بد وأن ينتهي “غريبا كما بدأ غريبا”. المشروع الأندلسي لم ينبعث من النبع الذاتي التراثي الثرّ، بل هو قد غضّ بصره عن تأوهات “الأم” الراقدة تحت تراكمات العقوق الكثيفة، أَوْلَى عنايته لتطبيب مرض الدنيا، وأعرض عن مرض سوء فهم الدين، فأعرض عن واقع الحال كله، وكان لا بد له أن يعرض عن واقع الحال كله، طالما رهن مشروعه برؤية غريبة عن الواقع ومنافية له. لا يمثل المشروع الأندلسي أصلا تراثيا ولا يسوغ تاريخيا أي مشروع نهضوي ثقافي جديد. النهوض مشروع يسع الواقع كله، ممتدا أفقيا ورأسيا، الواقع الراكد الذي يستنهض مشروعا تحريضيا، واقع من صنع التراث، بجميع تفاعلاته، المغزولة على محوره الوجودي الأساسي، غزلا موبوءا بمفاهيم مغلوطة، كشفت تجددات التاريخ الإنساني، أو لا بد أن تكشف قصورها الذاتي عن مواكبة حركة إنسانية متقدمة في أفق أوسع. المشروع النهضوي غزل جديد على محور [أصل] قديم قابل للتكيف مع المستجد إنسانيا. والأصل الوجودي بسيط لا يتجزأ مع شدة تنوعات تكشفاته. تموضع مشروع نهضوي مع بعض تنوعات الأصل ـ الواحد ـ هو افتراض بإمكان تجزئىء واحد بسيط، وهو وهم. والوهم لا يجاوز دائرة التمني، وتتجاوزه حركة التاريخ.

التراث العربي الإسلامي تراث دين يسع الدنيوي، ولن يستجيب إلا لمشروع نهضوي يستوعبه كله. المشروع الأندلسي، ومشروع الجابري استمرار له، محاولة انزلقت إلى نقطة اختناق هوت إليها جراء خطأ في التقدير. نزع المشروع الأندلسي إلى إخراج الديني من مجال اهتمامه، بدعوى خروجه من مجال العقل، بدعوى أن العقل دنيوي، إزاء واقع تراثي ديني صلب ومغلق، كما يتوهم المتوهمون أصحاب الدعوة إلى ترويج فكر دنيوي أجنبي، التي تحمل معها هلاك الدعاة إليها، أو امتصاصهم وإحالتهم إلى الذاكرة، في وضعية هامدة، ومن ثم، تفشل دعوة العقل الدنيوية، لسبب حاسم، هو أنها كانت دعوة انفصالية، انتحرت على مذبح أصل واحدي، لا يغيب عن أداء تجلياته كلما وجد أن عليه التوكيد على هويته، وهذه حالة تتكرر، مع كل هوية، عندما يتهددها خطر أجنبي. الدعوة إلى عقلنة تراث ديني بمنهجية دنيوية عدوان لا تمتلك الهوية الدينية قدرة ضبط مشاعرها المناهضة تجاهها.

دنا الجابري من النجاة من مصير يؤول إليه مشروعه الثقافي النهضوي، عندما كشف، وبحق عن آلية النهضة العربية الأولى، وأصلها الذي رجعت إليه، والذي نص عليه الوحي، في خطابه للمسلمين: “..ملة أبيكم إبراهيم، هو سمّاكم المسلمين من قبل”؛ لكنه يجفو هذه الرؤية عندما يرهن تحديث العقل العربي وتجديد الفكر الإسلامي بالقدرة على استعادة النزوعات العقلية لابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، “التي لا بد منها ـ يقول ـ إذا أردنا أن نعيد ترتيب علاقتنا بتراثنا، بصورة تمكننا من الانتظام فيهانتظاما يفتح المجال للإبداع”[125]. إعادة ترتيب العلاقة بالتراث لا تتم عبر استخدام تراث أجنبي دنيوي ضيق لتكييف تراث ديني ذاتي واسع، مع مستجدات الفاعلية الإنسانية. وتجربة الرباعي الأندلسي الثقافية دلت على خطأ مثل هذاالاستخدام، دلالة تاريخية، وقبول شهادات التاريخ موقف لا يصح العدول عنه، بعدما التزم به الجابري قبالة اثبات صحة نظريته حول ضرورة انتماء المشروع النهضوي لأصل تراثي. واعتماد الجابري للأندلسيين الأربعة أصلا تراثيا، يشكك في مبدأ تاريخية النهضة التراثية فلا يمثل مشروع الأندلس الثقافي العقلي الدنوي أصلا تراثيا،؛ هو نمو هامشي على طرف ناء من جسم الأمة  (الثقافي) المترامي؛ هو يوحي بأن في إمكان الأمة ممارسة فعل نقدي عقلي لواقعها، وأنها تحوز إمكانات الحلم بتجاوز هذا الواقع الراكد؛ إلا أن أجنبية المشروع، وانفصاليته، حالتا دون تحوله إلى حركة تاريخية منتجة حضاريا.

لا شك أن الجابري يلمس الحاجة القوية إلى عقل عربي نقدي؛ لقد دعا إلى “تدشين عصر تدوين جديد”[126]، تكون نقطة البداية فيه نقد السلاح.. نقد العقل العربي”[127]. ولكنه عندما يستدعي مشروع إعادة البيان على البرهان الأندلسي، فإنه يوحي أن موقفه العقلي غير كلي ومتردد إزاء مواجهة عميقة وشاملة للتراث العربي كله، وهي المهمة المنوطة بمشروع عربي نهضوي عقلي يستدرك أخطاء الفاعلية العربية التاريخية والمعاصرة، ومنها فاعلية العقل القديم والمعاصر. ومن أخطاء الفاعلية العقلية العربية المعاصرة، عدم التزامها برؤيتها النظرية للواقع، خلال طرح اجتهادات إصلاح أحوله. فالجابري وعى مشكلات الحاضر العربي، ولم يستجب لها، نقديا، بما يستوعبها كلها، وإلى العمق الذي يواجه عنده أسباب البيات التاريخي العميقة عمق الأصل الواحدي للفاعلية الوجودية الإنسانية والعربية والإسلامية. ولعل هذا يفسر اعتماده للمشروع الأندلسي كغطاء تاريخي لمشروعه المعاصر، فالأندلسيون الأربعة لم يوسعوا مشروعهم النقدي ليتغور أعماق الوجود العربي الديني، وهادنوا المفاهيم الدينية (الجذرية)، عن قصد أو عن غفلة. على الصعيد النظري، كشف الجابري قصور الخطاب العربي النهضوي طوال المائة سنة الأخيرة عن إعطاء مضمون واضح ومحدد ولو مؤقتا لمشروع النهضة التي يبشر بها: “لقد بقي هذا الخطاب يستقي تحديداته لـ “النهضة العربية” المنشودة، لا من الواقع العربي وحركته وآفاق تغييره، أو اتجاه تطوره، بل من “الإحساس بالفارق”، إحساس الوعي العربي بالمسافة الواسعة والهوة العميقة بين واقع السقوط أو الانحطاط في الحياة العربية المعاصرة، وواقع التقدم واضطراده في عالم “آخر”… ولم يستطع نفس الخطاب، وطوال المائة سنة الماضية، التقدم خطوة واحدة على طريق صياغة “مشروع نهضة ثقافية” سواء على مستوى حلم مطابق أو على صعيد التخطيط العلمي، بل قد ظل ينوس بين طرفي معادلة مستحيلة الحل “معادلة الأصالة والماصرة” التي تطمح إلى تحقيق التوافق والتكامل بين سلطتين مرجعيتين مختلفتين تماما، متنافستين ومتصارعتين بحكم انتمائهما إلى زمنين ثقافيين مختلفين، ونمطين حضاريين متباينين: سلطة النموذج العربي الإسلامي الوسيطي، وسلطة النموذج الأوروبي المعاصر”[128]. أكد الجابري، وعيه الواضح، مرة أخرى، بقوله: “فشل العقل العربي [المعاصر] في بناء خطاب متسق حول أية قضية من القضايا التي ظلت تطرح نفسها عليه طوال المائة سنة الماضية، فلم يستطع تشييد أيديولوجية نهضوية يركن إليها على صعيد “الحلم”، ولا بناء نظرية ثورية يسترشد بها على صعيد الممارسة والتغيير”[129].

اقتبسنا نصا طويلا ـ وواضحا ـ يشهد للجابري بحيازة وعي سليم بحالة عجز الفكر العربي المعاصر عن إنجاز مشروع يحقق الحلم النهضوي العربي، واقتبسناه، بطوله، لنبرز المفارقة بين الوعي الصحيح بالمشكلة، والوعي الصحيح بالحل على الصعيد التطبيقي؛ فالجابري ـ باعتباره مثالا فكريا عربيا ـ لم يطور وعيه النظري تجاه موقف عملي يعلن فيه ثورة جذرية تحفر الماضي العربي الثقافي كله، وتؤسس لانقلاب “إصلاحي”، على مفاهيم اغتصبتها السلطات الاجتماعية طوال التاريخ العربي الإسلامي، واضطرتها لخدمة مصالحها الدنيوية الضيقة، على حساب مصالح الأمة العريضة، مناهضة بذلك، الأصل الواحدي لنشوء الأمة، الذي حقق واحديته تاريخيا، برسالة جامعة وباعثة لحضارة واحدية جامعة، تتجلى، في كلِ “واحدٍ”، على حدة، وفي “الواحد الكل” على الاجتماع على العدل وعلى البذل. اغتصاب حق الجماعة، والفرد، في التاريخ الإسلامي، معطى لانحراف فكري ديني، حماه، وسوغه، فاعلية عقلية، لم تترجم وعيها بالمشكلة، إلى حلول جذرية ـ عقلية ـ تقتلع معوقات النهوض من دوائر التبعية والمفعولية والتخلف… استدعى الجابري مشروعا عقليا مارس فاعليته خارج دائرة المنقول، ليسوغ لمشروعه الخاص البقاء خارج هذه الدائرة، رغم ما يلوح منه، من رغبة في اقتحامها؛ لكنه يتردد، وكان إقصاء العرفان من البعد التاريخي لمشروعه الثقافي، صورة لتردده وإحجامه عن خوض منازلة الانغلاق الذي طبع الثقافة العربية؛ فالعرفان حركة تخترق كل سقف يغلق آفاق التفتح العقلي والنفسي.. ولكن، يتوجب عليها الانضباط بالعقل.

وكان يمكن لمشروع الأندلس الثقافي أن ينجز حلمه لو فتح رؤى البيان والبرهان والعرفان على الأصل الحضاري الواحد للأمة العربية المسلمة، تحت شروط تكاملية بين الفاعليات الثلاث، وشروط توافقية [انفتاحية لا تلفيقية]، فلا يترك إحداها تفسد الأخرى، بأن تلتزم جميعها بمبدأ واحدي يعطي لكل فرد حق التعبير عن ذاته الذي لا ينفي حق الآخر في التعبير عن ذاته أيضا.. هذا المبدأ يضمن عدم شطط العرفان، وعدم انفصالية البيان، وإلغاء اعبتار أجنبية البرهان؛ هذا الاعتبار لا يلغيه إلا بتعضونه مع الفاعلية الثقافية الإسلامية التي تحقق أصل التراثي الواحد من جهة إنسانيته؛ والإنسانية حالة واسعة لا تنغلق على ما هو مسلم (بالاعتقاد)، أو من هو غير. لن يتعضون العقلي الأجنبي مع الثقافي الإسلامي طالما ظل الأول يضمر نوايا عدوانية تستهدف هوية الإسلامي، سواء بإلغائها وجوديا، أو بتعطيلها، بدحرها، كليا، أو جزئيا، إلى عتمات الدوائر المنغلقة، دوائر المفعولية والتخلف، والانشطارات القديمة والمستحدثة.

فاتحة النهضة الواحدية

من “المخلوق” إلى “الخلق”

القهر حالة عامة للواقع العربي المعاصر، تمارسه الذات ـ الفردية والجمعية ـ فاعلة ومفعولة؛ أو مفعولة على الإطلاق. فالقهر الفاعل مفعول النشأة والمعنى، فهو إعادة إنتاج حالة من المفعولية الرازحة تحت ضغوط قاهرة، يمارسها “قاهر مقهور” آخر. والقهر الحاالّ في اللحظة العربية الراهنة، موروث تحدّر إليها، لا من تاريخها الخاص، ولكنه تفشّى في تاريخها لعوامل تكوينية فارقة، باعتبار التاريخ العربي أحد صور تحققات الوجود الإنساني؛ فالقهر أعم من التاريخ والواقع العربيين، ولكن ضخامة عموميته في تحققه العربي، التاريخي والمعاصر، جعلت منه أهم مشكلة، وأخطرها، التي يتعين على المشروع النهضوي العربي المرجو، مواجهتها، وتجاوزها. غرز القهرُ الخرابَ في جميع بطون نقاط تلاقي ممارسات الذات الجوانية والبرانية: خربت علاقات الذات بذاتها؛ الذات الفردة مع ذاتها، ومع ذات فردة أخرى، ومع الذات الجمعية، الراهنة والتراثية؛ وخربت علاقات الذات، الفردية والجمعية، مع الغير؛ صاغ القهرُ الحياةَ العربية وأنتج ذاتا مسلوبة إزاء تحديات الخاص والعام والذاتي والأجنبي والماضي والحاضر والمستقبل؛ الواقع والحلم. شطر القهرُ، وما زال يشطر، الوجودَ العربي.

انشطار الذات العربية، الفردية والجمعية، هو البلاء الغشوم الذي لا بد وأن يستنهض العقل العربي المعاصر لإبداع مشروع لا يقف عند حافة الوعي بالمشكلة الأم للواقع العربي الراهن، وإنما ليقتحم حواف الرؤى إلى المحض [القلب] الذاتي العربي؛ فهناك، أو هنا، بؤرة التقاء الداء والدواء، وانطلاقا من بؤرة الغور الوجودي العربي العميق الواسع، بؤرة تَعَضْوُن الواقع مع حلم ينمو من الواقع ويتنامى به الواقع، من هذه البؤرة الدفّاقة الخالقة، لكن، المحجوبة بالكفر أو بالضلال، منها، من صفاء بلّورتها، تلد شمس نهضة عربية جديدة، إنسانية؛ ولن يلد رحم الأم العربية نهضة جديدة لا تسع الإنسانية كلها، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

النهضة العربية المرجوة فعل الحرية الواعية الموحد للأبعاض في علاء. هي فعل يتغور الواقع ولا يجهله أو يتجاهله، ولا يلغي هُوِيَّة الذات ولا يحجر على الهوية الذاتية حقها المشروع في الانفتاح الفاعل على الزمان، زمانها وكل زمان. هي فعل يبدع من إبداعات الإنسانية مشروعه، لا يلملمه، بل يخلقه على سنة الخلق المطلقة [الحرة] التي أبدعته، بإنسانه، خلقا لا مخلوقا؛ أي: فعلاً لا مفعوًلا. الفعل هو الحضور التاريخي للفاعل الذي لا يستوي على الجادة إلا بحضور جمعي له، وهو نقيض المفعولية التي لا تستوي على جاة نهوض، ولا تحضر التاريخ إلا في دوائره المنغلقه المنفصلة للذات المشطورة المسلوبة. يتكون الفعل الناهض من انفلاق البؤرة المحض للذات، ليسري في أبعاضها المفككة، فتستعيد واحديتها الفاعلة؛ واحدية القلب (المحض). والانفلاق النهضوي، وانتظام الفردية في جماعية خالقة، واحدية، مشروع عصري يبسط ذاته الواحدية لتلتقي في مناخها المترع بحب السلام وعشق الجمال أمم الدنيا والآخرة جمعاء. المشروع النهضوي العربي المرجو فعل جماعي يرد اعتبار الفردية للذات، ويوسع أفق الفردية، بقيم الحق والخير والجمال، لتنتشي الإنسانية، وما هو أكبر، في محرابها العريق المتطاول فوق حدود الجغرافيا والعرق واللون واللغة والشهوة وكل الظلمات الوجودية. النهوض فعل واحدي تزرع الجماعة راياته في معين وجودها العريق، وتتقدم بها، لتفلق حصار الأجنبي الغازي، المتنمر بالوهن الذاتي.. تتقدم فاتحة آفاق الحرية إلى أقصى مداها.

المشروع النهضوي العربي فعل حضاري مركب، لا يجتر ماضيا، ولا يحاكي راهنا؛ فعل يبدع ذاته، من أصل ذاته “الأصيل”، الأصل الذي أبدع نماذجه في التاريخ الماضي، القادر على أن يبددع نماذج جديدة في الحاضر والمستقبل. فالمشروع النهضوي العربي المعاصر لا يكرر الحضارة العربية الإسلامية الماضية، في الوقت الذي يوكد هُوِّتَها، على قدر أهمية التواصل الواحدي معها؛ ولا يعني التواصل بين زمان وزمان، هيمنة زمان على زمان؛ فالهيمنة قهر وسلب وحصر، لكن الانفتاح غير الهيمنة، والانفتاح ضد للانفصال: الانفتاح تواصل الأزمنة والأمكنة، تفعله ذات منمازة الهُوِّيَة ومنمازة الرسالة الحضارية من مراكز القوة البريئة من شائبة الظلم والقهر والتضخم الأنوي المذموم بمعيار الأخلاق والمرفوض بمعيار الأحرار. مشروع نهوض عربي جديد، يعني مشروعا لا يبتلعه الماضي التراثي الذاتي ولا يبهره حاضر أجنبي عدواني، ولكنه يبدع تحققــه من الخــالد المطــلق من ظرفيـة الزمانيـة والمكانية، المتكيف ـ أعني: الخالد المطلق ـ مع ظرفية الحضور التاريخي الذاتي. الخالد المطلق واحد منبسط في الزمان الوجودي المار من بؤرة الذات، الواسع لكل ظرف في كل مكان وكل زمان. وإذا لم ينتظم المشروع النهضوي العربي المرجو في الخلود المطلق الواحد، فلا حاجة للعرب وللإنسانية إليه. كانت الحضارة العربية الإسلامية حضارة رسالة فاتحة لظروف الزمان والمكان، وكل تجدد لهذه الحضارة هو تجدد للرسالة الفاتحة التي وسّعت الإنساني بالربوبي الإلهي، أو وسّعت الآن العابر بالزمان العابر للآنات على الإطلاق.

النهوض فعل يستنبت ذاته من أصله، واستجلاب رؤى أجنبية لزرعها في أرضه عدوان على حقه في إبداع تجلياته المتحررة من مصالح الغير الضيقة؛ فالرؤى الأجنبية عن هوية الذات العربية الإسلامية أداء إنساني ضيق يخدم لحظة ضيقة عدوانية بطبيعتها المستجلبة منها، طبيعة النار المبهرة الحارقة. أما الانفتاح على الرؤى الأجنبية بقرار إرادة مستقلة مجاهدة، فهومطلب نهضوي، تخلُّفه عن التحقق تخلُّف للمشروع النهضوي عن الصيرورة من التمني إلى الفعل. صحيح أن النهوض نمو من الداخل، ولكن، تتزاحم على ضفافه معطيات كثيرة، تنازعه وتردفه، ما ينازعه قد يردفه، وإزاء ما هو كائن، وإزاء ما تقتضيه الحاجة، يمثل الغير أفقا للمشروع النهضوي، يأخذ عنه ويعطيه، لا قاهرا ولا مقهورا، بل على قاعدة العدالة الوجودية التي تهب الحق للكل، وتستقضي الواجب على الكل، طالما أن الكل، كل فرد، أو كل كون، وجود له من الوجود ما يرفعه إلى المستوى المكافىء لانفتاحه وواسعيته. كل فرد أو كون هو واحدي الوجود، بمعنى أنه وجود واحد شاهد (على قدر واسعيته)على الوجود الكلي الواحدي، الوجود الفردي واحد يدل على ويمثل الوجود الكلي الواحد. ومن شاهدية ودلالة على وممثلية الوجود الفردي، يحوز هذا الوجود حقه النابع من حقية المطلق في وجوده الكلي الواحدي، ومن لا يملك أن يسلب الوجود كله حقية وجوده الفاعل، لا يملك أن يحجب وجودا فرديا عن حقية وجوده الفاعل الفردي. فكل وجود فردي فاعل (بفاعلية المطلق / الحر) هو وجود حق، وما دام ثمة أكثر من وجود فردي فاعل، فالعالم ملك للجميع، يبدعه الجميع، ويحصده الجميع… “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا”.. فما أبدعته الإنسانية، من خير، هو للناس أجمعين، وما أبدعته حضارة أخرى، من نافع للناس، مشاع لكل مشروع نهضوي يتغيا الخير والنافع؛ لكنه لن يكون شيء نافعا أو خيرا لمشروع نهضوي ما لم يكن النفع أو الخير نفعا وخيرا تحت شروط ذاتية الفعل النهضوي. ليس على المشروع النهضوي العربي المرجو أن يقبل تراثه كله، ولا المنتج الأجنبي كله؛ فقبول التراث كله تكرار لما طواه الزمن، يأباه تجدد الأزمان؛ وقبول المنتج الأجنبي كله طغيان يسلب الذات انميازها، تأباه طبيعة النهوض المنماز ورساليته الحصينتان على الطغي والانسلاب.

يتنازع الحاضر العربي اثنان: تراث ذاتي قديم، ومعطى حضاري غيري جديد. المشروع النهضوي العربي المطلوب يشارك التراث القديم ذاتيته، ويشارك ـ في الآن ذاته ـ المعطى الأجنبي الحضاري جدته. المشكلة التي تتحدى المشروع النهضوي العربي المرجو هي: كيف يبدع تحققه بين سماوات وأرض تتنازع فيهما، وفيما بينهما، ومن داخله ومن حوله، وبسبب عدم التعمق المفاهيمي، الثريا والثرى؟ كيف نبدع ذاتا معاصرة موصولة بالقديم، ونحن مشطورون بين الجديد الغيري والقديم التراثي؟ ولا مناص من القديم، ولا مناص من الجديد؟! شدّنا هذه هي حلبة التحدي الحضاري الذي لا خيار للأمة غير مواجهته أو مواجهة مصير لا ترضاه وتأباه الحيوية الوجودية التي ابتعثت الأمة العربية برسالة فاتحة “تخرج الناس من الظلمات إلى النور”، الحيوية التي لم يأكلها الزمان، وإن كان قد طواها، القادرة، ما زالت، على الانتشار مرة أخرى بإبداع متميز عن الماضي الذاتي وعن الحاضر الأجنبي. إن فعلا مقداما عميقا، يبدأ من فكر جذري غير هيّاب، هو، لا سواه، الناشر للحيوية المبدعة من طيِّها، وهو الباعث للفرد من رقاده، الدافع به للخروج من دائرة المفعولية الضيقة، إلى دائرة الفاعلية الواسعة، رافضا القهر قاهرا أو مقهورا، ليضع حدا للانشطارات، ويُنهي ثنائيات الواقع العربي بين الذاتي والأجنبي، والحاضر والماضي، والزماني التاريخي والخالد الأبدي، والأنوي والأخروي، كيف؟ بالعدول الجريء الحاسم عن مفهوم “المخلوق”، المتفشي في العقل العربي زالوجدان العربي، إلى مفهوم “الخلق”.

العدول عن مفهوم “المخلوق” إلى مفهوم “الخلق” يؤسس لرؤية تصوغ علاقات جديدة بين ثنائيات الفكر الديني وثنائيات الواقع العربي الراهن، والثنائيات الدينية مع ثنائيات الواقع. لم يوجه الوحي الممتنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم خطابه إلى الإنسان “المخلوق”؛ توجه إليه وكلفه برسالته على تقدير أنه “خلق”: خلْق الله لا مخلوقه، خلق لله لا مخلوق له؛ أي: فعل الفاعل المطلق (الله)، لا مفعوله. ولو عدل الوحي عن “الخلق” إلى “المخلوق”، لكان قد انزلق إلى التخالف بين اللفظ ومراد الله. فالله تعالي أراد الإنسان خليفة له، يؤدي فعلا، ويتحقق بعبادة [بفاعلية]، عن إيمان واع فاعل، يسهم به في فعل وجودي أكبر يحرك السكون ويسبح لله رب العالمين؛ فالتسبيح تحريك، والربوبية جمع وإنماء في أحضان الواسعية المطلقة. دلالة “الخلق” القرآنية تفتح الفعل الإنساني على السريان الوجودي الربوبي المطلق، باعتبار الفعل تحقق الفاعل أو بعض الفاعل. فالفعلية خروج للفاعلية من صفتها إلى موصوفها، أي من مفهومها إلى واقعيتها، والفاعل ليس فاعلا إلا بالفعلية، الخالق خالق بالخلق، بين الخالق والخلق علاقة واصلة لا فاصلة، علاقة الصورة والشيء المصوَّر، أو علاقة الكل والبعض.أما مفهوم “المخلوق”، فيرسم علاقة فاعل بمفعول، فلو قامت علاقة الله رب العالمين بالإنسان علاقة فاعل بمفعول، فما معنى التكليف والثواب والعقاب، طالما الإنسان محكوم بإلاهية قاهرة هي “الفاعلة على الحقيقة”[130] كما يعتقد كثير من مفكري المسلمين القدامى والمعاصرين، فيما الإنسان مجبر على الاختيار، أو لا اختيار له على الحقيقة؟! لو كان الإنسان مفعولا لاقتضى أن يوجد (بكيانية مفردة في ذاتها) قبل وجود الفعل الفاعل فيه، فالمفعولية ما يوقعه الفاعل على المفعول به؛ أي هي علاقة بين اثنين، فاعل ومفعول به أو فيه أو غير ذلك من صيغ المفعولية التي لا تنفي أية منها المفهوم الثنائي للوجود؛ مفهوم الخالق والمخلوق، المفهوم الذي يتلاشى بالمفهوم الواحدي للفاعل (الخالق) وفعله (خلقه).

ومع تلاشي المفهوم الثنائي للوجود، مفهوم الخالق والمخلوق، يتهاوى معمار الفكر الثنائي المعاصر والتراثي كله. أول ما يتهاوى منه ثنائي الحاكم والمحكوم، المرتبط بعلاقة حميمة مع ثنائية القهر: قاهر ومقهور؛ وتتهاوى ثنائية الديني والدنيوي، والدنيوي والأخروي؛ والأنا والغير؛ والمعاصر والقديم؛ والزماني والسرمدي.. وغير ذلك من ثنائيات استمدت مشروعيتها، أو نشأت، من ثنائية الفاعل والمفعول، ثم تنوعت وفق الهوى، وفي غيبة عقل مستنير صادق أمين. لا تنفي العلاقة الواحدية بين الخالق (الفاعل) والخلق (الفعل) تنوعات الوجود، ولكنها تصحح مفهومها بنظْمها في العلاقة المعطاة من الواقع الوجودي، لا المعطاة للوهم الفكري أو المستجيبة للقوة القاهرة من جانب، وللقوة المقهورة من جانب آخر؛ فالثنائية التي وظفها القاهر للدفاع عن مصالحه الضيقة، يتعزى بها المقهور ويتوسلها الرضا عن قدر لا رادّ له!

يؤسس مفهوم “الخلق” رؤية جديدة ـ واحدية ـ تفتح أفق حركة الفردي على أفق حركة فردي آخر، وتفتح أفق كل حركة فردية على أفق الفاعل المطلق، من جهة أن الأفق الحركي الفردي فعل للأفق الفاعل الواحد، الذي يحقق واحديته في واحد فرد، وفي واحد فرد ثان… وثالث ورابع… يجتمع كل منهم مع الغير في الربوبية (الجامعة) ليبدعوا، وفي واسعية الربوبية (الإنمائية) فعلا جديدا، نهضويا، لا يكرر الماضي، فالتكرار موات، والله حياة سرمدية. والفعل المستولد من حياة سرمدية فعل حيّ، أي غير مكرور. وبالمقابل، فإن حيوية الفعل مدد يغذو استمرارية الحياة السرمدية، (في القرآن: يسبح كل ما في السموات الأرض لله؛ التسبيح: تحريك)، التي لا تنفك عن استيلاد الأفعال من ذاتها المطلقة من آنات الوقوف، هذه، المحدودة للكيانات الفردية، الواهبة لها مشروعية الاستقلال الذاتي، لكن، لا الانفصال عن الكل، واهب الحياة بإعطائها في هيئة فعل، وواهبها، باستيعاب طاقة الفعل، أو بتوسيعه إلى ما بعد حدوده الفردية.

بالرؤية الواحدية، تغدو الثنائيات تنوعات على أصل واحد يجمعها في كيان موحد، لا تتنافر أبعاضه، فتلتقي عوامله المبدعة للفعل الجماعي، للفعل النهضوي، للفعل السلامي المبني على الحب والعدل؛ تلتقي لقاء أغصان دوحة تنتشر في المدى الواسع تتلقى معا هبة الحياة، بفعلها الحي المبتدىء من أصل (بذرة) واحد تنوع فأعطى ذاته، عطاء كثرا، يدين كل فرد فيه للأصل بجرثومة وجوده، ويدين في الوقت ذاته لعوامل كثيرة، انفتح بعضها على بعض، في نسقه، وتحت شروط أصله، وتكيفا مع علاقات جديدة، ومن ثم، حالة جديدة، استولدت ذاتها المتنامية، فأبدعت فعلا آخر.

العدول عن مفهوم “الخالق والمخلوق” إلى مفهوم “الخالق / الخلق” يصحح الخطأ العريق، والجسيم، الذي انزلق إليه الفكر الديني، وسوغ للثقافة العربية، وحتى عصرنا الحاضر، الارتكاز إلى، وتكريس، المفهوم الثنائي الشاطر للواقع العربي.. تلغي الرؤية الواحدية انغلاقية الثنائيات: تصير ثنائية الحاكم والمحكوم تنوعا وظيفيا تقتضيه مصلحة الجماعة كلها؛ وتصير ثنائية القاهر والمقهور ذكرى تنزوي إلى قاع التاريخ، مع زوال استبدادية الحاكم بمقدرات الأمة، تصير ثنائية القاهر والمقهور تنوعات على مقياس النهوض تُمَيِّـز المقدام عن الخاذل المنهزم؛ وتصير ثنائية الديني والدنيوي، تنوعات ترسم تداخلات الدوائر الوجودية، دائرة ضيقة لها من الإمكانات ما يوسعها من غير حدّ؛ وتصير دائرة الدنيوي والأخروي تنوعات يشير بعضها إلى عالم الشهادة، أو عالم التجريب، ويشير بعضها إلى عالم لم تستوعبه الشهادة بعد، عالم مفتوح أمام الفاعلية الإنسانية المقدامة، المغامرة بجمالية الحرية في آفاق لمّا يحيط بها التجريب؛ وتصير ثنائية الأنا والغير تنوعات للوجود الإنساني تفسح أمام حركة إبداعه مجالات الحب المتسامي الحر، وتصير دلالة على فاعلية الوجود الحية السرمدية؛ وتصير دلالة المعاصر والقديم تنوعات يدونها التاريخ، يدون بها حقيقة التقدم الإنسانية؛ وتصير ثنائية الزماني والسرمدي تنوعات المطلق الذي لا ينكشف كله لبعضه، ولا يحتجب كله عن بعضه…

مشروع الواحدية النهضوي يقوم من الأصل الوجودي الواحدي العريق الحاضر في كل زمان، بتحققات متنوعة، تتباين في الضيق والسعة. تستدعي الواحدية أوسع تحققات الأصل الوجودي للنهضة الإنسانية عامة، الذي هو الأصل الوجودي للأمة العربية الإسلامية المنبعثة بالوحي القرآني القابل للتجدد مع تغاير الأزمان، القابل ما يقبله أصله، وأصله أصل الكل، والكل حر من قيود الأزمنة والأمكنة، فلا يقبل إلا ما كان حرا من قيود الظرفية.. المشروع النهضوي الواحدي يقبل من عطاء الإنسانية كل ما تحرر من قيود الزمان والمكان، قيود الإنغلاق، وأطلق عوامل الإبداع الإنساني لتخلق عالما من السلام المزدان بالحب والعدل والجمال… عالما لا قاهر فيه ولا مقهورا؛ فلا قهر مع الحرية الواعية الواحدية؛ الواحدية رؤية تطلق الإنسانية بدءا من أصل الإنسان الفرد، والإنسان الظاهرة.

الفعلية انفتاح الفاعلية على ذاتها، بتحققاتها لذاتها، بحكم طبيعتها. الفاعلية لا تنفك عن الفعلية، الفاعلية فاعلية بالفعلية، الفعلية تبدع الفاعلية بقدر يساوي خلق الفاعل للفعل. يقول القرآن الكريم: “هو ـ الله ـ بديع السماوات والأرض”؛ البديع في لغة العرب هو: المبتدَع (بفتحة على الدال) والمبتدِع (بكسرة على الدال). الوجه الأول “فعلي إنساني”، والوجه الآخر “فاعلي”، وهما وجهان لا يقسمان الذات العليّة، الفعلية والفاعلية لا تقسمان الواحد إلى اثنين؛ الله، جل جلاله، بنص صريح حاسم “واحد أحد”، وفعليته من موجبات أحديته، فلو لم يكن ذا فعلية، لما كان فاعلا، وبموجب واحديته المطلقة، فإن كل فعلية وجودية هي فعليته هو، كل فعلية هي تحقق فاعليته هو، فإذا لم يكن ثمة غيره، لم يكن فاعل آخر، ولم تكن فعلية إلا هي فعلية فاعليته هو الواحد، ذو الخلق الكثر. تقول العرب: المبتدَع (بفتح الدال) هو ما اختُرع لا على مثال، ومبتدِع (بكسر الدال) السموات والأرض: موجدها، بفاعلية فعلية، أي: خالقها لا على مثال سابق. البديع في لغة العرب فعل وفاعل: فعل يبدع فاعله، وفاعل يخلق فعله.

الفعل إبداع، الفعلية هي أداة النهضة المبدعة، ولا تكون النهضة إلا مبدعة، ولا حاجة إلى نهضة عربية جديدة غير مبدعة، ولا إمكان لقيامها غير إبداعيتها العقلية التي تعدل عن مفهوم “المخلوق: المفعول” إلى مفهوم “الخلق: الفعل”. المفعولية حالة انغلاق، والنهضة إبداع حالة انفتاح. الفعلية انفتاح على الفاعلية؛ فاعلية الواحد المطلق من قيود الجمود في آنات الزمان التي تتخلف عن حركة تقدمه. الفعلية إبداع يتحقق بالفاعلية الواحدية التي تجري في كل فعل، فتفتح كل فعل، على كل فعل آخر، انفتاح الأبعاض على كلٍ واحد، ولكن الأبعاض لا تنفتح على كلٍ واحد إذا كانت هي، وهو، ميتة؛ المفعولية صورة للموات، أو حالة قابلية للموت، لا تحوز إمكانات التفتح على الكلي المطلق، فهي تضاد المطلق، أو هي الآن الذي تخلفه حركة المطلق وراءها، كلما اقتضت فاعليته إرادة التجديد؛ والله حيّ، وكل يوم هو في شأن، حياته تسري في خلقه، وخلقه متجدد؛ فاعليته سارية بفعله الكثر المتجدد؛ وفعله سريان فاعليته في الزمان المتحرك إلى الأمام، غير المنفصل عن الأول: “هوالأول والآخر…”؛

لا إله إلا هو، كان ولا شيء معه..

وهو الآن كما كان؛

الخلق مما كان، كما الفعل من الفاعل..

سبحانه؛

رب السماوات والأرض والعرش العظيم….

تمت في: اليمن – صنعاء بتاريخ: 18 شوال 1413هـ الموافق: 10 نيسان (إبريل) 1993م


[1] زكي نجيب محمود: قصة عقل، بيروت ـ القاهرة، ط1، 1983م، ص 176.

[2] المصدر السابق، ص 177.

[3] المصدر ذاته.

[4] المصدر ذاته.

[5] المصدر ذاته.

[6] المصدر السابق، ص 182.

[7] زكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر، ط2، القاهرة ـ بيروت، 1979م، ص9.

[8] قصة عقل، ص 184.

[9] المصدر ذاته.

[10] زكي نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا، ط2، القاهرة ـ بيروت، 1979م، ص 9. وكان هذا الكتاب يحمل، في طبعته الأولى، عنوان: “خرافة الميتافيزيقا”؛ ورغم أن المؤلف حاول التقليل من شأن تغيير العنوان من “خرافة..” إلى “موقف من..”، إلا أن هدف التغيير واضح تماما، وهو تفادي تجدد الصدام الذي وقع بين الكتاب، في طبعته الأولى، وأصحاب رأي يخالفون زعم زكي حول “خرافة الميتفيزيقا”؛ وواضح أيضا، من تغيير العنوان، تردد المؤلف في موقفه من قضية مركزية في التراث العربي الإسلامي.

[11] المصدر السابق، ص 19.

[12] المصدر السابق، ص 29.

[13] قصة العقل، ص 93.

[14] لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين: الموسوعة الفلسفية، ترجمة عربية، بيروت، ط1، 1974م، مادة “هيوم”، ص 523.

[15] موقف من الميتافيزيقا، ص 25.

[16] المصدر ذاته.

[17] انظر: قصة عقل، ص 92.

[18] تجديد الفكر العربي، ط7، بيروت ـ القاهرة، 1982م، ص 257 وما بعدها.

[19] وصف زكي نجيب محمود نفسه، في معرض حديثه عن الاتجاهات الفلسفية اتحليلية المعاصرة، ومن بينها الوضعية المنطقية، بأنه النصير الوحيد لها في الوطن العربي، وقال: “أكاد أكون في الميدان وحيدا”. وشكك أحمد ماضي في دقة ذلك، ولكنه نقل عن بعض الباحثين ما يؤيد رأي زكي نجيب في أنه النصير الوحيد للوضعية المنطقية في العالم العربي. يقول محمود أمين العالم: “ولسنا نعدو الصواب أو الدقة إذا قلنا أنه [يعني: زكي نجيب محمود] الصوت الوحيد الذي يعبر عن الفلسفة الوضعية المنطقية في شرقنا العربي”. (انظر: محمود أمين العالم: معارك فكرية، القاهرة، دار الهلال، د.ت، ص 14). ويؤكد ابراهيم فتحي أن الوضعية المنطقية “عندنا ليست تيارا فكريا تعتنقه قوى اجتماعية ضيقة أو واسعة، لقد ظلت كما بدأت فئة ذات فرد واحد، هو الدكتور زكي نجيب محمود بمنطقه التحليلي”. (انظر: عاطف أحمد: نقد العقل الوضعي ـ دراسة في الأزمة المنهجية لفكر  زكي نجيب محمود، تقديم: ابراهيم فتحي، بيروت، دار الطليعة، 1980م، ص 18 / نقلا عن: أحمد ماضي: الفلسفة في الوطن العربي المعاصر ـ بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي نظمته الجامعة الأردنية، مركز الدراسات العربية، بيروت، 1985م، ص ص 171-172). وأخبرني علي عبد المعطي محمد، أستاذ الفلسفة بجامعة الاسكندرية ، في لقاء جمعنا في جامعة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين خلال عمله أستاذا للفلسفة فيها، [في العام الدراسي 85-1986م، إن لم تخني الذاكرة]، أن الدكتور زكي نجيب محمود أعرب عن شور عميق من المرارة لاعتقاده بعقم دعوته العقلية، فسر ـ زكي ـ ذلك، بأن ندوة تليفزيونية للداعية الديني [المصري] محمد متولي شعراوي تقضي على جهود سنين طويلة بذلها يبشر فيها بدعوته.

[20] قصة عقل، ص 62.

[21] المصدر السابق، ص ص 56-57..

[22] المصدر السابق، ص 92..

[23] المصدر السابق، ص 34.

[24] المصدر السابق، ص 56.

[25] المصدر السابق، ص 34.  ولم أستند على أطروحة “الجبر لالذاتي” ذاتها للتعريف بها، التي تم ترجمتها للعربية عن أصلها الإنجليزي في كتاب يحمل عنوانها ذاته، ليس لعدم تيسر حصولي على الكتاب في الوقت الحالي فقط؛ ولكن، لأن الاستناد في التعريف به على كتاب “قصة عقل” لزكي نجيب ، يخدم هدف تقصي حالة زكي، بوضعها في سياقها العقلي.

[26] المصدر السابق، ص 27.

[27] زكي نجيب محمود: قصة نفس، بيروت ـ القاهرة، ط2، 1983، ص 151.

[28] المصدر السابق، ص 176.

[29] قصة عقل، ص 16.

[30] قصة نفس، ص 63.

[31] المصدر السابق، ص 185.

[32] سجل ذلك في مواضع كثيرة من كتابيه اللذين روى فيهما قصتي عقله نفسه.

[33] المصدر السابق، ص 184.

[34] انكشاف فكر زكي نجيب في نهاية مطافه عن ثنائية السماء والأرض، بددت هذا التوهم، وأعادته، بوضوح إلى تراثيته العربية الثنائية.التي التي يترجمها مفهوم الخالق المغاير ل “المخلوق” مغايرة فارقة.

[35] المصدر السابق، ص 250.

[36] المصدر السابق، ص 175.

[37] المصدر السابق، ص 252… وقد استعار زكي نجيب تصنيف فرويد المشهور للإنسان: “الهو” و”الأنا” و”الأنا الأعلى”. وقال في وصف الثالثة: تأتي فوق “الهو” و”الأنا”، وفيها يهدأ الصراع، ويسكن القلق. (المصدر ذاته). و”الأنا” تشير لديه، فيما يبدو، إلى العقل، أو إلى عقل وضعي منطقي، لا يسع فكرة الألوهية: “الأنا الأعلى”، التي أسلمت لله.. ووصفه لـ  “الأنا” بالنفس اللوامة (المصدر ذاته)، يمنحها حق إصدار حكم، لدورها النقدي. وعملا بمبدأ استبعاد الألوهية من مجال التحقيق الوضعي المنطقي، باعتبارها “قضية زائفة”، (حسب المنطق الوضعي)، فإن هذه “الأنا”، مغلقة قبالة “الأنا الأعلى”، ومن ثم، فإن “هدوء الصراع وسكون القلق”، هو، في حقيقته، إقرار بانفصالية دائرة العقل عن دائرة الألوهية، أو دائرة التراث الديني، أو، هو توكيد حالة انشطارية.

[38] المصدر ذاته.

[39] المصدر السابق، ص 227.

[40] المصدر ذاته.

[41] حسن حنفي: التفكير الديني وازدواج الشخصية، مجلة الفكر المعاصر، القاهرة، العدد 50، إبريل 1969م.

[42] المصدر ذاته.

[43] المصدر السابق، ص ص 188-189.

[44] المصدر السابق، ص 221.

[45] المصدر السابق، ص 222. وكان الدكتور حسن حنفي قد تبنى رأيا لا يتفق مع تعاطفه الذي يرقى إلى التأييد، الذي يظهره هنا تجاه فكرة وحدة الوجود، وذلك في حوار بيننا جرى صيف 1985م، حينما كان في مدينة العين بالإمارات العربية المتحدة، كان أستاذا زائرا في جامعهتا ـ ودافع عن رأيه غير المنسجم مع “وحدة الوجود” بقوله: إن هذه الفكرة لم تحظ بقبول الفكر الديني الإسلامي؛ وأيّد ـ في المقابل ـ فكرة ثنائية الخالق والمخلوق المقررة في الفكـر الديني التقليـدي، لكنه يحجب هذا التأييد في كتابه “التراث والتجديد” بقوله إن الفصل القديم بين الخالق والمخلوق كان دفاعا عن الخالق ضد ثقافــات المخلوق القديمة، “ولكن الحال قد تغير الآن، وأصبحت مأسـاتنا هي مكاســبنا القديمة، الفصل بين الخالق والمخلوق، ومطلبنا هو ما هاجمناه قديما، الربط بين الله والهالم”. (ط1، القاهرة، 1980م، ص 18).

[46] حسن حنفي: التراث والتجديد، ط1، القاهرة، 1980م، ص 51.

[47] المصدر السابق، ص 18.

[48] المصدر السابق، ص 131.

[49] المصدر السابق، ص 19.

[50] المصدر السابق، ص 20.

[51] المصدر ذاته.

[52] حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ط1، بيروت، ص 166.

[53] المصدر السابق، ص 190.

[54] التراث والتجديد، ص 18. وتكشف كتابات حسن حنفي عن تأثره الواضح بمدارس فكرية غربية متعددة، أخذ عنها، بمنهاج انتقائي، ما يخدم موقفه النظري (الماركسي)، وهو ما سنحاول تأكيده فيما بعد. فعلاوة على ترويجه لفينومينولوجيا هوسرل ـ وضع حنفي الوحي بين قوسين لإخراجه من الميدان، على طريقة “تعليق الحكم” على قضية ما، مثلما ذهب هوسرل ـ ونظرية لسنج في تربية الجنس البشري ـ ترجم له كتابه بهذا العنوان وأولاه اهتماما كبيرا ـ وبعض أفكار هيجل ـ التقدمية حسب تقديره ـ وفكر سبينوزا الديني ـ ترجم له “رسالة في اللاهوت والسياسة”، وخصه بمقال موسع في مجلة “تراث الإنسانية” القاهرية (المجلد السابع، 1، مارس، 1969م) ـ علاوة على هذا كله، وغيره مما لا سبيل إلى حصره هنا، فهو، ورغم انقطاع الصلة التراثية والزمانية، يتطلع بمشروعه الثقافي العربي النهضوي، إلى أن يمثل امتدادا لفلسفة التنوير الأوربية التي قال فيها إنها “من أعظم مكاسب الفلسفة الأوربية الحدجيثة” لأنها جعلت الإنسان مركز الكون(في الفكر الغربي المعاصر، ص 192)، وذلك ـ الكلام له ـ بعد أن عالجت مشكلة التعارض بين الديني والدنيوي “بالقضاء على الديني والإبقاء على الدنيوي” (م.س، ص 162). ويواصل “تنوير” القارىء العربي بفلاسفة التنوير، فيمتدح لهم رفض الدين والعقائد والشعائر والطقوس والمعجزات، واستبدالهم بكل ذلك الإنسان والعقل والحرية والمساواة (م. س، ص 158). وهذا الموقف التنويري الغربي، رددته “مقدماته العامه “لمشروعه الفكري ـ التراث والتجديد ـ وعكسه رأيه الذي يقول إن “الدين مسطور في القلب لا في المصاحف، ويظهر في السلوك الفاضل لا في الشعائر والطقوس” (م. س، ص 143). وهو رأي يشطر الحقيقة؛ فالدين ممتد من المصاحف ـ الوحي ـ إلى القلوب، ومن الشعائر والطقوس إلى السلوك الفاضل (+التحقق التاريخي)، أما فصل الأبعاض والغاء فاعلية واحدية كينونتها، فهو اغتراب في فلسفة دنيوية لا تفي بمتطلبات مشروع حضاري لأمة دينية.

[55] المصدر السابق، ص 148.

[56] المصدر السابق، ص 52.

[57] لجنة من العلماء والأكاديميين السوفباتيين: الموسوعة الفلسفية، مادة “الأيديولوجية”، ص 63.

[58] التراث والتجديد، ص 55.

[59] أوضح مؤسسا الماركسية (ماركس وإنجلز في بيان الحزب الشيوعي، 1848م) المهمة التاريخية للطبقة العاملة (البروليتاريا) باعتبارها المحول التاريخي للمجتمع القديم، وباني المجتمع الجديد، والمدافع عن مصالح كل الجماهير الكادحة، وأوضحا الدور التاريخي لحزب الشيوعيين باعتباره حزب الطبقة العاملة وطليعتها، وحددا الهدف المباشر للشيوعية بأنه “تشكيل البروليتاريا في طبقة وإسقاط السيطرة البورجوازية وغزو السلطة السياسية بواسطة البروليتاريا”. (نقلا عن: الموسوعة الفلسفية، مصدر سبق ذكره، ص 89).

[60] تقول الموسوعة الفلسفية [الماركسية]: تولدت الماركسية “عن النضال التحرري للطبقة العاملة في أربعينات القرن التاسع عشر [الميلادي]، وأصبحت التعبير النظري عن المصالح الأساسية لتلك الطبقة، وبرنامج نضالها من أجل الاشتراكية والشيوعية”؛ أضافت: “والسمة الرئيسية للماركسية هي أنها تجسد الدور التاريخي للطبقة العاملة بوصفها بانية مجتمع شيوعي لا طبقي”. (ص 545).

[61] التراث والتجديد، ص96 وما بعدها.

[62] المصدر السابق، ص 53.

[63] المصدر السابق، ص 107.

[64] المصدر السابق، ص 105.

[65] المصدر السابق، ص 103.

[66] نشره في مجلة الفكر المعاصر القاهرية، أكتوبر 1968م، وتضمنه كتابه “في فكرنا المعاصر” المنشور أول مرة في القاهرة، 1976م.

[67] في فكرنا المعاصر، بيروت، ط1، 1981م، ص 140.

[68] المصدر السابق، ص 151.

[69] المصدر السابق، ص 152.

[70] المصدر ذاته.

[71] في لقائي معه، المشار إليه آنفا، تحدث حنفي عن يساره “الإسلامي”، وكان قد اصدر دورية بالعنوان ذاته: “اليسار الإسلامي”، فقال: إن لهذه الفكرة، أهميتها بين الشباب العربي المنحازين للفكر اليساري، وإنها تقدر على مخاطبتهم بلغة يفهمونها، ولهدف استعادتهم للإسلام؛ لكنه توقف عن مواصلة الدفاع عن دعوته هذ بعدما أعربت عن تحفظي إزاء حجته، بما رأيته من أن اليد التي قد تطول في اتجاه الماركسيين العرب، ستقصر في اتجاه آخر.. اتجاه المسلمين، طالما كان المراد هو التأكيد علي قيمة الإسلام.

[72] المصدر السابق، ص 153.

[73] التراث والتجديد، ص 55.

[74] في فكرنا المعاصر، ص 7.

[75] أنظر: المقدمة الموحدة لكتابيّ: في فكرنا المعاصر، وفي الفكر الغربي المعاصر، بيروت، ط1، 1981م.

[76] انظر: التراث والتجديد، ص 43.

[77] المصدر ذاته.

[78] في فكرنا المعاصر، ص 7.

[79] المصدر السابق، ص 319.

[80] المصدر السابق، ص 322.

[81] المصدر السابق، ص ص 323-324.

[82] المصدر السابق، ص 324.

[83] الأنصاري: مغني اللبيب، القاهرة، ط2، ص 186.

[84] في فكرنا المعاصر، ص 324.

[85] التراث والتجديد، ص 118.

[86] قال: “ولقد كانت حركة “العودة إلى الطبيعة” التي أعطى سبينوزا أساسها النظري في القرن السابع عشر، والتي أعطاها روسو بعدها الاجتماعي والفني في القرن الثامن عشر، والتي أعطاها العلماء بعدها العلمي في القرن التاسع عشر، والتي أعطاها الفلاسفة المعاصرون أساسها الوجودي في القرن العشرين ـ كانت هذه الحركة مصدرا للتمرد الفني من الكلاسيكية، ولنشأة الرومانتيكية والتحرر من الدين اللاهوتي ونشأة الدين الطبيعي، وللتمرد من التربية اقائمة على الثواب والعقاب وإرساء لمبادىء التربية الطبيعية وللتحرر من القانون الإلهي المفروض…” (في فكرنا المعاصر، ص 184),‎. ويعتقد أن العود إلى الطبيعة كفيل برفض الازدواجية والثنائية معا، وما يتبعها من عمليات للتعويض والنفاق والمداراة والتستر. (في فكرنا المعاصر، ص 186). وبيد أنه “عاد” إلى الطبيعة، فلم يزل يتستر؟! والحق أن العود إلى الطبيعة مسعى لمواجهة الازدواجية والثنائية، ولتوحيد الوجود؛ لكنه مشروط بالبيئة الثقافية، فهو مسعى إيجابي في بيئة ثقافية لا تمتد أصولها إلى ما وراء الطبيعة، بيئة دنيوية الجذور (البيئة الأوربية ذات جذور دنيوية، والدين غير أصلي في الثقافة الغربية، وقد تعامل الغربيون مع الدين، بمفاهيمهم الثقافية الطبيعية الدنيوية التراثية)، ولعل هذا ما يفسر القبول الأوربي لمبدأ أو لدعوة العود إلى الطبيعة، للانسجام بين النظرية والواقع. أما هذه الدعوة، في مواجهة تراث ديني أصيل، أبدع بيئته الثقافية الدينية، التي تتجاوز الطبيعي الدنيوي، فستظل محاصرة في دائرة التمني، معزولة عن الواقع الحي، الواقع الذي يخضع لتراث يرفض حصره فيما هو طبيعي دنيوي. وستمثل هذه الدعوة خطرا جديدا يعمق انشطار الأمة بين التمني والواقع، وبين الدنيوي والديني؛ ثم إن تبني أفكار أجنبية يعمق انشطار الذات إلى ما هو تراثي، وما هو أجنبي، وانشطارها الزماني بين الماضي والحاضر، وكل انشطار يعني انغلاقا في دوائر منفصلة، ومن ثم، ازدواجية أعنف سوءا وأغور!

[87] في فكرنا المعاصر، ص 183.

[88] المصدر السابق، ص 181.

[89] طرح حسن حنفي منهجا لتفسير النصوص الدينية يرتكز غلى “محاولة العثور على أساس للوحي داخل الخبرة الإنسانية” (في فكرنا المعاصر، ص 179 وما بعدها). وهذا منهج ماركسي لا يقبل مشروع حسن حنفي النهضوي غيره، فهو يمنحه أداة حصر الوحي في الواقع، داخل الخبرة الإنسانية، أو إلغاء الدور الفاعل للوحي باعتباره مصدر حركة نهضوية عربية منفتحة تناضل انغلاقات الذات المعيقة لتقدمها.

[90] محمد عابد الجابري وآخرون: التراث وتحديات العصر في الوطن العربي ـ ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في أيلول (سبتمبر) 1984 بالقاهرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1985م، ص 34.

[91] المصدر السابق، ص 57.

[92] المصدر السابق، ص 36.

[93] قال تعالى: “ملّة أبيكم إبراهيم، هو سمّاكم المسلمين من قبل”، (الحج: 78).

[94] التراث وتحديات العصر..، ص ص 37-38.

[95] المصدر السابق، ص 39.

[96] المصدر السابق، ص 40.

[97] المصدر السابق، ص 41.

[98] المصدر السابق، ص 55.

[99] محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1986م، ص ص 568-569.

[100] هو “التماس فهم للنص القرآني يخترق حدود اللغة العربية، ويتجاوز عالمها الجاهلي إلى نوع من التأويل يجد تبريره في التمييز في النص القرآني بين الظاهر والباطن” (بنية العقل العربي، ص 248).

[101] المصدر السابق، ص ص 513-514.

[102] المصدر السابق، ص 38.

[103] المصدر السابق، ص 247.

[104] المصدر السابق، ص ص 516-517.

[105] المصدر السابق، ص ص 521-522.

[106] المصدر السابق، ص 528.

[107] المصدر السابق، ص ص 530-531.

[108] المصدر السابق، ص ص 536-537.

[109] لا يهمنا التحقق من عرض الجابري لمشروع إعادة تأسيس البيان، كما قدمه، ولكن ما يعنينا هو  تصويره هو نفسه للمشروع، فهذا التصوير جزء من مشروع الجابري الذي يستهدفه نظرنا الحالي.

[110] المصدر السابق، ص 538.

[111] المصدر السابق، ص ص 544-545.

[112] المصدر السابق، ص 543.

[113] كان أحرى به أن يستبدل بكلمة “الحقائق” كلمة “المعارف”، فالأخيرة، هنا، أدق وأحوط.

[114] محمد عابد الجابري: العصبية والدولـة، بغداد، د.ت، ص ص 112-113؛ (وثمة طبعة أخرى من الكتاب صدرت في بيروت عام 1982م).

[115] المصدر السابق، ص 126.

[116] المصدر السابق، ص 119.

[117] عبارة الجابري الموحية بهذا المعنى هي: “على الرغم من إيمانه بالنبوة والوحي”.

[118] المصدر السابق، ص 126.

[119] بنية العقل العربي، ص 553.

[120] المصدر السابق، ص ص 551-552.

[121] المصدر السابق، ص 548.

[122] المصدر السابق، ص 553.

[123] المصدر السابق، ص 552.

[124] الرب في العقيدة الإسلامية هو الله الفاعل المطلق؛ وفي الفكر الأرسطي، الله علة الحركة المحسوسة في العالم، وهو بذاته، غير متحرك، فالمفهوم الأرسطي عازل لله في تصور عقلي دنيوي ساكن في ذاته، وليس حاضرا إلا فيما هو دنيوي.

[125] بنية العقل العربي، ص 552.

[126] يدعو الجابري إلى عصر تدوين ثان للثقافة العربية، التي شهدت ـ قال ـ في عصر التدوين الأول، أول تخطيط شامل لها، كان قد أعيد فيه بناء العصر الجاهلي، فضلا عن تدوين العلوم الإسلامية، كما تم فيه أيضا يواصل ـ  دمج الموروث الضخم المتعدد المتنوع الذي خلفته الثقافات السابقة على الثقافة العربية.. ثم دمج هذا الموروث في الثقافة العربية الإسلامية الواحدة. (أنظر: الجابري: ندوة التراث وتحديات العصر، ص 53).

[127] محمد عابد الجابري: الخطاب العربي المعاصر، بيروت، ط1، 1982م، الجملة الخاتمة للكتاب.

[128] المصدر السابق، ص 180.

[129] المصدر السابق، ص 181.

[130] مقولة “الإلهية، هي الفاعلة على الحقيقة، صادقة برؤية واحدية لا برؤية ثنائية.


الماركسية تضل الطريق

Posted by: alnorani on: 30/11/2011

تنويه: الاجتهاد الذي تتضمنه دراستي التالية، يعود إلى مرحلة فكرية تجاوزتها؛ لكن ذلك، لا يلغي أهميتها كرؤية قابلة للنقاش، وهذا ما يشجعني للدفع بها إلى النور

الدكتور حسن ميّ النوراني

بريد إليكتروني alnoorani@hotmail.com, alnorani@live.com

 

الماركسية تضل الطريق

 

ليس من أغراضنا، ولا في نيتنا، أن ندافع عن النظام الرأسمالي من خلال النقد الذي نوجهه للماركسية، في هذه الدراسة0 ولا صلة لهذا النقد، بالمعركة التي دارت على أرضية التجارب الماركسية، التي حسمت، في مساحة كبيرة، لمصلحة الرأسمالية العالمية، العدو الصريح والقبيح، والتحدي الخطير للمشروع النهضوي العربي المعاصر0 والوعي بهذه الحقيقة، حقيقة التحدي العدواني الرأسمالي للطموح العربي للنهضة، يفرض على الفكر العربي استنفار طاقته الوجودية الإبداعية لمواجهة تحدي الرأسمالية العالمية العدواني، باعتبار هذه المواجهة خطوة تأسيسية لمشروع يتجاوز الراهن العربي الحضاري، ويتجاوز الراهن العالمي الحضاري، برؤية واحدية للذاتي، والغيري، بحكم أن الذاتي والغيري، تحققات للكلي الإنساني،؛ وأن تحقيق هذا الكلي الإنساني الحضاري هو الرسالة التي تعطي المشروع النهضوي العربي معناه وقيمته، وتستدعيه بتقدير أنه احتياج إنساني حقيقي0

الماركسية منتج للنظام الرأسمالي العدواني؛ ونقد الماركسية هو نقد للرأسمالية العدوانية، مفهوما وأداء0 والنقد الموجه هنا، هو نقد للعدوانية التي ينطوي عليها النظام الرأسمالي في تحققه المباشر، أوفي تحققه غير المباشر، عبر الماركسية0 ومن ثم، فإن هذا النقد، إسهام في مواجهة العدوان الحضاري الغربي ضد الطموح القومي العربي المشروع للإستقلال، ولتأسيس رؤية حضارية إنسانية تتجاوز دائرة العدوانية المغلقة، بنظرية مفتوحة على الكل، ومنطلقة في الأفق الوجودي، على منهاج انطلاق النبوات الربانية التي صاغت محاور الرؤية العربية الوجودية0 غاية النبوة الحب والسلام؛ ولكن الماركسية، المنتجة (بفتح التاء) للنظام الرأسمالي العالمي، لن تنتج الحب والسلام، بضرورة تكوينها ومحدوديتها، وانغلاقيتها0

لقد ضلت الماركسية طريق الحب والسلام؛ على أن القيم الحضارية الإنسانية العليا، أقوى على الدوام، وتظل أحلاما تراود الدعاة إلى الخير أجمعين، وستظل الدعوات إليها، شموسا تهدي إلى الطريق القويم000

 

صنعاء 

الجمعة 27 ربيع الثاني ـ 23 تشرين الأول  / 1413 هـ ـ 1992 م

 

****************************************************************

 

التجارب الساقطة تناهض الشاعرية

 

الشيوعية التي أبدعها خيال كارل ماركس صورة جميلة، تبز إنتاجات فنية، أثرى بها عباقرة الأدب والرسم والموسيقى تاريخ الوجدانيات؛ تبزها بجموح المخيلة، وبالتغور في أعماق الحلم الإنساني العريق، الذي لم يفتأ يعكس أمنية السلام المطلق.

لم يكن ماركس شاعرا، ولكن الشيوعية التي خالها نهاية مطاف الجدلية التاريخية، والبداية الحقيقية للتاريخ الإنساني، هي شعر لم يلتزم قواعد الصياغة الفنية؛ ومع ذلك، ومع دعاوى العلمية الماركسية، فإن صيرورة التاريخ الإنساني إلى مجتمع واحد يبذل لكل عضو فيه كل حاجاته المادية والمعنوية، ويبذل كل عضو فيه كل ما يقدر عليه من عطاء، مثل هذا المجتمع صورة تراها المخيلة الشعرية التي لا تحاكم بمعايير الواقع، ولا تحاكم بمعيار من المعايير النقدية، إلا بمعيار يتفلت من كل معيار، ويتفلت من ذاته، كلما بدا لذاته أنه معيار له الحق في إصدار الأحكام علىقاعدة ثابتة، أو بوصف أدق: جامدة.

“تحقق الشيوعية الرسالة التاريخية العظمى: تخلص كل الناس من عدم المساواة الإجتماعية ومن أشكال القهر والإستغلال. ومن كل فظائع الحرب، وتجلب لكل شعوب الأرض السلام والعمل والحرية والمساواة والإخاء والسعادة…

“سيعمل كل فرد في ظل الشيوعية اختياريا.. (و) العمل سيكف عن أن يكون مجرد وسيلة لكسب الرزق، وسيتحول إلى الحاجة الحياتية الأولى، إلى الإبداع الحقيقي ومصدر للسعادة والسرور…

“في ظل الشيوعية سيبرز إنسان جديد يجمع بين الغنى والنقاوة الخلقية والكمال البدني، وسيكون متحليا بصفات الوعي وحب العمل والإنضباط والإخلاص في خدمة المجتمع الشيوعي”(1).

وهذه الصورة التي تنقلب على كل تقارير الوقائع، وتنطلق في أفق لم يحلق فيه خيال النبوة، ليست دعاية يروج بها كاتب ما، كلاما له، أو أمنية رأى بعضها في صحو، وبعضها في منام؛ هذه الصورة، أو الصيرورة إليها، “ضرورة ـ ماركسية ــ  تاريخية”، لا محيد للناس عنها، بحكم قانون جدلي صارم، لا يلوي عن مسار ذي اتجاه ثابت، وتقدمي، قرره الفكر الماركسي منذ بدايته الأولى، وأكد عليه الفكر الماركسي في مراحل متقدمة من تجربة التطبيق الإشتراكي، عن طريق التحول للشيوعية، التي شهدها الإتحاد السوفيتي، تحت قيادة الحزب الشيوعي فيه، والذي نص برنامجه على أن:

“الشــيوعية هي نظــام اجتماعــي لا طبقي تقوم فيه ملكية الشــــعب ـ بأسره ـ الواحدة لوسائل الإنتاج والمساواة الإجتماعية التامة بين جميع أعضاء المجتمع، حيث، إلى جانب تطور الناس من جميع النواحي، ستنمو أيضا القوى المنتجة على أساس العلم والتكنيك المتطورين على الدوام، وستتدفق جميع مصادر الثروة الإجتماعية سيلا كاملا، وسيتحقق المبدأ العظيم: “من كل حسب كفاءاته ولكل حسب حاجاته”. إن الشيوعية إنما هي مجتمع عالي التنظيم لكادحين أحرار وواعين، سترسخ فيه الإدارة الذاتية الإجتماعية، ويغدو فيه العمل لخير المجتمع الحاجة الحيوية الأولى في نظر الجميع، وأمرا يدركون ضرورته، وتطبق فيه كفاءات كل فرد بأفيد وجه في صالح الشعب”.

وتقدير نبوءة الماركسية بالتحول الإنساني إلى الشيوعية، تقديرا شعريا، هو الشافع الوحيد للتعامل من جديد مع النظرية الماركسية بعد انهيار أنظمتها السياسية فيما كان يعرف بالإتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية في القارة الأوروبية؛ وهو انهيار يذهب إلى أبعد من انهيار نظم حكم قامت باسم الماركسية، فيصيب جوهر الفكرة، كما يصيب أعراضها، على تقدير أن ما يصيب العرض يصيب الجوهر، وعلى تقدير أعمق يقرر وحدة الجوهر والعرض التي يعتقدها الفكر الواحدي، كما نتبناه.

إن التدهور الذي لحق بتجارب التطبيق الماركسي، والذي حمل في بطنه وعلى ظهره أدلة تنفي صحة الإيمان الديني عند ماركس وأتباعه، والذي تغلغل في عقائدهم حول حركة التاريخ ومستقبلها، إلى حد الجزم بأنه لا محيص أمام النظام الرأسمالي من مصير الانهيار كمقدمة للتحول إلى النظام الشيوعي، عبر النظام الإشتراكي، هذا التدهور لا يقف عند تجارب بناء النظم الإشتراكية عن طريق إنجاز الحلم الشيوعي، وإنما يخترق حدود التجارب إلى الأفكار التي قامت التجارب عليها ولها. ويصح الزعم أن التجريب لم يتقيد بالنظرية في نقائها، ولكنه لا يصح أن هذا سبب كاف وحاسم لفشل التجريب، ويلغي فاعلية النظرية في نقائها التي ساهمت، بطبيعتها، في إنجاز الفشل. لقد انهزمت التجربة الإشتراكية أمام عدوها اللدود، النظام الرأسمالي، بينما تمركز الفكر الماركسي ـ في نقائه الأول ـ على ما وصفه بقانون التناقض، والذي بنى عليه ماركس، ومعه إنجلز، قولهما أن زوال الماركسية حتمية تاريخية، يقررها الجـدل المادي ـ الماركسي ـ تقريرا قاطعا لا يقبل جدلا. لقد حملت وقائع التاريخ الإثباتات التي لا تقبل النفي وتأبى الخفاء على الأعمى والبصير، وهي الإثباتات التي قدمتها انهيارات التجارب الإشتراكية في بلدان متعددة، وبنسب متفاوتة، وهي إثباتات توكد على خطأ الإعتقاد الجازم بصحة المقولة المركزية في الفكر الماركسي ـ النقي ـ والتي بالغ المؤسس وحواريوه في تقديرها، فقدروها قانونا يصدق على عالم الماديات وعلى عالم الحيوات ومنها عالم الإنسان. وبينما كانت نبوءة الماركسية تبشر بسقوط النظام الرأسمالي لمصلحة قيام النظام الإشتراكي، وفقا لقانون التناقض الجدلي المادي التاريخي الماركسي، يحدث في الواقع قلب وجهة القانون، الذي ادعى الماركسيون أنه ذو وجهة تقدمية، يتحول بها التاريخ من الرأسمالية إلى الإشتراكية والشيوعية، يحدث الإنقلاب على أرض الواقع، وتحت رايات الأحزاب الشيوعية، وفي مناخات الدعاية التبشيرية للماركسية؛ فتنهزم التجارب الإشتراكية، وتنقلب المجتمعات التي حكمتها النظرية الماركسية إلى مجتمعات تلهث وراء النظام الرأسمالي، وتركع تحت أقدامه، وتعلن براءتها من “خطيئة” التجريب الإشتراكي؟!

والحق إن انهيار التجارب الإشتراكية ليس هو أول توكيدات الوقائع على خطأ الإعتقاد بحتمية التحول إلى الشيوعية وفقا لقانون التناقض الجدلي المادي الماركسي، الذي يجري في التاريخ الإنساني على صورة الصراع بين الطبقات. فقد كانت وقائع قيام التجارب الإشتراكية ذاتها، إثباتات سبقت إثباتات وقائع الانهيار؛ إذ لم تقم تجربة إشتراكية واحدة، من بين التجارب الإشتراكية كلها، وفقا لقانون الصراع بين الطبقات، أو نتيجة للقانون المحوري في الفكر الماركسي، قانون التناقض؛ فلم تقم تجربة إشتراكية واحدة، باعتبارها ضرورة حتمها مجرى التاريخ الجدلي، ونتيجة صراع طبقة العمال مع طبقة الرأسماليين،. وإنما قامت التجارب الإشتراكية، كلها، في بلاد لم تكن قد أهلتها ظروفها التاريخية لانفجار ثوري يقوده العمال ضد الرأسماليين، تحت هيمنة نظام رأسمالي، بلغ تطوره مرحلة نهايته، ومرحلة بداية ولادة نقيضه الجدلي: النظام الإشتراكي.

فالتجارب الإشتراكية تجاهلت جوهر النظرية الماركسية عند قيامها، ونفت صحة هذا الجوهر عند انهيارها في مواجهة النظام الرأسمالي. وكانت دليلا مكررا، وثابتا بالوقائع؛ وقائع القيام مرة، ووقائع الانهيار مرة أخرى، على خطأ الجدلية المادية التاريخية الماركسية، التي تنبأت، وفقا لضرورة صارمة، بسقوط النظام الرأسمالي في بلدان محددة؛ لم يسقط فيها، وإنما أسقط هذا النظام، تجارب قامت تحت راية النظرية الماركسية، لا وفق قانونها المركزي؛ فكان هذا القيام المخالف للقانون الماركسي المركزي، إعلانا عن بطلانه؛ ومن ثم، إعلانا مسبقا عن الوهن المتغلغل في عمق بنية النظرية الماركسية، والمنسوجة على محور قانون التناقض الجدلي المادي التاريخي، الذي تأكد بطلانه النهائي مع وقائع الإنهيار الإشتراكي النظامي.

فماذا يتبقى من النظرية الماركسية غير الصورة الشاعرية الأخاذة التي ترسم معالم مجتمع الشيوعية الطليق من القيود التاريخية المكبلة للحرية الإنسانية على امتداد العصور إلى عصر تحقيق الحلم العريق: حلم الحرية والسلام والوحدة، الحلم الذي يحلم به المصلحون جميعا، والعاشقون جميعا؛ لكن المصلحين والعاشقين رأوه بالحدس والمخيلة على عفويتهما، ولم يزعموا أنه ضرورة يحتمها قانون الجدلية المادية الماركسية المركزي، أو تحتمها الجدلية كلها، مثالية أو مادية؟!

فإذا فقد قانون التناقض الجدلي المادي التاريخي ذو الوجهة المتقدمة نحو المجتمع الشيوعي العلمي، إذا فقد مصداقيته، فلا يبقى من ماركس غير شاعر حالم، لم يمتلك أدوات الشاعرية، غير أداة الحلم؛ كان ماركس شاعرا حالما،  ولا يوهن هذا الزعم ما زعمه هو، وأتباعه أجمعون، من دعوى العلمية التي وصفت بها الماركسية؛ فالعلمية منهجية لا تنقضها الوقائع. أما منهجية الماركسية، فقد نفتها وقائع التاريخ، وأبطلت مصداقيتها.

على أن الربط بين فكرة وتجربة تزعم ـ التجربة ـ عن حق أو باطل، إنتماءها إليها، أي للفكرة، ليس يفي بالمطلوب من البحث النقدي لنظرية ما، قد يجار عليها إذا ما حوكمت بجريرة تطبيقات تشوه حقيقتها. فالمحاكمة النزيهة للنظرية تقتضي التعامل المباشر مع مقولاتها المجردة، التي لا تتجلى في التطبيقات على كل حال؛ فالتطبيق مؤشر دلالي غير نهائي، لا يكفي الناقد التوقف عنده، طالما أن التطبيق ذاته لم يسع النظرية التي ينتمي إليها.

فقد يزعم زاعم أن حظ النظرية الماركسية من التطبيق لم يستنفد بعد؛ فما زال النظام الرأسمالي العالمي يتنامى، وقد يحسب سقوط الأنظمة الإشتراكية عاملا من عوامل تنامي الرأسمالية العالمية، ومن ثم، يحسب عاملا من عوامل انتفاخ النظام الرأسمالي، وسيرورته إلى مرحلة الإنفجار وفقا للجدلية المادية التاريخية الماركسية، وبذلك تكون وقائع انهيار التجريب الإشتراكي “إستدراكا” جدليا تاريخيا، لم يقررها ماركس، وإنما أضافها إلى نظريته تطور التاريخ الجدلي، فعززت هذه الإضافة ـ على ما قد يزعم ـ جوهر النظرية الماركسية ولم تبطلها؟!

وقد يكون انهيار الأنظمة الإشتراكية تجربة قاسية تخوضها المجتمعات التي جرى تطبيق الإشتراكية عليها، فتتعلم منها أن الإشتراكية نظام يفضل نظام الرأسمالية الذي تلهث وراءه، فيجيء الدرس تعزيزا للنظرية الماركسية، وإضافة جديدة إليها، لم يتنبأ بها المؤسس لها، وإنما يسعها برؤيته العامة المبنية على الجدلية المادية التاريخية؟!

وما زالت الدعوة الماركسية نظرية تتسلح بها بعض حركات مقاومة الطغيان الرأسمالي العدواني الواقع على شعوب العالم المقهور؛ فالماركسية تمتلك آلية مقاومة للنظام الرأسمالي العالمي بامتلاكها حلما يناقض الطبيعة العدوانية الإحتكارية للنظام الرأسمالي.

ما زال في العالم المعاصر دول تنتمي لنظرية الماركسية، وتناهض بها؛ وما زالت في الزمن الراهن، أحزاب شيوعية لا يخلو منها بلد من بلدان المعمورة كلها، تؤمن بالمنهاج النظري الماركسي، وتبشر بالعالم القادم الذي بشر به ماركس. وهذه الدول والأحزاب التي لم تتحول عن قناعاتها القديمة بصوابية النظرية الماركسية في جوهرها، أو في تجلياتها، ورغم الزلزال الذي نزل في مساحة عريضة من حقل التجريب الماركسي؛ تراجع مواقفها وأساليب عملها، بغرض تكييف النظرية الماركسية مع تحولات الواقع، واستنادا إلى قانون الجدلية المادية الماركسية المركزي، قانون التناقض، بتخريج جديد له، لا يلغيه كله، ولا يسلم به كله؛ على افتراض أنه، هو ذاته، يخضع لمقولته البنيوية الأساسية، مقولة تغاير الشيء ذاته عن ذاته؛ فالماركسيون يمايزون ما بين تناقض الطرفين الذين يتوقف وجود أحدهما على فناء الآخر: (التناقض التناحري)؛ وتناقض الحالات لطرف واحد، يتجدد بذاته، فيتغاير عن ذاته، ليواصل ذاته الأعمق، أو الأرقى: (التناقض غير التناحري)!

لا يفي الإحتكام إلى التجريب بالمطلوب، إذا كان المطلوب نقدا محايدا للنظرية الماركسية؛ والنقد المحايد يقتضي مواجهة مباشرة مع مقوماتها الفكرية البكر، تلك التي توالدت منها وبها. وبهذا الإقتضاء المتحرر من قبلية الرفض أو قبلية القبول، نرى الماركسية فكرة لها مشروعيتها الملازمة لها، من غير تفريق أو جمع، ومن غير أن تتلقى مشروعيتها من غير دائرة وجوديتها.

 

عوامل التكوين الماركسي

 

نشأت الماركسية حوالي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي انفعالا بموقف “ردة الفعل” الذي عكسه رفض العمال في عدد من الدول الأوربية لممارسات النظام الرأسمالي الذي كان قد حقق تقدما ملموسا، وكان يواصل اندفاعه على قاعدة أن غايته هي تحقيق أكبر قدر من الأرباح من غير أن يراعي حقوق العمال المشروعة في ما تجني مشروعات الإنتاج من عوائد كان الرأسماليون يزدادون ثراء بها، ويزدادون قوة على تسخير طاقات العمال ونهب جهودهم.

الإستجابة للواقع:

تمرد عمال فرنسا في ليون، وعمال النسيج في سيليزيا بألمانيا، وشهدت إنجلترا حركة عمالية واسعة، عرفت بالحركة الشارتية، وتطلع العمال إلى تحقيق مطالب تدنيهم من نيل حقوقهم، ومنها أن تتوفر لهم ظروف حياتية أفضل، وأن يتقاضوا أجورا أعلى، وأن يقصر يوم العمل، وغير ذلك من المطالب التي توخوا منها استعادة بعض ثمار كدهم، واستعادة بعض الإحساس بالإنسانية التي كان أصحاب الرأسمال ينتهكون قيمها.

ولكن تطلعات العمال ومطالبهم كانت عفوية لا تستهدي بنظرية توجيهية تحدد الأهداف والوسائل تحديدا برنامجيا وعقيديا، وذلك على عهدة المنظرين والمؤرخين للماركسية. هذه الأخيرة التي ولدت، وفقا لدعوى الماركسية، من الحاجة الملحة إلى نظرية، يصفها الماركسيون بـ “العلمية”، تمكن طبقة العمال المقهورين من امتلاك زمام المعرفة بقوانين التطور الإجتماعي، والتي تفسر، وحدها ـ بزعم الماركسيين ـ حركة التمرد العمالي ضد الهيمنة الرأسمالية، في مجرى صراع تاريخي للطبقات، تحقق فيه طبقة العمال “البروليتاريا”، نصرا حاسما، وبحكم حتمية هلاك الرأسمالية، وتقدم الإشتراكية؛ يقول الماركسيون:

“وكذا، فإن تطور الحركة البروليتارية ذاته، قد واجه العلم بمهمة بالغة الأهمية، وهي مهمة وضع نظرية ثورية، وخلق سلاح أيديولوجي للبروليتاريا في صراعها ضد الرأسمالية، ومن أجل الإشتراكية. وقد لبى العلم، ممثلا في شخصي ماركس وإنجلس، هذا المطلب التاريخي الملح”(2).

استجاب مؤسسا النظرية الماركسية، ماركس وإنجلز، لوقائع التغيرات في العلاقة ما بين العمال وأرباب العمل، والتي صبغها القلق والرفض من جانب العمال، فأصدرا معا، ما يعتبره الأدب الماركسي، الوثيقة البرنامجية الأولى للشيوعية العلمية، والتي حملت عنوان: “بيان الحزب الشيوعي”(3) الذي كرسه مؤلفاه لشرح أسس الماركسية.

حدد البيان الشيوعي قوانين التطور الإجتماعي، وقرر الطبيعة الحتمية والمحكومة بقانون لعملية حلول أسلوب إنتاج محل أسلوب آخر، وذلك كله من وجهة نظر ماركس وإنجلز، الذين صدرا عما بدا لهما أنه حقيقة تطور المجتمعات ـ كلها ـ في الماضي، باستثناء النظام المشاعي البدائي، وهذه “الحقيقة” هي: “صراع الطبقات التاريخي”.

“وأثبتا أن سقوط الرأسمالية حتمي، وبينا الطريق إلى تكوين نظام اجتماعي جديد هو الشيوعية.. (و) أوضحا المهمة التاريخية للطبقة العاملة (البروليتاريا) باعتبارها المحول التاريخي للمجتمع القديم، وباني المجتمع الجديد، والمدافع عن مصالح كل الجماهير الكادحة”(4).

قدمت الماركسية صياغة جديدة للتاريخ الإنساني انطلاقا من وقائع محددة في المكان والزمان، ولدت انعكاسا لتطور تاريخي محدد ـ أيضا ـ بعوامله التكوينية. وارتكازا إلى وقائع الحركة العمالية في أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي. عممت النظرية الماركسية المفهوم المعطى من هذه الوقائع المحددة، وصنعت منه مقولة مركزية وعامة في التاريخ الإجتماعي، هي مقولة الصراع الطبقي، الذي يمثل، من وجهة نظر الماركسية، القوة الدافعة لتطور المجتمع المنقسم إلى طبقات متطاحنة؛ والمجتمعات الإنسانية ـ تزعم الماركسية ـ متطاحنة كلها، باستثناء أولها: المجتمع المشاعي البدائي؛ وباستثناء آخرها: المجتمع الإشتراكي الشيوعي.(5).

ماركس من المثالية إلى المادية:

ولكن الإنطلاق الماركسي من وقائع الحركة العمالية التي عاصرتها ولادة الماركسية، لم يأت مقطوع الصلة بعوامل سابقة على لحظة التحام الإنفعال الماركسي بالحدث الجاري، حدث اضطرابات عمال فرنسا وألمانيا وبريطانيا في أربعينات القرن الماضي؛ فالإلتحام الإنفعالي بين ماركس، المتبوع بإنجلز، وبين الحدث العمالي، والذي صيغ بلغة عقلية، كان نتيجة لتغيرات فكرية عرضت للمؤسس الأول للماركسية: ماركس، تسببت في تغيير موقعه الحركي قبالة متغيرات عصره.

إبتدأ ماركس حياته الفكرية هيغليا، وكان أشد تأثر ماركس بالفلسفة الهيغلية، تأثره بفلسفة التاريخ لدى هيغل (1770 ـ 1831م)، والذي ظل يلازم المؤسس للماركسية، رغم الإنقلاب الحاد الذي انقلبه ماركس على أستاذه والذي أدى إلى تحول ماركس من مثالية هيغل، إلى مادية، قامت، لدى ماركس، على أساس الجدلية الهيغلية ذاتها، مع إخراج مادي لها، أتاح له ـ لماركس ـ أن يقلب هيغل “رأسا على عقب”!

كان ماركس يعتقد أن هيغل اكتشف قانونا تاريخيا عاما، هو “الديالكتيك”، ولكن تطبيق هيغل له – اعتقد ماركس – كان ميتافيزيقيا، وغير علمي. قبل ماركس وإنجلز المنهج الديالكتيكي الهيغلي، بعد تحويله إلى منهج ديالكتيكي مادي، استعاضا فيه عن تاريخ الروح التي تشق طريقها إلى المطلق في الفلسفة الهيغلية، بالأساليب الإنتاجية التي – زعما أنها – تدفع التاريخ الإجتماعي إلى المطلق الشيوعي، من خلال الصراع الطبقي، الذي حل لدى ماركس، محل الصراع بين الأمم.

“كان هيغل هو الأصل الذي استمدت منه نظرة ماركس التاريخية إلى التطور الإجتماعي، فهذه النظرة التطورية ترتبط بالجدل (الديالكتيك)، الذي اقتبسه ماركس بلا تغيير عن هيغل”(6).

وجدلية هيغل، التي تمثل محور فلسفته، تسير في ثلاث مراحل: قضية؛ قضية مناقضـة للقضـية الأولــى؛ ثم قضية مركبــة من القضيتيــن الأولــى والثانيـة، ما تلبث ـ القضية الثالثة ـ أن تصبح قضية جديدة أولى في المسار الجدلي الذي يتواصل إلى بلوغ المطلق الوجودي الذي تتطور إليه الروح عبر التاريخ.

وتحت تأثير مادية فورباخ، تحرر مؤسسا الفلسفة الماركسية من مثالية هيغل. وكان فورباخ (1804 ـ 1872م) أحد أبرز الفلاسفة الماديين في عصره. رفض المثالية والدين، ورفض حصر الفلسفة في إطار الفكر الخالص، ورأى ” أن من واجبها (يعني الفلسفة) دراسة الطبيعة والإنسان. والطبيعة موجودة خارج الإنسان، وهي كائن أول، أولي وغير مشتق. أما الإنسان فهو جزء من الطبيعة ونتاج لتطورها الطويل الأمد. والوعي في رأي فورباخ، لا يسبق الطبيعة بل يعكسها ويستوعبها. وأن المادة، الطبيعة، قابلة للمعرفة”(7).

صار الجدل الهيغلي ذا مضمون مادي فورباخي لدى النظرية الماركسية التي “تولدت عن النضال التحرري للطبقة العاملة في أربعينات القرن التاسع عشر”(8)، من حالة انفعال الفكر الجدلي المادي بوقائع حركة تناقض مصالح العمال مع أرباب العمل. وتضخم الإنفعال الفكري من جانب مؤسسي الماركسية إلى الحد الذي ترك عامل الحركية يطغى على النظرية الناشئة، ويوجهها إلى مذهب يقرر “أن الصراع الطبقي هو القوة المحركة الجبارة لتطور المجتمع المتناحر طبقيا ومصدر هذا التطور”.

وكان للمواقع المتغيرة التي تقلب فيها ماركس أثرها الفاعل على الصياغة النظرية للماركسية. وكان تغير موقعه من الديمقراطية إلى الشيوعية الثورية (عام 1844م) سببا لتغير رؤيته للعالم. نتج هذا الإنتقال بين المواقع “عن تطور الصراع الطبقي في أوربا، وعن اشتراكه في الصراع الثوري في باريس، وعن دراسته للإقتصاد السياسي والإشتراكية الخيالية والتاريخ”(10).

طبقية الماركسية:

ورغم هذا التداخل بين عوامل الفكر والحركة التي ساهمت في بناء نظرية الماركسية، فإن العامل الحركي الثوري، الذي ظهر بنشوء حركة العمال الثورية، واستجابة ومشاركة ماركس لها، هو العامل التكويني المحوري في النظرية التي صاغها ماركس وإنجلز، والتي لم يكن هدفها تفسير العالم، وإنما تغييره أيضا، ولهذا كانت السمة الرئيسية للماركسية – يقول أدبها – هي أنها “تجسد الدور التاريخي للطبقة العاملة، بوصفها بانية مجتمع شيوعي لا طبقي”(11). والفلسفة التي وضعها مؤسسا الماركسية، كان يراد منها أن تمد الحركة العمالية بسلاح روحي في معركتها الطبقية ضد الرأسمالية، وأن تمثل أداة قوية لتغيير الواقع. فهي فلسفة ذات طبيعة طبقية، تعبر عن مصالح العمال، وتتلخص قوتها “في صلتها العضوية بالنشاط العملي، وفي أنها تخدم نضال الطبقة العاملة ضد الرأسمالية ومن أجل الإشتراكية والشيوعية”(12).

الطبيعة الطبقية للنظرية الماركسية، هي القضية المركبة من قضية الجدل الهيغلي المثالي، وقضية المادية الفورباخية غير الجدلية. وعلى أرضية واقع ثوري عمالي مناهض لاستغلال الرأسمال، تولدت نظرية جدلية مادية شكلت الوعي الماركسي بالوقائع المعاصرة لكل من ماركس وإنجلز.

والوعي، لدى الماركسيين، أعلى أشكال انعكاس الواقع الموضوعي. ويرجع أصله، فيما يرون، إلى نشاط الناس الإنتاجي الإجتماعي، وهو نتاج للتطور الإجتماعي، ولا يوجد خارج المجتمع. وهو يوجد بالمعرفة التي هي نتيجة لنشاط الإنسان التاريخي الإجتماعي(13). ويقرر ماركس أن “عالم الأفكار ليس سوى العالم المادي منقولا كما هو ومترجما إلى الروح البشرية”(14). الوعي، بعبارة ماركسية محددة، هو انعكاس للوجود الإجتماعي للناس. والوجود الإجتماعي مقولة فلسفية ماركسية تشير إلى الحياة المادية للمجتمع، التي تتألف من إنتاج السلع المادية، والعلاقات المادية التي تتشكل بين الناس خلال عملية الإنتاج والحياة العملية المحسوسة للمجتمع(15).

وقد كرس غارودي، قبل تحوله عن الماركسية، كتابه حول النظرية المادية في المعرفة لأداء مهمة البرهنة على أن “الفكر يخرج من المادة، لكنه لا يماثلها أبدا”(16). فالمعرفة الماركسية بالعالم خرجت من المادة، أي من واقعة موضوعية اجتماعية وقتية؛ ولكنها لم تتحدد بزمانية ومكانية وقضية هذه الواقعة، أي لم تماثلها، وتجاوزت الوجود اللحظي، إلى الوجود المطلق، المادي والحيوي والإجتماعي، ووسعت من مقولة خرجت من واقعة ثورية عمالية لها أسبابها الظرفية، لتقرر منها مذهبا شموليا في تفسير العالم جملة واحدة، وبقانون محوري هو قانون التناقض؛ وهو صورة مكبرة وممطوطة عن فكرة صراع الطبقات التي عكسها الوعي الماركسي بوقائع حركات العمال في أربعينات القرن الميلادي التاسع عشر: قانون التناقض، أو ما يسميه الأدب الماركسي “قانون وحدة وصراع الأضداد”؛ وهو صورة مكبرة لفكرة صراع الطبقات: فالتناقض مقولة تشمل العالم كله، وقانون صراع الطبقات يشمل الوجود الإجتماعي، المشمول بالعالم كله، أي المشمول بمقولة أو قانون التناقض؛ وهو صورة ممطوطة من فكرة صراع الطبقات، لتفاوت المدى الزماني لكل منهما؛ فالتناقض الماركسي “مقولة في الجدل تعبر عن المصدر الباطني للحركة، وجذر الحيوية ومبدأ التطور جميعا”(17)، لا تستثنى منه حالة من حالات الوجود، لا كمية ولا كيفية، ولا حالة المجتمع الشيوعي كما يتنبأ به الفكر الماركسي؛ أما الصراع الطبقي فهو القوة المحركة لتطور المجتمع “المتناحر طبقيا”، ومصدر هذا التطور(18)، والمجتمعات المتناحرة طبقيا، بالتوصيف الماركسي، هي الواقعة في المدى التاريخي الإنساني ما بين نهاية المجتمع المشاعي البدائي، وبداية المجتمع الإشتراكي الممهد للمجتمع الشيوعي.

التناقض أو وحدة وصراع الأضداد:

قانون وحدة وصراع الأضداد هو “جوهر الجدلية وقلبها” بعبارة لينين(19)، التي أكدت عليها الموسوعة الفلسفية الماركسية بالقول: “إن التناقض هو المقولة الرئيسية في الجدل المادي”(20)؛ فهو يكشف عن القوة الدافعة في حركة التطور المادي العالمي، ويفسر جميع مقولات الماركسية الأخرى الجدلية: “التطور بالإنتقال من التغيرات الكمية إلى التغيرات الكيفية، وانقطاع الإنتقال التدريجي، والطفرات، ونفي اللحظة المبدئية في التطور، ونفي هذا النفي نفسه، والتكرار في مستوى أعلى لبعض ملامح وجوانب الحالة الأصلية”(21)، وغير ذلك من مقولات الماركسية(22).

ينبني قانون التناقض الماركسي على ما يحسبه الفكر الماركسي جوانب متضادة للإشياء والظواهر، التي تتواجد جنبا إلى جنب، ولكن في حالة تناقض دائم، وصراع فيما بينها(23). والأضداد تستبعد بعضها البعض، وتفترض وجود بعضها البعض، وهي تترابط في علاقة لا تنفصم هي علاقة “وحدة الأضداد”(24).

ولتوضيح معنى التناقض، يسوق أفانا سييف صاحب “أسس المعارف الفلسفية” أمثلة عديدة من مستويات الوجود المادي والحيوي والإجتماعي، منها مثال المغناطيس الذي يتناقض قطباه، ولا ينفك عن التناقض مهما وقع له؛ فإذا قطع قطعتين، تناقضت كل قطعة منه إلى قطبين، وهكذا دواليك، لا التناقض ينتفي، ولا نفي القطبين المتناقضين ينعدم، ولا ينفرد قطب من القطبين بالوجود في غياب القطب الآخر. ومن أمثلة التناقض التي يضربها سييف مثال تناقض طبقة العمال مع أرباب العمل في المجتمع الرأسمالي، الذي لا يقوم – في رأيه – إلا مع التناقض، أو بالتناقض بين الطبقتين، مع ما يقتضيه هذا التناقض من “وحدة الأضداد” بين الطبقتين.

وعلى ما تقرره الجدلية، وما تفرضه، فإن متناقضا من المتناقضين المجتمعين في الشيء أو الظاهرة، لا بد وأن يهدم نقيضه، ليصير النقيضان معا حالة جديدة ما تلبث أن تعيد المسار الجدلي ابتداء منها، مرة أخرى، باعتبارها نقيضا يقتضي وجود نقيض آخر له.

وقد يبدو تحقق الجدلية فيما وصف بأنه تناقض بين قطبي المغناطيس غير مفهوم؛ فإذا كان التناقض هو العلاقة بين طرفين لا يتعايشان معا إلا عيشا من غير دوام، فالعلاقة بين قطبي المغناطيس علاقة تعايش مع دوام بالحكم القاطع لتاريخ المغناطيسية إذا جاز القول بأن للمغناطيس تاريخ وهو قول نعتقد أنه لا يجوز إلا أن يكون قولا جزافا تقتضيه الجدلية الهيغلية، والجدلية الماركسية المتطابقة منهجيا مع جدلية هيغل. ثم هو قول يجوز إذا تغيا قائله تعميم فكرة تصور حالة محدودة الزمان والمكان، هي فكرة الصراع الطبقي التي ابتدعتها الماركسية بالإرادة المنفعلة بحركات عمال بعض البلدان الأوربية في أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي؛ فإذا قصد منظرو الماركسية المؤسسون والتابعون إلى استيلاد قانون التناقض الشامل لكل شيء ولكل ظاهرة، من فكرة الصراع الطبقي، إذا قصدوا ذلك، فقد يفهم بعض من لا يفهمون على الإطلاق، أن التناقض، أو صراع الأضداد، وصف صحيح لعلاقة قطب الشمال مع قطب الجنوب في مغناطيس واحد أو مغناطيسين.

ولكنه لن يشق على الفهم أن يقال أن المجتمع الرأسمالي حالة اجتماعية يتواجد فيها نقيضان متضادان متصارعان، يتعايشان زمنا محددا، على طوية رفض أحدهما للآخر بحكم اختلاف الطبائع، أو اختلاف المصالح الطبقية الإقتصادية، كما يؤولها الماركسيون، إلى أن تتفجر هذه الحالة المتناقضة بنضال البرولتاريا، فتصير حالة التناقض ـ التناحري بين العمال وأرباب العمل ـ حالة اجتماع اشتراكي، ثم شيوعي.

لا يشق على الفهم مثل هذا المنطق الجدلي الماركسي، بشرط ضروري هو أن يرتد الفهم في التاريخ إلى أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي، فإن من شأن هذا الإرتداد أن يتلقى الفهم مضمون الجدلية الماركسية هذا تلقي الحالم بزوال كابوس الاستغلال الرأسمالي في مستقبل الزمان، لا تلقي الواثق بوقوعه، فهو على أدنى القول، لم يقع منذ نص عليه الدعاة إليه، وإلى هذا اليوم.

وهو لم يقع، لا بسبب تعثر حظ الجدلية ـ هيغلية أو ماركسية ـ في مسارها التاريخي؛ ولو صادف أن كان هذا السبب هو مانع الوقوع، فهذا المانع يشطب، بلا تردد ولا هوادة، مقولة الضرورة التاريخية التي يدعي الجدليون المثاليون والماديون أنها ترسم خط التقدم التاريخي نحو المطلق، بحركة تكتسح كل الموانع، إذ أن الموانع كلها، بزعمهم، مطايا للمطلق التاريخي: الروح في ذروة تحققها عند هيغل، وهي ما جسدته في تصوره، الدولة الألمانية في عصره؛ والمجتمع الشيوعي ذروة صراع الطبقات أو الغاية الأعلى لتناقض أساليب وعلاقات الإنتاج المادي الإقتصادي، عند ماركس؟!

الصراع لازمة للأنا العدوانية:

لم يقع الحلم الماركسي منذ تراءى لأصحابه، بسببه هو، لابسبب خارج عنه. فهو حلم مفتعل من واقعة مربوطة بظروفها الموضوعية المحدودة في الآن والهنا، تمتثل، شأن كل واقعة وجودية أخرى، لقانون التغير الذي يغير الظرف والمظروف معا، وعلى الدوام. فالواقعة، كل واقعة، ذات وجود محدود له حكمه المحدود. لكن افتعال قانون عام يزعم له الصدق على التاريخ كله، من واقعة ماثلة للتغير في كل آن، ومع تقدير توفر حسن النية، هو افتعال حلم يوهم أن البطون المنتفخة كلها، وعود بولادات تامة ومعافاة، بحجة أن بطنا منفوخا ما، انفرج عن وليد حي كامل الأوصاف. فإذا وعد بطن منفوخ بولد أو بنت، فإن ثمة بطونا تقتل أجنتها، وثمة بطونا ينفخها الوهم الحالم، وتكذب على أصحابها إلى حين يفضحها التحقيق، أو إلى حين ترتخي توترات الكروش، وتتلاشى فقاقيع الغازات.

ليس صراع الطبقات قانونا تاريخيا حاضرا على امتداد الزمـان والمكان المطلقين، ـ باعتبار مطلقية الزمان والمكان إشارة إلى المدى التاريخي المكاني كله، وليس على المعنى الذي تحمله الفكرة الماركسية المبني على رفض فكرة وجود إلاه خلق الزمان والمكان ـ والمجتمعات لا تنقسم إلى طبقات بضرورة لا تتخلف عن التجسد في الواقع في مجتمع واحد على الأقل؛ وقد يتباين المجتمع إلى طبقات، ولا تتمايز الطبقات في غيره؛ وقد توجد طبقات، لكنها طبقات لا تتصارع على المصالح الإقتصاية كما تزعم الماركسية؛ كما توجد طبقات لا تخمد نيران الحرب بينها، لا لأن الحرب قدر محتوم بين طبقتين أو طبقات تتعارض مصالحها الإقتصادية، ولكن، لأن طريق الحرب إرادة لها بدائل أخرى يختارها أولئك الين يعتقدون أن نيران الحرب تأكل مشعلي فتيلها، بينما هي تمتد لتحرق أرضا واحدة، بيد أن الأرض تسع الناس والأحياء عامة، تحت مظلة سلام يبدعه عقل منفتح على إرادة خيرة جسورة.

الصراع ليس لازمة طبقية، ولكنه لازمة للأنوات المتضخمة بالعدوانية التي قد تنشأ من وضعية طبقية، وقد تنشأ منها الوضعية الطبقية ذات العلاقات التصارعية؛ لكنها ـ الأنوات العدوانية، وعلى كل أحوالها ـ لها سبب نشوئي أعمق في الوجود، الإنساني وغير الإنساني، أعمق من الطبقية، ويتوغل في الوجود بكليته إلى ذروته التي تتمدد فيه، وبه، من “الأول” الذي لا يسبقه سابق، إلى “الآخر” الذي لا بعد بعده؛ ذلك السبب الذي تنتج عنه الأسباب والمسببات كلها، هو الفاعلية الوجودية التي لا تنفك عن الوجود، ولا ينفك الوجود عنها، أو التي هي الوجود، والوجود هي.

التفسير الفاعلي للوجود:

وتدنو النظرية الماركسية من الإعتراف بالفاعلية الوجودية سببا نهائيا للحركة التاريخية الإنسانية، بما فيها الصراع الطبقي، عندما تؤكد على أن “التنوع الكبير في أشكال المادة وحركتها ينطلق من أن جميع الظواهر الطبيعية التي لا يحصى عددها، ترجع إلى مظاهر المادة وأشكال حركتها، فلا يوجد أي شيء غير المادة المتحركة”(25).

تكاد الماركسية تقرر التفسير الفاعلي للوجود لكل الحادثات الوجودية، بما فيها حادثات الصراع الطبقي التي تولدت نظريتها منه، فلم يعقها عن هذا التقرير إلا ترددها بين الواحدية والثنائية؛ فهي واحدية لكنها لم تبرأ من الثنائية التي لا حيلة لها للبراءة منها، طالما كان التفسير الطبقي يستدعي حالتين وجوديتين ترفض إحداهن الأخرى، وطالما كان المنهج الجدلي ذاته، يستدعي وجود قضيتين متناقضتين، يصيران قضية ثالثة ما تلبث أن يتولد منها، مقابل اعتبارها قضية أولى، قضية ثانية، وهكذا دواليك إلى غير نهاية يفرضها المنهج، لدى تطبيقه على مسار التاريخ الإنساني، الذي تنتهي جدليته – الماركسية – الثنائية إلى واحدية شيوعية مطلقة، تكرس بدورها ثنائية التاريخ الإنساني، إلى تاريخ مجتمعات طبقية، وآخر لا طبقي. بينما التاريخ الإنساني كله، هو تاريخ تحقق الفاعلية الإنسانية، بأشكال متعددة، لا تنفي واحديته، وتثبت أن الفاعلية الوجودية، قادرة دوما على التفتح المتواصل، وعلى اجتياز الفواصل بين آنات الزمان الوجودي؛ هذه الفواصل التي تستلزمها طبيعة الحركة الفاعلية، طبيعة التكثر؛ فالتكثر لا يقع إلا بفواصل، والتكثر الذي هو صورة الفاعلية الوقائعية، لا يسلب الخاصة الأولى والنهائية للوجود، خاصة الفاعلية، لا يسلبها طبيعتها، وإنما هو يؤكد عليها، فما تكثره إلا برهان على الفاعلية ذاتها، الواحدة في جوهرها وأعراضها، والتي لا يقوم فيها الجوهر مقابل أعراضه، فمثل هذه المقابلة ثنائية زائفة، تزرع بين الشيء وذاته وهما تصوريا لا يصدقه الواقع.

القهر مذبح المجتمعات:

صراع الطبقات ليس تفسيرا جذريا لتاريخ التغير الإجتماعي، أو تاريخ الصراع الإنساني. والناس لا يصارعون الناس لدوافع اقتصادية خالصة كما يفترض الفكر الماركسي الدائر على مقولة صراع الطبقات. على أن ذلك لا ينفي أن بعض الصراع التاريخي هو صراع طبقات على قاعدة الصراع على مصالح اقتصادية، أو هو صراع مصالح اقتصادية، وإن لم يكن صراعا بين طبقات. وقد يكون لصراع ما دوافعه الاقتصادية لدى جانب، ودوافع غير اقتقصادية لدى الجانب الآخر له. ولكن الصراع في كل حالة من حالاته، تعبير عن الفصلية الفاعلية المتجمدة بالوهم القاصر عن تعمق المعنى الوجودي المتحقق في الأشكال الإجتماعية المتكثرة، مادية وروحية، من غير ثنائية، فتستحيل الفصلية الفاعلية – هذه – أداة عدوانية تنتفخ بها الأنوات فتجور على أنوات أخرى، لها حقها المشروع وجوديا في المشاركة المتساوية في عملية تسخير مقدرات الحياة، الممنوحة إمكانا للجميع، والإنتفاع بهذه المقدرات دون قيود يغل بها القاهرون المقهورين.

علاقات الطبقات المتصارعة هي علاقات قاهر بمقهور. ولا ينحصر القهر بين الطبقات، وقد يكون في الطبقة الواحدة، ويكون بغير طبقات، ويكون في ذات فردة. القهر علاقة تنتج استغلالا عدوانيا للطاقة الفاعلية المحرفة بإرادة لا واحدية. أما إرادة الواحدية، البريئة من شوائب الثنائية، فهي إرادة السلام. والسلام مطلب المقهور، ومطلب القاهر أيضا. القاهر والمقهور صورتان للفاعلية الوجودية الواحدة التي تنطلق من إسارها بالحب، عبر العدالة، نحو السلام. أما القهر فهو النار الأكول للقاهر والمقهور.

القهر مذبح المجتمعات الطبقية وغير الطبقية، وهو أصل الصراع بدوافع اقتصادية أو غير اقتصادية. وكما تنبأت الماركسية بسقوط المجتمعات الرأسمالية التي تقهر فيها طبقة أرباب العمل طبقة العمال، أثبتت الممارسة الماركسية الإجتماعية أن القهر يهدم التجارب الماركسية التي لا تقوم على قاعدة الطبقية الاقتصادية، وإن كان هذا لم يمنعها من القيام على قاعدة الطبقية القهرية؛ القهر النظري الذي يرتكز إلى زعم قطعي لا فسحة فيه للحرية العقلية، زعم يزعم أن الكشف الماركسي هو نهاية مطاف تكشف الحقيقة النظري؛ والقهر العملي الذي حجب الكثر عن الإنفتاح على وجود فيه غير، وغير يحقق الفاعلية التي تتحقق في الماركسيين أيضا، من بين من تتحقق بهم وفيهم أكوان الوجود المادية والحيوية، القهر الذي جمد طاقة الإبداع لدى الأفراد، بحجة أن الإبداع مهمة أداها المعلم الملهم بالنيابة عن الناس كافة، فإذا كان ثمة فسحة للإبداع، فهي فسحة لترداد الصدى، تتحرك به الحناجر بالصوت المرهوب بالسوط.

 

انغلاق الماركسية

 

فشلت التجارب الماركسية لأن الفشل كامن فيها. ولا تفشل تجربة إنسانية إلا لسبب واحد هو: انغلاقها. والأداء المغلق الذي ماز التجارب الماركسية، نتيجة طبيعية للنظرية الماركسية ذاتها. فإن صدورها عن واقعة مغلقة، هي واقعة حركة العمال في بعض بلدان أوربا في أربعينات القرن الميلادي الماضي. هذا الصدور عن واقع مغلق، أنتج نظرية انغلقت على ذاتها، بحصر حركة التاريخ الإنسانية المفتوحة على خيارات متعددة، في مسار واحد، هو مسار صراع الطبقات ذي الدوافع الاقتصادية، ومن ثم، بحصر رؤيتها في محبس الصراع الطبقي الاقتصادي؛ بينما للعقل رؤى كثر، أنتجتها وقائع أخرى، غير واقعة عمال محدودة الزمان والمكان والدوافع والتطلعات؛ رؤى للتاريخ الإنساني، تصدق كل منها صدقا نسبيا يعادل الحقيقة التاريخية المتموضعة لها، ولا تكذب بردها إلى حقائق تاريخية أخرى لا تتموضع لها، لأن رد مقولة إلى غير موضوعها تعسف منطقي، لا يقتضيه منهاج العلم القويم.

تفسير التاريخ الإنساني بالنظرية الماركسية حقيقة تصدق على موضوع تاريخي تتوافر فيه عوامل الصراع الطبقي الاقتصادي. أما إذا جاوزت النظرية الماركسية مساحتها التاريخية أو المنطقية، فادعت أنها التفسير الوحيد الصحيح للتاريخ الإنساني كله، فهي بهذه الدعوى تحشر عنقها في مقصلة المنطق ومقصلة التاريخ، وتقدم البرهان على انغلاقها في الوهم القاتل؛ بيد أن الحياة تتجدد بفاعليتها الوجودية التي تتأبى طبيعتها على الجمود في مأزق واهم أكره رأسه على ولوج مقصلة ينتهي عندها تاريخه، لا التاريخ كله.

النظرية الماركسية رؤية منغلقة رغم الصورة الشاعرية ذات الطلاقة الجمالية التي ترسمها للشيوعية؛ فهي منغلقة بمعيار الجدلية ذاتها، التي يزعم الماركسيون أنها لا بد وأن تؤول إلى الشيوعية، بضرورة لا تنازع؛ الجدلية المستنبطة من مقولة التناقض بين القضية والقضية المناقضة لها، على نحو ما صوره البروفسور بارنت سافري بقوله:

“يشرح الماركسيون عقيدتهم في النقائض بالطريقة التالية: تحتوي الأشياء كلها قوتين جوهريتين متناقضتين، أحدهما يسمى “الموضوع” والآخر “نقيض الموضوع”، وتقوم القوتان بتدمير نفسيهما، وينشأ من هذا التدمير وضع جديد يسمى “مركب النقيضين”. وأخيرا، ينهار المركب من النقيضين لينتج نقائضه ـ فتدور الدورة: نقيض يقابل نقيضا، ثم، وصدورا عن هذه القوى المتناقضة التي انهار إليها “مركب النقيضين” الأول، ينتج “مركب نقيضين” جديد ـ وهلم جرا”(26).

الجدلية صحيحة المنطق وهي تقرر أن كل مولود والد، ولو على سبيل الإمكان؛ ولكنها تجافي المعقول إذا حكمت على مولود من مواليدها بالعقم الأبدي الذي لا دواء له. فالشيوعية في النظرية الماركسية مولود لا يصير والدا، ولو على سبيل الإمكان، هذا رغم أن الأدب الماركسي لا يستثني الحالة الشيوعية من قانون التناقض، لكن تناقض الشيوعية “داخلي” ولا يدمرها؛ فهي نهاية الجدلية التاريخية – التدميرية – والتي تتأبى على التفتح على أفق تاريخي مغاير لها؛ عند الشيوعية تتوقف الجدلية التاريخية – بمعناها الكلي – بينما تنفي طبيعتها خاصة التوقف عند مرحلة من مراحلها، فإذا أوقفتها الحالة الشيوعية، فإنما هي ـ الشيوعية ـ حالة منغلقة على أنوية متضخمة بابتلاع التاريخ كله، ما قبلها وما بعدها، كما هي حالة مغلقة لإغلاقها مجرى الزمان عند اللحظة التي يتكشف عنها، إذا كان من جوده التكشف عنها.

منهج الجدل التاريخي، إذا صح اعتباره قانونا عاما شاملا، فلا يصح إلا بشرط انطباقه على التاريخ كله. أما استثناء حالة تاريخية ما منه، فهو إبطال له، أو إبطال للحالة المستثناه؛ وعندما يتواجه المنطق مع مشكلة تحديد بطلان أي من الفكرتين المتنازعتين على شهادة الصدق المستحقة لإحداهما دون الأخرى، فإن المنطق ينحاز إلى تأييد فكرة التفتح المتواصل للفاعلية الوجودية المتحققة في التاريخية الإنسانية، انحيازا منه إلى مبدأ الحرية الإنسانية التي لا يستقيم لها معنى مع معنى نهاية التاريخ الجدلي أو غير الجدلي الذي تدعيه الماركسية وغيرها من القوى المستبدة بالمقهورين من الناس. فإذا رفض منهج الجدلية التاريخية، المتطابق مع منطقه، حالة الاستثناء التي يدعيها الماركسيون، فإن الشيوعية فرضية ميتة، تقتلها انغلاقيتها دون الطلاقة الفكرية والطلاقة التاريخية.

وانغلاقية الفكرة الشيوعية خاصة للنظرية الماركسية أنتجت فكرة انغلاقية أكبر هي فكرة انغلاق التاريخ في مسار دائري؛ من مشاعية أول التاريخ إلى شيوعية نهاية التاريخ، على فهم أن التاريخ تأريخ التغير الملازم للظاهرة الإنسانية، الذي لم ينفك، وليس ثمة إشارة توحي إلى أن التغير قد ينفك، عن الظاهرة الإنسانية أو غيرها من ظواهر الوجود.

انغلاق يلد انغلاقا:

ودائرة التاريخ المتخيلة من مشاعية بدائية إلى شيوعية “علمية”، هي دائرة التاريخ العقيدي اليهودي من جنة أولى خرج منها الأب الأول إلى جنة أخرى يعود إليها اليهود، ولا أحد غير اليهود.. أو هي دائرة التاريخ الذي ابتدأ بالدخول العبراني الأول إلى فلسطين، وينتهي بالرجوع مرة أخرى إلى “أرض الميعاد” التي وعد الله بها “شعبه المختار”..

ماركس، مؤسس الماركسية الأبرز، يذكر من طفولته أنه كان يهوديا، واليهودية عقيدة مغلقة(27). والتحول الذي تحولته عائلته – مضطرة – عن عقيدتها اليهودية إلى العقيدة المسيحية، كان تحت ضغوط بيئية مغلقة أيضا، وكان له دوافعه المعاشية الاقتصادية، ومثل هذا التحول ـ بالإكراه ـ يعزز الميول الإنغلاقية لدى الناس، عن وعي أو غير وعي، بدوافع أمنية وجودية غريزية، وبقدر الحاجة إليها، ويبدو أن القدر الذي كان يحتاج إليه ماركس من انغلاقه على ذاته كان كبيرا، بدلالة أن انعكاسه على فكره وعلى أخلاقه كان كبيرا.

هيمنت انغلاقية التراث اليهودي على رؤية ماركس الفلسفية، فعاير أحداث عصره بمعيار الإنغلاق على وقائع محددة، أغلقها على رؤيته للتاريخ كله، مثلما تغلق اليهودية رؤيتها للتاريخ ولما هو أوسع من التاريخ، على الشعب اليهودي، “شعب الله المختار”، هذا “الله” الذي هو رب اليهود من دون الناس، الذي رفع “شعبه” فوق الشعوب، والذي وعده بأرض تفيض لبنا وعسلا، والذي اصطفاه على العالمين، لا لرسالة عالية يحملها، ويؤديها على وجهها الصحيح، بل له ذاته أيما كانت الرسالة وأيما كان الأداء.

انغلاق اليهودية هذا على ذاتها، وفرضها الإنغلاق على فكرة الله، وعلى فاعليته المطلقة بطبيعتها، انعكست في النظرية الماركسية التي أغلقت على التاريخ الإنساني وعلى الفاعلية الوجودية المطلقة بطبيعتها، دائرة ضيقة الزمان والمكان، ودائرة مفهوم محدود للنشاط الإنساني تحصره في النشاط الاقتصادي، وتفسر، بهذا الأخير، كل نشاط غيره؛ ولكنها في الحقيقة تفسر بهذا التقييد، انعكاس التراث اليهودي على تفكير ماركس، وهو ـ التراث اليهودي ـ يقدس المال، لما للمال من دلالة على انغلاق حائزيه ومانعيه؛ فالمال المحوز الممنوع ـ أو الملك عامة ـ هو الذات المنغلقة على جورها على الآخرين على صورة مجسمة مفضوحة فاضحة.

شيوعية ماركس جنة اليهود:

وقد يعجل عجول فيرد تهمة التأثر الماركسي بتقديس اليهود للمال بما تتصوره الماركسية من حالة شيوعية يختفي فيها المالك والمملوك؛ وهو رد مقبول إذا تأنى العجول وأثبت أن الشيوعية الماركسية براء من علاقة عضوية تربطها بالتاريخ اليهودي مثلما يرتبط التفسير الاقتصادي بالخلق اليهودي الأنوي الجامع المانع للمال. الشيوعية الماركسية هي “جنة الآخرة” أنزلتها النظرية الماركسية إلى الدنيا، فردتها إلى موضهعا الأولي الذي وضعتها فيه ثقافة الأولين اليهود المدونة في العهد القديم، والتي تخلو من أية إشارة إلى جنة ما بعد الموت، وتنص على أن جنة اليهود هي فلسطين، “الأرض التي تفيض لبنا وعسلا”؛ أي جنة في الدنيا؛ جنة دنيوية توفر لكل “قدر حاجته” وهو ما توفره جنة الماركسية، التي لا تعفي، مثل جنة اليهود الأولى، من بذل العمل على قدر الطاقة. ثم إن جنة الماركسية وجنة اليهودية الأولى مكافأة يحصدها العاملون لها: طبقة العمال في الماركسية؛ وأبناء “الشعب المختار” في اليهودية.. وجنة ماركس لأولئك المؤمنين بالتفسير الاقتصادي للتاريخ؛ وجنة اليهود لأولئك الكانزين المال المانعين له ـ بحقة ـ عن “الغوييم”، كما تمنعه الماركسية عن غير العمال، حيث لا تسع جنتها إلا العمال.

إباحة المال:

وقد تكون إباحة المال في المجتمع الشيوعي – الماركسي – المتخيل، إسقاطا يعكس حاجة لدى ماركس، الذي قضى حياة الدعوة الماركسية معوزا لا يجد مالا يكفيه لمعاشه ومعاش أسرته؛ فما الحال الذي ينشده معوز للمال غير إباحة الملكية إذا كانت أقوى القوى العاملة في ذاته قوة التخيل لمجتمع موهوم، مركوزة بقوة التمثل لتاريخ يهودي عاشه أهله، ومنهم ماركس وأهله، وراء “غيتو” ظل يفصلهم عن مجرى الحياة المتدفق، كما عزل ماركس خياله في “غيتو الشيوعية”، فعزله عن الواقع الواسع الذي يهب الخلق أجمعين إمكانات الحياة لمن يطلبها على وجهها، لا للذي يتخيل أنه النهاية التي تصب بين يديها ثمار عمل الناس، دون أن يعمل هو إلا أن يبتدع لهم جنة من الوهم؛ وأراد أن يستبق الزمان، فابتدعها ـ ماركس ـ في العاجل، لنفسه، فطلب زاد المعاش كما يطلبه أهل الجنة؛ جنة خاصة به هو “النبي”: مكافأة خالصة دون عمل؟!

 وقد تكون إباحة المال في المجتمع الشيوعي الذي أبدعته المخيلة الماركسية، إسقاطا لرغبة تراثية يهودية بالإنتقام من المجتمعات التي عاش فيها اليهود أذلة، وليس أفعل من انتقام يشفي غليل الحقد، وفي معيار تراث يقدس المال، من انتقام يسلب المال من مالكيه، خاصة، وأن إسقاط الماركسية يوافق مجتمعات الرأسمالية المتقومة بالمال، والمتكون من جهد العمال المقهورين، وليس أقدر على تحقيق الإسقاط اليهودي التراثي المختزن عند ماركس، من طبقة العمال المكرهة على تحويل جهدها إلى مال يملكه أرباب الأعمال، فكرس ماركس نظريته لتحريض العمال ضد النظام الرأسمالي، وكان هذا التحريض هو التجديد الوحيد في النظرية الماركسية قياسا إلى النظريات الموضوعة من قبل، والمعنية بالمقولات والهموم التي عنيت بها الماركسية.

غيتو ماركس:

 ”غيتو الماركسية” صورة من غيتو اليهود، عزل فيه ماركس طبقة العمال في زمان مقطوع ومكان مفصول عن زمان ومكان الحياة الإنسانية الواسعة، ثم نقل ماركس “غيتو طبقة العمال” من بؤس الحياة تحت هيمنة الرأسمالية إلى “نعيم الجنة الشيوعية”، كما ينقل التراث اليهودي “غيتو اليهود” من بؤس الحياة خارج “أرض الميعاد” إلى الأرض التي “تفيض لبنا وعسلا”؛ أرض فلسطين.

شيوعية ماركس مولود شرعي للقهر:

وإذا كان مجتمع الشيوعية، هو الحالة التي تغيب فيها الملكية الفردية بالكلية، ويبذل فيها الفرد غاية طاقاته الإنتاجية، مقابل الحصول على كفايته من الاحتياجات، لا على كل العائد مما يبذل من مجهودات، على فرض أن عائدات إنتاجه تفوق قيمة احتياجاته، فما الدوافع التي تثمر قيمة العائدات الزائدة عن قيمة الاحتياجات المكفولة للعمال؟ المجتمع الرأسمالي يدفع إلى تحقيق القيمة الزائدة بإرادة تحقيق الأرباح الخاصة للأفراد، والمجتمع الشيوعي الذي يقوم على أساس رفض الماركسية لحق الأفراد في تحقيق أرباح من عملية الإنتاج، يجعل هذا التحقيق الزائد حقا مباحا للمجتمع كله، كيف يقنع العامل ببذل جهد يفوق الجهد الذي يكفل له احتياجاته إذا عادت ثمار جهده الإضافي للمجتمع وليس له؟ يقول التصور الماركسي للمجتمع الشيوعي أن كل زيادة في الجهد المنتج، هي زيادة في درجة إشباع الحاجات الفردية، المادية والمعنوية، وزيادة للإنتاج القومي؛ وهذه غايات اقتصادية يحققها منتج واع بالقيمة العميقة للعطاء غير المحدود من جهده، العائد إليه وإلى أفراد مجتمعه. وهذا الوعي المنتج هو وعي شيوعي يلد من قناعة مسبقة بالنظرية الماركسية التي تبشر بمجتمع العدالة المطلقة والسلام الجواني والبراني للفرد والجماعة، مجتمع لا تحكمه سلطة دولة؛ فلا دولة في المجتمع الشيوعي؛ بل تحكمه عقيدة تجعل من العمل، عملا خلاقا حرا، عملا لخير المجتمع بأسره، عملا “يتحول إلى الحاجة الحيوية الأولى، ويحمل إلى الناس فرح الإبداع، وأسمى التمتع”(28). ولا شك أن الشيوعية بهذا المفهوم تمثل “حلم الإنسانية المزمن”(29)، ولكن، هل تملك النظرية الماركسية إمكانات تحقيق الحلم الإنساني بشيوعية تحرر الناس من الإكراه على الحياة في نمط يفرضه القاهر على المقهور؟ الشيوعية تحرر من القهر إذا لم تلد، ولادة شرعية منه. أما شيوعية الماركسية فهي مولود شرعي للقهر، هي حاصل الصراع الطبقي الذي يتنازع فيه القاهر والمقهور، في ظل النظام الرأسمالي، على أساس نظري قاهر، منغلق على ذاته بزعمه أنه الرؤية الصحيحة ـ الوحيدة ـ  للحياة الإنسانية؛ ومنغلق على ذاته، لحصره مفهوم الحياة الإنسانية في دائرة الإقتصاد، بينما الإقتصاد وجه من أوجه النشاط الإنساني، لا كل أوجه هذا النشاط المتعدد بحكم قانون التعدد الوجودي.

النظرية القمعية لا تعطي الحرية:

فالشيوعية التي تبشر بها الماركسية حالة مغلقة، تنتج من نظرية مغلقة، القهر أس خصائصها، لا ينفك عنها بحكم علاقة الولادة من رؤية منغلقة تدعي أنها الرؤية الوحيدة التي تقود حركة التاريخ الإنساني نحو “الحلم المزمن”.

وما الحلم إلا الحرية‍‍‍!!

والصورة الشاعرية التي ترسمها النظرية الماركسية للحالة الشيوعية هي صورة الحرية… ولكن نظرية قمعية لا تعطي الحرية… فالحرية انفتاح يطلق إرادات الناس المتقومة بوعي متحرر لا يقيد حركة الحياة بواقعة محددة، ولا بتصور قطعي ناجم عن واقعة محدودة. الحرية إبداع يجدد الحياة؛ والنظرية المتورطة في واقعة جاوزتها وقائع لاحقة، سلفية تغتال مكنة الإبداع وتنازع الحياة حق التجدد الذي ينطلق من الحاضر وحده.

ماركس منغلق أخلاقيا:

الحالة الشيوعية انفتاح يبتعثه منفتح، وشيوعية ماركس انغلاق نتحه منغلق أخلاقيا. والإنغلاق الأخلاقي خاصة تنشأ من تفاعل مجموعة صفات، أكدت شهادات عدة أدلى بها عارفون بماركس، أنها ـ مجموعة الصفات ـ متوفرة في صاحب نظرية الشيوعية الماركسية، وهي تدور على محور أناني واضح، جعل أباه، هنريك ماركس، يصفه بـ “أن الأنانية غالبة عليه”(29).

وقال الكاتب الماركسي أوتو راهل واصفا ماركس في كتابه عنه، أنه “كان على الدوام متقلبا مبتئسا حقودا”.

ووصفه باكونين بأنه “يحب نفسه أضعاف حبه لأصدقائه ومريديه.. وما من صداقة تصمد لحظة إذا مسته لحظة في غروره وكبريائه، وأيسر من ذلك جدا أن يغفر الإساءة أو الخيانة لدعوته الفلسفية ورسالته الإجتماعية.. فإنه ينظر إلى هذه الخيانة نظرته إلى علامة من علامات القصور العقلي أو علامات امتيازه على صديقه فيرى فيها نوعا من التسلية المرضية، وقد يكون هذا الصديق أحب إليه وأدنى إلى قلبه لأنه يأمن أن يكون مزاحما له في رسالته أو منافسا على القمة العليا في شهرته.. غير أنه لا يغتفر أبدا أصغر الإساءات إلى شخصه، ولا بد لك من أن تعبده وتتخذه وثنا تصلي بين يديه إن أردت أن يحتملك ويصبر عليك”.

أضاف باكونين عن ماركس: إنه “ينطوي على خليقتين ذميمتين: الغرور والغيرة”… وأنه “أناني يفرط في أنانيته لحد الجنون”.

ولم ير كارل شورز قط، على ذمته، “رجلا بلغ سلوكه من البغضة التي لا تطاق ما بلغ سلوك (ماركس).. كان لا يعير التفاتة واحدة لفكرة تخالف فكرته أقل مخالفة، وكان يعامل كل من يخالفه معاملة ملؤها التحقير والإزدراء، ويجيب على كل قول لا يعجبه إجابة قارصة تسخر من الغباء المطبق الذي يرمي به قائله أو تلوح له بالاتهام وسوء النية”.

وقال عنه تيشو: “لو كان قلبه في عظمة فكره، وكان حبه في قوة حقده، لاقتحمت النار معه”.

ودمغه إنجلز، شريكه في تأسيس النظرية الماركسية، بـ “جمود الطبع”.

والربط بين صفات أخلاقية، أو سلوكيات نفسية، ونظرية فكرية، مدعاة لإثارة اعتراضات ضد تعليق أهمية على منهج يحاول التوكيد على انغلاقية فكرة عقلية بانغلاقية مؤسسها الأخلاقية. إلا أن مثل هذه الإعتراضات لها مسوغها المشروع، إذا صح جواز الفصل الوجودي بين العقلي والنفسي ـ الأخلاقي أو السلوكي ـ في فعل واحد يصدر عن فاعل واحد. وإذا صح مثل هذا الفصل الوجودي على مذاهب تجيزه، فهو لا يصح على مذهب الماركسية المادي الذي يصدر عن مفهوم واحدي مادي للعالم، ينبغي له ـ المفهوم الواحدي المادي ـ أن يعلو على مفهوم التناقض، الذي يوحي، بذاته، بانفصال فاعلية عن فاعلية، ولكن إلى الحد الذي لا يلغي مقولة “وحدة الأضداد”. وبإعمال هذه المقولة، فإن فاعلية ماركس، وحدة أضداد: صورة الشيوعية المجردة عن مقدماتها ومتعلقاتها التاريخية: صورة الطلاقة الوجودية؛ والسلوكية الأنانية لماركس، مؤسس النظرية الماركسية المبشرة بالشيوعية، سلوكية المنغلق.

الشيوعية تضاد الأنا المغلقة:

ولكن “وحدة الأضداد” هذه، برهان جديد على انغلاقية الماركسية، فهي “وحدة” مستعصية على الجدلية المادية المتقومة بقانون التناقض؛ أو هي “وحدة” لاغية للقانون الجوهري في جدلية ماركس. فإن إعمال قانون التناقض في حالة هذه “الوحدة” ينتج، وبعد هدم الحالتين معا، حالة جديدة مركبة منهما، فما هي الحالة الممكن تخيلها لمركب عضوي من الإنغلاق وضده، أي: الإنفتاح؟ فإذا استحال تصور هذه الحالة، لطبيعتها الضدية  ـ والقضيتان تكونان متضادتين إذا كان من الممكن أن تكذبا معا، وإن لم يكن من الممكن أن تصدقا معا ـ استحال أيضا إمكان تطبيق قانون التناقض، جوهر الجدلية، عليها؛ وهذه الإستحالة برهان جديد على انغلاقية الشيوعية على المنهجية الجدلية، وبرهان على انغلاقيتها على فاعلية المبشر بها؛ فهي ـ الشيوعية الماركسية ـ  صورة ليس لها جذورها في سلوكية ماركس الأخلاقية. فالإبداع الإنفتاحي للشيوعي المتخيل، سلوك أخلاقي لا يناقض ـ التناقض علاقة بين قضيتين، يستلزم صدق إحداهما كذب الأخرى، والعكس بالعكس ـ الأنانية المغلقة، ولكنه يتضاد معه. والضدان ينغلق كل منهما على الآخر؛ والتضاد علاقة تكريسية للثنائية الإنفصالية وجوديا؛ والأخيرة غير مشروعة على مذهب شيوعي يعزز القيم الواحدية التي تستحيل بها الكثرة قوى بانية للفاعلية الواحدية، ومدافعة عن مقولة انكشاف الفاعلية الواحدية الكلية، في الفاعليات الواحدية الفردية؛ الانكشاف المتحقق بالعطاء الجماعي المطلق للفرد، بدوافع حب متغلغل في الوجدان ومنتش في العقل. لكن الحب، كما تدل شهادات العارفين بماركس، لم يكن متغلغلا في وجدان مؤسس النظرية الماركسية؛ ومن لا يحب، ويخلص للحب، لا تصدق دعواه بأنه المبشر بالجنة: الحلم الإنساني السامق؛ المبشر بالجنة هنا في الأرض، لا هناك في السماوات!

لماذا ينكر الماركسيون الله؟

ولماذا الجنة هنا على الأرض، لا هناك في السماوات المحيطة بالوجود على وساعته، بما فيه الوجود في ضيق الأرض؟ لماذا تنكر النظرية الماركسية جنة الوجود على وساعته، التي يبشر بها الدين الإلهي؟! لماذا ينكر الماركسيون الله، ولم يثبت في تاريخ التفكير الإنساني كله دليل على نكران الله، إلا دليل يخطىء تقدير الألوهية ويتغياها هوى يطابق هواه؟! وما اللازمة اللازبة عن مذهب المادية الذي تعتنقه الماركسية التي توجب إلغاء فكرة الوجود الإلهي، طالما كان الوجود المشروع هو وجود المادة هنا وهناك، والآن وقبل وبعد؟! وما الفرق بين مفهوم الماركسية هذا، ومفهوم بستبدل كلمة “الله” بكلمة “المادية”، فيكون الله هو الوجود المالىء للهنا والهناك، وللآن والقبل والبعد؟! لا فرق إذا ما كانت الطلاقة الفاعلية هي معيار الحكم. ولكن الفرق ناتج طبيعة الإنغلاق في النظرية الماركسية، المتعضونة مع انغلاقية مؤسسسها الأهم السلوكية؛ فإن الإغلاق على الإنسانية بمغلاق الصراع الطبقي الإقتصادي، إغلاق على فكرة الألوهية المنفتحة على كل “هنا” و”آن”، والمنفتح بها الإنسان على خيارات متعددة، يحقق بها كثرته، بكثرة إبداعية، تتأبى على الإنغلاق طالما تواصلت فيها، وبها، فاعلية الوجود؛ فإذا أكرهت على الإنغلاق، فقد أكرهت على الموت: فالموت إيقاع الإنغلاق.

تجربة أوين ـ التعاون لا التنافس (الصراعي):

ولولا خاصة الإنغلاق العامة في النظرية الماركسية، لكان في وسع صاحبها أن يبصر طريقا آخر إلى نفض أعباء الإستغلال عن كاهل العمال، وأن يسلم بأن الصراع الطبقي الدامي، ليس الخيار الوحيد، لا هو، ولا التفسير الإقتصادي للعلاقات الإجتماعية، باعتباره التفسير الوحيد؛ لولا خاصة الإنغلاق التي أغلقت مجال الرؤية الواسع أمام التنظير الماركسي، لكان في وسع الماركسيين أن يقرروا أن الصراع بين الطبقات والمؤسس على التفسير الإقتصادي للحياة الإنسانية، خيار من خيارات كثر، كان منها تجربة روبرت أوين (1771 ـ 1858م) المعاصر لماركس، القريب منه في الزمان والمكان، فلا يفصله عنه إلا الجمود على مذهب اعتقد – ماركس – أنه أصح المذاهب، أو أنه المذهب “الأكبر الأعلى” الذي تذيب شمسه ما دونه من مذاهب!

بنى أوين تجربته على عقيدة تؤمن بالتعاون لا بالتنافس (الصراعي)،  وعلى أن العلاقة السليمة بين العمال وأرباب العمل، هي علاقة التوافق لا علاقة التصارع، وأدرك أوين أن التوافق بين العمال وأرباب العمل مرهون بمراعاة التوازن بين مصالح الجانبين. وأثبت تجربته التي أشرف على تنفيذها، أن حفظ مصالح العمال وضمان حقوقهم المادية والمعنوية يعود بالفائدة على أرباب العمل كما يفيدون من صيانة المكنات وزيادة قدرتها على الإنتاج.

كان أوين يعتقد أن سعادة المجتمع ترتبط بالظروف السائدة فيه، وأن الإنسان لا يصنع شخصيته بذاته، ولكن شخصيته تتحدد بفعل البيئة الإجتماعية التي تحيط به. وقام أوين بتطبيق أفكاره على ألفين من العمال لديه في المصنع الذي كان يديره، وبنى إدارته على خطة قدر بها توقعاته لتحسين الإنتاج، وكانت الخطة التي تحققت بها التوقعات الإقتصادية، منهجا في الأخلاق يدار به العمل بأسلوب الرأفة بالعمال. ولهذه الرأفة مردود إقتصادي لم يسقط من حسابات أوين، ولكنه ـ المردود الإقتصادي ـ لم يكن العامل الأهم، ولم يكن تحقيق أكبر ربح لرب العمل هو الغاية في ذاتها، وكان تحقيق أكبر ربح ممكن غاية مشتركة للعمال ورب العمل على السواء؛ فالربح فائدة مشتركة تتقاسمها عوامل الإنتاج على قاعدة عدالة التوزيع، والعدالة مقولة أخلاقية حكمت أسلوب الإنتاج في تجربة أوين التي لم يلدها الصراع الطبقي، وإنما ولدتها الإرادة الأخلاقية لرب عمل، وعى أن خيرات الوجود حق (مشاع) لكل موجود، وأن الخير تصنعه إرادات متعاونة؛ وأثبت أن إرادة الخير لها وسيلة أخرى غير وسيلة الصراع الطبقي الذي تمركزت حوله النظرية الماركسية، وانغلقت به عليه.

ألغى أوين استخدام الأطفال تحت سن العاشرة في مصنعه، وزود أطفال العمال بما يحتاجونه دون مقابل، ونظم للعمال دورات تعليمية، ووفر لهم مساكن نموذجية، وخفض ساعات العمل اليومي من سبع عشرة ساعة إلى عشر ساعات، وألغى الغرامات المفروضة على الأعمال الفاسدة الناجمة عما يرتكبه العامل من خطأ غير مقصود، وشجع العمال على التدبير وحبب إليهم العناية بصحتهم، ولم يوقف عنهم صرف معاشاتهم عندما توقف مصنعه بسبب كساد عام 1806م لمدة أربعة أشهر.

هذه التغيرات المذهلة التي خالف بها أوين سياسة أرباب العمل في عصره، والتي أثبتت أن زيادة أجر العامل، وتحسين ظروفه المعاشية، وتوفير مناخ إنساني له ولأفراد أسرته؛ استحقت، وعن جدارة، شهادة عصره، أنه “أنجز المحال”، وأبدع نموذجا إجتماعيا مثاليا(30).

ليس يحق للنظرية الماركسية أن تدعي احتكار الحقيقة، بينما الحقيقة معطى مشاع للإنسانية جمعاء. وإذا كانت مزاعم الماركسية صحيحة فليس من أهلية صحتها تجاوز السور الفكري الذي شيدته في باطن العقل، وتحصنت خلفه، وتوهمت، وهي في منغلقها أن المنهاج الذي أخضعت له تاريخ الإنسانية، وعموم الحركة الوجودية، هو منهاج الحق المستعصي على الشكوك أو إحتمالات الشك فيه!

 

نقد الجدلية الماركسية

 

تفند تجربة أوين شمولية الماركسية التي يزعمها الماركسيون لنظريتهم في التاريخ الإنساني. فالعلاقة بين العمال وأرباب العمل ليست جدلية (صراعية) في كل الأحوال؛ فقد تأخذ صورا أخرى، كما دلت تجربة أوين. والتي دللت أيضا، أن الأخلاقية طبقة تفسيرية أعمق من التفسير الإقتصادي للتاريخ؛ فالأخلاق إبداعات تصدر مباشرة عن الكينونة الوجودية لٌلإنسان، بينما الإقتصاد إبداع أداتي دفاعي عن هذه الكينونة، ودون أن يستغرقها كما تستغرقها الأخلاق التي يتبلور فيها العقلي والوجداني والإرادي الإنسانية، والتي تمثل صورة انفتاح الفرد كله على الكل الوجودي كله. أما الأداء الإقتصادي فهو بعض الفرد لا كله، وهو انفتاح بعض الفرد لا كله.

ومحدودية االتفسير الإقتصادي للتاريخ، أو تفسير التاريخ، كما تزعمه النظرية الماركسية، بالصراع الطبقي؛ تستمد بعض سببيتها من محدودية المنهج الجدلي الذي اقتبسه ماركس عن هيغل، فاستخدمه في تفسير التاريخ الإنساني المادي، وهو ما لم يمكن إثبات صدقه “إلا عن طريق تشويه الحقائق: فالإعتراف بنمط للأحداث التاريخية شيء، واستنباط التاريخ من هذا المبدأ شيء مختلف كل الإختلاف”(31).

الصراع محور الجدل الماركسي:

كان هيغل يعول أهمية على دور الحرب في صياغة التاريخ، وزعم أن له قيمة أخلاقية تتفوق على القيمة الأخلاقية للسلم. ويعكس الجدل، عند هيغل وماركس، محورية فكرة الصراع. وهو عند الأول صراع بين أمم، وعند الثاني صراع بين طبقات. وفي كلتا الحالتين، فإن تركيز التاريخ حول محور الصراع، يدفع بالتطلعات الإنسانية نحو السلام إلى مواقع متدنية المشروعية، بحجية دعاوى تاريخية، تزود أنصار الحرب بمدد معنوي، هو في حقيقته سلاح حاد يغتال المعاني العظمى للإنسانية: الحب والعدل والسلام؛ معطيات إرادة الخير الواعية بالجذر الواحدي للوجود المشترك للناس جميعا، ولما هو أكبر من الناس.

الصراع تفسير غير مطلق:

ونشأت عن فكرة الصراع التاريخي مقولة التناقض بن الموضوع ونقيضه، واستعملها هيغل وماركس في وصف العلاقة بين الوقائع، وتجاهلا أن العلاقات بين الوقائع متباينة؛ فإذا كان بعضها تناقضي، فإن بعضها الآخر تعاضدي. فالعلاقات بين عمال أوين، ورب العمل أوين، لم تكن علاقات تناقض، عكس علاقات أخرى بين العمال وأرباب العمل.إن مقولة التناقض، وفكرة الصراع التاريخي، والجدلية برمتها، لا تسع الوقائع جميعها، مما يترك فسحة أمام العقل لطرح مبادىء تفسيرية أخرى للتاريخ والعلاقات الإنسانية؛ أو، بصورة أعم، رؤى فلسفية أخرى يحق لها الزعم أنها تشرف على جانب من الوجود الحيوي وغير الحيوي. والرؤى كلها عطاء عقلي انفتاحي؛ وبهذه الماهية، فهي مشروعة كلها، ولكن إلى الحد الذي تبدأ عنده مشروعية رؤية أخرى، وإذا تم تجاوز هذا الحد، فهو لا يتم إلا بمشروعية فاعلية واحدية، تتوسع بالكينونة الفردة بكينونة فردة أخرى، لا بالجور والشطب، وإنما بالإثراء الذي يأتي من طريق  الإنفتاح الإيجابي، بالغير، على الغير.

الحقيقة لا ينفرد بها فرد:

والرؤى الفلسفية التي تنماز عن الرؤى الفنية، تنماز بالإرادة العقلية. واتجاهات هذه الأخيرة متعددة، وليس منها اتجاه يحق له أن يزعم أنه وحده يمسك بالحقيقة التامة؛ فإن من شأن هذا الزعم أن يمثل حكما على مزعومه بالإنغلاقية. وما تدعيه النظرية الماركسية من انفراد بالحقيقة، هو انغلاق في وهم تبدده الأفكار الأخرى التي لا تسلم للماركسية بأنها تصوير نهائي حاسم للحياة وللوجود عامة، منبثق عن مبدأ الجدلية المستعار من هيغل ذي الفلسفة العقلية الصارمة الجافة؛ فإن الإعتراض الذي تسجله فلسفة كيركغور (1813 – 1855م) – مثلا – ضد فلسفة هيغل، هو في الوقت ذاته، اعتراض فلسفي على الحتمية التاريخية الماركسية – الراجعة أصولها إلى جدلية هيغل – ذات الطابع العقلي الضروري للوجود الإنساني التاريخي التي تنفي المشروعية الوجوية لاستثناءات تبدعها الإرادة في صيغ انفعالية تتمرد على الخط المستقيم للمنطق العقلي الذي لا يرى في مخارج العاطفة إبداعات وجودية لازمة عن الحياة ولها.

يعتقد كيركغور أن الحقيقة ذاتية فردية لا كلية مطلقة كما اعتقد هيغل وماركس عن التزام بالصرامة العقلية للمنهج الجدلي عندهما، المهيمن على فاعلية الإختيار الإنساني، المحددة له الطريق باعتباره كشفا عن مصداقية المبدأ الجدلي فحسب. فالحركة التاريخية لا تملك، وفقا لجدلية هيغل وماركس، حرية الخروج عن المسار الحتمي لها الذي رسمته لها مثالية هيغل أو مادية ماركس. أما كيركغور، فيلسوف الوجودية المؤسس، فقد رفض هذا الإتجاه الذي يخنق حيوية الوجدان، وحيوية الفعل الإنساني بدافع إرادي تلقائي.

“لقد وضع كيركغور الإرادة قبل العقل، وذهب إلى أنه لا يتعين علينا أن نكون علميين أكثر مما ينبغي في كل ما يتعلق بالإنسان. فالعلم، الذي لا يستطيع أن يبحث إلا فيما هو عام، لا يمكنه أن يمس الأشياء إلا من الخارج. وفي مقابل ذلك يعترف كيركغور بطرق التفكير “الوجودية” التي تنفذ إلى باطن الأشياء، وفي حالة الإنسان على وجه التحديد، يرى أننا نغفل ما له أهمية حقيقية إذا ما حاولنا فهمه بطريقة علمية، فالمشاعر النوعية الخاصة لأي فرد لا يمكن أن تفهم إلا وجوديا”(32).

الجدلية لا تفسر جميع وقائع التاريخ:

تتراجع أهمية الفرد في المذاهب التي تولي أهميتها الأولى للنسق الكلي، كما فعل صاحب الجدلية المادية، متابعا هيغل، وكأن النسق أو النظام الاقتصادي “هو الذي ينبغي التصدي له، لا الشرور أو الأضرار الجزئية”(33). فالجدلية – حتى في حال صدقها – استخلاص عام لنتيجة عامة، تكونان نسقا كليا، لا يصدق على كل واقعة بمفردها، ومهما زادت نسبة مطابقة القانون العام على الحالات الفردية، فإن هناك حالات تند عن هذا القانون، وتبطل دعوى وحدانيته كمبدأ تفسيري مطلق. فليست الوقائع الإنسانية جميعها قابلة للتفسير بمبدأ جدلي يحصر الأنشطة الإنسانية كلها في نشاط واحد، هو النشاط الاقتصادي، أو يردها إلى هذا النشاط على اختلاف دوافعها وألوانها. فما هو الدافع الاقتصادي وراء إنفاق أبي بكر الصديق أمواله كلها في سبيل الله؟ وما هو الدافع الاقتصادي وراء دعوة القرآن الكريم إلى “إنفاق العفو (وهو ما زاد عن الحاجة)” من المال؟ هذه وغيرها وقائع تاريخية، وهي، فوق ذلك، ظواهر تاريخية لازمت تغيرا تاريخيا أبدع أمة جديدة، قادت حركة الإنسانية قرون عديدة؛ ولم يحدث هذا الإبداع التاريخي على شروط الجدلية المادية، فلم يحصل عن تغير أساليب الإنتاج، ولم ينجم عن صراع طبقي؛ ولكنه كان إبداعا لفاعلية الاستجابة لدعوة “غيبية”، متنزلة من لدن وجود “ليس كمثله شيء”، وهي دعوة إلى “حياة غيبية” لا يرتكز الإيمان بها، والسعي إليها على برهان مادي، ولا برهان اقتصادي، ولا مبدأ جدلي؛ ومع ذلك، غيرت وجه الحياة، وبعثت حركة تاريخية جديدة مقدامة وواسعة.

الوقائع تصوغ نظرياتها التفسيرية:

والجدلية المادية التي تفسر التاريخ على أنه صراع اقتصادي بين طبقات، ينفجر التناقض بينها مع تغير وسائل الإنتاج، تصطدم – الجدلية المادية – مع وقائع تاريخية لا تتوافق كيفياتها مع المعيار الماركسي الصارم؛ هذه الوقائع المخالفة تسلب الجدلية المادية الاقتصادية مشروعية مطلقيتها، لا مشروعيتها على الإطلاق. فالجدلية الماركسية مشروعة في حدودها الخاصة، التي يتطابق فيها الواقع مع التفكير، باعتبار التفكير عقلنة للواقع؛ فالماركسية صحيحة بشرط توفر عناصر تكوينها، وهي ليست باطلة في غياب توفر عناصرها الموضوعية، ولكنها – في الحالة الأخيرة – ليست في الوارد؛ فالوقائع وحدها تصيغ نظريات تفسيرها، وتقرر مبادئها. الوقائع، التاريخية خاصة، أي ما تم وقوعه، لا تخلقها النظريات؛ فإذا سجل التاريخ وقوع تغيرات اجتماعية ابتدأت من المجتمع المشاعي البدائي، وتقدمت نحو المجتمع الرأسمالي، عبر مجتمعات العبودية والإقطاع، وأن هذه التغيرات نتائج حتمية لتغير وسائل وعلاقات الإنتاج التي فجرت الصراع الطبقي؛ فإن هذا التاريخ محكوم بالجدلية المادية الماركسية. على أن هذا لا يعني أن التاريخ الإنساني سيواصل التقدم، بحتمية جدلية مادية، نحو قيام مجتمع اشتراكي ثم شيوعي على أنقاض المجتمع الرأسمالي الذي لا بد له وأن ينهار نتيجة الصراع الطبقي بين العمال وأرباب العمل، على نحو ما تزعم الماركسية. إن ما يصدق على الماضي، لا يصدق – بالضرورة – على الحاضر والمستقبل. إن وقائع الحاضر، وما سيقع في المستقبل، أحداث متولدة من عواملها التكوينية التي تولدت منها وقائع الماضي. وقائع الحاضر والمستقبل كائنات لها تفردها عن كائنات الماضي، وجدلية الماضي ليست بالضرورة جدلية الحاضر والمستقبل؛ فالماضي ليس له حق الهيمنة – المطلقة – على الحاضر والمستقبل؛ فإن هذه الهيمنة سلب وجودي، وتعميم قانون يرجع نسبه للماضي، على الحاضر والمستقبل؛ هو سلب وجودي لكل من الحاضر والمستقبل لن يتحول – بالطبع – إلى حقيقة واقعية. ولكن قصد تحويله إلى حقيقة واقعية، يمنح جنينه الواعد بتفتح وجودي متجدد للحياة، يمنحه حق رد الهيمنة الفكرية السلفية إلى ما وراء حدودها.

العلم لم يقف عند زمان ماركس:

بيد أن هذه الحدود التي ينبغي على جدلية النظرية الماركسية التوقف عندها، لها بعد أفقي إلى جانب بعدها الرأسي، وعلى فرض صحتها، فإنها تصح في مدة، وفي امتداد؛ أي أنها تصح، ما صحت، بتطبيقها على تاريخ أمة – أو أكثر – من الأمم، لا على تاريخ الأمم كلها. لم تكن قد اجتمعت بين يدي ماركس مجملات التواريخ الإنسانية وتفاصيلها كلها. وأن يزعم ماركس، ومعه إنجلز، ومعهما من شاء، أنهم استوفوا دراسة دقيقة للتواريخ كلها، فإن هذا زعم لا يستقيم مع دعوى العلمية التي تحرص الماركسية على ادعائها. فالعلم، بحقوله كلها، لم يكن زمن ماركس قد استوفاه وأغلق الأبواب أمام تكشفات علوم جديدة، تسوق حقائق جديدة، أو تمنح معطيات أخرى. إن في الكتب تأريخ كثير، وليس كل تأريخ تأريخا؛ أي: ليس كل ما تحفظه الكتب الموضوعة في مادة التاريخ، تاريخا وقع في الواقع؛ فالمادة التاريخية أشد مواد العلوم عرضة للتزوير أو التحوير أو لهما معا. والمؤرخون القدامى كانوا جامعي حكايات تتداولها الأجيال من غير تحقيق لا من الأجيال المتتابعة ولا من المؤرخين لها، فلم يكن الأخيرون مؤهلين بأدوات تحقيق علمي يرجحون بها صدق الخبر من كذبه، والتاريخ ترجيح في أكبر جسمه، وهو ترجيح من المؤرخ المحكوم باعتبارات كثيرة قد لا تكون الأمانة والنزاهة والحيادية أهمها. فلا يؤمن إلى استنتاجات المؤرخين لدواعي بعضها ذاتي وبعضها موضوعي. وما وصل من التأريخ إلى مؤسسي الماركسية لا يبرأ من الشبهات الدائرة حول التأريخ كله، وأهم تلك الشبهات عقيدة المركزية الأوربية التي عكسها الفكر الأوربي، والتي توهم بها الأوربيون أن الحضارة هي حضارتهم، وأن التاريخ تاريخهم، وأن الحاضر لهم والمستقبل لهم، كل ذلك من دون الناس جميعا. وتبرز هذه المركزية الموهومة في النظرية الماركسية المبنية على جدلية خاصة بالتاريخ الأوربي، وبالحاضر والمستقبل الأوربي أيضا. ولدت الماركسية من وقائع تاريخية أوربية، واسترجعت الماضي الأوربي، واستبقت المستقبل الأوربي؛ فالرأسمالية، بصراعها الطبقي وأساليب وعلاقات إنتاجها ظاهرة حضارية أوربية، ومولود شرعي للنظام الأوربي الرأسمالي؛ وهو – المولود الماركسي – فرع عائلي منه؛ إذا صحت دعوى الماركسية فلا تصح إلا تحت سقف عائلة أمها وأبيها. الجدلية الماركسية محدودة الإمتداد الأفقي، صدرت عن تأريخ لبعض الإنسانية، وليس ثمة ضمانات تؤيد صدق المدونات التاريخية التي استندت إليها في صياغة نظريتها التي زعمت أنها تفسير للتاريخ الإنساني كله، هذا الذي لم يكن مطروحا، بمجمله وتفصيلاته على مائدة بحث ماركس وإنجلز، هذا المتباين في معانيه وتجلياته عن معاني وتجليات التاريخ الأوربي، حضن الماركسية وتراثها وأفقها ومصدر مشروعيتها ومقوم إبداعها. تاريخ أوربا تجليات للفاعلية الأوربية لا تجليات للفاعليات الإنسانية الأخرى، ذات الحق وذات الأهلية لتبدع تواريخها، ولتستقل بالنظريات التفسيرية لها، المتطابقة مع وقائعها ومع خصوصياتها وطموحاتها الحبلى بها؛ وكل حضارة حبلى بالطموحات المنمازة بشخصيتها المتفردة بموقعها الوجودي وعناصر تكوينها التاريخي؛ والزعم بأن جدلية الماركسية مبدأ يفسر مسار التاريخ الإنساني كله، هو مصادرة لمعطيات الوقائع التاريخية المتباينة عن معطيات الحضارة الأوربية، وشطب للتراث الإنساني غير الأوربي، وتضخم مرضي للذاتية الأوربية، يعمق العدوانية الملازمة للنظام الرأسمالي الأوربي النسب، ويعمق ، كذلك، حجة من يزعم انغلاقية النظرية الماركسية وجدليتها التاريخية، بحجة أن الماركسية تنغلق، في واقع الحال لا بالدعوى التي تروج لها، على الذاتية الحضارية الأوربية المتضخمة بالوهم وبالعدوانية الرأسمالية معا.

يهودية ماركس تؤهله للمادية:

وأوغلت الجدلية الماركسية في مسار الإنغلاق، بمحاصرة تفسيرها للحركة التاريخية بالدوافع الإقتصادية: “فبينما كان للمادية الجدلية قيمتها في إيضاح أهمية المؤثرات الإقتصادية في تشكيل حياة المجتمع، نجدها تخطىء حين تفرط في تبسيط الأمور على أساس هذه الفكرة الرئيسية”(34).

على أنه لم يكن أمام جدلية ماركس غير التوغل في الإنغلاقية التي عبرت عنها بمقولة التفسير الإقتصادي للتاريخ بضرورة تكوينها البنيوي المنبثق عن عواملها التكوينية الموضوعية والذاتية. فالأهمية المبالغ فيها للدور الإقتصادي في التاريخ، منعكس عن هيمنة العامل الإقتصادي على القيم الحضارية الأوربية المادية، أو على الأقل، عن محوريته المركزية التي تضخمت في عصر ولادة النظرية الماركسية، لتفاقم السلوك الرأسمالي الإستغلالي، وتضخم مشاعر الاستلاب المادي، وما يصحبه من استلاب معنوي لطبقة العمال، مما هيأ مناخ الصراع على المصالح الإقتصادية، الذي تأثر به ماركس وشارك فيه. ولكن ماركس، المؤسس الأبرز للنظرية الماركسية، لم يكن منفك الصلة عن تراثه اليهودي:

“كان ولا شك يهوديا في أعمق أعماقه، وكانت زمرته التي يأوي إليها على الأكثر من شذاذ اليهود، وأصحاب الفضول منهم، كما جاء في كلام “باكونين” عنه، وكان هو يتشبه بالأسلاف والآباء اليهود كما وصفتهم كتب التلمود، فيرسل لحيته ويطلق جمته ويحب أن يتراءى للناس كأنه أب من آباء العبرانيين في أيام إسرائيل الأولى”(35).

صاغت يهودية ماركس أهليته الذهنية المادية على قدر المساحة الكبيرة التي تفترشها الدوافع المادية في التراث اليهودي الذي لا تبرأ الحضارة الأوربية من خطيئة تضخيمها لدى اليهود، بتقويتها لشهوة المال عند اليهودي التي جاءت كرد يهودي دفاعي من خلف حصون العزلة التي عاش فيها اليهود الأوربيون، لأسباب أراد اليهود بعضها، وأكرهتهم المجتمعات الأوربية على بعضها الآخر. هل كانت نظرية ماركس، في جانب منها، إسقاط مشاعر يهودية قديمة تجاه البيئة التي مارست على اليهود سياسة قمع وإذلال؟ هذا فرض له ما يسوغه؛ فالمفكر، شأن كل إنسان، لا ينخلع عن وجدانه الذي يظل يعمل، جهرا أو في الخفاء، فيلون نشاطات صاحبه دون استثناء للفكر مما يتلون من نشاطات؛ وله ما يسوغه أيضا بالدلالة الصريحة على أن ماركس تمثل عنصرا هاما في التراث اليهودي، عنصر النبوءة، والنبوءة بماذا؟ النبوءة بالخلاص! كان الدور الأهم لأنبياء بني إسرائيل هو التبشير بالمستقبل الذي يتخلص فيه اليهود من نقمة الرب، وما زال اليهود ينتظرون المسيح المخلص من نقمة الرب. فهل تمثل ماركس عقيدة شعبه المرهونة بمبعث المسيح المخلص، وتمادى في هذا التمثل فظن أنه المسيح المنتظر، لكن، لا ليخلص اليهود من نقمة الرب، ولكن ليخلص الوجدان اليهودي من عقدة القمع والذل الناتجة مما أوقعته بهم المجتمعات الأوربية؟ وهل أسقط الوجدانية اليهودية المقموعة الذليلة على طبقة العمال التي كانت في عصره مقموعة بما يوقعه عليهم أرباب العمل الرأسماليين؟ أم هو استبطن واقع العمال البائس وحايثه وتماهى معه، فانحاز إليه نيابة عن يهوديته الموتورة ضد طبقة الرأسمالية الأوربية، التي زاحمت المادية اليهودية، وقصدت دحرها من ميدان المال كما دحرتها إلى سجون “الغيتو” الذي ظل اليهود وراء أسواره؛ ولم ينج منه ماركس ذاته، فصنع “غيتوه” المادي الإقتصادي، وجمح به الخيال، تحت وطأة عزلة نفسية تراثية، فتمثل دور النبوة المخلصة (بضمة على الميم وفتحة على الخاء وشدة على اللام المكسورة)، فجاءت بشارته الشيوعية جنة للبروليتاريا، وكأنه أراد أن يبشر بجنة خلاص اليهود؛ فالبلوريتاريا في وجدان ماركس، هم اليهود المقموعون المذلولون، الذين لا وسيلة لهم لمصارعة القمع والذل غير السيطرة على دولاب الإقتصاد، وهي الوسيلة ذاتها التي حرض ماركس العمال على الإستيلاء عليها إذا أرادوا الخلاص من واقع الاستلاب الوجودي الذي يعيشونه.

… ولم يفلت من دائرة اليهودية المنغلقة:

لم ينج ماركس من يهوديته، وقد يكون ذلك حدث رغم مشيئته الواعية. لم يفلت ماركس من اليهودية، ومن ثم، وقع أسير دائرتها المنغلقة، التي انعكست في النظرية الماركسية، وفي صورة المجتمع الذي يحلم الماركسيون ببنائه؛ المجتمع المحكوم بنظرية تدعي الشمول، وتدعي أنها حل الحلول، وتفرض دعاواها بوسائل القمع والإذلال وسلب الوجود؛ وكما اليهود هم “شعب الله المختار”، فإن النظرية الماركسية، لدى الماركسيين، هي “نظرية الله المختارة”؟! أسقط ماركس انغلاقيته، وانغلاقية يهوديته على المجتمع الذي تخيله والذي أغلق عليه الأفق كله  بنظرية زعم أنها معصومة عن الخطأ؛ لكنها انغلقت عليه، وقبل أن تنغلق على سواه. وبعد، هل نقول أن الجدلية الماركسية التي زعم ماركس أنها مبدأ يفسر الوجود كله، إنما هي إسقاط وجداني، تحايل بالعقل، ليصوغ العلاقة اليهودية الأوربية، والعلاقة اليهودية الإنسانية في نسق تناقضي جدلي، ينهار فيه النظام اليهودي المعزول، وينهار معه النظام الأوربي والإنساني، ليلد النظام الإنساني المحكوم بـ “الطبقة اليهودية” التي يسميها ماركس”طبقة العمال”، والتي تنبأ بانتصارها في صراعها ضد طبقة أرباب العمل، أو ضد النظام الأوربي، ومن ثم الإنساني كله؟ هل نقول هذا أم هو قول شطط؟ هو جائز، ولا نقول هو حق على القطع، فالقطعية منهجية انغلاقية؛ وإن أسوأ عيوب الماركسية، قطعيتها التي تعكس اعتقادا دينيا مغلقا، لا يبرأ بدوره، من أثر الديانة اليهودية على منهجية ماركس العقلية؛ لا يبرأ منها ورغم ما قد يقال: كيف هذا، واليهودية ديانة سماوية، والماركسية دعوة ملحدة؟ أقول: لم يبرأ ماركس من يهوديته، وفي هذه المسألة أيضا، فالماركسية لا تخالف اليهودية مخالفة جوهرية في مسألة الألوهية، فالرب في كلاهما هو المال، والوجود في تصوريهما هو الحياة الدنيا المنغلقة على ذاتها، والعقل لديهما رؤية منغلقة مكتفية بذاتها، فلا دين من الله إلا دين اليهود، ولا صح من العقول إلا عقل الماركسية!!

القطعية منهاج منغلق عادم:

المنهجية القطعية مغلاق الأفكار ومقتلها. وبهذه المنهجية المغلقة العادمة، تنبأ ماركس، وبحكم الضرورة التاريخية بزعمه، بسقوط الرأسمالية أمام اكتساح ثورة طبقة العمال لها، لتقوم المجتمعات الإشتراكية مقدمة للمجتمع الإنساني الشيوعي. ضيق ماركس على نفسه النبوءة فحددها في بريطانيا وألمانيا، بحجة نضج البيئة الصراعية بين العمال وأرباب العمل فيهما. لكن وقائع الزمان اللاحقة شددت على نبوءة ماركس قبضة التضييق، فتنامى النظام الرأسمالي في بريطانيا وألمانيا، ثم ابتلعت ألمانيا الرأسمالية سميتها الإشتراكية بعدما كانت – الأخيرة – قد أكرهت على الإشتراكية بالقهر المدجج بسلاح ثاني أكبر القوى العسكرية في التاريخ كله: دولة الإتحاد السوفييتي الماركسية السابقة. وتنامى النظام الرأسمالي العالمي وهزم النظم الإشتراكية الأوربية التي لم يقم نظام منها بنبوءة ماركس، والتي تصدعت بانهيارها النظرية الماركسية، التي رسمت خطا مستقيما ومتقدما لجدلية تاريخية مادية يتوجها المجتمع الشيوعي، فأبطلت الوقائع وهم التقدم نحو الشيوعية الماركسية، وأثبتت واقع تقدم الرأسمالية العالمية.

دونية وسيلة الصراع:

الحياة التي لا تتجدد تفنى. والأفكار تحيا بقدرتهاالتجددية. والتجددية لا تضاف إلى الأفكار، هي خاصة للأفكار المطبوعة على التجدد. وتتباين القدرات التجددية للأفكار على قدر تباين السعة الوجودية لها؛ أي: درجة تعمق الفكرة في الكينونة الوجودية لموضوعها. فالماركسية، المتموضعة بواقعة صراع طبقي محدودة في سعتها الوجودية، حصرت فكرتها في هذه السعة المحدودة، فلم تتعمق في كينونة واقعة الصراع الطبقي، فلم تتجذر فكرتها وجوديا، لذا، ظلت عائمة، في مواجهة حركة تاريخية أشد تعمقا في الكينونة الوجودية للإنسان، تتكشف بها دافعية التملك التي لم تنفك، ولن تنفك، عن إرادة الحياة. ودافعية التملك ليست أعمق أنسجة البنية الوجودية للإنسان، فهي لا تعدو صفة الأداة الحيوية للكينونة الوجودية الإنسانية، ولكن التملك أداة أوسع وجوديا من أداة الصراع التي تموضعت بها النظرية الماركسية، والصراع مستوى أقل عمقا من مستوى التملك في البنية الحيوية للكينونة الوجودية للإنسان، فالتملك لا يقع بالصراع وحده، ولا يبدأ من الصراع، والصراع وسيلة متأخرة لطلب التملك، تلجأ إليه الكينونة الحيوية عندما تنغلق أمامها فرصة تحقيق خاصة التملك بالأساليب الأدنى إلى المعنى الوجودي للتملك؛ فالتملك دفاعية وجودية حيوية، فإذا تيسر حفظ الحياة بدفاعية لا صراعية، كان هذا مدافعة ضد احتمالات الهلاك التي تنطوي وسيلة الصراع عليها. فالصراع تحد لكينونة أخرى تجور على كينونة المصارع، وجور الآخر يحمل إرادة حياة منقلبة على نفسها، فصارت إرادة موت للآخر؛ فإذا انتصرت هذه الإرادة المميتة للآخر، هلك الآخر، المصارع، فيكون طلبه للتملك بالصراع، طلبا للموت، وهذا ضد للحياة، الطالبة الأصلية للتملك بالصراع. إن الصراع وسيلة للدفاع عن الحياة الوطيئة للموت، والحياة ليست وطيئة للموت دوما، فهي أكبر من الموت، ووسائل طلبها أكبر من وسيلة طلب الموت، والموت أداة لها، ولكنه أداة للحياة عندما تشرف على الإنغلاق.

الصراع الطبقي دليل فساد الماركسية:

والصراع الطبقي في التحليل الماركسي قوة دافعة للتاريخ نحو التقدم، أي: وسيلة دفاعية للطبقة المقهورة تتحدى بها قهر الطبقة القاهرة، أو تتحدى عدوانية الطبقة القاهرة السالبة لحق كينونات أخرى في ممارسة تامة للوجود، بالجور على مساحة من الحق الوجودي للآخر وامتصاصها في “الأنا” التي تتضخم بهذا الإمتصاص، ويتفاقم تضخمها، وفقا للتحليل الماركسي، حتى تصل تخوم الإنفجار الذي تغدوه حركة طبقة العمال الثورية، الكاشفة لقانون التقدم التاريخي عبر الصراع الطبقي، تقوم الحركة العمالية بدور تاريخي حتمي، دور قدري، لمواجهة وتدمير العدوانية الإقتصادية، ذات الأبعاد الإنسانية، أو لتحرير “الأنا” من عدوانيتها على “الآخر”، حيث “الأنا” هي الطبقة المهيمنة اقتصاديا، و”الآخر” هو الطبقة المسخرة اقتصاديا لمصلحة الطبقة المهيمنة، ويتواصل الصراع بين الطبقتين إلى أن تنتهي ظاهرة الطبقية الإقتصادية، ويلد المجتمع الشيوعي، الذي تتحرر فيه “الأنا”، وإلى الأبد، من عدوانيتها الإقتصادية، التي تفسر، من وجهة النظر الماركسية، كل الأشكال العدوانية الأخرى.

الصراع الطبقي هو أداة التحرر من عدوانية الرأسمالية، هذا ملخص الجدلية التاريخية الماركسية، وهو دليل فسادها. أما دليل الوقائع فقد أثبتته وقائعة انهيار التجارب الماركسية في السنوات الأخيرة، ورغم كل ما يدعيه أنصار الماركسية من أن وقائع انهيار النظم السياسية للماركسية لا يدل على فساد النظرية التي قامت على أساسها، أو باسمها، النظم السياسية الإشتراكية، رغم هذا الادعاء، فإن الراجح لدينا أن فساد التجريب يعكس فساد النظرية، وأن الفساد داء عضال، حل بالمقولة التي تلخصها، وتفشى منها إلى الجسد كله. لقد خال للماركسيين المؤسسين والتابعين أن نهاية الصراع لا بد وأن تؤول إلى المجتمع الشيوعي الذي تتفجر فيه كل طاقات الحياة الإنسانية، وتتحقق به أقصى درجات الحرية، وترفرف عليه راية سلام تلف أرضه وسماواته. بكلمات قلائل، المجتمع الشيوعي الماركسي كل يملك الفرد ويملكه الفرد. ولكن، ما مأتاه؟ مأتاه حرب ضارية يتغيا مفجروها الحياة بأداة تملكية لا تستغرق الأدوات التملكية كلها، وهي أداة لاغتيال الحياة بمغامرة قد تهلك بها حياة الأطراف المشتبكة بنار وطيس، كلها. وما مأتاه حرب، هل يأتي منه سلام؟!

نظرية محدودة لا تبدع مجتمعا منفتحا:

على وفق ما تنبأت به الماركسية، تنتصر طبقة العمال على طبقة أرباب العمل، بواسطة صراع ينتهي بسيطرة طبقة العمال التامة على المجتمع، وتحكمه بالنظرية الماركسية التي تلغي كل نظرية سواها؛ أي: يؤول الحكم إلى رؤية مغلقة، تمارسها طبقة مغلقة، ويؤول إلى نظام قامع لكل قوة تحاول أن تعبر عن حيويتها الوجودية التي لا تلتزم معايير وحدود الحيوية الوجودية الماركسية، وإنما تلتزم تحقيق إمكانات وجودية لا تحصرها الحدود الزمانية والمكانية التي أنتجت النظرية الماركسية وأنتجت لها أفقها الوجودي الخاص الذي لا تملك تجارب ترجمتها في الواقع أكبر مما تعطيه الإمكانات النظرية أو إمكانات الولادة الفارقة. فالصراعية التي تطلب الماركسية الحياة بها، لا تستغرق الحياة الحياة، والنظرية التي تعطي الصراعية مشروعيتها الوجودية، لا تحوز مشروعية وجودية مطلقة، بحكم محدودية ولادتها، ومحدودية أفقها، ومحدودية أداتها، فكيف لنظرية محدودة كل هذه المحدوديات أن تبدع المجتمع الشيوعي المنفتح إلى غاية الإنفتاح؟‍ كيف يلد من حرب دامية(ضد الظلم) سلام ينهي عصور الظلم وإلى أبد الآبدين؟ هل تلد الحرب السلام، هل يلد الضد ضده؟!

الحرب لا تلد السلام:

لم يثبت في التاريخ أن ثمة سلاما  كان مولود حرب، و‘إذا  كان للحرب مولود فهو الاستسلام لا السلام، والاستسلام حالة ذل يقبلها الناس على كراهية، وتحت سطوة سوط القهر وأداة الهلاك؛ ويقبل الناس ذل الاستسلام عندما تفرضه عليهم قوة غشوم مغلقة، ولا تستطيع حركة منغلقة على ذاتها بنظريتها المنغلقة، لا تستطيع إلا تصدير الطبيعة المنغلقة عندما تملك حرية التعبير عن خاصتها المطبوعة بها عليها. وعندما تمتلك حركة طبقة العمال زمام حكم المجتمع بالصراع، فإنها تمتلك حرية التعبير عن طبيعتها المنغلقة، بأسلوب يغلق على حركة الحياة وسائل التعبير عن إمكانات الحياة الإنسانية، ولن تمتلك حركة طبقة العمال عند سيطرتها على مقاليد المجتمع، لن تمتلك حرية سوى الحرية التي تتكشف بها انغلاقيتها، فلا تمنحها طبيعة تكوينها غير صورة منفردة للتعبير عنها؛ فالإنغلاقية عقيمة إلا من الإنغلاق، والإنغلاق عقيم ولو أنجب ألف ولد وبنت؛ ولن ينجب الحب، ولن ينجب العدل ولا السلام، القيم التي تقيم المجتمع المفتوح إلى أقصى مداه الوجودي لا المحدود بوقائع معينة لها ظروف ولادتها وظروف تناميها الخاصة، ولها إمكاناتها المحدودة عندما تنعكس على صفحة الوعي وتصير نظرية؛ ولكنها لا تصير النظرية الوحيدة التي تصدق على التاريخ الإنساني كله، الماضي والحاضر والمستقبل.

النظرية التي لا ترى الحياة الإنسانية إلا وسائل إنتاج، ولا ترى السلام إلا السلام المفروض بالصراع، نظرية لا يصلح رحمها لنمو جرثومة السلام؛ فالسلام والإنغلاق ضدان، تضاد الحياة والموت: الحياة الزاخرة بالأشكال والألوان، التي تسع كل اجتهاد، الحياة القادرة على اجتياز حدود الدوائر المنغلقة، لأن الدوائر المنغلقة حالات موات، والحياة، بماهيتها، موت الموات، والحياة التي تمنح من ذاتها بعضا لهذا الكائن أو ذاك، تمنح بالعدل، وليس من طبيعة العدل أن يجور فكر على ما سواه من الأفكار، فيزعم أنه الحقيقة كلها، وهو زعم يكذبه الواقع، ويرده إلى حدوده المشروعة له، ولا يشرع لكائن أن يتوسع في الوجود إلى ما وراء ما تؤهله له عوامل تكوينه؛ فلا يشرع للماركسية ادعاء السعة الوجودية بما يفوق عوامل تكوينها التاريخية المقيدة بتاريخ نشوئها، وهو تاريخ مربوط بالمكان والزمان الخاصين بها.

 

 شيوعية ماركس حلم معزول عن الوقائع

 

إن الشيوعية الماركسية صورة أخاذة، غذت أحلاما إنسانية عريقة، وشحذت إرادة مواجهة عدوانية الرأسمالية، بخيال جامح شطب حقيقة التاريخ الإنساني المنقضي، وبشر بالسلام الأبدي، وبالبداية الحقيقية للتاريخ الإنساني؛ هذا الخيال، داعب أملا راقدا في  الطبقة الجوهرية للتكوين الإنساني، ونشط مفهوما للوجود له أنصاره الكثيرون بين محبي الحب ودعاة العدل والمسلمين للسلام. فعلت صورة الشيوعية ذلك، ودفعت إلى تغيير الوقائع، وانتصرت في معارك عديدة، وهيجت مشاعر الثورة لدى المقهورين في أرجاء المعمورة… ومع ذلك كله، فالشيوعية الماركسية صورة شاعرية، لها حق في الوجود المستخال لا في وجود الأعيان. الشيوعية في المساق النظري الماركسي حلم معزول عن الوقائع، أو هي حلقة منغلقة على ذاتها، تعكس انغلاقية الماركسية وتوكدها؛ فالمسار التاريخي الجدلي المفترض أن يتأدى إليها، يفترض أن يتجاوزها أيضا؛ ولكن الجدلية الماركسية تجعل من الشيوعية مغلاقا للجدلية التي تقرر انهيار كل نظام كائن بفاعلية إفرازه لنقيضه، أما الشيوعية الماركسية فلا تلد نقيضها الذي يهدمها، ولكنها تلد، وعلى الدوام، إمكانات تجددها واستمراريتها المطلقة.

شيوعية ماركس صورة شاعرية، ترسم بلغة مخالفة للشعر الفني لوحة راقصة لحالة تهتز لها مشاعر المقهورين أجمعين؛ ولكنها، ومثلما هو الشعر كله، لا تقدر على شيء، غير هز المشاعر، وتحريك الأمل في مرقده… أما تحقيق عالم الحب والعدل والسلام، فيحتاج، مع الشعر، إلى رؤية منفتحة على الوجود كله، لا تنحصر في المضائق التاريخية!!

 

هوامش

 

(1)  أفانا سييف، أسس المعارف الفلسفية، ترجمة عربية، دار التقدم، موسكو، 1979م، ص 234، 235.

(2)  المصدر السابق، ص 21.

(3)  نشر بداية عام 1848م.

(4)  الموسوعة الفلسفية، الترجمة العربية، بيروت، ط 1، 1974م، ص 89. وهي تتناول موادها من وجهة نظر ماركسية صريحة.

(5)  المصدر السابق، ص 250.

(6)  رسل، حكمة الغرب، ج 2، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983م، ص 229، 230.

(7)  سييف، مصدر سابق، ص 23.

(8)  الموسوعة..، مصدر سابق، ص 545.

(9)  سييف، مصدر سابق، ص 255.

(10) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 404.

(11) المصدر السابق، ص 545.

(12) سييف، مصدر سابق، ص 25.

(13) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 538.

(14) روجيه غارودي، النظرية المادية في المعرفة، ترجمة إبراهيم قريط، دار دمشق، دمشق، د. ت.، ص 30، مقتبس عن: ماركس، رأس المال، الجزء الأول، مقدمة الطبعة الثانية، 1872م.

(15) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 529.

(16) غارودي، مصدر سابق، ص 31.

(17) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 130.

(18) سييف، مصدر سابق، ص 255.

(19) المصدر السابق، ص 79.

(20) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 147.

(21) المصدر السابق، الصفحة ذاتها.

(22) أنظر: المصدر السابق، والصفحة ذاتها، و: سييف، مصد سابق؛ وهو يتناول قوانين ومقولات الماركسية بالتفصيل.

(23) سييف، مصدر سابق، ص 83.

(24) المصدر السابق، ص 82.

(25) فانا لييف، المادية الديالكتيكية والعلوم الطبيعية، ترجمة: هنري دكر، دار الجاهير، دمشق، بالاشتراك مع: دار الفارابي، بيروت، د. ت.، ص 162.

(26) أوردها: Popkin, Stroll, Philosophy, Made simple books, W.H.Allen,London, 1969, p. 83.

(27) عالجنا انغلاق اليهودية في: رؤية دينية للدولة الإسرائيلية، دار الفرقان، عمان، 1984.

(28) نيكيتين، أسس الاقتصاد السياسي، الترجمة العربية، ط 2، دار التقدم، موسكو، 1974، ص 501.

(29) عباس محمود العقاد، الشـــــيوعية والإنســانية، المكتبة العصرية، بيروت، د. ت. ص 62. ونستند إلى هذا المصدر عند نقل شهادات العارفين بماركس أو كتاب (جمع كاتب) سيرته التي أورها العقاد في فصل “صاحب المذهب”، ص 28 وما بعدها.

(30) H.L. Bhatia, History of economic thought, Vikas Publishing House,New Delhi,  third edition, 1981, p.262.               (31) رسل، مصدر سابق، ص 175.

(32) المصدر السابق، ص 195.

(33) المصدر السابق، ص 229.

(34) المصدر السابق، ص 232.

(35) العقاد، مصدر سابق، ص 64.

 الموضوعات

 

فاتحة                                                                 ص 1

التجارب الساقطة تناهض الشاعرية                                   ص 2

عوامل التكوين الماركسي                                             ص 7

الإستجابة للواقع  (ص7). ماركس من المثالية إلى المادية (ص8). طبقية الماركسية (ص9). التناقض أو وحدة وصراع الأضداد (ص10). الصراع لازمة للأنا العدوانية (ص12). التفسير الفاعلي للوجود (ص13). القهر مذبح المجتمعات (ص13).

انغلاق الماركسية                                                    ص 15

انغلاق يلد انغلاقا (ص16). شيوعية ماركس جنةاليهود (ص 17). إباحة المال؟! (ص17). غيتو ماركس (ص18). شيوعية ماركس مولود شرعي للقهر (ص18). النظرية القمعية لا تعطي الحرية (ص19). ماركس منغلق أخلاقيا (ص19). الشيوعية تضاد الأنا المغلقة (ص20). لماذا ينكر الماركسيون الله؟! (ص21). تجربة أوين ـ التعاون لا التنافس (الصراعي)  (ص21).

نقد الجدلية الماركسية                                               ص 24

الصراع محور الجدل الماركسي (ص24). الصراع تفسير غير مطلق (ص24). الحقيقة لا ينفرد بها فرد (ص25). الجدلية لا تفسر جميع وقائع التاريخ (ص25). الوقائع تصيغ نظرياتها التفسيرية (ص26). العلم لم يقف عند زمن ماركس (ص27). يهودية ماركس تؤهله للمادية (ص28). ..ولم يفلت من دائرة اليهودية المنغلقة (ص29). القطعية منهاج منغلق عادم (ص30). دونية وسيلة الصراع (ص30). الصراع الطبقي دليل فساد الماركسية (ص31). نظرية محدودة لا تبدع مجتمعا مفتوحا (ص32). الحرب لا تلد السلام (ص32).

شيوعية ماركس حلم معزول عن الوقائع                            ص 34

هوامش                                                              ص 35

 

***********************************

 

تمت في: اليمن – صنعاء – بتاريخ: 27 ربيع الثاني 1413هـالموافق 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1992م

الدكتور حسن ميّ النوراني

alnorani@live.com

 

*****************************************************

إهداء

إليكن أيتها العيون الناعسات

أيتها الأزاهير الغواني يا سنابل يا نضرة

أيها الموج العاتي والقارب

يا أيها الصدر المفعم بالأمل

يا أمل

يا مناط الشوق وانبعاثه

يا بهجتنا وحريتنا وسعادتنا وجمالنا وسلامنا

يا كينونتنا الواحدية

 

*****************************************************

 

الدكتور حسن ميّ النوراني

(دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس الروحي)

 

أستدراك:

رسمت هنا مبادىء لجماعة حلمت بها ولم أزل.. وتعود هذه “المبادىء” إلى مرحلتي الفلسفية الواحدية التي تقدمت منها نحو مرحلتي الفلسفية النورانية التي لا تتعارض مع فلسفتي الواحدية ولكنها تتقدم بها.. ولتقديري لقانون التطور الذي لا تنجو منه كيانية وجودية فإنني لن أتدخل في النص الذي أبدعَته لحظة مغايرة للحظتي الراهنة للتأكيد على أن لكل كيانية وجودية حق في التجلي. وأحسب أن “مبادئي” وفلسفتي بكل مراحلها هي نضال يتطلع إلى التأكيد على هذا المبدأ..الأمل..

 

اعترافان:

1- حملت الدعوة إلى “جماعة الواحديين” من دار غربتي الطويلة إلى شيء من وطني المسمى غزة عند عودتي إليها قبل ما يزيد عن سبعة أعوام.. لكنني وجدت أن “الشيء من الوطن” ضيق لا يحتمل دعوة لعقا منفتح مستنير.. ولكن إيماني العميق بدور الوجدان العقلي المستنير قاوم “ظلامية الأهل” بحب خالص وواع فدفعتني واقعية غزة إلى تطوير روحانيتي نحو “النورانية”.. كانت هذه مكافأة الحب الذي لا تهزمه الظلامية!!

2- تقف تجربة حب مرت بي سريعا وراء تجلياتي الروحية التي تكشـّـفت خلال شروحي للمبادئ التي كنت قد وضعتها في فترة سابقة وظلت في صيغتها المختصرة الضيقة إلى أن ظهرت في حياتي “أمل” المرأة التي اختفت على عجل ولكنها ظلت روحا تتجلى فيما تتضمنه هذه التفلتات من الضيق الذي كان يحاصرها.. ليبقى المجد لشموس الحرية وأقمارها المتجددة كل صباح وكل مساء!!

واعترافا بفضل الحب فإني أضفت إلى العنوان الأصلي لهذه “الرسالة” والذي هو “جماعة الواحديين – المبادىء”  عنوان “تجليات الأمل” وجعلته عاليا مقدَّما.. إن حقَّ الحب أن يظل عاليا مقدَّما!!

 

دير البلح – غزة – فلسطين

4/1/03

 

جماعة الواحديين – المبادئ

—————————————————————————–

الواحديون جماعة فرشها الحب والعدل قوامها والسلام عقيدتها

*

الفردية وجود ذو مشروعية تامة الحقوق

*

الوجود التام وميض حاضر

*

الوجود مشاع لذاته فردياته تحققاته

*

جور الفردية على الفردية جور على الحقيقة

*

الوجود ينفتح على الوجود بالفرد المنفتح بالحرية

*

حرية الوجود تبدع الجمال

*

الوجود واحد لا ينقسم والكثرة تنوعات الحرية على الأصل الواحد كما الصفر لا ينقسم ولا يزيد

*

التباين حق لا يشطر الواحد

*

الظلم جمود في زمان متدفق

*

الوجود فاعل والفاعلية فعل وفعل وفعل..

*

الواحدية رؤية العقل المتدفق وحلمه.. هي الأمانة والرسالة

*

العقل الواحدي أصلي مطلق يسري في المفاصل ويتنامى في الخلايا وبها

*

تُشعل الصلاة ومضا من ومض وتصْلي الحدود فيستنير بعقل المحبين ظلام الوجود

*

الزكاة إنماء والإنفاق بذل إلى فوق البذل

*

سياحة الروح صمت لا يشوبه تعلق

*

كلما تورّد الحب على الوجنات وفي العيون نما الزرع وتفتحت الأزاهير والسعادة إبحار في المحض

*

صوفي هو الواحدي وعاشق يراقص الشعر

*

واسع هو الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار

*

الواحديون أمة مشرعة الأبواب لشمس لا تغيب وقمر لا يرحل

*

 التعلم فض بكارة ودم يروي ظمأ البادرات

*

التربية تنقية لبن الأصل القديم وتحلية بالعسل

*

الصدق والشجاعة خلق واحدي مطبوع وعقد منقوش من الياقوت والياسمين على جيد الحسان

*

الحقيقة فضيحة الجمال وبراءة العرْي في نغم الصبح

*

الكرم زينة الذين يكنزون الشقاء جهلا

*

القانون نبض الواحد الكبير يواسي المبتلى ويبدد الأباطيل

*

الأسرة جوار محمود والأبوة معطاة جمعية تحنو وتستولد ذاتها

*

الموت حياة في حيوات وعشق سائر

*

الخير واحدي.. الواحدية سلام يبدعه المحبون

*

الواحدي فرس وفارس لا يرده البرد القارس عن نضال الجائر

*

الدين السلام والحرية وثمر الأرض حق الكل وغرسها واجب الكل

*

وإنْ غدت المنازل مشاع الموسيقى فاح الشوق من الحنايا فلا أبواب ولا سِتْرا.. الفضيلة الحرية الفضيلة الحرية.. الفضيلة صدق البراءة البكر وطلاقتها

*

الحب سبع سماوات وسبع أرضين وأكبر والكريم كريم محرابه

*

يبدع كل ومضٍ الواحديةَ واحدا يلج في واحد لتزغرد واحدية غضة زغرودة النصر المتجدد

*

الحقيقة منثورة في الأرض والسماوات محمولة على آنات الزمان

*

الله حق والنبوة حق والحق كائن بكينونة

*

الكل واحد والفاعلية سرمدية

*

إذا انغلقت آن في آن تلاشت

*

إذا انفكت آن عن آن بددتها الريح

*

أيها الواحديون.. رضاً رضاً وازخروا بالشوق واستنبتوه.. قولوا سلاما رددوه وامضوا.. إصنعوا سلاما وغنوا له.. أيها الأماجد الذين يبدعون المطلق وتبدعهم الحرية.. أيها الروح التي لا يستذلها الملك فلا تقبض عليه إلا وميضا..

الواحدية سلام يبدعه المحبون..

 

الحب جمال الكينونات. الحب فعل خالق، يبدع السلام. والواحدية – التي نتبنى هنا الدعوة إليها – سلام يبدعه المحبون؛ يبدعونه بعقل واع بالحقيقة الواسعة العميقة للوجود، المنطلق بالحرية في أفق الفاعلية المتجددة ومضا من ومض، وكينونة من كينونات.. فلا جمود فالجمود هلاك.. والوجود حياة متدفقة منذ الأزل وإلى الأبد.

ومنذ كانت الكينونات، كان الحب هو الأصل وهو المنشود. منذ كان الإنسان، كان الحب مذهبا لأولئك الذين يؤمنون بالسلام للكل، في رحاب الكل النضر الواحد. وجماعة الواحديين، كما نراها، إبداع لمذهب الحب القديم المتجدد، المفتوح على الأصل الواحد، المنطلق بالشوق إلى التحقق التام بالواحدية الخالقة.

الواحدية – في دعوتنا – أزاهير غرسها الحرث العتيق للأرض المفتوحة على السماوات اللامتناهية المدى، بسواعد وأرواح كثيرة ساهم كل منها بعطاء ما زال يجدد ذاته، ويواصل التنامي..

الواحدية، وجماعة الواحديين، حلم عريق.. ما زال غضا.. ومن غير الأحلام العظام، فالحياة عقم.. لكن الحياة ولود..

ها هنا دعوة إلى ولادة جديدة من حلم عريق.. هذه دعوة إلى جماعة الواحديين؛ الحضن الدافىء لبادرة الحب والعدل والسلام.. لنناهض جهالة العدوانية.. وننشد الخلاص من مأزق الوجود.. لنحرر الإنسانية من مأزقها الآسن.. لندفع حدية الهلاك إلى وساعة الحرية المبدعة للجمال..

لنمتلىء بالحياة المزدهرة بالوجدان العاقل.. بحياة لا تنهكها الأبواب والنوافذ المغلقة..

لننطلق.. بالأمل الكبير.. في الوجود الكبير..

لننطلق.. بالمجد.. للخلود..

فلتتجدد.. بالواحدية.. بجماعة الواحديين.. الشمس والأقمار.. فليشرق الحب والبناء والعدل والسلام والحرية والجمال..

وسلاما أيتها الصاحبات أيها الصحاب.. سلاما؛ سلاما لكم.. سلاما منكم لكم..

 

صنعاء: أول أيام عيد الأضحى – 21 مايو / 1414هـ – 1994م

تجليات الأمل (جماعة الواحديين – المبادئ)

 

(1) الواحديون جماعة فرشها الحب.. والعدل قوامها.. والسلام عقيدتها..

فاعلية الإنسان المحضة هي الحرية. والحب أساس الحرية. الحب فاعلية كل كائن، وهو علاقة استمرارية الكائنية؛ فما دام الكائن مستمرا فهو مستمر بالحب. الحب هو علاقة الإمكان بالتحقق،علاقة الأم بالإمكان بالأم بالولادة. الوجود كله إمكانات وتحققات: إمكانات كائنه، وتحققات تجدد الوجود وتبعثه من ذاته وتخلق إمكانات جديدة. ولما كان الوجود هو فاعلية صيرورة الكائنات إلى تحققات؛ فإن الحب هو نسيج الوجود الحيوي [الحركي] كله. إن صيرورة الفاعلية الوجودية هي فعل الحب، هي إبداع الحب. الأم إبداع للحب: حبها للرجل حبا طبيعيا نفسيا، حبها لأن تصير أما بالتحقق، حبها لموضوع أمومتها؛ حبها لاكتمالها الوجودي، لتحقق إمكاناتها الوجودية الأنثوية.. هذا الحب، بتنوعاته، هو الذي بصنع من المرأة أما، ويصنع، بها منها، خلقا جديدا بالتجدد الوجودي: تحققا متجددا من إمكانات كائنة. يبدع الحب من المرأة إمكانات متجددة لتحققات مأمولة.

نحن، فردا فردا، إبداع الحب. الحب يملأ كينونتنا، هو كينونتنا، الحب خالقنا. فكيف يصير هذا الحب، ذو الوجود الصميمي في كل فردية، حبا جماعيا؟ كيف نحقق حرية فاعلية الحب على مستوى الإجتماع الإنساني؟ يكون ذلك ممكنا إذا صار الحب فرشا إجتماعيا.. الواحديون جماعة فرشها الحب.. جماعة الواحديين ليست حزبا؛ الحزبية نسقية منغلقة، بينما الواحدية رؤية منفتحة على بكل كائن، على مطلق الوجود: على كائن. الواحديون جماعة منفتحة على مدى صفحة الزمان والمكان إلى أقصى الوساعة. الواحدية شعار كل الذين يؤمنون بالحرية الفاعلة بالحب. جماعة الواحديين تفترش الحب ولكنها لا تلتحفه؛ الحب قاعدة لكنه ليس سقفا دون السماوات الذرا.. سقف الواحدية هو السلام؛ والسلام سقف من البلّور الصافي اللطيف، السلام ليس حدّا أو نهاية؛ هو، ومع كل آن، بداية متنامية.. وراء السلام لاشيء، هو غاية الغايات؛ أليس الله هو السلام؟! أليست الجنة دار السلام؟! أليست التحية بين الناس سلاما سلاما؟! ولا يقوم سلام أصيل وحقيقي كامل مع التحزب. الواحديون جماعة وليسوا حزبا ، لأن الواحدية رؤية العقل المنفتح بالحب الفاعل؛ المنفتح بالحرية المبدعة للسلام. إنغلاق الفردية على ذاتها مشكلة المشاكل؛ حبس الفاعلية في كيانية مغلقة مضاد لطبيعة الفاعلية المطلقة. وعندما تجابه الفاعلية حالة انغلاق، فإنها تكون قد أكرهت على مضادة طبيعتها المطلقة، وبحكم طبيعتها المطلقة الأصلية، بضرورة لا مهرب منها، فإنها لا تملك إلا أن تفلت من طروء الكراهية فيها؛ فتلغي حالة الإنغلاق [= الموت]، لتستأنف حرية طلاقتها؛ وهي تستأنف طلاقتها بفاعلية الحب: حب الممكنات لتحققاتها. الحرية إمكان وجودي أصيل، هو الفاعلية الوجودية المطلقة. السلام هو تحققات إمكان الحرية. لن يقوم سلام بين اثنين يتصارعان على رغيف خبز واحد؛ يتصارعان ليأكا أحدهما الرغيف كله. لن يقوم سلام إذا كان ثمة صراع على من يرهن نفسه ويسلمها للإذلال من قبل ما هو ملك له؛ أي من قبل ما يطلب إمتلاكه. يقوم السلام بين أولئك الذين يملكون – ملكا جماعيا – رغيفا بقتسمونه بالعدل. السلام لا يقوم بغير العدل بين الناس جميعا. العدل قوام السلام؛ العدل قوام جماعة الواحديين والسلام عقيدتها. يومن الواحديون بالسلام لأن السلام – وحده – هو الذي يحقق إمكانات الوجود الأصلية: الوجود الواحد، الفاعل، الحر.. الوجود الذي هو لنا كلنا، فردا فردا، لنا معا، وعلى قدر سواء. والسلام عقيدة تنبت في أرض الحب. فإذا كان الحب أساس بناء الجماعة، فإننا سنقتسم الرغيف الواحد بعدل تام، سنقتسمه بدوافع أصيلة، بغير صراع.. سأقتسم معك اللقمة لأني أحبك.. أحبك يا ابن أمي وأبي.. أحبك لأنك تحقق وجودي الأصلي الواحد؛ كما أنا أيضا أحقق لك وجودك الأصلي الواحد.. أحبك حبي لنفسي.. فأنا وأنت أبعاض الواحد الحر. بحبي لك أتحرر من شهواتي المهلكة؛ أنت كذلك تتحرر.. بالحرية نتقدم في وساعة وجودنا العميق.. نتحقق بذاتيتنا الأصلية: ذاتية الواحدية الوجودية: فنفتح الأول على الآخر؛ نفتح الحرية على السلام، بقوامية العدل. فإذا قام العدل في الأرض والسماء، فما حاجتنا للصراع؟ إذا رنونا إلى القمر معا، وشربنا كأس الصفاء معا، وترنمت القلوب بموسيقى الشوق معا، وغنينا ورقصنا وصلينا معا؛ فهل للصراع محل؟! فإذا لم يكن صراع كان عالمنا سلاما: إذا لم يكن صراع وكان عدل في الحقوق وفي الواجبات؛ إذا كانت الحرية إبداعا؛ إذا كانت الواحدية – بفاعليتها – منهجا؛ كان العالم سلاما. وعالم السلام مفتوح لا ينغلق: السلام أمان لكل فرد ليحقق ذاتيته الوجودية تحقيقا بريئا من الجهالة والعدوانية: بريئا من انغلاقية البغضاء وانغلاقية الحيازة لما يفيض عن الحاجة، أو انغلاقية الحيازة لما هو حاجة ضرورية للأخوات والإخوة. السلام قيمة وجودية مطلقة ما دام للجميع؛ وهو لا بد أن يكون للجميع بحكم أن الوجود للجميع، والوجود مطلق..

 

(2) الفردية وجود ذو مشروعية تامة الحقوق..

 مطلقية الوجود لا تسلب الفردية مشروعيتها وحقوقها. الوجود المطلق واحد؛ هذه مقولة أساسية في الرؤية الواحدية، وإليها يرجع المفهوم الواحدي كله. وهو مفهوم له كينونته في الفاعلية الوجودية الواحدية. وكينونته واحدية. وفي الواقع، الكينونات كثر: هذه (س) وهذا (ص) وتلك (ن).. وكل كينونة هي وجود واحد. الواحدية المطلقة [= الكلية] هي أصل كل كينونة؛ هي فاعل الفعل [الفعل = الكينونة]. والفعل شيء من ذاتية فاعله؛ الفاعل يكون في فعله، الفاعل يكون فاعلا إذا كان له فعل، وفعل الفاعل لا يخالف صميميته: الفعل من صميمية الفاعل، هو صميمية الفاعل. الواحدية الوجودية هي صميمية الفاعل المطلق؛ هذه الصميمية تخلق كل فعل؛ تخلقه بها، منها، لا من شيء آخر. الواحدية هي صميمية كل فعل منفرد [= الكينونة]. كل فعل فردي ذو وجود عميق في وجود الفاعل المطلق؛ ولهذا الوجود الفردي مشروعية تامة الحقوق: فله كل الحقوق المترتبة على كونه فاعلية للفاعل المطلق؛ له كل الحقوق التي يقتضيها تكوينه الصميمي من قِبَـل الفاعل المطلق الحر الواحد [الأحد] الذي تعشق ممكناته تحققاته؛ بقوامة العدل، ولغاية السلام. لكل فرد حق وجودي تام [مساو لفرديته] مساو لحق الآخر في الوجود؛ بحكم التساوي بين الأفراد من جهة أن صميميتهم هي الفاعل الواحد الحر الحب المطلق السلام..

 

(3) الوجود التام وميض حاضر..

الوجود التام بريء من استطالات الزمان الذاتي. هو – الوجود التام – لا يجاوز وميضا زمانيا. الزمان في التقسيم التقليدي ماض وحاضر ومستقبل. لا تُسلِّم الرؤية الواحدية [لدينا] بهذا المفهوم للزمان. ليس للزمان الثلاثي وجود حقيقي. أين (الماضي)؟ لا يوجد. أين (المستقبل)؟ لا يوجد. (الماضي) كان وجودا؛ و(المستقبل) لم يكن بعد؛ وما كان وما لم يكن بعد هو وجود غير مكتمل. الحاضر هو الوجود المكتمل؛ الحاضر هو ماهو كائن. إننا لا نستطيع أن نشير إشارة حقيقية إلا إلى ما هو كائن. فإذا قيل: الحاضر وليد الماضي؛ وأن الحاضر لم يوجد إلا بعد وجود الماضي؛ فهذا لا ينفي القول بأن الحاضر وحده هو الوجود الحقيقي. نحن نعني بـ (الماضي) شيئا (كان) حاضرا: كان وجودا مكتملا بذاته، كان مكتملا بحاضريته: كان فاعلا بحاضريته، كان كينونة. فلما جاوزته الحركة، صار عاملا في كينونة الحاضر الذي لا يكون هو و(الماضي) شيئين متطابقين. (الماضوية) تسلب الشيء كينونته. والمسلوب الكينونة وجود غير تام: غير مستقل بذاته. المسلوب الكينونة وجود في الذاكرة؛ هو بعض كينونة الذاكرة؛ وهو عامل تكويني في الكينونات الحاضرة؛ فهو [بذاته التي كانت] وجود غير حقيقي: غير تام. ووجود (الماضي) في الحاضر ليس وجودا لـ (الماضي)، هو وجود للحاضر. كان (الماضي) حاضرا. كان (الماضي) حاضرا، فكان كينونة فردية مباينا لغيره. حضوره في الحاضر هو تخلٍّ عن الفردية المباينة للغير؛ فغدا عاملا تكوينيا مشاركا في كينونة حاضرة [= فعل حاضر: وكل فعل حاضر]. لقد مات أبي، هو غير موجود كفرد مباين لأفراد آخرين موجودين وجودا فعليا. غدا وجوده من خلالي، وخلال وجودات أخرى. هو موجود كعامل تكويني في فعلي، وأفعال أخرى؛ وليس موجودا كفعل حاضر. لا بدّ للفعل أن يكون حاضرا؛ فلا كيانية إلا بحضورية. الحضورية هي العامل الحاسم لصيرورة الممكن إلي كيانية عيانية. والعاملية – أيضا – محكومة بالحضورية. فالفعل لا يتكون من عوامل متفاوتة زمانيا. لا بد لعوامل فعل واحد   من أن تحضر معا في زمان واحد [غير منقسم = وميض]. بهذه المعية الزمانية [الحضورية التامة] يلد فعل جديد؛ الفعل هو حضور تام لعوامل التكوين. وهو حضور زماني بمقدار وميض: زمان غير ممتد؛ فلو امتد لصحت قسمة الزمان إلى ماض وحاضر ومستقبل؛ ومن ثمّ، لصحت قسمته إلى وجود عياني ماضوي محله الذاكرة، ووجود عياني فردي كائن في الحاضر، ووجود عياني متخيل. والعيانية الأولى والثالثة ليست عوامل تكوينية للفعل. لا يتكون فعل وجود الفرد من تذكر ولادته بعد وقوعها ولا من تخيلها قبل حدوثها. والتذكر لا ينتمي للـ (ماضي)؛ هو معايشة حاضرة لصورة منطبعة في الذاكرة الحاضرة، وهذه الصورة لكائن حاضر. والتخيل ليس رؤية لحادثة ستقع في (المستقبل)؛ هو وعي بعياني في المخيلة يتكون من عوامل تكوينية حاضرة جميعها في المخيلة. وهو – الخيال – كائن حاضر، ولأنه لم يقـع خـارج المخيلة ننسبه للـ (مستقبل)؛ و(المستقبل) تصور لما ننتظر وقوعه، والتصور جار في الحاضر، وعيانيته هي تصوره لا مزيد. ومكونات التخيل يجب أن تنسب إلى التخيل ذاته؛ ووقوع شيء مطابق للتخيل يلي وقوع حادثة التخيل يمثل عيانية أخرى غير عيانية التخيل؛ مع اعتبار أنه لن يقع شيء مطابق للتخيل؛ باعتبار أنه لا يقع شيئان متطابقان وجوديا لاختلاف عوامل التكوين لكل حادثة. الحاضر شاغل للوجود شغلا تاما، فلا حيز – وجودي – لغير الحاضر؛ وما ليس له حيز وجودي فلا وجود له. الوجود يشغل ذاته دوما، وهو كامل بالنسبة إلى الومض الكائن [الحاضر]، ولا حاجة للوجود إلى غير؛ فلا غير له. ونمو الوجود صيرورة حاضر _ في الحاضر – لحاضر. الحاضر لا يفتقر إلى (الماضي) أو (المستقبل)؛ فلا (ماض) ولا (مستقبل). الحقيقة هي الحاضر: الحيقيقة هي اكتمال الوجود، وهو مكتمل دائما، لا يصح تصوره ناقصا؛ فلو صح تصوره ناقصا لجاز وجود غيره؛ وهو واحد ممتلىء بذاته، فلا إمكان لوجود غيره. فلماذا يكتنز الناس ما يزيد عن حاجتهم للحاضر؟ الكانزون يخالفون – بجهالتهم – الحقيقة الوجودية. نحن لا نملك إلا الحاضر، والاكتناز وهم بامتلاك غير الحاضر، ولا غير للحاضر. الاكتناز إعاقة للنفس من بلوغ كمالها الذي تبلغه بالإنعتاق الواعي من الأوهام وبالتحقق بالحقيقة الوجودية. الواحديون يعتقدون أننا نبلغ كمالنا الاجتماعي – الوجودي الإنساني – بالانعتاق من شهوة امتلاك ما يزيد عن إقامة وجودنا في الوميض الحاضر: وجودنا التام المتجدد التمامية وميضا بعد وميض؛ أي: حاضرا من حاضر. الاكتناز مفهوم لا تقبله الواحدية، كما لم يقبله القرآن الكريم، بدعوته الصريح للمؤمنين، لينفقوا $العفو#. والعفو – لغة – ما زاد عن الحاجة؛ وبمصطلح واحدي، فهو توهم أن الزمان قابل للنفخ ليصير أكبر من وميض، فيقبل القسمة إلى حاضر و(ماض) و (مستقبل)؛ والواحديون يجاهدون للتحرر من الأوهام..

 

(4) الوجود مشاع لذاته فردياته تحققاته..

يرفض مفهومنا الواحدي فكرة الإكتناز لإيمانه بمشاعية الوجود لذاته؛ أي: لكل وجود فردي. فالوجود وجود في الفرديات: فردياته؛ ففردياته هي وجوده. والأم لا تبخل على تحققاتها: بناتها وبنيها؛ فهي تعطي لهم كل ما تمتلك. هذا العطاء هو صميمها، هو وجودها المحض. الوجود هو الأم – المطلقة / الكلية لكل الفرديات. الفردية هي عطاء الوجود. والفردية عيان ذو حاجيات لازمة لمواصلة الوجود الفردي. إعطاء الفرد حاجياته استمرار – لازم – لعطاء الفردية بزوغها الوجودي في البدء. الفردية ولادة مستمرة من ذاتها التي هي عطاء الوجود الكلي الحاضر / الكائن دوما. الفردية تلد، بالتجدد، في كل ومض زماني. والولادة غير متخلفة زمانيا عن الكينونة في كل ومض. الومض الزماني جامع للولادة والكينونة في زمان غير متراخ. الوجود يخلق فردياته: يخلق ذاته خلقا متواصلا في كل ومض. فالخلق المتجدد في كل ومض – كل خلق / كل فرد – له الحق التام في الوجود؛ أي: له الحق التام في الامتلاء الوجودي امتلاء بريئا بالوجود الكلي المشاع لكل فرد هو بعض الكل، وهو من بني الأم الكبري. الوجود مشاع لذاته كما الأم مشاع لبناتها وبنيها. ذات الوجود ليست شيئا آخر غير فردياته: الوجود هو فردياته / تحققاته في الحاضر. الوجود مشاع لتحققاته؛ كما لبن الأم مشاع لبنيها الحاضرين. ولبن الأم لبن الحياة؛ فهو مشاع للحياة. لبن الأم مشاع لبني الحياة المتجددة حاضرا من حاضر. الوجود أم أكبر من أمهاتنا، لبنها والسلام الذي يعمر قلبها بيتنا الكبير وحقنا المشاع لنا..

 

(5) جور الفردية على الفردية جور على الحقيقة..

وفي مشاعية أمنا الكبرى لنا، لا يحق لإبن أن يجور على أخت أو أخ. لن يجور فرد على فرد إذا كانت لنا حقوق متساوية في الحياة بلبن الصدر الحاني الحبيب. ليس للجور من سبب إذا اقتسمنا – بالعدل – وجودا يسعنا جميعا. هو يسعنا لأنه هو خالقنا. ولو أن رزقنا فوق وساعته لكان خلقنا فوق قدرته الخالقة. الخلق ليس فعلا أجوف؛ هو فعل ممتلىء بذاتية الفاعل وقدرته. رزقنا من ذاتية الفاعل وقدرته. الفاعل لا يفعل فعلا ليلقي به في الخواء: فلا خواء. الفاعل المطلق يملأ مقولة الوجود كلها. فأينما وكيفما صار الوجود فهو ملاء ملاء. لا يحق لفرد أن يجور على فرد لأن الجور  منافاة لحقيقة الوجود: حقيقة أن الفاعل المطلق هو الوجود الحق؛ والفاعل المطلق هو ذاتية كل فعل منه؛ فهذا من هذا: هذا هذا. حقيّة الفردية من حقيّة  هي هي حقيّة الواحد المطلق. بالحق كان الوجود الفردي، بفاعلية الفاعل كان ويكون.. المحض الوجودي للواحد المطلق هو كينونة الوجود / الفعل الفردي.. من محض الوجود الكلي بزغ الفردي: محض الفردية من محض الكلية [هي من ذاتها هي]. الجور على الفردية وحقها في الوجود المشاع جور على المحض الكلي الذي هو حقيقة الحقائق. وكل جور نار وقودها الجور. يحرق الجور ذاته ليبقى الفاعل الكلي ممتلئا بالسلام / ذروة التحققات: أمّا نار وسلام فكلاّ.. وكلاّ!..

 

(6) الوجود ينفتح على الوجود بالفرد المنفتح بالحرية..

الجور تهلكة. وانفتاح الفرد على الفرد حياة السلام. الإنفتاح صدور عن الحقيقة التي هي: الوجود ينفتح بالفردي المنفتح على الفردي. انفتاحية الفردي هي الحبل السُـرّي الذي يصل [يفتح] الجنين بالأم. فإذا لم يكن الإنفتاح كان الإنغلاق، والإنغلاق موت. يستمد الفرد وجوده – كل ومض – من اتصاله بالوجود الواسع. وبهذا الإتصال نتحرر – كل ومض – من شرك الهلاك؛ أي: من حد المفعولية. يحدث هذا التحرر بفاعلية الفعل / فاعلية الفاعل المطلق. الفعل ينفتح على الفاعل بتحرر الفعل من كينونة المفعولية التي نسقط فيها بالإمكان؛ ولكننا سرعان ما ننهض بالتحقق الوجودي بالفعلية المحققة للفاعلية. تحررنا من الهلاك بالمفعولية هو انفتاحنا – بالكلي – على الوجود الكلي. بالتحررية يتواصل الوجود: فعل التواصل الحيوي هو فعل – وهو الفعل الأهم – استمرارية الوجود؛ فعل استمرارية الفردية بفردية متجددة. الحرية فعل مضاد للسقوط في المفعولية؛ والذين يسقطون في مفعولية اشتهاء التملك لما يزيد عن حاجة الوميض يقعون في مجرى مضاد لمسار الحقيقة التي تقرر – برؤيتنا الواحدية – أن الوميض الحاضر ذروة الوجود الذي هو حاضر دوما. اشتهاء التملك لما يزيد عن الحاجة الملحة وقوع في مخنق الوهم. والفاعلية تواصل مسارها المنطلق بحرية وعلى رغم المفعولية وعلى عنقها المنكوس. الغوص في طلب التملك بشهوة مفعولية جور على الحقيقة الفردية المنتشرة في فرديات كثر لكل منها حق مشروع وتام في أن ينهل من العطاء الوجودي بحرية الفاعلية المطلقة لا بحرية التملك بشهوة ظلوم لما ليس للفرد حق فيه: ليس للفرد حق اكتناز ما لا يحتاجه الوجود في الوميض. الطلب بشهوة ظلوم انغلاق في محدودية الشهوة؛ انغلاق قبالة الآخرين؛ مجافاة للحقيقة المنثورة بالبراعم الصائرة إلى الإزهار والثمر الجنيّ: الإنغلاق على الذات بطلب الشهوة الجائرة على غير حاجة الوميض جور على الذات التي استمدت – وتستمد – وجودها من الفاعلية المنطلقة بالحرية التي تتواصل وميضا من وميض. من يسقط في شهوة الإكتناز يبني سورا من الظلام يفصله عن الجماعة ويحرقه في مضيقه الوجودي. الإكتناز / سور الظلام اعتداء بتوهم أنه يمكن تقطيع أوصال كل واحد لا يتقطع ولكن التوهم هو الذي يتبدد أمام حقيقة انطلاق الفاعلية بحرية نحو السلام / ذروة التحققات؛ والسلام عطاء انفتاح الفردي على الفردي، بالفردي؛ وانفتاح الكلي على الفردي بالفردي المنطلق بحرية الفاعلية الكلية. هذا المفهوم -الواحدي – حقيقة لا ينفيها توهم أولئك الظانين أن في مقدور الفرد أن يعيش تحت ركام ما يكتنز من مال الوجود الذي هوملك مشاع للوجود كله: قال القرآن الكريم: لقد خلق الله ما في الأرض [كله] للناس جميعا؛ وهذا مفهوم مشاعي قرآني يوكده قول الله تعالى: $ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [= ما زاد عن الحاجة]#. حرية الفعل ملزومة بصميمية الفاعل، وهـي منها. ولأن حرية الفعل صميمية الوجود في الفاعل؛ فإن أي فعل ينافي حرية أي فعل آخر إنما هو ينافي حرية الفاعل الصميمية الوجود؛ وما ينافي صميمية الوجود ينفي ذاته. ومن صميمية الوجود انفتاحه على ذاته: أليست النبتة الغضة بذرة انفتحت على الأرض والسماوات؟! لو حبسنا البذرة الحية في منغلق يفصلها عن ماء الأرض وعناصرها وعن شمس السماء وهوائها، هل تنبت؟ هل تقدر أن تتحرر من ومض الحاضر الكائن إلى ومض يمكن أن يكون؟ كلاّ. وكلا، لن يواصل الوجود  إلى غايته السامقة / الواسعة من يحبس نفسه – بالإشتهاء الظلوم الجائر – وراء جدران القطيعة مع حرية الواحدية المنطلقة بـ / في الكل المطلق / الواسع. الحرية انطلاق في النور على أجنحة النور ذاته.. الحرية أن نسري ونبحر معا.. لنكتب اغنية للحب معا.. لنبدع السلام لنا.. لنتوحد في وصال يبدع الحياة في ومض متجدد.. هذي الحقيقة فلا تزوغوا.. فلنحج إلى بيتنـــا العتيق، إلى زمزم.. زمزم هناك / هنا.. لنستولد أبعاضنا أبعاضا ونزغرد.. لنفضّ البكارات ونزغرد.. سحقا للنفاق سحقا.. بالصدق نجاهر.. فتعالوا نصلي ونزغرد.. تعالوا ننتشي بذوب الوصل والرحيق ونزغرد..

 

(7) حرية الوجود تبدع الجمال..

حرية الوجود تبدع الجمال.. ومن القبح أن تفقأ عيني.. يا أيها الأعور الذي زرع العمى ويحصده، إن العمى قبح وفسق وحضيض أنت فيه سجين قعيد. أما الحرية فهي بصيرة إلى أعماق الوجود نفّاذة؛ نفّاذة إلى الصميم؛ إلى الحقيقة التي تسع الحقائق كلها. والإبداع لا يكون بغير بصيرة. الإبداع خلق متجدد بفاعلية حرة منطلقة من أغلال الآن المظلم الظلوم. إذا قيدنا الزمان صار قيدنا؛ إذا حررنا زماننا إنفتحت لنا أبواب الحرية ونوافذها.. لإشراقات الشموس تفتح الحرية ذواتنا. وما الجمال إلاّ إشراقات الشموس وظلالها وتموجات وبعثرة ضيائها. من خيوط الظل والنور يبدع الفنانون موسيقى الصوت والصورة.. يبدعونها نموا من الغور العميق للمعنى الوجودي الواحدي: الفاعل الحر المتجدد كل آن، مبدع البديع من الواقع والخيال؛ الخالق من الوجود الكائن والوجود الكائن وجودا يكون. في نقطة التلاقي، في وميض هو النور الخالص الصافي، يلد وميض هو النور الخالص الصافي.. لكن العبودية فعل القبح ودنس السواد والانغلاق. الجمال أن لا نستر لنا فعلا.. الجمال ضياء يحرق الثوب وينشر مكنون الصدور. الجمال حقيقة مكشوفة، هي الصدق ولماذا أكذب والكذب عيبة الواهمين المنخورين؛ أما السامقون بالحرية والحقيقة فلا يزورون ولا يخدعون. الكذب قناع يخفي به الضعاف وهنهم.. قناع كريه الرائحة يعافه ذو البصيرة؛ ذو الوساعة الوجودية..

 

(8) الوجود واحد لا ينقسم والكثرة تنوعات الحرية على الأصل الواحد كما الصفر لا ينقسم ولا يزيد..

الواحدي حر لا يكذب، لأن الواحدية مفهوم نابع من الحقيقة الأوسع؛ حقيقة $الوجود واحد بالعقل لا ينقسم#. واحدية الوجود معنوية متكثرة بفاعليته. ولما كان الوجود الواحد مالىء لمقولة الوجود، فلا تصح فرضية عبوديته. العبودية علاقة مع غير، وباعتبار الوجود مالىء لمقولته، فلا غير. ومن كان في الفلاة ولا غير معه، فهو حر لا كما المقيد بعلاقات العمران. إذا كان الوجود واحدا بلا غير، فهو حر حرية مطلقة من العلاقات بالغير، لعدمية الغير. حرية الوجود الواحد صفة ذاتية له فاعلة؛ وليست مفهوما سلبيا؛ هي مقولة صميمية بدليل أن الوجود الواحد يمارس حريته بفاعليته الحرة. فهو، لطبيعته الفاعلة، الصميمية فيه، لا بد أن يكون حرا؛ أي: مبدعا لذاته كل آن. فلو لم يبدع الوجود ذاته كل آن لجمد في حالة ما تلبث أن تصير فناء. لكنه ممتنع على الفناء لامتناعة أن يصير عدما. الوجود لا يصير عدما إلا باعتبار العدمية مقولة وجودية لا ضد وجودية؛ إن الوجود لا يسع ضده، لعدم وجود ضده. وعدم وجود ضده لعدم وجود إمكان وجود غير الوجود. إن كل وجود كائن أو ممكن هو وجود لا غير. حقيقة الوجود هي أنه واحد لا ينقسم. فلو انقسم لتعدد تعددية تعني أنه مختلف إلى نهاية معناه، وهو ليس مختلفا إلى نهاية معناه؛ فالوجودية شاملة موحدة لكل وجود كائن أو متخيَّـل. على هذا الشمول الموحِّد، ترتكز الرؤية الواحدية. لكن الواحدية – لدينا – لا تلغي الكثرة؛ فهي رؤية للكثرة المشمولة بالوحدة. الكثرة وجود حقيقي عياني وتخيلي. ولأن الوجود – بواحديته – حر فهو يخلق ذاتيات متجددة / جديدة. وهي لا تنافي الواحدية؛ الكثرة فاعلية الواحدية. والكثرة لا تقسم الوجود الواحد. الوجود الواحد لا ينقسم، كما الصفر لا ينقسم ولا ينضاف الصفر إلى الصفر فيكون الناتج صفران: الناتج يظل صفرا. ومهما أنتج الصفر، فلن ينتج إلا أصفارا؛ فالشيء ينتج (من) ذاته. ولوطرح من الصفر صفر لكان الناتج صفرا. الوجود (مثل) صفر كبير واحد يلد الأصفار كل حين. الصفر وميض الوجود الذي لا ينقسم.. هو الكينونة المبدعة كل آن فلا تنقسم إلى (ماض وحاضر ومستقبل)؛ هي الآن الحاضر الموحد لـ (الماضي والحاضر والمستقبل). الصفر أسّ التعددية في مفهوم الواحدية..

(الوجود أصفار.. أليس وجودي حياة وموت في كل آن [: 1-1=0]؛ لكن الصفرية الواحدية فاعلة. فكل مقولات الوجود الواحدي فاعلة؛ فهي مقولات وجود فاعل بذاتيته، لا تتخلف فاعليته عن التحقق في كل تحققاته. والصفرية تحقق من تحققات الواحدية الوجودية. وهي – الصفرية – آلية التوازن الذاتي التي تحكم حركية الوجود، فتضبطها؛ فلا يختل الوجود، ولا ينقص ولا يزيد)..

 

(9) التباين حق لا يشطر الواحد..

هل نحن أصفار، لكنها متباينة اللون والمذاق والكثافة والحجم؟ يبدو أن الأمر كذلك. فإن صح أننا أصفار فلماذا ينتفخ بعضنا ورأس دبوس صدىء قادر على أن يبعط البالون المنتفخ؟! أما جماعة ليس من بين أعضائها منتفخ، فهي تحت الراية الواحدية $جسد واحد إذا اشتكي منه عضو تداعت له بقية الأعضاء بالسهر والحمـى#. النـاس كثر هو كثر الواحد. نحن – جميعا – أبناء أم ترضعنا لبنا / ينبوعا حيا متدفقا من وجود حي متدفق.. أبناء الحيّ المتدفق بالحب وبالشوق إلى النمو والتمامية نحن.. بالحب نهضنا من سديمية الوجود.. بالحب كثرنا.. وبالحب فلنقتسم الرغيف إذا ندر الخبز وضاقت المعائش.. بالحب هدهدتنا الأمهات.. بالحب نُزفّ إلى العرائس.. إلى الجمال.. وبالحب نعشق الأزاهير ونرعاها ونسقيها ونحرثها.. الحب جامع الواحديين وعنوانهم. والحب يُسلِّم بالكثرة؛ فلو لم تكن كثرة فما الحب؟! الحب نسق يجمعني معك.. أنا وأنت القادمين من واحدنا القديم.. أنا وانت المتقدمين نحو واحدنا المعقول. الواحدية أولنا الواحدية آخرنا. من أولنا نقصد آخرنا.. بالحب نسعى، بالحب نبقى.. أنا بعض يحب كله.. أنت كلي وأنا كلك.. أنتم كلي ونحن كلك. نحن كثر لكننا غزل فاعلية الحب الوجودي الواحدي؛ الخيوط كثر والغازلة أم واحدة. التباين حق لكنه لا يشطر الواحد.

إن قسمتم – بالحب – رغيفكم بينكم، قويتم وزرعتم أرضكم، فيكون وفرا.. فترقصون وتصلون ويعمكم السلام؛ حينئذ، لن تغلقوا بابا ولا نافذة.. إمّا إن أنشبتم أظفاركم وأنيابكم في لحومكم، فستحرقكم النار، ثم تذرو الرياح رمادكم في القفار. إن زهرة تسقونها حبا، تثمر أقمارا في مدلهمّ الليالي والأيام!

 

(10) الظلم جمود في زمان متدفق..

من لا يزخر فؤاده بالحب فهو جاحد ظالم جامد. هو ظالم لنفسه بجحوده وجموده؛ وظالم نفسه ظالم لغيره؛ فالزمان يتدفق بالتجدد كل آن؛ وكل كيانية هي حالة من القبول للتجدد؛ والتدفق والتجدد يضادان الظلم والجحود والجمود لمضادة الحب لطلب الهلاك. إن ما يبدعه الفاعل الحر هو فاعل حر كذلك؛ الحرية صميمية كل كيانية. الحرية حق وواجب كل كيانية بالتعقل؛ فالحق والواجب هو فاعلية الكيانية: فاعلية الحرية. الكيانية في حقيقتها هي الحرية. أمّا أولئك الذين يسعون لقسر الطبيعي العقلي على التخالف الحركي مع اتجاه الفاعلية الحرة؛ فإنما هم يجدفون ضد الحقيقة وعكس تيار الفاعلية العميق العالي الأمواج الجارف. الذين يعاكسون اتجاه حركة المطلق / الفاعل الحر هم الذين اختاروا مصير الهلاك وراء الأسوار المغلقة على جمود ظلوم. يكون جامدا ظلوما من يغلق على ذاته أبوابه ونوافذه.. من يصم عينيه وأذنيه وعامة حواسه وعقله عما يتدفق من حوله.. من يغلق أناه عليه؛ ينغلق في آن من الزمان، يبلعه بحر الزمان ولا يبالي.. تأكله النار فلا تُبقي له ذكرى.. يرتمي في حضيضية الهلاك ورأسه منكوس وقلبه من عفن.. من لم يُسلِّم نفسه للفاعلية الحرة المنفتحة يبددها في قفار الليل البهيم.. وتُواصل الفاعلية تجددها وتحررها من الآنات ومن الأنانية..

 

(11) الوجود فاعل والفاعلية فعل وفعل وفعل..

لا يتوقف الكل عن حركته. الكل هو الوجود الفاعل. كل وجود هو في الوجود الكلي الفاعل. كل وجود فردي ينعزل عن الفاعلية  [يتجمد] يهلك ويبقى الوجود الكلي فاعلا؛ يبقى كذلك لأن الفاعلية صفة ذاتية صميمية له. وما كان ذاتيا صميميا لا ينفك عن وجود ذاتيته. الوجود والفاعلية ليسا اثنين؛ هما واحد. إذا ذكرنا الوجود عنينا الفاعلية، وإذا ذكرنا الفاعلية عنينا الوجود. ولو تخيلنا شيئا غير فاعل فإننا نتخيل – مع الخيال الأول ومن غير تراخ – شيئا غير موجود وجودا عيانيا [غير متحقق]. ولما كان ليس ثمة شيء إلا وهو وجود في العيان أو الخيال [ وجود الخيال عياني أيضا]؛ فإن كل شيء فاعل. كل شيء هو بعض الكل. والكل فاعل. وكل بعض من الكل الفاعل فاعل أيضا. الكل فاعل والأبعاض فاعلة. لكن فاعلية البعض ليست مطابقة لفاعليـة الكل. الكل واسع [مطلق] وفاعليته واسعة [مطلقة]. الكل يسع الأبعاض كلها. الكل معنى تنتظم به / فيه العيانات. ولا يُعرف الكل إلا بأبعاضه. لا نعي الكل إلا بإدراك أبعاضه، [لا كل أبعاضه]؛ كما نعي الفاعل بأفعاله، [لا كل أفعاله]. يتكون الوعي الواحدي بإدراك هذا الفعل وذاك؛ بإدراك التجدد الوجودي بفعل وفعل وفعل… ونعي من كثرة الفعلية وتجدداتها أن ثمة فاعل. من الفعلية الكثر المتجددة نفترض وجود الفاعل. نعي الفاعلية في باطنية الفعلية. الفعلية والفاعلية معنى واحد؛ وإنما يتباينان بالوساعة الوجودية: الفاعل فعل وفعل وفعل… والفعل فاعل محدود بمقدار الفعلية المتحصلة للفعلية من الفاعل؛ أي: من فاعليتها. الفعلية كثر والفاعل واحد. ولا تستوجب كثرة الأفعال تعدد الفاعل المطلق الحر. فلو تعدد الفاعل فهو ليس مطلقا حرا، وهو لا يملأ مقولة الوجود. أما من كان مطلقا حرا مالئا للوجود فلا غير له؛ فأين يسكن الغير؟ وماذا يفعل الغير إذا كانت الفاعلية مشغولة بكليتها ولا فسحة ثمّ ولا إمكان؟! الفاعل واحد وأفعاله متناهية بذاتها وتناهيها يوجب كثرتها..

 

(12) الواحدية رؤية العقل المتدفق وحلمه.. هي الأمانة والرسالة..

يستمد العقل الواحدي مفهومه الأساسي من العيانية الوجودية؛ أي: مما هو طبيعي. وهو – العقل الواحدي – طبيعي باعتباره فاعلية ذات طبيعة وجودية. وليس بين الطبيعي والوجودي اختلاف. الطبيعية وصف للوجودي. والوجودية طبيعة لكل كائن. وكل كائن طبيعي. العقل الواحدي كائن [طبيعي]. والمتخيل هو من العقل الواحدي أيضا. والمتوهم من المتخيل. المتخيل فاعلية عقلية طبيعية وهي نشاط للمخيلة؛ والمخيلة كائنة [طبيعية]؛ ونشاطها كائن [طبيعي]. المتخيل بعض المتعين وهما وجودان طبيعيان؛ لكن يتباين المتخيل بمكانه. المتخيل نشاط يدور في العقل. غير المتخيل من العياني كائن في الوجود باستثناء العقل. ولمّا كان كل عيان وجودا، فهو واحد واحدية تامة؛ لأن كل وجود هو واحد واحدية تامة. الإدراك يتعامل مع الكثرة؛ ولكن الوعي هو الذي يكشف عن واحدية الكثرة. الوعي نشاط تخيلي يجاوز محدودية المدرك: التخيل يعمق [يوسع] المدرك بنشاطه التخيلي. العلاقة الواحدية بين أخوين ليست مدركة؛ ولكن العقل – التخيل – يعيها بنشاطه التحليلي التركيبي. ووعي العقل التخيلي عيان وجودي منماز بمكانيته؛ أي: بأداتيته الخاصة. العقل يعي واحدية الكثر: كل واحد كثر؛ كل واحد – منا – له أعضاء وأحوال وشهوات وغايات. وتكوّن من عناصر متعددة: من أم ومن أب ومن جغرافيا ومن زمان ومن تراب ومن شمس ومن هواء ومن ماء.. وهذه عوامل مدركة.  كثرة العوامل التكوينية لفرد لا تنفي أنه واحد. الواحدية انتظام كثرة عوامل مدركة في نسق؛ النسق غير مدرك؛ أي: لا يقبل الإشارة إليه بقولنا: هذا الشيء الذي نراه أو نلمسه أو نسمعه أو نشمه أو نتذوقه هو ما نعنيه بقولنا: إنه نسق. النسق مقولة نترجم بها وعينا بوجود علاقة [واحدية] بين عوامل كثيرة، ندرك كل منها على حدة، ولا ندرك [بالحواس] وجود العلاقة؛ ولكننا نعي فاعليتها. ونعي أنها $العامل# المغزول به عوامل كثيرة بمغزل الواحدية. النسقية الواحدية تتجاوز $إنفصالية# العوامل التكوينية الكثر. في $الواحد الغير# الماء ليس هو الماء، والهواء ليس هو الهواء.. الماء والهواء في $الواحد الغير# مباينان للماء والهواء كعيانين لكل منهما وجوده (المستقل)؛ أي: وهما وجودان تامان. في $واحد# غير الماء والهواء هما ليسا وجودين تامين؛ هما عاملان في وجود تام ليس هو الماء أو الهواء. في الإنسان لا يوجد الماء منفصلا عن العوامل اتكوينية الأخرى للإنسان؛ والوجود (المنفصل) غير الوجود غير (المنفصل). فاعلية الماء المنفصل ليست هي فاعلية الماء المرتبط مع عوامل أخرى مكونة لعيان آخر غير الماء. الارتباط ليس موضوعا للحس [الإدراك]؛ هو موضوع للوعي [العقل الواحدي]. الإدراك (عقل) ضيق، والوعي (عقل واسع [عميق]). بالإدراك نتوهم وجود الماء (منفصلا)، وبالوعي يتبدد وهم (الإنفصالية). لا عنصر في الوجود هو منفك عن الإرتباط بالغير. الماء لا يكون ماء إلا تحت ظروف واسعة معينة. إذا تغيرت ظروف المناخ لا يبقى الماء ماء؛ فيتبخر أو يتجمد. الإرتباط بما هو واسع عامل تكويني في كل فعل [كينونة]. لا نحس بهذا العامل لأنه واسع ولا بد من فاعلية واسعة لوعيه؛ والحس فاعلية ضيقة: عقل ضيق. الوعي [العقل الواحدي] لا ينفي النشاط الإدراكي / وجود الكثرة؛ الواحدية تتغور الكثرة إلى مستوى واحديتها. الواحدية تعمق الوجود الفردي بالكشف عن جذوره الضاربة في الطبقة الأصلية / الصميمية للوجود المطلق الفاعل الحر المبدع السلام. العقل الواحدي يكشف للفرد قيمته العليا التي هي موروثه من الأصل الكبير الخالد. العقل بصيرة الوجود؛ والعقل الواحدي يتبصر الطبيعة الوجودية – بكثرتها – ويعي توجه فاعليتها ليستهدي الإنسان بالحقيقة كما هي في الكينونات المتباينة والمتسقة معا، وفي آن واحد: في ومض لا ينقسم. العقل وعي بما هو كائن، وبما يمكن أن يكون: هو وعي بالمتحققات وبالإمكانات. الفردية عيان واحدي مرتبط بالعيانية الوجودية. والعيانية الوجودية هي فعلية الفاعلية الوجودية المطلقة بالحرية. الفردية مرتبطة بالفعلية التي تخلقها الفاعلية المطلقة الحرة. علاقة الإرتباط اكتشاف عقلي. العقل [الواحدي] يوسع وجودية الفردي بالكشف عن ارتباطاته الوجودية بالمطلق الحر. يكشف العقل الواحدي – أيضا – عن الأصل الواحدي للفردي، الذي لم يكن إلا بفعلية وحدت عوامل متعددة. العقل الواحدي يكشف – كذلك – عن أن استمراية الفردي مربوطة باستمرارية وجوده في نسق واحدي يجمعه مع الفرديات الأخرى التي هي فعليات أخرى للفاعل الواحد المطلق الحر الواسع. الفردي يبدأ بفعلية واحدية، ويتواصل وجوديا بفعلية واحدية. لقد جاء كل منا من أم وأب؛ لم يبقيا اثنين بينما كانا يزرعان بذرتنا.. واحدا صارا.. واحديتهما هي وميضنا الذي أبدعنا.. في وميض الوصل بزغ فعل واحدي.. في وميض يلد من وميض يستمر الوصال فنستمر في الوجود.. وعندما لا يصبح في مقدور صدورنا أن تتقبل هواء جديدا تنثرنا الحياة في المدى الوسيع.. تنتهي الحياة الفردية عندما تفشل الفردية في مواصلة فتح المداخل والمخارج بينها وبين الوجود الواسع.

الواحدية حقيقة الوجود الطبيعي / الطبيعي؛ ومطلب الوجود الطبيعي / الإجتماعي. الإتصال المبدع بين أبي وأمي، لم يكن طبيعيا / طبيعيا وحسب؛ كان طبيعيا / اجتماعيا أيضا. تواصلا ليدعما مشروع أسرة تربطها العلاقة الواحدية. وتواصلا بمشروعية اجتماعية تضمن أمن الأسرة التي أسساها ومنذ اللحظة الأولى بفعل اتصالي انفتح [انكشف] به كل منهما على الآخر انكشافا فاضحا [صريحا]. النظام الإجتماعي ينبني على علاقة الإنكشاف الفاضح بين مرأة ورجل؛ انكشاف هو فاعلية الشوق للتمام الوجودي الذي يحصل بالسلام. إن من ينجبا بنات وبنين يرجوَا لهما الأمن والسلام. فعل الإنجاب يتطلب الأمن والسلام. نظام الأسرة مسعى اجتماعي لتوفير متطلب الأمن والسلام للوجود المتجدد. السلام هو الغاية القصوى لفاعلية الوجود . السلام – في الرؤية الواحدية كما نتبناها – حاصل تلقائي لانفتاح الفرد على الفرد بالكلية الأصلية لكل منهما. فعل التواصل – الأنثوي الذكري – انفتاح طبيعي / طبيعي [وطبيعي / اجتماعي] بين فرد وفرد بالكلية الأصلية لكل منهما. السلام الإنساني مطلب يحصل بالوعي بقيمته الوجودية / الإنسانية. بالسلام ينعم الإنسان بالأمان الذي يوفر له متطلبات الوجود الإجتماعي بالعدل. السلام الإجتماعي [الذي يحصل بالإرادة الإنسانية الواعية] يفسح أمام فعل التواصل – الأنثوي الذكري – المدى الواسع للاستمرار الوجودي الذي يكرس وميض الإبداع الأول: لحظة ذوبان الثنائية الأنثوية الذكرية في واحدية زمانية لا تنقسم، وواحدية عيانية أعطت واحدا لا ينقسم.

 

ولا يقوم اجتماع بشري إلا بالواحدية: من وصلة الغرام والشوق بدأنا.. ولولا أنك تحصد الزرع وأنا أشعل نار الفرن ما طعمنا ولا بقينا.. لولا أني أجمع قمامة بيتي وبيتك، وأنت تدير دفة الحكم من فوق الكرسي الكبير، ما استقام لنا شأن ولا تدبرنا أمرنا.. فلا تتوهمن أنك الأشرف الأكرم.. فلولا أني أعفيك من أوساخك لهلكت – أنت وأهلك ومن تعشق – بذبابة أو أوهى.. ولولا شروق البدور ما تبينّا ظلمات الرؤوس والصدور..

 

(13) العقل الواحدي أصلي مطلق يسري في المفاصل ويتنامى في الخلايا وبها..

دور العقل الواحدي هو التنبيه على حقيقة الأصل الواحد والكيانية العلاقية الواحدية للوجود المتكثر؛ ومن ثم، الدعوة إلى واحدية جماعية / إنسانية تتحرر بالشوق إلى السلام لتتسق الحياة الإنسانية مع الحقيقة الطبيعية للوجود. إن من يخالف الطبيعة يودي بحياته إلى التهلكة. دعوة الواحدية هذه، هي رسالة الواحديين وجماعة الواحديين.. هي أمانة في أ‘عناقهم يحملونها إيمانا بها باعتبارها حقا وواجبا وحبا للإنسانية وإيمانا وحبا بالوجود المطلق الحر الواسع. الواحدي ذو رسالة رسالته العقل الواعي بالأصل المشترك وبالكائن المشترك وبالمصير المشترك للإنسانية. هذه الشراكة مصدر إيمان الواحدي بالحب والعدل والسلام. والواحدي بهذا الإيمان مثالي النزعة؛ حالم بتحقق وجودي يتراجع فيه الظلم والجهل والعدوان. مسوغ حلم الواحدية الطبيعةُ الوجودية الفاعلة الحرة المبدعة ذاتها كل حين، إبداعا جماليا ينير زوايا القبح ويفتح جحور الإنغلاق لضياء الشمس؛ فيحرر الذوات من قابلية الهلاك ومن وهم الإنفصالية. الواحدية حلم يصل الأبعاض بالإنفتاح على الأصل الواحد انفتاحا جماعي الفاعلية مبدعا للسلام؛ هي حلم بانفتاح الأبعاض على أزلية وسرمدية الوجود انفتاحا عقليا / عيانيا موازيا للإنفتاح الطبيعي الأصلي للعيني على الوجود الواسع الممتد من الأزلية إلى الأبدية. الإنفتاح الواحدي انفتاح بالشوق (الطبيعي) لحالة متخيلة بالعقل. ليس بين العقلي والطبيعي تضاد؛ العقلي طبيعي [حالة للطبيعي]. العقلي هو جمال الطبيعي ولطافته وأفقه ومقداميته؛ هو المشرّع وهو النبض الحيوي. العقل الواحدي رؤية تنبع من الأصل المتخيل للعقل الجامع للأبعاض، المتغلغل في الكينونات، المتعمق إلى أوسع المدى الوجودي الكائن والممكن؛ بإمكاناته – الضمير للعقل – الحاصلة وإمكاناته القابلة للحصول. وكما الوجود يسري، بذاته، في ذاته، من ينبوع الأصل الواحد، وتتواصل وجوديته في مفاصله وأعضائه الطبيعية / الطبيعية، والطبيعية / الإجتماعية؛ كذا العقل الواحدي يسري – بالتخيل – من الأصل إلى المفاصل والفقرات، ومن الكائن إلى ما يمكن أن يكون؛ من وميض كان إلى وميض كائن إلى وميض سيكون. وكما الوجود واحد كثر؛ فالعقل الواحدي واحد جامع للكثر جمعا عضويا [لا كوميا]؛ جمعا يرى الفاعلية الواحدة في فعل وفعل وفعل.. كل فعل هو فاعلية الفاعل على قدر وساعة الفعل، الذي تتقدم وساعته بتعمق انفتاحيته على الفاعلية المطلقة بالحرية؛ هذا التقدم الذي يحصل – أساسا -  برؤية عقلية واسعية كما الرؤية الواحدية التي نتبنى الدعوة إليها. وكما الوجود واحد متجدد فالعقل الواحدي متجدد بتجددية الوجود بقدر ما يسهم – العقل – في تجديد الوجود، بلزوم العلاقة العضوية الحميمية بين الوجود والعقلي؛ أي: بلزوم بعضية العقلي الوجودية. يتجدد العقل الواحدي بالحرية الوجودية المطلقة التي هي صميم الوجود (الذي منه العقل). العقل الواحدي ليس مغلقا. لا يزعم الواحدي أن الحقيقة [كلها] تنكشف دفعة واحدة وإلى الأبد. لا يسلم الواحدي بدعوى من يدّعي أن الحقيقة مملوكة له دون الناس. العقل الواحدي – في رؤيتنا – يعي أن الفاعل الحر المطلق لا ينحصر بكليته في فعل من أفعاله؛ الفعل لا يحد الفاعل الحر المطلق. الحيقيقة هي وجودية الفاعل الحر المطلق بكاملها؛ هذه الوجودية لا يستوعبها فعل من أفعال الفاعل المطلق الحر. الفاعل يتحقق بأفعاله؛ لكن أيا من أفعاله لا تحققه بالكامل. ولو تحقق الفاعل بالكامل لما كان مطلقا حرا؛ لو تحقق الفاعل بالكامل لتحدد بتحققه ولما صح أنه متجدد متدفق سرمدي. الفعل يضيء خبيء الفاعل، لكنه لا يفضح حقيقته كلها؛ لأن الفعل غير مطابق بالوجود للفاعل. العقل الواحدي – شأن كل عقل آخر – فعل من أفعال الفاعلية الواحدية المطلقة. ولكل كيانية امتيازها، وامتياز الرؤية الواحدية انفتاحها على الحقيقة؛ نوكد: انفتاحها على الحقيقة لا احتكارها للحقيقة. ما نؤمن به عقيدة لنا، عقيدة مفتوحة لا تزعم انها الحق المطلق؛ ولو زعم الواحديون أنهم الجماعة التي تحتكر الحق المطلق، فهم – بهذا الزعم – ينقضون دعوتهم من أساسها. أساس الدعوة الواحدية هو الحرية النابضة من الحب والشوق  إلى التمامية. والحب والشوق للتمامية مقولة واسعة تحتضن كل أولئك المتمتعين بحق الوجود؛ وهو حق يؤمن بأنهم أحرار لا عبيد لغير. ومن كان حرا فهو بعض الحقيقة الوجودية: حقيقة أن الوجود فاعل حر، وأن الفعلية [الفردية] كيانية الحرية. العقل الواحدي فعل من أفعال الفاعلية الواحدية المطلقة، هو تكشف من تكشفاتها،هو تحقق من تحققاتها، يتجدد بها معها، يتفتح ياستمراريتها، يتوسع بدأبها على التنامي بالشوق إلى انسياح ذاتها بذاتها في ذاتها. فاعلية العقل الواحدي من فعليته الواعية بانفتاحها على الواحد المطلق المتدفق، كل آن، خلقا جديدا يتجدد به الواحد الفاعل بالتنامي [الذاتي في الذاتي]. فاعلية العقل الواحدي لا تطابق فاعلية الوجود المطلق بالوساعة؛ ولكنها شوق التلاحم مع الفاعلية الواحدية بفعلية ذات طبيعة وجودية صميمية تُستقى ، بدون كدر، من الطبيعة الصميمية [الجامعة] للأبعاض؛ طبيعة الواحدية المتجددة، لا (الواحدية) المعطاة مرة واحدة وإلى حد النهاية. واحديتنا لا تفرض للوجود حدا ونهاية: واحديتنا رؤية منفتحة بالغير على الغير، ومع الغير على الكل.. الواحدي منفتح على الغير، قابل للتجدد بوعي.. هو دم حر.. حار دفّاق..

 

(14) تُشعل الصلاة ومضا من ومض وتَصْـلي الحدود فيستنير بعقل المحبين ظلام الوجود..

الإنفتاح على الغير صلاة النار والنور.. تحرق النار مغاليق الآنات، فتصير الآنات ومضا هو النور. تحرق الصلوات الهاوياتِ الفاصلةَ فيسيل الزمان ومضا يشعله ومض.. يصير الزمان نورا في السماوات والأرض.. يصير نورا يضيء حدودي وحدودك.. نورا واحدا تصير حدودي وحدودك.. من النور يصير قلبي وقلبك [عقلي وعقلك].. يصير عقلي وعقلك [قلبي وقلبك] ضياء.. نبع ضياء يصير الواحدي.. النور عن النور لا ينفصل.. النور واحد.. الوجود كله نور.. إذا أحببتك كما نفسي وأكبر، نورا كلي أكون.. نورا كلك تكون.. نورا – معا – نكون.. نور الصلاة نكون.. الصلاة انفتاح بالحب.. بالصلاة ننفتح علينا.. على الكل المطلق الحر الفاعل المتشوق لتمامه ننفتح؛ به ننفتح.. النار تحرق قبحنا ونورها يبدد ظلمات الوجود فيبدع جمالنا.. نور النار يضيء جيوب الركود في مستنقعات الوجود.. الماء الآسن يستضيء بالنور ويغدو روحا من العقل فينمو الحب أكبر.. وتزدهر الواحدية..

 

(15) الزكاة إنماء والإنفاق بذل إلى فوق البذل..

إذا نما الحب أكبر، فليس لأحدنا مال يستوجب الزكاة.. زكاتنا – نحن الواحديين – تنامي أرواحنا.. تناميها للروح الواحدة.. زكاتنا من زرع صدورنا، وانطلاق عقولنا من إسار الجهالات فيكون بذلي في سبيلك وبذلك في سبيلي صافيا.. إنا نبذل البذل وفوقه.. نبذل المحض العميق، فيصير بذلنا من ذروة الوجود؛ يصير حرية.. يصير إنفاقا لما سوى الومض..

 

(16) سياحة الروح صمت لا يشوبه تعلق..

فإذا صار البذل حرية سرت الروح في مطلق الوجود، تسري حرة لا تحمل الهوى ولا يحملها على الطلب.. فلا يطلب الطالب إلاّ صمت العمق الأعمق.. البحر الذي لا يبدأ ولا ينتهي.. بحر الحرية من شوائب التعلقات.. في بحر الحرية تغدو الروح وتجيء ولا تغدو ولا تجيء؛ بحر الحرية نور صاف يتألق بالعشق الذي لا يشوبه الهوى ولا يرجو مزيدا.. بعد العشق المتألق بنور الحرية الصافي ينقطع المدد.. يتحرر البعض بالكل.. الكل الغني بذاته.. أنا بك غني.. أنا بك ممتلىء، وأنت بي ممتلىء؛ تلك حريتنا.. هبني محضك أكن محضك؛ فماذا يشوبني بعد؟ لا شيء وقد غدوت أنا أنت وأنت أنا. حريتك تمامك.. وحريتي تمامك..

 

(17) كلما تورّد الحب على الوجنات وفي العيون نما الزرع وتفتحت الأزاهير والسعادة إبحار في المحض..

الحب المتورد على الوجنات وفي العيون هو شموس الحرية وأقمارها وأية التمام.. نبدع التمام بالحب الذي يسقى زرعا وتتفتح به الأزاهير.. بالحب نبدع التمام فتبدعنا الحرية.. الحب لا أن أملكك ولا أن تملكني؛ الحب سعادة إبحار زورقينا في القلب العميق الواسع المتدفق للمحيط الهادر مالىء الوجود.. فإذا ولجت بإبحارك محضي [قلبي] تفجرت ينابيع السعادة في قلبك وقلبي.. ها أنت بسطت الصفحة البكر فرسمت منها بكارة متجددة.. إن فضضت بكارة جددت البكارة؛ إن فضضت بكارة فأنت حامل الشمس، أنت فاتح الزاوية النائية.. أنت حامل شرور النفس على أن ترحل وتبيد.. وهذي هي السعادة.. السعادة نورك يصل نوري، ونوري يصل نورك؛ فلا ظلمات بعد تفصلني عند أو تقصيني عن حبك وتقصيك عن حبي..

 

(18) صوفي هو الواحدي وعاشق يراقص الشعر..

السعادة صوفية الواحدية. الواحدية – في وجه من أوجهها – تصوف عقلي، أو عقل متصوف. وما يبلغه الصوفيون برياضة النفس، يعيه الواحديون بالتغور [=التوسع] العقلي. الحقيقة مشاع لكل طالب، بكل منهاج شرطه الحريه. الصوفية ممارسة المشاعية، ينهجها الصوفيون الذين بلغوا درجة التسامي فوق شهوات الأنا المغلقة الظلوم؛ فلا يملكون إلاّ وميضا. ومن يملك الحقيقة لا يعوزه سوى الوميض. الحقيقة وجود فاعل مطلق لا تقيده الحدود ولا يفنى بفناء اللحظات. الحقيقة وجود واحد: وتر يرقص كل ومض رقصة التحرر من حالات الجمود.. الحقيقة روح يهز الشوقُ خواصرَها بنغم الخلود، بموسيقى الحب العميق للحقيقة ذاتها. الواحدي شاعر يبدع أيات الجمال بوجدان لا يفارق العقل.. بالواحدية تتناغم تحققات الإنسانية: عقل ودين وشعر.. من تحققات الإنسانية تصدح الحقيقة متأوهة جذلى.. في هدأة الليل ومطالع الأصابيح: الروح جذلى بسعادة الحرية.. الحرية أجمل البديع وأعمق غايات الوجود. يعشق الواحدي الجمال؛ فالجمال شوق الإنسانية وشوق الوجود إلى امتلاك حقيقته امتلاكا متحررا من الفناء.. بالتجلي التام لإمكاناته..

 

(19) واسع هو الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار..

الواحدي الذي يتشوق إلى التجلي بالحقيقة التامة ينشد التحقق بالوساعة الوجودية المطلقة التي هي أصل الوجود لكل فرد وأفق الوجود للكل والفرد. هذا المنشد الواحدي يحرر من التورط في معركة تخوضها النفس لحيازة مملوك غير الوميض. كل مملوك غير الوميض عبء على الكاهل يشل الحركة المتجاوبة مع الحقيقة الكلية المطلقة؛ حقيقة أن الفردية فعل وجودي واحدي حر من القيود المفروضة على الفاعلية. الملك – زيادة عن الوميض – قيد على حرية الفردية، أو قسر لها على التعاكس مع الحقيقة الوجودية المطلقة [=الحرة]؛ والذين يجدفون عكس تيار البحر العارم، إنما يجدفون في تعاكس مع تيار الحياة المتطابق مع وجهة الكل المطلق. لا يبذل الواحدي كرامته في طلب رزقه، لا يعطي حريته الأصيلة مقابل عبوديته لظالم جائر على حقوق الغير: ظالم جائر باستحواذه على ما ليس له؛ علي ما يزيد عن الوميض. الواحدي يطلب الحق الذي هو له بقانون الحقيقة المطلقة التي هي أصله ووسيلته ومنشده؛ يطلبها بروح العظيم الذي لا يصغر قبالة الصغار (بكسرة على الصاد) وقبالة الصغار (بفتحة على الصاد). بهذه الروح العظمى، الواحدي أكبر من الطلب بمذلة؛ فهو فوق المطلوب وسيد المواقف.. فلا يهن ولا يجمد ولا تشوب بياض صفحته مشاعر الحسرة. إن يطلب يفعل ذلك بالحق الذي هو له، وبحقه في الوميض. الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار، وعو في عميقه، لا يطلب ولا يدبر. ومن لا يطلب ولا يدبر لا يقعد في وجه تيارات الكدر. وكيف يطلب الواحدي أو يدبر وهو النسائم الهفهافة على أجنحة موج البحر العميق الهدار؟! من أين يأتيه الكدر والكل كله؟! حقيقة الكل محوزة له، كما هو للكل سواء بسواء؟! مطلوب الواحدي لامحدود، مطلوبه المطلق [المتحرر] والمطلق يعطي ذاته كل ذاته، لا يضنّ فلا مضنون به لدى المتحقق بالحرية. الخلق من أصله كرم المطلق، الخلق فاعلية مستمرة وكرم المطلق مستمر باستمرارية الفاعلية الخالقة. الكرم من فاعلية الخالق التي لا تفارق ذاتيته. الكرم طبيعة الحرية الفاعلة المطلقة تعطي كما تشع الشمس ضوءا على المشارقة والمغاربة والدانين والقاصين.. من الثقة والطمأنينة نفس الواحدي مجبولة.. ومملوءة بإيمانه أنه تجلي الحقيقة في أبهى الصور؛ أي: هو الحقيقة في أوسع تجلياتها وأعمقها.. هو الحرية المنشودة.. هو السلام..

 

(20) الواحديون أمة مشرّعة الأبواب لشمس لا تغيب وقمر لا يرحل..

وبوساعة الواحدي، فإن الواحديين أمة لا تتقاسم الحقيقة قسمة ينكفىء بها الفرد على فرديته في منغلق له يقصيه عن حقيقته وحقيقة الكل. الواحديون أمة مفتوحة لا تغلق لها أبواب ولا نوافذ. تستمد الجماعة الواحدية مشروعيتها من استجابتها الأصيلة للحقيقة الأصلية. والحقيقة الأصلية شمس لم تتخلف عن الشروق منذ الأول. كل يوم هو يوم جديد بإشراقته، بأمله، بفاعلية تتقدم نحو وساعة أكبر. أما أولئك الذين يغلقون على ذواتهم أبواب ونوافذ الظلمة، فهم المحجوبون عن تجدد الإشراقات والآمال، الكافرون بالحقيقة. دين الواحدي عقل منفتح متنام. ويوافق الواحدي على أنه ليس بوسع العقل الفردي امتلاك نواصي الحقيقة كلها؛ فالعقل فاعلية للكل، وفاعلية الكل منثورة في فعل وفعل وفعل.. والذين يغلقون على أنفسهم الأبواب والنوافذ، يقترفون خطيئة الجهالة التي توهمهم أنهم ملكوا النواصي.. فلا حقيقة ثمّ أكبر مما اغتصبوا(؟!).. ولا شمس ثمّ غير ما اكتنزوا(؟!).. أما المنغلقات فقبور وإن كان أهلوها في حراك! الواحدي منفتح بالحقيقة، عليها، بالشوق إلى التجلي بها كل يوم وكل ليلة. الواحدية مشاعية الشموس والأقمار.. فلا اسوداد يشوب صفحة الواحدي وصحفته، لا الوسن يكدر ماءه.. تبدد الشموس والأقمار كل ظلمة ووسن.. الحقيقة وضاءة وبراءة.. ووضّاء بريء طالبها..

 

(21) التعلم فضّ بكارة ودم يروي ظمأ البادرات..

التفتح المتنامي هو فاعلية الواحدي العقلية. العقل الواحدي، كل آن، وكما الوجود كله، بكر، والفاعلية تفض بكارة ذاتها كل ومض. نحن، بالتعلم، نقتحم مجهول الوجود؛ نقتحمه بشمس جديدة هي بكر أيضا. الكائن بادرة غضة رواؤها دم يكسبه العقل بتجدده؛ باستجابته للفاعلية الوجودية المتدفقة المتجددة دوما. ولادتنا فعل له نهاية، لكنه فيل يبطن إمكانات الأصل الذي أبدعه؛ إمكانت الفاعلية الحرة المطلقة. الفاعلية ليست كينونة واحدة، إنها كينونات. وللكينونة الوجودية حد. عند هذا الحد تجاهد الفاعلية للخروج من مأزقيته (من مأزقية الحدية)، بقوة طبيعتها الحرة المطلقة الكامنة؛ فتتواصل ديمومتها. وباختراق الفاعلية لحد الفعلية (الكينونة) يفض الكل بكارة جديدة بصيرورته كينونة جديدة. هذه الحركية الوجودية هي حركة العقل أيضا. فما هو أصلي مطلق في الكل، لا يتخلف عن التحقق في الفردي.

العقل كينونة فردية؛ هو أداة التفتح التي تنجلي بها وساعة الوجود الأصلية المطلقة. العقل يخلق من الكائن بالإمكان كائنا مستقلا. الكينونة المستقلة حد، لكن العقل، الذي هو أداة لواسعية الوجود، لا يفنى عند حدية الكينونة المستقلة. العقل متدفق كما الوجود الكلي الذي لا يجمد في حال. العقل الواحدي لا يجمد في حال. الجمود هلاك. والعقل الواحدي ممتنع على الهلاك لارتباطه الحميم بصميمية الوجود المطلق الحر. وكما الوجود الكلي لا ينكشف دفعة واحدة، فالعقل لا يكتشف الحيقيقة العلمية دفعة واحدة. يلد كل منا باستعداد عقلي، لكن التنمية العقلية مهمة تقوم بها الحياة ابتداء من درجة الاستعداد الأولي الفطري. الحياة مجال تنمية العقل؛ والعقل أداة تنمية الحياة. العقلي مرتبط، بحميمية واحدية، مع الحيوي. العقلي أصفى تجليات الحيوي. قد يقوم سبب يعيق فاعلية العقل، فتكون ثمة حياة بلا عقل؛ لكن مثل هذه الحياة لا تصنف كحياة إنسانية. الحياة الإنسانية عقلية. وقد بزغ العقل منذ بزوغ الفجر الإنساني، بموازاة تامة مع بزوغ الفجر الإنساني ببزوغ العقل. العقلي والإنساني كيانية واحدية. واحدية الجسدي والعقلي الإنسانية هي الدرجة التي بلغ بها الوجود – حتى الآن – تمامه. الوجود الإنساني يتنامى بالعقل؛ الوجود الكلي يتنامى بالعقلي الإنساني. العقل ينمو بالتعلم. التعلم فعل توحد العقل بقانونية [حركية] الوجود ذات المجال المطلق. توحد العقلي بمطلقية الوجود هو دم التنامي الوجودي العقلي والوجودي الكلي؛ التنامي الكلي مطلقا..

 

(22) التربية تنقية لبن الأصل القديم وتحلية بالعسل..

والتعلم الذي ينفتح به الفردي على ما وراء حدود الفعلية عملية مجتمعية معطاة للحاجات البشرية وللكينونة التطورية للمجتمع والفرد. التعلم تكيف بشري مع الوجود الأوسع يدافع به الفرد عن كينونته التي تتهددها عوامل حبس الفعلية داخل حدود عازلة عن سريان الفاعلية. التعلم انفتاح الفعلية، بالفاعلية، على الفاعلية. الفعلية الأولى  [الوميض الأول للفاعلية لفعلية ما] هي “لبن الأصل”. الفاعلية الحرة المطلقة هي “الأصل”. فاعلية الأصل لبن يسري من فعل إلى فعل؛ سريانا للفاعلية من وميض إلى وميض. والوميض فعل للفاعلية المطلقة. لبن الأصل قديم، والأصل قديم؛ قديم متجدد. لبن الأصل متجدد. يتجدد الإنسان بالتربية التي هي فعل اجتماعي يتهذب به الحيواني في الإنسان بفاعلية القيم الإجتماعية المتطورة عن الأداء الوجودي الحيواني. الحيوانية لا تغيب في الإنسان؛ الفاعلية الوجودية في الإنسان فاعلية حيوانية أوسع [=أرقى] منها في الحيوان. التربية – بالتعليم – هي أداة صيرورة الفاعلية الوجودية من الحيوانية إلى الإنسانية. “التربية تحلية بالعسل [تهذيب] للبن القديم”. التربية توسيع للحيواني بالعقلي؛ هي تلطيف الفعل الوجودي الكثيف واقتراب من الصفاء المطلق بالحرية التي ينماز بها السلوك العقلي المتحرر من محدوديات المطلوب بالشهوات إلى وساعة المطلوب بالعقل الواحدي: السلام والجمال. العقل الواحدي فعل يناضل للتفلت من المأزق الوجودي الذي يناضل الوجود الكلي، كل وميض، لاستيعابه. هذا العقل الواحدي المناضل قبالة الفناء، اغتذى من لبن الأصل ابتداء؛ ويطلب لبن الأصل مرة أخرى طلبا توحديا يعطي لبن الأصل معنى الحرية المطلقة. اللبن الأمومي والعسل عطاءان خالصان لا يقبض معطياهما ثمنا له، هما عطاءان صافيان وبصفائهما – كما يعي العقل الواحدي – يصفو العاقل (بعقل واحدي). معطيا لبن الأمومة والعسل (وهو لبن أمومي أيضا) يجنيان السعادة القصوى بفعل عطائهما؛ فيتحققان تحققا وجوديا تاما. لبن الأصل هو لبن التحقق الوجودي التام؛ بالتربية الواحدية يكون للبن الأصل فعله الوجودي التام. تحلية لبن الأصل بالعسل هو فعل تربوي واحدي: توحيد النافع بالحلو [=المحبب] والإنساني بالحيواني [العسل منتج حيواني] بالنباتي [غذاء العسل نباتي] بالجماد [وعاء العسل جماد]؛ توحيد عوامل هي معطيات حرة من المقايضة السوقية؛ معطيات الحب الأمومي: الحب الأكبر..

 

(23) الصدق والشجاعة خلق واحدي مطبوع وعقد منقوش من الياقوت والياسمين على جيد الحسان..

التربية الواحدية عقلية أخلاقية. هي انفتاح – بالعقل – على ما هو أكبر من الفردي؛ أي: نسج علاقة حميمية بين الفرد والكل فردا فردا. الصدق لحمة العلاقة التي تربط هذا بهذا. والواحدي صادق بطبيعته الواحدية؛ بطبيعة نشدانه الحقيقة للتحقق بها. الذين يتحلون بالصدق هم الذين يملكون القوة على التجرد من الأقنعة التي تفصل الفرد عن أمه الكل.. هم الذين يملكون شجاعة يقتحمون بها المجهول طلبا للحقيقة.. هم الذين يقتحمون النار المتلظية عرايا ليروا الحقيقة عارية من زيوف الوهن. الأخلاق الفاضلة تبني واحديا فاعلا ليس مدعيا كاذبا مشطورا منافقا وبوقا وأجوفا بلا مضامين اجتماعية. الواحدية رؤية جامعة، فهي أكبر من محيط العقلي، وفاعليتها تترامي من العقلي إلى السلوكي. قد نعي الحقيقة دون أن نتحقق بها. الأخلاق الواحدية مؤسسة على الوعي بالحقيقة، ومزدانة بجمال تطبيقها والتمثل بها. هذا التطابق المنشود بين الوعي والسعي حميمي إلى درجة تصير به الأخلاقية كينونة مطبوعة في العقلي؛ إل درجة ينعجن فيها العقلي بالسلوكي، فلا يتمايزان. وبتوحد العقلي بالسلوكي تصير الواحدية “عقدا منقوشا من الياقوت والياسمين على جيد الحسان”.. ستكون جيد الحسان فوّاحة بالعطر الطبيعي الأصلي؛ فواحة بالجمال، داعية إلى تعميق شوق الوجود بالصيرورة من تمامه إلى تمامه.. دعوة لتعميق فاعلية الفعلية.. وعلى جيدكن أيتها الحسان أبني عشي وأرعى حبي وأنطلق في المدى حرا بالفاعلية الصميمية..

 

(24) الحقيقة فضيحة الجمال وبراءة العرْي في نغم الصبح..

الحقيقة علمية جمالية.. بالعلم نطوي المسافات الفاصلة بيننا وبين الحق.. بالعلم نروح ونغدو بالحق.. نروح ونغدو عرايا من جهالاتنا.. بالأخلاق الواحدية نروح ونغدو عرايا من ظلاماتنا.. بالحقيقة الواحدية نروح ونغدو نرقص في الهواء الطلق على ألحان موسيقي تنبعث ألوانا من عواطف الوجود، آتية من الأعماق والآفاق، بريئة براءة العري القديم.. نرقص في أنغام الصبح المشرق فينا بالأمل المتجدد بالشوق إلى التمام.. نرقص لينفتح التمام على التمام.. عرايا نراقص الحقيقة تحت سماوات الحقيقة.. لماذا نحجب الحقيقة عن الشموس الساطعة وقد غدونا نحن الحقيقة في أوسع مراتبها؟! ماذا يحجب الثوب من عيوبي والثوب لا يستر أنياب الذئاب؟! إن لم يطهرني الثوب من شهوة أكول تحسب الآخرين مأكلي وملبسي ومسكني ومنامي، فالثوب جريمتي وأكذوبة أجدادي وأمهاتي! الحقيقة أنت ناهض وأنا ناهض.. أنت الحقيقة وأنا.. أنت الجمال أنت جمالي وكمالي.. فينا جمالنا وكمالنا.. فينا يرتسم الجمال عاريا.. فاهتكوا أستار الكذب يبعثكم الشوق إبداعا عارما.. عراة من أقنعة الأكذوبة ولدنا.. كنا قادمين من الحقيقة الناصعة للتو.. تعالوا يا ثلة العشق نعانق الحقيقة العارية من ضلالاتنا لينبلج بنا نور في الليالي.. لينبلج بنا حب ترقص له الشموس والأقمار والأزاهير والبحار والجن والطين والحيوان..

 

(25) الكرم زينة الذين يكنزون الشقاء جهلا..

إجمعوا يا ثلة العشق مالكم.. تعالوا ننثره في الأرض لينبت زرعا لنا.. لا تكنزوا عذابا منه تعطون فتحسبون أنكم الكرماء.. إن كنزتم ذهبا وفضة أكلتكم النار.. إصنعوا من الذهب والفضة عقودا زينوا بها صدور الحسان وراقصوهن بشوق الأصابيح.. أجورا لا تعطوا.. إن تعطوا فلن تعطوا إلا من ذهب مكنوز، مسروق.. أعطوا لبن الأصل عسلا ينبع من قلوبكم بشوق التمام إلى التمام.. تمام الحقيقة المطلقة العارية الجميلة.. إن أبقيت في جعبتك ذهبا وفضة أبقيت لك ولنا شقاء وتهلكة.. أنت عاق إن اقترفت إثم التملك لغير الوميض، ستجفوك الحقيقة فقد جفوتها.. تغتصب حق إخوانك ثم تعطيهم ليقال أنت كريم.. بل لئيم أنت.. أنت الظلوم.. فلا يهلكنّك ونحن الفناء.. المملوك فان يفنيك ويفنينا.. أما الشوق، فهو وحده يبقيك ويبقينا.. فلا يخدعنك بريق الزيوف.. تعال، تعالوا إلى حض الواحد النابض بالحب الفياض.. تعلوا لننهض بقانون الحب.. لنمتلىء بالحب..

 

(26) القانون نبض الواحد الكبير يواسي المبتلى ويبدد الأباطيل..

لكل جماعة قانونها. قانون الواحديين غير مسلط على الرقاب. وبه تطاول رقاب المسحوقين الذرا الشاهقات عدلا وسلاما وحبا وجمالا. قانون الحب هو نبض الواحد الكبير. هو نبض يتردد في كل الصدور قلبا مفعما بالفاعلية الحرة الطليقة المبدعة للسعادة المتجددة مع كل إشراقات الأصابيح. لكن البلاء قائم. القصور في كينونتنا بعض كينونتنا. كيف نجبر العظام المكسورة؟ كيف نشق العيون المغمضة لتستنشق نسائم نور الوجود الصميمي؟ ليست الواحدية سراب فكر. بل هي رؤية تسترشد بها جماعة العاشقين للحق والحرية والجمال. ولا تقوم جماعة إلا بقانون يضبط حركتها ويناهض قصور الإنسانية ويقيل عثرات العرج ويعين الواهنين. قلب أمنا الكبرى هو المشرع لقانوننا نحن جماعة الواحديين؛ قلب أمنا ينبض في قلوبنا كلنا.. قلب أمنا الكبرى يد حانية تغسل أوساخنا.. تبدد غشاوة عيوننا..تعالج، بحنان، مواطن الداء ليسلم الكل.. قلب الأم لا يجور ولكن، إذا كان خلل نشطت دقاته بالحب والعدل والسلام ليستقيم من الأمر ما اعوّج.. بحب وعدل وسلام من قلب أمنا الكبير ولدنا.. من قلب أمنا الكبير ولدنا فولدناه..

 

(27) الأسرة جوار محمود والأبوة معطاة جمعية تحنو وتستولد ذاتها..

القلب الكبير جامعة الواحديين التي لا تضيق على غير. في القلب الكبير نغدو ونروح ونفيق وننام يجمعنا البيت الواحد أسرة في جوار محمود. أجل، الأسرة جوار محمود.. لا رأس فيها ولا ذنب.. فيها قلوب وشوق.. الأسرة جوار محمود لا مالك يرهن مملوكا أو صيدا يوقع في الشباك صيادا. قوة الذكورة الغالبة اغتصبت أنوثتنا.. زرعنا.. ثم اغتصبت مالا واغتصبت بالمال أنوثتنا.. المرأة لا تشترى.. المرأة معطاء الأزاهير والثمر.. لا مداس هي.. جمال هي فادنوا منه بحقه.. حق المرأة أن تهبكم حضنا يلد الفاعلية متجددة غضّة بضّة.. بالمرأة تلد الفاعلية حريتها.. وكن أبا للكل الذين من صلبك وصلب أخيك نبتوا.. كن أبا في جماعة مفتوحة للشموس والأقمار.. لا تغلق أبوابك ونوافذك دون البراعم في قريتك.. لا تحمل أبناء تمتد باسمك أسماؤهم، لا تحملهم على كاهلك وتمضي في دروب العتمة.. ليكن قلبك، مرتعا لكل القصائد.. مع أحباب الله ارقص وانشد ترانيم الخلود.. صل النسوة كلهن.. لنجعل من أمومتنا وأبوتنا رسالة واحدية.. فلتستولد أبوتنا وأمومتنا ذاتها حبوا وركضا وفتوة.. ولنتقدم من أفق إلى أفق أروى وأصبح..

 

(28) الموت حياة في حيوات وعشق سائر..

فإذا أبحرنا أسرة واحدة، صار الموت حياة في حيوات وعشقا سائرا.. من أمي وأبي استولدت الفاعلية المطلقة كينونتي.. في كينونتي تحيا أمي وأبي.. في كل أبناء أمهاتنا في مماتي أحيا.. يموت فعلي وأصير فعلا.. وفعلي لا ينتهي.. فعلي مفتوح بالفاعلية المطلقة على الأبدية والأزلية.. أنا فعل عاشق سائر في كل الخلايا.. بحب وشوق للحرية والسلام أنا خالد.. الموت لا ينهيني؛ الموت حيوات يبثها الشوق في كينونات تتجدد بها كينوناتنا.. الموت عشق الفعل للفاعلية فتبذر الفاعلية فعلها في الأرض والسماوات لتنبت غضة بضة مرة أخرى. الواحدي لا يهاب الموت فالموت صيرورة التجدد بالشوق والوصال.. الموت واحدية في ذروتها.. هو تمام التمام.. الموت يزرعني في كل قلب.. الموت ينثرني في بطون إخواني في الثرى، وفي رؤوس إخواني في ذروة الوجود..

 

(29) الخير واحدي.. الواحدية سلام يبدعه المحبون..

الموت سلام يتوج حياة السلام الواحدية. الموت ليس نهاية الكينونة لكنه نهاية حديتها. هو بداية انفتاح الفعل إنفتاحا أبديا على الفاعلية يتلقى به الفعل خير الفاعلية المطلق من غير ضن.. وماذا يبغي السلام غير السلام؟ الفعل المنفتح بالسلام في الحياة، فعل منفتح بالسلام في الموت. وليس بعد السلام خير. الواحدية خير في الحياة خير في الممات. هذا الخير يبدعه الحب؛ يبدعه المحبون لا بالهوى..  المحبون بالعقل المستنير بالحقيقة الحرة الطليقة من حديات الفعلية؛ كما الموت حياة منطلقة من حديات الفعلية. الحب هو أداة الانطلاق من حديات الفعلية. الحب أداة تواصلنا وقانون اشتراكنا في قلب كبير مشاع للكل.. ولكل ما يملأ وميضا.. الواحدي منار وارف..

 

(30) الواحدي فرس وفارس لا يرده البرد القارس عن نضال الجائر..

لكن السلام الواحدي ليس هوانا.. الواحدي شامخ الهامة رحب النفس عظيم الهمة. يأبى الواحدي الجور ويناهض العدوانية والظلامة ويفتدي بقوته كلها بادرة رهيفة إذا ما عرض لها خطر أو أنهكتها النوائب. هو فرس وفارس مقدام في الخطوب معطاء على تقلب الأحوال.. الواحدي ومض هاد هادر بالشوق والسلام. الواحدية ثورة العقل على السلب والنفي والاحتواء، أداتها الحقيقة الصميمية للوجود الكلي الحر الطليق من نهايات الأنوات المنغلقة المتجمدة في بهيميات الليالي الباغيات الهالكات المهلكات. لا يكون سلام وعلى الأرض مسلوب مقهور. سلام الواحدية حب مناضل لكل جائر. الواحدية لا تبغض وتناضل الجائر حبا للمهضوم وحبا لإنسانية الهاضم رجاء أن يهتدي ويحسن وينبعث حرا طليقا من أوهام ظلامات النفوس.. رجاء أن يستقيم بالعدل فنزرع حقلنا الكبير معا.. ونجني البر والأزاهير معا.. ونصلي ونرقص معا.. ونعشق معا.. ويبدعنا الشوق والوصال ونبدعه معا.. إن الذي يبلع الرغيف وأنا والنسوة والبنات والأبناء نحلم بلقمة نلملمها من أكوام مزابله، هذا الذي سرقنا قد ألهب النار في صدور النار دفء لها لكن النار تأكلك أيها الجائر.. أيها البعض من كلٍ نحن بعضه، دعوتنا سلام لك سلام لنا.. لكن لا سلام ونحن في بطنك.. فليكن سلاما.. سلاما بالحرية والعدل فليكن..

 

(31) الدين السلام والحرية وثمر الأرض حق الكل وغرسها واجب الكل..

السلام ديننا نحن الواحديين. والحرية شريعتنا. السلام حرية والحرية سلام. السلام هو القوة في أسمى تجلياتها. ليس القوة أن يقهر هذا هذه أو هذا ولا هذه هذه أو هذا.. القوة أن نتحررمن شهوة القهر ومن نزعة الانقهار.. القوة أن نتحرر من كل شهوة تجاوز الوميض؛ فما جاوز الوميض خالف الحقيقة الصميمية العميقة. القوة فعل تغدوه وساعة الفاعلية المطلقة وإلى مستوى الحقيقة الصميمية العميقة. من يدين بالحقيقة يملك الكل لكن لا بشهوة الأكول الظلوم.. يملك بعقل طاهر وواع بأن الكل للكل، وأن الفردية تقوم بالكلية والكلية بالفردية. من لا يملك شهوة أكبر من الوميض يملك الحرية له ولنا، يملكها ملكا يحرره من ظلامات نفسه ومن حدية الآن وجمود الفعلية. وكل دين لا يكون سلاما وحرية ليس دينا.. إن كل الأرض لنا، لنا سويا.. أما الجائر فمجاف للحقيقة معاد للفاعلية التي أنجبته وأنجبتنا وأنجبت معنا حقوقنا على قدر سواء.. كلما يلد ولد، يلد بحقه التام في الوجود التام.. ولا يتم الوجود لوجود ما بقي فينا جائر يأكل حقه وحق غيره. ما بقي فينا جائر فلا سلام.. ودين يعطي لأيٍ حقا غير حقه، والحق وميض لا أكبر، هو ليس الدين.. دين لا يبدع السلام ليس دينا.. ليس ديننا.. دين لا يأتي بالسلام لن يأتي بالحرية والعدل والحب والجمال..

الأرض حق لنا كلنا. حقنا في الأرض كلها حق من الحق الأصلي العميق الواسع. ومن هذا الحق العميق الواسع حقنا أن نزرع الأرض سويا ونحصد خيرها سويا. إذا كانت الفاعلية المطلقة [= الحرة] للوجود هي الحقيقة العميقة الواسعة، فإن الفعلية هي وجودية الفاعلية المطلقة. نحن فعلية لفاعلية الوجود المطلقة. الفاعلية فاعلية بنا. فينا من الفاعلية بقدر ما تسع فعليتنا. الفاعلية حرة مبدعة إبداعا متجددا؛ فعليتنا إذن، مبدعة إبداعا متجددا. ومن الإبداع أن نحرث ونغرس ونسقي. من لا يفعل ذلك يجافي الحقيقة العميقة الواسعة. من لا يفعل ذلك يحد الفاعلية الحرة المطلقة بجمود فعليته. الفعلية الجامدة لا حق لها في شيء غير جمودها وما يترتب عليه من هلاك. لا حق لهالك في الحياة. الجامد يفقد فرصته في الحياة الفردة، وتأكله نار الفناء وتذرو الرياح رماد جسده في الأرض لتثمر الأرض بفعلية أخرى الثمار والأزاهير والموسيقى والصلاة والرقص والعشق والسلام والحرية والوصال في هدأة الأقمار ومع إشراقات البكارى..

 

(32) وإن غدت المنازل مشاع الموسيقى فاح الشوق من الحنايا فلا أبواب ولا سِتْرا.. الفضيلة الحرية الفضيلة الحرية.. الفضيلة صدق البراءة البكر وطلاقتها..

فإذا كان الدين سلاما والحرية شريعة فما انغلاقكم وراء أبوابكم ونوافذكم؟! الله لا يسرق الله. الله انفتاح لا ينغلق. هو انفتاح من أول بلا بداية إلى آخر بلا نهاية. الأبواب والنوافذ لا تحد مطلقا سرمديا واحديا كل أبعاضه فيه وبه ومنه. ما الذي يقصي الأسود عن الأبيض والناعم عن الخشن والكل أبعاض الواحد الكل؟! ماذا يقصيك عني والسلام دعوتي والحرية شريعتي والحب أرضي والعدل قوامي والجمال مرآي ومسمعي؟! بين أيدي المحبين يتراقص الواحد وتتلولوب خواصره فينتشر فوح الموسيقى في المدى الطليق. فإن غدت الموسيقى مشاعا فلا أبواب ولا نوافذ عازلات فارقات.. ولا يقصيني ستر عنك. وماذا يسترك بعد وقد تحققت؟! الحقيقة عارية.. الحقيقة نور غامر هل يستر النور الغامر؟! جدرانك وهم لا يحجب الشمس. أنت أنا وأنا أنت فانكشف واقترب.. انكشف فالفضيلة انكشاف.. الفضيلة العظمى صدق بريء من  أكاذيب اجتماع القاهر والمقهور وتأويلات الكروش المنفوخة والهراوات الغليظة والجماجم القاتمة. الحرية فضيلتنا نحن الواحديين.. الحرية شريعة فضلى نبتت من بكارة الوجود.. تنبت الحرية من كل بكارة أفنانا مغردة آناء الليل والنهار بموسيقى الشوق للتحقق من تمام إلى تمام..

 

(33) الحب سبع سماوات وسبع أرضين وأكبر والكريم كريم محرابه..

ما يقصيك عني وديننا حب كبير وسع السماوات والأرضين وأكبر. إن أحببتني هذا الحب الكبير فأنت الكريم.. ليس الكريم من يسطو ثم يعطي. ليس الكريم من يسطو على الرقاب ويرغمها على المراغم بشهوة جامحة طاغية سالبة. ليس كبيرا من كان ذا بطن كبير وحاشية كبيرة وذا مهارة في الاختلاس كبيرة. ليس كبيرا من يسطو على أكبر الكراسي بالرغم عنا فلا ينخلع منه إلا بالرغم عنه. كبير الحب هو الكبير هو الكريم هو المفتدى.. كبير السطو كبير اللئام. فداك أبي وأمي وإبني وأخي يا كبير الحب الواسع فلا تقصيك عني ولا تقصيني عنك النوائب والفواجع ولا شهوة أكبر من وميض. أنا بك أنت بي أنا وأنت لنا.. فما إغلاق البيت دوني والبيت بيتي وبيتك.. البيت لنا نحن أبعاض الواحد.. فإذا غدت بيوتنا زجاجا روقا ورَوْحا غدت نفوسنا فضيلة الحرية وغدونا الكرام الكرام.. إذا كان بيتك زجاجا يقيك برد الشتاء فلا شيء تعطيه فأنت الكريم الكريم..

 

(34) يبدع كل ومض الواحديةَ واحدا يلج في واحد لتزغرد واحدية غضة زغرودة النصر المتجدد..

إذا غدت بيوتنا زجاجا صافيا غدا الواحد منا ومضا فردا: واحديا لا ينقسم.. واحديا يلج واحدا فتبدع الفاعلية المطلقة ذاتها من جديد زغرودة انتصار غض، هو ومض واحدي بكر. الفاعلية ومض يبدع ومضا؛ هي فعل يبدع الفاعلية. الفعل [الومض] يبدع الواحدية الفاعلية بواحديته. في ومض الوصل، واحد فرد يدخل واحدا فردا فيكون واحد فرد بكر. تلك الحقيقة نتشوقها، فلماذا نختبىء في عتمة الجدران ونغلق الأبواب والمنافذ؟! الحقيقة لا يحجبها حجاب.. لكن الأحرار هم الذين يفعلونها ويجاهرون بها ويفاخرون ويجاهدون في سبيلها..

 

(35) الحقيقة منثورة في الأرض والسماوات محمولة على آنات الزمان..

الحقيقة أكبر من أن تدفن بين فرش وسقف وجدران.. الحقيقة مشاع.. هي منثورة في الأرض والسماوات.. هي الأرض والسماوات وما بينها وما هو أكبر.. الحقيقة في هذا وذاك على قدر السعة للهذا وللذاك.. الحقيقة منثورة في كل وجود بكينونته.. تتعين الحقيقة في الآنات والأعيان.. فلا تزعم أنك ملكت الحق كله وليس لك من الحق إلا ما يملأ عينك وآنك.. على قدر ما تسع من الوجود تسع من الحقيقة.. وأنت لا تسع الوجود كله.. فأنا حقيقة بوجودي المنماز عن وجودك.. الحقيقة بيني وبينك على قدرنا..

 

(36) الله حق والنبوة حق والحق كائن بكينونته..

إيمان المؤمنين بالله والنبوة يجعل من قضيتي الله والنبوة كينونة. وكل كينونة حق. ولكل حق وساعته الوجودية. ووساعة الكينونة تطابق قوة فعليتها بميزان الفاعلية الحرة المطلقة. الله في عقيدة المتدينين حق سلام عادل لا أول له ولا آخر محب رزاق واحد جميل له الأسماء الحسنى؛ والإيمان بالله إيمان بالقيم العليا التي تجسدها صفات الله وأسماؤه الحسنى. والمؤمن مدعو لتمثل هذه القيم العليا التي هي قيم الواسعية الواحدية التي توسع فعلية المومنين فتوسع كينونتهم ووجودهم، فتقوى فيهم درجة الفاعلية بحقيقتها الصميمية. وبالنبوة انفتح الوجود الإنساني الدنيوي على وجود أخروي خالد، فتعمق الفعل الإنساني بقوة فاعلية منفتحة ومن ذات الفاعلية الواحدية الحرة المطلقة. هذا العمق الوجودي النظري يتبلور في سلوكيات المؤمنين بانفتاح على الخير والديمومة؛ أي: يتبلور في كينونة واسعة مملوءة بقدر أكبر من الفعلية الفاعلية الحرة المطلقة التي هي الحقيقة الوجودية الصميمية..

 

(37) الكل واحد والفاعلية سرمدية..

الوجود بالإطلاق لا يتعدد. الوجود المطلق يملأ مقولة الوجود. والوجود فاعل بطبيعته؛ الوجود والفاعلية مقولة واحدة. الوجود فاعلية سرمدية. الفاعلية حركة متمايزة في ذاتها تمايزا لا يعددها. ولولى تمايزها لكانت جمودا وذات حد، ولخالفت فاعليتها السرمدية؛ لولا التمايز لانكشفت دفعة واحدة ثم آلت إلى الفناء. لكن لا فناء للوجود، فلا بد لها من التمايز؛ هذه طبيعتها كما الواحدية طبيعة لها طالما أن الوجود مملوء بذاته فلا فسحة لغير. والسلام الذي تدعو الواحدية إليه مرتكز إلى مقولة ” الكل واحد..” فنحن أفعال الفاعلية الواحدة؛ أي: نحن أبناء أم واحدة؛ فلماذا يعدو الأخ على أخيه؟! أنا وأخي من ذات واحدة؛ فكيف أعدو على ذاتي؟! العدوان بين الناس عدوان على الحقيقة. السلام هو الحقيقة..

 

(38) إذا انغلقت ذات في آن تلاشت..

من واحدية الكل وسرمدية فاعليته تستمد الذاتية الفردة حيويتها. فإذا تضاد الفعل الحيوي لذات فردة مع حقيقة واحدية الكل وفاعليته المتصلة من الكلي للفردي ومن الفردي للكلي؛ من الجماعة للفرد ومن الفرد للجماعة؛ إذا وقع هذا التضاد فهو يضع المنغلق على ذاته في خنقة وجودية؛ فيها لا بد من التخلص من حالتها المأزقية التي وقعت لها بالجمود وفقدان القدرة على مواصلة الحركة؛ أي: لا بد للمطلقية من التخلص من الذات المنغلقة ليستأنف الوجود حركته السرمدية. تهلك الأحياء إذا انغلقت عليها أبواب التواصل مع الوجود الأكبر. والأمم التي تتكلس في زمان لم يعد واقعا لا تتأهل للبقاء اللائق بالفعل الإنساني المبدع بانفتاحه على الفاعلية الوجودية الحرة المطلقة المبدعة..

 

(39) إذا انفكت آن عن آن بددتها الريح..

إن من يغلق الأبواب والنوافذ دون الشموس المشرقة والأقمار الناعسة والنجوم الشاهقة، يغلق على نفسه بيتا من ذئاب وعقارب وحوض آسن. الفاعلية تتجدد كل آن بانفتاح فعل على فعل، انفتاحا مبدعا. وكل انفتاح إبداع.. ما الإبداع إلا انفتاح.. حياة الآن هي فعلها المنفتح بالفاعلية الحرة المطلقة المبدعة المتجددة. هذا الفعل فعل يتصل بفعل آن أخرى منفتح هو أيضا على صميميته، يغترف منها ويهبها تجددا وسرمدية. ولا ينفك الآن عن الآنات غيره كما لا ينفك الكائن عما كان والنتيجة عن عواملها السببية. انفتاح كينونة على غيرها لا تقوم في فعل انفتاح الكينونة على ذاتيتها التاريخية فحسب. الفعلية ذات ارتباط حميم بما كان وبما هو كائن. الأمة التي تقلع حاضرها من تربته الثقافية، تقلع نفسها من التربة الوجودية؛ ومن تذروه الريح لا يفيد من شيء مما حوله. لا يقوم لأمة مشروع حضاري لا يضرب جذوره في ذاتيته، ضربا لا يعيق الانطلاق في الراهن الحضاري للإنسانية كلها؛ وبمنهج الواحدية المنفتح بالحرية الداعي للحب والعدل والسلام للناس كافة..

 

(40) أيها الواحديون.. رضاً رضاً وازخروا بالشوق واستنبتوه.. قولوا سلاما رددوه وامضوا.. اصنعوا سلاما وغنوا له.. أيها الأماجد الذين يبدعون المطلق وتبدعهم الحرية.. أيها الروح التي لا يستذلها الملك إلا وميضا..

أقبلوا – أيها الواحديون – على الحياة بجماعكم كله.. ببهجة تضيء لكم دروبكم أقبلوا.. من يُقبل على الحياة بجماعه كله.. ببهجة.. تُقبل عليه الحياة بجماعها كله.. ببهجتها كلها.. الذين يُقبلون على الحياة بجماعهم كله.. ببهجة القلوب والعقول.. يفعلون ذلك بمحضهم الوجودي..

المحض الوجودي مفهوم الواحدية: أصل الوجود واحد؛ واحديا كان الوجود.. إثنان أو أكثر لم ولا يكون.. كل فعل يفعله الوجود هو فعل الواحدية الوجودية.. كل كائن هو فعل الوجود الواحدي.. هل يفعل الوجود الواحدي غير فعل واحدي؟ كل فعل لفاعل هو فعل بطبيعة الفاعل.. الفاعل واحد، كل ما يفعله الواحد واحدي بطبيعة الفاعل الواحد.. الواحد يفعل واحدا.. الوجود الواحد فاعل يفعل كيانات واحدية.. كل كيان هو واحدي بطبيعته.. واحدية كل كائن هي محضه [قلبه / أصله] الوجودي. هذا المحض الوجودي لكل كائن هو المحض الوجودي للوجود [الحر المطلق] الواحد.

من يُقبل على الحياة بمحضه الوجودي.. ببهجة.. يكون قد أقبل على الوجود كله بمحضه الوجودي الكلي البهيج؛ أي: واحدية كيانية – هي أصل كل فرد وطبيعته – تُقبل على وجودية كلية واحدية هي أصل الوجود المطلق كله.. هكذا تُقبل طبيعة على طبيعة هما ذات واحدة.. هكذا تنفتح طبيعة على ذاتها.. هكذا تنفتح طبيعة محدودة بكيانيتها على الطبيعة المفتوحة على أبعاضها، بأبعاضها.. الطبيعة [الكلية] تنفتح على أبعاضها بفعلها البعضي..

امرأة ببهجة الفؤاد أينعت وأثمرت.. هذه امرأة أم.. الأم أصل؛ هي أصل فاعل.. الأم واحد.. البنات والبنون أفعال لأصل واحد فاعل.. فعل الولادة / البهجة – في كل مرة – بعض من فاعلية الولادة التي هي المحض الوجودي للمرأة؛ الذي هو فاعلية المرأة (فاعلية المرأة دون ولادة تكون قابلية إنسانية غير تامة مغلقة من جهة ذاتيتها الوجودية كأم).. الوظيفة الوجودية الأصلية للمرأة هي فاعلية الولادة والإبهاج. من لم تلد ليست امرأة [كاملة بالإمكان والتحقق].. الرجل لا يلد البنات والبنين.. الرجل يلقي بذرة ويمضي.. الأم تغذو بدمها – ببهجة بلّورية – هذا الجنين وهذا الجنين.. كل جنين كينونة واضحة بذاتيتها.. وجود كل جنين من أمه.. الأجنة، لأم واحدة، كثر.. تلد الأم الواحدة الأشقاء الكثيرين؛ الشق جانب أو بعض من كل.. تلد الأم في كل مرة شِقّا؛ بعضا.. ومنذ يبدأ شقها في التكون، يبدأ منفتحا عليها ومنفتحة هي عليه.. تبدأ فاعليتها بالانفتاح بفعلها على فعلها.. وتستمر فاعلية الأمومة باستمرار حيوية الجنين.. ويبقى الجنين حيا ما بقي موصولا بحياة أمه؛ والجنين محض حياتها.. وحياة الأم محض حياة الجنين.. حياة – بإقبال الكل وبالبهجة – تنفتح على حياة.. حياة أصل تنفتح على حياة شقٍّ من هذا الأصل. ولو أن الشق قرر أن يرفض أمه، وأن يوقف فاعلية انفتاحه عليها، فهو يكون قد قرر هلاكه.. يهلك هو وتبقى الأم قابلة للانفتاح من جديد، بفعل جديد، وببهجة، على محضها الوجودي.. إذا لم يُقبل الشق على كله.. إقبالا تاما، ببهجة بريئة بكر كل آن، هلك وانتثر..

قبول الفردية على الكلية، وببهجة،  هو الرضا؛ رضا طبيعي [عقلي]. فهو طبيعة يعيها العقل بالكشف عنها؛ والتكيف بها وتنميتها.

تقوم علاقة الرضا – الرضا على قاعدة الشوق البهيج الذي هو العلاقة بين الفاعل وفعله.. الأم زاخرة بالشوق المبتهج المبعج للولادة، وزاخرة بالشوق لأبنائها والبهجة بهم؛ فعل الولادة استنبات مبهج للشوق. الشوق هو منتج النموات من الطبيعة.. الأم طبيعة والولادة فعل طبيعي متنام. الشوق عامل تكويني بهيج في فاعلية الطبيعة النامية. النمو الفاعلي هو فاعلية طبيعية [وجودية].. هذه الفاعلية تتطلب السلام.. إذا قتلنا الأم قتلنا شوقها وقتلنا طبيعتها النامية؛ السلام بيئة نمو الشوق البهيج.. الواحدية دعوة للسلام.. والبهجة.. ليس واحديا من لا يدعو للسلام.. ببهجة.. يدعو الواحدي للسلام.. ببهجة يدعو: “قولوا سلاما رددوه”.. النمو بالشوق المبتهج فعل غير جامد.. دعوة السلام البهيج الواحدية فعل غير جامد.. الواحدي يدعو للسلام البهيج ويمضي.. يمضي قُدما.. “وامضوا..”؛ ودعوة السلام الواحدية مليئة: “اصنعوا سلاما”.. ليكن السلام فعلا واقعا لا زعما.. و”غنوا له”.. ليكن نبعا من بهجة الوجدانات ومن وعي عقلي مبتهج.. ليتعضون بالكينونة الإنسانية الواحدية.. الإنسان عقل ووجدان؛ واحد هما العقل والوجدان..  وجهان متكاملان هما.. فليكن السلام أنشودة البهجة الجماعية.. فليكن جمالا تعشقه العقول.. ليكن منشدا متناغما مع حقائق الكون.. فلنكيف به الحقائق تكييفا جماليا.. السلام البهيج كشف الحقيقة المحضة.. هو أغنية الأماجد.. هو الذي يبدع وجودنا المطلق من الاستعباد.. السلام البهيج يبدع الحرية.. الحرية مفهوم واحدي يبدع الواحديين.. الحرية التي تبدع الواحديين تبدع السلام البهيج الذي أبدعه الشوق المبتهج الذي أبدعه الرضا بالحق.. والحق بهجة.. الحرية هي روح لا يستذلها الملك.. أليس الملك هو العبودية؟ أليس المالك – في الحقيقة – مملوكا لما يملك؟ المملوك ليس حرا.. ليس مطلقا.. ليس متشوقا ببهجة لنمو وجودي يصنع السلام ويغني له.. الواحدية ترفض مبدأ التملك لأنها ترفض مبدأ الاستذلال.. ولكن طلب ما تقتضيه الحاجة لاســـتمرار الحياة مشروع بل هو واجب.. وهذا هو “الوميض” (الومض) [= نور في خطفة].. وما زاد عن الوميض تملك يستذل الروح..

تمت كتابتها في: اليمن – صنعاء – بتاريخ: أول أيام عيد الضحى1414هـ الموافق 21 أيار (مايو) 1994م

تحابوا.. إن الحب يبهجكم.. وبهجة الحب تنيركم (1)

دعوة النورانية منهج خلاص الإنسانية من بؤسها القديم المتواصل هذا نداء للناس كافة.. فانضموا إلينا تحابُّوا.. إنَّ الحبَّ يُبهجكم.. وبهجة الحبِّ تُنيركم

المبادئ 1- الحب هو السبيل الذي تنطلق فيه مجاهدتنا لأنفسنا.. نحو هدف: هزيمة الفساد بإنارة الكهوف المظلمة فينا وحولنا…. 2- الحب انفتاح على الحياة.. وغير مشروط بالتملك المستبد.. ولكنه الفعل الذي نحقق به حريتنا الأصلية الروحية…. 3- الحرية شعور لاعدواني.. نستعيد به حقنا الأصيل في البهجة: بهجة الحب…. 4- بهجة الحب تنيرنا.. وبنورها، ننعتق من ظلامات نفوسنا…. 5- ويكون تحررنا من ظلامات النفوس إيجابيا، إذا ما تحقق بالوعي العقلي الروحي المنفتح بالتجدد دوما…. 6- النورانية سبيل الإنسانية إلى انعتاقها من تاريخها الظلامي.. والتفوق عليه، بإنارة الوجدان والوعي بالحب والبهجة.. 7- ومنهج النورانية: الحوار بالعقل المحب المبتهج بالحرية.. وبه يرقى الإنسان، فردا ومجتمعا، إلى مقام النورانية: مقام الإنسانية الأرفع…. 8- وفي المقام النوراني، لا يكون في الناس عبيد.. بل أحرارا أحرارا يكونون.. وبينهم العدل يكون.. والسلام المبتهج أيضا يكون…. وبحب مبتهج بالحرية، مفعم بالتفاؤل المعطاء النشط: يزرع الناس معا.. وينمو الخير ويحصد الناس الزرع معا.. ويصلون معا.. وينشدون ببراءة الطفولة النقية معا: إن مجد الإنسان قام….

بهذه المبادئ.. تنطلق “دعوة النورانية”.. ومن فوق كل القيود والحدود التي تفصل بين الناس.. لتبشر في كل الناس.. في كل الأرجاء.. في الحاضر والقادم من الزمان.. بالحب المستنير بالعقل المنفتح.. منهجا لخلاص الإنسانية من بؤسها القديم المتواصل.. وفي ضياء النهارات التي لا تشوبها الأكدار.. دعوة زاخرة بالأمل في الانتصار على كل شر.. وبالإيمان العميق أن إرادة الحب لا بد أن تنتصر على كل شر.. دعوة تنهض في عقولنا المحبة المبتهجة.. وتناديكم يا كل بنات وأبناء أمهاتنا وآبائنا.. أن انضموا إلينا.. ليرقى الإنسان فوق الهوان وفوق الجهل وينعتق فينطلق كريما حرا مبتهجا في عالم نوراني نبدع فيه: عالمنا الأجمل.. لنا كلنا..

********

(2)

الدكتور حسن ميّ النوراني مؤسس دعوة النورانية

ولد في مدينة يافا بفلسطين عام 1944 وهاجرت أسرته إلى قطاع غزة عام 1947 واستقرت فيه. حائز على الدكتوراه في الفلسفة وعلم النفس – تخصص: علم نفس روحي؛ عن أطروحته: نظرية النوراني في علاج الانغلاق الفكري وفساد الأخلاق والأمراض النفسية والنفس/ جسدية لدى الفرد والجماعة. كتب في مجالات الفكر والأدب. وعمل في الصحافة والعلاج النفسي. وهو صاحب “الدعوة النورانية”: دعوة النورانية: تحابّوا.. إن الحب يبهجكم.. وبهجة الحب تنيركم كتب: تتوجت رحلتي العميقة في البحث المتعدد الجوانب، التي امتدت إلى ما يقارب الأربعين عاما، المقترن بتجربتي الحياتية الشخصية، وبالتأمل الجسور، المتحرر من آفة التقليد؛ بارتقائي إلى حالة عقلية وجدانية ذات طابع روحي متميز لخصتها نظريتي الدعوية التي تحمل عنوان: “النورانية” أو إذا كانت التسمية أدق فإنها تكون: “الواحدية النورانية”. وفي رؤيتي العقلية الروحية تشغل مقولة: “بهجة الحب جوهرة الحكمة وسيدة الدواء” مكانة محورية. وتأخذ رؤيتي صورتها الدعوية بمقولة: “تحابّوا.. إن الحب يبهجكم.. وبهجة الحب تنيركم”. إنني أعتقد أن داء المجتمع الذي أنتمي إليه مباشرة، هو الانغلاق على قديم يحكم حياته: انغلاق فكري وانغلاق نفسي، يصد الإنسان ببعديه الفردي والاجتماعي، عن إطلاق أشرعته في أفق الروح.. ومن يطلق أشرعته في أفق الروح المفتوح بطبيعته، يكون قد امتلك إرادة الحرية الجميلة.. هذه الإرادة تـُترجَم شعوريا في: بهجة الحب؛ الحب للحياة والحب للآخر، والتحرر بهذا الحب من الجمود الشعوري، ومن الجمود العقلي أيضا.. الحرية الجميلة هي التي تحررنا من جمودنا.. انتقلت من مرحلة الإيمان التقليدي بالدين الإسلامي، إلى مرحلة الإيمان الفلسفي بإله، لا تتفق فكرتي عنه اتفاقا حرفيا مع الفكر الذي يصنع إيمان عامة المسلمين. وفي الإطار المعرفي الفلسفي، تقدمت من إيماني بفلسفة واحدية تؤمن بأن الوجود واحد متعدد، وكانت تتخذ من الحب مبدءا مركزيا؛ إلى إيماني بفلسفة “النوارانية” التي لا تتنافى مع “واحديتي” ولكنها تعمقها. ونظريتي التي تصوغ دعوتي، تدين في جانب منها، إلى التربية الأسرية التي تلقيتها، والتي تكونت من عناصر الحب للناس، حبا عميقا وبريئا، ومن أخلاق متسامحة وشجاعة، ومن الصدق والترفع والكرم. كانت أمي ودودة محبة للمساكين وللناس أجمعين، وتقدم لمعارفها خدمة علاجية روحية، بسيطة، ولكنها زرعت في نفسي مشاعر تفاعلت مع عوامل تكويني المتعددة. أنا أدين للحب الذي زرعته أمي في نفسي، والذي يمنحني مبدأ العلاج الذي أقوم يه لطالبي مساعدتي من المرضى النفسيين والنفس/ جسديين. ويسعفني هذا المبدأ في حياتي العامة وفي تقديم الإرشاد الروحي أيضا، ووفقا لأفكاري التي تحملها دعوتي. لقد تعلمت في مدرسة أمي أساس فلسفتي في الحب وبهجته.. ويعود إلى أصغر أبنائي الفضل في تنبيهي إلى القيمة المعرفية والعلاجية الكبرى للابتهاج البريء. كان شغفه باللهو البريء المبتهج، بالنسبة لي، درسا هاما من دروس الحكمة. وبلورت استفادتي من هذا الدرس، ومن مجمل خبراتي المعرفية والعملية، في المبدأ العلاجي المركزي في دعوتي: “بهجة الحب جوهرة الحكمة وسيدة الدواء”.. ودفعتني خبراتي المعرفية والعملية إلى تطوير مفهومي عن الله؛ فوصفته بأنه “الحرية المبتهجة بنورانيتها”. ويشكل هذا المفهوم الفلسفي، أفقا مطلقا لنظريتي التي تتبناها دعوتي. وأنا من شعب، عانى ولا يزال من حروب متواصلة، أفقدته حقه المشروع في الحرية والأمن والرخاء، وأطاحت بمبدئيّ العدل والسلام من حياته. انتمائي لهذا الشعب، دفعني ومن داخلي، إلى بناء رؤية تبحث عن خلاص أخلاقي من مشكلتي الفردية والعامة، وتنبثق من الإيمان بإله، قلت عنه إن “الحرية مادته”. وخلال هجرة عائلتي من مدينتي التي ولدت فيها، وهي يافا، إلى غزة، عام 1947، هروبا من الحرب التي دارت بين العرب واليهود، حينذاك، والتي كانت ملتهبة من حولي، ضللت عن أهلي نهارا كاملا، وكنت حينها في الثالثة من عمري؛ هذا التجربة من الرعب، لعبت دورا هاما في بناء شخصيتي التي أنتجت، (كرد فعل عكسي عقلاني مستنير لا عدواني) نظريتي في الحب النوراني: وهي نظرية في الحياة ترفض فلسفة الموت التي تحملها الحروب. أن نظريتي دعوة إلى الحياة المتحررة من الخوف ومن العدوانية. دعوتي هي دعوة للحرية التي تصنعها المبادئ المعرفية الأخلاقية السامية، الفردية والعامة. وقد كشفت لي تجربتي المعرفية الواسعة والجسورة، أن الأمة (العربية والإسلامية) التي أنتمي إليها، تحتاج إلى ثورة روحية، تنقذها من حالة التخلف الحضاري الذي يعيق تقدمها ومواكبتها للعصر الراهن. وفي تقديري، فإن التخلف الحضاري العربي يعود إلى الانغلاق الفكري وإلى فساد فردي وعام، سياسي واجتماعي واقتصادي. هذه الأمراض المعرفية الأخلاقية تحتاج إلى دواء مصنوع من مادة “العقل المحب”. وأزعم أن دعوتي تقدم، أو تساهم في تقديم هذا الدواء. والفضل في توصلي إلى أهمية هذا الدواء، يعود إلى الحالة المعرفية الأخلاقية الفردية والعامة، السلبية، التي تعيشها أمتي. تؤمن دعوتي بالله الذي هو إرادة الروح التي تصنع الجمال.. وهو الجمال الذي يترجمه سلوكنا بالحب المبتهج الذي يعيدنا إلى أصلنا النوراني.. وتؤمن دعوتي بأن علاج الانغلاق والجمود الذي يعاني منه مجتمعنا والإنسانية كافة، ممكن بالتحرر الفكري والوجداني وبامتلاك إرادة الروح التي تمنحنا قوة الانطلاق، والتي تمنحنا أداة التصالح بين كياننا الفردي وإرادة الخلق التي تتكون من بهجة الحب، وتنشد بهجة الحب. بهجة الحب خير أو هي – في رؤيتي- الخير كله.. في الخير صلاحنا.. ولن يكون خير هنا وهناك، والآن وفي كل آن قادم، ما لم يقم الحب والعدل والكرامة والسلام والنماء والحرية والبهجة المستنيرة بالله المبتهج بحريته النورانية.. إنني لا أزعم أن نظريتي الدعوية قد بلغت الكمال.. لكنني أحسبها عقيدة تضيء الطريق.. إنها عقيدة مفتوحة كما انفتاح النور ومطلقتيه.. وتشدد رؤيتي على أن الامتلاء بالحب النوراني المبتهج، شرط ضروري لممارسة العلاج الذي من المناسب أن أسميه “العلاج النوراني” والذي يستهدف علاج الفرد من مشكلاته وأمراضه النفسية الفردية والاجتماعية كما يستهدف علاج المجتمع الإنساني من الفساد الأخلاقي ومن الانغلاق الفكري ومن تاريخية الغاب التي لا تزال تتحكم في سلوك الإنسان الشخصي والعام.. أمدتني “النورانية” بقوة روحية نصرتني في مواجهة أصعب المواقف التي ساقني الشر إليها أمام عدوانية ظلوم وقمعية.. أمرت نفسي حينها بالابتهاج، واستغرقت في “صلاة نورانية” ابتهلت فيها للنور المطلق (=الله) أن لا يخذلني.. لم يخذلني النور الذي داخلي ومن حولي، الذي هو مادة الوجود وقوته الفعلية.. وأدهشني أن الموقف كله قد انتهى إلى علاجي من مرض غامض كنت أستشعر الخطر منه.. وفي تجربة أخرى أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي الجهول الظلوم العاتي، وفي عمق الثلث الأخير من الليل، ولمدة ثلاث ساعات أمام دبابات رشقت نيرانها الكثيفة من حولي ومعي نساء وأطفال ورجال كثيرون، “كانت بهجة الحب النوراني” قوة روحية جعلت مني الأقوى والأبهى والأجمل.. البهجة في دعوتي هي شوق الوجود الطبيعي.. هي: “غاية كل وجود” وهي: “أصل الأصول وغاية الغايات”.. ولا بهجة بلا حرية.. والحرية نور أو هي: النور.. والفرد وجود حقيقي يقع داخل وجود أكبر هو: “التفوق الطليق.. هو الذي يخلقنا.. هو مادتنا”.. التفوق الطليق هو الله؛ و”هو الروح التي تمنحنا القوة لنواجه ظلامية العدمية”..النورانية دعوى إلى “الإيمان بالوجود الذي هو التفوق الطليق: الذي يوحد داخلنا ويوجد في حولنا؛ الذي يوحد داخلنا بما حولنا: وحدة لا تلغي وجودنا الفردي، ولكن: وحدة تحرر هذا الوجود الفردي من ظلامية محدوديته”.. والنورانية في دعوتي، رؤية فلسفية تؤسس لنهضة جديدة للروح الإنسانية، الذي لا يمتلكها الإنسان إلا إذا امتلك إرادة التجدد، وممارسة هذه الإرادة. الانغلاق هو المرض الفتّاك بالإنسان (والحياة عامة) فردا وجماعة. والحب هو إرادة الحياة المنفتحة بالنور على النور؛ الحب هو دواء الداء.. والنورانية منهج مؤسس على احترام الحقائق التي تعلن عن نفسها في النور.. وهي “دعوة للتحرر من كل إرادة عمياء (تعمد إلى أن) تسلب (من) الإنسان (ومن كل حيّ) حقه في الحرية المبتهجة بنورانيتها”. والحرية في اعتبار النورانية التي أدين بها هي: “حق الحقوق على الإطلاق”. ولهذه الحرية عمق إلهي؛ فالله في مفهومي هو “الحرية المبتهجة بنورانيتها” و “الحرية مادة الله”.. “بهجة الحب هي حريتنا” و”حريتنا المبتهجة هي نورانيتنا”.. “الحرية هي الصلاة المفتوحة بين حرية الإنسان وحرية الله”.. الحرية تحرر الإنسان من مفهوم العبودية الي تكرس في الثقافة الإنسانية التي جعلت من الله كيانا مخيفا.. النورانية طريق الله الإنساني إلى الله المتفوق الطليق: “بالحرية المبتهجة بنورانيتها نسلك طريق الله الذي هو الحرية المبتهجة بنورانيتها”.. النورانية هي “دعوة الخير في مواجهة طغيان الجهل والشر”.. وبطغيان الجهل والشر يطغى العمى؛ فتفقد الحياة معناها.. “الحرية المبتهجة بنورانيتها هي المعنى الأصيل للحياة”.. و”جهنم” هي “الحياة المخالفة للمعنى الأصيل للحياة”.. و “الجنة” هي “الحرية المبتهجة بنورانيتها التي يخلقها الوعي المبتهج بالحب”.. فإذا ابتهجنا بالحب نستنر “فإذا أفقتَِ من سباتكَِ فاطلقي/أطلق في نور الصبح ساعديكَِ وجذعكَِ وساقيكَِ في حرية البراءة البكر.. وليبتسم عقل قلبكَِ فيبتسم دمكَِ وعيناكَِ ويداكَِ ورجلاكَِ ووعيكَِ وكلـُّـكَِ.. فتكون البهجة”.. و”نتحرر من “جمود الكراهية الجاهلة”.. إن مَن ت/ يقبل على الحياة ببهجة.. تقبل عليه الحياة ببهجة.. وببهجة الحب النوراني نتحلى بالجمال الأخلاقي ويكون عملنا مثمرا.. وتطمئن النفوس ونلبس أناقة الروح ونفعل الخير ويضيء النور داخلنا وما حولنا.. وبالهواء الورديّ العطر الصافي تمتلئ قلوبنا (عقولنا) بالتفاؤل والعزيمة الناشطة المبدعة لجمال أعمق وأوسع.. “فهاتن وهاتوا.. يا بنات وأبناء أمهاتي.. ببهجة الحب ننطلق؛ فنبني لنا.. لنا كلنا.. الوطن الأجمل.. وفي النور يكون العالم أجمل”.. بهجة الحب هي “أصفى الخير وأكبره؛ وهي معناه، وأوله بلا أول عليه، وآخره بلا آخر فوقه”.. “وزغردنَ زغردوا.. إن مجد الإنسان قام”..

******** (3)

دعوة النُورانيَّة الله:الحرية المبتهجة بنورانيتها تحابُّوا..إنَّ الحب يُبهجكم.. وبهجة الحب تُنيركم

الوجود – كل وجود – شوق طبيعي للبهجة البهجة أصل كل وجود البهجة غاية كل وجود البهجة أصل الأصول وغاية الغايات تأمَّلْ.. ما هو هدفك من كل ما تفعل؟ إنه: الحصول على البهجة.. ولماذا تقاوم ما لا تحب؟ لأن ما لا نحب، هو شيء يعتدي على حقنا في البهجة.. ما لا نحب، هو شيء يسلبنا الحق في الحرية.. وبهجتنا في حريتنا والحرية هي أن ننطلق من سجوننا المظلمة وكل السجون مظلمة والحرية نور والحرية هي أن نخرج من محدودية الوجود إلى طلاقة النور طلاقة النور أكبر من كل قيد ومن كل ظلمة ولدى الإنسان إلحاح داخلي (طبيعي) يدفعه إلى مقاومة القيود الإنسان مصنوع من مادة الوجود الأصلية: الحرية المحدودية حكم يفرضه الظلام علينا ليقتلنا فكيف نواجه تحدي الموت؟ بالتفوق عليه.. الوجود فرد في وجود أكبر منه.. الوجود الأكبر وجود متفوق مطلق هذا الوجود الأكبر.. التفوق الطليق.. هو الذي يخلقنا.. هو مادتنا هو الروح التي تمنحنا القوة لنواجه ظلامية العدمية والشوق للبهجة الذي يحركنا هو فعل الروح التي هي قوة الوجود الأكبر: التفوق الطليق.. والإيمان بالوجود الذي هو التفوق الطليق، يكون بالانطلاق (=بالحرية) من قيودنا الظلامية؛ إنطلاقا روحيا، يتعمق به وجودنا الفردي في الوجود الكبير الواحد الطليق الذي لا يتحداه الموت؛ لأن الوجود الطليق نور؛ لكون طبيعته هي الحرية المبتهجة بنورانيتها إذا توحّد الفرد بالوجود الواحد الطليق، المصنوع من الحرية المبتهجة بنورانيتها؛ يصير الفرد وجودا من الحرية المبتهجة بنورانيتها كيف يتوحد الفرد بالوجود الذي هو التفوق؟ يحقق ذلك، بامتلاك رؤية تنير له السبيل.. رؤية نورانية.. ما هي النورانية؟ • هي الإيمان بالوجود الذي هو التفوق الطليق: الذي يوجد داخلنا ويوجد من حولنا؛ الذي يوحد داخلنا بما حولنا: وحدة لا تلغي وجودنا الفردي، ولكن: وحدة تحرر هذا الوجود الفردي من ظلامية محدوديته • هذا الإيمان رؤية تمتلك الإرادة: إرادة الحب التي توحد الفردي بالكلي: وحدة لا تلغي الفردي، ولكن: تُوَسِّعُ حدوده، وتدعم تطلعه الروحي للانعتاق من سجنه الفردي المظلم القاتل.. لينطلق الفرد في التفوق الطليق فيصنع عالما أجمل.. • بالحب المصنوع من الحرية النورانية يصير العالم أجمل.. • بالسلام بين الفرد والكل يصير العالم أجمل.. • ليس السلام أن يظلم الفرد فردا • السلام أن نبتهج بالحرية المبتهجة بنورانيتها: بالحب النوراني الذي يحررنا من ظلاميتنا • النورانية رؤية وإرادة وفعل.. بذلك تمتلك النورانية شرط الصدق • وبالصدق نعود إلى براءتنا • الحرية براءتنا البكر التي لا ترتدي أكاذيب الضلالة التي ورثناها من تاريخ يعود إلى عصور الغاب • النورانية دعوة للتحرر من تاريخ الغاب ومن الرضوخ لظلاميتنا التي تنحدر إلينا من جهلنا ومن جمودنا في حدود الأنانية القبيحة • بهجة الحب النورانية تحررنا من الأنانية القبيحة • وعندما نقرر أن نتحرر من قبح أنانيتنا؛ فإننا نبدأ أول خطوات الانطلاق في الأفق الروحي: أفق التفوق المصنوع من نورنا الداخلي • عندما نبتهج بهجة الحب فإننا نفتح نورنا الداخلي على النور من حولنا • وأستطيع أن أمتلىء ببهجة الحب إذا ما أردت أنا ذلك • ولا تملك قوة ظالمة مهما عتت، أن تهزم إرادة الحب وإرادة البهجة وإرادة النورانية • لأن هذا الإرادة في حصن حصين: في القلب الذي هو حريتي التي لا يهزمها عدوان لو أنني أردت أن لا تنهزم • لأن هذه الإرادة هي قوة التفوق والتي هي الوجود الكبير الذي لا يهزمه وجود صغير فانٍ في ذاته • إرادة بهجة الحب النوراني هي إرادة النصر على الموت.. والوجود الذي هو التفوق لا يموت.. هو بالتفوق، ينتصر على الموت كل آن.. • ينتصر الوجود الذي هو التفوق الكبير على الموت بالتجدد المتواصل • والتجدد هو انفتاح الوجود الضيق المحدود على الوجود الطليق • والتجدد بهجة الوجود الطليق بالتفوق • التجدد انتصار النور على ظلمة محدوديتنا • التجدد هو تحقق الحرية؛ ومن يخسر حريته يخسر الحياة: يخسر البهجة.. فالحياة بهجة من البهجة الطليقة التي هي بهجة الحرية النورانية التي هي التفوق على ذاتها في كل آن • وما نحن إلا بنات التجدد: أبناء الحرية • نحن مادة النور – كما النور مادة وجودنا • وقد ابتدأ وجودي الفردي في لحظةِ تحررٍ مبتهج انطلقت فيها من تفوق أمي وأبي على ذاتيهما عندما تحررا من قيود محدودية كل منهما؛ بالحب الذي جمعهما في بحر الشهوة للبهجة.. وكان مجيئي بهجة كبرى لهما.. بهجة للتفوق الطليق الذي حقق ذاته في بهجته.. • وذاته نور لأنه ممتنع على أن تحيط به الحدود • وكل حد حكم بالموت • ومن لا يموت بطبيعته هو ممتنع على الحدية أو على الموت • والوجود الذي هو التفوق الطليق ممتنع على الموت لأنه حر ومبتهج بنورانيته.. ولأنه متجدد.. متجدد • ولأنه ممتلىء بذاته ولا مكان في ذاته للعدم • والعدم ضد البهجة: هو العدوان عليها • ومن يسلب حق الإنسان في البهجة النورانية، هو من جيش الظلام العدمي: إنه مهزوم يهزمة قبحه، ويهزمه حقده، وتهزمه ظلاميته، ويعيش في نار الكراهية • أما الحر المبتهج بنورانيته فإن له المجد وله الجنة • والجنة حريتنا المبتهجة بنورانيتنا المنسوجة من الحب الذي تنسجه روحنا المتجددة بالتفتح الواعي الجميل، لقلب حي نابض بالخير • بالحب نتحرر من قبائحنا • بالحرية نبتهج • ببهجة الحب، يتوهج النور في داخلنا وننطلق في النور من حولنا.. ننطلق في تفوقنا ***** هذا الذي ينطلق بالتفوق هو الذي يبدع عالما متقدما على عالم اللحظة الراهنة؛ أو: هو الذي يحرر اللحظة الراهنة من محدوديتها التي إذا لم تتحرر منها فإنها تسقط في الفناء النورانية رؤية فلسفية تؤسس لنهضة جديدة للروح الإنسانية التي تجفو الإنسان إذا جفا هو التجدد وتجدد الإنسان هو تجدد روحي كما أكدت ذلك كل التجارب التاريخية الدينية والعقلية والعلمية والتجدد الروحي هو الفسق الذي يفسقه التفوق الطليق لينقذ مشروعه الإنساني ومشروعه الخلْقي كله وعلى صعيد الإنسان: • تأتي المبادرة بالفسق الروحي من الإنسان الذي يتحداه خطر المحدودية فينهض الإنسان ويفسق فسقا روحيا يتشكل من الوعي الذي تشكل بالوقائع البيئية التاريخية والجغرافية والاجتماعية، وهي الوقائع التي تخلق روحها في الوعي الإنساني الحسَّاس الذي ينفعل فيفعل ويريد ويقتحم المستقبل فيُبدع عالما جديدا • النورانية فِسْقُ روحٍ يدعو إلى تمزيق ثوب الضلالات التي يرتديها التاريخ الإنساني والتي تقاتل الروحَ لكن الروح أقوى فلا تنهزم • النورانية هي دعوة الروح التي لا تنهزم • النورانية هي دعوة إلى خروجنا من ظلامية الجهل ومن ظلامية الكذب، ومن ظلامية الجور ومن ظلامية الحدية العدمية • النورانية دعوة الصدق • هل في النور مكان للكذب؟! • كلا.. ولا للظلم والجهل والحقد والجور؛ هذه قبائح تنبت في النفسية المنغلقة التي تعفنت في غيابها عن الشمس • النور وطن للبهجة: بالعلم نبتهج وبالحب وبالعدل… • بالحرية المبتهجة بنورانيتها تستقيم حياتنا على الصراط الذي يرسمه الوجود الكبير الذي هو التفوق الطليق المبتهج بحريته النورانية • والإيمان المستقيم على الصراط هو هذا الإيمان المبتهج بالحرية النورانية • هذا الإيمان هو قوة الروح التي تجاهد غيلان الظلام التي تتكاثر في دوائر الحقد ودوائر الأنانية الكريهة؛ دوائر الجيف القبيحة التي تموت لأنها تجفو الروح الكريمة لإنسانية مبتهجة بحريتها النورانية ***** الانغلاق هو المرض الفتاك بالإنسان فردا وجماعة • والحب هو دواء الداء؛ الحب انفتاح على الغير وجميل هو ومبتهج بالحرية النورانية • الحب ريشة فنان نوراني يبدع كل لحظة جمالا جديدا يتفوق فيه الوجود على الآن الذي هو فيه؛ فيحقق الوجود ذاتيته الطليقة المبتهجة بحريتها النورانية • أما البغضاء فإنها داء يقتل الذين يرزحون تحت الشر ولا يريدون النهوض في مواجهته ***** النورانية دعوة إلى بهجة الحب • ومن لا يحوز الشعور ببهجة الحب هو معدوم لا يحوز من الخير شيئا • وهو لا يحوز الكرامة أيضا؛ لأنه لم يصنع قراره ولم يختر الطريق الذي يختاره المستنير بالحب وبالعقل استنارة أخلاقية علمية • الذي لا يحوز الإرادة المتفتحة ليس كريما لأنه ذليل بالتبعية إلى غيرٍ دعاه إلى طريق لا يحترم شروط الوعي العقلاني المستنير بالحرية وبالكرامة الإنسانية • ليس كريما مَن إذا دعاه داعٍ إلى شيء انقاد مطئطىء الرأس مسلوب الإرادة فاقد البصيرة النورانية التي وحدها توفر الشروط الكريمة لرؤية روحية علمية أخلاقية • ليس كريما من يؤمن بدعوة لا تحوز عناصر التأييد لها بمقاييس العقل الروحي الذي يصدق الشيء لأن الأدلة الممتنعة على التفنيد تؤيد صدقه • النورانية منهج مؤسس على احترام الحقائق التي تعلن عن ذاتها في النور • وهي دعوة للتحرر من الوهم الذي تراكم في شرايين التاريخ وفي مفاصله؛ الذي يتنكر للروح المتفتحة والمبتهجة بطبيعتها المصنوعة من التفوق الطليق للوجود الطليق • هي الدعوة للتحرر من كل إرادة عمياء تسلب الإنسان حقه في الحرية المبتهجة بنورانيتها • هذه الحرية هي حق الحقوق على الإطلاق • هذه الحرية هي الحياة كما يريدها البديع الذي هو يتفوق بالحرية المبتهجة بنورانيتها على كل شر هو يسلب الإنسان حريته الكريمة وبهجته النورانية • البديع الذي يتفوق بالحرية المبتهجة بنورانيتها هو كذلك لأنه النور الطليق • والنور الطليق حرية لا تستذل أحدا باستعباده بالعمى أو بالكراهية • النور الطليق بهجة حب • والذي هو بهجة حب يخلق كراما.. لا يخلق عبيدا • النور الطليق يخلق أحرارا كراما لأنه هو الحرية ذاتها • النور الطليق يخلق ما يخلق من المادة التي هي مادته؛ فهل الشر مادة النور الطليق؟! • كلا؛ الخير مادته • والبهجة النورانية أم الخير كله • الحب بيئة الخير • الحب يبهجنا • وبهجة الحب هي حريتنا • وحريتنا المبتهجة هي نورانيتنا • النورانية هي دعوة الخير في الزمان الذي يطغى فيه الجهل ويطغى فيه الشر فيطغى العمى فتفقد الحياة معناها • الحرية المبتهجة بنورانيتها هي المعنى الأصيل للحياة • لأن أصل الحياة هو الوجود الطليق المبتهج بنورانيته • وأصل الحياة هو مصدر المعنى للحياة • وما جهنم إلا الحياة المخالفة للمعنى الأصيل الذي مصدره النور الطليق المبتهج • وما الجنة إلا الحياة الموافقة للمعنى الأصيل الذي يحقق الوجود الذي هو التفوق الطليق المبتهج بحريته النورانية، ذاته فيها • الجنة هي الحرية المبتهجة بنورانيتها التي يخلقها وعي منفتح مبتهج بالحب ***** فَلْنَنْطَلِقْ فَلْنَتِّخِذْ قرارانا.. سنبتهج عندما نقرر أن نفعل ذلك بصدق وعزيمة مؤمنة فَلْنُجرِّبْ فَلْنطْرُد الهمَّ الذي يستحوذ علينا بابتسامة إرادية صادقة سنهزم القنوط وسيضيء العقل والقلب واللسان والمحيَّا والعيون بنور الحب المبتهج سينهض النور الذي أنت منه.. سينهض فيك.. بإرادتك أنت ينهض.. سيفتحك على النور الذي حولك.. وسيكون الكل وأنت منه أجمل.. حتى ظلامية العدوان سترتدي ثوب الجمال أيضا..أليست ظلامية العدوان هي التي استنهضت فيك الحاجة إلى الحب المبتهج بنور الحرية؟! أليست هي التي تنهزم أمامك فتهبك بهجة النصر التي تحوزها بعمق لأنها من فعلك أنت التي/الذي أردت وأنت التي/الذي انطلقت وأبدعت جمالا يتفوق على القبح ويكشف عن الخير في القبح أيضا؟! أنت انتصرت على قبح الظلامية فانتصرت لمعنى الحياة الأصيل فاستحققت جائزة الفوز بالحياة المبتهجة بحرية نورانيتها فلا تخالطك الكراهية للذين/اللواتي رضخوا/رضخن بالجهل لسلطان الظلام إنْ أحببناهن/أحببناهم كانت بهجتنا أكبر، فيكون خيرنا أكبر.. بهن/بهم يكون الخير أكبر.. أفلا يستحققن/يستحقون منا، إذن، أن نحبهن/نحبهم وهن/هم مصدر خير لنا إن نحن أحببناهن/أحببناهم؟! إن أحببناهن/أحببناهم نطرد بحبنا لهن/لهم جيش الظلام من أرض بغى عليها العدوان، فيصير الحب أقوى وتزيد مساحة البهجة ويزيد منها نصيبك وعندما نبرؤ ومعنا الناس من حولنا من داء النفس يصير الهواء الذي يدخل جوفنا نقيا ويصير الدم في عروقك أبهى وتتشقق الأرض عن الأقمار والياسمين لكي لا أكون قبيحا فإني أحب مَنْ يهزمهم الضعف لكي لا يهزمني ضعفي أيضا؛ فأصير بيتا للقبح مرة بالكراهية، وأخرى بخزيي من هزيمتي أمام الظلام فَلْنَنْطلِقْ من انغلاق يتربص بنا ليهلكنا فإذا انطلقنا من القبح البغيض؛ تحملنا أجنحة النور الذي من بهجة حريته نكون ومن بهجتنا منطلقين على أجنحة الحرية النورانية نحوز كرامتنا ما الحياة يا بنات ويا أبناء أمي إذا فقدنا الكرامة فيها؟! هل لمن لا ينطلق بجناحين: الحب إحداهما والحرية ثانيهما؛ هل له كرامة؟! بالحب والكرامة نصير أكبر ونصير أكرم بالحب المبتهج، ننفتح على الكبير الذي لا كبير بعده؛ فنصير كبارا ونصير كراما بالحرية المبتهجة بنورانيتها، ننطلق من ظلامة النفوس ومن ظلم الناس، فنصير بالعدل أكبر وأكرم.. ونزرع في الأرض سلاما مبتهجا بنورانيتنا.. وتنتصر الحكمة وينهزم الجهل وتزغرد العيون وتتورد الوجنات وتجدل الشفاه جمالا فَلْنَنْطَلِقْ في حرية الجمال فنكون كراما لأننا نكون الفاتحين الكبار لممالك الجمال؛ فيبرؤ الزمان من تصلبات شرايين التاريخ ومن تكلسات المفاصل بالتجدد يبرؤ الزمان من داء الهلاك والنورانية رؤية لا تضع على الزمان قيدا..فالزمان مجبول من الحرية، وكل قيد على الحرية يقتل القيد وتمضي الحرية منطلقة في تفوق الوجود المستمر على ذاته؛ غير آبهٍ بالضحايا الساقطة التي قضت نحبها عندما وهنت عزيمتها فاستسلمت للجهل وللرضوخ في ظلامية الحاضر وسلطان ماضٍ رحل وترك للناس الوهم بأن في الماضي المحبوس في ماضيه نجاة ***** وحينما يستبيح القنوط الواحد منا، يعبث اليأس به، وينطفىء الحب في عينيه.. حينئذ فلْيقم هذا الواحد برياضة نورانية سهلة وفيها حل قريب لدائه: انطلقْ في لهو طفولي بريء.. باسِمَ القلب انطلقْ في البراءة الأصلية.. إن اللهو يبتعثك بريئا من جديد في اللهو البريء من قبح الظلامة الجاهلة حب بهيج وبهجة الحب جوهرة الحكمة سيدة الدواء فهاتن، وهاتوا، يا بنات وأبناء أمهاتي، ببهجة الحب ننطلق فنبني لنا.. لنا كلنا.. الوطن الأجمل.. وفي النور يكون الوطن أجمل.. يا بنات وأبناء أمهاتي.. تحابُّوا؛ تبتهجوا تحابُّوا إن الحب ينيركم ونور الحب يبهجكم إذا أنتم تحاببتم؛ فإن الظلام في الأرض ينهزم؛ وتزرع بهجة الحب في الأرض وفي السما،أريج النور، والحرية العشق، وكرامتنا، ومجدنا تحابُّوا فإن بهجة الحب هي: أصفى الخير، وأكبره؛ وهي معناه، وأوله، وآخره تحابُّوا وإن الكبير في تاريخ الروح محمد؛ قال: “لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا؛ ولن تؤمنوا حتى تحابُّوا”؛ وقال: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”؛ ومن قبله؛ أورثنا الكبير في تاريخ الروح عيسى، أن “الله محبة” ومن قلب الروح، ومن عقلها؛ النورانية تنهض.. فلماذا في الناس يتامى وثكالى وأرامل ومقهورون مظلومون حيارى ظمأى جائعون؛ بائسون هم، في حشرجة الظلمة وفي نار الكراهة، في بحر صديد يتلظَّى بالعذاب؛ وفي الأرضين والسماوات أفق للكرامة واسع غني عميق هو الحب الذي النور هو؟! وإذا كان الله في عقيدة المؤمنين به هو الخير وهو رب الخير؛ فإن هذا الخير يخلق الخلق بالخير؛ وبهجة الحب ونورها هي خير الخير الذي يصنعه النور بطبعه والنور الذي يخلق بطبعه؛ لا للشقاء يخلق.. مبتهجا هو يخلق والمبتهج، يخلق بالبهجة بهجةً من نور حريته الذي، بالحرية المبتهجة بنورانيتها، يخلق؛ يخلق الخير، الذي، من الحرية المبتهجة بنورانيتها، هو بالحب يخلق، وللحب يخلق ونحب الذي بالحب يخلق، ويحبنا نحب الذي بالبهجة يخلق بهجة له/لنا بهجة الحب صلاة.. هي حريتنا التي في النور الذي هو الذي يخلق هي تنمو وتزدهر ببهجة الحب ينهزم الشيطان.. تنهزم ظلامة الكراهية التي فينا والتي بيننا.. إذا اشرق نور الحب فإن الشر ينهزم.. وتنهزم جهالاتنا.. وينهزم العدوان على حقنا في البهجة/بهجة الحب النوراني تحابُّوا يا بنات وأبناء أمهاتي.. إن الحب يطهرنا من شرورنا الحب ينير داخلنا وخارجنا وما بيننا تحابُّوا.. إن الحب ينيرنا ويبهجنا تحابُّوا.. إن الجنة بهجة نورنا إن الذي في قلبه ظلم وجهل، الذي في الظلامة هو راكد؛ هو الذي في قلبه وفي يديه ورجليه كراهية للحب وللخير ولكرامتنا وللروح التي هي مصنوعة من أريج الحرية ومن جمالنا وخلودنا تحابُّوا إن الكراهية فسق ونتن؛ منبت العدوان هي تحابُّوا.. إن الحب أمُّ الفضائل جمعاء هو.. والخير كله هو.. تحابُّوا.. ليشرق في الناس دين جديد.. دين من النور يكون لنا بهجة حب.. تحابُّوا.. نحن من عشق الحب جئنا؛ وفي بهجة الحب كانت أمهاتنا عرائس الرجال ومن بهجة النور ولدننا.. بالحب الذي يجمع الأمهات والآباء يلدنا النور؛ فتحابُّوا.. إن الذي لا يحب هو للنار والخزاء حطب.. تحابُّوا وابتهجوا بالنور وفي النور.. تحابُّوا.. إن الذي يُقبل على الحياة ببهجة الحب يتوهج النور في قلبه ويبتهج له وبه الزمان.. تحابُّوا.. لتكون الأرض والسماوات لنا.. لنا أجمعين.. وطنا للحب والبهجة.. وطنا لكرامتنا ومجدا للإنسان.. ونورا.. نورا.. • أنا بالحب أبتهج ببهجة الحب أستعيد نورانيتي الأولى النورانية تجعل مني طفلا له جمال البراءة ووعي الحكيم بالنورانية نغدو نسمات تشرق في عيون الأمهات المولعات بموسيقى عارية من ضلالات جهالتنا في أحضان حب مشتعل حول نهود تزخر بالأمل وتنبض بالشوق الطاهر في النور العالي العميق • أنا نوراني يطهرني النور من كراهيتي لا أكره ولا الذين يستضعفهم الجهل لأن الذين يستضعفهم الجهل ليسوا أشرارا همو.. هم أبناء النور والحب معدنهم ولكن الوهن يريم على القلوب فلا تكن عونا للشر فإنك إذا أحببت نصرت الخير والخير إذا انتصر؛ لك أيضا نصر هو يكون وإذا خدعك الشر فأعنته فإن دائرة العدوان عليك تدور ببهجة الحب ننتصر على الشر الذي فينا والشر الذي حولنا فتنحسر قوة العدوان الذي هو عدوي وعدوك معا وتتسع مملكة الحب وبهجته فتكون جنة لنا مشاعا فإن بهجة الحب مشاع من النور.. • فإذا قاضيت أختك أو أخيك؛ فاجعل من بهجة الحب قاضيا ومدافعا عنك وعن أختك أو أخيك معك.. إن الحق مشاع يسعك ويسع الكل معك.. أما الباطل فهو جحيم يخنقك وحدك ولكن النور يجفو الظلام وينتصر وأنت بالنور.. في النور.. ببهجة الحب تنتصر.. • أنا نوراني لأن الله في الثقافة المبتهجة بالحب هو النور ولأن الكون في فكر العلماء نور ولأن النور في مطاليب النهوض الحضاري ضرورة منها المنطلق وهو المادة والمراد ولأن النورانية دعوة يختبرها التجريب فتشهد التجارب أنها علاج داء العقل وداء النفس وداء الاجتماع معا • أنا نوراني لأن النورانية تبني وطنا على العدل دعائمه.. في وطن النور ينهزم الظلام فينهزم الجور في الأرض، وينهض من الحق سلام.. • أنا للنورانية أدعو.. لأن النورانية منبع للحرية ومرتع وفي الحرية.. في الحرية المصنوعة من النور، يكون الإنسان كريما النورانية دعوة إلى وطن كريم بنسائه ورجاله ومبتهج بكرامته النورانية دعوة تستنهض الروح في زمان مغلوب بظلام القوة والروح هي القوة التي تهزم كل ظلام • النورانية دعوة تنهض من تاريخ الروح فتخلق من الروح روحا مبتكرة فيتجدد الخلق الكائن من نور هو متجدد بطبعه؛ النورانية دعوة حق لأنها من قانون الحق/قانون النور المتجدد/ هي.. النورانية دعوة حق لأنها دعوة للانفتاح بالنور على النور في النور والذي ينغلق عن النور يهلك • النورانية دعوة الحياة التي بالإنسان هي تليق وما الحياة إلاّ بهجة الحب أما الحياة بلا بهجة من النور فإنها الموت وأحقر الحياة انفتاح والموت انغلاق والنور يفتحنا والظلام يقتلنا فابتهجوا بالحب تستنيروا الذي يبتهج بالحب هو الذي يحيا في النور تحيا الكريمة والكريم في النور يذهب الكذب وكل فساد.. ويبقى الصدق تاجا يزين الرؤوس العالية، والصدور الناهدة وبالصدق ومنه، نبني وطنا لكرامتنا • في النور أنا نورك وأنت نوري فلا أكيد لك ولا أنت ولا يَقتل الشيطانُ ولا يزني ولا يسرق ولانعطش ولا نجوع ولا تجفونا الروح فلا يبقى في النفوس مرض ولا نكد ولا قلق ولا زهق؛ لأننا بالروح نرقص الوقت كله ونغني ونصلي.. فيجددنا الحب ببهجته؛ فنتفوق على حد الموت وننطلق بالنور فننطلق فيه.. أحرارا كراما.. معا ننطلق.. • بالنور نبتهج فنعمل عندما نعمل ببهجة وتكون البهجة هي الغاية فلا ننحط إلى قاع الإحباط إذا لم نصل إلى مراد لنا من العمل غير مراد البهجة.. تحمينا البهجة التي نجنيها بالعمل بها من الخسران إذا لم نحصد من العمل ما زرعنا الأرض له.. لأننا نجني البهجة والبهجة وحدها هي الغاية وهي المعنى كما هي المبتعث والسبب الكبير المطلق • ونحن نواجه الأبواب المغلقة على الشر بقوة أنجع إذا واجهناها ببهجة الحب.. فإن بهجة الحب معين تفاؤل لا ينضب وقوة القوة المطلقة التي لا تخذل إرادة تستقوي بها.. بهجة الحب تنطلق بنا إلى ما فوق حدود اللحظات المنغلقة وهذا انتصار يزيد عندما نفوز ولا بد للصابر بالحب العامل بإرادة النور أن يفوز ومهما اشتد الظلام ويكون الفوز أبهج عندما يأتي بعد الجهاد لقهر الظلام إذا ابتهج الجهاد بالحب لأن قيمة الشيء بالثمن المبذول فيه وما جاء بالجهد القليل يساوي قليلا وما جاء بالجهد الكبير يكون أكبر ويجيء ببهجة أكبر • ونحن ببهجة الحب لا ننغلق على ذواتنا فيجعل الواحد منا من ذاته ميزان الحق وحده.. بهجة الحب نور وبه أرى الآخر حق في كينونته الواقفة إلى جوار كينونتي؛ وبالنور أرى الحق أوسع من أن أحوزه في قبضة ضيقة قاسية القلب محدودة العقل مقتولة الروح • النور وجود مشاع لي ولك.. وببهجة الحب في عقلي يزيد نوري بك ويزيد نورك بي والله – في النورانية – حقيقة فاعلة في الوعي وهو – من وجهه الطبيعي – يكونية متواصلة:لم تبدأ من بداية؛ ولا تنتهي إلى نهاية وهو – من وجهه الإنساني – الحرية المبتهجة بنورانيتها والإنسان – من وجهه الطبيعي – يكونية محدودة من اليكونية المطلقة (= الله) والإنسان – من وجهه الروحي – يكونية واعية بالحرية المبتهجة بنورانيتها الإنسان يكونية طبيعية (من يكونية الله) يملك أهلية الوعي بالحرية المبتهجة بنورانيتها وبهذا الوعي (النوراني) يتحرر الإنسان (تحررا روحيا مبتهجا) من يكونيته الطبيعية المحدودة وينطلق في الحرية المبتهجة بنورانيتها (=الله كما في الوعي النوراني) هذا الانطلاق، ينهل قوته من الوعي النوراني الوعي النوراني مصدر الوعي المتحرر والوعي المتحرر مصدر قوة الفعل النوراني: فعل الحرية الحرية توحد الإلهي بالإنساني الحرية هي الصلاة المفتوحة بين حرية الإنسان، وحرية الله وهذه الحرية (الروحية) صورة (غير منفصلة عن) حرية اليكونية من وجهها الطبيعي الله (في النورانية) هو الذي الحرية مادته والحرية الإلهية روحية وطبيعية في الحرية الإلهية يتوحد الروحي والطبيعي وفي الحرية يتوحد الإلهي مع الإنساني وبالحرية ينفتح الإنساني على الإلهي فينهل الإنساني من مفهوم الإلهي قوة التفوق على المحدودية التي يعود إليها وجود الظلمة وباعتبار الإلهي هو مبدأ الوجود الإنساني ومادته؛ يتوحد في الإنساني الروحي والطبيعي فالإنساني المنفتح بالوعي النوراني هو طبيعي روحاني النورانية توحد الطبيعي مع الروحي في مفهوم للإله يجعل منه يكونية تخلق أحرارا لا عبيدا الله – بهذا الوعي – ذو وجود ويستند وجوده إلى حقيقة أنه يوجد ما هو أكبر من اليكونية الإنسانية، وأن هذه اليكونية هي مبدأ الوجود الإنساني، وهي حرية فعليته، ومادة حريته، وهي قوة الروح التي تهب الإنسان التفاؤل الفاعل الذي تمنح الإنسان عينين يريان إمكانية تطوير الجمال الذي في العالم؛ بدفع حدود القبح (الظلامية) إلى الانحسار هذا التطوير ممكن إذا امتلك الإنسان وعيا نورانيا وإرادة نورانية تترجما بهجة الحب وتؤسس الحرية (بمفهومي لها) لمذهب أخلاقي نوراني الحرية هي التفوق على حدود الظلامية التي يرضخ لقانونها أولئك الذين لم ينجوا من الجهل؛ الذين غابوا عن إرادة الخير الحرية هي أن لا تظلم نفسك ولا غيرك الحرية هي أن تبتهج بالحرية كما النور يبتهج بحريته حرية الإنسان هي حرية نورانيته بمستوييها الطبيعي والروحي العائد إلى المبدأ وإلى الكل النوراني الذي منه الإنسان بالحرية نستعيد نورانيتنا ونبتهج؛ فالحرية التي نحن منها، مبتهجة بنورانيتها وبالحرية المبتهجة بنورانيتها نسلك الطريق إلى الله الذي هو الحرية المبتهجة بنورانيتها لإن الإنسان يتألَّه بالنورنة والنورنة هي الحب المبتهج بنورانية الحرية الحب المبتهج بالنورانية هو ذرا الأخلاق التي تبني من الحياة أجمل المعنى ونبني أجمل المعنى بالكرامة: النورانية إرادة الابتهاج التي تصدر من الوعي العقلي بها، والتي تستند إلى قيمتها الفعلية كنظرية تتقدم بحل نابع من الوعي الإنساني الحر، لا مفروض عليه، لمشكلات الإنسان، التي تعود إلى رضوخه في ظلامية أناه الجاهلة الكارهة الجامدة كرامة الإنسان تكون كيانا قائما عندما يتحرر من أوهامه التي تربطه بمفاهيم لم يبتكرها وعي حر مستنير وتكون الكرامة كيانا متحركا عندما تصير قوة دفع ذاتي مفتوحة على قوة دفع روحية لا تأتي من خارج الوعي الإنساني المستنير النورانية دعوة إلى خلق عالم من نور لا تحتجب فيه الحقائق؛ فليس من كرامة الإنسان أن يحجب الحقائق.. الكذب ليس كرامة وليس من الكذب أن تحجب عيبا إذا أظهرته آذيت أخواتك وإخوانك ولكن الكذب أن تخفي عيبا إذا أخفيته آذيت نفسك وغيرك وفي النور تحتجب العيوب لأن العيوب من القبح ولا قبح في النور النور يكشف الجمال في الحقائق ويطرد القبائح من عقولنا فتستنير بالحب قلوبنا النورانية تواجه العدوان الذي مصدره جمود الكراهية الجاهلة بفتح النور الذي أتى بنا على النور الذي فينا على النور الذي حولنا؛ فتخلق كرامة الإنسان..هنا والآن.. جنة الحرية المبتهجة بنورانيتها فابتهج تستنر البهجة إرادة ولو جابهتنا قوى الشر مجتمعة، فأردنا أن ننتصر عليها، في لمح البصر، فإننا نملك أن ننتصر إذا ما أردنا أن نبتهج في قلوبنا.. فإن قلوبنا حصن منيع لا يهزمه الشر إذا أردنا أن لا ننهزم لأننا عندما نبتهج فإننا نفتح قوتنا على القوة المطلقة فتصبح قوتنا مطلقة والقوة المطلقة أكبر من القوة الغاشمة الظلوم القوة المطلقة قوة الحرية المبتهجة بنورانيتها؛ هي قوة الكل الوجودي التي تصبح قوتنا إذا ابتهجنا بهجة حب نورانية وعندما يبتهج الواحد منا بهجة الحب فإنه ينفتح وبلا فواصل على قوة النور؛ فينهض النور الذي فيه.. ببهجة الحب ننهض بالنور الذي فينا فننطلق به في النور الذي حولنا فنهزم كل عدوان وأوله العدوان الذي يستذلنا إذا أرضخنا الجهل له إذا رضينا بمفاصل متكلسة فإذا أفقت من سباتك: فاطلقي/أطلق في نور الصبح ساعديك وجذعك وساقيك في حرية البراءة البكر.. وليبتسم قلبك فيبتسم دمك وعيناك ويديك ورجليك وعقلك.. فتكون البهجة.. وتقبلي/تقبل على الحياة ببهجة.. فتقبل عليك الحياة ببهجة الحب.. فتزغرد النورانية ونغني ونصلي معا.. ونزرع الحقول ونحصد خيرها معا.. ولا تدع الطمأنينة تغادرك ولنملأ حضورنا بالحاضر ولنطلق بين الورود أشرعتنا ولننثر أريج الطيب في الكلمات والنظرات ولا تستخف بك الرعونة وإذا آويت إلى فراشك..أطفئي/أطفء مصباح الحجرة وليضء نور الخلود الذي فيك الذي بك جاء: تُمحى صفحة اليوم الأخير وأنت في قلبك تبتسم.. تُفتح في الكتاب صفحة بكر.. فتستعيدك البراءة كُمَّ زهرة يفوح الحب منها في بهجة النور يفوح ابتهجي/ابتهج بالله المبتهج بحرية نورانيته فلنبتهج إن الله بحريتنا النورانية يبتهج معا.. الله والإنسان يبتهجان وقلة القول جميلة وأناقة الروح والظاهر والقول الخير وعن علم أجمل وأبهج العطاء ما كان لا لأجر يكون وشرفا يُتوِّجنا يكون والوضوح نورانية والاستقامة خصلة الكبار واصفحي/اصفح تكوني/تكن للإمارة أهلا إن التسامح حب وإن الحب بهجة النورانيات والنورانيين بالحرية النورانية معا يبتهج الكل فردا فردا.. النورانية طريق البهجة للكل مجتمعين؛ وطريق البهجة للأفراد واحدا واحدا والآخر مصدر للبهجة ولكن الآخر إذا عجز أن يكون مصدرا لبهجتي فإنني أملك بذاتي أن أمتلك البهجة النور الذي في كل ذات فردية والذي هو أصل كل ذات فردية هو المنبع للبهجة الفردية وأنا أملك قدرة البهجة بذاتي عندما أريد أن أبتهج ولو أن أبواب البهجة المطلة على العالم الخارجي انغلقت كلها أنت من النور فانفتحي/انفتح بإرادة منك على النور الذي يبدأ من قلبك والذي لا ينتهي عند حد وعندما آوي إلى فراشي وعندما تحررني وحدتي من شباك الاجتماع أنطلق باسم المحيا والوجدان في أفق الفردية المتصلة بمطلق يتفوق بحريته المبتهجة بنورانيتها فتنمحي من نفسي المكدرات ويتوهج نور لا أري ولا أعيش سواه إن النور إذا حضر غابت الفانيات المكدرات وغاب الذاهب من الزمان وما هو آت ليذهب في الذهاب لأن النور إذا حضر فأنت في حاضر الزمان وحده حاضرة/حاضر؛ أنت في حقيقة الزمان وواحدة/واحدا في الواحد المطلق أنت حاضرة/حاضر إن الحاضر من الزمان هو وحده الحق من الزمان ومن تكن/يكن في الحق من الزمان تكن/يكن في الحق من الوجود وحق الوجود هو الحرية المبتهجة بنورانيتها والحق مطلق بذاته فردي في تجلياته فإذا غزاك كرب.. فاخلعي/اخلع ثوب الكدر إن الحرية هواء مشاع رهن الطلب وفي بواكير الصباحات.. فلنملأ صدورنا من السماء الطليق ليتوهج الحب بالدعاء: اجعله أيها النور الخالد يوما من حريتك المبتهجة بنورانيتها.. التي ببهجة حبنا تصير لنا حرية ومجدا وامضيا.. ابنة وابن أمي.. بالعزيمة المتفائلة.. راقصين على موسيقى تعزفها جوقة الأكوان.. فازرعا حقل الحياة ليرتد جور عن ظلامه فينتصر المجد النوراني ويبدأ عهد جديد من بهجة الحب لنا كلنا في وطن للنور كريم بحريتنا كريم بالسلام المتوهج بالعدل ودفء الشمس وجمال الأماسي الربيعية المقمرة.. وجمال الليالي الشتوية التي فيها نلتف بالحب والحب بنا يلتحف استدعيا النور يا بنات وأبناء أمهاتي.. إن النورانية نقاء كما النور نقي وهي صفاء كما النور صافٍ وهي عطاء لا ينتظر الجزاء كما النور يعطي لا لشيء سوى أن العطاء طبع فيه النورانية غنى بالروح عن الضعة لأن النور غني عما سواه.. كبير لا يذله الطلب لأنه لا يطلب لأنه المطلق بحريته الذي يملأ مطلق الوجود فلا وجود لسواه وما الظلام إلا فَناء يحمل أشياعه إلى فَنائه والبقاء للحق والخلود للحق والحق نور بالحرية يبتهج.. فابتهجن بالحب بنات أمي ويا أبناءها ابتهجوا بالحب تكنَّ/تكونوا أهل الحق وأهل جنانه تنوَّرْن تنوَّروا تنطلقن تنطلقوا من فساد النفوس قبل أن تصير الأجساد ولائم للموت وديدان الظلام شامخات قفن وشامخين واطلقوا كرامة الروح في جمال الحرية تعلو وتحب وتبتهج.. وتبني للخير العميم دولة في النور فلنستدعي نورا هو فينا فينهض منا فيفتحنا على النور الذي هو الله يطهرنا التنوُّر من سواد الزوايا الكريهة من قيح جمود مفاصلها ليكون نهوضا للإنسان جديد ينهض من نور العقل ونور وجدان مبتهج بالحب وبالحرية التي تناضل العدوان وتنتصر للمغلوبات والمغلوبين بجهله أو بالجهل الذي يسترضخ الذين أصابهم عمى أو صمم فإن النورانية بالحب المبتهج الذي هو شريعتها هي خير للذي/التي استذله/استذلها الظلم لجهله كما هي دعوة للذي/التي استذله/استذلها وهن الإرادة أو وهن العلم أو الوهنان معا فانهضن/انهضوا لنبني للنور مجدا لنا إن النور مبتهج بذاته وذاته هي الحرية أو هي طلاقته من جمود المحدودية ومجد النور تبنيه ويبنيه الطليقات والطليقون من جمود التاريخ المتفتحات المتفتحون على إشراقات شمس تأتي جديدة كل صباح في حلة الجمال وفي حلة الجمال التي ترتديها وهي تنطلق في الأفق الغائب عنا في الزمان المفتوح تدعونا أن نفيق عليها مرة جديدة مع أشراقة لها ولنا جديدة ابتهجن وابتهجوا بالحب فلتكن البهجة بالله فلتكن البهجة إن الله في الشعور بهجة بالحب النوراني وبالحرية التي هي شوق الكريمات والكرام ابتهجن وابتهجوا بالحب إن بهجة الحب شعور فردي يطلقنا من سوادنا في النور الطليق بحريته المالىء للوجود غير المحدود الذي يواصل بنا حريته ابتهجن وابتهجوا بالحب إن البهجة طبيعة لا سبب لها وغاية لا بعد بعدها فهي نور من النور الذي هو سرمد لم يبتدىء ولا ينتهي.. منه نحن وبالوعي المريد منا تتجلي فينا نورانيته فهيّا هيّا.. لنغسل بعطر النور قلوبنا وعقولنا.. لنحيا.. سادة بالنورانية كلنا نحيا بهجة الحب جمال الخلق فهاتن/هاتوا ننطلق في جمال الخلق سويا إن الروح تنهض من جديد فانهضن/انهضوا بها..لها.. لنا وزغردن/ زغردوا.. إن مجد الإنسان قام.. غزة 11/6/2003

********

(4)

في: الله والحب والحرية والبهجة

(1) غزة في 12/2/1998: الله حقيقة من جهة كونه تصورا. وهو حقيقة موضوعية لكونها تصورا يمتلكه آخرون. ولكنها ليست موضوعية بمعنى أنها شيء خارج التصور، أو قابلة لأن تكون محلا للإشارة. التصور حقيقة في حدود طبيعتها. أي في حدود كينونتها التصورية الكائنة في العقل. وينطبق على حقيقة التصور لله، ما ينطبق على أية حقيقة أخرى من حقائق اليكونية. فهي محدودة بالفعل التصوري، وهي غير جامدة. فهي مختلفة من تصور إلى آخر. وهي قابلة للنفي. فهي قابلة للاستغناء عنها. فإذا امتلكنا تصورا عن وجود مكتف بذاته، هو الوجود الذي يمنحنا خبرتنا، فإننا نستغني عن تصور لوجود غير مكتف بذاته، هو الوجود الذي نعيشه. وتصور الله ينشأ، من حيث جوهره كفكرة، من احتياج الوجود الذي نعيشه إلى وجود يدعمه. فإذا كان الوجود الذي نعيشه لا يحتاج على وجود يدعمه، نستغني عن تصور الله باعتباره وجودا مغايرا لوجودنا. وما يضيفه تصور الله، المغاير، لفكرة الله من صفات، يمكن إضافته إلى الوجود الذي نعيش فيه. والوجود الذي نعيش فيه، ذو صفة موضوعية خارجة عن حدود العقل، يمكن الإشارة إليه. فهو موضوع للمعرفة القابلة للإدراك والاختبار. وليس الله كذلك. الله المغاير غير قابل للإدراك والاختبار. هو تصور عقلي لا يمتلك أي دليل على امتلاكه لوجود خارجي. التصور العقلي القابل للاختبار أوسع منم التصور العقلي المحدود بذاته. والواسع له أصالة أكبر من أصالة ما هو أقل وساعة منه. يجب الانتباه إلى أن نقد تصور الله، هو نقد للتصور الذي يحدد الله بالمغايرة. إن القول بأن الله مغاير هو قول بأنه محدود. وهو محدود بكل تصور يتصوره متصور. والمحدودية الأخيرة تجعل منه متعددا. وإذا كان متعددا فهو متناه.

إلاه الدين: هو فاعل ذو قصدية. إنه فاعل للشر. وفاعل للخير. ما في العالم من شر، هو دليل على أ،ه يفعل الشر (في القرآن: خلقكم وما تفعلون – من خير وشر). مثلما يفعل الخير، بدليل ما في العالم من خير. هل يفعل الله الشر لأنه يريده، أم لعجزه عن عدم فعله؟ إذا كان يريده، فإنه فاعل للشر بإرادة. يقول المتدينون: إنه جعل الشر لحكمة. هل كان يمكن له أن يتفادى خلق الشر؟ إذا كان ممكنا له تفادي خلق الشر، ولم يفعل، أي: إذا كان ممكنا له أن يحقق الحكمة من خلق الشر ، بلا شر، ولم يفعل، فإن الشر من طبيعته. وإذا كان لا يمتلك قدرة على تفادي خلق الشر، فإن النقص من طبيعته. في كلا الحالين، إن إلاه الدين ذو طبيعة غير كاملة. وهو غير كامل لمحدوديته في غيريته. وهو غير كامل، لأننا لا نمتلك غير أدلة تصورية ذاتية على وجوده. ووجوده يمكن الاستغناء عنه. وهو متناه لأن العقول غير مجمعة، إجماعا تاما، على وجوده، ولا على صورة واحدة له. هذا النقد لتصور “الله المغاير”، لن يصمد أمام تصور الله، الذي له، بالكامل، صفات الوجود الذي نتصوره، ونعيشه، وندركه، ونختبره، ونتخيله؛ بشرط عدم المغايرة، وباعتباره مطلقا، بمعنى امتلاكه لحرية التنامي لذاته في ذاته. التنامي تفتح. التنامي حرية. الحرية طبيعة الله (الذي أؤمن به). هي مادته. وحصر الله في زمن محدد يتلقى فيه نبي وحي الله، النهائي، هذا الحصر، مصادرة لحرية الله، لا تقبله مادته. إن الله متجدد بتفتحه، بحريته، بنمائه. والله – غير المغاير – هو مادتنا الوجودية، هو طبيعة كينونتنا. بهذه المادة، بهذه الطبيعة، نحن، فردا، فردا وعاما، متجددون بالتفتح بالحرية بالنماء. ومحاصرة هذه الطبيعة، أو مصادرة حريتنا، هو القتل. وكل فكرة، هي حق، طالما كانت تجددا وحرية ونماء وتفتحا. كل فكرة هي حق في محدودية زمانية مكانية. ومحدودية كل فكرة، عامل بنائي في الفكرة المعنية. لا تنفصل أية فكرة عن محدوديتها. وأية فكرة هي مادة قابلة للتجدد مرة أخرى، لكن في فكرة أخرى. هذا هو التفتح والحرية والنماء. هذا هو الحياة. هذا هو اللهن الاسم الذي يسع كل المسميات، التي لا تغايره ولا يغايرها. هذا هو الله، الذي وسع ما كان، ويسع ما يمكن أن يكون. إنه المطلق من تعيناته، ومن محدودياته. هو الذي يقبل كل التصورات له. الذي هو أوسع من كل تصور فردي. الذي هو أكبر من كل فردي. لكنه غير مغاير لأي فردي؛ إلا بوساعته. هذا هو الذي أنا – كل أنا – كما أنا، هو قصده؛ لا باعتباري مقصودا له خارجا عنه أنا قصده باعتبار كينونتي طبيعة له. من طبيعته. والحرية، التجدد، النماء.. صفاته الطبيعية. وصفاتي الحيوية. فإذا فقدت صفاتي الحيوية، فإني أموت كفرد.

(2) غزة في 16/2/1998: يعترينا حياء من الفعل الجنسي.. لماذا؟ يمارس الطفل في المرحلة المبكرة من العمر حياته بما فيها التعبير عن سلوك جنسي بحرية. فهو لا يقيم وزنا لمؤثرات المجتمع التي تدفع لصالح كبت مشاعر منها تلك التي يصفها محللون نفسانيون بأنها مشاعر جنسية. وعندما ينمو الطفل اجتماعيا، ويدرك أهمية الخنوع لمؤثرات المجتمع، من ناحية عملية، فإنه يتراجع عن حقه في التعبير الحر عن دوافعه الجنسية.. هذا تفسير.. وثمة تفسير آخر، جائز.. بناء على ما يعتقده مؤرخون، كان الآباء القدامى، يحتفظون بحق ملكية مطلقة للنساء الواقعات في إطار التبعية لم. فإذا شبّ الأبناء، واشتعلت في قلوبهم الرغبة للطرف الناني، فإنهم سيطفئون هذه الرغبة بممارسة مقموعة بعقيدة وسلطة الآباء. وفي حالة من الانشطار بين الرغبة العارمة في الحرية الجنسية، ومشاعر الولاء للأب، ينمو الإحساس بعقدة خيانة، مع نمو الرغبة الجنسية على درجة الفعل الجنسي. الخيانة فعل لا أخلاقي في سياق عقيدة اجتماعية تؤمن بالتملك. ولا محل للشعور بالخيانة في سياق حياة مفتوحة بالحرية مغلقة على الوقوع في خطيئة التملك. وما يصفه المجتمع بالخيانة الجنسية، يترجمه شعورنا بأنه حياء في سياق علاقة جنسية يباركها المجتمع. كلا التفسيرين، عنصران لتأييد تفسير يرتكز إلى سبب واحد، هو: “قمع الحرية بشهوة تملّك ظالم يلغي حق الآخر في البهجة”. الفعل الجنسي فعل حرية تطلب البهجة: بهجة الحي. الفعل الجنسي فعل حب. وهو لن يكون فعل حب غلا بشرط الحرية لكلا طرفيه. وإذا فقد شرط لحرية في علاقة الجماع، فهو فعل ظلم. ******** ولدى بعض المتفلسفين، نشأت فكرة الإله، من تطور الشعور تجاه الأب، في محياه ومماته. الذي هو مصدر الأمن والقمع معا لعائلته. والإله، في فكر ديانات الشرق الأوسط، هو مصدر الرحمة (الأمن) والعذاب (القمع). وفعل الجنس الحر، فعل مقموع في الديانات (السماوية). والدين يفرض على أتباعه غسل التطهر مما يسميه (الفقه الإسلامي) الحدث الأكبر، الذي هو اتصال جنسي مشروع اجتماعيا (دينيا) بين الأزواج. فالجنس في مفهوم ديني، فعل يخلق لدى المتدين، إحساسا بارتكاب خطأ ما، يستوجب منا أن نتطهر منه روحيا (الاغتسال بعد الجماع منعش للجسم، لكن هذا ليس سبب الاغتسال في الدين). والنفور من المرأة، التي تدخل مرحلة الحيض، له علاقة بهذا الإحساس (التوقف عن جماع المرأة في مدة الحيض لا يعود إلى ما يزعمه البعض إلى حساسية المرأة في هذه الفترة.. أحسب أن حساسية المرأة التي تصاحبها في مدة الحيض تستدعي اقترابا حميما منها يعمل على إزالة ما يلحق بها من نزف نفسي – مع النزف الدموي ـ اللذين يعودان إلى فشلها الوظيفي كامرأة جوهرها يرتبط مع فعل الإنجاب الذي يدل الحيض على فشلت فيه). والدين يفرض على المرأة، في الحيض، أن لا تصلي ولا تصوم؛ وهي عبادات تقرِّب المسافة بينها وبين “الله”. ويفرض الدين عليها الغُسل بنية الطهارة (الروحية) قبل أن تعود للمثول بين يدي الله (= الأب = المالك المطلق؟!) وقبل أن تعود للرجل لقضاء شهوته منها، طاعة لله. الله (= الأب = المالك المطلق للنساء) لا يمنح حرية للفرد في حقل تعبيراته العميقة عن فرديته، التي يمثل فعل الجنس أبرز صورها، أو أشدها. هذا، لأن الدين شريعة مجتمع ذكري، ترتكز نظريته على إلاه ذكر (نشأ من الأب الذكر؟!). وفرض الأب الذكر هيمنته على أتباعه بالقوة التي منحته قدرة توفير الأمن (الرحمة في لغة الدين) والنظام (القمعي = الشريعة والعذاب الأخروي في الدين). هذه الهيمنة امتياز ذكري يتمادى في عنفه مع تمادي الانغلاق في الظلامية والجهل وشهوة التملك المغتصِب لحرية الفردية. والصراع المديد بين إرادة الحرية الفردية والامتياز السلطوي هو صورة لصراع وجودي بين طبيعة المادة الوجودية (الحرية) وصفة الحدِّية التي تحدّ كل فعل فردي. حرية الفردية تصطدم بالحد الذي يحد هذه الفردية. هذا التناقض في الفردية هو قوة أو طاقة الحرية. والحرية هي تجاوز الفردية لحديتها. وهذا التجاوز للحدية، هو إما فعل نوراني أو فعل ظلماني. الفعل النوراني هو الفعل الذي يحيا صاحبه في النور.. نور داخلي يضيء له ما حوله فيكون ما حوله امتدادا نورانيا لنورانيته الذاتية. النوراني يرى الآخر.. يراه صاحب حق تام في وجود كريم، ولا يكون كريما إلا بالحرية – الحرية النورانية. الظلماني يغتصب الآخر، فلا يرى في الآخر غير موضوع لشهوته في تملك مغلق. النوراني يحب الآخر. النوراني يجتاز ظلامية حدِّيـَّّته الفردية بالحب الذي يفتحه على الخر. الآخر، في مفهوم النورانية، هو أفق الفردية البهيج. الله (= الوجود الحر النوراني) بهجة. الله (بمفهوم النورانية) هو الأفق البهيج. والطفولة – بشهادة المعاينة – بهجة مستمدة من براءة حريتها. البهجة (بهجة الحب) حالة من براءة الحرية. هي براءة الحرية. هي الله (الذي أؤمن به وأدعو إليه). إن الله هو براءة الحرية. الله لا يتحرك بمشاعر التملك. الله أكبر من التملك. هو الغني بذاته. والله لا غاية له. ونماء الله طبيعة بلا غاية. نماء الله هو حريته. والذي الحرية مادته (الله) لا يتسع لقبول صفة التملك الظلماني. الذي الحرية مادته، هو نور مطلق. الذي هو نور مطلق بالحرية التي هي مادته هو بهجة الحب. إن الله لا يفعل لغاية بعده، حيث لا بعد بعده (ولا قبل قبله). يفعل بذات طبيعته لذات طبيعته. وبذات الحرية لذات الحرية (التي هي مادته). والفعل الذي هو لذات طبيعته (لا غاية بعده) هو فعل بهجة الحب. بهجة الحب هي جوهرة الحكمة وهي سيدة الدواء. الحكمة علة إرادة معرفة معنى الوجود وشريعته الأخلاقية. الحياة هي المدرسة التي نعرف فيها الحكمة. وبراءة الطفولة، وعشقها الروحاني للعب،هي المصدر الذي هداني إلى الإيمان بأن الله بهجة. هذه حكمة أدين بها لطفولة يزن، أصغر أبنائي. البهجة هي المعنى العملي للحياة الذي لا غاية بعده. كما الله لا غاية له. البهجة هي افق النور الذي هو الحرية منطلقة بالحب للحب لا لتملّك ولا لحفر ظلم جديدة.. كما الله نور السماوات والأرض (الكون مطلقا). البهجة هي الفعل الذي محله القلب (المحض الإنساني لا العضلة النابضة في الصدر). البهجة هي الفعل الكافي الذي يعافي. هي الفعل الذي يشتعل ضياء كلما تمادى في أفق الآخر، تمادي الحب. كما الله محله القلب (المحض الإنساني).. كما الله يتمادى (بالحرية والحب) في الأفق مطلقا.. بهجة الحب حقل الفرح الذي أغرسه داخلي وأغرسه خارجي.. الذي يرتوي من مائي ويرتوي من كل ماء كل فعل الله بهجة له. والله فعله… فعل الله بهجة له.. نحن فعله.. نحن بهجة له. نحن لسنا بهجة له بمعنى أننا غاية طلبها. نحن بهجة له لأننا فعل طبيعته. البهجة طبيعة الله لا باختيار.. الله لا يختار.. هو الكل المطلق من محدوديات الاختيارات. ومن الله – النور – نحن. من البهجة نحن.. البهجة نور.. أنظر إلى كل وجه بهيج.. ألا تراه ضياء؟! ( يضيء وجه المراة المبتهجة بالفعل الجنسي بنور نابع من طبيعة الفعل الجنسي النورانية المنفتحة على طبيعة الحرية الإلهية المبتهجة بنورانيتها – الحضور الإلهي النوراني شديد بعنفوان في الفعل الجنسي المرتوي بماء الحب وأريج الحرية). تأمّل بهجة الأزهار؟! أليست بهجة الأزهار نور حريتها التي أشرقت فيها من مضيق أكمامها إلى مطلقية المدى المفتوح. بهجة الحب حريتنا في النور . الظلمانية قوة غاشمة تغتصب بكارتنا وبراءتنا. الفعل الغاشم ليس حرية النور ولا حرية الحب ولا حرية البهجة. وما الكآبة؟! انحباس في الظلمة. (الأمراض النفسية انحباس في الظلمة). وما البهجة؟! حرية في النور. (الصحة النفسية والعقلية والأخلاقية حالة يحياها الأحرار في النور – هذه ركيزتي في أدائي العلاجي النفسي الروحي للمرضى النفسانيين). الكآبة انقباض الجهل الكاره. البهجة اتساع العقل المحب. والله ليس جهلا منقبضا بالكره. الله حب البهجة الذي ينطلق به عقل من نور الحرية. إن الله نور الحرية. والله – بحريته النورانية – لا يقايض. وعندما يقرر الله، أنه سيجازينا بالجنة، أو بالنار، فإنه لن يفعل ذلك مقايضة.. لا يطلب الله منا شيئا مقابل ما سيعطينا. المقايضة سلوك تجار تملكي والله أكبر وأكرم منه بطبيعته. الله كريم كرما يصدر عنه بطبيعته لا باختيار (سمح له بأن يختار بين أن يكون كريما أو لا كريم). كما النور، هو نور بطبيعته لا باختيار (يسمح له أن يكون ظلمانيا أو نورانيا). بهجة الحب تضيء القلب فيستنير بالله. بهجة الحب تفتح القلب (= جوهر الإنسان) (= محضه الوجودي) (=صفريته الفاعلة) على الله (المطلق بحريته) بهجة الحب تمد القلب بنور الله (بقوة طبيعته التي هي قوة طبيعتنا أيضا). بهجة الحب تمنح الوجود (في وعينا وسلوكنا) واحديته (النورانية) من جديد. بهجة الحب كشّاف الواحدية (النورانية – حقيقة النسيج الوجودي). هي صورة متطابقة مع الحرية الإلهية التي هي فعل البهجة بل هي البهجة طبيعة لله وطبيعة – أصلية – لكل فعل له.

*********

الحرية طبيعة الفردية (= الفعلية اليكونية) . تكتمل (الحرية التي هي طبيعة الفردية) بالبهجة. باعتبار البهجة: هي الحرية التامة الممتلئة بالفعلية اليكونية. البهجة نور يملأ داخلنا. البهجة تضيء ظلماتنا بالحب.

(3) غزة في 18/2/1998: الله وجود يكوني في وجودي اليكوني أنا وفي وجود الآخرين اليكوني. أعرفه في يكونيتي وفي يكونية الآخر المعروف لي. الآخر المعروف لي جزء من يكونيتي المعروفة لي. اكتشافاتي المتجددة للآخر تمنحني المعرفة بإمكان وجود آخر غير معروف لي. معرفتي تمنحني وساعتي اليكونية. معرفتي تحررني من ظلمانية الجهل. تحققي (الإرادي) بمعرفتي (النامية في وساعة اليكونية) يحررني من ظلماية الوجدان. تحرري العقلي الوجداني (السلوكي) يمنحني بهجة الحب. هو بهجة حب. مركز فعل بهجة الحب، هو ذاته مركز فعل يكونيتنا. يكونيتنا بهجة لليكونية المطلقة بحريتها، بتحررها فعل الحرية (التحرر اليكوني) هو جوهر وجودنا الفردي. فعل الحرية (فعل الحب) هو أصل وجودنا. هو معنى وجودنا. وأصل وجودي هو المنطقة المحصنة في وجودي. لا يقدر فعل ظلماني، مهما تفاقمت ظلاميته، أن يقتحم منطقة الوجود الفردي المحصنة: منطقة الحرية الأصلية: منطقة الحضور الإلاهي المطلق في نفسي. لن يستطيع فعل ظلماني أن يسلبني حريتي (=بهجتي)، إذا امتلكت الوعي بذلك، والإرادة لذلك. منطقة وجودنا الحصين، منطقة مفتوحة (انفتاحا حيويا مركزيا وقويا) على وجود الحرية المطلق، الذي نحن منه، الذي نحن وهو واحد. هذه الواحدية هي واحدية نورانية نمتلكها بوعي العقل وبإرادة الحب. هذه الواحدية النورانية هي منبع قوتنا. هي الروح. إن الروح لا تنهزم، لأنها لا تكون موضوعا لفعل سلبي. وإذا تجرأ فعل سلبي أن يجعل منها هدفا لظلمانيته، فإنه سيفشل في تحقيق مراده. وعندما تملؤنا روح الحرية النورانية، فإننا نمتلك قدرة أصلية نواجه بها مراد الفعل السلبي. والمواجهة النورانية للسلبية، مواجهة تضيء الفعل السلبي فتكشف له عن أصله النوراني. قوة الروح هي قوة كاشفة عن الأصل النوراني لكل إرادة، ولكل تصور. وعندما يتم لقوة الروح التي فينا، تبديد ظلمانية إرادة جاهلة حابسة للآخر، فإنها ستحقق لذاتها فتحا جديدا، يمنحها وساعة جديدة.. حرية أكبر.. فتنطلق يكونيتها من حدودها الفردية إلى حدود أوسع. كلما كشفنا النور في الآخر، تنامت معرفتنا بالله الذي هو النور الأصلي لكل وجود. منهج النورانية الذي نعالج به ظلمانية الإرادة الجاهلة، يغذي ذاته بفاعليته. المنهج النوراني يحيل سلبية الإرادة الجاهلة إلى عامل إيجابي لي، وللآخر. كذا، امتلك حرية أعمق، وبهجة أعمق، عندما ينفتح مريد جاهل بإرادتي المحبة الواعية. الحب، والبهجة، يتعمقان كلما امتلكا وساعة أكبر. وامتلاكي لوساعة أكبر، هو امتلاك (نوراني لا ظلماني) لإيمان أعمق بالله. إيماني بالله، هو تعمق المعنى الوجودي له، ولي، وهو واحد، ونوراني، وهو فعل الحب، وهو البهجة التي هي طبيعة أصلية لله الذي هو الحرية. إيماني بالله محله قلبي الذي هو محض (أصل) وجودي. قلبي الذي هو حصني الوجودي كما هو نقطة بدئي. إيماني بالله هو فتح حصني على المعنى الوجودي (بهجة الحب) المتحقق في يكونيات فردية. إيماني بالله هو قلب منفتح بالحرية والحب، بالنور، على كل قلب آخر. بهذه المعرفة، أنا مؤمن بالله. وهذا ديني. الله – أو أي مسمى له – حاضر فينا حضورا مساو لوساعتنا الوجودية: وساعة الوعي والإرادة والتحقق. الآخر يعمق وساعتنا الإلهية، فيعمق وجودنا. الآخر المعروف لنا يعمق وساعتنا. إمكان وجود آخر غير معروف لنا – حالا – يمنحنا إمكانات جديدة لتملّك وساعة أخرى جديدة، لتملّك أفق آخر لحريتنا. من الهام جدا، لنظريتي، أن أؤكد أن “الحرية الظلمانية” ليست حرية بالمعنى الذي أدعو إليه. “الحرية الظلمانية” كثافة شديدة حابسة لانطلاقة الروح فيها. هي اعتداء على حق الآخر في حرية (لا تعتدي على حرية الغير). والاعتداء ليس مشروعا لأنه محاولة يائس لسلب المعنى الوجودي من معناه الأصلي: حرية الانفتاح. الظلمانية انغلاق. والانغلاق ليس حرية. إنه جمود. والعالم لا يقبل الجمود فكرة ولا تحققا. الظلمانية تصور وأداء منكور للحقيقة الوجودية. الله هو حريتنا. وعينا بهذه القضية ينير هذه الحرية المترامية في حدود فرديتنا، وفيما وراءها. نعي هذه القضية بالحرية (التحرر) مقابل جمودنا. الحرية نماء، والجمود هلكة. والموت للفردية جمود، وحياة الفردية نماؤها. الله حرية، هذه مادة طبيعته. ونحن نكتشف هذه المادة بوعي يتكون من المادة هذه ذاتها. وعندما نتجدد مع تجددات شموس الأصابيح، كل يوم، نكون قد أسلمنا الأشرعة للحقيقة المطلقة: لله نور السماوات والأرض. ووجود الآخر بالنسبة لي، أعيه باعتباره موضوعا معروفا لي. الآخر معروف لي يوسع وعيي، ويوسع يكونيتي. وهو موضوع يضيئني، لكني لا أهضمه. أرى الآخر، بالنور الذي هو جوهري، ولا ألغيه. إلغاء الآخر يحرمني مجال الحرية. الوعي بالذات يتعمق بالآخر. والتعمق تحرر نوراني. ولو التجربة الإنسانسة كانت تجربة فرد لا آخر له، فإنها كانت ستكون تجربة منغلقة غير نامية هالكة غير حية. لو انحبس إنسان منذ بدايته إلى نهايته عن الاتصال بغيره، فإن مسافته بين بدايته ونهايته معدومة. حياتنا كما هي تجربة اتصالية، جماعية وبيولوجية، فهي بدأت من تجربة اتصال جنسي. والاتصال الجنسي فعل حرية إلهية. والطرف الآخر في فعل الجنس الإلهي هو أفق الحرية بالنسبة للطرف المشارك. وعندما لا تكون أمام طرف ما فرصة المشاركة (الاتصال بـ)مع طرف آخر، فإنه لن ينمو إلى ما فوق فرديته. نحن نتفوق على فردية لحظتنا بطبيعة الحرية. والحرية لها معنى أخلاقي في الحالة الإنسانية. هذا المعنى الأخلاقي هو لذي يصنع للإنسانية روحها. والروح الإنسانية نوعية لكنها من مادة الحرية الإلهية. الأخلاق الإنسانية الروحانية هي أخلاق الحرية: الحب الواعي.

(4) غزة في 5/3/1998: الروح هي فعل الحرية الجمالي. الروح صفاء الله.. الروح نورانية الله. وعندما تبتعث إشراقة محيا عذراء، البهجةَ في نفوسنا، فإنما الروح هي التي تبتعث الإشراقة والبهجة معا.. والإشراقة بهجة تبتعث فينا البهجة. البهجة براءة الطفولة.. والله في براءة الطفولة أنضر! * * * المرض الروحاني هو فساد علاقة الشعور بالروح يعالَج هذا المرض بإصلاح علاقة الشعور بالروح يعالَج بالروح ذاتها؛ بتهيئة الشعور لقبول علاقة سوية مع الروح أي: بتوحيد الشعور بإرادة الروح وإرادة الروح ذاتية المنشأ، إرادة الروح لطافة منيرة، وهي الفعل الأصلي الذي يخلقنا، والذي مادته هي مادة الله (الحرية). إرادة الروح هي انفتاح نور على نور حرية إرادة الروح هي حرية نورانية. هي حرية البهجة والجسد قيد النفس والروح حريتها النورانية الروحانية الطبية هي تحرر نوراني من كثافة النفس، بفتح الشعور على الأفق المطلق (الله) الوضّاء: البهجة * * * الزواج حرية الروح الزواج بلا حب زواج باطل ولو استوفى ألفا من الشروط الأخرى الحب مادة الروح والروح فعل الحرية الزواج حرية الحب. وكل زواج لا تتوفر فيه حرية الحب هو اغتصاب لست أتحدث عن الحب الذي يسبق الزواج فقط.. إني أتحدث عن الحب الذي لا ينفك عن الزواج ولا ينفك الزواج عنه الزواج علاقة من روح الحب الحرة. فإذا غابت روح الحب الحرة عن زواج، صار هذا الزواج بلا شرعية الزواج مشروع إنساني يجدد الحياة بمفهومها الروحي الإنساني الذي يتجاوز علاقة جسد بجسد تحت إكراه القوة المظلمة البغيضة من يرتبط في علاقة زواج لا ترتبط بالحب إلى أعمق الأعماق، لا يرقى إلى مستوى الروح الإنسانية.. روح البهجة.. روح بهجة الحب.. روح حرية الحب.. زواج الروح قصيدها تكتبها الزوجة والزوج معا.. قصيدة تزيدها السنون توهجا.. وكل زوجة وزوج لم يكتبا معا، قصيدتهما المشتركة ليسا زوجين هما.. ليسا زوجين هما من لا يواصلا أغنية الحب ببهجة الحب النوراني.. وببراءة العشق وبكارته.. ليبقيا أزواج الروح زواج الروح لا يشيخ، لا تثقل أعباء الدنيا كاهله.. هو ضياء النفس الذي هو في الأفق المطلق يتنامى.. زواج الروح تجدد دائم زواج الروح قصيدة النور.. هو حرية النور.. ويا أيها الذين تغتصبون الحرية افيقوا..

(5) غزة في 14/3/1998: أنا روحاني فما الكثافة؟ آلة الروح فما الروح؟ حرية الله فما الحرية؟ مادة الله الروح حرية الله النورانية التي تطلق كثافة مادته من نهائيتها (الظلمانية) إلى لطافة نورانيتها والحب فاعلية الروح الحب تفتُّح النهايات

(6) غزة في 21/3/1998: لم يقدر الإنسان بعد على رد غائلة الموت عن بدنه.. لكننا في الحياة نحن موتى إن لم نطلق أنفسنا مع حرية النور الروح حرية النار المقدسة.. حرية النور هي.. لننطلق.. الحياة تكون أجمل إذا مع الروح انطلقنا.. بالحب نحيا.. بالحب كما يليق بالإنسان محيا.. انطلقي من قيد أغلال حقد مظلمة.. تنطلقين في النور.. انطلق من قيد ساعديك ورأسك وساقيك.. راقص الحب.. بهجة حب تكن حياتنا.. الحب مجدولا بالنور، بهجة الروح هو.. وإنّ حياة في غير النور، كفران بالنعمة هي، ونار تلظّى هي..

(7) غزة في 30/4/1998: الكائن، الذي أنا، والذي أكبر من أنا، من غير أن ينقطع عن يكونيته في أنا.. هذا الله.. الله يكون في أنا وفي آخر، في الوقت ذاته. الله واسع. الله أناي ووساعتها. السمع والبصر والشم واللمس والتذوق وسائل أناي للانطلاق في وساعتي (الله خارجي). الروح وسيلة انطلاق أناي في وساعتي الداخلية. الروح وسيلة امتلالك الوساعة (الله) بنشاط استنباطي يستخدم اليكونية الإلهية التي باطنة في أناي. الروحانية تفجير طاقة الوساعة (الله) التي استبطنها. الروح وسيلة، كما السمع والبصر. ولكنها أقوى.. وهي قوة باطنية، تكشف للأنل يكونية الله في ذاتها. أدوات الحس روابط بالله الذي يوجد في الآخر. الروح ليست أداة ارتباط. الروح فعلية الارتباط بين ذات (أنا) وذات الذات المطلقة. الذات، وذاتها المطلقة، من غير انفصال = الله. الله مطلق. المطلقية حريته. وحريته لا تنفك عنه، ولا بد له أن يفعل حريته دوما.. وليفعلها دوما، فإنه يبدع نهايات، ليستخدمها نقاط تؤد له أن الحرية مادته وطبيعته ويكونيته.. الله بطبيعة الحرية، يحيل النهايات، من باطنها، إلى فعل يكشف عن طبيعة الحرية التي تستبطن، وتوجه، وتكشف حقيقة تكوين الذات. الروح هي آلية الحرية الإلهية. الحواس آلية حرية الذات في عالم الحس. الحواس آلية واسعية الذات الحسية.. الخارجية. الحواس تكشف الله الحسي في الآخر. الروح فعلية باطنية للذات. هي التي تكشف صميمية واحدية الذات مع المطلق. إن الله يكون في كل التعينات، والله أكبر من كل تعين. فعلية الروح عندما تشتد في باطن ذات (تعين) فإنها تفجر في هذه الذات قوة الوساعة الإلهية، فتتسع الذات (بالحرية في الله الذي يوجد في تعين الذات وتعينات أخرى في الوقت ذاته) لتخترق ذات أخرى.. تخترق الروح نهاية ذات أخرى، لتلتقي بباطنية الذات الأخرى على مستواها الروحي.. على المستوى الروحي، الكينونة نورانية.. الروح كيان فردي. وهي حرية الكيان الفردي. هي نورانيته كفرد. لكن الله نورانية الفرد كذات لها وساعتها المطلقة الباطنة فيها من غير تحيز في مساحة محدودة منها. الروح نور والله نور. الروح كيان نوراني ذاتي، يمارس كيانيته بالحرية.. الله كيان نوراني مطلق من تعينات الذاتية. الروح آلية النورانية المطلقة، تمارس بها (المطلقة تماري بالروح) حريتها. حرية الله النورانية مبتهجة بذاتها. لأن البهجة هي حالة التمام. وليس فوق البهجة مقصد.. والله، بحريته النورانية، حالة التمام.. البهجة هي حالة التمام لحرية الله النورانية. البهجة حالة التمام لحريتنا النورانية – حرية الذات. الله بهجة.. ونحن، عندما نمتلك حالة البهجة، فإننا نمتلك الله الذي حريتنا النورانية. وحريتنا النورانية هي حريتنا الأجمل، التي بها نتحرر من عبوديتنا للحدود الجامدة.. أليست حرية الله هي فعلية تتجاوز – دائما – حدود الجمود؟ حدود الجدود هي ظلامية النهايات.. هي ظلامية الموت. حرية الله هي تجاوز الظلامية بالحرية النورانية. وأي منا، سيكون موضوعا للسلب، إذا لم يطلق أشرعة الروح (الحب) في باطنه، مع يكونية الله (حريته النورانية) .. إن لم نطلق قوة الروح (بالإرادة الواعية النشطة) فإننا ضحايا ظلام دواخلنا (الحقد). الحب امتلاك للحرية النورانية. والحقد يقتلنا من داخلنا. البهجة هي الحب الممتلئ، غضّا بضّا، بالحرية النورانية.. والبهجة تتم بالآخر.. وتتم بغير الآخر.. إنها غنية بذاتها، إنها الله، الغني بذاته، التام بها، في كل يكونية، في كل تعين روحاني حر نوراني مبتهج بالحب. عندما يمتلك أي منا القدرة على استخدام آلية الروح (آلية الحب والانفتاح على الآخر)، فإنه يستطيع توظيفها لتحرير الآخر من انغلاقه. يستطيع بقوة روح نورانية يمتلكها، تنيرنه وتحرره، أن ينير الآخر ويحرره.. قوة الروح التي استطاع أي منا أن يحرر بها كيانه من حسيته على نورانيته، هي قادرة على أن تفعل ذلك بالنسبة لكيان حسي آخر.. كما الصوت – آلية حسية – قادر أن يفتح كيان الآخر على كياني، بقوة طاقة، فإن الروح قادرة على ذلك. الروح آلية انفتاح – وتأثير – على الآخر متطورة عن آليات الحس. والروح لا تنفصل عن آليات الحس (الخمسة). إنها مستوى أعمق لها. إن ما تحققه آلية الروح من بهجة، هو بهجة ذات مستوى أعمق مما يمكن للحس أن يحققه. تختلف بهجة الروح عن بهجة الحس بأن الأولى لا تكون إلا بهجة حب.. بالحب تصير بهجتنا أعمق.. تصير حرية نورانية.. الحب والبهجة فعلان انتشاريان.. إنطلاقيان.. لكن الحقد فعل انحصاري في ظلامات جهلنا. ولانتشارية الحب والبهجة، فإن الآخر، المنفتح علينا، بالحب، هو كيان يمنحنا مزيدا من البهجة. البهجة تتنامى في النور، بالحرية، بالفعلية بآخر.. معه، ولنا. لبهجة – في مذهبي – فعل حر للحس الحر في النور، هي فعل روحاني. علاقاتنا الحسية علاقات روحية إذا حررناها من جهالاتنا وأحقادنا.. إذا لم تكن تملّكا بغيضا.. إذا لم تكن قهرا.. بروحانية، ستكون علاقاتنا فعلا للحرية.. ستمون فعلا لله، الذي الحرية ماديته، الذي النورانية طبيعته.. بروحانية، بحرية نورانية، بحب أجمل.. فإن علاقاتنا المشتركة، الحسية، هي الله.. هي انكشاف وجود الله الأصلي الحقيقي لنا، في تعين صادق، عميق، له. بهجة الحب تقوم بذاتها، في روح فردية، منفتحة بالله على الله. وتكون بهجة الحب أعمق، إذا كانت ممارسة للحرية في كيان ذاتي فردي منفتح على كيان فردي آخر، أو أكثر.. لأنها في الحالة الثانية.. سيكون أمامها مجال الله أوسع.. ولكن، عندما يجعل آخر من نفسه، عائقا لروحي.. فإن هذا لن يجعله عائقا لبهجتي الذاتية.. أن الله الذي أمتلكه في باطني أفق لي.. وسيزيد ما أمتلكه منه بقدر ما يجعل الآخر من نفسه عائقا لبهجتي الروحانية.. أستطيع، أمام عائق خارجي، أن أركز طاقة الروح عندي في دائرتي الباطنية، وستقدر هذه الطاقة، على تحريري من عوائقي الذاتية (انغلاقي وتعلقي الوهمي بالآخر). وكلما تقدمت في طريق تحرري من عوائقي، كلما تحررت تحررا أعمق وأعمق.. كلما انطلقت في نورانية الله، فتزداد بهجتي ونورانيتي.. تزداد بحبي وانفتاحي على الآخر مباشرة.. على الله من غير وسائط (تعيناته الظلمانية من الآخرين).. حينئذ تملؤني بهجة النور.. أعلى مراتب البهجة.. بهجة النور أعلى من بهجة الحب. في بهجة الحب، لا يزال الحد (الفاصل) موجودا.. فالحب فيه طرف ثان.. وكل طرف حد، وكل حد هو سلب. في بهجة النور، لا طرف.. النور ليس طرفا آخر.. النور طبيعتنا.. طبيعة الفرد وطبيعة الله. وبهجة النور ضياء الحرية التي تحقق لنا واحديتنا النورانية، بعضا وكلا.. الكل ليس حدا للبغيضة.. الكل وجود البعض الحر من بعضيته. الكل حرية البعض. حرية البعض في النور، حرية البعض النورانية، هي بهجتنا النورانية.. وهي البهجة التي تضيء الآخر.. بهذه البهجة، بصير الآخر، على كل حال له، صورة من البهجة.. فلا يعود قادرا على أن يسلبنا قدرتنا على امتلاك البهجة.. البهجة التي الله مادتها. البهجة النورانية حالة لا تصيبها سهام الجهالة والحقد.. فهي تضيء لي كل جهالة وحقد.. تغدو الجهالات والأحقاد لي، أنا المبتهج النوراني، تنوعات جمالية لحرية الله المبتهج بكل ما يصنع.. وبالبهجة النورانية، نحيا، كما الله يحيا.. نورا نورا.. حرية حرية..سلاما سلاما..ونشوة الكمال.. بهجة مطلقة.. وعندئذ يغدو الآخر تعينا قابلا لبهجتنا النورانية.. بهجة الحب المطلق.. حب الحرية؛ وحب الحرية بلا طرف يحد، إذا صار نورانيا.

(8) غزة في 17/5/1998: المرض حالة يكون فيها الكائن مقهورا عن أن يتسق مع طبيعته الأصلية، طبيعة خلقه. المرض حالة “عقدة” تكون فيها الطبيعة الأصلية مكرهة على الجمود. الطبيعة الأصلية لكل كيان هي الحرية. وفي الحالة الإنسانية هي الحرية – الحب (ينسحب على هذا على كل وجود ولكنه في الإنسان زائد بالوعي- العقلي الروحي – المحب). وتكتمل الطبيعة الأصلية للكيان بالبهجة. البهجة هي جوهر معنى الوجود المطلق. وعندما يمرض وجود محدد (كيان)، فإن مرضه هو تخلف طبيعة الحرية فيه عن تحقيق جوهر معناه الوجودي. الحرية والحب والبهجة تبدع، معا، بيئة النورانية. عندما يجري إبداع البيئة النورانية داخل كيان، مريض، فإننا نكون قد وفرنا بيئة علاجه. إذن، يتم علاج كيان مريض، بإنارته بالحرية والحب والبهجة. الروح أداة البيئة النورانية. بالروح، يستطيع الذي يمتلك البيئة النورانية، أن ينقلها إلى (يكشفها في) كيان آخر. الروح، إرادة الخير، يمتلكها نوراني، امتلاكا حرا محبا مبتهجا. الروح إرادة ضياء مشع، فاتحة، بانفتاح: بحرية وحب وبهجة نورانية. بالروح نحرر الكائن المريض من مقهوريته / عقدته.

(9) غزة في 13/6/1998: التجربة الروحية هي تجربة الإبحار في العمق الذاتي. والخبرة هي المكون الموضوعي لها. والخبرة لا تتم بمعزل عن عوامل البناء التكويني للفرد. الروح ليست كيانا “آخر” غير الجسد. الوح نشاط الحرية الذي يؤديه الجسد. الروح إرادة الحرية التي لا تتم بمعزل عن الجسد. والبناء العقلي والوجداني، هو شيء جسدي. الروح هي حرية الإرادة الإنسانية التي تصوغ ذاتها في بناء عقلي وجاني. وروحانية الأخير هي الحرية.

(10) غزة في 9/7/1998: الحرية هي مادة ما هو يكون (= الله). والولادة – لأي منا – حرية. الولادة انفصال عن الأم، وهذه واقعة نفقد بها الأمن الذي كان متوفرا لنا، بالكامل، في المرحلة الرحمية. ولكنه انفصال حتمي لتواصل الحرية تقدمها. الحالة الإنسانية هي (بنت) طبيعة حتمية تقبل التثقيف. الحياة الاجتماعية هي حالة الطبيعة على مستوى ثقافي. الانفصال عن الأم، المخيف، يواصل خطورته على البنية النفسية لنا، إذا تواصل وجودنا في حالة خوف. الثقافة (= الحياة الاجتماعية) هي التي تمنحنا فرصة للحياة الآمنة وهي التي تحرمنا منها. ثقافة الحرية – وحدها – هي التي توفر لنا شروط الحياة الآمنة. أعني: الحرية النورانية. ولادتنا هي فهل للحرية النورانية، على وجهها الطبيعي. إذا عشنا اجتماعيا (= ثقافيا) بشروط الحرية النورانية، فإن فعل الولادة (الانفصال المخيف) سيستحيل إلى واقعة تأسيسية لحياة نورانية بهيجة. إذا تواصل قمع الحرية (= فقدان الأمن) معنا، فإنه سيتواصل تفاقم مأساتنا الأولى، مأساة الخروج من الرحم الآمن. وظيفة الثقافة – كما ينبغي – هي أن تعيد لنا التوازن النفسي الذي فقدناه في لحظة الولادة، بتوفير شروط حياة آمنة (حرة نورانية.

(11) غزة في 14/7/1998: بهجة الحرية النورانية.. هذه عقيدتي.. الوجود حر حرية نورانية تخلق بذاتيتها بهجتها البهجة باطنية الحرية النورانية البهجة هي السبب وغايته (الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية) الحرية مادة اليكونية (الوجود الحر) (الله) النورانية هي البيئة التي تجعل الحرية (النورانية) بهجة * * * بهجة الحرية النورانية هي الصلاة بين الفعل اليكوني (الفرد) والفعلية اليكونية (الكل) – هي حالة التوحد التي تطلق فردية الفرد من فنائية ظلاميته إلى حرية نورانيته البهجة هي الصلاة التي أبدع بها الله البهجة (النورانية) هي التي تكشف الله البهجة الذي أنا (لي) بؤرته وأفقُه الحر بمقدار عمق بهجتي ونورانيتي الله (هو) البهجة والنور (بهجة النور) الذي يخلق البهجة ويفعل البهجة في النور، بحرية هي مادته الله، بالبهجة النورانية يخلق للبهجة النورانية أنا – كل أنا – بهجته النورانية.. أنا – كل أنا – حريته.. أنا – كل أنا – بهجة الحرية النورانية.. أنا – كل أنا – بهجة من البهجة (الله) ومن لم يكن بهجة الحرية النورانية، يكن موتا (فناء بالظلامية) البهجة (النورانية) غاية الله المطلقة.. بهجتي النورانية غاية الله المطلقة – غاية لا تقع خارجه

(12) غزة في 15/7/1998: هل تعود نشأة لفظة “الله” إلى: “إيل”؟ أم إلى: “اللاه”؟ “إيل” اسم إلهي قديم، لدى العرب، وشعوب قديمة أخرى. وقد يكون أحد الناس قد لاحظ أن اللهو في العالم وبه، أو اللهو لذات اللهو، هو صفة أساسية من صفات الكون؛ فردها إلى الخالق الذي كان يعتقد فيه، خالق كل شيء: الرب “إيل”، فوصفه بها فقال: “إيل لاه”، ثم تطورت العلاقة بين الموصوف والصفة، فاندمجا دمجا مطلقا ليكونا لفظة “إيلاه” التي تطورت بدورها إلى لفظة “الله). أو قد يكون عربي ما، أو من شعب قريب للعرب، خلص إلى النتيجة ذاتها وهي أن الكون ملهاة – وهو يبدو هكذا – فاستخلص أن العلة الخالقة للكون “لاهية”، فوصف “الرب” الذي هو العلة للخلق الملهاة بأنه “لاه”؛ ثم من باب التعظيم، أدخل لاحقون على الصفة “لاه” أل التعريف، فأصبحت “اللاه”، التي تنطق، بلامين رقيقتين، كما ينطق العرب اللام عادة؛ ثم من باب التفخيم، اختص العرب اللامين في لفظ “اللاه” بالتفخيم، فنطقوا اللفظ بلامين مفخمتين، خارجين بذلك، من باب الاستثناء، على القاعدة العامة في لفظ حرف اللام. ولو نطقنا لفظ “الله” كما تقتضي العادة اللغوية، فسنقول: “اللاه” أي: “اللاهي”.. وإن سأل سائل: هل “هو” متشكل في الكون غير ذلك؟ لقلنا: سؤال مشروع وله ما يسوغه!

(13) غزة في 24/7/1998: الله، الذي وجوده أكبر من وجودي الذي مصدر وجودي الذي مصدر ابتدائي الذي مصدر استمراري الذي أفقي الوجودي الله هذا، عقيدة لي الله هذا، أنا الكبرى المطلقة وأنا أناه المحدودة بحدود شعوري الحاصل وروحي، نزوع الأنا الكبرى للانطلاق إلى أوسع من حدود أناي إنها نزوع أنا، الشعور والجسد ميدانه وأنا اداته وأنا غايته أنا حقيقته * * * أول وجودي وديمومته وحريته هو البرهان على وجود الله في تكوينه الخام (الوجود الضروري لوجودي) وما بعد ذلك، هو دين نصنعه ويصنعنا * * * الفضيلة (العليا) شعور مبتهج بنورانية الحرية هذه الفضيلة أساس الحكمة ومبتغاها.. هذي صلاتي

(14) غزة في 1/8/1998: المرأة للرجل، وفي كل مراحلها، هي الأم والرجل للمرأة، وفي كل مراحله، هو الأب المرأة الوالدة والأب الوالد، هما الأم والأب الأساسيان المرأة زوجة، والرجل زوجا، هما الأم والأب المطلقان المرأة الوالدة والرجل الوالد، يمنحان لنا وجودنا أو أفقنا الشخصي المرأة الزوجة والرجل الزوج، يمنحان لنا وجودنا أو أفقنا المطلق: الروحي الاجتماعي الأفق المطلق للشخص هو استمرار لأفقه أو لوجوده الأساسي الأخير (الأساسي) يحكم انطلاقتنا الروحية / الاجتماعية الحالة التي تعاني تجربة الزواج فيها من الإعاقة، هي حالة مرض يعود سببها الأهم لمرضية العلاقة الأساسية بين الشخص وبين أمه، أو بينه وبين أبيه، أو بينه وبين الاثنين معا العلاقة الوالدية السليمة (المؤسسة على الحب = إطلاق الكيانية الفردية في نورانية الحرية) هي التي تؤهلنا لعلاقات اجتماعية (أسرية) سليمة تكون علاقاتنا الاجتماعية (= الروحية) سليمة عندما لا تكبل الكيانية الفردية النازعة (بطبيعة إلهيتها الحرة النورانية) للحب النوراني المجدول من الحرية (النورانية الإلهية)

(15) غزة في 6/10/1998: فلسفتي – أنا النوراني – هي أن نعرف الحقيقة وأن نحياها – أن نعرف الحقيقة، هذه فلسفة.. وهذه معرفة نورانية – أن نحيا الحقيقة، فهذه هي النورانية الواحدية التي فيها العلم والتحقق بالعلم مادة واحدة، للوجود الواحد، الذي الحرية مادته – والحرية حرية من الجهل حرية من الشر – والحرية من الجهل ومن الشر هي الحرية النورانية – والحرية من الجهل (حرية العقل) والحرية من الشر (حرية الإرادة الخيِّرة) هي مادة البهجة النورانية – المعرفة باب البهجة والتحقق بالمعرفة مدينتها

(16) غزة في 11/10/1998: الروح هي الحرية (= مادة الوجود) المبتهجة بالحب النوراني الروح إرادة خيِّرة مطلقة ومتعينة في آن واحد * * * النور هو المادة مبتهجة بالحب النور حسِّي (الطبيعة) النور روحي (بإشعاع حسيته الطبيعية) البهجة حسية مشعة (روحانية) النور مادة الكون كله (الواحد المطلق) النور أجزاء كُثر، كل جزء منها، يلخص، بأمانة وتمامية، كليته المطلقة، باستثناء اختلاف وساعة المطلق (الكلي الشامل) عن المعيَّن (الجزئي الفردي) – هكذا ذهبت في تفسيري الواحدي (الوجود واحد مطلق متكثر) النورانية (عندي) واحدية مبتهجة وهي في صورتها الفردية مبتهجة بحرية الحب وفي صورتها المطلقة مبتهجة بحرية مادتها الوجودية وفي صورتيها – معا – مبتهجة بحرية ذاتيتها وتغيب في الفردي غيابا قسريا زائفا بجمود الجهل ويستعيدها الفردي بإرادة البراءة الأصلية (الحب الحر النوراني بإرادة خيِّرة) (= الإنسان فعلية فاعلة بوعي محب)

(17) غزة في 18/11/1998: أعلى مراتب الوجود، واعمق حقائقه، وجوهر معناه، هو التحقق الشعوري المتنور ببهجة الحرية النورانية الحرة من الحد.. بهجة الحرية النورانية التي هي طليقة من السببية، فلا سبب لها، إلى ذاتيتها، ولا هي سبب لغيرها؛ فهي المكتفية بذاتها، بالحقيقة المطلقة.. هذه البهجة هي أسمى سمو الوجود المتحقق شعوريا.. هذه البهجة هي البذرة المثمرة هذه البهجة هي المعيار (المادي القيمي) الأكبر للحياة والوجود * * * براءة الطفولة المبتهجة هي التحقق الفطري لبهجة الحرية النورانية الومض الذي يوحد العاملين المؤسسين للوجود الكياني الفردي – لحظة الإخصاب – هي عرس تشتعل فيه البهجة بالحب قيود الحياة المظلمة تسلبنا حرية البهجة النورانية المعرفة النورانية تزودنا بالقدرة على اكتشاف حقيقة البراءة الإرادة النورانية تردنا إلى حقيقة البراءة البكر (= بهجة الحرية النورانية) الإرادة النورانية ليست سببا.. هي البهجة المتحققة بالمعرفة المريدة النورانية والمعرفة النورانية ليست سببا، هي مادة المعرفة المعرفة المريدة النورانية البهجة طلاقة المعرفة المريدة المستنيرة هي حالة شعورية جذلى بالتحرر المنطلق في وساعة النور هي حالة لا ترتبط بقيد فردية لكنها متحركة بالحب تحيا به وله الحب طلاقة وحب بهجة الحرية النورانية غير حب التملك هو الحرية من ظلامية التملك وقيوده بهجة الآخرين تعزز بهجتي.. أليس فرحنا يغدو أكبر كلما زادت مشاركة الآخرين المخلصة لنا فيه؟) أليس حزننا يغدو أرقّ كلما شاركنا الآخرون بحب فيه؟) البهجة وساعة، تعمقها المشاركة والأسى ضمور تعالجه البهجة ويكون حزني بهيجا إذا كان حزن محبٍ يشارك الحزانى.. إذا كان تعاطفا بريئا.. كريما.. نبيلا.. رقيقا.. هذا حزن يحرر الفردية من قيد الظلامة، فهو يبهج * * * تحققنا بالبهجة – بهجة الحرية النورانية – هو سنام كل الذرا.. هو تاج كل ما نبدعه هو مادة الله ومعناه.. هو رحيق الجمال الروحاني وشوقنا الأكبر هي شوق الشوق لنورانيته البهجة – الله – غنية بشوقها لشوقها البهجة – الله – هي مطلق الكل ومطلق الكل لا حاجة (روحية) به إلى سواه.. مطلق الكل هو الوجود كله، لا غير له الوجود ممتلئ بذاته ومطلق الكل يبتهج بمطلق الفعلية الفعلية ابتهاج.. والفرد فعلية الفعلية المطلقة – الله – المبتهجة.. والإيمان فعل يبتهج بذاته.. الإيمان فعل المعرفة المريدة النورانية المبتهجة بفعليتها الإيمان تحقق الفردي بالبهجة المطلقة – الله الإيمان بالله تحقق به والله بهجة الحرية النورانية الحرية مادته النور ريحانه الذي لا يذبل البهجة (المحبة النورانية) فعليته

(18) غزة في 28/11/1998: البهجة هي سبب الفعلية – الإلهية – وغايتها. ومن طبيعة البهجة أنها يمكن أن تتحقق – تتجلى / تتكشف – بفعلية ذاتية.. أستطيع أن أبتهج بقرار مني، أي: بإرادة. ولكن، في حالة الطفولة، وفي حالة الانجذاب الصوفي، وفي حالة الذهول (الهبل) فإن البهجة لا تحتاج لإرادة لكي تتحقق. إنها تتحقق بعفوية عندما يكون الفعل – الخلق – حرا من قيوده الاجتماعية التي تعيق، تحت ضغوط قيديتها / ظلاميتها / جمودها، براءة الروح عن تحققها بالحرية. البهجة معنى وجودي. وعندما أفتقد شعوري المبتهج، فإنني افقد معنى وجودي، وهذا هو الشقاء البهجة هي الله. الله معنى وجودي أنا ومعنى لكل وجود آخر. وكل وجود هو فردي إلا وجود الله لأنه معنى يفعل كل الفرديات والبهجة في الآخر، تنبهني إلى حقيقة أن الله أكبر من وجودي الفردي الوجود الآخر، ينبه إلى أن الوساعة صفة للوجود الأكبر الذي هو أكبر من وجودي الفردي والوجود الآخر ينبه إلى أن الحرية صفة للوجود الأكبر الذي لا تقيده فردية. لكن الفردية هي دليل حريته. الشعور بالبهجة، يشتد بالوساعة وبالحرية. ونورانية البهجة والوساعة والحرية هي الشرط الذي يجل الله قيمتنا العليا

(19) غزة في 28/11/1998: الله ليس مفارقا لواقعية الوجود. والله ليس معنى مجردا من وقائعية الوجود. الله ليس موضوعا للعقل التجريدي الله بهجة الحرية النورانية للعقل الشعوري المرتبط بحيوية وعضوية وروحانية ومادية مع الوساعة في عمقها – النفسي – وفي تراميها في الأفق الخارجي للفردي، فردا، ومجتمعا، وفعليات غير إنسانية، وتخيلات براهين إثبات وجود الله في الفلسفة العقلية – التجريدية – ثرثرة لا مصداقية فيها، وكلها قابلة للنقد والنقض.. إن الشعور بالبهجة، الشعور الحي، الحر، المتنور، هو الحقيقة الفعلية التي لا يهددها خطر النقض، ولا تصيبها سهام النقد خفوت شعلة البهجة، هو الطريق للفناء الذي به يتجاوز الله فردية ما، ليبدع نفسه من جديد في فردية أخرى، مبتهجا بكل خلق جديد إن الله يفعل ما يفعله بهجة منه، وببهجته. وما ينفعل ببهجة، هو بطبيعته بهجة. وعندما تخفت وهاجة النار، فإن الريح تذهب بالرماد.. عن الله حركة بهجة مبتهجة بذاتها، لذاتها. وكل فردية، في حقيقتها، فعل إلهي مبتهج بذاته لذاته. وكلما توسعت بهجة الفردي تعمقا وامتدادا، كلما توهجت نار (نور) الحرية ونورانيتها.. والحرية مادة البهجة. البهجة تحرر من قيد الجمود. وتحرر البهجة نوراني، فهو حرية الانطلاق من ظلامية الأنا، من جمودها وشرها وجهلها، إلى حركيتها وخيرها وعلمها.. إلى نورانيتها الله نور. البهجة نور.. المظلم الظالم لا يبتهج (بهجة حب) لأنه لا يؤمن بالله الذي حرية البهجة النورانية. * * * البهجة – بهجة الحرية النورانية – هي مادة حياة نفسية واجتماعية صحيحة (ببهجتها) وفعل الجماع، الذي يتم بين امرأة ورجل مبتهجين،الذي ينتج منه تكوين خلق جديد، سينتج خلقا جديدا مبتهجا.. والأم التي تحمل ببهجة، سيكون وليدها مبتهجا.. وعندما نقبل على الحياة ببهجة، تُقبل الحياة علينا ببهجة.. إن البهجة نور يضيء داخلي، نور يضيء وجهي.. وفعلي.. البهجة نور الحرية هي البهجة حب النور هي الحب حرية النفس من قيد ظلامتها إلى وساعة المطلق الحب هو العلاقة المبتهجة بين الحرية الفردية والحرية الفردية الحب إيمان. هو قانون الإيمان البهجة حب.. البهجة الله. الله حب نوراني حي لنا، بنا، فينا.. الحب آية البهجة ورقص جمالها الله تحققي أنا المبتهج بحب نورانيته الحر في طلاقته.. ولست كله..

(20) غزة في 29/11/1998: إذا كان الله بهجة، فما تفسير التعاسة؟ بهجة الله، لا تعادل، أو لا يلزم عنها، بهجة الخلق، بالنسبة للخلق. يلزم عنها بهجة الله في كل خلق – العاسة لله صورة بهجة – هي لون مختلف في الصورة – هي محل تجربة الله لتجديد بهجته، لزيادة شدتها – نحن نشعر بالبهجة بالطعام بعد الجوع وبالشراب بعد الظمأ. وتكون هذه البهجة أشد من البهجة بالطعام والشراب من غير جوع ولا ظمأ!! كذلك تكون البهجة أعمق بحالة الصحة بعد المرض. التعاسة، بالنسبة للخلق، تنشأ من جمود صحي جسدي أو نفسي. التعاسة مصدر لاكتشاف البهجة بالعقل، هي حافز.. التعاسة مصدر اكتشاف البهجة، بالنسبة لنا، التي لم نكن لنكتشفها لو كانت البهجة دائمة إن الله يخلق التعاسة فينا ليبتهج، ونبتهج معه بالنصر عليها والتحرر منها أيضا.. نحن نفقد بهجتنا في حالة التعاسة لأننا نفقد إيماننا بأننا نستطيع أن نبقى مبتهجين دوما، في كل الأحوال، حتى في الأحوال التعسة؛ وبذلك نفرِّغ التعاسة من مضمونها، بالانتصار عليها وتحويلها إلى أداة للبهجة.. وبذا، تصير (التعاسة) عنصرا في البهجة – الإرادة المبتهجة تستطيع أن تفعل ذلك. لكن.. ماذا عن طفل لا يملك إرادة واعية ينتصر بها على تعاسته؟! المسئولية على من هو مؤهل لأن يملك الإرادة الواعية بأن الحب المبتهج هو الأسلوب الذي نستطيع به أن نقلل من ضراوة تعاسة الطفولة التعاسة هي من الوقوع في الحدِّيَّة (حدية الفعل الفردي) والله لا يواصل وجوده بلا فعلية متصلة وفردية الفردية تستوجب الحدية – الحدية هي مصدر التعاسة عندما تكون عنيدة في مواجهة حرية الروح إن وجود الله لا يخلو من فرديات ومن طبيعة الفردية أن تكون عنيدة لتحمي فرديتها إن من صفات الله أنه فرداني (يتحقق في فرد وفرد..) كما أنه مطلق دخول المطلق في الفرداني هو دخول الحرية في عناد الحدية هذا يستوجب أن الله ليس بهجة مطلقة، ولكن بهجة تدخل في عناد الحدية (= مصدر البؤس) بالنسبة للمطلق لا يحصل له بؤس، لأن كل دخول له في حدية هو فعل بهجة (حخول في الحدية = حريته = مادته = مادة البهجة) بالنسبة للفردي، استعادته للإيمان بالبهجة المطلقة سيمده بالعون لمواجهة عناد الحدية (المكروه) إذا لم يفعل الفردي ذلك، ستهزمه الحدية، وسيخرج من الحضور في الملي لتَخْلُص للكلي بهجته الكلية هكذا، الكلي يستخدم عناد الحدية ليواصل بهجته المطلقة بالتخلص من نفاياته (=المهزومين بالحية المعاندة) ومقاومة المكروه تتم بالحب – المريض الجسدي يستعيد صحته بالحب الذي يمنح جسده حريته. والجسد يمرض عندما يفقد حريته (الطبيعية) إن الحب مصدر الحرية المكتسبة – لكن الحرية الأصلية (الله) هي مصدر الحب بالحب تنفتح الحرية الأصلية (الله) على الحرية المكتسبة (الإنسانية) في مستوى الشعور هذا الانفتاح يتم بالإرادة المتنورة – وهذا فعل إنساني الإنسان يستطيع مواجهة وهزيمة عناد الحدية بالحب الذي يوحد فيه الحرية الأصلية (الإلهية) بالحرية الإنسانية (المكتسبة بالفعل الإنساني) وهكذا يستعيد الوجود المطلق (=الحر) والفردي(ذي الطبيعة الحدية) ومن طريق العناد الحدي الذي ينسحب من الوجود لحساب انتصار الخير الإيمان بالبهجة، وإرادة البهجة، هو خير السبل التي يمكن بها إلحاق الهزيمة بعناد الحدية (الشر) إيماننا بالله المبتهج، مصدر وجودنا، غاذينا، حلمنا، قيمتنا العليا (المطلقة – حريتنا النورانية) هو يشد أزرنا، ويعزز تفاؤلنا وثقتنا بأن المبتهج أقوى من البائس، فهو – المبتهج – أجمل هو يملك حالة تؤهله لما هو أفضل في مواجهة قدر مفروض علينا، يظهر أنه عدواني لكن.. بالبهجة المنفتحة المحبة المتحررة النورانية نسلك طريقا نضمن فيه حصادا أفضل وبدون خسارة عندما نواجه الصعاب بروح مبتهجة نكون أقدر على التعامل مع الموقف بإيجابية لنا وللموقف عامة وفي هذا خير للموقف عامة (بجميع أطرافه) وفي هذا تعزيز للبهجة (بشمولها الأطراف عامة) وتعزيز للقيمة الإيجابية، لكل القيم الإيجابية التي أمها قيمة الحب النوراني الذي يحررنا من شرورنا (=الحدية العنادية) وينير عقولنا وإرادتنا وانفعالاتنا إن الحالة التي نعيش فيها حالة فقدان البهجة، هي آلية لربطنا بالأصل (=الله البهجة) ولإعادتنا، بالشعور إلى هذا الأصل، لطلبه، هو البهجة الأساسية الخالقة – هذه آلية من الأصل ليؤكد فيها قدرتهعلى المحافظة على واحديته ولإظهار أن السعادة (البهجة النورانية) هي في هذه الواحدية (النورانية المبتهجة بالحرية=بالحب النوراني) التي نبدعها نحن بالإرادة الحرة المتنورة بالحب * * * إن تحاببتم استنرتم فابتهجتم * * * البهجة حرية وحب وعدل ونور تنقلنا البهجة (بهجة الحب النورانية) من ظلمات جهلنا وظلمات الفعل إلى النور.. نور المعرفة والإرادة والفعل..

(21) غزة في 25/12/1998: البهجة النورانية شعور الحب الخلاق الذي يمتلئ به فرد (ومجتمع) يحيا في حرية النور البهجة النورانية فعل يكافح وطأة كل ما يسلبنا البهجة (كل عدوانية) هي فلسفة حياة شعورية فردية وجماعية هي عقيدة تؤمن بالله المبتهج الذي يخلق ببهجته بهجة له ولنا وعندما تخبو وضاءة البهجة فينا يسكننا الشقاء البهجة النورانية عقيدة تطهرية لا تكون وفي النفس (العقل) إرادة شر والشعور الذي يتولد في شخص ما عندما ينتقم من آخر ليس هو من البهجة النورانية التي تضيء الإرادة وتشعلها بالحب والحرية بهجة المنتقم وقْدة نار لا ضيا نور والبهجة النورانية جوانية وبرانية الأولى خالصة من العلاقات إذا غابت علاقات البهجة والأخرى بهجة الحب التي تضيء علاقة الفرد بالغير النور في كلاهما واحد الجوانية تكتفي بذاتها إذا أظلم الخارج البرانية تزيد الجوانية إذا كانت علاقاتنا الاجتماعية هي المدار وعندما ترقى البهجة إلى ذروتها النورانية، فلإرادة لا تبالي إن أضاء ما حولنا أو أظلم.. ما بنا – حينئذ – من تمام النور في جوانيتنا فيه غناء مطلق، وتمام النور يضيء الجواني والبراني على السواء معا.. فلا يبقى ثمئذ فيما حولنا ظلام.. يصير الجواني والبراني نورا نورا.. من حريتنا نصير نورا.. نورا

(22) غزة في 1/1/1999: الله أنا الذي بهجتكن هو أنا أنا البهجة التي خلقي بها يقوم نورا في النور إنْ أحببتَِ كنتَِ نوري هل تراقص فراشات الربيع وأوراقا عجافا مصمصها الخريف؟! راقصْهنّ تبْتهجْ أطلقوا خواصركم في الشوق أنا البهجة دعوة النور أنا قمْ أطفئ سراجا ينطفئ يا ابنة أمْ.. الحب ضيا الليل الساقع يا ابنة أمْ يا ابن أمْ..قُوما إلى نور لا تطفئ الريح ضيا شعلته تَصَعّدا.. أنا الصاعد منكم إلى فوقكم أنا النور المبتهج وأن زيتي بهجتكم أنا عطر الزيت والماء والحرث والثرى والزيتونة النوراني يؤمن بي أنا نور الحب أنا بهجة الحرية بهجة النور ينهض فيكم نبي البهجة منكم الحقُ من قلب الحق ينهض البهجة النورانية حق الحق هي

3/1/1999: (23) العدوانية تنازعنا الحق الأصلي الذي لنا بفطرة الخلق في حياة البهجة بالحرية النورانية التي نترجمها بالحب والعدل. كيف نجابه العداوة نحن المؤمنين بالبهجة النورانية؟ إذا أُقِدَتْ نارُ الحرب، فهل نغذوها بالكراهية وبالظلامة نحن المبتجين بالحب؟! اصغوا إليّ.. افتحوا بالحب قلوبكم.. ليكن نبضها من نور.. كل دم مسفوك، دم من يسفك حقنا بالبهجة هو.. إذا أب انْقَتَلْ، تصرخ فينا الأيتام والأرامل: رُماتُكم، فليسددوا للظلامات رمياتهم!! * * * ما الظلامة؟ رجس أصاب نفسا بالحب في النور لا تبتهج.. إذا بهجة الحب أضاءت قلب الظلامة.. فهذا النصر نصرنا المبين هو. ليس النصر عدوانا يهزم عدوانا.. العدوان لا يهزم العدوان.. العدوان على العدوان عدوانان هما وأكثر.. النصر بهجتنا بالحب في النور كلنا.. بهجة لك، بهجة لي، بهجة لنا معا هذا الحب هو هذا العدل هو بين الناس قليل هم أُلئِك الذين يحبون حبا هو عن العدل يستغني.. هؤلاء العدل في شعورهم تجريد الحب من الطلب.. هؤلاء يعطون لا لينالوا منك غاية.. هؤلاء شموسنا المبتهجة بالحرية مطلقا.. عدلهم أن تنطلق الروح فيهم من حريتها الأصل بحريتها بهم الأكثرون يعطون لينالوا زرعَ الناس الأرض، وسيّجوا حولها، وحصدوا الحقول، وفي صوامع في بيوت في جيوبهم مفاتيحها يخزنون الغلال ما العدل؟ للوليدة ابنة ساعتها، رئتان يستنشقان الهواء.. ويزفرانه.. هذا العدل هو.. هذا العدل هو الحرية هي.. الحب شريعة الحرية هو.. والعدل قوام الحب والحرية معا.. العدل كرامتنا هل يكون للنور ضيا، إن لم تكن كرامتي هي الضيا؟! أنت خلق للبهجة بهجة الحب الذي للبهجة في النور إن الله يفعل كرامتنا حريتنا في البهجة في النور تسألني ما الأرض ما السما؟! اصْغِ إلى بهجة حبي.. الأرض والسما لك لي لنا لك عينان لا تفقأ لي عينا لك عينان وسمع وقلب فانظر في أفق السما المفتوح.. أنا كنت جهولا فأحببت فاستنرت فاستمطرت العدل فاصْغِ إلى بهجتي.. من المعبر الذي هو المعبر كلنا تسلسلنا.. فلماذا تجعل العصا بين ساقين بالبهجة يدعوان؛ ثم بطنك ها ينتفخ، ثم أنفك ها قد تورّم أنت الذي تسرق خبز البائسين!!

(24) غزة في 7/1/1999: ما قولك في الزنا أيها النوراني؟ هل يبني زنا بيت الحب أم يهدمه؟! الحب دعوة البهجة لا دعزوة نار تأكل أخضرنا أجبني أنت: هل يُشعل زنا بهجة الحب فينا؟! بقلب عقل الحب المتنور أجبني.. فيكن جوابك عنك وعني!! الشريعة لا تهدم.. لنبني لنبني هذي دعوتي.. فهل تؤمن بالدين؟ هل تؤمن أنت أن دعوة الدين دعوة الخير هي؟! إن كان دينك دين الخير بورك لك بورك!! ويا ابن أمْ.. ولدتَ فردا. هل رأسك غيرك؟ هل تزاحمتما أنت وتوأمك وأنتما تشقان النور مشرقان من باب مأتانا؟! وإذا تقافزت الصغيرات، هل تتورد عيناك بالبهجة؟! وها يجمعنا مجلس واحد، أنا لا أبغضك ولا أؤذيك؛ هل تبغضني؟ لماذا؟ ولماذا يؤذيني قدر فوقنا كتب منذ القديم: معا تعبرون بحري إلى شطآني!! * * * أطفأتُ نار الكراهية، فأضاء سراج الحب عقلي * * * تحابّوا.. إن الحب ينيركم ونور الحب يُبهجكم

(25) غزة في 24/5/1999: اعتراني شعور من الضجر.. امتلأت بشعور من فقدان المعنى أشعر أنني مثل أسد يحبسه قفص ضيق. مرّ من أسفل الشرفة التي كنت أقف فيها. وأنا ملول قرفان.. رجل من معارفي يصحب طفله الصغير.. لم يكن بيني وبين الرجل ما أحب أن يكون.. ألقيت قطعة من الحلوى أمامهما.. نظر الرجل إلى أعلى.. قلت: القطعة لطفلك.. فتح الأب مغلفها الورقي.. قدمها لطفل وهو يقول له: أشكره.. نظرت العيون الصغيرة إلى أعلى.. خرجت من سجني.. لوّح لي الطفل بيده الصغيرة.. عيناه ويداه الصغيرتان وقطعة الحلوى فتحت السماء أمامي – من جديد – أفقا واسعا من الحب والبهجة.. عاودني الشعور بالمعى.. أليست بهجة الحب هي المعنى؟! أجل والطريق جميل سهل قصير!! وعلى التوّ.. مرت طفلتان، ما كنت أعيرهما اهتمامي من قبل.. أغاظتني أحداهما من قبل بأفعال الصبية.. ما أحببت من قبل أن أمنحها فرصة الأخذ والرد بيننا.. أما الآن،، فقد ابتسمت لها.. لوحت لها بيدي.. ابتسمت. انتشت الطفلة.. وأنا ازددت نشوة.. رباه.. إن الطفولة معلمي.. وأن المعنى – معنى الحياة – نشوة طفولية ببهجة الحب.. إن بهجة الحب نشوتنا (شارع الفواخير – الساعة السادسة والربع عصرا بالتوقيت الصيفي)

(26) غزة في 28/8/1999: أنا “اعبد” الله به الله بهجة حب بها.. ببهجة الحب.. أنا “أعبد” الله لا “أعبده” مخافة منه ولا طمعا أؤمن به لذاته.. وبهجة الحب النوراني ذاته.. “أعبده” لذاته بذاته العبيد يخافون من عقوبته ويطمعون في ثوابه الحر الكريم لا يفعل ذلك الله هو الحرية وبالحرية “أعبده” الله هو الكريم وكريما بعبادته “أعبده” الله النور النور في النور أنا حر مبتهج بالنور أنا الله في نورانية إنسيته الله بهجتي الله بهجة أنا بهجة من مطلق بهجته

(27) غزة في 27/9/1999: الحرية طبيعة الله وكمال الحرية البهجة * لله حديّة ينطلق منها * الله إرادة شعورية وليس كينونة يُشار إليها ويحصرها واقع الإيمان به روح خلاقة في نور الحرية * الذي يمتلك بهجة الحب يؤمن بالله الذي ينير به – فيه – حريته الشعورية الخلاقة بالإرادة لبهجة الحب نستنير بالحرية الروحية (الحرية الروحية النورانية = الشعور المؤمن بالله) * بهجة الحب نور فينا بالإرادة المبتهجة بالحب، ينفتح النور الذي فينا على النور حولنا * بهجة الحب نورنا المطلق (=الحر) بهجة الحب حريتنا النورانية بهجة الحب إرادة المطلق (الحر) التي بها يخلقنا.. ولها يخلقنا يخلقنا الله ببهجة.. إن اللهَ البهجةُ..

(28) غزة في 4/10/1999: الدين طلب أفق أوسع للحرية. كل دين يحتاج إلى الله وعلى أية صورة من المفاهيم عنه. الإنسان مجبول من الله. والحرية مادة الله وصورته في الذهن. الحرية – إذن – مادة الإنسان (الإلهية). ونحن عندما نتجه لإبداع إله لنا، على أية صورة له، إنما نفعل ذلك بطبيعة الحرية التي هي مادتنا. وإبداعنا لله، وبكل صوره، هو إبداع لحريتنا. حتى الصنم، الذي يظنه الإنسان إلها، أو هو يخلقه لكون كذلك، هو إبداع للحرية التي نجسدها في مادة “كثيفة” لنستحضر بها إله هو أفق لحريتنا. وعندما نبدع إلها لنا، فإننا نتوسل له بأن يكون معنا.. وبما نمنحه له من قوة متخيلة، فإنما نسعى لامتلاك قوة تدفع بنا، في أفق الخلاص (=الحرية) من ورطة الحديّة وفنائيتها. الله، في كل المفاهيم،قوة تمنحنا القدرة على اختراق حديّة الفناء. وهو – القوة الأوسع منا – الذي يمنحنا البداية، وهو “الحي” الذي نستمد استمرارية حياتنا منه.. لدى الماديين الله هو “الطبيعة”؛ أليست “الطبيعة” هي نقطة البداية، ومصدر الاستمرار لنا؟! أليست هي – إذن – أفق حريتنا؛ ابتداء واستمرارا؟!

(29) غزة في 19/10/1999: اليهود والمسلمون يقيمون صلوات استسقاء يبتهلون فيها بالدعاء لإسقاط المطر عندما يتباطأ نزوله عن أوقاته المعهودة. وفي الصين، يدق الفلاحون طبولهم لاستنزال المطر الذي لم ينزل لإنقاذ مزروعاتهم التي يهددها الجفاف بالهلاك. وتعتقد قبائل هندية أن أداء الغناء، مع عملية الزراعة، تزيد محصول المزروع الذي استهل تاريخه بالطرب. ولدى العرب القدامى، فإن الحداء، كان وسيلة ناجعة لزيادة نشاط المرتحلين في الصحراء، ولجِمالهم أيضا. وعندما شيّد عمال الفراعنة، في مصر القديمة، الأهرامات، فقد كان الغناء هو الروح التي غالبت قساوة قلوب “السادة” على الضعفاء. تنتمي الحالات المذكورة أعلاه، على دائرة فعل البهجة الذي يتمركز فيه النشاط الإنساني ليستثير بهجة أكبر باستجابة “الواسع” لها، استجابة تُرضي الطالب. ولا استثني صلاة الاستسقاء التي يؤديها المسلمون واليهود؛ فالله في معتقداتهما، يرضى، بابتهاج، عن المؤمنين بأنه وحده، الذي يملك القدرة على منحهم البهجة، التي يحصدونها، مع حصاد زرع أخصبته أمطار الله. نكتة: انقطع تيار الكهرباء عن المنطقة التي أسكنها. وتحدثت إلى نفسي: هذا الانقطاع أفقدني البهجة، هل لو استعدتها، يعود التيار الكهربائي إلى السريان؟ قمت بتغيير ملابسي، فجلب لي ذلك إحساس بهيج (يعود للتجديد الذي هو مسمى للحرية)؛ فعاد التيار الكهربائي، ودون فاصل زمني بين عودتي وقيامي بتجديد هيئتي الخارجية التي ابتعثت تجديدا داخليا عندي. “البهجة تبتعث البهجة. والوجودات المتعددة، المنفصلة في صورة الظاهر، ترتبط، على مستوى عميق، بالبهجة، التي تتحرك في حالة، بتحركها في حالة أخرى”. هذه فرضية نبهتني إليها حالة انقطاع وعودة التيار الكهربائي؛ لكن الأخيرة، ليس برهانا على صحتها، حيث يجب أن لا أغفل عن أن التوالي يحدث كثيرا بمحض الصدفة.. ومع ذلك، يجب أن لا نقف جامدين في معرفتنا السابقة. وقد يؤيد فرضيتي، ما نلاحظه من أن الضحك ينتشر بالعدوى. ويؤيدها القول الشعبي: “إضحكْ تضحك لك الدنيا”. وقلت في كتابي “تجليات الأمل – المبادىء: جماعة الواحديين”: “أقبلوا على الحياة ببهجة؛ فإن من يقبل على الحياة ببهجة، تقبل الحياة عليه ببهجة”.

(30) غزة في 10/11/1999: الله=إمكاناتي الوجودية وأفقها المفتوح الحب=الطاقة التي أبدعتني الحب=الطاقة التي تجدد إبداعي الحب هو الأفق المفتوح للإمكانات الوجودية للفرد الحب سبيل البهجة البهجة=تحقق الحب وهي نوره * المسيحية تحمل راية “الله محبة” الإسلام يبشر بالجنة (=البهجة) في حياة “أخرى” دعوة “بهجة الحب”: تفتح مقولة “الله محبة” على “مقولة “جنة بعد الموت”؛ تتجاوز كلا منهما على حدة. وتعيد صياغتهما معا: الجنة (=البهجة) هنا والآن.. والحب ليس هو أعلى الطبقات(=الله) بهجة الحب هي أعلى الطبقات هي الله(=الحرية) في تحققها النوراني * * * توضيح: لم تتقرر مقولة “بهجة الحب” من القصد إلى تجاوز المسيحية والإسلام؛ ولكنها نشأت عندي،في – الأصل – من استنارة عقلية متحررة من “الجاهز سابقا” من المعتقدات.

(31) غزة في 10/11/1999: الناس طبقات أعلاها: المنشغلون ببهجة الحب النورانية عما سواها. أولئك: نور الله (=الحرية) الساطع في الأرض وهم: تجلّي الله (الإنساني) الأكبر الانشغال ببهجة الحب النورانية هو الإيمان بالله هو جنة الله * * * أحبوا مبغضيكم تبتهجوا بهجة الحب تهزم جهالة الشر بهجة الحب تجعلنا أكبر.. تجعلنا سادة الروح: سادة الحرية النورانية * * * بهجة الحب إرادة (إنسانية) : إذا خفتت شعلتها، أوقدها هي فيك أنت.. أنْهِضها تنهض بك اسْقِها ماء النور منك.. تكن نورا فيك وحولك بهجة الحب حريتنا الأجمل حريتنا الأجمل هي نبع بهجة الحب الذي لا ينضب

(32) غزة في 14/11/1999: التحقق ببهجة الحب هو الهدف الأعلى للروح والبهجة مكنوزة فينا فعل البهجة هو الفعل الذي يخلقنا والحرية شرط ضروري للبهجة وكل خلق جديد هو خلق بالحرية ولها والحرية التي ينخلق بها فرد هي الفعل الذي ينطلق في النور وكل خلق جديد هو فعل ينطلق في النور وكل خلق جديد هو فعل للحب وكل فعل للحب هو بهجة الحب عناصر الفرد: حرية+نور (يُنتج وينتج من) حب (يُنتج وينتج من) بهجة الحب * * * بهجتنا فينا ونحن نفقد الوعي بحضورها عندما نخون مبدأ “بهجة الحب” الذي هو مبدأ الخلق لكل فرد، والمبدأ الذي يمنح فعل الخلق المعنى والهدف يستحيل وجودنا إلى تعاسة عندما نخون مبدأ “بهجة الحب” باعتباره المؤسس والمعنى والهدف للفردية ولفعلية الخلق كلها ونحصد شوكا عندما نرهن بهجتنا بانتظار ما يمنحنا الغير (المنغلق على نفسه) منها فالغير له مشروعه الخاص به مثلما لي أنا مشروعي الخاص (الذي ينغلق إذا غاب الإيمان بمبدأ “بهجة الحب” وبالنورانية) وكل واحد مشغول بمشروعه المحدد بوعيه والغير الذي لا يرتقي إلى مستوى بهجة الحب، لا يملك أن يمنح غيره، هذه البهجة وغالبية الغير ليسوا مشغولين بمبدأ “بهجة الح”. فالرهان عليهم، ليكونوا مصدرا لبهجتنا رهان خاسر وانتظار لا ينتهي. إن لدى الآخر القدرة على أن يفتحني على البهجة وعلى المزيد منها إذا قرر ذلك وإذا فعل. وبهجتي تشتعل في أفق النور الذي يمتد في الآخر. ولكن عندما ينغلق في وجهي أفق الآخر، فإن هذا لا يغلق في وجهي أفق النور الداخلي. وأفق النور الداخلي هو الأفق الأصيل لي، وهو ينبوعي المقدس، الذي أمتلك،، أنا وحدي، مفاتيحه. هو أفق خَلْقي المفتوح على فعل الخلق الكبير (الله) . الفرد ينطلق في أفق الله عندما يحرر افقه الخاص بالانطلاق في أفق الله. ومن هذا الموقف الأخير، نستطيع أن نجعل أفق الآخر، أفقا إلهيا لنا.. عندما يتحرر فرد من ظلامية حديِّته، فإنه يحرر رؤيته للآخر من ظلامية الحديِّة.. بهجة الحب تفعل ذلك.. وهي تفعله بطريقة أفضل عندما ترتقي إلى بهجة النور.. وبهجة النور هي حريتنا في الله المطلق بحريته التي تخلقنا.. بهجة النور هي الإيمان بأني حرية الله وأنه حريتي.. هي الإيمان بأن الله هو “الحرية المبتهجة بنورانيتها”

********

(5)

Validating Professional Growth (VPG) Al-Nouraniah (the luminosity) call Love each other.. love delight you.. delight of love illuminate you “Da’wat Al Nouraniah” Al Nourani’s remedy to the mind’s darkness, morals corruption, and the psychological and psychophysical diseases. Dr. Hassan Mai Al Nourani www.alnorani.com alnourani@yahoo.com

I. Analysis of topic: I wrote this document after long journey of education and self-cultivation in many fields, after experience of writing, contemplation and spiritual pray. I also wrote it after practicing spiritual guidance towards others, teaching them how they can go on to gain their Delight Love with moral life and open mind/ heart. Moreover my experiences with my psychological or psychophysical patients contributed to deepen and form what the spiritual epistemological experience led. This last experience passed stages of mental and emotional development. I give up the stage of tradition Islamic belief with its moral and worshiping commitment and moved to stage of philosophical belief of God. This last belief does not agree completely with the belief of Muslims majority. In the philosophical epistemological framework I gave up Al-Wahedia (Monism) philosophy which takes love as a central principle and I converted to Al-Nouraniah (luminosity) philosophy which I offered in this document. My theory owns partially to the family education in an environment of deep innocent love and of courageous morals, generosity and pride. My mother treated her friends spiritually; she moved the disease from the unhealthy to her. Her treatment was simple but with important indications. I own to her by learning “love” principal, which helps me in my treatment which I present to my patients and consulting people. My younger son guided me to believe in the great value of innocent delight. I confess that his love by delightful innocent play is the background to my remedy, which I put it in this sentence: “The love delight is the wisdom jewel and medicine lady”. This statement explains my belief in God as “ delightful freedom by its luminosity” The previous factor led me to put my theory. So, there are many sources, which gave me important ideas, which I crystallized in my theory. The title of my theory is “Al-Nouraniah (the luminosity) call – Love each other, love delight you and delight of love illuminate you”. I want to add an important factor: my belonging to people suffered, and still, from wars whish lost their legislated right in freedom, security and welfare. These wars overthrew peace and justice of their life. This factor stimulated me, from inside, to build a theory calls for general and individual moral, arises from belief in God; I said about him that “The freedom is its material”. The freedom, according to my concept, is one which is put by the high moral principals: the individual and the general. My courageous well knowledge experience made me discover that my nation needs a spiritual revolution save her from the civilizational inactivity which due to the darkness of mind and close of heart. This needed a revolution of “ The love mind” All these factors which become ripe in my mind and heart, are included in my theory and which I wrote it in my document in June 2001. II.Relationship of the document to my discipline: Many sources guide me: some are written and others are experimental. The main references are epistemological and scholarly sources written by different philosophers, thinkers and researchers. But these references are not direct one to what I wrote in the document. It takes me to the light land inside me.. The scholarly sources which contributed in the development of theory witch I wrote it in my document, are many and belong to many parts of human knowledge such as: religion, logic, philosophy, natural sciences, chemistry, agricultural sciences, psychology, history, geography, politics, information, economy, literature, anthropology, spirituals, arts, sports sciences, traditional medicine sciences, alternative medicine, sociology sciences, plant and animal science, Cosmology.. etc. My experimental sources, are contemplative and Sufi ones. One of my experimental sources is the treatment cases of psycho or psychophysical diseases which require the quidance of me. Here is brief about five of written references witch guide Me: 1-Koran: A book before more than 1500 years which Allah (God) inspired to his Arabic prophet Mohamed centuries according to Muslims belief. Mohamed called Arabs and people in general to believe in one God : He has absolute ability, He look like nothing; He was not born and does not beget. He will reward the believers who make good things, because of their belief in Allah and prophecy of Mohamed and will punish the unbelievers after resurrection. Koran is a book of cult and morals and is constitution, which organize the believers life: Socially, politically and economically. Koran has punishments system for Muslims who violate the Islamic taboo, According to Koran or prophet Mohamed instructions. Koran continued to come from heaven during 23 years. Koran starts with verses call for reading by name of Allah. Koran is different from Arabs religions. Koran gave women and slaves new rights. Koran challenged Arabs, people of eloquence, by its “ eloquent language which is considered as inimitability by the Muslims scholars. That because Arabs could not imitate it. Koran believes in the previous prophecies but it criticizes the cults of Christians and Jews, which believe that God has sons of mankind. Koran criticizes the followers of Jesus and Moses who deviates from their prophet’s instructions which Mohammed asserts according to Koran. 2-The New Testament: It includes, the Christ instructions which call Jews, before 20 centuries, to give up moral, religious and social to be Sons of God, the New Testament says that God sent his Son: Jesus to get man free from the original sin which is present with him / her since Adam, according to the religious narrative. The New Testament tells us about the Jews, which made conspiracy against Jesus. The conspiracy succeeded and Jesus was crucified at the same time with two criminals. But Jesus, according to gospels, resurrected after 3 days and moved near his father. The ideas of resurrection and getting man free of the original sin prove that Jesus Call is call to be free (from death and extinction) and to love divinely where God redeemed man by his Son Jesus who was target of crucifixion conspiracy. Jesus confirmed the ideas of freedom and love when he criticized the corruption and dark materiality of Jews of his time, and when he treated spiritually the hopeless cases. Jesus gave hope to the sick man. 3-God in Modern Philosophy By James Danial Collins: The book discusses the main philosophical approaches of God in the modern stage with insisting on the historical trends, which still affect on our contemporary idea about God. The author indicates the relation between the existence of God and nature. He asserts that this relation present a main theme in the majority of modern considerable philosophies. The author discussion arises from his own philosophical viewpoint under the title of: The realistic school of Deity. The book is restricted to the western philosophical thought. 4-The Orient philosophers By A.O.F Tomlen, translated into Arabic by: Abd Al-Hameed Salem: The book presents lifes of great thinkers in the old oriental civilization in Egypt, Iraq, Iran, India, China, Arab peninsula and Sham countries [Palestine, Syria, Lebanon, Jordan]. It reviews their philosophical work. The book is aimed at the western reader to know new ideas. The translator did not translate the chapter of Mohamed because the book is for western readers and Mohamed is not philosopher as the author believes. Moreover the Arab reader does not need to read about something he / she knows well. 5-The psychological health and psychological treatment by Dr. Hamed Zahran: The book includes what the author called: Summary of his readings, researches and experiences in the psychological health field on the levels of education and treatment. The book, in the viewpoint of his author, is scholarly and practical guide which includes the main information of development and prophylaxis, for the psychological treatment, examination and diagnosis, for the psychological curer. My document agrees with epistemological general case tend to adapt to scholarly concept reveals the common origin of being material. That asserts the statement: “ The Being is One but numerous” which is one of my main intellectual ideas,. By it the material and immaterial get united in the activity of absolute entity. What called “Globalization” is a trend needs to achieve the concept: “World is small valley” But this concept need to be formed in the framework of moral theory supported by high human values such as: Good, truth and beauty. At my moment of this writing, I stopped and went out to my office balcony to watch unemployment angry cries and call to participates their citizens the bread. Their call will make nothing unless our local community moves from “ corruption” to “ justice”. This moving needs a spiritual moral call, ,Love and Good will. We need courageous philosophy move us from our darkness to our lightness. This is my philosophy that accord with contemporary trend of realistic spirituality. Others can benefit of my theory if they believe that our utility is in good and in practicing it. Good will not be unless love, justice, dignity, peace, development and freedom are being. On the treatment level others can benefit of my theory if their minds and hearts get full of delightful love and good will to their patients. My theory accepts to reform according to new knowledge in fields of science, sociology and psychology, with experimental and statistical methods. I do not claim that I got perfection but I light a path, which my remedial and cognitive experiment led me. The others experiments will add to my one which I consider it an open as light is open. They will add what will help me and those, who I work to care and bless them. III.The role of document in my professional development: My document served me to form my philosophical belief, and to put it in certain text. Before that , it was scattered through my writings. In this document I limit exactly what is my theory: It put me in front of my mental mirror, I saw my self well and clearly. This theoretical limit gives me a mental means to practice my remedial and guiding experiment. These means need to have feeling and will. These elements are in my theory as formative factors through my theory. Through my remedial practices I get sure that I can present better spiritual treatment for the sticks when I get in luminous emotional case which depend on my mental view, which I limited it in my document. The fullness of love is necessary condition to make luminous treatment for problems and disease of self: The psychological and psychophysical ones. Add to that the moral corruption and intellectual inactivity. Love is spiritual power, which works when we have it mentally and emotionally. This power can move from one to another. I could by having love will to treat paralytic woman arm in one siting, which was long and luminous. At that time I make decision to not leave her (70 years) before I success in my training to help her to regain her freedom: I continue my therapy until the delight shrill went ahead and the spirit of luminous love delight won. IV. Methodology: My therapeutic experience, personal and epistemological experiment played role in stimulate me to form my theory. My approach is contemplative one and the remedial experiment supported its results. I believed more that the psychological disease is case of paralytic imprisonment in narrow and dark circle in a sick mind. This belief happened when I succeed in ten minutes sitting to cure man suffer from rigor in his neck, arms and back. He jumped from the treatment bed and was nearly unbeliever. I do not make important thing by the material standard, but the love spirit has superior ability, which is more than a spiritless cures, ability. When I asked the patient if he advice physical doctors he replayed: yes. I asked him: What is their diagnosis? He replayed: Cartilaginous sliding. After he had restored his physical freedom he said to me: I felt stoned mass in my chest but you crumbled it. This remedial experiment asserts to me the unity of emotional and physical and the unity with the other by love in light: “ I took him to my luminous world”, no, I help him to get back to his luminous material which consist of freedom, love and delight. The case of girl (A, 16 years) gave me method, which I depend in formulating my theory. (A is an old child: has destroying terror, does not speak or laugh, has no natural functions as a female, has no menstruation and has no sensitivity to acupnactuation, biting and sexual excitement. After fifty tiring free long sitting with her, I could prepare her to come back to her school which she stopped to go 6 years ago. Fear drives us to the dark holes and love get us back to our luminous free nature. (A) supported this concept. I say gladly she has favor, so far, by writing this document. On the personal level” Nouraniah” is spiritual power helped me through the most difficult situation in my life. That was in the face of fierce dark repressive aggression. Then I ordered my self to be delightful. I get in luminous prayer and asked the absolute light not to leave me. Its worth mentioning that this experiment cured me of dangerous and mystic disease which I infected by after“ brain clot” disease caused in previous time. This experiment is very important method of my theory. Description of main document theme: The document introduces Al-Nouraniah [the luminous theory} which is call for love on the basis of that love is the source of delight which give us way, mentally and emotionally, to the light which its source is God. The title of document is: “Call for Al-Nouraniah” (the luminosity). The call theme, as it is written under the title, is “Love each other.. Love gives delight… the Love delight illuminate you”. The document starts to assert that “ being, every being, (is) nature desire to delight”. It asserts in three summarized sentences, after the first line, the following:”delight is origin of every being”, “ delight is target of every being” and “ delight is origin of origins and target of targets”. It gets forward in summarized sentences and relates delight to freedom. It considers freedom a light. It locates inside a bigger being: the document describes it “ the free superiority.. Which creates us.. Which is our material”. The free superiority is God: “The spirit which gives us the strength to face darkness of nihilism”. Nourania, according to the document, is “ the belief in Being “which is the free superiority: it locates inside us and is around us, which unites what is inside us by what is around us. This unity release our individual being from its dark limition”. Al-Nouraniah (the luminosity) consists of: Faith, will, love, freedom, beauty, peace, justice, truth, non-self iciness, renewness, dignity, knowledge, leaving injustice… delight… It states: “We are the light material as light is our being material”. The document considers that “Al-Nouraniah (the luminosity) is a philosophical view establishes a new renaissance for human spirit. The human will not achieve this reawakening unless he /she has the renewness will and practicing this will”. It states: “The isolation is deadly disease for human: weather individual and group”. Love, as I think “The medicine of malady”. Al-Nouraniah (the luminosity) is “Call for love delight”. Love delight is “good”. Al-Nouraniah (the luminosity) is method depends on respecting the facts which declare themselves in light. It is “call to be free of every blind who wants to dispossess the human his/her right of delightful freedom by its luminosity” It considers freedom “ the right of rights absolutely”. It gives the human freedom divine depth when it describes God as “the delightful freedom by its luminosity” and it states: “Freedom (is) God material”. It states: “Love delight is our freedom” and “our delightful freedom is our luminosity”. The document describe Al-Nouraniah (the luminosity) as “the good call when the ignorance and evil get excessive, then the blindness prevails and life loses its meaning”. It states, “The delightful freedom by its luminosity is the original meaning of life”. I think “ hill” is the contrary life to the original meaning of life”, and paradise is “the delightful freedom by its luminosity which is created by delightful consciousness by love”. After this theoretical rooting of Al-Nouraniah (the luminosity), the document moved to the behavioral side to guide behavior to what the theory aim to achieve .It is a behavioral and missionary theory in its practical side. The document states: “Let us go on” and “let us make our decision … we will be delightful when we decide to do that honestly and with believed will… let us experience”. My theory does not fear experimentation and supposes means to make it. That will make the theoretical principles a behavior method, which will achieve the targets on the group and individual levels. The experimental side of document concentrates on applying Nouraniah (the luminous) morals which are the structural elements. It stimulates us to be optimistic and love every beautiful and ugly. It wants us to deal with time as an “open moment on what wider than it”. It limits its remedial means of individual and all in the following statement: “Love delight is a wisdom jewel and medicine lady”. It adds: “Come daughters and sons of my mothers, by love delight to go on: to build for us… for all of us.. The most beautiful country.. in light the country will be the most beautiful”. It describes love delight as “the purer and most important good, the meaning of good and the first and last of it”. The document deepen its view by describing God as “effective truth in the consciousness”, “beingness depending on his natural face” and “the delightful freedom by its luminosity depending on his human face”. It sees man “on the natural level is limited beingness of absolute beingness (=the God). Man on the spiritual level is conscious Beingness by the delightful freedom by its luminosity”. According to that the document make Wahidiah (monisitic) Nouraniah (luminous) relation between God and human. It states: “Freedom unites the divine by the human”. Depending on “freedom is the open prayer between human freedom and God freedom” It goes deepen when it asserts the unity of spiritual and natural in existence. It states: “Al-Nouraniah (the luminosity) unites natural with spiritual, according to concept makes Beingness (=God) creates free human, no slave” Subsequently the theory rejects the concept, which makes wo/men slaves for God. But the free human “do not maltreat to her/his self or others” It describes the “Nouraniah (luminous) consciousness” which come of believing in Al-Nouraniah (the luminosity) as a means which “makes the open human with Nourani (luminous) consciousness spiritual and natural “.According to that Al-Nouraniah (the luminosity) is theory unites the spiritual and natural”. The document describes Al-Nouraniah (the luminosity) as path to God: “By delightful freedom by its luminosity we go into God who is the delightful freedom by its luminosity”. It sees that “the delightful love by Al-Nouraniah (the luminosity) is the top of morals” It asserts that “it gives human dignity which comes from his/her bileif in Al-Nouraniah (the luminosity). This belief originates from mental consciousness and delightful will. Human has his dignity when he “gets free of illusions which is not due to luminous free consciousness”. Al-Nouraniah (the luminosity) broadens its horizon when it states:“Al-Nouraniah (the luminosity)is call to create world of light”. World of light is world of truths. Al-Nouraniah (the luminosity) reveals the truths as beautiful things which the short-sighteds see them ugly. Al-Nouraniah (the luminosity) “faces the aggression” but the document does not mention aggressors. It talks about aggression case originated from ”the inactivity of ignorant hatred”. The document comes back to call: “Get delightful to be luminous.. When you awake move freedom in the light of morning , your arms, back and legs by freedom of new innocence… let your heart smile then your blood, eyes, hand, face and mind smile…then the delight will be”. It assures that every one deals with life delightfully the life deals with him/her delightful. It guides us to tolerance morals, the moral beauty, the productive work, the self-safety, poise, spirit elegance, doing good, honesty, interior openness and delight, filling the chest with pure air and optimism and wiliness. The document concludes with a prophetic statement: “shrills, wo/men.. The glory of human arises” The document is summarized. It a summary of long behavioral epistemological experiment. My theory description, here, is not sufficient to explain the theory completely. To get complete knowledge, you have to read it deeply to understand its meanings and its attitudes towards human causes, which I hinted. The document is brief. It needs more explaining. V. Future growth and extension of my document: In world with quick bold changes, in sciences and communications fields and thought in general, the contemporary human movement needs to a fundamental moral standard keeps the old dream in progress toward what is more beautiful. The freedom is condition to get progressive towards what is more beautiful. Delight, in my theory, is stipulated by freedom as it’s stipulated by love. What humanity sees of fundamental changes of concepts and means, is liberated action. This action may achieve targets harms the human. Freedom leads to destruction as it leads to build more beautiful world. My theory committed the freedom to keep free trend toward, achieving more beautiful world. God, by his denotation, connotation and substance, which the human history creates, is still an idea able to occupy the essence of human innermost of the act power and of his /her guiding means. But that is stipulated by reforming God concept to accord with the stage requirement of quick bold changes. Freedom is God material, he is “the delightful freedom by its luminosity, He is our individual being material. This God, in the concept of Al-Nouraniah (the luminosity) is the target to guide the contemporary human freedom, which reveals its self through the quick bold changes by making future world more beautiful one. By delightful love by light, our world, general and personal, will be better world. But this world will not give sins by lazy wishes: my call, in the document, needs mechanisms to make its moral. values reality. These values will make the delightful love by light an actual life for the suppressed, patients, poors and ignorants which fill the world. On the other hand the delightful love by freedom light is the redemption path in the front of those who left them selves surrender to power of devil. This power fights love, freedom, beauty, peace, justice, dignity, productive world, delight and prayer to God who delights by our delight. Those who surrended imagine that they delight by selfishness and aggression on others right in freedom. They lose their freedom, which can make them more beautiful entities. They at the last, targets of evil devil. When the human movement realized its sieging in the area of “destroying freedom”, the light power, which creates us will burst a new spiritual revolt. My document wishes to be light point calls the world for creating new consciousness and new behavior: The document calls them Al-Nouraniah (the luminosity). I do not claim I make great new break through, but I think that my world needs a theory, inspired by the human history, to correct our corruption. On the local society level, my call for Al-Nouraniah (the luminosity) is call for “country in light”. We, here, in Palestine still away from this “country of light”. To achieve this target or to approach it we need firstly to get free of our belief in death philosophy. Both of Palestinian and Jewish people, who live in Palestine land, practically believe in death cult. Death in one of its forms is freezing the consciousness in previous history. We, here do not make this freezing only but we also make it deadly arm kills the childhood delight, the mothers and fathers and young wo/men. Al-Nouraniah (the luminosity) dreams to start its spiritual revolution from Palestine: that because of its historical relation with prophecy. Jesus was a prominent symbol for this prophecy. But this dream needs a movemental struggle to make it reality. This struggle can give the development possibilities to my call. So far I content with my theory guiding in my remedial practices. That is a mere beginning. I wish my document becomes a constitution regulates the human social life on the world level. It will not be an inactive law: the freedom is an essential factor of it. By the favor of this essential factor I cannot accept to make my document a closed undevelopable text. I hope that my document moves to other stages adopt the renewness and activate it. This renewal act is the evidence that my concepts are important in particular the freedom on the divine and human levels. But I think any renewness will not change my belief that Al-Noraniah (the luminous) love delight is the highest target for human consciousness and behavior. But Al-Nouraniah (the luminous) love delight is not different thing from freedom, which aims at achieving more beautiful world. The alternative cult will be a closed one: carries death inside it. As to my document it carries, in the light, call for more beautiful world. References: I benefit from many sources spiritually and intellectually but here I will mention some of them only: First: 1-Koran. 2-The New Testament. 3-The Old Testament. Second: 1-Abd Al-Wahab, Momtaz, The anxiety and depression, Cairo, Al-Hilal publishing house, 2001. 2-Al-Hababi, Mohamad Abd –Al-Aziz, From liberities to freedom, Cairo, Al-Maaref puplishing house, undated. 3-Ali, Jawad, The details of Arab history before Islam, Beirut, Al-Elm publishing house, 1977. 4-Al-Kholi, Yomna Taref, The science philosophy in the twentieth century, Kuwait, Aalam Al-Marifa.2000. 5-Al-Nashar, Ali and other, Heraclitus, Cairo, Al-maaref publishing house, 1969. 6-Al_Nourani, Hassan Mai, Religious view of Israeli state Amman,Al-forkan publishing house,1985. 7-Al-Nourani, Hassan Mai, The activity of Moslem, Sanaa, special publishing 1991. 8-Al-Nourani, Hassan Mai, The awaking of original, Sanaa, special publishing, 1992. 9-Al- Nourani, Hassan Mai, Marxism loses its way, Sanaa, special publishing 1992. 10-Al-Nourani, Hassan Mai,Oh.. my father, Sanna, special publishing, 1993. 11-Al-Nourani, Hassan Mai, Al-Wahediin (The monists) group: the principles, Sanaa, special publishing 1994. 12-Al-Nourani, Hassan Mai, The Zeroness of Being, Sanaa, special publishing, 1995. 13-Al-Nourani, Hassan Mai, Sharpened criticism, Sanaa, special publishing 1995. 14-Al-Nourani,Hassan Mai, Law of love, lecture, Amman, 1995. 15-Al-Nourani, Hassan Mai, Quarters of Islamic sex, manuscript, 1996. 16-Al-Nourani, Hassan Mai, the Mohammedian prophecy, manuscript, 1996. 17-Al-Nourani, Hassan Mai, The Beingness, manuscript, 1986. 18-Al-Nourani, Hassan Mai, Al-Nouraniah (The luminosity), manuscript, 1996. 19-Al-Nourani, Hassan Mai, Prayer between your arms, manuscript, 1996. 20-Al-Nourani, Hassan Mai, The light has country so to be this country, manuscript,1997. 21-Al-Nourani, Hassan Mai, You ask me: “ What is justice? What is freedom? manuscript, 1997. 22-Al-Nourani,Hassan Mai, Samah (novel), manuscript, 2000. 23-Al- Nourani, Hassan Mai, The love is over, (collection of poems) manuscript, 2000. 24-Al-Nourani, Hassan Mai, Many essays, some are published in journals and magazines and some are manuscripts. 25-Al-Shaebani, Omar Mohhmed, The development of educational ideas and theories, Tarablus, Libya, 1977. 26-Al-Shahawi, Magdi Mohamed, The divine treatment for magic and the devil mania, Cairo, Al-Koran library, undated. 27-Al-Sharkawy, Hassan, In the prophetic psychological medicine, Alexandria, Al-Matboat Al-Jadida publishing house, undated. 28-Bachelard, Caston, The structure of scholarly mind, translated into Arabic by Khalil Ahmed khalil, Beirut, Al-Jam On his human face On his human face aia institution, 1981. 29-Bascom, Williams and others, The African culture, translated into Arabic by Abd Al-Malik Al-Nashif, Cairo, Franklin instituation, 1966. 30-Collins, Danial, God in modern philosophy, translated by Foud Kamel, Cairo, Franklin institution, 1973. 31-Carreto, Carlo, In search of the beyond, translated by Sarah fawcett, New york, Orbis book , 1967. 32-Frankfort, and others, Before philosophy, translated into Arabic by Jabra Ibrahim Jabra, Beirut Al-Arabia institution, 1982. 33-Ibrahim, Zakarya, Kant, Cairo, maser library, undated. 34-Ibn Al-Jawzy, Abd Al-Rahman, The spiritual medicine, Al-Mansora (Egypt), Iman library, undated 35-Johary, Tantawi, The spirits, Cairo, Al-Nahda Al-Arabia publishing house,1977. 36-Hirst, Paul and others, Globalization in question, translated into Arabic by Faleh abd Al-Jabar, Kuwait, Aalem Al-maarefa, 2001. 37-Kaku, Michio, Vision, London, Oxford University 1998 38-Karnegi, Del, How to earn friends? Translated into Arabic by Abd Al- Monam Al-Zayeay, Cairo, Al-Khangi library, 1951. 39-Karnegi, Del, Let the anxiety aside and start to live, Cairo , al Khangi library 1980. 40-Khalil, Khalil Ahmed, The future of Arabic philosophy, Beirut, Al-Jamaia institution for publishing, 1981. 41-Lewis, John, Anthropology, London, W.H. Allen , 1969. 42-Mahmood, Zaki Najeb, Values of tradition, Cairo Al-shorok puplishing house 1984 43-Mayer, Ernest, This is biology, London, Harvard university press, 1997. 44-Mounis, Hussein, Islam world, Cairo, Almaaref publishing house, 1973. 45-Raik, Theodor, Love between desire and ego,translated into Arabic by Thair Adib, Lathikia, Syria, Al-Hewar publishing house ,1992. 46-Russell, Bertrand, The history of Western philosophy, translated into Arabic by Mohamed Fathi Al-Shanti, Cairo, The Egyptian Public Body of Book, 1977. 47-Samaha, Riad Mohamad, The curers guide by Koran kareem, Kaleet, Egypt, special publishing1996. 48-Sperling , Abraham, Psychology, London, W.H.Allen, 1967. 49-Tomlen, A.O.F, The Oreint philosophers, translated into Arabic by Abd Al-Hammed Salem, Cairo, Al-Maaref publishing house, undated. 50-Wells, H.G. The outline of history, translated into Arabic by Abd Al-Aziz Jawid Cairo committee of writing, Translating and publishing 1967. 51-Zahran, Hamid Abd-Alsalam, The psychological health and the psychological remedy, Cairo, Aalem Al-Kotob, 1978. 52- Zrig, Kostantin, The demands of Arabic future, Beirut, Al-Elm lelmalaeen publishing house, 1983.

******** (6)

الوجود مفتوح والحقيقة مفتوحة حوار العقل المحب • لم يسجل تاريخ الإنسانية أن أيا من الناس امتلك الحقيقة امتلاكا تاما • الوجود في حركة متجددة لم يصل إلى نهايته في أية لحظة سابقة؛ وليس من طبيعة الوجود ما يسمح لنا بافتراض أنه سيصل في لحظة قادمة إلى نهايته. الوجود يتحول من شأن إلى شأن لكنه لم ولن ينقطع عن استمرار تحولاته • وما دام الوجود مفتوحا كل آن على شأن جديد؛ فستظل الحقيقة مفتوحة على التجدد وعلى التحول من شأن إلى شأن • وإذا كان في الوجود صفة يجدر بنا أن نقول هذه هي “الحقيقة” فهي لا شيء هي سوى أن الوجود في تحول مستمر من شأن إلى شأن • هذه قاعدة أساسية للحوار بين الناس.. فإذا دخل أحدنا الحوار على أرضية بلا أفق مفتوح من الحرية، فهو يدخل الحوار لا ليكشف بالحوار عن مساحات أخرى وراء المساحة التي يقف عليها؛ ولكنه يدخل الحوار وهو معصوب العينين ويحسب أن ما في رأسه من عقيدة هي العقيدة الحق أحقية تامة (مغلقة!) التي يجدر به وبالناس جميعا معه أن يرفعوا راية الجهاد في سبيلها وأن يتقدموا للشهادة في سبيلها؛ فمن لم يفعل ذلك فهو “الكافر” الذي لا مكان له غير جحيم نار تتلظى به وبأمثاله ولا تشبع • في الحوار.. يقف المتحاورون كل على أرضه.. لكنهم يقفون مفتوحي العقول ومفتوحي القلوب في وقت واحد.. هذه قاعدة أساسية أخرى من قواعد الحوار بين أهل العقل المحب.. • بلا عقل محب ينجر الحوار إلى مستويات ينأى أهل العقل المحب عن الانحدار إليها.. • ذو العقل المحب يستنكف عن الخوض في الوحل مع السفهاء • ذو العقل المحب لا يقول إن “بضاعتي” هي “البضاعة” التي كل ما عداها فاسد • ذو العقل المحب يقول هذا ما أحسب أنه الصائب من الأفكار ولكنني على يقين من أنني لست أنا وحدي من يملك الحقيقة كلها ولكنني أحسب أنني أملك شيئا منها • ذو العقل المحب يحب الحقيقة ويحب الناس وغير الناس أيضا • ذو العقل المحب كريم متسام كبير متسامح لا يسب ولا يسقط في رذيلة السباب • يفتح الحب عالم الواحد منا الوجداني على العالم الوجداني للآخر • في أجواء الانفتاح الوجداني يمتلك العقل حرية التحرك بين المساحات.. بهذه الحرية يصبح الحوار أجمل وأجدى ويحقق غايته • العقلانية المحبة منهج للمعرفة الأجمل والأجدى (= المعرفة النورانية) • المعرفة الأجدى والأجمل معرفة حقيقية.. المعرفة الحقيقية اكتشاف للحقائق الواقعة ما بعد حدودنا المعرفية الراهنة وما بعد مواقفنا (الوجدانية والعقلية) المحكومة بالمعرفة الراهنة • المعرفة النورانية (الأجمل والأجدى) هي المعرفة التي توسع قلوبنا وعقولنا فنتحرر بهذه الواسعية من جهلنا ومن جمودنا • بحرية العقل المحب ننطلق في الآفاق المترامية فيما بعد معارفنا ومواقفنا الراهنة • حرية العقل المحب (حرية المعرفة النورانية) تداوي مرض الجمود المعرفي والسلوكي الذي يصيب الإنسان المنغلق في دائرة موروثه الثقافي المعرفي والعقيدي والعملي.. هذا المرض يعيق التقدم الروحي القلبي العقلي الحركي.. هذا المرض هو عدو الإنسانية الأخطر.. هو قاتل الحضارات • حرية العقل المحب هي أداة تجديد الحياة الإنسانية.. هي القوة التي تجدد الحضارات الراكدة • حرية العقل المحب هي روح الإنسان وروح المجتمع • حرية العقل المحب هي قوة إرادة الخير • هي مبدعة التقدم • فيها كرامة الإنسان.. ليس للإنسان كرامة إذا فقد حريته.. والحرية الإنسانية في جوهرها هي حرية الروح النورانية • في النور وحده نحيا بكرامة • وإذا جرى الحوار في النور.. كان لكرامة الإنسان طريقا —————— دير البلح – غزة – فلسطين 3/01/03

******** (7)

فلسفة الخير الله مبتهج ولا يكون غير مبتهج لأن الله هو الذي “الحرية مادته” وصفة مادة الحرية هي البهجة ومن كانت الحرية مادته فهو مبتهج بالحرية الحر لا يكون إلا مبتهجا والحر حرية مطلقة (الله) يكون مبتهجا بهجة مطلقة الحرية مادة الله والبهجة معناه الله حرية مبتهجة بذاتها وكون الله حرية مبتهجة ينفي عن ماديته محدوديتها التي هي (المحدودية) شرط الظلامية مادية الله (الحرية) منطلقة (= متحررة من شرط الظلامية) في حرية النورانية الله نوراني مبتهج بالحرية التي هي هو وهو هي الله بريء من شائبة الظلامية براءة مطلقة بحكم أنه حر حرية مطلقة يكون بها أكبر دائما (الله أكبر) من كل محدودية المحدودية بذاتها من حرية الله التي نعيها بالعقل النوراني المتحرر من مفاهيم الظلاميات الإنسان كيانية محدودة يمكنها أن تنفلت من محدوديتها انفلاتا روحيا بالوعي النوراني المبتهج بالحرية (بالإيمان بالله الأكبر الذي يخلق بمبدأ أنه أكبر) الإيمان بالله هو الامتلاء بوعي نوراني بخيال وتحقق نوراني من نورانية الله. الله كما وصفه النبي محمد بعد رحلة الإسراء والمعراج هو نوراني (قال النبي ردا على سؤال: كيف وجدت ربك؟ أجاب: وجدته نورانيا) وتجربة الإسراء والمعراج هي خيال روحي متحقق واقعيا بالإيمان بالله الأكبر من كل شيء

الخير والشر الخير هو البهجة الإلهية بالحرية النورانية (الله) والشر هو المحدودية المغلولة بالظلامية (الشيطان)

بالإرادة نستحضر البهجة البهجة قوة الله التي تخلق ذاتيتنا الجوهرية إنها فينا ونستطيع استدعاءها من أعماقنا ودون مؤثر خارجي إذا أردنا استدعاءها في المقابل لا نستطيع استدعاء حالة اللا بهجة استدعاء ذاتيا لأن هذه الحالة دخيلة على معنى وجودنا ولأنه لا حقيقة لها في ذاتها واللا بهجة هي غياب إرادة البهجة أوهي غفلتنا عن حقيقة أن البهجة هي روح فعل الخلق التي هي إلهية اللابهجة شيطانية ذات وجود سلبي تصيبنا اللابهجة (وأفراد عائلتها من الأمراض النفسية) عندما نفقد إرادة الوجود الإيجابي تعود أسباب الأمراض النفسية إلى عجزنا عن الاحتفاظ بموقف إيجابي روحي تجاه ما يعترض حريتنا المبتهجة الخيِّرة اللابهجة هي سبب الأمراض النفسية لأن النفس في حالة اللابهجة تدخل في صراع ضد حقيقتها الإلهية (البهجة المبتهجة بحريتها النورانية) المرض النفسي هو الوقوع في ظلامية أغلال المحدودية أي هو فقدان الإنسان لحريته النورانية المبتهجة ويفقد الإنسان حريته النورانية المبتهجة إذا استسلم لإرادة الشيطان (حالة اللابهجة الكارهة العادمة) وإرادة الشيطان تقوم في ذاتنا وفي العالم من حولنا وهي في قيامها وجود سلبي نملك القدرة الروحية على التحرر منه باستدعائنا للبهجة (النورانية المحبة) استدعاء إراديا مؤمنا بوعي عقلي منفتح بالحب النوراني بأن الوجود الإنساني وجود يعود إلى وجود الله المطلق بحريته المبتهجة النورانية ونحن عندما نمتلك الحب النوراني بالوعي العقلي المنفتح نكون قد امتلكنا قوة الله المطلق بحريته النورانية المبتهجة بحريتها النورانية وعندما نمتلك هذه القوة نمتلك إرادة الانتصار ضد حالة اللابهجة (الشيطان الداخلي والخارجي) ونمتلك البهجة أيضا لأننا نسترجع حقيقة كينونتنا الإلهية الخيرة الله المتحقق بالخير يهزم الشيطان لأن الله والخير وجود إيجابي والشيطان (الشر) وجود سلبي والوجود الإيجابي وجود حقيقي والوجود الشيطاني وجود يقوم إذا تخاذلت إرادة الإنسان عن مواجهته بالحب المبتهج بالنورانية الحرية وجود خير لأنها من الله طالما ظلت حرية مبتهجة بنورانيتها اللا حرية (سلب الآخر حقه في الحرية الخيِّرة) وجود شيطاني وافتقاد الحرية الخيِّرة هو سبب حصول الأمراض النفسية التي هي تعبير عن الاحتجاج على فقدان الحق الأصلي (الحرية النورانية المبتهجة = حق الحقوق) في البهجة المحبة النورانية البهجة بالموضوع الخارجي والبهجة المرتبطة بالموضوعات (الخارجية) هي بهجة أصيلة لأنها من ذاتية الموضوعات الإهية وهي عندما تفتحنا على بهجتنا الذاتية فإنها تمنحنا بهجة تنطلق في أفق من حرية انفتاح الذاتي (الداخل) على الموضوعي (الخارج) كلما زادت حريتنا المنفتحة بالحب زادت بهجتنا وعندما نبتهج بالآخر فإن هذا يكون بسبب أن هذه البهجة هي تحقق للحب الذي هو حرية الانطلاق من محدوديتنا الكيانية (الخروج من ظلامية المحدودية إلى نور الأكبر) لكن الخطر الذي يتهدد بهجة الموضوع يأتي من كون الموضوع ذا طبيعة محدودة وانغلاقية وفيها قصور يتقدم للواجهة عندما تغيب إرادة البهجة من ساحته يأتي الخطر من أننا لا نملك إرادة البهجة للموضوع بالنيابة عنه لأن إرادة البهجة إرادة ذاتية ولا يستطيع إنسان أن يبتهج دون أن يملك هو شروط وإرادة البهجة فإذا وقع الموضوع في محدودية اللابهجة فإن أنانيته المغلقة ستحكم علاقته بالآخر وستجعل من هذه العلاقة علاقة لاحب الأنانية المنغلقة هي علاقة خالية من الحب للآخر ومن يفقد الحب لا يستطيع أن يمنح البهجة النورانية لا لنفسه ولا لغيره الحب علاقة اجتماعية فيها طرف موضوعي، إذا غابت إرادة الحب من الموضوع، لم يعد الحب بيئة، ولن يكون في الإمكان جعل هذه البيئة بيئة بهجة مرتبطة بالموضوع إلا بشرط واحد هو العودة بالبهجة إلى ينبوعها الذاتي البهجة الذاتية النابعة من الإرادة الذاتية النورانية متحررة من احتمال وقوعها فريسة خطر يتهددها من موضوع (خارجي) البهجة الذاتية قرار تتخذه الأنا المنفتحة على طبيعة الحرية التي أبدعتها البهجة الذاتية إرادة الأنا الواعية بأنها خلق البهجة المطلقة هذا الوعي المعرفي هو النور الذي تكشف إرادة الوعي عنه الوعي المعرفي بالبهجة المطلقة وبأننا خلق لها، الذي يبدع إرادة البهجة يتقدم في بيئة نورانية نحو حرية مبتهجة نستغرق بها في نور ذاتي مفتوح على نور مطلق بالنور المطلق ذاته النكوص عن التقدم في البيئة النورانية خطر يهدد بهجتنا الذاتية ومواجهة هذا الخطر إرادة ذاتية لا ترتبط بإرادة موضوع لا يحوز الوعي المعرفي النوراني بما يجعله عدميا مصنوعا من مادة الظلامية (الشيطان) التي تعتدي علينا لتسلبنا البهجة وإيماننا بحق البهجة بالبهجة الذاتية المتحررة من الموضوعات (البهجة البريئة) نستطيع أن نصد ظلامية الشيطان وأظلم الظلامية ظلاميتنا الخاصة المستبدة بنا وأنور النور بهجة لا غرض لها وهي بهجة الله الذي لا يفعل لغرض وهي بهجة البراءة التي تعيدنا إلى طفولة نورانية فيها يتحقق المعنى من وجودنا وأبهج البهجة هي البهجة التي تتحرر من الإحساس بها لأنها بذلك تتحرر من كل شائبة ومن كل حد (كل ظلامية) فتكون نورانية نوارنية مطلقة قد يحاول الشيطان قهرنا وهزيمتنا ونحن نتصدى له، ولكننا قادرون بالمجاهدة المبتهجة بالحب النوراني المنفتح على نورانية الله (الخير) أن نبدد ظلاميتنا الداخلية أو الشيطان الذي يجري في عروقنا مجرى الدم كما يقول أثر نبوي محمدي

البهجة الذاتية هي حرية نورانية بها نمتلئ بالإلهية التي هي الحرية النورانية وبالحرية النورانية نهزم الشيطان الذي في دمنا الشيطان في دمنا (تكويننا) لأننا كيانات محدودة غير مطلقة والشيطانية تأتي من كيانيتنا (طبيعتنا) المحدودة الحرية النورانية روح نواجه بها طبيعتنا المحدودة الحرية النورانية هي طبيعتنا الروحية بالطبيعة الروحية (المتوسعة بالانفتاح) نهزم الطبيعة المحدودة (الضيقة) ليست الهزيمة هنا إلغاء للمهزوم.. إنها تحرير له من ضيقيته إنها انتصار لمبدأ الانفتاح (الحب) هذا انتصار نسجله أيضا عندما نواجه شيطانية موضوع عندما نتعاطى مع شيطانية موضوع (شر) بالبهجة النورانية فإننا نهزم الشر لا بمعنى محو الموضوع الذي يأتي الشر بمصاحبته، ولكن بمعنى تحرير الموضوع من مصاحبة الشر له البهجة النورانية تتنتصر للخير، ومن طبيعة الخير أنه انفتاح روحي في بيئة من بهجة الحب التحقق بالبهجة النورانية انتصار على ظلامية الشر التحقق بالبهجة النورانية خير مطلق (إلهي) متحرر من عدوانية الأنا وجهلها وظلاميتها التحقق بالبهجة النورانية هو تحقق بالوعي المعرفي والسلام والنور البهجة (بهجة الحب النوراني) هي الأصل والحقيقة ومن يخالف الأصل والحقيقة يشقى في نار الباطل والهلاك

يعود الصراع في الحياة بين الخير والشر إلى أننا ” لم نكن” الحياة صراع بين ” نكن” و” لم نكن” الأصل: ” لم نكن” كفرد النهاية: ” لن نكن” كفرد لكن ” لم نكن” كانت في كينونة مطلقة و ” لن نكن” تنقلنا للكينونة المطلقة من جديد الوجود المطلق باق مستمر بفعليته النشطة في الأفق ما بين ” لم أكن” و ” لن أكن” الفرد منا ” لم يكن” و ” لن يكن” كينونة مادية (محدودة) الكينونة المادية تفنى أما اليكونية المطلقة فهي سرمدية وكينونتنا المادية (المحدودة) هي من يكونية مستمرة (روحية= حرية الله المبتهجة) الفرد منا كينونة مادية (محدودة) أصلها يكونية (روحية) يفنى المحدود بالموت لكن الموت لا يفني المطلق (الروحي) ” نكن” مادية من جهة محدوديتها وروحية من جهة مطلقيتها المطلقية تستغرق وجود المادية والروحية أيضا من جهة أن الروحية تقابل المادية (مقابلة اصطلاحية لا تنفي وحدتهما الواقعية) المطلقية واحدة وحدة مطلقة في المطلقية (التحقق السرمدي بالحرية) لا مادية ولا روحية الشر لا يغلب الروحي لأن الروحي جيش المطلقية وهي تفتح ذاتها بذاتها على ذاتها وتبدع كيانا جديدا ” لم يكن” و ” لن يكن” شر لكنه شر يذوب في الروحية المطلقة (الحرية المبتهجة بنورانيتها) هو شر من جهة أنه يفني الفردية ولكنه في الجوهر خير لأنه يمنح للحرية المطلقة فرصة جديدة لإبداع خلق جديد هو خير لأنه شرط استمرار حرية الإله التي هي مصدر حقنا في الحرية عندما نواجه ” لم/ لن نكن” بالروحية المطلقة نكون أكبر من الشر (الله أكبر) وسنهزمه لأن الروحية المطلقة أكبر من ” لم/ لن نكن” ” لم/ لن نكن” كيانات مادية من أصل روحي أي: ” لم/ لن نكن” كيانات مغلقة من أصل منفتح المادية هي الانغلاق على الذات الموت السابق واللاحق هو انغلاق بدرجة صفر ولأن الوجود صفري (صفر مطلق ينتج باستمرار أصفارا – شرحت ذلك في: نظرية الصفرية) فالانغلاق بدرجة صفر (الموت) حقيقة قوية بقوة وجوديتها لذا ” لم/ لن نكن” حقيقة أقوى من أن نغلبها (يبقى احتمال أن نغلب الموت قائما من جهة أن الوجود مفتوح على إمكانيات لم تتحقق حتى الآن) و ” لم نكن” و” لن نكن” زمانان يحصران بينهما الفردي فيكون محدودا بينهما ولكنه مطلق فيما هو أكبر (الله) المحدود يفنى والمطلق يعود للمطلق ولا يتميز فيه تميزا فرديا بذاته المطلق حرية تبدع ذاتها دائما في يكونات متجددة تعود إليه بخبرة وجودية تبدع المطلق أيضا وهو منخرط في إبداع الأصفار الجديدة اليكون المحدد يعود للمطلق باعتباره خبرة جديدة لا بمعنى أنه غاب عن المطلق فالمطلق (الصفر المطلق) محيط بالكل فردا فردا حرية المطلق تبدع يكونات جديدة بعد الموت، نساهم في إبداع الخلق ليس بفرديتنا المحدودة ولكن بمشاركة روحيتنا (الفردية) في الروحية المطلقة ولا تكرار فردي في الوجود الوجود يتجدد بالفردية المتجددة لنا دور على مستويين: في الحياة الخاصة بكل منا – تعزيز الروحية التي ننتصر بها على الشر والتي نحصدها لحسابنا الخاص (الفردي) بالبهجة (بهجة الحب النوراني) – تعزيز الروحية المطلقة (المجتمع النوراني صورة لها أو هو الصورة الإنسانية لها) بما نزرعه بانتصارنا على الشر إذن عندما نفعل الخير فإننا نفعله لنا وللمطلق (المجتمع = صورة التحقق الإنساني للمطلق) ولأن في العالم شر فنحن بحاجة ماسة إلى سلاح البهجة النورانية (بهجة الحب) لنواجه بها الشر ونتغلب عليه

********

(8)

في نظريتي العلاجية النفسي مرتبط بالجسدي النفسي والجسدي موضوعان (مادتان) للروح استعادة الكيانية الإنسانية لروحيتها = استعادتها لحريتها الحرية هي الوضع السليم الذي معه يكون الجسد سليما والنفس سليمة والعكس بالعكس البيئة الداخلية (نظام غذائي صحي مناسب يزود بالطاقة) والبيئة الخارجية (المجتمع باعتباره أفقا للروح) هما بيئتان يعمل فيما الكيان البشري (المادي النفسي) ويمارس حريته في علاجي يتم معالجة النفسي والجسدي معا بمنهج روحي ينصب على المادي وعلى المعنوي معا وعلى حضوره البيئي أداة العلاج: الإرادة الروحية (أريد أن أشفي) مصحوبة بالحركة الجسدية غاية العلاج: تحرير الحالة المرضية من الربط الجسدي النفسي التي هي ضحية له سيكون هناك مقاومة (من: قوة المادة = المحدودية = الشر) يجب التغلب عليها (بـ: إرادة الروح وقوتها = بهجة الحب النوراني = الخير) دير البلح – غزة – فلسطين 8/12/2002

********

(9)

الله = بهجة الحب • البهجة هي الغاية التي تسعى إليه كل حياة.. وهي غاية لا غاية بعدها • البهجة هي الله والله حقيقة الوجود الواقعة وهو روح الحقيقة • والبهجة شعور بالحب • والبهجة لا تنفك عن الحرية • الحرية طبيعة الله وطبيعة كل كائن • والبهجة هي تحرر الطبيعة من كل قيد يقيد طبيعتها • بالحب تتحرر الطبيعة من كل ما يقيد طبيعتها • وتحرر الطبيعة من كل ما يقيد طبيعتها هو حركة نورانية يمارس بها حريته النورانية • النور مادة الطبيعة • حرية الطبيعة هي روح الطبيعة • النور هو روح الطبيعة • الحرية النورانية هي حرية روح الطبيعة • الحرية النورانية هي البهجة في أكبر وأجمل حقيقتها • بهجة الحرية النورانية هي الجنة • بهجة الحرية النورانية تخلق جنتنا هنا والآن • هذه الجنة هي الغاية التي تجاهد روح الحب وإرادة الخير في سبيلها • هذه الجنة نخلقها فتكون ذات بداية وتكون ذات استمرار إذا كانت إرادة الخير ذات استمرار أيضا • للجنة زمان هو زمان إرادة الخير • وإرادة الخير هي فعل الحب وهي بهجة الحب • وإرادة الخير هي إرادة الله • والله هو البهجة النورانية • الله هو الحرية المبتهجة بنورانيتها • إرادة الله فعل لا ينقطع له وجود لأن الله وجود لا ينقطع • زمان الجنة يدوم بدوام انفتاح الإنسان على الله الذي هو (الله) الحرية المبتهجة بنورانيتها • يخلق الإنسان جنته إذا انفتح على الحرية المبتهجة بنورانيتها انفتاحا يكون الإنسان به حرية مبتهجة بنورانيتها أيضا • الجنة خيال يملك إمكان التحول إلى حقيقة ذات استمرار يفوق الموت إذا تحولت إرادة الخير من حالة الخيال إلى حالة الواقع وإذا انطلق الفعل الإنساني فتحرر من ظلامة القيود وانطلق في الحرية المبتهجة بنورانيتها • والحب هو قانون الحرية المبتهجة بنورانيتها • والحب نماء • والحب عدل • والحب كرامة • والحب بهجة • والله بهجة الحب • والذي يؤمن بالله الذي هو بهجة الحب هو المؤمن 25/9/2003 دير البلح – غزة – فلسطين

********

(10)

النورانية حبٌّ مبتهج يعيش النوراني ممتلئاً بنشوة النصر.. نصر النوراني ليس هزيمة لآخر.. نصره هو انتشاء بالحب المبتهج الذي يملأ عقله ووجدانه… بهجته ليست بالحصول على أشياء.. بهجة النوراني تكون بتحرره من الرغبة اللاهثة وراء امتلاك الأشياء.. اللهاث لامتلاك الأشياء بما يزيد عن الحاجة الحقيقية لاستمرار الوجود، هذا اللهاث مصدر التعاسة.. يظل النوراني مبتهجا بامتلاكه لنبض الحياة.. وتزيد بهجته كلما اشتد نبض الحياة.. وبالحب يشتد نبض الحياة.. النوراني محب… هو العقل المحب… النورانية وجدان مجدول بالعقل… هي فتح العقل على القلب على المدى الحر الواسع.. النوراني محب بالوعي.. حبه استنارة.. النورانية استنارة… ببادرة غضة تشق وجه الأرض لتوِّها، يستنير النوراني… ويتوحد، بعاطفة عميقة يتوحد… بالحقيقة النوراني يتوحد.. النورانية عشق الحقيقة.. سؤال… امتلاء.. الحقيقة تـُعايش النوراني.. تسكنه.. تصنعه.. ويبدعها.. النوراني مقدام… هو بالحقيقة مقدام.. جسور لا يخذلها… قوي، بها قوي.. هو صوتها.. هو جمالها.. هو حريتها.. النورانية جمال.. العقل المحب هو الجمال.. هو الحرية.. النوراني فنان.. عاشق.. صوفي.. واسع.. هو أكبر.. هو شمس الوجود.. هو أقمار العاشقين.. النورانية إرادة الحياة.. إرادتها بالعقل المحب.. النورانية إرادة الحقيقة.. الحب إرادة الحقيقة.. النورانية حب.. حب مبتهج.. حب الحرية المبتهجة بنورانيتها..

********

(11)

أنا خبزكم أنا ورودكم…. أنا الآتي من أصابيح الغدِ… أنا ماء النور التي من عشق الجمر دفقٌ هي أنا الحب الشادي في براري قلوبكم أيتها الظلامات أنا مجد علاكم في النور غنوا وصلوا ضلالات الليالي… جهالاتكم… أكاذيب الجحور… اخلعوا واشدوا وصلوا أنا ماء الرواء أنا نار الرواء النور أنا الحق أنا أنا رياحين العشق أنا شوقكم أنا الحرث أنا الحلمْ أنا الحبُ أنا حكمة البهجة ربَّ البهجة ربَّ البهجة أيها الحب وأجمل نحن الحيارى في بؤس الجَوْر للغادي والرائح بيتا للنور اجعل قلبي ربَّ السلام … ربَّ الجمال.. عدلاً عدلاً…. نماء الحب في بوادينا فَلْنزرعْ وحريةَ النور أريجا….. مدينة النصيرات- أول أيام عيد الفطر 1417 الموافق /8/2/ 1997

********

(12)

أوقفوا الموت في وطني.. ودعوا الحب ينتصر ها قد اشتدت علينا المحن.. فلتتقدم روح العقل المحب المستنير.. ويجلجل في غابة الخراب صوتها أيها الفلسطينيون وأيها الإسرائيليون أوقفوا نار الموت الذي يحصد أكباد الفلذات والزرع ويسحق أحلام الطفولة وورود الربيع في وجنات الصبايا وسواعد الشباب.. أوقفوا الموت الذي يحمل الدمار ويغذو شياطين الإنس ملوك الهلاك أعداء الحياة!! إن الروح تناديكم.. في النار التي تأكل الطيبين منا لا تجعلوا من أنفسكم وأبنائكم ونسائكم حطبا إذا صار جمرا يحرقكم، صارت لحومكم شواءً يتلذذ به أهل الجريمة وتتدلى كروشهم وتنتفخ في مخازن المال أرصدتهم!! إذا أنتم أيها الطيبون قضيتم نحبكم اشتد صلب الجريمة التي تحرق كل غرٍّ وتحرق أفئدة الأمهات والآباء والزوجات والبنات والأبناء!! أفيقوا أيها الضائعون هباءً في دخان المحرقة!! الموت يزرع في أرض الروح خبائث الصنيع ويمضي يحصد الرؤوس التي تتدافع خلف لا شيء غير فنائها وعذابات الصباحات والأماسي النازفات من قلوب الثكالى واليتامى والأرامل!! قفوا أيها الموغلون في دروب الظلمة.. ولتنهض رؤوسكم إلى أفق النور الواسع البديع!! الخطب جلل!! أيها المائتون فداء فلسطين أرض الأنبياء مهد المسيح مسرى النبي العربي.. الخطب جللٌ أيها المائتون في أرض تحكي عنها كتب أنها أرض الوعد للمختارين!! أللموت مختارون؟! تموتون في عشق تراب فيه بطون الدود فاغرة للباغي وإن العُمْيَ في الظلمة ذاهبون!! تموتون فتضيق بنا الأرض وتحصدنا آلة شيطان من الأقاصي وعلى أجنحة الحقد تأتي لنكون العبيد ونكون المغفلين ويظل الشيطان ربّاً يستبد بالمظلومين الفقراء التائهين في المعابر المغلقة وفي أوحال ليل بارد مقيت؟! إن الحياة هبة الحي الذي لا يموت.. ويكفر بالحي الذي لا يموت من يقتل عن طواعية واختيار هبة الحياة ويدفع رأسه ورؤوس الناس إلى مقصلة العدم.. فيفنى الطيبون ويتفرعن فاسداً مغرورون كذوبون!! الذي وهب الحياة لنا، بالحب يهب الحياة!! بالحب فلنحيا!! وإذا انتصر الحب في فلسطين، نجعل من بلد النبوات سماوات مفتوحة يمطر منها الخير ويربو نموذجا للناس في الأقطار كافة ودعوة للحق الذي ينقض كل عدوان ويلغيه من قواميس العلاقات ويتطهر الإنسان من أرجاسه.. فلسطين وطنا لمن يعشقها فلتكن وطنا للكرام في نور بهجة الحب فيها يحيون جمعاً وإن يد الخير مع الجماعة.. وطنا واحدا للنور فلتكن فلسطين أرض تاريخ الروح.. وفي أفق النور المفتوح فليصنع الإنسان مجد كرامته!! أرض فلسطين فلتكن حقلا نزرع فيه الحب ونحصد بهجة الحب منه لنا كلنا نحن العاشقين للدروب والسهوب والسفوح والتلال والشطآن والجبال التي صدحت فيها موسيقى المجد لإنسان حرٍّ كريم مدني الطباع أنيق النفس معطاء همام يقاوم بالروح كل بغيض وكل عدوان.. فهاتوا يا بنات وأبناء أمهاتي نجابه بالروح فسق الظلام ونفتح للناس عهدا في النور يرفل وفي حرية الحب الواعي تكون للنسوة والأطفال والرجال كرامة ورخاء!! أوقفوا الموت أيها المتدحرجون بنا إلى قاع الخراب إن الموت لا يمضي لغير الخراب!! أيها الجاثمون على عصابات شددتموها فوق جفون العيون.. فكفكوا النفوس من أغلال شيطان جهول حقود ظلوم مقيت.. وانطلقوا روحا تبني للإنسان في أرض عيسى ثورة الإيمان جنان النماء للعقول والسواعد فنرقص في بهجة الحب رقصة حرية الكريمات والكرام فتكون فلسطين كل فلسطين مسرى جديدا لنبي العدل محمد، وتكون أفقا مفتوحا على السماوات كلها ونكون للحب دار حجٍ ونكون ظلاً للتائهين في غربتهم ونكون لكل خير مصنعاً وفي كل نجدة في صدرها.. لنجني أطايب الثمر.. ثمار النفوس وثمار الشجر وجمال البديع تخلقه روح النور ومن جديد تنهض من فلسطين دعوة للإنسان عسى أن ينطلق متخففا من ضلالاته بريئا من أوهام ساقته للموت كما ينساق القطيع.. فلننطلق!! إلى براءة الأزهار براءة الطفولة براءة الحب فللنطلقْ.. وعلى بحرك يافا يا مدينتي، وفوق تلال القدس يا تاريخنا فلنصدح بموسيقى الجمال وحرية الكريمات والكرام وعقول التشييد وأياديه فنبني لنا مستقبلا رغدا للعاشقين لك يا موطني يا فلسطين يا حلمي وطنا أرضا وسماوات للنور ومجد الإنسان!! دعوا الحب ينتصر!! واهزموا الموت الرابض في كهوف الماضي واحملوا الشمس والقمر إلى زوايا تعفنت في الظلام وفي الجهل وفي الحقد يحميها الشيطان الذي يدفعنا لنتدحرج من سافل إلى أسفل.. دعوا الحب ينتصر.. إن الحب شمس الحياة وهو القمر في صحراء لا تحنو على جائع ولا عليل ولا غرٍ ولا تائه.. دعوا الحب ينتصر.. إن الحب إذا أشرق في كهوف الجهل الحقود تبدد الجهل وذهب الروع واندحر الموت مهزوما وخاب رجاء الشيطان واندثر الظلام وجلجل صوت رضيعة ورضيع وإن حشد الرضيعات والرضعاء غدا يعلن النصر للحب الذي يجمع النسوة والأزواج في محاضن العشق المقهور في ضائقة الظلمة.. فينبثق النور من كل صيحة أولى وفي الأرض التي استباحها العدوان ينتشر ويسود.. فيا أيها الراكبون ظهور الموت إن الحرب نار تأكلنا وإني إلى سبيل الحب أدعوكم.. إن الحب سبيل الحياة التي سبيل الذي وهب الحياة هي أيضا.. الله وهب الحياة لا لنجعل الحياة وقود هلاكنا.. إنما الله بهجةً وسلاما وعدلا وكرامة وحرية وجمالا لنا جعل الحياة.. فهاتوا نهزم الموت الذي تزرعه الشياطين لنا ونحن في الغفلة نحصده!! هلموا لنقلع زرع الموت ونحرث الأرض للحب فنخلق في الأرض بهجة الحب فتمضي ترسانة القتل ويزهو الحق بنصر الله المبين إذا ما صفا الزمان والمكان من رجس التاريخ وعار الإنسان وقامت للحب في النور دولة المجد العظيم.. دير البلح – غزة – فلسطين

********

(13)

جماعة حق البهجة ح ب دعوة التأسيس • البهجة حق لكل فرد.. كما الجمال طبيعة الجميل • بالحب والحكمة والصبر ندعو للبهجة وندافع عن حقنا فيها؛ نحن والخلق كافة • الحكمة – معرفة وإرادة وعملا – هي التي تكشف النور الذي فينا وحولنا • الحب ما بيننا هو تجسيد النور الذي فينا وما حولنا • الحب شريعة البهجة التي هي الأصل والمعنى والشوق • أما إذا كان الظمأ هنا؛ وهناك الرواء؛ فإن نار الظلامة تحرق.. تحرق!! • بهجة الحب النوراني بالعدل تقوم.. والعدوان على حق البهجة عدوان على حق الله وعلى الخلق كافة • أول العدل أن نحيا.. كلنا.. بالبهجة وفيها ولها • البهجة جمال حريتنا.. هي مجدنا.. والذي يفقد الحرية في النور يفقد بهجته • جمال حريتنا هو كرامتنا وضياء بناتنا وأبنائنا ونسائنا ورجالنا وليالينا ونهاراتنا • البهجة هي الخير لنا.. فردا فردا.. ولنا معا؛ نحن أبناء الأم الواحدة • نحرث ونزرع ونصنع ونغني ونصلي ونجني ونحلم.. معا في النور.. بالحب.. بالعدل.. بحرية الجمال.. البهجة هذا هي.. وهذه دعوتنا..

********

(14)

فـُل إيل – وطن للإنسان لم يعد أحد من بين العرب ومنهم الفلسطينيين يحمل دعوة قذف اليهود الإسرائيليين في البحر التي كانت ترددها أبواق ديماغوجية انهزمت بعد ساعات قليلة من بدء حرب حزيران (يونيو) 1967. قبل حوالي سنتين قال لي مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وزعيمها الروحي الشيخ أحمد ياسين خلال لقاء صحفي معه إنه لا يمانع في بقاء الراغبين من اليهود الإسرائيليين في دولة فلسطين (العربية/ المسلمة) التي يحلم الشيخ في قيامها في كامل فلسطين بعد تحريرها. قبل ذلك بحوالي ست سنوات قال زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الدكتور جورج حبش حينها وزعيم حركة القوميين العرب التي انحلت بقيام الجبهة الشعبية عام 1968 أنه يقبل باستمرار وجود الإسرائيليين في فلسطين بعد تحريرها من دولتهم؛ وحينها، اشترط الدكتور حبش على الإسرائيليين الذين سيواصلون وجودهم في فلسطين (العربية) أن يقيموا في “الدور الثاني” لا في الدور الأول الذي قال إنه للفلسطيني العربي. وقبل زمن ليس طويلا اقترح زعيم ليبيا العقيد معمر القذافي على الفلسطينيين والإسرائيليين أن يحلوا صراعهم بإقامة دولة واحدة يتكون اسمها من النصف الأول من إسرائيل والنصف الأخير من فلسطين فتسمى دولة “إسراطين”. لكني اقترح تعديل الترتيب الذي اقترحه القذافي ليصير اسم الدولة الواحدة التي تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين: دولة “فـل إيل” ـ بضم الفاء. وأعي أن نصيب الفلسطينيين من الاسم الذي أقترحه أنا أقل من نصيبهم في مقترح العقيد وأقل من نصيب الإسرائيليين. لكن غياب العدل الإسمي سينقلب لصالح الفلسطينيين إذا روعيَ أن الحروف الواردة في الصدارة تكتسب أهمية معنوية لا تحظى بها الحروف الواردة في عجز التسمية؛ وإذا روعي أيضا أن العرب، ومنهم الفلسطينيين شركاء في كلمة “إيل” التي كان العرب واليهود القدماء معا يطلقونها على “الله”؛ وإذا روعي أيضا أن كلمة “فل” – بالفاء المضمومة هي اسم زهرة عطرة يتغنى بها الشعراء وتتجمل بها صدور العذارى الناهدة. في مقال سابق لي حمل عنوان: “فلسطين وطن واحد مفتوح” دعوت إلى قيام دولة واحدة في فلسطين لعاشقيها من كل الناس. إنني لا أوافق على دعوة العقيد ولا الدعوات الشبيهة بها إلى قصر المواطنة في دولة واحدة تقام في كامل فلسطين على الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي فقط. يعود ذلك إلى أنني أحمل لواء دعوة نورانية من مقوماتها أن الأرض ـ كل الأرض ـ للإنسان. وأحلم بقيام وطن النور في بلادي التي ولدت فيها والتي ترتبط بتاريخ أنبياء حملوا دعوة النورانية؛ ولكن أتباعهم أفسدوا عليهم وعلى الإنسانية مخططاتهم. فلسطين التي ارتوت بدماء كل من الفلسطينيين واليهود يجب أن تحمل الإنسان على أن يتجاوز حقبة الغاب التي يقتل الشقيق فيها شقيقه. في الأرض متسع لنا جميعا؛ فلماذا الحروب التي تحمل الدمار؟! كلا شعبينا؛ نحن الفلسطينيين والإسرائيليين قاسيا ويقاسيان أهوال فظيعة يمكن لنا أن نتفادى استمرارها إذا احتكمنا إلى شريعة الحب. ليكون الحب فاعلا؛ لا بد من العدل. دولة “فل إيل” ستكون دولة “عطر الله”. وعطر الله مشاع للناس. هاتوا نبدأ بناء وطن واحد في فلسطين، يكون مفتوحا لكل عاشقيه.. يكون وطنا لعطر الله.. وطنا للنور.. وطنا للإنسان.. دير البلح – غزة – فلسطين 12/12/03

********

(15)

فلسطين وطن واحد مفتوح يتفق العاقلون المحبون أن الحرب لا تسوي المشكلات الإنسانية. والمشكلة الفلسطينية تحتاج لشجاعة فائقة من المعنيين بها تؤهلهم لمواجهة عميقة مع الذات ترتكز إلى مفهوم أساسي هو أن طريق الحياة هو الطريق الذي ينبغي على كل فلسطيني ويهودي أن يسلكه. أما الطريق التي لا يزال الشعبان يتوغلان فيها؛ طريق المواجهات الدامية، فهي طريق للموت؛ ولكل منهما. يقع على عاتق العقلاء المحبين في كلا الشعبين أن ينهضوا ويواجهوا الموت الذي يحيق بالإنسانية في فلسطين. ومن فلسطين؛ يمكن للتاريخ الإنساني أن ينطلق من مفهوم جديد: مفهوم عقلي روحي، يتحرر من الموروث الإنساني الصراعي الذي ورثته الإنسانية من ماضيها الغابي؛ الذي ظل محكوما بسلطة العنف وظلاميتها. من فلسطين، نستطيع أن نبدأ تاريخا إنسانيا جديدا.. فلسطين كانت وطنا للنبوات. والنبوات في جوهرها دعوات للانعتاق من هيمنة الظلامية التي تحرسها السلطات القاهرة. ولكن الظلامية التاريخية حجبت جوهر الديانات كما دعا إليها مؤسسوها العظماء. ثم جاء الأتباع فجعلوا من جوهر الأديان مفاهيم وحركات مغلقة، ترى في الآخر كيانا عدوانيا، ولا ترى فيه شأناً مبايناً وله من حق الوجود ما هو حق مقدس له: حق الحياة الكريمة. في فلسطين، يتحارب الشعبان من أجل ما يسميه كل طرف منها، حريته. والحرية مطلب مقدس، وحق مقدس لكل كيان. إن الحرية مادة الله. ونحن خلق الله: نحن خلق الحرية؛ الحرية طبيعتنا.. والحرية روح مقدسة. والأنبياء الذين شهدت الأرض الفلسطينية حركاتهم، مبعوثون بالروح المقدسة، ليبشروا بالحرية المقدسة. لا يبشر نبي أصيل بالموت. الموت قدر مصمت يقع بقانون طبيعي جفت الروح من كيانه. لكن النبي الأصيل روح يبعث في الحياة إشراقات الأمل في وجود كريم للناس أجمعين.. ولا كرامة للإنسان دون حرية تحترم حرية الجميع. دعوة الموت الناشطة في أرض فلسطين، دعوة ظلامية تستنهض نبوة جديدة تعيد للأرض المقدسة رسالتها الروحية التاريخية: رسالة الحب والعدل والسلام.. لبناء وطن من النور.. في النور.. وطن في النور.. ومن النور. لا يكون بغير الحرية للإنسان: كل إنسان.. والحرية الحق هي الحرية التي نتحرر بها من إرادة الشيطان التي تدفعنا لسلب الحياة من أي حي.. الحرية لا تكون حرية إذا جعلنا منها حقا لنا وحدنا دون الناس كافة.. الحرية هي أن نتحرر من ظلاميتنا الموروثة.. الحرية هي أن نتحرر من إرادة الموت ومن أدواته.. فلتكن “فلسطين وطناً واحداً.. ومفتوحاً”.. الإنسان ليس للأرض.. ولكن الأرض للإنسان.. جعلت الديانات – (= دعوات الانفتاح) من فلسطين وطنا مفتوحا.. ولينهض كل ذي عقل محب بالدعوة لوطن مفتوح في فلسطين.. وطن واحد يهتدي بقانون الحب.. فيكون وطنا لكل من يعشقه.. فلتكن أرض النبوات وطنا للحب وللإنسان الحر الكريم.. فلتسقط راية الموت.. فلتسقط رايات الظلامية.. فلتنهض رايات النور.. فليبدأ للإنسان – من فلسطين- مجد كريم.. غزة – دير البلح – فلسطين 4/10/03

********

(16)

وصايا النوراني • ابتسم.. وإذا أنت كنت بسمة طاهرة، ويدا حنونا، وكلمات طيبات، وقلبا بالحب نابضا، وعقلا بالحكمة مستنيرا.. فأنت في طريق العافية تنطلق.. ولن يجد المرض إلى نفسك مدخلا.. • فإذا واجهت شرا.. فكن أكبر منه وأكرم.. فإن الله يحب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس “وبشر الصابرين”.. • إن الكراهية بغيضة ونتنة.. وإن الشيطان يحرق الزرع ويحرق قلبك معه.. أما الحب للحياة الجميلة وللناس والخلق أجمعين فهو ماؤنا ونورنا.. هل بغير ماء ونور تكون الحياة كما يريدها الأخيار أن تكون؟! • فإذا واجهت ما تكره.. ابتسم.. وأملأ بالهواء النقي صدرك.. وفي خشوع المتقين لله تضرع.. اللهم يا رب العالمين.. اجعل قلبي وعقلي بيتا لنورك وشمسا وأقمارا ووردا واجعلني خيرا لي وخيرا للخلق أجمعين.. آمين.. آمين!! • إن ما أصابك قد أصابك.. فلا تجعل من نفسك مرتعا للأحزان أو مشاعا للقلق.. إن فعلت ذلك سكنتك أوجاع النفس وأوجاع الجسد.. واسأل عقلك: هل الحزن على ما فات يُصلح ما فسد؟! والقلق من المستقبل المجهول لا يدفع عنا السوء الذي يجعلنا الشيطان نتوهم أنه خطر يزحف نحونا!! • أما طريق الأقوياء بالروح فهو طريق إرادة زادها البهجة والحب والأمل والتفاؤل والعمل والمثابرة.. من الأقوياء بالروح كن!! • وفي الهواء الطلق هاتوا نطلق أجسادنا لكي لا تتجمد فينا المفاصل ولا يهن العضل ولا يبقى في النفوس وجع ولا تشيخ لنا قلوب.. • وإذا آويت إلى فراشك فاسترخ وأضئ بالبسمة الراضية قلبك.. واصفح وسبع مرات عميقات استنشق هواء متجددا.. وإذا نهضت من نومك أتمم قيام الصباح وسبع مرات عميقات استنشق هواء بكرا وقل يا رب العالمين أنر بالخير قلبي وعقلي وسعيي وما حولي واجعل يومي الجديد بهجة حب لي وللخلق أجمعين.. وانطلق..

هكذا.. في دروب السلامة والعافية.. وبهجة الروح.. ننطلق..

ودوما فليكن صباحُكُنَّ صباحُكُمْ مساؤُكُنَّ مساؤُكُمْ بهجةَ حبٍّ لنا لكُنَّ.. لكُمْ

انتظـروا سـقوط عرش الرحمـن

هناك بعض الحـالات التي يهتـز فيها عرش الرحمـن تعالى

- وفاة سعد بن معـاذ ورد في الأثر أن سعد بن معاذ الأنصاري أمير الأوس في المدينة النبوية عندما مات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ …

- سب الديـن

غـير مبرر

- اللـواط قـال أحد شيـوخ السلف:إذا ركب الذكر الذكر.. اهتز عرش الرحمن خوفاً من غضب الله.. وكادت السماوات أن تقع على الأرض.. فتمسك الملائكة بأطرافها.. وتقرأ قل هو الله أحد إلى آخرها حتى يسكن غضب الله عز وجل

- بكـاء اليتيـم إن اليتيم إذا بكى؛ اهتز عرش الرحمن لبكائه ، فيقول الله عز وجل لملائكته : من أبكى عبدي؛ وأنا قبضت أباه وواريته في التراب، فيقولون:ربـنا لا علم لن. فيقول الله تعالى: اشهدوا لمن أرضاه؛ أرضيه يوم القيامة الراوي: عمر بن الخطاب – خلاصة الدرجة، المحدث الألباني

- الإستمـناء

غـير مبرر

- للتـسلية والتـرفيه

يقول الإمام الذهبي رحمه الله: والعرش خلـق لله مسخرا، إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله . سير أعلام النبلاء 1/297)

- الطـلاق

عن عليِّ بنِ أبي طالب رضيَ اللهُ عنه أنّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم قال :”لا تُطَلـِّقُوا ، فإِنَّ الطلاقَ يَهتَزُّ لهُ العَرشُ”، رواهُ ابنُ عديٍّ في “الكامل” (5/112) والخطيبُ في “تاريخِ بغداد” (12/191)ـ

- بعـض الأدعـية والقـصص والجـرائم

فيهـا مسـائل

وبنـاءا علـيه فقد عرفـنا مما تقـدم أسباب إهتـزاز عرش الله عز وجل… لذا فلنعـجل بها

رابط الموقع

http://ar-ar.facebook.com/pages/%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D9%8A%D9%87%D8%AA%D8%B2-%D8%B9%D8%B1%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%80%D9%86/153543814665342

وطالبت مئات الرسائل على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بارسال بلاغ الى ادارة موقع التواصل، حول شخص مجهول انشأ صفحة على “فيسبوك” مسيئة للذات الالهية وللانبياء عليهم السلام.
وقد طالب العشرات في رسائلهم بإلغاء واغلاق الصفحة ومعاقبة من يقوم عليها، لما تحتويه من مسبات واساءات وكلام بذيء بحق الله عزوجل والانبياء المرسلين والصحابة وزوجات الرسول.

حسن ميّ النوراني

نقد مسنون..

رمتني زوجتي بحجارته!

alnorani@live.com

أفكار أدبية في مقالات   صحفية

 

 

 

إهداء

إلى الصاحبة التي دنوت معها من فيحاء الجمال

الشاعرة عطاف جانم

ليس شاعرا من لا يفقس النخيل في قصائده بيضا* ..

الغموض إشكال شعري قديم. ولكن حركة الحداثة الأدبية في القرن الحالي فاقمت هذا الإشكال فصار معها قضية خلافية قسمت النقاد والشعراء فرِقا تتناقض أحيانا، وتلتقي على درجات من اللقاء أحيانا أخرى.

وإشكال الغموض ليس مما يلتصق بالشعر بطبيعته المنحازة إلى ذاتيته كفن من فنون القول؛ فليس الغموض مطلبا شعريا فنيا، وليس مما يعيب الشعر خلوه من الغموض. فالغموض ليس معيارا شعريا فنيا، وطلبه لذاته طلب لا يقتضيه المطلوب الذي هو الشعر ببنيته ومعناه.

الغموض ليس من الشعر وإشكال الغموض الشعري افتعال ذهني لا سمة فنية. وأصل هذا الإشكال المفتعل رؤية بعين غامضة نصف إغماضة انحصر مجالها في ساحة ضيقة لا تستوعب عوامل التغير التي تولدت منها حركة الحداثة الشعرية العربية.

فالحداثة الشعرية تولدت من فاعلية مستحدثة حضارية بدأت بصدمة الاتصال بحركة الغير الأوربية العميقة والصاخبة والثائرة على مفاهيم عقلية قديمة، تجددت معها رؤية الإنسان الكونية، وتغيرت بها علاقة الناس بالوجود، وعلاقات الناس بالناس.

فالرؤية الجديدة النازعة إلى الواحدية العقلية رؤية مغايرة للتصورات القديمة التي سادت في تاريخ الثقافة الإنسانية، والتي لم تزل تسود ثقافتنا العربية المعاصرة في الزمان، والمتحجرة في رؤى ورثها الحاضر، ولا تفسر التراث القومي بترجمة أصلية عقلانية له.

وقبالة الرؤية الجديدة، وفي إطار تخلف فكري وحضاري، تضيق العقلية القديمة، لا عندنا فحسب، عن استيعاب تصورات متقدمة للوجود، يشارك شعر الحداثة في صياغتها.

فإذا قال شاعر: “أنا وأنت ثلاثة”، تصايح رافضو الحداثة، وافتعلوا إشكال الغموض، بدعوى أن النص الشعري هذا مغلق على فهم المتلقي، وأنه، لهذا الانغلاق، لديهم، مرفوض.

ونحن لا نماري في حقيقة وجود الانغلاق، ولا في لزوم رفضه. ولكننا لا نوافق على تقدير أن الانغلاق المرفوض هذا، هو انغلاق النص.. الانغلاق هذا هو انغلاق الرؤية التي تتعامل مع النص..

فإن أول ما ينبغي تقديره هو أننا نتعامل هنا مع نص شعري من شعر الحداثة لا مع فكرة رياضية تفرض أن يكون ناتج جمع الواحد والواحد اثنين لا ثلاثة كما يصرح النص.

فكرة الرياضة تتعامل مع الواقع الكائن، والنص الشعري يعالج الوجود الممكن. على أن منطق الرياضة يسمح بالتعامل مع الممكن الوجودي، ولكن المسموح به في علم الرياضة يظل مباينا للتعامل المسموح به في رحاب النصوص الشعرية، تباين الخيال العلمي مع شطحات الوجدان.

والرياضة تتعامل مع وقائع طبيعية، والشعر يعالج خلجات إنسانية. والرياضة عندما تتعامل مع الممكن الطييعي، فهي لا تخرج عن الطبيعي المقيد بقوانين لا تنفك عنه. أما الشعر فلا قوانين طبيعية تقيد أهليته للانطلاق في أفق الوجود الواحد المفتوح عقليا في كل اتجاه وعلى كل مستوى.

الشعر خيال يجمح إلى تحطيم القيود جميعها، وإلى إعادة تصور العالم تصورا حرا مفتوحا يطرق أبواب الممكنات الوجودية المتخيلة، وينطلق فيما بعدها.

ولا شك أن التطورات العلمية قد عززت هذا التوجه الشعري بالثورة العقلية التي غيرت تصور الإنسان للوجود الطبيعي، فأصبح التصور الجامد للعالم الطبيعي شيئا لا يجد مكانه في غير معارض الأحافير التي تروي آثارها مظاهر التخلف بالقياس إلى تقدمية العصر الراهن. والثورة العلمية تجاوزت فكرة القانون النهائي الصارم فلم يعد القانون غير رؤية مفتوحة تسمح بالتطوير والتعديل والتغيير دون أن يعدّ هذا انتقاصا من أهمية القانون العلمي في صورته المرنة؛ إذ أن جوهر العلمية في العصر الراهن هو قبول فكرة التطوير والتعديل والتبديل.

فإذا العلم الذي يُقام على تصور الوجود الطيعي، يرفض القيد الذي يجمد حركته، فأحرى بالشعر،  على أن يرفض فكرة الجمود.. وهو الخيال الجامح في الأفق الواحدي الواسع المطلق من غير قيد على الحرية.. فهو تفلتات العقل المُوَجْدَن..

فإن قال شاعر لحبيببتة: “أنا وأنت ثلاثة”.. قلنا هذا شعر من أفلت الشعر.. وأينعه.. وأجوده؛ فيه جموح خيال إلى عالم إنساني جديد يجاوز الإثنين إلى الثالث الذي يتوحد فيه الإثنان، إثنان تنفك عنهما محدودية الفردية فينصهرا في أفق الحرية على مدهب رؤية مستحدثة نازعة إلى الواحدية مفهوما للحرية والسلام..

وعلى هذه القاعدة لا نرى غموضا في نص شعري تفقس فيه النخلة بيضا.. ولا نظن أن ثمة شاعرا يملك قدرة الشعر الأصلية، سيظل يحتفظ بهذه القدرة، إذا صار النخيل في قصيده عقيما فلا يفقس بيضا.. لا يفقس الحرية.. بالحرية!!

الحداثة الشعرية تستلهم هداية الله*

الفن أداة تكشف جوهر حركة الحياة الإنسانية. ونحسب أنه أصدق أدوات الكشف والتعبير عن حقيقة الفعل الإنساني في عمليات تكيفه مع عوامل الوجود الثابتة والمتغيرة. وهو أصدقها من جهتي الشكل والمضمون غير القابلين للتنافر إلا في حالة واحدة، هي حالة المكابرة عن جهالة الإنغلاق فيما أدبر من الزمان. وإننا نستلهم من كتاب أمتنا الكريم، القرآن، حجة على ما نقول لا يملك الظانون ظن الوهم قبالتها كلام تشكيك أو تفنيد. فقد جاء القرآن الكريم على غير ما عهد العرب من أساليب البيان، وكانوا أساطين القول المبين، وكان الشعر فخر مفاخرهم، فلم يجرِ القرآن الكريم على أسلوب فخر مفاخر العرب؛ فإن الله الحكيم العليم دبّر أمرا أراده، وتدبير الله جل جلاله منزه عن أن يجيء من غير معنى.

أنزل الله القرآن الكريم هدى للعرب وهدى للعالمين. والهداية على ما يقول اللغويون هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب؛ أو هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب. والهدى إرشاد، والبيان والدلالة ضد الضلال. فالقرآن الكريم، بهذا التقدير، وبكل تقدير، تغيير في الرؤية الوجودية وما يلازمها من أساليب التكيف مع ثوابت الحياة وجارياتها، مما كان سائدا في عصر النبوة المحمدية سيادة مؤسسة على قواعد موروثة لها قوة الهيمنة النافذة على حاضر  لا تستقيم الحياة فيه على وجهها الصحيح طالما ظل مأسورا لما أدبر من الزمان.

كان المشركون يرفضون الإيمان بالدعوة الجديدة رفض المكابر عن جهالة المنغلق في الموروث السقيم عن الآباء: “وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا” (سورة المائدة، آية 14). وجمود المشركين هذا على ما كان عليه الآباء هو جمود انفعالي، وهو جمود غير العاقلين، وجمود الانفعال وجمود الانغلاق العقلي جمود واحد.

وإذا كان معنى التنزيل الكريم إصلاح الرؤية الذي لا يتم  إلا بإصلاح العقل؛

وإذا كان جمود العقل لا ينفك عن جمود الانفعال؛

ولمّا كانت الانفعالية هي فاعلية الحس بأدواته كلها؛

ولمّا كان الحس هو وسائط للمعرفة ومعبر لها إلى العقل؛

وإذا أريد للحس أن يؤدي وظيفته التوصيلية، فلن يؤديها قبل إصلاح فاعليته الانفعالية، والتي لا تنفك عن العقل؛

وتحرير الانفعال من الانغلاق في الموروث السقيم، هو السبيل الوحيد لإصلاحها؛

هذه مقدمات، فإذا صحّت تأدّت إلى نتائج صحيحة، لا تصح بمقدماتها فقط، ولكنها تصح قبل هذا وبعده بالقرآن الكريم الذي دعا الناس إلى التحرر من سقم العقل، وبأسلوبه الفني المتحرر من أساليب العرب المعهودة في البيان. والله يعلم أن الجمود في أسلوب فني يعادل الجمود العقلي. والله دعا الناس إلى تحكيم العقل وتدبر آيات الخلق، دعوة للإيمان بكتاب نزل منه. والله يعلم أن دعوته رسالة للإنسان الموحد عقلا وانفعالا، ولا ينصلح العقل والانفعال، إلا أن ينصلحا معا، وعلى غير تفاوت في الزمان ولا في الرتبة؛ إذ هما يُكَوِّنان الرؤية الإنسانية تكوينا لا يتخلف فيه شقيق منهما عن شقيقه. والله بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، لإقامة الرؤية الإنسانية على نهج لا يخطىء غاية الوجود والحياة. والله يفعل ما يريد، وفعله الخير، ومن هذا الخير تنزيل الذكر الحكيم بأسلوب فني جديد يغاير أسلوب البيان المعهودة عند العرب الأولين.

لقد قرر القرآن الكريم وحدة الشكل والمضمون. وهذا إعجاز من إعجازه الذي لا ينقضي. وهو هداية من هدايته المرشدة للأمة الإسلامية على توالي العصور واختلاف الأمصار.

والقرآن الكريم لا يلزم الأمة بأسلوب من أساليب الفنون، ولكنه يلزمها باتباع هداه.

وقد أقام القرآن الكريم مجتمعا جاوز المجتمع العربي القديم، وكان تغيير الأسلوب الفني قاعدة تأسس عليها قيام الحضارة العربية الإسلامية.

ولا تقوم حضارة جديدة على قاعدة فنية جامدة في المغلق القديم؛ فكل قيام انفتاح، والانغلاق والانفتاح ضدان لا يجتمعان، وهذا حكم العقل المؤيَّد بحكم التسليم بصدق الرسالة المحمدية الهادية  هداية مستمرة.

وتطمح الأمة في العصر الراهن إلى نهضة جديدة، نحسب أن الطريق إليها هو جوهر الهداية القرآنية، ونحسب أن غايتها هي الغاية التي ترمي إليها النبوة المحمدية. والشعر من أركان النهضة المبتغاة، ولكنه لا يملك أن يكون ركنا نهضويا إذا لم يتأهل لدوره بالفاعلية القوية على خلق فني يهيء الوجدان لتقبِّل تغير رؤيوي يستوعب تغيرات الزمان والمكان الذي يتشكل بهما واقع الأمة المعاصر، كما يتشكل بهما المشروع العربي النهضوي المستقبلي.

تحديث الشعر إسهام في تحرير الانفعال من عوامل تكوينه القديمة وإسهام في تحديث أسلوب التكيف مع معطيات الوجود المعاصر المغايرة لمعطيات الوجود في زمن ما قبل نزول القرآن الكريم. كان الشعر العربي قبل الإسلام، بشكله ومضمونه، صورة صادقة عن عصره بما يكونه من معطيات موضوعية وتكيفات عقلية وانفعالية. ولسنا نريد من الدعوة إلى تحديث الشعر غير أن يتكيف انفعالنا المعاصر بمعطيات الوجود الموضوعية وأن يصورها، شكلا ومضمونا، تصويرا لا ينكرها ولا يناقضها ولا ينقضها.

ودعوى أن الحداثة الشعرية اغتراب عن الذات وطمس للهُوِيَّة، دعوى تجافي الحق وانحراف عن جادة الصواب يتفاقم شرها إذا استمسك بها أهلوها أشد مما استمسكوا؛ فالإصرار عليها بمكابرة الجهالة المنغلقة، باب إلى تقهقر تتردى به الأمة أضعاف تردِّيها؛ وهذا وجه محتمل يسع احتمالا ثانيا واحتمالا ثالثا: التطور سنة كونية لن يوقف مدّها مكابرة المنغلقين، وستضرم نارها في الأرض لتأكل أعداءها وستمضي قدما؛ أو إنها ستضرم نارها وتأكل الأخضر واليابس، والأخضر هويتنا وتراثنا، واليابس أطراف جافة نضبت فيها الحياة بعدما تقادمت عليها الأزمان.

نرى الحداثة الشعرية بمنظور قرآني ونتبنى الدعوة إليها على هدى النبوة الراشدة. ولكننا لا نزعم للتحديث الشعري دورا لا تطيقه طبيعة الشعر بينما الأمة تطمح إلى نهوض ترقى به إلى مقدمة المستقبل لتجدد نهضة قديمة بدأها نزول القرآن الكريم.

وظيفة التحديث الشعري، المحددة بطبيعة الشعر، هي تحرير الانفعالية بتحرير الإنسان من هيمنة تكيف فني قديم كان يفي بمتطلبات زمانه، ولا يفي بحاجات العصر الراهن. إن تحديث الشعر ضرورة نهضوية، وقضاء وجودي وأداة حياتية، وكل زعم غير هذا إجحاف بالحق ودعوة إلى الموات.

وإذا جاز لانفعال الأقدمين أن ينبني في معمار فني يتكون من أبيات منفصلة، منقسمة إلى شطرين؛ وإذا صح أن يقاس شعر الأوائل على مقياس “الكلام الموزون المقفى”؛ فلا يجوز أن يظل المعمار المنفصل المشطور هو معمار الشعر في عصر (عربي) يعاني أشد ما يعاني، من مشكلة الانشطار، بينما الرؤية الواحدية هي رؤية العصر، ولا يجوز أن يظل الشعر قوالب من “الكلام الموزون المقفى” بينما العصر هو عصر الحرية والانطلاق في فضاءات الوجود الوسيع.. الواحدي..

هل تمتلك القصيدة العمودية شروط الإبداع؟!*

الشعر فعل تصويري يدون تشكل الفاعلية الإنسانية في لحظة تقاطع وجودي مع عوامل الظرف المزامن. ولا يقصد هذا الاستهلال إلى طرح تعريف للشعر، ولكنه تنويه إلى صفة عامة تشارك فيها مجموعة الأفعال المتحقق بها فاعلية الإنسان؛ هذه الفاعلية المتغيرة خلال تكيفات متتابعة ومستمرة بين الأنا والموضوع منذ أول الولادة وإلى نهاية الحياة.

والتكيف الحيوي الإنساني ذو مستويين: طبيعي، وثقافي. وهذه الثنائية لا تقرر ثنائية إنسانية وجودية؛ فالإنسان حالة نموذجية للوجود الواحدي، والطبيعية والثقافية الإنسانيتان وجها وجود واحد لا ينفك عن طبيعيته وثقافيته معا، ولا ينفك عن إحداهما إلا إذا انفك عن الوعي، أو تفككت وحدته الوجودية الفردية بالموت.

وانفكاك الوعي أو التفكك الفردي، هما مرحلتان مختلفتا الدرجة لفعل الانسحاب من الوجود؛ فبينما الثاني غياب كامل للوجود الفردي المباشر، يعادل الأول غيابا إنسانيا [ثقافيا] عن حلبة جدل البقاء والفناء [الاجتماع والتفكك] طبقا لمعايير الخصوصية البشرية.

ليست الخصوصية البشرية اختيارا إنسانيا حرا، وليست فرضا لازم الأداء بحكم محتوم؛ إنما هي إمكان وجودي يتحقق بالفعل الواعي المجادل أو المتكيف مع تجددات الظرف الحيوي.

والشعر تحقق للفعل الواعي باستخدام أدوات فنية تؤهله للتمايز عن تحققات الفعل الواعي الأخرى. وتحققات الوعي، ومنها الشعر، لا تقع في جزر منفصلة تحت مظلة الفاعلية الإنسانية الوجودية الواحدية؛ فالانفصال وهمْ رؤية مسطحة لا تستوعب الأصل الواحدي للكثر الوجودي، رغم أن المعنى الشامل للوجود المتكثر، هو المعنى الذي يثبت بتوكيد الأصل الواحدي لحقيقته في إعلاناته عن فاعليته.

فالشعر إعلان متصل بالإعلانات الإنسانية الأخرى، ليس فيما يخص الفردية الإنسانية وحسب، ولكنه يخص الجماعة أو الجماعات البشرية كلها.

الفاعلية الإنسانية تكيفات متجددة تنمو من حدّ متصور بالعقل يفصل ما بين مفهومي الماضي والمستقبل لتحقيق الفاعلية بالتكيفات المتجددة تحقيقا يترجمه الحضور الوجودي الواقعي في الزمان الحيّ. فإذا لم يحقق التكيف حضورا في الزمان الحي، يحقق انتكاسا زمانيا يقلب حركة الفاعلية من الاتجاه نحو المستقبل إلى الوقوع في غياهب الماضي؛ أو من حركة التفتح في أفق وجودي مطلق إلى حركة السقوط في قوالب أبدعها الأجداد تعبيرا عن فاعليتهم المستجيبة لعوامل ثقافة قديمة، ليس من طبيعتها أن تواصل إشعاعها في زمن مغاير، أو في زمان متجدد.

فالشكل الفني الثنائي ـ أعني الشعر العمودي ـ تحقق أبدعه حضور الأقدمين بتكيفات الوعي الإنساني مع عوامل الثقافة المزامنة له. وهو، أي الشكل الثنائي، تعبير فني عن تمثل ثنائي للوجود، لم يعكسه الشعر وحسب، ولكنه تمثل يعبر عن ذاته في التحقق الواسع للوعي القديم. والتمثل الثنائي، العام، أو الشعري، ولادة مسبوقة، ومن ثم مشروعة، ولكنها زمانية، شأن كل فعل إنساني آخر، أو شأن كل فعل وجودي.

والزمانية، مثلما تمنح الولادة الجديدة مشروعيتها، فهي تفرض عليها قيودها: فليس يحق للولادة الجديدة الطغيان على تحقق وجودي مغاير، مجاورا، أو سابقا، أو لاحقا؛ وليس يحق للولادة الجديدة ـ التزاما بشرط الزمانية ـ الانقلاب على الحياة بالسقوط في أغلال الزمان الميت، القديم؛ والولادة الجديدة فريدة، لا تكرار لها.

كان البناء الثنائي للشعر فعلا مشروعا في زمان إبداعه. وكان ترجمة انفعالية للعلاقة بين العربي القديم والبيئة المزامنة له، أو المزامن هو لها.

كان جدب الأرض يفصل بين الإنسان والبيئة. وقد أسس العربي من هذا الجدب الفاصل موقفا نافرا تجاه بحار الضياع الشاسعة من حوله، واقتضى هذا التهديد المباشر للحياة بروزا حادا للفردية الإنسانية؛ فلم تندمج الشخصية العربية في نسق وجودي واحدي مع بيئة الحياة، ومجالها المعيشي؛ ولم يرتبط الإنسان بالأرض بوشائج حضارية تنبني بالاستقرار في المكان، فأكثر العربُ من الترحال، مدافعة للفناء الداهم كلما نضب معين الرزق من ماء وعشب.

وصبغت علاقة النفور من البيئة الطبيعية، العلاقات الإنسانية أيضا. وتكيفا مع قساوة الحياة في بيئة جدباء، سيطرت سلوكية النفور على ارتباطات الناس الاجتماعية، وظل العرب قبائل متنافرة، ومتقاتلة، تعيش في جزر اجتماعية منفصلة، لم تتوحد تحت سلطة واحدة، لا دنيوية ولا دينية: فلكل قبيلة شيخها وصنمها؛ ولكل قبيلة شاعرها المدافع عنها وعن قيمها الانفصالية.

كان الشعر هو الصورة العقلية للحياة العربية، وهو الوعي الذي تَمثَّل مكونات الواقع، هذا الواقع المتنافر، أو المتعدد. وتجلّى الواقع المعاشي المتنافر في البناء الفني للقصيدة: فهي تتكون من موضوعات متعددة؛ والموضوع الواحد يصاغ في أبيات، كل بيت منها مستقل معماريا عما سواه، ومنقسم على نفسه في شطرين؛ ثم هو منقسم، انقساما أعمق، إلى وحدات موسيقية متعدد. والقصيدة بهذا كله، ترجمة لعلاقات النفور الطاغية على موقف العربي من العالمين الطبيعي والإنساني:

فالوحدة الزمنية للقصيدة الواحدة صورة يتمثل بها وعي العربي ـ القديم ـ الوحدة الزمنية للقبيلة، المواجهة لوحدة زمنية لقبيلة أخرى؛

والمعمار الثنائي للقصيدة، وعي يتمثل العلاقات النديّة بين الإنسان والبيئة الطبيعية من جهة، وبين قبيلة وقبيلة أخرى من جهة ثانية؛ وبين فرد وفرد آخر في قبيلة بعينها، من جهة ثالثة؛

والتعددية الموضوعية في القصيدة الواحدة، وعي كان الشاعر القديم يتمثل به تعددية الانتقال في المكان، أو استمرارية الترحال، في إطار تكيفات تقتضيها تغيرات البيئة الطبيعية المناخية المفاجئة في الجزيرة العربية، ومن ثم تعددية أحوال النفس البشرية وتقلباتها الانفعالية المفاجئة النافرة من الالتزام بقانون جماعي موحَـِد؛

واستقلالية الأبيات المعمارية بناء شكلي يتمثل به وعي الشاعر ـ القديم ـ النسق المغلق في زمن السكون القصير المنتزع خلسة من زمن مديد غير مأمون، ينذر، كل آن، بانقلاب يهدد الحياة بعدوان طبيعي أو عدوان بشري مباغت؛

واستقلالية الأبيات المعمارية، صورة تمثل بها وعي الشاعر انقسام القبيلة إلى وحدات عائلية منفصلة، تجهد كل منها على حدة، لمعالجة متطلباتها المعاشية اليومية؛

وانقسام البيت الشعري على نفسه، يعادل، في صفحة الوعي، انقسام البيت الإنساني ـ القبيلة، والعائلة ـ بين نزوع الاستقرار، كمطلب فطري، وبين ترقب لحظة تنذر بالهلاك، وتستنفر آليات النفور؛

وتكرارية الموسيقى في القصيدة، انعكاس تصويري [فوتوغرافي] لنمطية الحياة العربية، الراكدة حضاريا، التي لم يكن غدها يحمل وليدا سيباين أمه وأبيه، فالماضي يتكرر في الحاضر، والأبناء على عقيدة الآباء، والفردية دائرة منغلقة، وفاعلية الإنسان فاعلية منغلق نافر تجاه الآخر وتجاه الطبيعة أيضا؛

وحياة تجري على وتيرة واحدة، تصير في وعي الشاعر موسيقى وتر واحد، متكررة، توكد الفردية، المنفصلة، ولا توكد اختلافات الفردية المبدعة. وإبداع الفرد فعل يناهض الانغلاق والانفصال في دوائر التكرار التي تكرس القديم، وتعيق تجددات الحياة.

ظلت الحياة العربية قبل الإسلام، رهن التقليد، جامدة المفاصل!

وإذا كانت البيئة العربية القديمة سلطانا يعيق الإبداع، فما السلطان المعاصر الذي يربط الحاضر بوعي الأجداد الفني بالوجود المتغير؟ ما هي الضرورة ـ الحتمية ـ التي تلزم الشاعر العربي المعاصر بالارتداد إلى وعي أبدعه زمان ولّى وأدبر؟!

ثم، هل يبقى الشعر إبداعا إذا ظل الوعي الانفعالي المعاصر يتكيف بالوجود المتغير تكيف الشاعر القدم المتمثل في المعمار البنائي العمودي للقصيدة.. بيد أن المعمار القديم تكيف طواه الزمان مع ما انتهى من الأزمان؟!

فهل تمتلك القصيدة العمودية في العصر الراهن شروطا تجيز اعتبارها إبداعا؟[1]

إن الإبداع فعل الانفعال المتجدد، في نسق كامل، لا تنقسم بنيته إلى شكل ومضمون. هو نسق يجسد الوعي الفني بوجود إنساني خرج من دوائر الفردية المنغلقة إلى واسعية الواحدية الوجودية المبدعة بالتدفق المتواصل ذي الوجهة المستقبلية، طلبا للسلام المبني على الحرية الجمالية، وتأسيسا لعالم مجدول بقانون الحب الأصلي والمنشود.

الإنسان والكون جاوزا علاقة النفور. ووظيفة الشعر ومشروعيته تقاسان بقدرته على تمثل هذه المجاوزة المبدعة. فإذا لم يخرج الوعي من المعمار القديم، فسيظل تعبيرا عن موات الإنسان، وعن غيابه في أجساد تحتويها قبور.. والواقع أن القبور قد أفنت من كان فيها!

وسلاما، سلاما… سلاما!![2]

تطلعا إلى مذهب أدبي عربي جديد..

لا يســقط في الماضي ولا في الحاضر..*

اللواذ بالذاتي فعل دفاعي تبادر إليه الأمم كلما داهمتها خطوب تهدد وجودها. على أن هذا اللواذ بالذاتي قد يأتي بخطر لا يقل شأنه عن أخطار هجمات خارجية، وقد يكون الخطر الكامن في اللواذ بالذاتي أشد نكالا من الخطر الزاحف من الخارج، وذلك عندما يصير رجوع الأمة إلى ذاتيتها سقوطا في الماضي، لا نهوضا بالماضي في الحاضر  ونحو المستقبل.

وإذا ما غزا عدوان أمة من الأمم، فلن يعدو هذا العدوان، مع ضراوته وسعته وتعدد جبهاته، مرحلة الخطر الممكن إلى مرحلة تحقق الخطر بالمعنى الماهوي للأمم، طالما ظل خارجيا لم ينفذ بعد إلى البنية الوجودية، أو لم ينقل بعد جبهة الصراع إلى جوانية الأمة.

ويصير الخطر الأجنبي هزيمة نكراء إذا ما سقطت الأمة في الماضي، أو إذا ما سقطت في الحاضر.

وإن الأدب مرايا العصور والأمصار. وأدب كل أمة هو سجل أمزجتها وصور خلجات الأنفس ومناحي الأفكار. الأدب يعكس دون تكلف أحوال الناس على الكيف الذي يعكسه الانفعال بفعل مؤثر يبدأ من الخارج، فيثير كوامن الداخل على صورة هي البينة الصريحة على مشكلات الحاضر. وللأدب العربي المعاصر دلالة لا تخطىء الحكم بأن الأمة تعيش واقعها مشطورة نصفين: نصف رجع القهقهرى فسقط في الماضي، ونصف بهرته ثقافة الغزاة فأنكره الحاضر بعدما سقط فيه. وليس المشطور كمّ الأمة، فالأمة لا تقبل قسمة عددية بين فئتين من الأفراد، تصنف واحدة تحت عنوان الساقطين في الماضي، وتصنف الأخرى تحت عنوان الساقطين في الحاضر. ولكن الانشطار حالة متكررة في كل فرد، وهي حالة للأمة ممثلة في كل نموذج من نماذجها الفردية.

وهذا جوهر مشكلة الحاضر العربي المشطور اثنين لم يعرفا بعد سبيل التوحد. وما التوحد إلا فعل مجاوزة المشكلة الحضارية الراهنة؛ بتواجد في الحاضر، ينهض من أصل ذاتي، ويتنامى في المستقبل بقوة الأمة النابعة من فعلها، والمغززة بانفعالها.

ويغلب على الأدب العربي المعاصر محاكاة طرائق التعبير للأدب الغربي المنتمي لحضارة أجنبية غازية. ولا تنفك صلة غلبة الأجنبي على الذاتي في مجال الانتاج الأدبي عن غلبة الأجنبي في شتى مجالات الحياة. وليس خطرا على أمة من الأمم أن تأخذ عن الغير شيئا مما لديه؛ وقد فعل العرب ذلك في عصر ازدهارهم الحضاري، فازدادوا بالأخذ عن الأمم الأخرى قوة، ولكنهم كانوا قد أخذوا عن الغير أخذ القوي الواثق، لا أخذ الضعف والضعة تحت ضغوط هزيمة تحيط بوجود الأمة من كل ناحية.

على أن تمادي العدوان يستحيل إلى بواعث نهضة عندما تتيقن الأمة المهزومة أن أصل ما حل بها من هزيمة ليس هو قوة الغزو ولكن وهن الداخل وقابليته للسقوط في الماضي أو في الحاضر؛ ثم عندما تجتهد الأمة للكشف عن أصل كنز ثروتها الثقافية، أساس كل قوة جديدة، في زمان متغير.

ولم يزل الفكر العربي المعاصر يجتهد للكشف عن قاعدة نهضوية يبدأ منها مشروع نهوض عربي جديد. وطوال القرنين الأخيرين، تعددت الرؤى والطروحات وتباينت. وكان بعضها نقلا أو شبه نقل عن مثيلات لها أنتجتها الحضارة الغربية، وكان البعض الآخر منها هروبا إلى الماضي، أو لواذا بالذاتي لواذا لا يدفع الخطر الماثل.

ونُعنى في هذا المقال بمحاولة فكرية ترمي إلى مواجهة الهزيمة الثقافة بعودة إلى الذات، يرجى منها ـ على مذهب صاحبها ـ صياغة مناحي الثقافة العربية المعاصرة، ومنها المنحى الأدبي، موضع عنايتنا هنا.

ونعني بالمحاولة التي ننظر فيها في هذا المقام، المحالة المعنوة بـ”الوسطية العربية” التي خصّ فيها صاحبها الأدبَ بقسم منها، دعا فيه الأدباء العرب المعاصرين إلى العدول عن الوحدة العضوية الوافدة من حضارة أجنبية، وإلى الأخذ من جديد بالوحدة التركيبية المأثورة عن السلف القدامى وتابعيهم على امتداد عصور العرب قبل وبعد الإسلام.

ولا يقلل مذهب “الوسطية العربية” الذي يحمل رايته الدكتور عبد الحميد إبراهيم، من قيمة الوحدة العضوية؛ “فهي مقياس نقدي صادق”، ولكنه ـ يقول ـ صادق من وجهة نظر أصحابه حسب، “لأنهم اكتشفوه من واقع نصوصهم الأدبية ونتيجة لأفكارهم الفلسفية، ولا يتصادم مع تركيبهم الطبيعي أو التاريخي”[3].

فالوحدة العضوية، كما يخيل لصاحب “الوسطية العربية”، هي صورة للفكر الإغريقي الذي “يميل ـ بوجه عام إلى اختلاط الأشياء وامتزاجها، بحيث تضيع خصائص الأشياء في وحدة عامة، تقوم على التناسب والنظام والتنسيق،وتهدف إلى غاية واحدة، تصبح هي الشيء الرئيسي، الذي تخدمه كل الأجزاء المختلطة”[4] .

والحضارة الأوربية الحديثة والمعاصرة، فعل بدأ من لحظة استكشاف جديد للحضارة الإغريقية. ولن تنشأ حضارة عربية جديدة، إلا ابتداء من لحظة استكشاف جديد للحضارة العربية الأولى أيضا.

فإذا صح مفهوم الوحدة العضوية مقياسا نقديا للإنتاج الأدبي الغربي، القديم والمحدث، فهو لا يصح، باعتباره النقدي هذا، مقياسا للإنتاج الأدبي العربي المحدث، إذا ما كان ينبغي أن يجيء هذا الإنتاج ـ العربي ـ تعبيرا عن الذاتية، لا تقليدا لأدب غريب.

أما مقياس الأدب العربي النقدي فهو الوحدة التركيبية على مذهب صاحب الوسطية العربية.

فالطبيعة العربية، في تصوره، لا تعرف تداخل ولا تعقيد الألوان ولا فناء بعض الأشياء في بعض، كما تعرفه الطبيعة الإغريقية.

ومثل التركيب العربي الاجتماعي ـ يواصل إبراهيم ـ كمثل حبات الرمل: قد تتضام فيما بينها وتشكل كثيبا عاليا، ولكنها لا تندمج ولا تفنى، فلكل حبة استقلالها، فكان الحتم أن يعرف العرب وحدة منتزعة من طبيعتهم ومن تركيبهم الاجتماعي، وتعبر عنها النصوص الأدبية والنشاط الفني.

ومذهب ينقد الأدب العربي بميزان “الوحدة التركيبية”، لن تعوزه الأدلة المستخرجة من التراث الأدبي العربي القديم، فلم يشق على عبد الحميد إبراهيم استخراج الشواهد والاستدلال بها من أنواع الأدب العربي القديم ممثلة في الشعر الجاهلي ثم في القرآن الكريم ثم في التأليف الأدبي اللاحق على بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ثم في الأدعية المأثورة[5].

وقد خلص صاحب “الوسطية العربية” بعد وقفته “عند القرآن الكريم، وعند أنواع أدبية ثلاثة، ذات طابع عربي “أصيل”، إلى أن الأجزاء في الأدب العربي تتجاور في وحدة تركيبية، يسمح لها بالاستقلال الذي تتمايز به كل وحدة داخل التركيب العام. “ومن هنا بدت الأعمال الأدبية ذات وضوح وتميز، كوضوح الطبيعة العربية، وتميز سعف النخيل”. وعلاوة على تجاور الأجزاء، فهي مفعمة بالحركة فـ”إن الثبات على حالة واحدة ليس من طبيعة العربي”: وحركتها انتقال من قمة إلى قمة، “وقد تبدو في تنقلاتها ذات قفزات فجائية”، وهي “حركة تتطلع نحو المطلق” بشهادة تسوقها الأدعية المأثورة التي تعبر عن “الإحساس الكوني تمام التعبير، وتخلص الأدب العربي من الأمور الفردية والأشياء العارضة وتوجهه إلى جوهر الأشياء”. ثم إن من سمات الأدب العربي تصويره لفعالية الإنسان، فـ”الإنسان المنتصرهو نموذج الشعر الجاهلي… وهذا الإنسان لا يضيع في طريقه… (و) الفارس العربي ينطلق في الصحراء لا ليفر من الحياة أو ينسى نفسه”. بيد أن عناية الأدب العربي بالسمات الشكلية لا تأخذ هذا الأدب “بعيدا عن العنصر الآخر المكمل له، والذي يتشوف نحو المطلق في حركة متضرعة خاشعة”[6].

ولا نماري في أن الحكم على الأدب في ثقافة ما، لا يصح بإخضاعه لمقاييس نقدية منقولة عن ثقافة أخرى، فلا يصح أن نقيس جودة الأدب العربي القديم، بمقياس نقدي أوربي، إذ أن لكل ثقافة خصائصها المستمدة من بيئتها؛ فالبيئة الاجتماعية والطبيعية هي مناخ ولادة وتنامي الثقافات. وما اختلاف الثقافات إلا اختلاف البيئات الاجتماعية ، إذ الإنسان على إطلاقه إنسان واحد، فهو عامل ثابت بهذا الاعتبار، لكن الناس تتباين فيما بينها وفقا لتباين العوامل المتغيرة للبيئة الاجتماعية ـ متضمنة التراث القومي ـ وللبيئة الطبيعية. فإذا خلا الأدب العربي القديم من الوحدة العضوية فهو خلو لا يعيبه؛ فلا يعيب ثقافة ما، أن يغيب عنها مقتضى ثقافي تستوجبه ثقافة أخرى، ولكن المعيب المرفوض هو أن تنقل ثقافة ما، صورا أو مضامين من مولدات ثقافة أخرى، نقلا لا مسوغ له غير دافع محاكاة ما لدى الغير، دون أن يكون لهذا الدافع قيمة في المنقول تغني الناقل وتؤصله.

النقل مسوغ إذا كانت قيمة المنقول إنسانية تضيق عن استيعابها الخصوصية القومية. أما كل خاصة تسع الناس أجمعين، فهي حق للناس أجمعين لا يقبل أن يحتكره قوم دون قوم بأية حجة، اللهم إلا أن تكون حجة غشوما.

فهل الحكم على الأدب العربي الجديد بمعيار الوحدة العضوية حكم لا مسوغ له بدعوى أن الوحدة العضوية معيار نقدي أوربي المنشأ والتطور، وبدعوى أن الثقافة العربية التراثية لم تعرف هذا المعيار ولم تُخضع إنتاج أدبائها له؟

والحق أن صاحب “الوسطية العربية” لم يحتم العدول التام عن الحكم على الإنتاج الأدبي العربي بمعيار الوحدة العضوية، ولكنه أبى أن يحكم بهذا المعيار وحده، “فقد يجوز أن نضيف إليه مقياسا آخر”، هو “الوحدة التركيبية”[7]. على أنه بما تفصح عنه النصوص لا يأخذ هذا الموقف إلا من الأدب العربي القديم وحده[8]. وهو يعود فيبدي انحيازا واضحا إلى إخضاع الأدب العربي لحكم معيار “الوحدة التركيبية” بقوله: “ليست مهمة النقد هي البحث عن وحدة عضوية، أو تطويع النصوص لهذه الوحدة، ولكن مهمته الحقيقية ـ يقول ـ هي تعميق الوحدة التركيبية، والمساعدة على إدراكها”[9].

وليس جليا من النص السابق إذا ما كان هذا الانحياز للوحدة التركيبية وقف على الأدب العربي القديم أو هو يشمل الأدب العربي كله، بما فيه الأدب العربي المعاصر.

على أن صاحب الدعوة إلى العودة إلى التراث الأدبي العربي لا يلبث طويلا دون الكشف عن انحياز تام إلى مبدأ “الوحدة التركيبية” الشامل للأدب العربي كله ومنه الأدب العربي المعاصر. فقد عاد باللائمة الشديدة على الأدباء العرب المعاصرين لخروجهم عن مناهج الأجداد، ومخالفتهم لهم “كل المخالفة، فلو بعث ـ يقول ـ رجل من أهل الكهف لارتدّ فزعا وفضّل العودة، لا بسبب البعد التاريخي الزمني، بل بسبب أنه سيلتقي بأقوام غرباء لا تجري في عروقهم قطرة من دمائه”[10].

فقد اصبح ـ يقول ـ أدب العرب المعاصرين “صدى للأشكال والتيارات والمذاهب الأوربية”[11].

وقد أدى هذا، أضاف، إلى “تشكل الذوق (العربي) المعاصر بطريقة خارجية.. وهذا أمر خطير، لأن استيراد الذوق لا يعني استيراد سيارة أو مصنع، بل يعني ـ الرأي له ـ تشكيل إنسان بصورة غربية، فيصير مسخا من القرود”[12].

ويوكد عبد الحميد إبراهيم موقف الانحياز إلى أدب عربي معاصر يؤسَس على “الوحدة التركيبية” بما يقترحه من شكل عربي “يقوم على مفهوم الوحدة التركيبية”[13]. وقد خيل له أن “قصة” “ملكة الصباح وسليمان أمير الجن”، تصلح مثالا تقريبيا لهذا الشكل المقترح”؛ فهذه القصة “لا تعتمد على العقدة… (و) لا يمكنها أن تقدم للقارىء انتظام الحركة والعقدة والخاتمة التي يمنحها الهيكل الروائي (الأوربي).. ومع ذلك، فإن هذه القصة وبمواصفاتها السلبية هذه بمعيار النقد الأدبي الأوربي ـ يقول ـ هي “أقرب إلى طبيعة الشكل العربي المقترح”؛ فهي، لديه، تقوم على “الوحدة التركيبية”[14].

فلا ريب إذن أن دعوة “الوسطية العربية” هي دعوة للواذ بالذاتي ولا يخفي المتبني لها هذا الموقف، وهو يزعم أنه ليس غير “ناقل أمين ومخلص (وأنه) قد عبّر عن مذهب كان قائما بالفعل ويؤثر على سلوك الناس في القديم”[15].

فهل يحق لمذهب قام وأثر في الناس قديما، أن يقوم ويحكم الناس في الزمن الحاضر؟

نقول أجل، على شرط أن يتولد هذا المذهب من الأصل الثقافي الذي يسري من الماضي إلى الحاضر، ويقدر على أن يواصل تدفقه في المستقبل!

فهل يفي مذهب صاحب “الوسطية العربية” بهذا الشرط؟ نقول: كلا، رغم ظنه أن مذهبه يستوفيه!

فالمذهب الذي يتبناه صاحب “صاحب الوسطية العربية” ينتمي إلى الماضي ويغيب عن الحاضر، انتماء وغيبة غير مشروعيتين؛ فإن المذاهب الأدبية لا تأتي على غير مقتضى الواقع، فإذا اقتضى الواقع العربي القديم ـ طبيعيا واجتماعيا ـ أن يجيء التعبير الأدبي على صورة الرابطة بين حبة رمل وحبة أخرى من كثيب، فلا ضرورة ـ من طبيعة أو اجتماع ـ أن يجيء التعبير الأدبي العربي الجديد على صورة التعبير القديم؛ فليست بيئة العرب اليوم بيئة الكثبان الرملية، والكثبان الرملية العربية لا تستقر على حال بطبيعة تكوينها، فلماذا يتوجب على الأدب العربي أن يستقر على صورة تعبيرية واحدة لا تتغير على مدار الزمان، أو مع تغاير الأزمان؟!

إن نقل صورة من الماضي، والأدق أن نقول إن نقل الحاضر إلى صورة الماضي، إسقاط للحاضر في الماضي لا ينفع الماضي ولا الحاضر، فهو يمنع الحاضر من تحصيل فائدة الماضي، بتجميد الحاضر في الماضي، ثم بتجميدهما معا.

على أن الماضي العربي يقدر على أن يبعث الحاضر إذا ما اهتدت الرؤية العربية المعاصرة إلى المعنى الواحد الجامع [الأصل] للثقافة العربية. وهذا المعنى [الأصل] لا بد أن يظل ثابتا لا يقبل التغير بمقتضيات العصور والأمصار، وهذا المعنى ليس صورة تعبيرية، ولكنه الجوهر المحض أو الأصل الذي يخلق الصور التعبيرية للحياة، ومنها الصور الأدبية.

وقد قرر صاحب “الوسطية العربية” أن التراث العربي الخاص هو الإسلام[16]، ولكنه فيما يبدو لم يف هذا التقرير حقه، ولا يستوفي تقريره هذا حقه إلا أن يؤسس عليه رؤيته [العربية المعاصرة] التي تطلب غاية النهوض.

والإسلام ليس تراث العرب فيما بعد نزول القرآن الكريم، ولكنه تراث العرب قبل النزول وبعده. فالوحي جاوز بالحياة العربية مستوى ما قبل البعثة المحمدية، والمجاوزة إعادة صياغة للقديم، لا نفيا له؛ فالقرآن الكريم لم ينفِ القديم العربي ولكنه كشف عن “أصله” ونفح في هذا الأصل بقوة الحياة، فتقدم العرب من الماضي إلى الحاضر ـ حاضر البعثة النبوية ـ تقدما حضاريا فاعلا واسعا على أرض إيمان عميق بالله الواحد، تمثل في التطبيق بوحدة الأمة المؤسسة على عقيدة الإسلام الجماعية التي لا تلغي وجود الفرد ولكنها توسع هذا الوجود، ليتعادل، في الحقية الوجودية، مع وجود الأمة كلها.

وقد ذكر صاحب “الوسطية العربية” بين ما ذكر من سمات الأدب العربي القديم، سمة الحركة  التي “تتطلع نحو المطلق” التي عبرت عنها الأدعية المأثورة، بقوله، “تمام التعبير”[17]. ولم يجىء التعبير عن هذا التطلع نحو المطلق في الأدعية المأثورة ابتداء، ولكنه مبثوث في صور التعبير الأدبية العربية القديمة كلها، وهو جوهر الرسالة المحمدية، ومعناها وأصلها الذي يميزها. ولكن هذا التمييز لا يحصل دون أن يفسر بأن التطلع إلى المطلق يساوي عقيدة جماعية توحد الأمة وحدة عضوية ـ لا وحدة خلط ـ فلا تلغي الكيان الفردي، ولكنها تعيد صياغة هذا الكيان صياغة جماعية فاعلة؛ فاعلة بفاعلية فردية، لكنها فاعلية الفرد الجماعي.

ونحن نحسب أن القرآن الكريم لم ينصب للأدب غير ميزان الجماعية. فالله تعالى أطلق سهام نقده من أصل الإسلام إلى الشعراء الذين يتبعهم الغاوون. والذين يهيمون في كل واد، والذين يقولون ما لا يفعلون. فالقرآن أنكر على الشعراء وظيفة التفريق الذي نزل الوحي منكرا لها على كل أصعدة الحياة الإنسانية ومنها صعيد الإنتاج الأدبي.

والقرآن الكريم لم يلتفت إلى الشعر بوصفه تعبيرا فنيا له خصائصه وأدواته المستقله، ولكنه عني بالشاعر باعتباره عضوا في جماعة له دوره المتميز البارز. فلم يوجه القرآن عنايته إلى صور التعبير وأدواتها الفنية، فظلت صور التعبير والأدوات الفنية الشعرية محررة من مذهب قرآني في النقد تقديرا من الله الحكيم العليم أن الصور التعبيرية والأدوات الفنية أشكال يطرأ عليها التغيير، ولا يقيدها شكل بعينه، إذ التقييد تجميد للحياة الإنسانية التي تتأبى على الجمود في شكل أو لحظة زمانية.

ولكن الحياة التي تختلف صور التعبير عنها، تظل هي الحياة التي لا تنفك عن معناها الأصلي. ونحسب أن معنى الحياة الإنساني الأصلي هو فعل مجاوزة الفردية المنغلقة إلى الفردية الجماعية، وهو ما يعادل الانفتاح العقلي الواحدي، على عالم ينبع من أصل وجودي واحد، وهذا هو معنى الإسلام أيضا، وخاصته المنماز بها.

إغذا كانت “الوحدة التركيبية” هي الصورة الفنية للأدب العربي القديم، فليس يقتضي هذا أن يظل الأدب العربي على هذه الصورة في كل العصور.

وإنما الانبعاث الحضاري استقراء جديد للتراث، وليس غيبة فيه. وكل قراءة جديدة، محكومة عن اضطرار، بعوامل البيئة الطبيعية والاجتماعية [الثقافية]. وهذه المحكومية لا تعني إلا أنها بعث ما في التراث من عوامل القوة التي تؤهل الأمم إلى مواجهة العدوان الذي يهدد وجودها.

وإذا كانت ثمة أولوية في العمل العربي النهضوي المعاصر، فإنما هي مجاوزة الفردية المنغلقة إلى الجماعية الفاعلة. وتلك مهمة الأدب، ومهمة كل مذهب أدبي عربي جديد.

وعلى هذه القاعدة، نتطلع إلى مذهب عربي في النقد الأدبي، لا يسقط في الماضي، بالغيبة في لحظة تجاوزها الزمن؛ ولا يسقط في الحاضر، بالغيبة في تصورات لا تنتمي للأصل الثقافي العربي. ولا قيمة لهذا المذهب المرتجى، إلا قيمة الوفاء بمتطلبات الحقبة الزمنية العربية الراهنة، أو بمتطلبات مشروع النهوض العربي المرتجى. وإن من هذه المتطلبات، أدب يتمثل الطموح ويرقى به على مدارج الجمال إلى الذرا العالية، وليس يقدر على تصوير الطموح العالي في هيئته الجمالية غير عمالقة أفذاذ، تمتد جذورهم في الماضي، وتشمخ هاماتهم في أفق المستقبل البديع.

موقف نقدي واحدي*

الفعل الأدبي نبض منحاز بذاته، متواصل مع نسيج واحد تتوالد منه الأبعاض ولا ينفصل تولد منها عن تولد.

فالفعل الأدبي، كل فعل أدبي، نص مفتوح البداية والنهاية. وبالبداية المفتوحة يتوحد أديب مع الحادثة موضوع العمل؛ ويالنهاية المفتوحة يتوحد العمل مع الواسع المطلق.

والتوحد، سواء توحد البداية أو نوحد النهاية، ليس فعلا مضافا إلى ما هو كائن، ولكنه فعل توكيد الكون بأبعاده الزمانية المكانية. فالأدب، من وجهة نظر الواحدية، كما نتبناها، هو الفعل الذي يوكد الرؤية للوجود بوصفه نسيجا واحدا كثير الفعليات [الفرديات]، دون أن تلغي رؤيتنا الواحدية القول إن للفعفليات [الفرديات] مشروعية وجودية أصيلة، وإنها ـ وحدها ـ الحقيقة التي تجسد، في معرفتنا حقيقة النسيج الوجودي الواحد.

الفعل الأدبي ابتكار مستحدث، لا يكرر الماضي، ولا يتكرر في المستقبل، فهو إبداع، وشرط الإبداع أن يكون منحازا بذاته.

(النقد الواحدي) يواجه كل نص إبداعي برؤية إبداعية أيضا. وبحكم إبداعية (الرؤية النقدية الواحدية)، وبحكم أن النص الأدبي، هو مادة الفعل النقدي، وأن النص سابق وأن النقد لاحق، فلا بد أن يكون النقد إبداعا يجاوز إبداع النص.

الواحدية رؤية ـ عقلية ـ تتقدم بالسابق من خلال فعل تولدي، فهي لا تلغي ما فات، هي ابن الفائت وأمه في وقت واحد. هي ابنه باعتبار تولدها منه، وهي أمه التي ترضع الإبن الذي صار إليه الماضي، من صدر يسع الكائن ويسع الأحلام معا.

الواحدية، لا تقيس نصا أدبيا بمقياس أدبي ينتمي للفائت، الفائت ذائب في الراهن، ولا ينحاز بذاته انحيازا وجوديا؛ واستخدام منهج ينتمي للفائت لنقد فعل ينحاز بذاته في الحاضر، هو حكم على وجود مجسد بمقياس كان قائما في الماضي وهو ميت فعلا في الحاضر.

الماضي مات بذاته. والماضي هو كل سابق على لحظة الصيرورة التي يتفلت بها الزمان من الموت ليؤكد وجوده المستمر في الحاضر. وكل مدارس النقد، وكل الأدوات التي استخدمتها مدارس النقد، ماض تفلت منه الزمان. و(النقد الواحدي)، يسع الماضي، ولكن الماضي لا يسعه.

مثال توضيحي: إن تذكير لفظة مؤنثة، في سياق يقتضي ـ وفق أحكام اللغة القديمة ـ  التذكير، ليس خطأ بحجة أنه مخالفة لغوية اتفق أهل اللغة ـ في الماضي ـ على تخطئتها، ونحسب أن الحق هو أن نتعامل مع الاستعمال الجديد، كما هو، وفي سياقه.

ونحن ـ برؤية نقدية واحدية ـ نقبل التجديد، لا باعتباره خيارا بين قبول الجديد أو قبول القديم، ولكن باعتبار التجديد هو وظيفة كل فعل إبداعي، وباعتبار الإبداع فعل تجديد، يصور نبض الوجود المتجدد في كل نقطة من نقاط تقاطعات نسيجه، وهذا النسيج متجدد خلال تجدد كل فعلي [فردي] من فعلياته [فردياته].

و(النقد الواحدي) ـ نقول ذلك مرة أخرى ـ يواجه النص الأدبي كما هو، لا كما بفرض الماضي أن يكون؛ فالماضي لحظة مطوية، ولا نقول ملغاة، ما دام الحاضر هو ابن الماضي، وهو أمه أيضا!

السؤال المشكلة*

ينفي فريق من المعنيين بالأدب الوجوب الذي يقرره الدعاة إلى ابتداع مدرسة نقدية عربية تتميز معاييرها عن معايير النقد التي أبدعتها البيئات الثقافية الأخرى، بحجة الوحدة الأصلية للفعل الإبداعي الفني التي يجليها كل إنتاج إنساني ينتمي إلى قيمة الجمال، هذه القيمة التي لا تحيط بها ثقافة قومية، ولكنها تحيط بالثقافات القومية كلها، باعتبارها عطاءات للإنسان الواحد، الذي يجوز له التعبير عن فردية مباينة في أوجه من نشاطات لا تبلغ المستوى العميق الذي ينشد فعل الإبداع الجمالي بلوغه.

فما الضرورة إلى مدرسة نقدية عربية تنبني على أسس غير الأسس التي أنبنت عليها مدارس النقد الأدبي في أوساط ثقافية أخرى؟

وهل تصح دعوى التمايز النقدي التي يؤمن بها الفريق الذي لا يؤمن بوحدة معايير النقد الإنسانية؛ بيد أن الدعوى ذاتها تبع لموضوع ينتمي بالمنشأ والتطور إلى ثقافة أخرى غير الثقافة العربية؟! فالتاريخ الثقافي العربي لم يبدع أجناس الفنون الجميلة التي يعالج بها الإنسان المعاصر مسائل وجوده؛ فالثقافة العربية لم تبدع فنون الشعر المحدث والرواية والقصة والمسرحية والرسم والنحت. وأما ما أثبتته الذاكرة الثقافية العربيةمن فنون الشعر ـ المقفى الموزون المصفوف في عمودين ـ والمقامة والخطابة والرسالة، على النسق الفني القديم، فهي فنون طواها الزمن المنصرم وحملتها الأيام إلى حيث يحمل كل ماض بحكم قدر لا مرد له!

وقد يراوغ أصحاب دعوى التمايز بالزعم أن الموضوع الفني شكل ومضمون، فيجوز، في مذهبهم، الإفادة بالشكل وحده تحت شروط بيئات أخرى غير بيئة المنشأ المتميزة بمضامينها المختلفة عن مضامين البيئة العربية اختلاف الثقافة العربية عن الثقافات الأخرى؟!

فهل يقبل “الواحد” قسمة أبعاضه، ثم نقل أبعاض منه لتزرع في بيئة مخالفة للبيئة التي أبدعت هذا “الواحد” المبتلى بفعل قسري لا يراعي الحق الوجودي “الواحدي” المتميز لكل خلق؟!

ثم إذا جاز نقل بعض “الواحد” وهو هنا الشكل، فهل تنقل معه مدارس النقد التي تعنى بالشكل دون المضمون؛ فإذا صحت قسمة الموضوع الواحد إلى شكل ومضمون ـ صحة مفترضة لا مسلمة ـ فهل الدعوى بوجوب ابتداع مدرسة نقدية عربية متميزة، هي دعوى محدودة بالمضمون وحده؟! فهل يلزم عن هذه الدعوى عند تناول فعل مبتدع، أن يبدأ هذا التناول بنفي حق المبدع “الواحد” بواحديته الوجودية التي هي ـ وحدها ـ فعل التجلي، أو موضوع النقد؟! هل يشرع للناقد ـ والنقد قضاء ـ أن يستهل النظر في الخلق “الواحد” بتقطيع أوصاله؟!

وهل الخلق “الواحد” هو الخلق ذاته بعدما يقسم أبعاضا؟!

فهل الدعوة إلى مدرسة نقدية عربية متميزة دعوة مشروعة؟! هذا السؤال ـ المشكلة ـ يندُّ عن الأدب؟!

النقد الجاهز يناقض الإبداع*

الشعر فعل يتفلت به جماع الكل الذي يتفلت من وضعية الحلول في كائن راكد تصدأ الأنا في ظلماته. وهو ـ بمعناه هذا ـ فاعلية تفضُّ بكارة الصبح بخيال جمح به القلق المبدع، فتفتّح إشراقة وجودية تنمحي بها بثرة عفونة تخلّفت عن أنوية منغلقة مقيتة. الشعر خلق جديد متفرد من كلام تنبض أنساقه الفنية صورا مبدعَـِة منتزعة من الوضعية الكائنة للشاعر، الوضعية المتنامية من تجربة ماضوية تعبر لحظة الحاضر، عبورا يُعَضْوِن الماضي والحاضر في وحدة تقتحم المستقبل. وليس المستقبل، كما الماضي والحاضر، في تجربة الإبداع، ليس هو الزمان المقيس بحركة كونية طبيعية مردودة إلى حركة كونية طبيعية أخرى، ولكنه الزمان الكوني الوجودي الذي يلد الفعل المبدع ويلده الفعل المبدع؛ أو هو الزمان في الرؤية الواحدية للفعل المبدع (بفتح الدال)، المبدع (بكسر الدال)، في سيرورة لحظتين نمايز بينهما لغرض إجرائي، ولا يتمايزان بطبعهما الواحدي الذي يطبع تجربة الإبداع الفني مثلما يطبع كل حوادث الوجود على الإطلاق.

الشعر خلق فرداني واحدي يتعين في أحوال، كل حال منها هي عَضْوَنة عوامل كثر في مبدَع يتلقاها المتلقي كلا واحدا؛ فتنضاف إلى تجربته عاملا يَتَعَضْوَن في شعوره المزامن لتخلق تجددا انفعاليا متعاليا على الحاضر مقتحما المستقبل. وهو في مراحل سيرورته لا ينفك عن الجرثومة الفنية التي يشرع للتحليل النقدي الإجرائي أن يحددها بذاتها وأن يعزلها ـ لغاية إجرائية ـ عما يَتَعَضْوَن معها من عوامل الفعل البديع الأخرى.

ولا أحسب أن في إمكان هذه الوقفة العجلى أن تقبض على المعنى الدقيق للجرثومة الفنية الشعرية التي سوغنا للناقد أن يعزلها لغرض إجرائي، فما زالت هذه المسألة مشكلة يحوم حولها الدارسون، ولا يجرؤ أحد على الزعم بأنه فضحها؛ ولكن العجز عن فضح حقيقتها لا ينفي شرعية محاولات النمو منها، بل هو، أعني العجز هذا، مانح الشرعية للدراسة المتواصلة التي تتغيا اختراق القلب المحض للتجربة الشعرية ولكل تجربة جمالية أخرى، ولكل فعل خلق وجودي.

وقد نشأت مدارس النقد للشعر عن الشرعية الناشئة عن حق الدارسين، وعن واجبهم أيضا، تجاه التقدم نحو محض الفعل البديع بغاية فضحه، إذا جاز أن هذا المحض ذو كينونة متعينة تترقب فارسا يقتحم الستور والحصون، حجابا بعد حجاب، لينتهك كل حجاب.

وطالما كانت جرثومة الشعر فرضا لم يعيِّنه الكشف، فهو فرض قد لا يقبل التعين لكنه يقبل النفي؛ فالجرثومة التي هي محض الشعر، ذات وجود لم يعين بعد، تكشف عنه التجربة الشعرية، كشفا عاما لا محددا، يطابق المدى الذي ينتجه الفعل الإبداعي، الذي يسجل تباينا مشروعا في تفصيلاته، ويسجل في الوقت ذاته، وحدة فاردة للشعر عما سواه من أشكال الفعل الإنساني.

كيف نقارب فهما معياريا نهائيا للشعر؟ هل يصح افتراض قبول الشعر لفهم معياري نهائي إذا كان الشعر تفلّتا من كل كائن، وانطلاقا في المستقبل المفتوح؟ وفعل من طبعه التفلت لا يقبل الحجر عليه تفرضه مذاهب نقدية جاهزة تنتمي إلى زمان ماضٍ، لا إلى سيرورة الزمان المتفلتة دوما من أسر الماضي.

إن محاكمة أي نص شعري مبدع بأي معيار نقدي جاهز يعني أن النقد قيد على الفعل الإبداعي ترفضه الطبيعة الإبداعية المتفلّتة من الماضي؛ إذ النقد المحكوم بمعايير الماضي هو فرض للماضي ولهيمنته السلطوية على ما هو خارج من الماضي وخارج عنه. فالنقد، وفقا لمدارس تنتمي للماضي، سلب للخاصة الحميمة للإبداع، وهي خاصة التفلّت من الكائن بكل أوجهه.

وافتراض أن للشعر جرثومة فنية مميزة له، لا يمنح الناقد الحق في رد الشعر إلى معيار جامد، فإذا كان للجرثومة الشعرية خصائصها، فلن يكون من خصائصها أنها كينونة جامدة؛ إذ الجمود نقيضة من نقائض الإبداع، ونقيصة من نقائصه التي تأتي عليه كله فتنفيه.

كل نص شعري بديع ذات مستقلة، وخلق جديد، ولا بدّ أن يكون كل نقد للشعر تساوقا جديدا وخلقا مستقلا مع حالة إبداع قوامها التفلّت من القديم والتحرر من قيوده.

ومثلما الشعر انفعال متجدد، فالنقد انفعال متجدد بانفعال الشعر المتجدد. والانفعال في الشعر والنقد على السواء لا يقابل العقل ولا يلغيه؛ فالعقلانية انفعال، وهي انفعال فاعل، أو هي الفعل الذي يتخلق ويخلق؛ والإبداع، شعرا ونقدا، فعل يتخلق ويخلق.

الأنوثة وفزعها*

هل ينفرد أدب النسوة بخصائص يمتاز بها عن أدب الرجال؟

هذا سؤال يثير فزع الكثير، وهو يثير فزعا أشد عندما يستحيل من صورة السؤال إلى صورة التقرير!

ولكن الفزع ليس هو الرد النافي للسؤال، أي سؤال، ولا هو الرد الناقض للتقرير، أي تقرير!

وقد يكون الفزع دليلا ـ من بين أدلة أخرى ـ على إثبات القضية المعنية وتوكيد موضوعها. فإن الفزع الذي يتفجر كلما برزت دعوى خصوصية الأدب الأنثوي إن هو إلا انكشاف المطويّ في لفائف أدمغة تتفاعل مع الأفكار دون مستواها، ومن ثم، تتعامل مع السؤال ـ الذي هو حق مشروع على كل حال ـ بمنهاج يوشي بالخصوصية الأنثوية التي تجمع إنتاج النسوة الأديبات ـ أو المستأدبات ـ وتجمع خصوصية الأنوثة أيضا ـ على كل وجه من وجوه المرأة.

تفزع النسوة من الدعوة إلى أدب نسائي منماز بخصائص الأنوثة، لدوافع مختلفة، ولكنها كلها نسج على مغزل واحد، هو مغزل الأنوثة المغاير لمغزل الذكورة.

 وتصخب النسوة في مواجهة نقد يشترط، أول ما يشترط، في أدب الأنوثة أن ينبع من خاصة الأنوثة التي تتجلى في أصدق تجلياتها في فعل الإبداع الحيوي الوجودي الذي لا يدانيه إبداع إنساني سواه، وهو فعل التوالد الذي ترتقي به المرأة درجة لم يؤهل غيرها لارتقائها.

وفزع المرأة وصخبها من الدعوة إلى تمايز أدب الأنوثة عن أدب الذكورة، يحمل ـ فيما يحمل ـ معنى الأنوثة ذاتها؛ نقصد ذلك المعنى الذي يعطي الأنوثة قيمتها المطلقة مقابل المعنى الذي يعطي الذكورة قيمتها المطلقة.

والقيمة المطلقة للأنوثة هي قيمة المفعولية[18] ؛

والقيمة المطلقة للذكورة هي قيمة الفاعلية؛

خاصة المرأة في الدائرة التي توحدها مع الرجل هي خاصة المفعولية وهي خاصة لا تتدنى بالمرأة، كما لا تترقى بالرجل خاصة الفاعلية التي تميزه بالوظيفة ـ لا بالشرف ـ في دوره الوجودي. بينما تنماز المرأة بخاصة المفعولية بالوظيفة والشرف معا، بيما هي تؤدي على وجه التمام دورها المحكومة به بحكم أنثوي لا ينفيه الفزع ولا يلغيه الصخب.

ولكن مفعولية الأنوثة ذات شذى، ومن هذا الشذى أن تجيب بالنفي الظاهر على كل دعوة تستقي ماء من بئر الأنوثة وتفتح أفق المرأة إلى أقصى مداه؛ ومن طبائع النسوة أن يقلن لا، ولكنهن يقلنها من طرف لسان نهايته الجوانية مزروعة في قلب ينبض بالشوق الأثير، وبرجاء وصال يحقق معنى الأنوثة الكامل، المعنى الموحِّد لشطري الإنسان، معنى المفعولية الفاعلة، وهو معنى يزيد على معنى الفاعلية الذكرية تفضل النسوةُ به الرجالَ كما يفضل الكلُ الجزءَ.

…وكانت امرأة أديبة قد أعربت ذات مرة عن فزع النسوة من تقسيم الأدب إلى أدب رجال وأدب نساء.. وكان ذلك في مقابلة صحفية أدارتها معها امرأة أديبة أيضا، ولم تخالف الأخرى فزع الأولى.. وكان أني التقيت مع الأديبة الأولى، وحين أنكرت ـ أنا ـ هذا الفزع الأنثوي من حقيقة تدعو إلى ما ينبغي أن يكون عليه أدب النساء، وبعد أن بينت موقفي الذي أعلن عنه هنا، قالت محدثتي: “إذا كان في الرجال رجل على هذا الرأي، فإنني في مقابلة أخرى سأعلن اعتزازي بأني أديبة يصدر إنتاجها عن خاصة الأنوثة التي تنماز بها المرأة عن الرجال”.

فإذا حققت النسوة في أدبهن خاصة الأنوثة، يكنّ قد أعطين إبداعا منمازا؛ وإن المرأة هي الشطر الذي يهب الوجود إبداعه المنماز، بحكم وظيفتها الكلية: وظيفة الأنوثة!

الإبداع فعل جماعي المدخلات والمخرجات والمعنى*

انفك الرابط بين الفعل الإبداعي والغلاف الضبابي الداكن من حوله في السنوات الأخيرة؛ بما أولاه الباحثون النفسانيون من عناية علمية بظاهرة الإبداع، وبالدرجة اللائقة بها؛ تأدت إلى تبديد قسط كبير من الغموض الذي حجب، لمدة طويلة، حقيقة الفعل الإنساني التجديدي المعروف بالإبداع؛ الفني والعلمي.

كان الرأي التقليدي في الإبداع يذهب إلى أن الإبداع ظاهرة ترتد إلى أصول تقوم خارج الدائرة الإنسانية؛ لا تقبل ضبطا ولا تقويما. ثم جاء عالم النفس “جيلفورد”، الأمريكي الموطن، عام 1950م، فدشن ببحوثه عصرا جديدا من النظر إلى ظاهرة الإبداع، التي غدت، من منظوره، سلوكا إنسانيا يقبل الدرس، وممكن التعلم؛ فاستعاد المبدع “إنسانيته” التي تجمعه مع الناس كافة؛ فإذا كان ثمة تمايز ما بين المبدع وغيره، فهو التمايز الناشىء عما يحوزه المبدع من كم وافر من أفكار جديدة، لم يسبقه إليها غيره؛ حازها بالجهد المتواصل الذي يقتضيه منه دوره الإبداعي، المتضمن عنصر الاستمرارية؛ وما يقتضيه مطلب التنامي الإبداعي. إن الإبداع ظاهرة لا تندّ عن ظواهر الحياة الإنسانية الأخرى، وتتقد شرارتها بما يغذوها، وتخمد بالغفلة والتراخي.

وبرزت فكرة الإطار في بحوث الإبداع، وقرر الباحثون أن مضمون الإطار مكتسب وليس فطريا[19]. ودلل علي عبد المعطي محمد على الفكرة التي تقول إن الإطار مكتسب، بشهادات سجلها مبدعون[20]؛ منهم “ليوناردو دافيتشي”، الذي قال: “تعمل العبقريات قليلا، وتفكر كثيرا”، وقال هذا الفنان العظيم، يخاطب المصور الناشىء: “إذا أردت الحصول على درجة مرموقة في الفنون، فاعمل على دراسة المجسمات والأشكال في الطبيعة، والأعمال الفنية، مبتدئا بدراسة تفاصيلها، ولا تحاول الانتقال إلى الخطوة الثانية، قبل أن تتم استيعابك للخطوة الأولى، وتسجيلها في ذاكرتك، والتدرب عليها عمليا في مذكراتك؛ فإذا ما حِدْت عن هذا الطريق، فقد أضعت وقتك سدى”. ويرى “دافينشي”، أن من الخير للمبدع، أن يدرس القديم، ليستوعب منه منهجا له[21]، بدل أن يقفز إلى التجديد قفز الطفرة.

وذكر مبدع ثان، هو “جون كيتس”، أنه كان يقضي ثماني ساعات يوميا بين القراءة والكتابة، وكان لا يخفي وقوعه في دائرة تأثير “شكسبير” عليه. وقرر صراحة أن “شكسبير” يسيطر عليه ويوجهه. وانتشرت عبارات شكسبيرية كثيرة فيما كان يكتب من خطابات، بدون جهد ولا تكلف. ولاحظ “ريدلي” أن ذهن “كيتس” زاخر بتراث شكسبيري، أكبر مما هو زاخر بأي تراث آخر.

وأشار المبدع “بايرون” إلى اكتسابه إطارا إبداعيا، فقال في خطاب له” :لقد اشتريت عدة كتب.. من بينها أعمال “فولتير” كاملة في اثنين وتسعين مجلدا، وجعلت أقرؤها”. وكان يحرص على اقتناء الكتب لقراءتها، “ولا يحسب للنفقات حسابا”. وكانت مطالعاته متعددة الموضوعات؛ قال في أحد خطاباته: “إني مشغول الآن بالقراءة عن الإغريق والفرس”.

وكان توفيق الحكيم يقرأ مائة صفحة، أو أكثر، كل يوم، وفي شتى الاتجاهات المعرفية؛ قال في رسالة له: “لم يكن الحب في باريس بالقوة التي تخرجني عن التوازن، إنما الذي أخرجني عن طوري هو حب الأدب، وحلّت المطامع الأدبية محل المطامع العاطفية”. وكان يعتني، بينما كان يقرأ، بالفن، وسر الصنعة، وأسلوب البناء، وخلق الأشخاص، ونسج الأجواء، وإحداث التأثير؛ قال: “إني أعيد أحيانا قراءة الفصل الواحد، بل الصفحة الواحدة، مرات… كم أعدت قراءة موليير لا لشيء غير دراسة طريقته في تقديم الأشخاص ورسم أخلاقهم”.

توضح الأمثلة السابقة ما يوليه المبدعون من أهمية لعملية اكتساب إطار ثقافي نوعي، وفقا لجنس الإبداع الذي ينتمي إليه كل منهم. كان “دافينشي” رساما، فاتجه إلى تكوين إطار في فن الرسم؛ وكان “كيتس” شاعرا، فشغله الاهتمام بالشعر؛ ونحا “بيرون” نحوا خاصا به؛ ونحا الحكيم نحوه الخاص به أيضا.

والإطار، إضافة إلى كونه مكتسبا، هو “شرط ضروري للإبداع”[22]. فـ”إن لم يكن الشاعر أو الأديب أو الفنان ذا ثقافة واسعة، أجهد عقله في اكتسابها، لما أتيح له أن يصوغ الآيات الفنية الخالدة التي تطوي الدهور طيا بدون أن تفقد روعتها، بل تزداد جمالا كلما اتسعت آفاقه الإنسانية الثقافية، وأصبح أوسع فهما..”[23].

ويعمد كثير من المبدعين إلى إخفاء ما بذلوا من جهود سابقة على لحظات الإلهام، “حرصا منهم على الاحتفاظ لإلهاماتهم ببريق خلاب”[24]. بات هذا العمد ـ غير العلمي ـ من رؤى الماضي التي تفندها تجاريب النفسانيين في حقل الإبداع، خاصة تلك التي تعنى بتنشئة المبدعين.

وبينت الجهود التي بذلها علماء نفسانيون[25]، أن من الممكن زيادة القدرة الإنسانية على الخلق والابتكار؛ بالتدريب المباشر لبعض المتغيرات النوعية في الإبداع، أو من خلال التربية الحاضنة للشخصية الإبداعية، بإثارة مناخ اجتماعي مبكر، مناسب. وأمكن عزل العوامل الفعالة إبداعيا، وتحديد فاعليتها؛ فأمكن وضع البرامج التدريبية، التي تساعد على تنشيط قدرات التفكير الابتكاري، والتقليل من الظروف والآثار المحبطة له.

وإذا كان من الجائز أن يكون للعامل الوراثي دور فاعل في الإبداع، فإن هذا العامل يظل إمكانا صرفا لا سييل إلى تحققه من غير تنشيط؛ ولا يعطي التنشيط ثماره المرجوة في غير مناخ اجتماعي يغذو الإبداع ولا يعيقه، أو يصادره. فالإبداع، شأنه شأن كل حدوث، هو نتيجة مقدمات، لها ترتيبها: فالاستعداد مرتبة أولى؛ والتمكن من الوجود مرتبة تالية، نسبة إلى المرتبة الأولى، ولا يحدث التمكن من الوجود إلا في مناخ عام سابق على بروز المرتبة الأولى الفردية، يستقبل ـ المناخ السابق ـ هذه المرتبة فور ظهورها، فيغذوها بقوة النمو؛ فإن لم يعط المجتمع ما يغذو الإبداع، ارتدت إرهاصات الأخير، إلى مستويات العدمية.

على أن الفعل الإبداعي قادر على مناهضة حالة اجتماعية ترفضه؛ إذ أن من جوهر الإبداع أنه حادثة مغايرة للواقع المهيمن على لحظة اجتماعية، لها مفاهيمها وآلياتها؛ يستهدفها الفعل الإبداعي، ليجددها، أو ليرفضها. وبهذه الجوهرية، يشتبك الفعل الإبداعي مع واقع، يقدر فيه الفعل الإبداعي على إلحاق الهزيمة به ـ بالواقع ـ بامتلاك مفاهيم أصدق وأدوات أمضى مما يمتلك المجتمع الذي ينتمي إليه المبدع؛ ويتقوى الفعل الإبداعي بقابليته وإجرائيته التكيفية اللتين توفران له إمكانات تجاوز معوقات المجتمع المتراصة أمامه.

وتفشل كثير من المشاريع الإبداعية من التمكن من الوجود، والتي يرجع فشلها، كما يقول القول الشائع؛ إلى أنها ظهرت في غير زمانها؛ فالزمان القاتل للإبداع، هو المناخ الاجتماعي الرافض له؛ والمبدع الذي يظهر في غير زمانه، هو مبدع لم ينجز مشروعه الإبداعي، الذي لا بد وأن يستلمة منه مجتمع يركع للإبداع، ويشارك في فعله.

إن وصف من لا ينجز مشروعه الإبداعي بالمبدع، هو وصف لا يتحرى الدقة التامة؛ إذ أن الإبداع فعل جماعي، بمعنى أنه فاعلية تمتد بالإبداع إلى ما هو أوسع من دائرة الوجود الفردي لنقطة بروز الفاعلية الفردية؛ الإبداع فعل يشترط حيازة البعد الجمعي، باعتبار الأخير مناخه وموضوعه وهدفه. ولا معنى للإبداع إذا ما ظل فكرة أو خاطرة محبوسة في معتقل الفردية؛ إن سجون الفرديات عاجّة بالخواطر والأفكار المغايرة للواقع الكائن المغاير لها؛ فإذا لم تكبر الخاطرة، أو الفكرة، لتسع ما هو أكبر من الفردية؛ أي لتصير مقولة جمعية، فهي مشروع إبداعي قابل للموت، لم يطلب الحياة بإرادتها الفاعلة؛ ومن لا يطلب الحياة، تعصفه القواصم، وترتشف دمه؛ وقد تهبّ العواصف بينما لوح من صفيح ملقى مهملا، فيصد اللوح هوجاء العواصف عن بادرة ضعيفة شاءت الأقدار أن تنمو في كنفه؛ تقوى الحياة الطرية على التمكن من الوجود بمواصلة الحياة، بما تقوّت به على عتوٍّ مميت، بحماية من آخر مدّ وجوده بساطَ عطاءٍ لحياة، تواصل الحياة، وتهزم العدمية!

لا يجوز وصف “مبدع” لم يستكمل إبداعه بالجماعة، بالمبدع، وصفا تاما دقيقا؛ وإن جاز هذا الوصف على سبيل المجاز، ومن باب التمني؛ فالوصف الأخير موسوم برغبة الجماعة التي تود لو تتحقق الصفة بموصوف كائن، وبهذه الرغبة، يحوز المشروع الإبداعي ـ غير التام ـ على قوة تستنقذ وجوده من الحالة الفردية إلى حالة جمية؛ أو تستنقذ محضه الوجودي الباطن في جرثومته الوجودية ذات الأصل الجمعي المتمكن في كل حالة فردية.

لقد قرر دارسو الإبداع من علماء النفس، تقريرا واضحا، “أن خلق مفكر إبداعي يحتاج لمجتمع إبداعي”[26].وبينت الدراسات الاجتماعية أن المجتمعات الإبداعية، هي المجتمعات القادرة على تبني المواهب وتشجيعها، وإعطائها بذور نمائها؛ وأن لها خصائص التشجيع على حرية النمو وحرية اكتشاف البيئة، وأنها تضع الضمانات لإشاعة قيم ومثل تقبل التغير وتشجعه، وأنها تشيع جوا من الاطمئنان للنقد وتقبله في كافة المنظمات، ليس للنقد الذي ينتجه الإحساس بالاغتراب والعداوة، ولكنه النقد الذي تشعه روح البناء والحكمة والعبقرية.

ثم إن من خصائص المجتمعات الإبداعية تعاطفها مع الحقيقة وتقديمها لها. وقد تبدو هذه الخصائص بعيدة المنال، “لكن، ألا يحتاج خلق مجتمع إبداعي لجهد خارق؟”[27].

الإبداع سلوك له معناه وله خصائص ينماز بها المبدعون. وإذا كان الإبداع فعلا يصنعه فرد، فإن هذا لا ينفي أن جماعية الفعل الإبداعي، هي الخاصة الأولى التي يتوجب على السلوك الإبداعي أن يتغياها ويتمثلها؛ فالقيمة الفاعلة للإبداع، ومن ثم الحقيقية، هي قوته على خلق تغيير فيما هو كائن، نحو ما هو أجمل، بالمعنى العميق الواسع للجمال؛ أي بالمعنى الجمعي الإنساني، والمعنى الوجودي الواحدي. إني لا أحصر الجمالية فيما شاع من معناها، فما شاع هو بعض معناها؛ الإبداع خروج على ما هو شائع، أي على ما هو قارّ، لخلق حركة تجديد تشيع مفاهيم، تحوز أهلية أكبر مما يحوزه ما هو كائن، قار، آسن الماء؛ لتدنو بالفاعلية الإنسانية، من حالة الصفاء الأولى، السابقة على مرحلة اختلاق ضمير الأنوية، وبئرها، الممنوع على الرعي المشاع ارتشاف قطرة من مائه؛ الماء الذي أساله الفاعل الخالق الواحد، للوجود الواحد.

الإبداع الناجز فعل ذو مدخلات جماعية، ومخرجات جماعية؛ دخلت الفرد الجماعي بالتكوين والإمكان؛ فأعطى دخولها في الحالة الفردية صورة متفوقة للوجود المتحقق، أو الوجود المطلوب.

وثمة فارق يمتاز به الإبداع الوجداني من شعر ورواية ورسم وموسيقى ـ الرقص، مع خصوصيته، مُضَمَّن في الأجناس الفنية الأربعة المذكورة هنا ـ عن الإبداع العلمي النظري والتطبيقي؛ فارق يجعل من الإبداع الأول مثالا للمعنى الإنساني، المحدد بالنوعية الإنسانية؛ والمثال، على كل حال، وجود مطلوب، لم يتحقق بعد، ويظل مطلوبا مع كل خطوة نتقدم بها في اتجاه تحقيقه.

ومن خصائص المبدعين، التي لا تتخلف عن كل إبداع، خاصة استقلالية المبدع، التي هي الشرط اللازم الحاسم لتحقيق الفعل الإبداعي، إنجازا، وعطاء جماعيا، جماليا. ومع توكيد استقلالية المبدع، نوكد، بالقوة ذاتها، جماعية الإبداع الجمالي؛ فاستقلالية الفرد، ليست مغايرة للجماعة؛ الاستقلالية الفردية مغايرة للقيم الجماعية التي لا تتسق والمصلحة الأصلية للجماعة، بما فيها الفرد المبدع، عضو الجماعة، التي أعطته، ولا بد له أن يعطيها: أعطته من الحقيقة؛ والإبداع إعطاء من الحقيقة، لتتوسع الحقيقة بذاتها، وبتحققاتها؛ الإبداع أجلى تحققات الحق.

وما قد ينزلق إليه المبدعون من الانصياع لقيم الجماعة المتفشية، غير الجماعية أصلا وحقيقة، إنما هو تناقض يخلخل الدور المنوط بالفعل الإبداعي ويدمره. وقد ينافق المبدعون، أو يضطرون للنفاق، وينصاعون لإغرائه، ويحسبونه تقية، يبلغون تحت ستارها غاية يحسبونها، أو يتوهمون أنها غاية إبداعية. هذه تقية تطرد المبدع من جلالية الإبداع إلى ركود الوجود، وتؤصل قيما، لا معنى للإبداع إن لم يخلخل قواعدها، ويعيد تأسيس الحياة من جديد على قواعد أخرى، ينسجها الفعل المبدع من الدم الغض المتدفق في عروق لم تتصلب بعد: دم الغانيات الفارهات الفاهمات، الراقصات على إشراقات الصباحة، وعلى وضاءة العتمات.

والشر الأنكى من شر هذه التقية، هو أن يصير المبدع نموذجا عينيا للنفاق الاجتماعي؛ فالمبدع المنافق فعل قبيح ينقض جمالية القول أو اللحن أو الرسم، التي تنبلج عنها الفاعلية الجمالية المنسربة في لحظة، لا ينتمي مثلها إلى قبيح، قبح النفاق؛ فما النفاق إلا انشطار ذات، بين الحق والباطل؛ وما الجمال إلا وحدة ذات من الجمال الراقص رقص الصوفية؛ صوفية أولئك الذين هم أرض يطؤها البر والفاجر؛ ثم يقف داعيهم، “يوم الحشر الأكبر”، وظهره إلى السعير المتلظي، يناشد الجبار: “ربِّ اجعلني فداء”؛ ياأيها الجميل ارحم! فأين من هذا الجمال، قبح المنافقين، وتقية المرتجفين؟! هذه التقية، وما تطويه من نفاق، سبب يعلل الاستهجان الذي يلقى الناس به الفعل الإبداعي المفرغ من روح الشهادة في سبيل الحق؛ وهو استهجان له من الإبداعية حظ أكبر مما لفعل المبدع المنافق؛ هو إعراب عن استعدادية إبداعية قابلة، في انتظار فاعلية إبداعية رسالية، تتشوق لها جماعة تتململ من روائح ماء حياتها الآسن، وتشكو من مرض انفصامها بين التمني والتطبيق.

إن المكاسب التي يجنيها الإبداع من الدراسة العلمية له، ومنها الدراسات النفسية التجريبية، هي، في الحقيقة، مكاسب للجماعة؛ صانعة الإبداع؛ بما توليه ـ الجماعة ـ للإبداع، من رعاية يعود خيرها عليها، من خلال أبنائها المبدعين، المحظيين بالمحبة والتقدير. ولا تحب الجماعة ولا تقدر، تقديرا كريما، من أبنائها، إلا إبنا يرد لها جميلها، ولا يعقها.

وأهم ما كشفت عنه بحوث النفسانيين عن التنشئة الاجتماعية للإبداع، هو التوكيد على جماعية الإبداع: الجماعية التي لا تلغي الفردية، ولكنها تؤصل فاعليتها؛ فتوجه حركتها نحو الجمال الحر للكل؛ والفردية الفاعلة بالجمعية الجميلة، هي مطلب الفعل الإبداعي الجمالي الأصيل، وهي هي الجمال ذاته!!

لا ينمو إبداع من غير نقد..*

قد تقرر في المعقولات بحكم لا يتخلف، أن كل بذرة إنما تنو ، إذا نمت، أو نُميَّت، في بيئة تلائمها لا غير. ففعل النمو كون جديد يجمع في وحدة عضوية متفردة، عوامل من الذات وعوامل مما سوى الذات، في حركة تخرج بها الذات من ذاتيتها، وبها، إلى ذوات أخرى كثيرة، هي مجال الحياة للحالة الفردية النازعة للحياة خارج إطار دائرة الكينونة الضيقة.

والخروج من دائرة ضيقة إلى أخرى واسعة، في الحالة الإنسانية، ينماز عما يقابله في التشيؤات الوجودية اللا إنسانية، بالأهلية التي تملك زمام القدرة على اختراع حضارة، هي نتاج الفعل الجماعي، مثلما هي الدليل الوكيد على الأهمية المتزايدة للرابطة الإنسانية الجماعية. فالنمو في الحياة الإنسانية ليس حركة الضرورة الطبيعية من ذات إلى ذوات فحسب، ولكنه حركة الطبيعة في مرتبتها الاجتماعية الحضارية، أو هي الحركة الأعقد الأعمق.

أما الإبداع الفني فهو فعل التعالي عن مستوى الوجود الإنساني؛ إذ هو الخيال الجامح إلى جمالية إنسانية تجاوز المحدودية وتدفع أسوار الأنا إلى ما وراء الآخر، ابتغاء جماعية لم تنشأ بضرورة الاجتماع الحضاري، وإنما جماعية تتقوم بالحب وبالحرية على السواء. فالإبداع الفني فعل ينمو من ذات إلى ذوات، أي في بيئة تلائمه كما يقرر حكم الضرورة الطبيعي، وهو فعل اجتماعي حضاري بحكم أنه فعل إنساني؛ ثم هو، وبخاصته الفريدة، فعل التنامي من بؤرة تَوَحُّدِ الحب والحرية الحية في غور الوجود الإنساني، نحو البؤرة ذاتها، في كينونة إنسانية أخرى، الذي يعلو ـ هذا الفعل ـ بخيال الجمال الجامح، على افتراق الناس ودواعيه؛ فهو، والأمر كذلك، أحوج إلى الذوات الأخرى، من فعل النمو المحكوم بالضرورة الطبيعية، أو المحكوم بالضرورة الطبيعية الحضارية. فالحب المتوحد مع الحرية في البؤرة الحية العميقة مطلب عزيز يواجه من المغالبة ما يساوي القوة المغروزة في الموجود الطبيعي ابتداء من أول بروز للوجود في صورة فردية يتهددها الهلاك، فكان عليها أن تصارع خطر الفناء، من وراء حصون أناها المحكمة، لعل التراجع إلى مبتدى الوجود، شريعة لا تنكر استخدام أشرس السلاح؛ فما قوة ريحانة طرية تشق في لين، طبقة السطح من أرض تشهد صباح مساء، المعارك المحتدمة، من غير معنى، ومن غير غرض، إلا مدافعة الفناء بالفناء؟! ما قوة نمو جمالي على مواصلة الحياة، إن لم يحظ بأياد حانية ترعاه؟!

فالعمل الفني أو الإبداع الجمالي حركة تنمو من ذات فنان إلى حضن الموت، إن لم يلق هذا النمو الاحتفال به بما يلائم خاصته الفريده. والاحتفال بالجمال أو تلقيه بما يلائمه، جزء من العملية الجمالية المتكاملة. فالإبداع وحده ليس الجمال كله؛ إذ أن الإبدداع فعل يتوجه إلى المتلقي، ليحدث فيه الأثر المبتغى، فإذا حدث هذا الأثر، دخل المتلقي في الحالة الجمالية، دخول المكون ـ المشارك ـ لها، من باطنها لا من خارجها. وإذا كان الإبداع فعلا تعجز عنه الأكثرية، فإن التلقي المتذوق له، إمكان عام لدى الناس يقبل التحقق بالتربية الجمالية، القاصدة إلى تكوين بيئة جمالية ينطلق فيها فعل الإبداع، فيفلت من خطر الموت المبكر من حصره في دائرة منتجه. نقول هذا، وليس يخفى علينا أن التربية الجمالية ممكنة في حدود تضيق عن اشتمال الناس كافة في رحابها، ولكنها تظل مطلبا ملحاحا، بقدر ما هي ضرورة لرعاية الفعل المبدع وإنمائه.

وحركة النقد هي الكفيلة برعاية الفعل المنتج للإبداع، بتمييز الإبداع عن ادعائه؛ وبتهيئة بيئة جمالية بالحوار النقدي الرصين المقدام. فإذا تميز الأصيل عن المدَّعى، وإذا نما الفعل المبدع في بيئة نقدية جمالية، فإنه يكون قد أعطى النشاط الجمالي حظه الوافر الكافي لأن يحلِّق بالحياة الاجتماعية إلى مستواها الرائق.

ويكون النقد قد وفّى بالمطلوب منه إذا ساهم إلى غاية النجاح في إنشاء جمهور الجمال، وفي تأصيل حاسة التذوق الجمالي بين الناس. ولكن إفادة الشهادة الصادرة عن حالة الضمور الكمي والنوعي الذي يعاني منه جمهور الإبداع الفني ـ على المستوى العربي ـ تقول إن النقد المطلوب  لم يوجد بعد؛ أو إن ما وجد منه قاصر عن بلوغ الهدف.

المناخ العام هو البعد الخارجي لكل عمل جديد. والنقد بالنسبة للعمل الإبداعي، هو بعده الخارجي قياسا إلى ذاتية الأديب. ولكن النقد بذاته ليس خارجا عن العمل الإبداعي بذاته، إنما هو مجال نموه؛ فإذا لم يكن للعمل الإبداعي مجال نمو، فلا نمو له.

النقد يفتح الأفق للمنتج الأدبي. ولا ينمو الإبداع الفني في بيئات مغلقة؛ فالإبداع طبيعته الحرية، والحرية طبيعة العقل، والنقد عقلنة نزيهة للتجربة الفنية، تتغيا تعميق مفهوم الجمال لدى المبدع المنتج ولدى المبدع المتذوق على السواء، وذلك بتغور بنية التجربة الإبداعية، للكشف عن أبعادها الذاتية والجماعية، بتحليل عناصرها، مع الحفاظ على وحدتها العضوية، كبنية واحدة، تعطي مُتَخَـيَّلا جميلا بصور متعددة.

العمل المبدع تعيين جمالي للوجود البهيم. والنقد يتقصى التجربة الإبداعية في غورها الضارب في بهيمية الوجود؛ ولا نقول إن من شأنه أن يفض سر التجربة الإبداعية فضا لا يخطىء الهدف؛ فالنقد تجربة ذاتية، كما عملية الإنتاج الفني. وتعكس تجربةُ النقد، تجربةَ الإنتاج، على مرآتها النقدية الذاتية، لا على مرآة أخرى. النقد من وجهه المقابل للتجربة المنتجة للإبداع ذو طبيعة هي ذاتها طبيعة التجربة المنتجة؛ وبهذه الطبيعة الواحدة يتوحد إنتاج الأدب مع تذوقه؛ فالتذوق المعمق هو مجال الإبداع الحيوي الذي لا تنمو حركة إبداع فني في (و بـ) سواه!

إذا قال الشاعر ما لا يفعل…*

{ولمّا عصى أبوانا وعى الإنسان الجمال!}

الشعر فعل الجمال المنطوق المصنوع من روح جماعية ديدنها التفلت من الوجود على حالته الكائنة ما كان الوجود الكائن ظلامة الجهالة تلك التي تغلق أبواب الأنا تجاه الغير فيقوم الناس فرادى في بطن حصون راسخة في الطين، فلا يكون للشعر من معنى والحال كذلك، إلا أنه الدعوة الناعمة للالتقاء فوق السكون المُخْشَوْشِن القبيح. وتزداد أهمية الشعر بمعناه هذا في زماننا الراهن لتفاقم مشكلة الانشطار التي تتهدد وجود الأمة من داخلها تحت ضغوط تحديات خارجية لا خطر منها إذا ما واجهت الأمة مشكلات وجودها كلها بالجماعية النابعة من التراث الحي ومن ضرورات الحاضر؛ وهي جماعية لا تلغي الفردية وإنما تعمقها؛ فالجماعية النابعة من التراث الحي، كما نتصور، والقادرة على مواجهة تحديات المرحلة الراهنة تُوَسِّع الفردية لا من وراء حصونها الفاصلة بين الناس، ولكنها تُوسع الوجودَ الفردي بالتلاقي مع الغير علىأرض الحب وفي ظلال السلام المرفوع على عُمد العدالة. والحب والسلام والعدالة مقومات الجمال الأصيل الذي يرنو إليه خيال الشعراء مثلما ترنو إليه القلوب كلها.

الشعر فعل فرد عميق الوجود، وهو نسج من الجمال لحياة الإنسان في بحور الاجتماع. وقبل صوغ الشعر في أنساقه المعهودة، فهو أفكار لا تتمايز عن الأفكار التي تتوارد على الخاطرات مطلقة.. ثم يغدو الشعر فكرة منمازة بعدما يصير دعوة ناعمة جميلة تتعالى بالوجود عن واقعة الخشن القبيح. أي إن الشعر فعل التخارج من الذات إلى الذوات الأخرى في لغة جميلة تتغيا الحياة الجميلة التي تتقوم بعلاقات اتصال تفتح الوجود المحدود على الأفق الواسع لوجود واحد يجمع الكثرة لا جمع الأرقام، وإنما جمع العضو إلى العضو في كل لا يتفرق.

الشعر كلام جميل الفاعلية.. فإذا قال الشاعر:

“ليت الفتى حجر

“يا ليتني حجر….”[28]

أو قال:

“يا أيها المحتسي عرق العامل

“انتظر

“الزرقة اجتهدت

“زرقة البحر تبتكر اللافتات المشاكسة….”[29]

فقد قالا كلاما إذا تلقاه المتلقي حلّق بأجنحة الشعر في وجود متخيل جميل؛ هو بقول الأول الحرية في الوطن، والمعنيّ حرية الفلسطينيين في وطنهم الذي اغتصبته الصهيونية، اغتصابا لم يسلم لها؛ فقاومه الأطفال بالحجارة؛ فكان الحجر في النص المذكور رمز الحرية التي يحلق إليها الشاعر بخياله، تحليقا يتردد صداه في مخيلة المتلقي. وهو بالقول الثاني رفض الظلم الذي يشيع بين الناس، وقد خص الشاعر هذا الظلم الواقع على طبيعة الحال الذي صُوِّر باحتساء عرقهم.

والكلام هذا، شأنه شأن الشعر الجيد كله، جميل طالما هو ينشر بين الناس دعوة الجمال. والدعوات لا تنتشر إلا بالقبول الحسن لها. ولا يقبل الناس قولا لا يداوي جراحهم، أو يداعبها، أو يهديهم إذا ضلّوا أو إذا عاقت أمانيهم العوائق.

والأمة التي يصدها عن تحقيق أمانيها انشطار يقسم الذات إلى ذاتين أو أكثر، لا تتلقى تلقيا جميلا، فاعلا، قولا لا يحمل في جوفه وعلى ظهره دعوة التوحد، أو دعوة القوة القادرة على مجابهة تحديات الحياة.

وإن النفاق أقبح الخصال. فإذا أخفى القائل الحقَ بالباطل، فهو مشطور مُعْدٍ ينقل المرض وينشر آفته في الناس. ويوكد واقع الحال أن النفاق مرض مستشر يجري في دماء الأمة ويسكن في مفاصلها. ومواجهة هذا الواقع القبيح واجب على الشعر بمقتضى طبيعته ووظيفته. والشعر مطلب جماعي بمقدار ما يحقق ماهيته الجمالية. فهل تتحقق ماهية الشعر الجمالية ذات الغاية الجماعية إذا ما كان ناظم الشعر عينه مشطورا بمرض النفاق القبيح؟! هل الراكد أسفل مراتب الوجود الإنساني، في مرتبة النفاق، يقدر على أن يحلق في رحاب الخيال الجميل؟! وإذا كان مثل هذا التحليق ممكنا، فهل هو تحليق الشاعر الجميل الفاعلية؟!

وكانت العرب قد أنزلت الشعر المكانة الأولى؛ فلمّا تكسّب به الشعراء، تراجع الشعر عن مكانته، التي احتلتها الخطابة؛ فالعرب رأوا الشعر على هذا التقدير فعلا جميلا لا بمعنى أنه جميل الشكل، ولكنه جميل جمال الرسالة المنقولة من الشاعر إلى المتلقي، أو من الشاعر الفرد إلى الجماعة الشاعرية. والتكسّب بالشعر نفاق لا تتحقق به ماهية الجمال وإنما يتحقق به تضخم القبح الإنساني وتفاقم مشكلة الانشطار التي لم تزل تتهدد الإنسانية منذ اكتشاف القدرة على الكذب كوسيلة تتحصن وراءها الأنا الجهول بظن زائف لا تلبث الحقيقة أن تبدده.

وكان العرب قد اشترطوا على الشاعر أن يتماهى بشعره فيكون الشعر تعبيرا أصيلا عن أخلاق الشاعر، وتكون اخلاق الشاعر تعبيرا أصيلا عن حاجات الحياة الاجتماعية. هذا الموقف العربي النقدي القديم، هل له من الجدارة ما يؤهله إلى أن يُبعث من جديد بمقتضى ضرورات العصر العربي الراهن، المُعْوَز بالدرجة الأولى إلى جماعية تمتح من التراث الحي، وتواجه به الأمة مشكلة انشطارها على المستوى الفردي وعلى مستواها كله؟

فإذا تمنى شاعر أن يكون حجرا، يقذف به أطفال الشعب الفلسطيني الأعزل، عدوا جاثما على الأرض وعلى صدور أهلها الشرعيين؛ ثم إذا شاء الله لهذا الشاعر، فكان عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي التي تمثل نضال الفلسطينيين ضد الصهيونية في أعلى الدرجات على ماهو الرجاء، فهل يحق للناقد أن يحاكم أقوال الشاعر بأفعاله فما يتعلق بمسألة بعينها؟!

وإذا توعد شاعر بالويل أولئك الذين يحتسون عرق العمال، ثم شاء قدر الله وحده، أن يُبتلى هذا الشاعر بالامتحان؛ فإذا أحتسى الشاعر عينه عرق العمال؛ فهل تقع على النقد مهمة تقويم القول الشعري بالموقف الفعلي للشاعر الذي عكس مشكلة الانشطار الحادة الأليمة، بكلام جميل تأدى إلى توكيد واقع قبيح؟!

وليس من شأن هذا المقال أن يتقصى آراء نقادنا المدونة في الكتب. ولكن الرأي الذي يتبين للناظر فيما ذهب إليه غير قليل من دارسي الشعر  ينحاز إلى تقرير أن المقابلة بين قول الشاعر وفعله مسألة لا يحفل با النقد. ويمثل محمد غنيمي هلال هذا المذهب بقوله: “ويجب التفريق بين شطري شخصية الشاعر: الشعري والعملي. فالشطر الأول مثالي، يحكي فيه ذات نفسه كما هي، ويصف مثله وأهدافه وآماله وآلامه. والثاني عملي يتقيد فيه بقيود الحياة كما هي من حوله”[30].

ومن الواضح الخالص من اللبس أن رأي هلال هذا يصدر من موقف معرفي ثنائي تبلور في الفصل بين القول والعمل، إذ أجاز شطر شخصية الشاعر إلى اثنين: واحد يقول القول الجميل، وآخر يفعل لا كما يقول؛ واحد له مُثلٌ وأهداف عليا، وآمال وآلام جميلة؛ وله، هو ذاته، عمل يرسف في قيود الواقع، المختلف عن القيم العليا، وكما هو!

برزت الثنائية في نقد هلال هذا بروزا يوكد على عمق جذورها لديه، إذ ربط الصدق الشعري بالروح، وحصر فاعلية الروح في الجانب المثالي كموضوع للخيال، وفصل الروح الفاعلة عن الجانب العملي[31]؛ ليشطر الحياة في نموذج الإنسان الشاعر شطرين، يحلق أحدهما بالخيال، ويواصل الثاني استغراقه في الواقع المناقض للمثل التي يعبر الشعر عنها، بينما وظيفة الشعر كما تقتضيها ضرورات الاجتماع، هي حث الواقع على التحرك تجاه المثالي؛ وليس يستقيم حث، ما لم يكن الشعر عامل مشروع موحد، يتحقق في الخطوة الأولى، بفعل الشاعر المتطابق مع قوله الجميل.

وأصل العلة في الرأي الذي يقسم حياة الشاعر إلى شطرين لا تشترط تطابقهما، إنما هي الثنائية التي تشطر الأمة ببنيتها الفردية وبنيتها الكلية؛ تلك الثنائية ذات الجذر التاريخي، المغذوة بانشطار معاصر بين الثقافة القومية والثقافة الأجنبية.

على أن رأي الفصل بين تجربة الشاعر وشعره، ليس هو الرأي الأوحد في الساحة العربية المعاصرة، فقد رفضه نزار قباني؛ فالبنسبة له “لا انفصام بين التجربة والتعبير عنها”؛ وكانت تفاصيل حياته كلها، يقول، معجونة بالشعر. ولدىجبرا ابراهيم جبرا، فإن “أعظم القصائد تأتي لصيقة بالفعل”[32]. ولم يكن أحد من شعراء الجاهلية “يرضى بالكذب فيصف ما ليس عنده، كما يفعل المحدثون”[33].

إن الشاعر إذا فعل ما لم يقل، فإنما هو يعمق مشكلة الانشطار، بأداة جمالية، لا تلبث أن تنقلب، لدى المتلقي، إلى منعكس قبيح؛ فيتناقض الفعل الجمالي، بين عملية انتاجه وعملية تلقيه؛ فينعكس هذا التناقض، بسلبيته، على فاعلية الجمال الملازمة للإنتاج البديع، وعلى وظيفة الفعل الجمالي الاجتماعية.

وإذا كان ثمة سمات فارقة لهذا الزمان، فإني أحسب أن من أبرز هذا السمات، سمة فقدان الكلمة لقيمتها. وهذه السمة مظهر ضعف اجتماعي، وعلة تخلف. وإذا كان انعدام الثقة بالكلمة، على العموم، أحد أهم العراقيل في وجه حركة نهوض تجاوز فيها الأمة واقعها الراهن الراكد؛ فإن انعدام الثقة بالكلمة الجميلة، مشكلة مضاعفة، إذ هي إضافة مؤلمة للحياة كما تجري؛ وهي كذلك، تجميد لفاعلية الجمال، في مجتمع يرنو الجميلون فيه إلى تغيير يعلو على قبح الوجود.

النقد معيار ضابط للشعر؛ فالشعر المجرد فعل وجدان متحرر.. أما الحرية فتنقلب إلى الضد منها إذا انطلقت على الهوى الفردي.. ففي وجود يشارك الناس جميعا فيه، ويصنعونه معا، فالحرية ليس هوى فرد، وإنما هي مقتضيات اجتماع.  وتطابق هذه الرؤية النقدية حكم القرآن الكريم، المنصوص عليه في الآيات الأربع الأخيرة من سورة الشعراء؛ فكان النقد الذي وجهه الله تعالى للشعراء هو هيامهم في كل واد؛ و”أنهم يقولون ما لا يفعلون”.

ويوحي القرآن، بأن الحياة الإنسانية المكلفة والمسئولة عن فعلها، ابتدأت بلحظة وعي جمالي. فمعصية أبوينا آدم وحواء لربهما، بأكلهما من الشجرة التي حرمها الله عليهما، فخرجا لهذه المعصية من الجنة وهبطا إلى حياة أرضية ما يزال أبناؤهما يتشوقون إلى الخلاص منها، ويرنون إلى وجود أرقى؛ تلك اللحظة من المعصية، كانت لحظة تكشُّف الوعي الجمالي الإنساني للمرة الأولى.. لحظة انكشاف سوآتيهما لهما.. فرؤية السوآت تعادل [سلبيا] الوعي الجمالي؛ فالسوآت لا ترى بغير الوعي الجمالي؛ وقبل المعصية لم يكن وعي جمالي إنساني، فلم ترَ الإنسانية ـ أبوانا آدم وحواء ـ سوآتها!

والحياة، حياتنا على الأرض، التي بدأت بلحظة وعي جمالي، لم تنفك، [ليس لها أن تنفك]، منذ بدايتها، وعلى مداها المترامي، عن القيمة الجمالية. الحياة الإنسانية ليس لها أن تقبل قسمة وجودية؛ إن الحياة الإنسانية شوق متواصل إلى مثال الجنة؛ ولا يستقيم للإنسان طلب الجنة هنا في الدنيا، أو هناك بعد الممات كما يقرر الدين، إلا بشوق يتوحد فيه القول والعمل.

إن الشعر دعوة للجمال.. بالجمال..

توفيق الحكيم.. رؤية ثنائية*

الحفاوة بالمبرزين من أهل الفكر والأدب الراحلين دلالة لا تخطىء على رقي الأمم مراتب الحضارة العالية. فالفكر والأدب إبداع للحياة الإنسانية على صورة تُجاوزُ حالة الأزمة التي يتأدى إليها الوجود تحت ضغط نهايات السلوك في النقاط الجامدة. إن الفكر والأدب فعلان للخيال الجامح النامي من ضمير الأمة، المقدام نحو الحرية المبدعة، انطلاقا منها. فإذا ترجمت الأمة، بموقف ملموس، استجابتها للحرية النابضة للخيال الفكري الأدبي الخلاق، فإنها تكون قد أثبتت بالدليل النّاد عن الشك، أن لديها قوة الحياة المطلوبة في الموجهة الحامية مع عوامل الفناء. وأدنى صور الاستجابة للفكر والأدب النابضين بالحرية الخلاقة، هي صورة الحفاوة بالمبرزين من مفكري الأمة وأدبائها، حفاوة تؤصل القيمة الرئيسية للفعل المبدع؛ وفي الوقت ذاته، تمد هذا الفعل المبدع، بزاد الاستمرار، بعدما تمنعه من الذوبان بالإهمال أو النسيان، أو بهما معا. ونحسب أن الاحتفاء بالفقيد الكبير توفيق الحكيم، حق له، يتوجب علينا بالدور المتميز له الذي قام به في الحقل المزدوج للفكر والأدب، بطول ستين عاما، عاشت فيها الأمة تجربة مخاض، عكسها فكر وأدب الحكيم، لا بالتصوير فحسب؛ ولكنه قرن تصوير التجربة في واقعها، بتصورها في مستقبلها.

حاول توفيق الحكيم ـ رحمه الله ـ في أعماله الكثيرة الفكرية والأدبية على السواء، فهم الإنسان في وضعية الكائن الوجودي، وفي وضعيته الاجتماعية. ولكن الحكيم لم يكن قد صدر، بينما كان يحاول فهم الإنسان، عن مذهب محدد من قبل، فهو في المقام الأول فنان، والفن بطبيعته الأصلية، فعل يتأبى على الخضوع لقيد المذهبية، وعلى الرغم من أن الفن المذهبي حقيقة واقعية صنعها اتجاه عريض، وبألوان متعددة ومتباينة في عصور التاريخ المتوالية، إلا أن أديبنا توفيق الحكيم، كره الفن الذي يُبنى على مذهب. على أن تفلت الفنان من المذهبية القبلية لا يقابلها عنده ذاته، انفكاك المذهب عن الفن، بششرط احد، هو أن يُبنى المذهب على الفن. وفي هذه الحالة، لا يضير توفيق الحكيم، ولا يقيده المذهب الذي يمكن أن يُستخلص من أعماله المختلفة. وقد قام الحكيم بنفسه، باستخلاص المذهب اللاّم لجوانب فكره وأدبه، فحدد أسسه وقواعده في كتابه “التعادلية” الذي وضعه جوابا على سؤال قارىء وصفه الكاتب بأنه “جادّ”.

يمهد الحكيم الطريق إلى “التعادلية” التي يصف بها مذهبه في الحياة والفن بالسؤال عما هو الإنسان؟ هذا السؤالالغامض في اعتبار صاحبه، لا يؤمل منه الانتقال منه إلى إجابات قاطعة، أو حلول نهائية.. إنما المطلوب هو “الاجتهاد في الملاحظة والتفسير.. كل من زاويته.. وكل بوسيلته.. وكل بأسلوبه”. فالحكيم يعي بدرجة واضحة المدى الذي يتوجب على العقل الفردي المجتهد التوقف عنده؛ فالحرية هي الخاصة الأولى للنشاط العقلي مثلما هي المطلب الأول له. ومن حرية العقل يلزم التسليم بعموم الحرية للفكر الإنساني، الذي يعني أن الحرية حق للناس جميعا، لا حكرا على نفر منهم؛ فالحقية مشاع، مشاعية الوجود من حيث أنه حق لكل موجود. فكما أن الحياة حق للناس على السواء، فالتفكير الحر الخلاق حق للناس على السواء أيضا. ولو كان من حق فرد ما أن يحتكر التفكير وأن يفرض الرأي الذي يظن صوابه فرضا نهائيا وجوابا قاطعا عن الأسئلة الوجودية الجوهرية، فإن من حق فرد يحتكر الرأي ويفرضه، بالاتساق لا بوجه آخر مشروع من وجوه الحق، أن يحتكر حق الحياة دون الناس أجمعين؛ على تقدير أن حياة الناس خلواً من ميزة التفكير، ردة من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الحيوان أو أذل!

وأول صفات الإنسان التي لفت الحكيم النظر إليها، والتي لا تقبل الشك، هو أنه يعيش على هذه الأرض التي أهم صفاتها أنها كرة تعيش بالتوازن أو التعادل بينها وبين الشمس الأضخم منها. فإذا فرضنا وقوع خلل في علاقة التعادل بين الأرض والشمس، بلعت الشمسُ الأرضَ، أو ضاعت الأرض في الفضاء. فالتعادل ـ يقول الحكيم ـ قانون يحفظ الأرض على حالتها الراهنة الصالحة للحياة عامة، ومنها حياة الإنسان. فهل تصبغ التعادلية علاقات الإنسان، مثلما تحكم علاقات الأكوان، ومنها علاقة الكون الأم بالكون الشمس؟ بعبارة الحكيم: “التعادل إذن هو الحقيقة الأولى لحياة الأرض. فهل صفة التعادل هي أيضا الحقيقة الأولى في كيان الإنسان؟”.

ولا يلتفت الحكيم إلى ناحية الإنسان التي يصفها بالمادية، “فما يهم رجال الأدب والفن هي الناحية ـ يقول ـ الروحية في الإنسان”؛ على رغم أنه بات من الصعب، وخاصة في نظر المعرفة الحديثة، بتصريحه، في الموضع ذاته، “فصل ما هو مادي عما هو روحي”. ولكن الحكيم يغض الطرف عن النزوع الواحدي لنظرية المعرفة الحديثة، ويعتمد أساسا ثنائيا لرؤيته الخاصة، استنادا إلى المعنى الشائع في الأدب والفن لكلمة الروح… “المعنى الذي يراد به الإشارة إلى حياة الإنسان الفكرية والشعورية”.

ها قد خالف الحكيم اجتهادا عقليا نازعا إلى الواحدية، وهذا حق مشروع له، فهل حق مشروع له، أو للنشاط الفكري أن يعتمد المعاني الشائعة أسسا يُبنى عليها مذاهب في الحياة وفي الفن؟ قد يصح الجواب بالإثبات إذا صحت الدعوى بجواز تصوير الفكر الخلاق للفكر الشائع المنقول بالميراث أو بالمعاصرة الموهومة المشوهة، تصوير محاكاة، لا تصويرا يسبق خطوة التجاوز أو التصويب.

على أن الحكيم يحدد مهمة الأديب أو الفنان بأنها “بناء الإنسان من جديد، بناء حرا ينبع وحيه من صميم موهبته الخاصة في الخلق والملاحظة والمحاكاة”، ولا يقصد بالمحاكاة تقليد المظاهر السطحية، وإنما يقصد بها “محاكاة الطبيعة في قوانينها الخفية التي يستطيع الفنان اقتناصها بشبكة إحساساته الدقيقة”.

إذن ينفي الحكيم أن يكون مذهبه تصويرا للواقع أو محاكاة تقليد للمظاهر السطحية فيه.. ولكن هذه دعوى لا تسلم من الغلط إلا بمقدار ما تصدق الدعوى التي تتأدى فيها المقدمات إلى غير نتائجها المنطقية الضرورية.

لقد تغيا الحكيم بالتعادلية اقتناص قانون الحياة، وظن أنه أصاب مرماه بتصوير الحقيقة في نموذج فكري يرسم معالم مذهبه في الحياة والفن، مذهبا يساهم به في الإجابة عن سؤال عما هو الإنسان؛ وقد نسي أو تناسى أن بناء الجواب على معنى شائع للحياة الإنسانية لن يكون إلا بناء لا يغاير الشائع من الأفكار، ولن يجيء إلا تكرارا للحياة لا تجديدا لها!

تبرز في تعادلية الحكيم عقيدة الثنائية التي تمايز بين نشاط التفكير ونشاط الإيمان. هذه الثنائية عقيدة دينية يؤمن بها الحكيم، ويؤمن بها عامة الناس. وهو يعلن أن التعادل بين التفكير والإيمان، أو بين قوة التعقل والقلب، ظل صورة للعلاقة الصحيحة بين الإنسان، وبين وجود آخر يؤمن به الإنسان، وينفي وحدانية الإنسان، في الكون؛ هذا الإيمان بوجود آخر هو ـ لديه ـ الإيمان الذي يعادل العقل.

وإيمان الحكيم الديني هو إيمان السلف من علماء الكلام: يلد الإيمان بالله أولا، ثم يرعى العقلُ الإيمانَ بالدفاع عنه، شريطة أن يظل كيان الإيمان إلى جوار كيان العقل، ليس خشية أن يمتد الإيمان ليغزو العقل، ولكن خشية أن يطغى العقل على الإيمان، فيختل ميزان الحياة الإنسانية، مثلما وقع في العصر الحديث، على ما يذهب الحكيم، بغلبة الظن بالوهية الإنسان الحر تمام الحرية، الخاضع للنزعة المادية، الرافضة للروح.

تبرز ثنائية العقل والقلب مرة أخرى في تعادلية الحكيم، لدى إجابته عن سؤال: هل الإنسان حر في هذا الكون؟ وهو يقر بالحرية الإنسانية التي تبلغ نهايتها ببداية تدخل قوى خارجية في أمرها.

“وقد يقتنع العقل”، والعقل يقتنع بالأدلة، “وحتى إذا لم يقتنع فهو سيمضي بتصيد الأدلة..

“أما القلب فهو مقتنع بغير دليل، ولا حاجة إلى الأدلة في عالم القلب والإيمان”.

(……….)[34]

يرى الحكيم أن إرادة الإنسان في كفة تعادلها الإرادة الإلهية في كفة أخرى، والعقل البشري في كفة يعادلها الإيمان في كفة.. بهذا التعادل ـ يقول الحكيم ـ يعيش الإنسان ويعمل”.

جائزة نوبل لأديب عربي!

نجيب محفوظ ذو موقف فلسفي*

فاز الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب هذا العام (1988م). ولا شك أن نجيب محفوظ أهل للتقدير العالمي لما أبدعه خلال رحلة أدبية أبتدأت بأول أعماله: “مصر القديمة” سنة 1932م، ولم تزل مستمرة حتى الآن رغم بلوغ محفوظ عامه السابع والسبعين.

ونجيب محفوظ روائي تشغله هموم بلده مصر، فأدبه محلي؛ ولكن فوزه بجائزة نوبل العالمية أثبتت أن المحلي، إذا كان بعمق محلية أدب محفوظ، لا يناقض العالمي. فرغم أن القضايا التي تتناولها قصص وروايات محفوظ قضايا مصرية، إلا أن معالجته لها، كانت معالجة إنسانية عميقة، ذات واسعية عالمية.

كان نجيب محفوظ دارسا للفلسفة وكاتبا فيها في مستهل حياته الثقافية. وظل أثر هذا الاهتمام المبكر واضحا في أعماله الأدبيه من بعد.

والفلسفة موقف عام من المشكلات الإنسانية التي لا يحصرها مجتمع محلي من المجتمعات البشرية. ثم إن الأدب أيضا موقف عام من المشكلات الاجتماعية والإنسانية عامة؛ بهذا الموقف المزدوج ـ الفلسفي الأدبي ـ استطاع محفوظ أن يجعل من الأدب المحلي أدبا عالميا.

وقد نزع نجيب محفوظ نحو التوفيق بين المطلق (الفلسفي) والقيم الاجتماعية. وتمثل هذا النزعة المحور الأساسي لأدبه في مرحلة متطورة أخذت تتضح معالمها مع رواية “أولاد حارتنا”.

يرى نجيب محفوظ أن الفلسفة تدخل الأدب من سبل عدة: فـ”قد تدخل إلى العمل الأدبي أولا عن طريق مضمونه، بمعنى أن تكون للعمل الأدبي فكرة فلسفية، فيكون عملا فلسفيا قبل كل شيء، ومثال ذلك روايتا كامي: “الغريب” و”الطاعون”، ومسرحيات سارتر من الأدب الوجودي الماصر، وفاوست من الأدب القديم؛ وقد تدخل إلى العمل الأدبي دون أن تكون فكرته فلسفية، أي بأن يتضمن العمل شخصيات فلسفية أو متفلسفة بالفعل، ويتضح ذلك من خلال الحوار والمواقف.. مثال ذلك الـ Point Countr Point لألدوس هكسلي؛ وقد تدخل عن طرق أخرى ـ ليس عن طريق الفكرة أو الشخصيات ـ وإنما عن طريق انعكاسها على النظام الذي يقوم عليه العمل الأدبي.. أي في الحبكة نفسها.. ويتضح لنا هذا عندما نتتبع الأحداث ومصائر الأشخاص مثلا، فيتكشف لنا أن الموقف يريد أن يقول إن الشخصية تتكون وتتلقى مصيرها نتيجة للبيئة، فهنا إذن، إيمان بالفلسفة المادية التي ترى أن الإنسان نتيجة للبيئة والمحيط.. وقد نجد في العمل الأدبي مجموعة من المصادفات المقصودة وهي غير تلك التي تجري عن سهو من المؤلف ـ مثل مصادفة توماس هاردي التي تعكس فلسفته في أن الإنسان لعبة في يد القدر، فالفلسفة هنا إنما تسللت إلى العمل الأدبي في نظامه؛ والمدخل الرابع للفلسفة إلى العمل الأدبي هو أن الأديب أو خالق العمل الفني يتأثر بالثقافة الفلسفية، وهنا تُؤثر الفلسفة في العمل تأثيرا غير مباشر ولكنها تعطيه ثراء محسوسا”[35].

كان نجيب محفوظ ومنذ بداية حياته، مهموما بمشكلتين في وقت واحد، هما المشكلة الاجتماعية والمشكلة الميتافيزيقية. كان في “المجلة الجديدة” يناقش قضايا العقائد، وفي الوقت نفسه كان يعرض في قصصه للقضايا الاجتماعية.

ثم ظهر التحام أشد بين القضيتين، مع بروز أوضح للقضية الاجتماعية، كما يبدو في روايتيه: “القاهرة الجديدة”، و”خان الخليلي”. ففي هاتين الرواتين، كان الهمّ الميتافيزيقي حاضرا. وعبّر الأخير عن نفسه تعبيرا أقوى في صرخة كمال في “الثلاثية”.

على أن “أولاد حارتنا” هي الرواية التي لا مجال فيها إلى الحديث عن المسشكلة الاجتماعية بدون ربطها بالمشكلة الميتافيزيقية. “ولا يخفى على قارىء هذه الرواية هذا الملمح الخاص، فإذا كان برناردشو في “العودة إلى ميتو شالج” قد جعل التجريد أساسا، موضوعا وشكلا، فإن استخدام محفوظ للحارة إنما يمثل محاولة موفقة لصهر المشكلتين في بوتقة واحدة”[36].

فقد اهتمت “أولاد حارتنا” بتاريخ البشرية، وتتبعته منذ القدم وحتى وصل بنا الراوي إلى الواقع الراهن، واقع القلق والضياع؛ فالجبلاوي ـ أحد أشخاص الرواية ـ يُقتل، وبقتله تنتهي الفكرة الدينية الصافية؛ ثم يُقتل عرفة، ممثل العلم. فالأول، في رؤية نجيب محفوظ، ينهي جانب الروح، والآخر يرمز إلى فكرة العلم الخيرة، التي تحولت بقتله إلى قوة تدمير تستغلها جهات قتلت عرفة لتقتل فيه رمز جوهر العلم.

ثم يرسم الراوي شخصية صابر، الإنسان الباحث عن المعاني التي تبحث عنها الحارة، وتتشوق إليها، هذا البحث الذي لا ينفصل عن القضية الاجتماعية، وهو ما صوره الراوي من خلال أسرة محجوب وإحسان وحسنين وحميدة وعيسى الدباغ. ومن هذه الأسرة خرج البطل يبحث عن المطلق: ” فهو إذ يبحث عن المشكلة الاجتماعية، يلتقي بالمشكلة الاجتماعية والميتافيزيقية”[37].

نجيب محفوظ في “أولاد حارتنا”، لم يفارق الواقع، ولكنه جنح إلى الفكر بالإضافة إلى الواقع. فاتخذت روايته هذه واقعا رمزيا. كان نجيب محفوظ قبل سن الخمسين، يهتم بالحياة، ليكتشف كل يوم جديدا.. أما بعد الخمسين، فقد اهتم بالأفكار التي تفسر له الحياة[38].

“أولاد حارتنا” التي كُتبت بعد الخمسين، تعبير عن الفكر في مظهر واقعي؛ “فالتطلعات الميتافيزيقية لا تعني انفصالا مطلقا عن الواقع، ولكن هذا الأصل يتخذ في ذهن الكاتب شكلا أو تصورا جديدا على المستوى الفكري يطرحه من خلال هذه الجزئيات الواقعية”[39].

دراسة أدب نجيب محفوظ في مجمله، الذي بلغ 49 عملا حتى الآن، تكشف عن موقف فلسفي عبّر عنه هذا الأديب في شكل أدبي. قال نجيب محفوظ عن الفلسفة إنها موقف “يلتزمه الإنسان من الناس والحياة والقيم. وبهذا المعنى لا يخلو إنسان من فلسفة”. وأضاف: “وعلى أية حال أنا أرجح أن تمثل سلسلة كتبي في النهاية فلسفة ما، تكونت خطوة خطوة على أساس التجربة والثقافة. ولعلها لم تقل كلمتها النهائية، وربما لن نصل إلى هذه الكلمة على الإطلاق”[40].

فإذا كان هذا هو رأي نجيب محفوظ (عام 1962م)، فإن رأي لجنة التحكيم لجائزة نوبل يسير في الاتجاه ذاته الذي سار فيه نجيب محفوظ، لكنه قطع شوطا أطول.

إن جائزة نوبل تمنح لمن يستحقها من المبدعين في شتى مجالات الإبداع الإنسانية. ولكنها لا تمنح لكل من يستحقها من هؤلاء المبدعين. ونجيب محفوظ أحد الذين يستحقونها على إبداعهم الأدبي من بين أدباء عرب كثيرين. وهنا يبرز التساؤل الذي يشكك في موضوعية قرارات لجنة تحكيم الجائزة، كما يبرز الشك في نزاهة أغراض هذه الجائزة.

وكان نجيب محفوظ يستحق الجائزة منذ زمن طويل. فلماذا تأخر منحها له حتى هذا العام؟

ولماذا منح نجيب محفوظ الجائزة دون غيره من المبدعين العرب؟

سؤالان جديران بالبحث عن جواب مقنع عنهما، مع الأخذ بالاعتبار التشككات التي تحيط بالجائزة، والتي نبه عليها المفكر العربي الكبير عباس محمود العقاد، منذ وقت طويل، في كتاب حمل عنوان: “جائزة نوبل”. كثيرون يربطون بين مواقف نجيب محفوظ من اتفاق “كامب ديفيد” بين مصر، والدولة الصهيونية مغتصبة فلسطين، من جهة، وبيم فوزه بجائزة نوبل، من جهة أخرى.

وكثيرون لم ينتبهوا إلى أن جائزة نوبل تمنح لعربي، للمرة الثانية خلال العقد الأخير. فقد منحت الجائزة أول مرة للرئيس المصري أنور السادات، مناصفة بينه وبين رئيس وزراء الدولة الصهيونية مناحيم بيغن، لتوقيعهما اتفاق “كامب ديفيد” الذي اعترفت فيه الزعامة المصرية السياسية الرسمية بالدولة الصهيونية، وأنهت بهذا الاعتراف حالة الحرب بينها وبين الكيان الصهيوني العدواني.

فإذا صحت التقديرات التي تقول إن منح جائزة نوبل هذا العام، لنجيب محفوظ، هي جائزة له على موقفه السياسي المؤيد لاتفاق “كامب ديفيد”، فإن هذا لا ينفي أنه يستحق “أدبيا” هذه الجائزة؛ ثم جاء “استحقاقه السياسي” لها عامل تعزيز لاستحقاقه الأدبي، ففاز بها عن “جدارة تامة” بمعايير الجائزة المشكوك في نزاهتها، أو المتهمة في نزاهتها!

وقد تكون التهنئة التي بادر وزير خارجية الدولة الصهيونية شمعون بيريز، التي أرسلها لنجيب محفوظ، فور إعلان فوزه بالجائزة، وإشادة سفير الدولة الصهيونية في القاهرة بنجيب محفوظ، قد يكون هذا محاولة ماكرة من العدو الصهيوني لكي يبرز من جديد، موقف نجيب محفوظ من اتفاقات “كامب ديفيد” لصالح الدولة الصهيونية.

ولكن، يبدو أن الروائي نجيب محفوظ، قد تنبه إلى ضرورة تفريغ فوزه بجائزة نوبل من مغزاها السياسي، فأعلن أن فوزه بجائزة نوبل، هو فوز للأدب العربي كله بهذه الجائزة.. فأكد نجيب بموقفه هذا، ومرة أخرى، على أن اهتمامه بالهموم المصرية المحلية، التي نال به جائزة الأدب الكبرى، إنما ينبع من رؤية فلسفية عامة، تدافع عن حقوق الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها، حقوق شعب عربي، هو الشعب الفلسطيني الذي اغتصبت الدولة الصهيونية وطنه، في الحياة الكريمة التي ما زال الأدب العربي يتبنى قضيته، ويناضل في اتجاه رفض العدوان

هنيئا لنجيب محفوظ.. أراده العدوان دمية يحركها.. لكن عمق مصريته، يعادل أفق عروبته، وإنسانيته.. وعندما نتغور أعماق ما هو محلي، فإنما نكون قد حلقنا في أفق المطلق الإنساني.. تلك عبقرية الأديب نجيب محفوظ.. وهذا استحقاقه، بجدارة أصلية، لتقدير عالمي إنساني لإبداعه الروائي ذي الطابع المحلي.. وتلك الفلسفة: أن تُكتشف الإنسانية في أغوار المحلي!

جائزة صهيونية لأديب فلسطيني!*

إميل حبيبي أديب أينعه الوجدان الوطني الفلسطيني وتنامى فيه!!

إميل حبيبي أديب فلسطيني قررت حكومة العدو الإسرائيلي منحه جائزة ثقافية!!

هل يقبل أديب أينعه وجدان شعبه، جائزة ممنوحة من عدو شعبه؟!

الرسالة التي شكر فيها حبيبي وزير ثقافة العدو على منح حكومته جائزة له، توحي بأن حبيبي يميل للقبول.. والردود التي صدرت عنه في مواجهة الانتقادات الكثيرة التي وجهها عدد كبير ضده، توحي أيضا، بتأكيد ميل حبيبي لقبول جائزة العدو، هذا رغم أنه ما زال يصرخ أنه لم يقرر بعد هل يقبلها أم يرفضها!

الموقف الذي وجد حبيبي نفسه فيه موقف شاق.. فيه ينشطر بين الأديب والسياسي؛ الأديب الذي تفجر بركان وجدان شعبه ضد عدو نهب أرضه، وسلبه حقوقه المشروعة في سلام حقيقي.. والسياسي الذي يعالج الواقع بمعاييره، ومن معاييره أن الجائزة ذات دلالة في اتجاه التطبيع الذي تتجه إليه المسالة الفلسطينية العربية الإسرائيلية برمتها.. القادة العرب، وفي المقدمة منهم الفلسطيني، جادون في توجههم إلى تطبيع مسألة الصراع ضد الكيان العدواني الإسرائيلي، وجادون إلى منحه الموافقة على قبوله كـ”حقيقة” واقعية على الأرض!

ثم حبيبي ذاته عضو سياسي في الكنيست الصهيوني، وفي حزب راكاح الإسرائيلي.. أي: هو عضو في الكيان الإسرائيلي السياسي. ووجدانه، لا شك، يرفض هذه العضوية، ويرفض الكيان الإسرائلي العدواني كله.. ووجدانه الذي يبدع منه أدبه المصور لطموحات شعبه، أو لبعضها، هو ـ وجدانه ـ غيرموقفه السياسي الذي يميل به إلى قبول الجائزة الإسرائيلية الثقافية.

هنا المشكلة.. مشكلة التصدع بين الطموح النابع من الوجدان، والرضوخ للواقع الذي لا يملك الوجدان القدرة على قهره، إلا في مملكة الحلم.

المشكلة هي تصدع البنية الكيانية الفردية والوطنية والقومية العربية التي يعبر عنها الموقف المتردد لإميل حبيبي بين قبول الجائزة الإسرائيلية ورفضها.. وهو تردد يعكس الموقف الوطني والقومي كله تجاه الأصل الناشئة عنه هذه المشكلة الخاصة بالجائزة الإسرائيلية للأديب الفلسطيني، وهي مشكلة احتلال الوطن الفلسطيني من قبل عدوان يشمل الأرض ويجاوزها ليشمل الإنسان بحضارته وقيمه وأمانيه وتطلعاته.

أما إذا رفض حبيبي جائزة العدو، فإنه يكون قد سجل من جديد، أن الوجدان الوطني الفردي والقومي لديه، لم يزل حيا وقادرا على مواصلة النضال، بالرفض للعدوان،  وبالأدب، ضد العدوان.

وإذا وافق حبيبي على استلام جائزة إسرائيلية[41] فسيكون قراره جريرة وإثما في حق الوجدان القومي.. سيكون خطيئة في صفحة الوجدان المناضل.. ولكن، من تحت الرماد، سيكون الوجدان الوطني والقومي، ماثلا أبدا للتوقد من جديد!

شحناء الأدباء*

قد لا يستهجن المراقب للحركة الأدبية المحلية [في دولة الإمارات العربية المتحدة] الظهور المتكرر لعلاقات الشحناء التي تصبغ المشاعر المتبادلة أحيانا بين أفراد هذه الحركة، على الرغم من أن الوظيفة الجامعة للاشتغال بالأدب هي الوظيفة المعقود عليها أمل الإنسانية القديم المتجدد في عالم واحدي يرتفع بناؤه على قواعد الحب، وتترامى أطرافه في مطلق السلام.

قد لا نستهجن خلق التشاحن بين الأدباء ومعهم المنتمون للأدب طالما أن مثل هذا الخلق واقع من إفرازات خـَلْق من خـَلْق الأرض تحكمهم الطبيعة بدوافع وحاجات تطلب الإشباع بكل وسيلة أقرها مبدأ الحياة النابض في مراتب الأحياء ابتداء من أدنى مستوياتها إلى مستوى الإنسان.

على أن موقفنا ـ هنا ـ تعوزه الدقة المطلوبة للمراقب إذا ظل موقف التسليم بواقعية الظاهرة دون تحليل نقدي يمايز بين عوامل التكوين، ومن ثم، تقرر أو لا تقرر، مشروعية العلاقات المبنية على الشحناء بين الأدباء ومعهم المنتمون ـ بحق وبغير حق ـ للأدب.

والتدقيق في هذه الظاهرة يقتضي التمييز بين الأدب وبين المشتغلين أو المعنيين به والمتحلقين حوله. فالأدب ليس صفة ذات طبيعة استغراقية للمنتِج الأدبي أو أشباه منتجي الأدب والمتعلقين بحباله. وإطلاق صفة الأديب، إطلاقا تاما، على الواحد من أهل الأدب، هو إطلاق من باب التجاوز الذي لا تبيحه نظرة مدققة؛ وحياة الناس في جلها، تقوم على التجاوزات التي تبيحها عادة المجاملة، أو عادة ارتداء الثياب الفضفاضة، من غير تدقيق.

فإذا كانت الجمالية، وهي حب وسلام، هي الطبيعة الوظيفية للأدب، فالجمالية ليست طبيعة وظيفية، استغراقية، للإنسان معنيا بالأدب أو غير معني.

إنما الجمال إشراق إنساني، ونموذج إنساني لا يستغرق الإشراقُ وجودَه كله.. هو حلم تحجبه السحب الداكنة إلا ومضات تغري به وتشدّ إليه..

الفعل الأدبي ـ الجمالي بطبيعته ـ حالة استثناء من مجرى الحياة المتدافع في قنوات على وجه أرض من طين. والعمل الأدبي خلق متميز بذاته، ونسبة العمل الأدبي إلى مبدعه تماثل نسبة الوليد إلى أمه وأبيه. لكن الوليد خلْق غير أمه وأبيه. غير أن استقلال الوليد أو العمل الأدبي عن الوجود السابق الفاعل له، لا يلغي خاصة الكشف عن طبيعة الفاعل التي لا تنفك عن الفعل؛ فالفعل، كل فعل، هو حالة تَكَشُّفٍ للفاعل، أيا كان الفاعل. فاستقلال الفعل عن فاعله، أو ما بينهما من تغاير، لا يقطع الصلة الوجودية بينهما، ولا ينفي إمكان التعرف على الفاعل بفعله؛ إذ لا سبيل للتعرف على الفاعل غير فعله. والفاعل يظل وجودا مغلقا على الفهم إلى أن ينخرط في الفعل؛ فالفعل إعلان عن الوجود، أو عن طبيعة الوجود.

الأفعال تكشف الفاعل، وخُلُق التشاحن التي تظهر بين المشتغلين بالأدب، هي إعلان عن طبيعة، تعلن عن ذاتها ـ أعني الطبيعة ـ بالعمل الأدبي أيضا. فهل ثمة علاقة بين إعلان عن خُلُق مذموم، وإعلان جمالي حالم، وهما إعلانا فاعل واحد؟

ولن أغامر باقتراح جواب على هذا السؤال الذي أحسب أنه يتطلب بحثا أشد عمقا وأوسع مما يتيحه مقال يتوقف عند حد إثارة المشكلة ولا يتعداه إلى حد أبعد يشترط جهودا مشتركة لبلوغ الدقة القريبة من التمام الممكن.

وما أفصحت عنه من تمييز بين الفعل الأدبي باعتباره إشراقا لا يستغرق حياة الأديب كلها، وبين المنتِج للفعل الأدبي، لا يُحسب رأيا تقريريا في المسألة المبحوثة، ولكنه إجراء تحليلي تمهيدي يؤسس لإجراءات أخرى تتغور البحث وتنمو به نحو الغاية منه.

قراءة في هموم الشاعرة عطاف جانم*

“يرقص ما تبقى من دمائي في الوريد”

أول ما يبين لقارىء أشعار عطاف جانم المنشورة في ديوانها “لزمان سيجيء”، ترنيمة روح الأسى الحالمة التي تنبعث من معاناة امتزجت بالأنثوية الحاسّة المنفعلة بحادثات زمنها الراهن.. وتلك حادثات الظلمة.. ولكن الشعر رؤيا للأمل يجاوز بالإنسان المكدود في مواجهة حياة عصيبة إلى سباحة في أفق التسامي والانطلاق في اللانهائية الإنسانية!

وعطاف جانم مهمومة فلسطينية، يكبلها قيد.. ويسلب حريتها عدوان على الحياة بكل معانيها.. ففي قصيدتها “وتجندل قانون الحجر”.. ترسم صورة المعاناة الفلسطنية الخاصة، رامزة لفكرتها بعصفور صدته دبابير الثكنات طويلا.. وهراوات العسس الليلي تلقته في كل مدار.. أما هو.. فتفلّت منها في نزق.. وتجاوز طقسا شتويا في القلب.

ماذا تعني الشاعرة بتجاوز العصفور لطقس شتوي في القلب.. والقلب إشارة ممتلئة بعاطفة الوجود الكبرى؟ هنا تبرز أنوثة الشاعرة فتتلون معاناتها بنبض قلب يرفض قانون الحجر، لا لأنه قانون حجر بمدلوله المادي الذي يمارسه الاحتلال، ولكن، لأنه قانون حجر يحاول اغتيال المعنى العظيم للحياة.. وهكذا يتجندل قانون الحجر الذي تتغيا قوى العدوان في نموذجها الإسرائيلي فرضه في الأداء الراقي للحياة الإنسانية..

“فتجندل قانون الحجر

“هذا العصفور الآن طليق

“ويسير وئيدا نحو الشمس، تصادفه

“في الدرب قصيدة تحنان

“وجه كقصيدة تحنان”..

القلب الرافض لقانون الحجر يلتقي بعد انطلاقه وفي عالم الحرية بوجه كقصيدة تحنان..

“يمضي الاثنان بنفس الدرب..

“يترامى الدرب

“فيناغي عصفور الأضلاع قصيدته”.

فهل أفلح العدوان في حجره على حرية الفلسطيني؟ كلا.. والدليل أنه قد اهتز القلب.. فانتصر الحب على كراهية المعتدين للإنسان بمعناه الراقي.

والشاعرة، إذ تعقد المقابلة بين عصفور ودبابير، فإنما تعني أن لسعات الدبابير لا تسلب عصفورا، بما يرمز إليه، حرية الصادح المحلق؛ فالحرية، وهي من المعاني الكبرى، لن يقتلها أولئك الذين يعشعشون في شقوق صفحة الوجود!

وفي “اغتيال مدينة حلم”، يعكس الواقع الخارجي صورته على مرآة نفس الشاعرة، فيبدو من مطلع القصيدة أنها تسجل انفعالا بالقضايا الوطنية، خاصة وهي تحكي قصة حوار طرفه الآخر “حارس الباب المضيء” الذي ردّ الطفلة ونصحها ألا تعود بغير أختام وتصريح يجيز لها المرور.. فأول المعاني التي تبرز في ذهن القارىء، معاناة الفلسطيني من العدو المحتل لوطنه..

وكثير من المحللين للقصيدة أخطأوا لدى محاولاتهم تفهم موضوع القصيدة، وتعجلوا بإصدار أحكام عاجزة عن تفسير مكنون الشاعرة المنتشر في بنية القصيدة كلها.. قال بعضهم إن الشاعرة تسجل موقفها من العادات الاجتماعية السائدة تجاه الفتاة.. وقال آخرون إن الشاعرة تتطلع إلى العودة إلى وطنها المغتصب.. لكن القراءة الكاملة التي تربط أجزاء القصيدة كلها بمعنى واحد تكشف عن تجربة حب فاشلة ، رغم كل ما بذلت المحُبة في سبيل ولوج العالم الفسيح، عالم المحبين.. أليس للحب مدينة ذات باب مضيء؟! أليست مدينة الحب مغرية؟!

“وجبينها الوضاء يجذب من بعيد

“والأقحوان المستجيب لوشوشات الريح يجذب من بعيد..

“وما تسلل من هواء مدينة الأحلام، يُرقص، ما تبقى من دمائي في الوريد”..

ولكن.. ورغم كل الطقوس التي قدمتها المحبة لتلج باب المدينة إلا أن سارية الليل المأفون ـ وهي ترمز بسارية الليل المأفون لموقف المحبوب.. خرق خصر المدينة..

“ومضى يقوس جذعها،

“ليلفها بردائه.. يمتصها، ولسوف يرحل بالمدينة للبعيد”..

ففلسطينية عطاف جانم، صبغة لا تستطيع التفلت منها وهي تصور تجربة حب اغتالها سار مأفون مظلم كالليل.. وكم من تجارب حب اغتالها سالب الوطن؟ ثم إن الحب الإنساني، وحب الوطن، لغة واحدة، ذات صور.. عطاف، ترسم الحب كله في فنية شاعرة وطنية أسيانة!

والعدو يغتال براعم الحب في قلوب الكبار، ويسحق كذلك أحلام الصغار.. في قصيدة “عنقود الذرة”، في موقف ينفجر فيه حزن شاعرتنا من أعماق نفس تمكَّن منها الأسى.. وسط صاحبات منتشيات بليل العيد، ترتد عطاف إلى ذاتها مخاطبة طفلتها:

“وبماذا يحلم الأطفال يا شيرين

“والخفاش يجتاح الشوارع والمساجد والمدى..

“هل رأيت الغار في القدس يبوسا

“بعدما غار الندى!

“هل تراءت في ثنايا الأفق أعواد المشانق والمِدى؟!

“وبماذا يحلم الأطفال ما دام الترمل  قدرا يطوي السنين..”

فلماذا انبثق هذا الحزن من طبقات دفينة في النفس، وفي لحظة نشوة؟!

القصيدة ترسم صورة للطفلة شيرين وهي تحاول إعادة تثبيت حبات ذرة تناثرت من كوزها..

“حاولت تصفيفها في الكوز،

“لكن الحبيبات العنيدة

“رفضت إلا ائتلاف الخصام..”

هذه المحاولة الفاشلة للطفلة شيرين، نقلت الشاعرة إلى عالمها العربي الذي لم تفلح كل مشاريع الإئتلاف فيه.. وهنا، يبرز في نفس الفلسطيني(ة) إلحاح شديد لفكرة الوحدة، وما تحمله من إمكانات كفيلة بإنجاز مشروع استعادة وطنه السليب:

“ذا صلاح الدين في الشام مسجّى..”

وصلاح الدين رمز الوحدة وتحرير فلسطين في آن واحد.

وتتسع دائرة هموم الفلسطيني(ة) في أشعار عطاف جانم، فتعكس على صفحتها الإحساس الأليم بالوقت الرديء:

“أيها الصادي أيا باحث

“عن ماء فرات

” لن يكون الآن فالوقت رديء

“ومياه الكون ملح وأجاج”..

أجل، الوقت رديء.. ففيه..

“بسوق المدينة شاع القرار

“لتبقى جميع الرؤوس

لتبقى جميع الرؤوس مغيبة، في ثنايا التراب

“ويُمنع تحت التراب الهسيس..”

ومثل كل فلسطينية وفلسطيني، لا تنقطع الصلة الوجدانية بين عطاف وبين أولئك الذين يسكنون هناك في سجون الاحتلال، فتهدي ديوانها “للذي كان له الطوق الحديدي رداء وإزار.. حينما غاب ليأتي بالنهار”.. وتهدي إلى محمود في سجون الاحتلال قصيدتها: “وعلمت سر ضحكات الشموع”.. وفي مطلعها تصفه بأنه:

“شامخ مثل الصنوبر

“فوق ربوات الجليل..”

وتردد آهات كثيرة في قصيدتها، فأحزانها جرح عميق نازف:

“آه يا محمود من مد الصحارى

“وانحسار الماء في كل بلاد الفقراء

“آه يا محمود من ذرذرة الريح

“لأحلام الصبايا

“كلما حلّ المساء

“آه يا مح…”

حبس اشتداد الحزن بقية المنادى!!

وفي “تجاوزات للدوائر المغلقة”، يبرز من الشاعرة جانبها الوطني ـ الإنساني الحالم:

“وأحلم.. أحلم

“بأني تجاوزت كل السلاسل..

“حلقت في أفق باهر

“تموج به الأغنيات الوديعة

“والحب شيخ جليل يقوم بعقد قران الشموس، بزخ المطر

“ويمضى الجميع إلى الأرض حيث يعيشون شهر العسل

“وأطمع في الحلم: أن لا انتهاء لشهر العسل!”..

وكيف لفتاة ألا تحلم؟! وهل يصدها عن الحلم، عدوان غشوم، أو خيبة أمل في تجربة أو أكثر؟!

عطاف الأنثى، الإنسانة، الشاعرة لم تزل تحلم:

“حسبت بأني وأنت سنحرث أي فلاة

” بأي بلاد

“ونشربها من نزيز الجلود

“فتنبت فلاّ ليمتد ظلاّ به نستجير”..

فإذا اكتشفت أنها واهمة، لا ترتد عن مواصلة الحلم.. فترى الحبيب بعين الخيال وتسمع نداءه، فتقول “في جسور التواصل”:

“هنيهة

“وأركض نحوك

“فهذا نداؤك

“يذكي التوهج في خافقيا

“سآتيك حالا

“لنمضي

“كما الوعد بيني وبينك نحو الثريا”..

تصدمها وتصفع خطوها متاريس كالهول. وتواصل سيرها.. وتبقى جسور التواصل بينها وبين محبوب تراه، لم تصله بعد!

تُسكن في مقلتيها طيفه، وإلى أن يكون (الملتقى):

“إذن سوف أُسكن طيفك في مقلتيا

“فلن يئدوك ولو سحقوني..”

القوة الغاشمة تقتل المحبوب.. ولا يتسلل القنوط إلى قلي صادق في رؤياه.. تقول عطاف:
“سأبرق

“لبعضي.. لصحبي

“لحشد جيوش من الحقد والحب.. والغيث والجدب

“فيُبعث فينا (بروسيوس) من جديد

“بيمناه تبرق

“سيوف التحدي”..

وبروسيوس شخصية بطل أسطوري يقتل مدوزا، الكائن الأسطوري، الذي تكسو الحيات جسده، وكلما قطعت واحدة، نمت مئات الحيات بدلا منها!

والشاعرة في مقطعها الأخير تتطلع إلى معركة طاحنة بين حشود الحب والحقد.. والغيث والجدب..

هل أمكنني في هذه القراءة العجلى لديوان عطاف جانم الأول.. “لزمان سيجيء”.. أن أرسم صورة وجدان شاعرة فلسطينية، تحمل هموم وطنها بقلب الأنوثة الأسيان الحالم؟ قد أكون دنوت.. ولكن الحب أكبر، وبحر الشوق أغور!!

محاولة لتلمس مطولة “يا ترى” لمحمد صيهود النايف*

في واسعية الواحدية.. يتلاقى الشعر والفلسفة

السؤال موضوع فلسفي صار في مطولة محمد صيهود النايف “يا ترى” موضوعا شعريا. وبهذه الصيرورة فإن النايف يطرح مسألة العلاقة بين الفلسفة والشعر طرحا تجريبيا يختبر  إمكانات الشعر في معالجة الهم الإنساني العام التي هي ـ المعالجة ـ وظيفة الفلسفة منذ بدأ الإنسان يبحث في معاني الوجود ويتساءل عما وراء الظواهر من كوامن، وعما تعنيه الظواهر والكوامن في الحياة وفي الكون عامة.

ولا شك أن الفلسفة غير الشعر؛ فالفلسفة خطاب العقل، والشعر خطاب الحاسة. ولكن هذا التباين الأداتي لا يلغي الصلة بينهما، تلك الصلة التي قامت منذ عهود قديمة، على ما يروي تاريخ الفلسفة. فقد كان فلاسفة اليونان الأوائل يصوغون آراءهم في عبارات شبه شعرية، مثال ذلك أنكسمندريس، وزعيم المدرسة الإيلية برمنيدس؛ ومنهم من كان يلتمس في الشعر تأييد مذهبه كما كان يفعل السوفسطائيون الذين كانوا يقتبسون من هوميروس أشعارا تؤيد مذهبهم في التغير الدائم لأشياء الوجود.

ومن المسلمين كان ثمة فلاسفة أدباء، مثال ذلك أبو حيان التوحيدي الذي مزج الأدب بالحكمة مزجا استحق عليه وصف ياقوت له في معجم الأدباء بأنه “فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة”.

ودعا الفيلسوف الإنجليزي المعاصر هوايتهد إلى الاستعانة بالشعراء للتعبير عن المعاني التي تبحث فيها الفلسفة؛ فالشعر، يقول، قادر على هذا التعبير بدليل خلوده. وهذا الخلود دليل حاسم على أن الشعراء “يعبرون عن حدس إنساني عميق، استطاعت الإنسانية بمقتضاه أن تنفذ إلى ما في الواقعة الفردية من طابع كلي شامل”.

وازداد اقتراب الفلسفة من الأدب في العصر الراهن، باقتراب الفلسفة من الإنسان الذي هو الموضوع المباشر للأدب. وقد كان الإنسان موضوعا للفلسفة في كل الأزمان، ولكن العصر الراهن يتميز بتفلسف ُيعنى بأمل الإنسان، كما يُعنى بألمه.

ثمة قرابة حقيقية، كما يقول زكريا إبراهيم في كتابه “مشكلة الفلسفة” ـ تجمع بين الفلسفة والأدب، تتمثل في اهتمام كل من الفيلسوف والأديب بمصير الإنسان، ومواقفه البشرية، وقيمه الأخلاقية، وصراعه ضد شتى القوى اللاإنسانية”.

هكذا.. مطولة النايف “يا ترى” نموذج لقرابة الفلسفة والأدب. ولكنها قرابة التزاوج التي لا تنفي الفنية ولا تغيِّب الشعر في بطن الفلسفة؛ وإنما هو توحيد تظل الأولوية فيه للشعر، وتبقى الشاعرية تقنية وتصويرا ظاهرة بارزة في رحلة التطواف التي تواصل فيها السؤال ما بين ذاتية الشاعر الإنسانية وذاتيته المنتشرة في الأشياء المستنطقة بمهارة تحمل الدليل على صدق التجربة الشعرية عند النايف، وعلى كثافة المعاناة وعمق الإنفعال، وهو ما مدّ الشاعر بالنفس الطويل المشخص في قصيدة تستقل، وحدها، بديوان.

المطولة سؤال يهجس به الشاعر ابتداء من عنوانها، وانتهاء بالمقطع الأخير منها. وهو سؤال شاكّ؛ سؤال يعلن حضور السائل.. سؤال واحدي تلتقي فيه الأبعاض ولا تغيب. وهذا كله يؤيد المزاوجة التي توثقت صلتها في مطولة النايف فيما بين الشعر والفلسفة.

العنوان “يا ترى” سؤال، وهو سؤال مفتوح، فلا جواب عليه في الديوان الذي ينتهي بانفتاح واسع للسؤال ليؤكد جوهر العنوان السؤال:

“هل لذلك الكون بُعْد

“أو صفات.. مسلّمات

“وحَدُّ

“أم سيبقى..

“طبع الخليقة سراً؟”.

فالتساؤل عن بُعْد للكون، يجيء تفلّتا من فكرة المحدودية؛ ولكن طبيعة التساؤل التفتحية تفترض صحة فكرة المحدودية، فيتقدم السؤال في أفق جديد، هو أفق: “أو صفات..مسلّمات وحدّ”، لا لينغلق فيها، ولكن ليعمق المنهجية الشاكّة في شكل فني ومضمون فلسفي، وهو ما يدل عليه الشاعر بسؤال أخير: “أم سيبقى.. طبع الخليقة سراّ؟”. ولا يخفى المعنى المتفتح للسؤال المملوءة به علامة الاستفهام التي يُنهي بها نص الديوان ولا ينتهي عندها غرض الشاعر الذي هو تحريض للمتلقين على التساؤل العقلي عن سر الوجود، بصيغة جمالية تتعاظم جماليتها بوحدة الحرية والشعر؛ والحرية هي التفلّت من المحدودية كما تفلّت منها الشاعر بتساؤله!

والعنوان بذاته، مجردا من نسيج الديوان، صيغة شك. ونحن نعبرِّ بهذه الصيغة اللغوية عما يعترينا من تردد إزاء مواقف ننقسم فيها بين اتجاهات لا ندري أي اتجاه منها هو الاتجاه االذي ينبغي علينا الذهاب فيه، حيث تعوزنا البينة الهادية للخطى؛ لكن هذا العوز يكون نصف عوز، الأمر الذي يضاعف الشك ويفاقم المشكلة. وكأن الشاعر أراد أن يضاعف الشك ويفاقم المشكلة كما تفعل الفلسفة التي ولدت سؤالا ولم تزل سؤالا زاد تعاظما وتوغل، مع تطاول الزمن، في المدى اللا محدود توغلا أشدّ.

وإذا كان السؤال متحركا، كان واسع الأبعاد. و”يا ترى” الشعرية واسعة بدلالتها الفنية مثلما هي واسعة بدلالتها اللغوية. فوزنها (فاعلن) وهو وزن المتدارك. وبحر المتدارك “يصلح لحركة أو نغمة أو زحف جيش أو وقع مطر أو سلاح” [الدكتور عمر الأسعد: معالم العروض والقافية]. فالشاعر نجح في توحيد الدلالات اللغوية والفنية في دال واحد، هو عنوان الديوان الذي يتكثف فيه الديوان كله. فالديوان سؤال ظل مفتوحا، والعنوان دال مفتوح متحرك لغويا وفنيا.

العنوان دال على الحضور، فالشك المتعاظم فعل يجري في الحاضر، والسمات التي تكِّون المتدارك الذي يتكون في صورته المثالية من وحدات (فاعلن) هي سمات الحركة، والحركة حضور، وهي في هذا البحر الشعري حضور متنوع غني بحركات عديدة تنتمي لفاعلين إنسيين وطبيعيين. وهي حركة تتفاوت في إيقاعاتها تفاوت النغمة عن زحف الجيش. ومثل هذه الحركة المتنوعة والمتفاوتة الدرجات، تعبير عن عاطفة ترقّ مرة رقة اللحن العذب، وتجيش مرة جيشان القوة المسلحة؛ وهي حركة الجمال والعنفوان. فالنغم جمال، وزحف الجيش عنفوان؛ وهي حركة الحياة والموت، فوقع المطر هو وقع الحياة. ولكن السلاح حامل للموت وأداة الإفناء؛ وهو آلة الدفاع عن الحق ضد أداة فناء، وضد موت يزحف في عتمة غشوم!

فإذا أحلّ الشاعر نفسه في خضم مثل هذه الحركة المتعددة الصور، والمتباينة إلى حد التناقض، فإن شكه يجيء أعمق بما يوازي عمق السؤال وتشعبه. وقد جاء سؤال النايف عميقا ذا شعب. والقارىء تلفح وجهه حرارة انفعال الشعور بالانشطار الذي يرسمه الشاعر في “الإهداء” بما فيه من حركة الزمان: “هكذا الأيام تجري”؛ وهي تجري لا على نسق واحد، ولكنها “مرة.. تهدي وصالا، ومرة “تهدي بعادا”. ووصف جريان الأيام بالوصال مرة، وبالبعاد أخرى، توسيع للأفق الشعري، بإطلاق الذاتية من منغلق اللحظة، أيا كانت طبيعة هذه اللحظة. وهو إطلاق للذاتية في مجرى الزمان الذي لا حدّ له ولا حصر. والإطلاق هذا مقترن بحالة التية التي يعيشها الشاعر: “وأنا التائه.. لا أعرف أمري”.

ما المعنى في حركة جريان الزمان؟ هل هو في الوصال أم في البعاد، وكلاهما: “يشعل النار بصدري”، أي بصدر الشاعر؟ هل هو بين النور والنار؟ هل هو النور والنار معا؟ هل هو معنى وراء وفوق النور والنار؟ الشاعر لا يعرف: “وأنا التائه لا أعرف أمري”؛ فالسؤال مفتوح!

وكما السؤال مفتوح، فإن المحَاور أيضا مفتوحة؛ فالذات غير منغلقة في الزمان، والزمان غير مغلق على الذات. فالعلاقة بين المحاور علاقة تواد.. الأيام تهدي الوصال مثلما تهدي البعاد؛ والهدية فعل التواد، لا فعل بغضاء. وفعل التواد فعل انفتاح الأنا على الآخر. وفي هذا الانفتاح تحرر من انغلاق الأنا على الآخر. وهذا الانفتاح ليس بين الأنا والآخر الإنسانيين؛ إنه بين بين الأنا والآخر الوجوديين.. بين ذات الشاعر الذي يتلقى الهدية، وصالا وبعادا، وبين الزمان، وبين البدر الذي يغري، والنار المشتعلة في الصدر. والانفتاح قائم أيضا بين النار وبين البدر؛ ففي الكون المادي، نور البدر، ومنبع جماله وإغرائه، امتداد لنار الشمس.. وفي الكون الإنساني، نار الصدر، أو نار القلب هي نار الشوق للجمال، وهو هنا جمال لون البدر بوصفه رمزا مفعما بالدلالات.

فالإهداء الذي يشي بمعاني المطولة، أفق مفتوح، تتواصل أطرافه، ولا ينغلق، اللهم إلا أن يكون الوجود كله منغلقا، وليس الوجود كله منغلقا.

والشعر الذي يتموضع بالحرية، هو الأقدر دائما على ان يبتعث فكرة الحرية من بين ظواهر إنسانية وطبيعية يخالها الناس منغلقة في دوائر لا تتواصل. والشعر وهو يبعث الحرية الجمالية، وهو يبعثها من أنقاض الدوائر المنغلقة، يعلن إعلانا بقوة نور النار، قوة الشعر الجوهرية، أن الوجود واحد واحدية تترجم الحرية وترسم الجمال.

وفي رحاب التفتح الواحدي، تنهار الجدران الفاصلة بين الشعر والفلسفة كتعبيرين من تعبيرات الإبداع الإنساني عامة، وهذا ما تؤصله مطولة النايف، وتؤصل معه الحرية الجمالية التي ينشدها الشعر، وينشدها الإنسان والوجود كله.. ولكنها حرية الفردية في المطلق الواسع.

وتقصِّي مطولة “يا ترى”، يزيد من ترسيخ مقولة تفتح الشاعر والسؤال المترامي في النص بأكمله. ولكنني أعتقد أن مهمة القراءة التي أباشرها هنا، هي تلمّس مفتاح النص، لا حصره كله؛ ففي الحصر تقييد يناقض روح السؤال. ولا أود الوقوع في دائرة الحصر المغلقة، فأترك للقارىء أن يمارس فعل الحرية، طائفا مع رحلة البحث عن اليقين في صحبة النايف.

الأرواح تسكن المدينة لأنور الخطيب*

دراسة في المضمون

دراسة مضمون عمل أدبي ما، ذات أهمية توازي أهمية دراسة معماره. وإذا كان تقدير الأعمال الإبداعية مؤسسا على ما تخلقه من صور مباينة للوقائع الطبيعية (ومنها الاجتماعية)، فإن صور ابداع تقول شيئا، أو هي شيء مقول قولا فنيا.

ولا تأتي الحاجة إلى تأمل الشيء المقول فنيا من اعتبار المقول معاني يتغيا الأديب توصيلها إلى جمهوره، إذ تلك غاية قد تتحقق بوسائط أخرى من وسائط النقل أدني للقراء وأيسر للفهم من واسطة الأدب، أو الإبداع عامة، خاصة مع تجدد التشكلات الفنية المستمر، وتغيراتها المتسارعة المتساوقة مع مفاهيم متطورة، يتبناها المبدعون، ويطبقونها فيما يقدمون من إنجازاتهم الفنية؛ إذ الإبداع ليس محاكاة ما هو جار في الواقع، ومن هذا الواقع الجاري تجارب الأدب الماضية قياسا لكل عمل ينجز في الحاضر أو سينجز في المستقبل.

وإنما تأتي الحاجة إلى دراسة مضمون عمل أديب من اعتبار أنه عمل مبدع، أي من اعتبار حميمية العلاقة ما بين الشكل والمضمون في العمل البديع؛ فالإبداع ليس إبداع شكل حسب، وإنما هو إبداع شكلِ مضمون، أو مضنونِ شكلٍ فني. الإبداع يوحد الشكل والمضمون، وحدة لا يتفاوت فيها بعض منها عن بعض، ولا تُدرك من جهة دون جهة؛ الإبداع واحدي الوجود في جوهره  بمعنى اكتشاف وحدة الكثر الظاهر، لا يتساوق مع ذاتيته إلا بتحقيق وحدة عناصره العضوية لا المتراكمة جنبا إلى جنب.

قصة “الأرواح تسكن المدينة” الطويلة [القريبة من الرواية] للزميل أنور الخطيب (من منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، 1988م)، نموذج لعمل إبداعي لا يحصره الشكل الفني، هو محاولة أبداع للعمل كله، شكلا ومضمونا. وأخشى وأنا أفرد هذه المقالة لدراسة المضمون وحده في قصة [رواية!] أنور أن أقع فيما أحذر منه، الذي هو تقسيم العمل الفني إلى شكل ومضمون. على أن مثل هذا التقسيم لا مندوحة عنه، كأداة إجرائية، وبهدف الكشف عن مستوى آخر للإبداع المرهون بإبداع في المضمون، من خلال إبداع كلي في الشكل والمضمون معا، على حد سواء.

الصورة التي يرسمها أنور للعالم في قصته [روايته!] مبتدعة كلها. وباستخدام واع للرمز.. ينفرنا القاص [الراوائي!] من الواقع الذي يعيش فيه الراوي، أو بطل القصة، فالقاضي الذي أصدر حكما بالإعدام على الراوي، الرمز الخارج على الواقع، هذا القاضي له “أذنان طويلتان مجوفتان.. له فتحتا أنف كثقوب الثعابين الغليظة، حين يستنشق منهما الهواء، يشفط من أمامه الأوراق، حين يزفر، تتحرك أمامه الأقلام وتهتز الطاولة”. فأول انطباع تتركه القصة [الرواية!] لدى القارىء هو أن المجتمع المصوَّر فيها، لا إنساني العلاقات والممارسات، وإنه سجين الجحور كالثعابين، وسجين الجهالات كالحيوانات ذات الإذان الطويلة.

قاضي أنور ليس نشازا في الواقع (الفني) الذي تعالجه القصة [الرواية!].. القاضي يمثل، على الإجمال، ما تمثله القوى الاجتماعية المؤثرة على التفصيل. فللقاضي طريقة عجيبة، “ولكنها لم تثر دهشة الحاضرين”، والمألوف من السلوك لا يثير دهشة الناس، والإنسانية التي ينفيها القاص [الراوائي!] عن القاضي، ينفيها عن الحارسين اللذين يتوليان تنفيذ الخطوة التالية المترتبة على الحكم الذي أصدره القاضي بإعدام البطل. فأصابع الحارسين ملتصقة كأنها “قطعة لحم مسطحة حمراء”. الحارسان على هذا الحال، لا يمتلكان أداة الفعل الإنساني الحضاري على مذهب يقول إن يدي الإنسان هما العامل الرئيس في نشوء الحضارة الإنسانية، وإنهما هما العامل المسئول عن نمو الجهاز العصبي في الإنسان إلى المستوى العقلي الحضاري. وتسطح اليد دلالة على تسطح التجربة. وإذا أضيف الاحمرار إلى التسطح، ارتدت الممارسة الإنسانية إلى بدايتها الأولى عندما قتل أحد أبناء الجدّ آدم أخاه. فالإنسانية إذن، عند أنور، لم تزل غارقة في اللحظة الوجودية الأولى التي غمرها دم الأخ المراق بيد أخيه!

ويعمق أنور الصورة التي يرسمها للحارسَين فيتساءل: “ترى كيف يكتبان، كيف يلتقطان الأشياء، كيف ينتزع أحدهما شوكة غرزت في ساقه، ثم كيف يتكلمان، كيف يأكلان، وكيف يقبل أحدهما زوجته، كيف، كيف، كيف؟”. وباختصار، كيف يمارسان حياتهما الإنسانية؟ والسؤال استنكاري، قصد به أنور نفي الإنسانية عن مثل هذه الحالة. وهو ما قصده مرة أخرى، وهو يصف الحارسين اللذين صحبا المحكوم عليه من الزنزانة إلى المقصلة: فهما متماثلان، بفرق واحد، هو أن الحارس من جهة اليمين له عين واحدة من جهة الشمال، والحارس من جهة الشمال له عين واحدة من جهة اليمين. “ومكان العين الأخرى لكل منهما ممسوح الخد، لا أثر لعملية استئصال أو تشويه”. فإذا تماثلا هذا التماثل، فقد زالت عنهما خاصة التفرد المميزة للإنسان المتحضر، أو المميزة ـ بدقة أكبر ـ للإنسان العاقل، وللإنسان المبدع. أما الخلاف الذي ذكره القاص [الراوائي!]، فهو تأكيد إضافي على نفيه خاصة التفرد الإنساني عن حرّاس عالم “الأرواح تسكن المدينة”.

القاص [الراوائي!] ينفي الإنسانية عن شخصي قصته [روايته!] هذين المكرسين لدور الحراسة، بتركيب جسدي فطري، أهّلهما لتركيز رؤيتهما في دائرة ضيقة، تنتهي إلى نقطة محبوسة في حدودها. فوجهة رؤية الحارس من جهة اليمين نحو الشمال، ووجهة رؤيةالحارس من جهة الشمال نحو اليمين، ونقطة التقاء الوجهتين، هي نقطة حكم الإعدام الذي أصدره القاضي، والحكم بإعدام حي، انحباس في أضيق الدوائر وأظلمها. وتصويرا لأضيق الدوائر وأظلمها، رسم أنور للحارسين أنفين بأربعة ثقوب واسعة، تصلح سكنى للفئران، وجعل لكل منهما فما صغيرا جدا، “يتسع لمرور نملة فقط من الحجم المتوسط”. هكذا يصير رأسا الحارسين جحورا مظلمة، وليسا مركزي العقل الواعي الحر. وسعة ثقوب الأنفين هنا تعادل ضعف القدرة على شم ما هو جميل، إذ هي مكرسة هنا لشم ما هو قبيح، القبح المرتبط بسكن للفئران، والمرتبط بسلب الإنسانية عنهما، المؤكد، في الصورة، بفمين صغيرين لا يتحرك فيهما لسان ناطق. ثم هما بلا آذان أيضا، فلا يسمعان، “وإن جلودهما سميكة، ولم ينبت عليها الشعر وتلمع لمعانا غريبا”. وسماكة الجلود تعني فقدان الحساسية، ثم هما ليسا بشرا البتة، فالقاص [الراوائي!] لا يسلبهما خصائص البشرية الحضارية حسب، ولكنه ينفي عنهما أيضا خصائص البشرية الحيوانية؛ هما آلتان، فالجلود لا ينمو عليهما شعر، وتلمع لمعانا غريبا.. جلود معدنية، لآلتين لا تمتلكان أدنى قدر من الحرية.

فإذا كان القاضي والحرّاس على هذا الحال البشع، فإن البشاعة تتمادى بالسلبية التي تميز موقف الجمهور تجاه ضحية اللاإنسانية. فالجمهور الذي حضر تنفيذ حكم الإعدام، كان فرحا، لا مباليا، لقد صفّق، لا إعجابا بالبطولة، صفق تصفيق الوعي الغائب.. “أما النساء، فكان لهن حضور مكثف، كأنهن ذاهبات إلى حفلة مسائية… لمحت امرأة ـ يحكي الراوي، بطل القصة، الماثل لتنفيذ حكم الإعدام فيه ـ تلفت انتباه ابنها البالغ من العمر عشر سنوات لحضوري، [المكان هو المقصلة]، وتقدم له توجيهاتها لكي ينتبه ويرى بأم عينيه، وعيني أمه…”. وتوجيهات الأم لطفلها ـ الصغير، لكنه القابل للاستيعاب والقادر على التساؤل ـ ليست ذات منحى تحريضي ضد الظلم، إنها تحذير للولد من أن ينساق في تيار يؤدي إلى هذه النهاية التي انتهى إليها البطل لرفضه الواقع البشع؛ فالأم تطلب من ابنها أن يرى المشهد الماثل أمامه “بأم عينيه”، أن يراه بكل قوته على الرؤية، أن يرى جذوره، ويرى أبعاده. ولما كانت رؤية الجذور والأبعاد قد تؤدي إلى رؤية الرفض وحتمية تغيير الواقع، تؤكد الأم على الاتجاه الذي تريد لرؤية الإبن أن تنحو إليه، نحو التخاذل، فتحدد الرؤية بأم العين، بالرؤية بعين الأم، الأم اللامبالية بما يجري، الأم التي تخشى على ابنها من الهلاك! والقاص [الراوائي!]، تعميقا لصورة تخاذل الجمهور، لجأ إلى عاطفة الأمومة، التي تكشف عن التصاق أشد بالحياة، على أية صورة كانت، ولا يهم مع ذلك، أن تكون هذه الحياة، حيوانية الطابع، أو إنسانية المعنى!

والنساء يصورن الحياة أصدق مما يصوره الرجال، وهن جئن لحضور تنفيذ حكم الإعدام “حضورا مكثفا”، فإن هذا الحضور “القصصي” [الروائي!]، يُبرز، بشدة، صورة حال الواقع الذي يشارك كله في إعدام الخارج على المسار الأفقي للمجتمع. وحضور النساء “المكثف” وهنّ في زينتهن المبالغ فيها، تصوير بليغ لعكس المعنى الجمالي المبدع؛ فالزينة الأنثوية الجسدية ليست جمالا مبدعا، ولكنها تزيين واقع غير جميل، وتزييف له، وتقييد له عن انطلاقة حرة نحو جمال حقيقي.

القاص [الراوائي!]، بلسان الراوي، وهو يتغيا الجمال الحقيقي، البديع، يرفض عالم التجسد الضيق، ويرسم مدينته في عالم روحي من صنع الخيال.

ولكن المرور من سجن الواقع، إلى طلاقة الروح، يعبر مرحلة وسطى، يمثلها القاص [الراوائي!] بحالة الدخول في الذات، ومعالجة مشكلاتها، أو مشكلات البطل في دائرة الانفصال عما يجري. والكوابيس التي يعاني منها، هي ضغوط المجتمع، والحلول التي يضطر إليها، وهو في حالة النوم، حالة الانكفاء على الذات، والتقوقع الشخصي، هي حلول مقاوم لا يملك قدرة الفعل على مواجهة تحديات الخارج على أرض الواقع. الأحلام تراود الراوي، البطل، القاص [الراوائي!]، على قهر القوى القاهرة، ولكن القوى القاهرة غالبة، وهو عندما يريد مقاومتها، فإن إرادته تتحقق فقط، وهو حر في مملكته، المتربع على عرشها وهو نائم.

المشكلة هنا، البارزة بحدة، وبقسوة، هي مشكلة انفصام فردي وانفصام اجتماعي. الفرد لا يفلح في التوحد، والمجتمع غير متوحد، القوة المسلحة في تناقض مع القوة العاقلة النازعة للجمال.

القاص [الراوائي!] حل المشكلة بالخروج من عالم التعدد المتصارع إلى عالم الروح، خرج هو أولا، ببطله، ثم خلق له مجتمعه الذي يتخيله، ويطلبه، وصارت المدينة، مدينته، حلمه، مدينة أرواح!

منازلة الواقع فكرة غير واردة في القصة [الرواية!]، حتى الآن؛ فجرعة الياس كانت كافية لأن تحدث أثرها كما أرادته قوى السيطرة، فاجتر البطل كأس الهزيمة حتى الثمالة، وسبح في عالمه الخاص، ينسج منه المستقبل.

شرعت الروح في الانطلاق منذ وقع البطل في إسار حجرة ذات “طبقة سميكة من البلاط والاسمنت”، هذا القاع الصلب، صدم البطل الذي اشتم رائحة الحناء وأخذ يبحث عن مصدرها، فتكشَّف له أنها غير مادية؛ إنها رائحة، والرائحة ـ خاصة الرائحة الزكية ـ والروح على علاقة وثيقة في المصطلح اللغوي، وفي المفهوم الشائع، والغرفة / السجن، سجن لما هو مادي، أما ما هو روحي، فهو لا يسجن، لذلك، كانت الغرفة / السجن، أول الغيث لهارب من الحياة، أقول هارب، رغم أن القاص [الراوائي!] ينحو إلى تصوير البطل مقهورا على الخروج من الواقع؛ فهو هارب طالما لم يواجه الواقع بأدواته.. “رائحة شجرة الحناء كانت طاغية”، فماذا يفعل سجين في بحر طغيان الرائحة / الروح؟! وإمعانا في الروحانية، يحرق القاص [الراوائي!] غابة الحناء، يحرقها، وهو يخلق ـ من خلال شخصيته الرئيسة ـ  القاع السميك والصلب الذي يحول دون النفاذ منه، ولا يسمح بتجاوزه..”احترقت غابة الحناء وبقيت رائحتها”، وهذا يعادل إعدام الجسد، وبقاء الروح..

القاص [الراوائي!] يجيد تصوير ما يريد، ويحبكه حبكة مقتدر، مع أنه لم يزل في بداية العطاء الأدبي،  وهو يبشر بعطاء أشد جمالا. وهو يقدر أيضا على تعميق الموقف، لتوكيد وجهته. ولكي يحرضنا على ولوج طريق الحل الروحاني، بمفهوم خاص، هو طريق مجاوزة الواقع، ورسم واقع جديد. وبينما هو يطلب ذلك، لا يبرز الدور المقاوم، هو لم يحاول، من خلال بطله، وبإصرار، على أن يحفر أرض سجنه، حين جوبه بطبقة البلاط والإسمنت السميكة: “ولكني تراجعت بعد الحركة الأولى”. وحينما أعرب عن المطلب الأخير للبطل قبل الإعدام، أعرب القاص [الراوائي!] عن رغبة تَعجُّل الموت، وأن لا يتيح له الجلاد فكرة المقاومة، هذه الرغبة السلبية يفصح عنها بقوله: “وأن لا يضربني الجلاد سوى ضربة واحدة”.

ولم يغب عن القاص [الراوائي!] أن يتوقف عند ما نسميه “حلاوة الروح”، وهي قوة التشبث بالحياة في آخر لحظاتها: “لا أريد أن أموت، أرفض الرحيل والشتات، لا.. لا.. لا”. وقد جاء هذا التعبير صرخة فجائية، وهذا معناه أنه لم يكن أمرا مدبرا، ولا مطلوبا طلبا عقليا؛ كان حالة انفعال تفجرت لما تجسدت له أوراق الزعتر، وتجسد معها رجل ذو شارب طويل، وأنثى جميلة وأطفال.

لغة القاص [الراوائي!]، جملا ومفردات، حبلى بالدلالات. فالانتقال من الحناء إلى الزعتر، هو انتقال من الفردي إلى الجمعي. وهذا ما يسوغ الانفعال الماثل في صرخة التشبث بالحياة؛ فهو تشبث بالجمعي، العميق في البنية الفردية، الذي لا ينتظر منطق العقل البارد المتأني المتردد. فعندما يواجه الموتُ الجماعةَ لا الفرد، يفور الدم في الفرد ليدفع الموت عن الجماعة، بروح استشهادية بارزة في قصة [رواية!] أنور الخطيب. واستدعاء رمز الحناء لرمز الزعتر هو استدعاء الفردي للجمعي في موقف انتظار الموت: الحناء زينة العروس في ليلة زفافها، العروس موضوع فردي، [هذا لا ينفي استبطان فرديته لمعاني جمعية عميقة، ولكن الفردية فيه أبرز]، وهي غاية المنى، لفرد، ومطلب ضروري للحياة الفردية. العروس ذات الحناء، شق آخر لبنية مؤسسة للجماعية؛ فالحناء، بدلالتها الزواجية، رمز يدخل منه القاص [الراوائي!] إلى “شعب الزعتر” [الشعب الفلسطيني]. والحناء بدلالتها الروحانية، رمز للمطلق، يصير تجسيدا واقعيا عندما يستدعي الزعتر، الذي نأكله، فكأنما أراد القاص [الراوائي!] أن يقيد انطلاقته الروحانية باستدعاء الزعتر بعد الحناء، ليعمق لحظة التشبث الأخير بالحياة، باعتبار الرمزية الجمعية للزعتر، وما تستبطنه هذا الرمزية من آلية الجمعية كقوة غاذية للوجود الفردي.

على أن القاص [الراوائي!] وأد، وعلى عجل، العودة للواقع: “ضحكت من نفسي، وبختها، شتمتها، ووجهت إلى شخصي الكلام: كأنك تملك القرار”. فنكص من الجمعية إلى الفردية، على أن الفردية عنده هي فردية الظاهر لا فردية الباطن؛ فالراوي، الذي لا يحمل إسما، أشار إليه القاص [الراوائي!] بالحرف (ك)، الذي ربما يعني: كنعان (القبيلة العربية القديمة التي استوطنت فلسطين)؛ كون؛ كل؛ كنانة (أرض مصر)؛ كمال؛ كفاح؛ كرم (تضحية بالذات في سبيل نهوض الجماعة)؛ كبير (لا يقضي عليه الموت لأنه أكبر منه، والشعوب لا تموت)… الخ. وكل هذه دلالات ربما عمد القاص [الراوائي!] إلى الإيحاء بها ليوكد أن حكم الإعدام لا يعادل النهاية.

وتصير دلالة الـ (ك) أشد وضوحا وأدق تحديدا باستخدامها إشارة إلى الجار الطيب للراوي، وهو روح، الجار زوج المرأة الجميلة، والأطفال الثلاثة، الذين رآهم الراوي ـ قبل الموت ـ على أوراق الزعتر. هنا، تبدو (ك) رمزا لفلسطين، ولشعبها، وتتحدد هوية المقتول منذ الآن، بأنها هوية جماعية، لا فردية، أو فردية ذات عمق جماعي بارز فاعل. ويكاد القاص [الروائي!] أن يصرح بما يبطنه من معنى رمز (ك)، لولا ضرورة فنية حكمت القصة [الرواية!] التي أخفت مضمونها تحت غلالة الرمزية المغلف بها الموضوع، ولولا ما يقتضيه الحل الروحي ـ برؤية خاصة ـ الذي يؤججه القاص [الروائي!] في كل مراحل عمله.

فوجه الرجل “بستان برتقال ناضج…”، وهذا اقتراب من التصريح بأن الرجل المشار إليه بـ (ك) هو الشعب الفلسطيني [فلسطين مشهورة بإنتاج أفضل برتقال في العالم]. ثم يقترب القاص [الروائي] من التصريح عن هوية (ك)، اقترابا يكاد يلغي المسافة الفاصلة بين الرمز والمرموز إليه، بما يحكيه على لسان (ك) مما جرى في مؤتمر كان قد عقد له، وقرر “أكل الذي عقد المؤتمر لأجله على أن يحافظ على هيكله العظمي سليما..”.

قصة [رواية!] أنور الخطيب، قصة روح تتأبى على الموت الذي يظن واقع ظلوم جهول أنه يقدر عليه، وهو يستلهم التراث الديني الإسلامي الذي يربط بين فلسطين من جهة، وبين إسراء ومعراج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ارتبد بفلسطين، والجنة التي تذهب بعض التفسيرات الدينية إلى أنها ستكون في فلسطين، من جهة أخرى. علاوة على ما تمثله فلسطين في التراث الديني كله.

وقد صبغ التراث الديني الروحاني القصة [الرواية!] كلها، ووجّه تصورات القاص [الروائي!] للعالم الحقيقي، المؤهِل للدوام، لا عالم القهر والقوة الظالمة الجهلاء، الذي حبسه أنور في غياهب الوجود: “انطلق القاضي هاربا، راكضا على رأسه ويديه [حيوان يمشى على أربع؛ ليس إنسانا]، التحق به الجلاد والحراس ورؤساء السجون، لجأوا إلى ثقوب وأبواب نصف المدينة الآخر [النصف القبيح]… وأطبقت عليهم”، كما سوف تطبق جهنم على الكافرين، عندما يصير العالم ـ الأخروي، وفقا للدين ـ عالما روحانيا، أي: مدينة أرواح، كمدينة أنور!

على أن توظيف التراث الديني الروحاني في القصة [الرواية!] لم يجر وفق تصور تجزيئي يفصل الأبعاض ويفرق بينها. ولكنه يخضع لعملية تجديدية تستكشف الجوهر الجماعي للدين. فالراوي الذي ليس فردا محضا، بل الذي هو فرد رامز للجماعة، هو الذي أنجز النصر [الروحاني في عالم روحاني متخيَّل] ضد فردية عناصر الهيمنة الظلومة في الحياة. فالراوي المنتصر هو رمز الوجود المتواصل ـ بمفهوم ديني ـ الذي لا يفنى بصدور حكم إعدام عليه ومع إنفاذ هذا الحكم؛ فالإنفاذ لم يقع إلا على التجسيد الفردي الضيق، مرة في صورة الراوي قبل أن يكشف القاص [الراوائي!] عن جوهر عمله الجماعي، ومرة أخرى في صورة القاضي والجلاد والحراس ورؤساء السجون. وهو في سبيله إلى تعميق فكرته هذه، سلب ـ القاص [الروائي!] ـ كلا من العقل والجسد والقلب، وهنّ منفصلات، أهلية القدرة على مغالبة العدوان، ثم أوكل هذه المهمة للراوي الروحاني (الجماعي)، مرتكزا إلى الدلالة التي توحد بين معنيي الروحي والجماعي لحساب الجماعي ذي الديمومة مقابل الفردي الهالك.

وإذا كان الفردي مثال القبح، فالجماعي أم الجمال. وأول تبلورات الجماعية هو توحد عناصر الوجود الفردي: “وعلى البعد.. لاحظت قدوم جسدي، قدوم أجساد عديدة تقترب، تدنو من رؤوسها… احتضنت الأجساد الرؤوس، بكت من أثدائها، من مسامات جلودها، فأمطرت الدنيا دمعا وعرقا ودما”.

ثم “أمطرت الأرض من جوفها على نصف المدينة الجميلة… وفي الصباح كانت الأرض قد ثملت من الدم والدمع والعرق، فتفجرت فقاقيع وردية، صغيرة وكبيرة، تتفتح ببطء، ثم تزفر مستريحة”.

فالراوي، وبعد أن تكشفت جماعيته، تجاوز مستواه الأول.. كان مقهورا، يمارس الفعل في أحلام نائم، لم يواجه الواقع بالكيف الذي يؤهله لغلبته؛ كان منقسما على نفسه، تحت ضغوط قوى الظلمة، كان منفك الصلة بالغير اللاهي بتوافه الأمور، كان محبوسا في دائرة المفعولية.

أما الراوي بعدما كبر بالروح الجماعية، فقد غدا ذاتا موحدة.. عاد رأسه [عقله] إلى جسده [أداة حضوره المادي].. توحد العقل مع الحضور المادي، مع الجسدي، مع اليد العاملة، في وجود متسق، متكامل، [واحدي]، يخلق الجمال، ويهنأ بالراحة،.. غدا وردا، كبيرا وصغيرا، يتفتح على مهل، لا يلحقه اضطهاد ولا تُحصى عليه أنفاسة!

الجماعي صنع الحرية ففاز بنصف المدينة الجمبل!

والجماعية الإنسانية المؤسسة على الحرية، والتي تتغيا الجمال فكرة يلدها مفهوم أعمق للوجود؛ فإذا كانت الجماعية كشف لوحدة الإنسان مع ذاته، ومع الناس عامة؛ فهذه الوحدة تمثيل لواحدية الكون الجميلة، عبّر عنها أنور الخطيب بالاحتضان والبكاء من الأثداء والمطر الذي لم يأت من السماء حسب، وإنما أتى من جوف الأرض أيضا؛ فالوحدة تحققت في الشكل الإنساني المرموز إليه بعلاقات التوحد الذكري الأنثوي (بالاحتضان)، وبالتوحد الأمومي (بالأثداء)، المعمق بانفعال قوي (: الأثداء التي تطعم الأولاد تبكي)؛ وانخرط التوحد الإنساني في التوحد الوجودي.. مع المطر من فوق وتحت.. الإنسان يتوحد مع السماء والأرض.. وكانت نتيجة هذا التوحد الوجودي العام تفجرٌ وردي يرسم بلوغ غاية الجمال المساوقة لغاية الحرية، دون إلغاء للفردية.. لكن فردية حرة جميلة لا تجهل ولا تقهر ولا تقتل.. أنور حبس عوامل الجهل والقهر، لكنه لم يقتلهم!!

قصة “العودة” لشهيرة أحمد*

الوطن جسر الحب (؟!)

تتباين آراء القراء، أو القراء النقّاد، حول عمل أدبي ما، وفقا لاختلاف المعايير التي يحتكمون إليها، كل على حدة. ولكن اختلاف التقدير ليس يعني غير أن العمل موضوع الجدل يملك من الأهلية ما يقدر بها على أن يقدم نفسه، أو يقدم صاحبه، على أنه ينطوي على فاعلية لا تستوعبها نظرة واحدة، فتحتاج إلى نظرة أخرى، لتنكشف بها أغوار لم يدركها فريق، ويدركها فريق.

ونحسب أن قصة “العودة” لشهيرة أحمد، التي قرأتها في أمسية ثقافية بأبو ظبي، نموذج للإبداع الأصيل الذي تكشفه رؤية واحدية للأدب. فهذه القصة هي قصة “وردة” اغتال الغاشمون جمالها. أو هي قصة تفتّح روحٍ قاومت ظلامة الإنسان، أو هي قصة حب متسام عن قيود الجاري في الزمان والمكان، إلى فضاء يسري في الدم، واسع طليق..

“يقال إنه في تلك الليلة المريعة.. لم يتوقف نحيب الكون.. ظل يبكي وأشجاره تنوح..

“وقيل… إن نقطتين من الدم المسفوح انسربتا في لحم التربة المبتل بالندى الليلي فأينعت وردة”.

بهذه الخاتمة التي أنهت بها شهيرة نص القصة، فتحت مغاليق الوجود، لتعلن عن نفسها مبدعة واحدية تأبى أن يتوقف العمل المبدع عند نهاية المكتوب؛ فإن النهاية المكتوبة، في منظور الواحدية، بداية جديدة، ومن هذه البداية الجديدة، ولدت وردة مرة أخرى، بعد اغتيالها كبطلة كانت محور القصة منذ بدايتها المكتوبة.

وقد يثير هذا الرأي  استغراب كل الذين سمعوا قصة “العودة” حين قراءة شهيرة لها.. ربما أثير بتفسيري للقصة الاستغراب أو الإنكار؛ إذ أن ظاهر القصة يستدعي تقديرا يباين تقديري ولا يتفق معه. ولا شك أن المعطى المباشر للقصة يوجه التفسير نحو ما يباين رؤيتي لها، ولكن هذه المباينة سر من أسرار الإبداع الذي تمتلك شهيرة نواصيه.

المعطى المباشر لـ “ألعودة”، هو قصة امرأة تعيش بعيدة عن وطنها ـ فلسطين ـ وتنهشها الغربة وتُقلق أيامها، فيتفاقم في نفسها صراع ينتهي بقرار العودة إلى وطنها، فتعود.. ولكن العودة تحملها إلى معتقل تلقى فيه أبشع صور العذاب الموغل في الهمجية إلى حد انتهاك العرض الذي لم تطقه “وردة” فماتت!

القصة بهذا المعطى المباشر تصوير مألوف لمعاناة الشعب الفلسطيني الذي تعكسه حساسية امرأة أشد مما تعكسه حساســـية رجل.

شهيرة سيطرت على أدوات الخلق الفني في “العودة”؛ إذ تنوع فيها أسلوب العرض، وتعمقت المشاعر الإنسانية ووظفت ثقافتها الفلسفية واستخدمت الرموز على نحو كشف مدلولاتها المترامية، وأمكنتها قدراتها على تحويل الزمكاني الفيزيقي إلى معادله الفني، وكان ذلك كله مصورا بلغة شاعرية لم تسقط في المباشرة إلا في مواضع لا محيد لها فيها عن النقل الخبري للمحادثات. وهذا كله يزكي قصة شهيرة لتكون شهادة على تفوق صاحبتها في التعبير عن معاناة صادقة تعيشها في حالة التمزق التي يعيشها شعب ـ شعب فلسطين، شعب القاصة ـ موزع بين الاغتراب عن الوطن، والموت فيه.

ولكن التفوق الإبداعي يجيء أقوى عندما تعالج القصة قضية أبعد غورا في النفس وفي الحياة الاجتماعية من خلال قضية وطنية تحظى بعطف ما كان سيزيد بقصة شهيرة التي ما هي في حقيقتها ـ لدينا ـ إلا توظيف للمألوف المقبول كجسر يعبر منه المتلقي إلى حلم لا تسعه حياة الناس الجارية على المألوف:

“خرج إليها البحر، يرتمي عند قدميها، تفزع إليها حيواناته، تقيم حولها طقوس عرس لم يئن أوانه بعد!”.

وردة تحلم بعرس، عرس تُزفّ فيه إلى بحر يخرج إليها، ويرتمي عند قدميها، البحر بكل دلالالته المعنوية والمادية.

بحر وردة يخرج إليها، ويرتمي عند قدميها، ونيته التي أفصحت عنها حيواناته، نية طالب الشوق الذي أذاب صخرة تسند وردة ظهرها إلى حافتها: “تسند ظهرها إلى حافة صخرة أذابها الشوق، يخرج إليها البحر…”، وهذا الشوق الذي يذيب مسند ظهر المرأة، هو الحلم الذي ترنو إليه وردة، وهو حلم العودة الذي سلبته الأيام: “سلبتك الأيام حلم العودة”. ولكن خروج البحر وارتماءه عند قدميها، جدد فيها الحلم من جديد: “الآن حان وقت العودة، دقت طبولها، حان موعد العرس، فلم أنت حزينة على هذا النحو؟”. إلا أن جذورها في أرض غربتها ـ التي تعيشها في عالم المألوف، الذي لا تقنع به ـ تقاوم انطلاقتها نحو الحلم: “.. صارت تشد جذورك إلى هذه الأرض”؛ فهي على وجه من وجوهها جزء من المكان الذي تعيش فيه حالة اغتراب، مقاومتها لم تفلح في تحريرها: “تقاومين زمنا…تسقطين… تنهضين… تسقطين… إلى أن نبت لك في أعماقك واحة تظلك”.

وردة لم تستجب، في المبتدى، للبحر: “قالها البحر وتسلل مبتعدا”؛ لديها الرغبة، ولا تملك القدرة على تحقيق رغبتها، فمزقها التناقض بين الرغبة والضعف: “تركها للحيرة تأكل عقلها.. وللأسئلة كالدود تنخر في جسد ميت”.. “أنت مأفونة يا وردة.. بل ومتناقضة إلى أبعد حد، منذ أتيت إلى هنا وأنت تتمنين العودة إلى ذلك المرفأ الجميل”. ولدى مغترب، فالمرفأ الجميل هو الوطن، والوطن عند وردة هو الحبيب: “في ليلة مثل هذه عرفت فاطمة… كم تشتاق إليها… ترى هل أراها.. أجلس معها… أحكي لها عن مغامرة الخطر الأولى باتجاه الوطن… عن الحبيب الذي انتظر طويلا ثم أخذته دوامة الحياة… عن الفرح الذي يداعب القلب…..”.

وردة لها ماض ذابل من الحب الفاشل، يحد من حرية الحلم: “وهل بقي مجال للأحلام يا وردة.. هل بقي ثمة حلم لم يتكسر منذ تكسرت أبواب مدينتك والأشياء كل الأشياء في أعماقك تتكسر”.

قالت هذا بعد تساؤلها: “ألا تحلمين؟”. فهي تود لو تحلم، ولكنها تخشى الرحيل؛ فالبحر الذي خرج إليها، فلم تقبله، رحل أيضا، ولكن رحيله “أشعل ذاكرتها، وزرع هذا الرعب كله في حناياها”؛ هي تخشى البحر، فتظل على الساحل: “سارت وخواطرها على خط الساحل”. بقيت أمام البحر لأنها مصلوبة: “مصلوبة أنت بلا ذنب يا وردة، صلبوك على بوابة عهد عتيق لم يدخل بعد سفر التاريخ ولا تسلل إلى مجد الحضارة”؛ [المدلول واضح: روح نافرة من المألوف: العهد العتيق.....].

تواصل شهيرة رسم صورة التناقض بين الرغبة في الانطلاق نحو الحلم، حلم العودة إلى حب جديد تحب به البحر هذه المرة، وبين قوة الجاريات العتيقة التي لا تملك قدرة الوقوف في وجهها: “أتعبتها الأسئلة ودوار البحر”. وهي تتخوف من العودة (للحب): “عودتك تحمل في ثناياها رياحا وعواصف وصباحات لم تتثاءب بعد، عودة مقرورة تحتاج إلى زمن آخر لتصبح وردة أو حقل قمح”.

تتمزق وردة، قبالة (مشروع حبيب آخر) وتود لو تقدر على الإفصاح عن حبها الجديد: “يحنو البحر على تمزقاتها… تسافر الهموم في دروب قلبها…”؛ تود لو تعود (للحب)، “لكن العودة تبدو متعبة وخاسرة كفارس يراهن على حصان عجوز”. فالبحر عجوز(؟!)؛ والعودة إلى الذكرى القديمة، ذكرى الحب، بتلبية دعوة البحر، عودة “للشوارع والناس فيجدهم قد رتبوا أمورهم على عدم عودته”؛ إذ البحر مأهول.. البحر لم يغرِ وردة ولكنه استنفر كوامنها نصف استنفار.. قمعت حبه وبها نصف ميل إليه.. وبما بها من نصف خضوع للمألوف الجاري.. قررت العودة للوطن التراب، هروبا من الوطن الحبيب: “سأعود..

“حزمت أمتعتها ويممت شطر الوطن، وصلت إلى الجسر”. تركت البحر ومضت. يفهم من المعطى المباشر للنص أن عودتها هي عودة الرجوع من أرض الغربة إلى أرض الوطن، فلسطين.. ولكن النص الأدبي لمبدع أصيل ليس مسطحا ليمنح نفسه للمتلقي بأول قراءة. إن وردة في قصة “العودة” رمز أبحرت به شهيرة في التجريد، والبسته رداء صلابتها فكان تجسيدا لها: “أنت عنيدة”، “لا أعرف شيئا”، “.. صمتها أثاره… فصممت على المضيّ…” [: على الهرب من البحر = الحبيب]..

ظهرت شخصية فاطمة للمرة الأولى في القصة بعدما أدركت وردة “أن الغربة إحساس يقيم داخل النفس لا علاقة له بالزمان أو المكان”، وبعد أن “همست لنفسها… الغربة في الوطن أقسى وأشد مرارة”.

وظهرت شخصية فاطمة للمرة الأخيرة في الفقرة الأخيرة من “العودة”: “كان لفاطمة وجه الوطن ورائحة الأرض”. وهذا الوصف في السياق الذي جاء فيه، هو وصف لوردة، إذ كان الحديث في النص يجري عنها، ويصور لحظة ما بعد موتها، لحظة انسرابها “في لحم التربة المبتل”. وردة هي فاطمة، هي وجه الوطن ورائحة الأرض، هي نموذج المرأة التي لم تنفك علائقها بجذور ضاربة في الواقع، هي التي عادت للوطن “الحبيب الذي انتظر طويلا ثم أخذته دوامة الحياة”، هي التي رفضت في نزق قول “أبو العبد”: “كلنا عبيد يا ابنتي.. لا.. لا… لست عبدة… ولن أكون”، قالتها بعد ما عادت للوطن، وفق ظاهر النص.. للحبيب الذي لا يندّ عن المألوف، فكان هذا الحبيب معتقلا يغتال الإنسانية فيطلب الجسد ويغتصبه بقوة الذكورة ووحشيتها، وهي الذكورة ذاتها التي تريد من المرأة أن تكون عبدة.

وردة عادت لوطن الذكورة القاهرة، وفيها ثورة غذاها بها البحر الذي قمعت دعوته إلى عرس.. فأدبر البحر وبقيت جذوة ناره في نقطتين من دم سالتا فأينعتا وردة الجديدة لتعود العودة التي تليق بوردة الأولى التي كانت تختلط بفاطمة، وفاطمة التي تختلط بجليلة.. ففي قصة شهيرة اختلطت النماذج النسائية وتبادلت الظهور من غير حصر في شخصية بعينها. ولكن الشخصية الأوسع كانت شخصية جليلة التي يوحي اسمها بمعناها ومدلولها، خاصة وأنها ظرت تحمل كتابا، فهي جنس النسوة المثفات اللاتي يرفضن معتقل الذكورة ولكنهن يرفضنه إلى الحد الممكن. أما رفض هذا المعتقل كله، فهو رفض وردة الجديدة بنت نقطتي الدم المنسرب في التربة المبتلة بالندى الليلي.. هذا الندى الليلي هو البحر الذي رقى بالحب بعدما عادت إليه وردة حرة من كوابح الاجتماع ومن موانع المألوف.. والندى الليلي بحر من غير وحوشه.. ومن غير ملوحته..

في الظاهر، كانت عودة “وردة” للوطن التراب.. لكن العودة الحقيقية كانت للبحر مرموزا له بالندى الليلي، وبهذه الرمزية، تعود “وردة” للبحر الحبيب، البحر الرقيق رقة الندى.. الوطن، كان لدى القاصة، جسرا إلى وطنها القريب القاصي، الحبيب.. أفق الوجود الواسع.. الحرية الجميلة.. عادت روحا.. لطيفة خلصتها الشهادة من كثافة الظلمة..

وقد ذهب كثير من المعلقين على قصة شهيرة مذاهب متعددة اتفقت على التهوين من شأنها بدعوى أن معمارها غير متسق، وأن فيها أحداثا مقحمة أو أنها مترهلة وإلى غير ذلك. ولكننا نحسب أن تلك التقديرات كان يمكن أن تنعكس لو أنه تم لأصحابها القبض على مفتاح القصة الذي هو علاقة الوردة بالبحر. فإن الابتداء من هذا المفتاح يكشف، كما حاولنا هنا، أن شهيرة أحمد، تمتلك ناصية إبداع حقيقي لا شك فيه، وهو إبداع أصّلته قصة “العودة” ببناء أدبي قام على حوار داخلي وتداعيات يضع القاصة على طريق تأهيلها لمستقبل مشرق. ونحسب أن من المفيد أن نشير إلى أن أسلوب الحوار الداخلي والتداعيات، كان أسلوبا مميزا للروائي العالمي فوكنر الحائز على جائزة نوبل لعام 1953م، صاحب رواية “الضخب والعنف” التي سماها النقاد “رواية الروائيين”؛ لا نستشهد بفوكنر لنربط إبداعا جديدا بمعايير إبداع قديم، لكن لنستأنس برأي لا لنتقيد به..

نقد مسنون… رمتني زوجتي بحجارته!*

أحسب أنني لا أغالي إن زعمت أن مشكلة النقد تمثل أخطر مشكلة تواجهنا، بينا نحن نتطلع إلى مجاوزة الأزمة الحضارية المصاحبة للمرحلة الراهنة ذات الطبيعة التحولية في مفاهيمها، وفي منجزاتها. وإذ أزعم أن مشكلة النقد هي المشكلة الأخطر من بين مشاكلنا الحضارية التي تتجمع أطرافها كلها في مشكلة النقد؛ فإني أعتقد ذلك لاعتبارها أسّ مشكلتنا الحضارية الراهنة.

النقد مطلب من مطالب الحضارة وضرورة من ضروراتها. وحضارات الإنسانية كلها، الزائل منها والمستمر، لم تقم إلا من نقطة بداية واحدة، ومن غير استثناء وعلى وجه الإطلاق، هي البداية النقدية.

ونحن تحدونا الآمال العراض في تحول حضاري تقدمي، بمعاييرنا التقدمية الخاصة؛ لكن الأمل إذا ضل الطريق، لا يصنع تقدما؛ وإذا أخطأ نقطة البدء، لن يحقق إنجازا، ولن يصير حقيقة واقعة. نحن نخشى النقد على كل وجه، نخشى ممارسته ونخشى من أن يطالنا. والذين يخشون النقد يستدبرون الحقيقة ويخافون مواجهتها. وخشية النقد وجه للضعف أو هو سره المكنون؛ والضعفاء لا يصنعون حضارة ولا ينجزون تقدما!

وتتفاقم مشكلة النقد عندنا أكبر عندما يعمق جذورها مثقفو الأمة وطلائع حركتها. وهذا واقع لا يخفى على المتابع أو شبه المتابع لجاريات حياتنا الثقافية.. فأدباؤنا، مثلا، لا يرحبون بنقد يهز أعمالهم ويكشف عن قصور فيما ينتجون؛ بيد أن كل عمل إنساني ليس الكمال شرطا له؛ ونقادنا، ليس كلهم، مجاملة أو خوفا أو عجزا، سلبيون يواربون ويدارون تحاشيا من إغضاب هذا من “الأدباء” أو ذاك..

لست هنا في مقام البحث عن أسباب المشكلة النقدية وعن طرق علاجها. ولكني أرغب في اختراق الحصار النفسي الذي يحجب شمس الحقيقة المشرقة من سماء الحرية المبنية على القواعد النقدية؛ لعل في هذ المحاولة دعوة عملية لممارسة نقدية لا يخشاها المنقود ولا يجفل منها الناقد.

فقد كنت قد ملكت الجرأة ـ غير مرة ـ على تقديم مقطوعتين[42] لهما طابع أدبي للنشر في الصحف المحلية، وربما أكون قد حظيت بفرصة قد لا يحظى بها غيري؛ فتكرم الزملاء المشرفون على الصفحات الثقافية في صحيفتين من صحف الإمارات فنشروا لي ما كتبته تحت إشارة توحي بأنهما من الشعر..

السيدة عطاف جانم، زوجتي الشاعرة، لم تغفر لي هذه الجرأة، فواجهتني بنقد أشد جرأة.. والنسوة في العادة يهللن لأزواجهن، على وجه الحق وعلى وجه الباطل معا، إذا ما حشر الأزواج أسماء زوجاتهم حشرا جميلا في أي كلام، دون شرط أن يكون هذا الكلام في موقعه أو على حال الافتال. وفي إحدى المقطوعتين وصفت عطافَ بـ”السماء”، ورغم ذلك فقد رمتني عطاف، ومن السماء التي رفعتها إليها بحجارة مسنونة… ولم يغضبني صنيع زوجي.. لقد أثلجني وأود أن يصبح هذا المسلك النقدي، ممارسة عامة، تؤسس مشروعنا الحضاري التقدمي..

سجلت الشاعرة عطاف جانم نقدها “القاسي” في رسالة بعثت بها إليّ؛ ومع أن مراسلات الأزواج ذات خصوصية، وهي خصوصية زائدة بيني وبينها، ولكنني رأيت أن هذه الخصوصية تقبل أن تغدو مسألة عامة، طالما هي تخص قضية أحسبها تمثل أخطر مشاكلنا الحضارية الراهنة. وعلى هذا التقدير، فإني أسمح لنفسي أن أقدم للقراء عامة، وللأدباء خاصة، رسالة امرأة إل زوجها، لم تتردد فيها عن إبداء الرأي في محاولتين لهذا الزوج الذي ربما خالجه إحساس أنه بنشرهما قد يتحول عن وجتهه الثقافية الخاصة به، إلى وجهة الشعراء..

قالت رسالة زوجتي:

“أيها النابغة الغزّي (نسبة إلى مدينة غزة الفلسطينية) أوَ تدري لماذا لقِّب النابغة الذبياني والنابغة الجعدي بهذا اللقب؟ لأنهما كما يقال نبغا في قول الشعر بعد سن الأربعين، وأنت يا عزيزي تريد أن تكون النابغة الغزِّيّ لهذا العصر.. ولكن ذلك لن يحصل..

“أية قصيدة هذه التي تبدأ بفعل يبتعد عن الشعر آلاف الأميال، أعني قولك: “غاظ”..وانظر إلى هذه الصورة المخلخلة في قولك: “وعلى شمس الوداد تسدلن الشعور المديدة”. الشمس، شمس الوداد الذي يحاول أن يطمسها يا عزيزي لن يكون إسدال الشعور المديدة.. الجمال لن يمحو الجمال، إن لم يعززه. وانظر إلى تقلقل الصورة في “الباسمات المحيا في عبوس الضواري”، ما معنى هذا؟! وهذه الصورة التي لا تطاق: “والأقلام أغصان فيكن مزروعة”. ثم ليس جميلا أن تصف نفسك بـ”البحر”، بل لا يحق لك هذا، دع الآخرين يروك هكذا. أما أنت، فلا، لأن هذا ليس أكثر من غرور. وقد تكرر هذا الغرور في قولك: “مثلما هم الكبار”. لكن للحق، العبارة النثرية الجميلة هي: “ما ظنكن في البحر إذا جدّف أهلوه فيه.. ما ظنكن في البحر إذا راد شطآنه من يهواه؟!”… أضف إلى هذا أن كتابتك تخلو من مقومات الشعر كالموسيقى والخيط النفسي الذي يجمع بين الصور المتناثرة.. نعم، لقد حاولت حشو “القصيدة” بالصور لتصنع منها قصيدة… ولا تتوقع مني غير “التعليقات القاسية” التي تستحقها حتى ولو جاء إسمي في “القصيدة”..

“وتظل هذه، أعني: “يا نسوة كل الأزمان.. البحر يحببكن” ومع كل ما قلت أهون شرا من “عذراء تبني” التي تعج بالسرقات الأدبية الواضحة. وحسن النية في زج أسماء الأحبة فيها لن يغير من الأمر شيئا، وحسن النوايا لا يكفي. وللحق أقول إنك أفلحت في المحاولتين في استعمال ألفاظ شعرية، أي ألفاظ كثيرا ما تستعمل في الشعر. لكنك لم تكوِّن قصيدة، ولن تكوِّن، لأن استعداداتك النفسية والعقلية غير ذلك”.

انتهت رسالة عطاف التي نقلتها كما هي.. لن أضيف تعليقا، ولن أدافع [مع أن لديّ ما أقوله]، ولكنني أشير إلى أن عطاف، لا أحد سواها، هي التي أسمتني في أشعارها بـ”البحر”[43]؛ ورغم أنني استخدمت إسما تحب هي أن تسميني به، فهي لم تغفر لي هذا “الغرور”..

أما هي فلم تأت بخطيئة وهي تنتقد زوجها هذا “النقد القاسي”.. هي امرأة تدعو إلى حرية الفكر.. وما حرية الفكر غير النقد.. وما هي غير بداية تحول جاد نحو ارتقاء مدارج التقدم!

على هامش الأمسية الشعرية بالنادي السوداني في أبوظبي*

الشعر لا يكتب للمجاملات ولا لتلبية دعوات عجلى!

القيمة الجماعية للإبداع الجمالي أيقظت الحركة الأدبية في أبوظبي من رقادها الصيفي الذي يستغرقها كلما اشتد الهجير. وقد لعب الشعر في الحياة العربية الماضية دوره البارز في التحريض على مقاومة عوامل الفناء بغناء يتغور الكون الفردي ليزج به في معترك الفعل البنّاء. ولم يزل أداء هذا الواجب مطلبا ملحّا يتعين على الشاعرية العربية المعاصرة التزامه في ظروف يتفاقم فيها خطر التحديات التي تجابه الأمة.

ولا شك أن طغيان السيول في السودان الشقيق هو خطر يتحدى الوجود العربي الراهن، ويحرك دواعي النهوض لتواجه طوفان الدمار. ومن هذا المنطلق انتظمت في أبوظبي مساء الثلاثاء الماضي أول ملتقيات الشعر للموسم الثقافي الجديد، بدعوة من النادي السوداني إفساحا في المجال أمام الشعراء ليشاركوا بالأداة الجمالية في فعل التصدي للكارثة الواقعة في السودان، بلد العرب أجمعين.

على أن أول ما يثير الانتباه في هذا الملتقى غياب شعراء يحسبون أنفسهم، ونحسبهم  نحن أيضا، من أهل الطبقة الأولى بين أدباء أبوظبي، ولا ندري هل يرجع ذلك إلى عزوف بعض أهل الطبقة الأولى عن الزج بأدائهم البديع في خضم الحادثات الجارية المتسارعة، أم هو يرجع إلى سبب تنظيمي عجول، لم يتح الفرصة لتعميق الحضور الشعري في مواجهة تقلبات الزمان والتصدي لأخطارها؟! وهذان قضيتان يثيرهما ملتقىالشعر هذا مثلما يثير قضايا أخرى غرضنا هنا أن نشير إلى بعض منها ابتغاء لأداء جمالي أفضل، ليس محدودا بدور المشاركة الشعرية في “المناسبات”، ولكنه أداء يرعى حق الفعل الجمالي بخاصته التي يمتاز بها.

وقد يرى كثير من الشعراء والنقاد أن لا التزام على شاعر يلزمه بنظم قصيدة يشارك بها في “مناسبة”، إلا بدافع غير دافع الـ”الحضور”!

وإن الصدق الفني مطلب جوهري محسوم. ولا شعر من غير صدق. وكل نظم فني منزوع منه الصدق، هو كلام من الكلام، لا قيمة له بميزان الجمال، ولا حاجة له، بميزان مطالب “الجماعية”. إلا أنه لا يُعفى شاعر من المشاركة في المناسبات الجماعية بشعر بديع؛ إذ أن الشعر كله شعر مناسبات [انفعال بجاريات]؛ فالشاعر المبدع لا يحيا من فراغ الوجود، وإنما الشعر استجابة جمالية يبعثها من غور الشاعر انفعال الشاعر بالحياة الزاخرة بالجاريات المتتابعة. فإذا لم ينفعل شاعر بالجاريات الضخام في حياة الأمة، فهو شاعر مدان بتهمة الغياب عن مسرح حياة الجماعة، لا بتهمة الغياب عن قراءة تنظم في “مناسبة”.

والغائبون عن، والحاضرون أيضا في، ملتقى “سيول السودان” الذي انعقد في أبوظبي، كانوا، باستثناء واحد، بعيدين شعريا عن الخطر الجسيم العارض للأهل في السودان. فما قرىء من نظم في هذا الملتقى، باستثناء ما قرأه واحد، لم يكشف عن الانفعال العميق بالحدث.. فالكلام المنظوم الذي قرأه طه عبد الغني مصطفى ومحمد راجح الأبرش كلام كُتِب، فيما يبدو، لتلبية دعوة، ولإثبات “حضور”؛ وهو كلام نُظِم على عجل، لم ينبعث من “القلب” الشعري، رغم أنه مصبوب في قالب “الشعر”. لقد جاءت الدعوة للمشاركة متأخرة، فلبّى “شاعرانا” الدعوة مجاملة! والشعر لا يكتب للمجاملات ولا لتلبية دعوات عجلى. الشعر دواع تسكن منطقة الهم؛ ولو أن الشعر سكن منطقتي الهم منهما لجاء “شعرهما” أصدق وأبلغ!

أما الاستثناء الوحيد، فهو ما قرأه محمد سبيل، القادم لتوه من السودان؛ فقد كان شاعرا بالكلمة وبالإلقاء وبالعلائم الظاهرة عليه؛ لقد أثبت انفعالا أصيلا بالحدث، فكانت مشاركته في المناسبة مشاركة شعرية أصيلة. وقد طغى انفعال الشعر على محمد سبيل، فألجمه عن مواصلة القراءة لقصيدته التي خص بها الملتقى؛ ولما سألناه عما منعه من إتمام قراءة قصيدته، اعتذر بقوله: “توقفت عن الغوص في أعماق انفعالي، ليس إرادة مني، ولكن عجزا عن أن أواصل”. هنيئا لشاعرنا الشاب محمد سبيل، وهنيئا للساحة الأدبية في الإمارات، لوفود سبيل إليها، فإنه يبشر بإبداع شعري ملتحم بالجاريات الضخام في الحياة العربية المعاصرة.

من عيني سبيل كان يخرج الشعر، فالشعر نور.. نار تخرج من القلب ومن العينين أيضا. ولم أر الشعر يخرج من عيون غير عيون سبيل من المشاركين في ملتقى النادي السوداني؛ أجل، فالدرجات النفاذة التي خرج بها الشعر من عيني سبيل، لم تتوقد في عيون غيره بالوهج الأسير للجمال.

على أنني وأنا أراوح النظر بين عيني الشاعرة وفاء عبد الرازق، وبين شفتيها يخرج منهما الكلام، رأيت شيئا من نور نار الشعر الأخاذ، رأيت هذا وهي تقرأ قصيدة كتبتها لطفاتها الصغيرة “نهار”، عندما سألتها الطفلة عن معنى الوطن. وهذه قصيدة من جيد ما قرأته وفاء، ولعل إجادة الشاعرة في نظم قصيدة عن الوطن، بمناسبة سؤال ابنتها الصغيرة عن معناه، لعل هذا يعزز الرأي الذي يذهب إلى تأكيد خصوصية الأدب النسائي. فالشعر تعبير عن المشاعر، ولا شك أن الأم أعمق انفعالا بالمشاعر تجاه الأبناء، وفي موقفها تجاه صغيرتها، هذه الصغيرة التي لم تُعْـفِها طفولتها من معاناة همّ الوطن، ومن إحساسها بضياعه منها، أو ضياعها فيه؛ وإن نحن إلا بين ضائع في وطنه، وضائع منه وطنه! وفي ظل هذا الموقف، يقوى انفعال الأم ويتفاقم؛ وعندما يقوى الانفعال ويتفاقم، يلد الشعراء قصائد جميلة، تخرج من العيون مثلما تخرج من القلوب.

وإذا كان من وظيفة الشعر أن يحرض الجماهير على النهوض ومواجهة تقلبات الزمان، فالشعر لا يستقل بهذه الوظيفة وحده؛ ففن الخطابة ذو قدرة أيضا على استثارة الهمم. والشعر غير الخطابة وبعض شعرائنا يقعون في دائرة الخلط بين الشعر والخطابة، فيقفون على المنابر باسم الشعر ثم يلقون خطبا؛ وهذا ما فعله فيما أحسب، عبد القادر كتيابي، وقد طوت خطابيته إمكانات جيدة لأداء فني جميل، ومع إلقاء غير شعري، كانت تبرز من بين أعطاف “القصيد” صور جمالية دمجت الرمز التراثي بالوضعية الراهنة.

وقد شارك في الملتقى نبيل أبو زرقتين بقصائد منظومة بالعامية المصرية. والنظم بالعامية لا يقلل من قيمة الشعر الفنية، ولكن حقن النص الشعري العامي بمقاطع فصيحة كما يفعل أبو زرقتين، يخل في بعض الأحيان بالموسيقى التي يعزفها الشاعر، خاصة وهو يقرأ شعره، خللا يسيء إلى حالة السماع، ويصدم أذن المتلقي بمقطع ناشز عن اللحن المنساب، فيخرج المتلقي من حالة التذوق الفني، ومن ثم يخرج الشاعر على دور المؤثر الجمالي في جمهوره المستمع.

ولم يتقيد كل الشعراء المشاركين بالملتقى تقيدا مباشرا بموضوع المناسبة. فمن الواضح أنهم لم ينظموا شعرا عن أحداث الفيضانات الخطيرة في السودان، لم ينظموا مثل هذا الشعر بدوافع ذاتية، رغم مرور الوقت الكافي لذلك. وعندما دُعُوا للقراءة، قرأوا ما سبق لهم أن نظموه انفعالا بمواقف أخرى. ولكن ما قرأوه من “شعر” كانوا  نظموه انفعالا بهموم وطنية أخرى، ليس منفك الصلة بموضوع المناسبة. فالقضية الوطنية العامة قضية واحدة، والهم الوطني العام همٌّ واحد.

حول ما أثاره رأينا  في أمسية النادي السوداني بأبو ظبي*

لماذا نحط من منازل الشعراء ونحن نعلق عليهم الآمال الكبار؟!

يؤدي الرأي أول واجباته عندما يفلح في إثارة الناس حول القضية موضوع التناول. وليس يهم بعد ذلك أن تأتي الردود متباينة، إذ شرط الرأي ـ الحر ـ أن لا تُلزمه سلطة، وأن لا يلتزم هو بسلطة؛ فالإلزام، والالتزام بقيود تفرضها سلطة ما، مصادرة للرأي الحر، الذي يأبى الخضوع لغير مبدأ الحرية، الذي هو أساس بناء الحياة الإنسانية الكريمة.

والرأي الذي طرحناه في معرض تعليقنا على الأمسية الشعرية التي نظمها النادي السوداني في “أبوظبي”، تضامنا مع أهلنا في بلدنا السودان، ذلك الرأي، أثار ردودا متباينة كشفت عن قدرة الكلمة على أن تدفع بحركة الحياة من دائرة المفعولية إلى دائرة الفعل؛ وإنما الحياة إرادة التحول من المفعولية إلى الفاعلية. والحياة الإنسانية على وجه الخصوص، تعادل، معادلة دقيقة، فعل الخروج من حالة المفعولية إلى مستوى المشاركة الصانعة. والحركة الفكرية، ومنها الحركة الأدبية، على وجه الخصوص، هي قلب الفعل الخارج على حالة الموات التي تترجمها حالة المفعولية.

ولقد جاءت الردود على رأينا المعني ـ الذي شارك فيه إلى حد ما، مشاركة معلنة، زميلنا عثمان حسين، المشرف على الملحق الثقافي في صحيفة “الوحدة” الظبيانية ـ جاءت من مصادر بعضها “الشعراء” الذين أسهموا في الملتقى الشعري التضامني مع أهلنا في بلدنا السودان، وبعضها من جمور الشعر الذي قرأ ما رأيناه، وما رآه زميلنا عثمان.

وتباينت الردود علينا إلى ما وافق وما خالف. وقد سرني ما خالف أكثر مما وافق، فالرأي عندما يخالف بالرأي يقوى بالحرية التي يشترطها الخلاف ـ المعقلن ـ والذين ينادون بحرية الرأي للناس على قدم المساواة، هم الذين لا تسرهم الحياة إلا في كنف الحرية.

ولكن المخالفة في الرأي لا تشترط الحرية المنشودة إذا شذت عن طور المعقول ومارست دور القاهر وأدت وظيفة القمع.

ولو خالف أهل الأدب المخالفة التي تشترط العبودية، فإنهم يخالفون الطبع الأدبي في جوهره مخالفة تناقض لا يرفعه ـ بلغة المناطقة ـ وساطة ولا يحل إشكاليته عقل ولا وجدان. فالأدب في جوهره تحرر من قبح العبودية التي يصورها قمع يجيء من غالب، ويصورها صورة أبلغ، إرادة قمع تستعدي مغلوبا ضد مغلوب.

وقد لاح في أفق الردود علينا شيء يكاد يكون مخالفة ترتد إلى قمع مغلوب لمغلوب؛ فالاختلاف النادّ عن العقل لون قهري إذا هو صدر عن رغبة في الثأر، لا من عقيدة تؤمن بأن الله خلق كل الناس أحرارا، وأن الأمهات ولدن كل الناس ومعهم حق كامل في الإعراب عما يرونه صوابا؛ وأنهن ولدنهم، وعليهم، فرادى، واجب المشاركة بالرأي القويم على ما يُـقِّدرون قوامه.

ولكنا إذا قلنا جاء زيد فوقف وخطب وهو يظن أنه يتلو على الحضور شعرا؛ أو إذا قلنا جاء عمرو وقعد وتمتم بكلام منظوم؛ ثم قلنا إن الشعر ليس خطابة ولا الشعر يكون شعرا ما لم يكن نظما مبدعا؛ أو إذا خال لنا أننا رأينا نور نار الشعر تخرج من عيني محمد ولم نلحظ خروجها من عيون أخرى؛ فهل يسوغ ما قلناه وما خلناه الردود التي لاح في أفقها شيء من الرغبة في الثأر؟!

وهل يشرف الأدب، والشعر على سنامه، إذا ولج به المبدعون طرائق الصراع ضد الرأي؟!

وهل يرقى الأدب إذا صدع الخلاف غير المعقول وحدة الإبداع والنقد؟!

ثم هل بلغ إخواننا “الشعراء” المشاركون في أمسية التضامن مع أهلنا في السودان مرتبة الثريا فلا يطالهم النقد؟!

كلا، وكلهم معوزون إلى رأي صريح لا يجامل، وكلهم لم يزالوا في دور النهوض الإبداعي لا في مرتبة الفحول، لا أستثني من جاوز الخمسين، ولا من طبع الدوواين.. كل منهم له علينا حق قول نُصْدِقه فيه، وكل منهم له علينا واجب الحكم بما نحسب أنه الصواب؛ فإذا كان حكمنا صوابا، أدينا وظيفة الرأي، ودفعنا، على قدر جهدنا، الحركة الأدبية نحو الأمام. أما إذا أخطأنا الحكم، فإن ردنا عن الخطأ واجب على الذين يحسبون أنهم ممسكون بنواصي الحقيقة. ولكنْ أسفنا لموقف بعض الذين نخال أنهم يمسكون بنواصي الحقيقة، لكنهم يكتمون رأيهم في بطونهم، مجاملة أو مهادنة أو عطفا أو لرعدة خوف!

والرأي الناقد لا يجامل ولا يهادن ولا يرتعد رعدة خوف، وهو لا عطف فيه إلا عطف يكشف مواضع الوهن ويعزز مناطق الجودة في العمل المبدع ويحرض على توسعها وتأصلها.

ولا يعيب شاعر أن ينزلق إلى موضع وهن. ويشين الحركة الأدبية ويعيق تقدمها ضعف النقد وتبعيته للرغائب الكامنة في الذات البشرية، التي يلذ لها المديح، ويطربها الثناء، وإن كانا على وجه الاستغفال والنفاق.

والرغائب تحكم انفعالات الناس؛ فإذا انطلقت الرغائب من ضوابط العقل كان انطلاقها ضار العواقب بمقدار ضرر وقوع الصدع بين صفوف أهل الحركة الواحدة، التي هي ـ فيما نعني هنا ـ حركة الإبداع الجامعة للمبدع والناقد والجمهور معا.

وقد أدهشني بالغ الدهشة، أن يوجّه الخلاف من خلاف في الرأي ما بين تقدير “شاعر” لذاته، وتقدير ناقد له، وجهة صراعية الطابع، لا جدوى تعود منها على “الشاعر”، ولا على الأمة جمعاء.

وإذا لم يضبط العقلُ الانفعالَ، لن ندرك الحكم الصواب. وقد يكون مرد غضبة إخواننا “الشعراء” أنهم قرأوا نصف ما كتبناه، وسهوا عن نصفه الآخر؛ فنحن لم ننف الشاعرية عن أحد إذ قلنا إن بعضهم قرأ في الأمسية كلاما منظوما كتبه مجاملة وعلى عجل؛ أو إذا قلنا إن بعضهم ألقى الشعر إلقاء خطابيا، وللشعر إلقاؤه الخاص الذي لا ينفك عنه مكتوبا؛ ولم نجرد أحدا من عباءة الشعر إذ رأينا ـ في الأمسية ـ بعضا يتجمل بها، وبعضا جاء ـ إلى الأمسية ـ خالعها؛ وإذ شددنا على يد شاعر حسبنا أنه أجاد، فلا نقصد وراء ذلك إلى الحط من من منزلة شاعر غيره؛ ولماذا نحط من منازل الشعراء ونحن نعلق عليهم الآمال الكبار في رقي الأمة إلى منازل الجمال. على أن الحرية هي المنزل الأم لكل منازل الرقي الإنساني، فإذا صادر “الشعر” حق الرأي الحر، فقد صادر في الوقت ذاته، حقه في البقاء.

وعلى كل حال، فقد كان الحوار، ورغم قساوته، منزلا جماليا رقت بنا إليه نية خالصة لا يبطنها قصد السوء. وكان من مظاهر الرقي ـ بالحوار في الجمال ـ اللقاء الذي حدث (الثلاثاء الماضي) من غير ترتيب مسبق، بين شعراء وأصحاب رأي في القضية التي ثار حولها جدل امتد أسبوعين. كان هذا اللقاء في النادي السوداني، وكان ثريا، ومبشرا، وتواجه المشاركون فيه تواجه الصراحة؛ وأحسب أننا خرجنا منه راضين عن حق الرأي وعن واجبه. وسوف يزداد الرضا عندما يمارس الرأي ـ المعقلن ـ دوره بقدر أكبر، نكبر معه، ويكبر معنا أدباؤنا، ونقادنا، وتُختصر به المسافات ما بيننا وبين تحقيق أحلامنا الجميلة.

رحماكم أيها المتشاعرون!*

يسود بين الناس قول يقول: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.. وهو قول قد يصح في أحوال كثيرة، أو هو إذا صح في كل الأحوال، فإنه لا يصح إذا ما قمنا شهودا على مذبحة يغتال فيها الشعر.. تتكرر كثيرا، وكان آخر تكراراتها أمسية أحياها المركز السوداني بأبو ظبي تحت دعوى الشعر وكان أحرى به أن يدعو إلى لقاء مأتمي يجيئه الحضور في لباس الحداد على فقيد الجمال الذي نحبه ونعشقه!

ولأني أحب الشعر وأعشقه، فإني أقول لكم أيها “المتشاعرون”: إرفعوا أيديكم عن حبيبة نعشقها.. عن الشعر الذي تقتله جرأتكم على ارتداء عباءته.. إن عباءة الشعر ليست لكم!

أمسية أقامها المركز السوداني بأبو ظبي مؤخرا، احتفالا بأربع مناسبات عظيمة: مناسبة الاحتفال بذكرى إقامة دولة اتحاد الإمارات العربية؛ ومناسبة الاحتفال باستقلال السودان؛ ومناسبة الاحتفال بانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة؛ ومناسبة الاحتفاء باستمرار الانتفاضة الشعبية الفلسطينية للعام الثاني..

مناسبات كبيرة نحتفل بها، وحق علينا أن نحتفي بها، ولكن ليس مما يوفيها حقها أن نخلي منابر الكلام، ليعلوها نفر تسامعوا بالشعر وانتحلوا صفته، وامتلكوا زمام الجرأة فادعوا الشاعرية!

جمهرة من أهل الجرأة على ادعاء الشاعرية يتوالى واحد منهم بعد واحد، يفتحون أوراقا، يطلبون صمتنا، فنصغي إليهم، ونلهث في الهواء نبحث في الصوت المحمول على أكتاف الريح، نبحث عن شعر، نكثف جهد التفتيش عن صورة تعبث بالمخيلة، عن موسيقى تطلق النفس من إسارها، عن قصيدة تفك أغلال الموت الضاربة من حولنا، ثم لا نجد مما نتوقع شيئا.. فها أضحية قد انتهى “شاعر” من إهراق دمها.. والآن، إليكم الشاعر الكبير.. فننزع النفس من بحر الأسى، ونترقب أن ينزل من السماء ما يرحم ضعفنا، وما يشفي غليلنا، وترى أمامك “شاعرا” كبيرا، على رأسه هالة الشيخ الجليل.. وبعد السلام يبدأ الكلام.. وياليت السلام كان هو الكلام كله، ياليت الكبير هذا الذي تحامل على نفسه، رغم الشيخوخة المقعدة، ياليته ظل كبيرا، ليته لم يصغر وهو يصر على أنه شاعر، وأن “الكلام الموزون المقفى” شعر من الشعر، لا لشيء  إلا لأنه موزون مقفى!

رحماكم أيها المتشاعرون.. الزمان تغير، والمعايير تبدلت، وما عاد كل نظم يجمع بين دفتيه كلاما مضبوطا على قواعد النحو والعروض، ما عاد مثل هذا شعرا بدعوى انضباطه على القواعد المحفوظة!

الشعر يا من تذبحون الشعر، عاصفة تقلع الشاعر أولا، ثم يقلعنا بها الشاعر ثانيا..

الشعر انفلات من الموات، وانطلاق في فضاء الوجود الواحد الرحب، هو انطلاقة الحرية من كل الأصفاد، هو انبلاجة الصبح بعد ليل مديد، هو الخوض في العتمة للإمساك بخيط النور وتسلق صعابه إلى مجلس الشمس إو إلى ما يعلوها.. فاين أنتم أيها المتشاعرون من مثل هذا الشعر؟ فإذا كان الشعر فيكم طبعا، فإن أول طبائع الشعر هو الحب له؛ فإن كان فيكم حب للشعر، أو قليل من حبه، فباسم حب الشعر الذي فيكم، أناشدكم أن ترحموه وترحمونا.. أن تريحوا وتستريحوا..

أمسية يجزر فيها الشعر لا يكون السكوت عنها من ذهب، وإنما الذهب الصافي أن نقول: أيها المركز السواداني في ابوظبي، يا…، يا…، يا…، يا…، يا،…، يا…، يا…، يا…[44]؛ نشكر لكم مشاعركم الوطنية، ونقدر لكم العناء الذي تكبدتموه، ونعترف بحسن نواياكم.. ولكن، لنا عندكم مطلب واحد.. اعترفوا مثلنا أن زمان الشعر الذي هو “كلام موزون مقفى” قد ولّى وأدبر.. والزمان الأول لا يعود!

ويا صديقنا.. يا محمد سبيل، لا يغرينّك أن ترى اسمك مشاركا في أمسية شعرية منشورا على الناس.. حبنا لك، وحبنا للشعر الجميل، الذي تقدر عليه، وتمسك بنواصيه، يدعونا إلى أن نناشدك أن لا تقع مرة أخرى في خطأ المشاركة في أمسية تضحية بالشعر، تحت اسم الاحتفال بأمجادنا الوطنية والقومية..

فهل بلّغت ـ أيها الصحاب ـ اللهم فاشهد!

ردّ على ردين*

مهمة الشعر تحرير الانفعال من قوالبه الجامدة

كشف الرد الذي تكرم به الأستاذ محمد نوراني[45] على مقالتنا “رحماكم أيها المتشاعرون!” عن الخطر الحقيقي الناجم عن الجرأة التي يمتلكها كثيرون على ادعاء الشاعرية وهم من الشعر براء، أو الشعر منهم براء. فإن رد أخي نوراني يفصح عن واقع ذوقي متجمد في قوالب فنية جاوزها الزمان، ما زال يسكنها ويتحصن فيها المتشاعرون الغافلون عن تطورات الحياة والغائبون عن مستحدثات الرؤى.

ونوراني كشف في رده عن وجه ثان للخطر الحقيقي يتمثل في منهجية فكرية تهمل المعطاة التي هي موضوع الكلام، وتعنى بمعطاة مستدعاة من غير مناسبة وفي غير مكانها. فقد ظن، بناء على ما سبق وكوَّنه من رأي عن الساحة الثقافية (في الإمارات) وما يجري في دواخلها، ظن أننا استثنينا من الحكم الذي أصدرناه، ولم نزل عنده، على أدعياء الشعر، صديقنا محمد سبيل، لا لسبب، إلا بسبب ما تربطنا به من صداقة.. فنوراني لم يشتغل بالمعطاة التي هي موضوع الكلام، ولكنه اشتغل برأي سابق يجوز أن يكون صحيحا، بالمعطيات التي بنى عليها رأيه المسبق، ولكن صحته لا تجوز على المعطى المطروح في الموضوع الراهن. فإن الصداقة لو كانت شفيعا لأحد عندنا، لشفعت أول ما شفعت لصديقنا…[46] الذي تربطنا به علاقات صداقة أبعد غورا مما يربطنا مع سبيل.

ولست أنفي أن الصداقة لها أثرها غير المحمود في الساحة الأدبية هنا، وفي غير هذا المكان. ولكن هذا الأثر غير المحمود لا ينسحب على الساحة كلها. وفي بداية عهد صديقنا سبيل في الإمارات، وقبل أن يتم أي اتصال بيننا، وبعد أن سمعت شعرا له وللمرة الأولى، هنأت بحضوره الساحة الأدبية في الإمارات، وكان هذا في مقال لنا نشرناه في حينه[47]؛ اندهش سبيل من هذا الصنيع، وكتب لي رسالة أهدي نصها للأستاذ نوراني، لا دفاعا عن نفسي، فلست متهما لأدافع عن نفسي، ولكن دفاعا عن منهجية في التفكير، غير المنهجية التي كشف عنها نوراني، التي هي ـ منهجيته ـ منهجية التعامل مع الواقع، بالأوهام أو بالأحكام المسبقة.

تقول رسالة سبيل: “أستاذنا حسن مي، أشكر لك الإشادة وتقديمي للوسط الثقافي بالإمارات، وهذا إنما ينم عن أصالتكم، في زمن السطوع فيه لمن له طبّال يعرفه، أعطيتني انطباعا عظيما عن هذه البلاد”. وأضيف هنا، أنني إذ أنشر رسالة سبيل القديمة لي، فذلك بناء على طلب شخصي منه، طلبه مني قبل ساعات قلائل من كتابة هذا الرد.

وكشف رد نوراني فيما كشف، عن وجه ثالث للخطر الحقيقي الداهم عندما افترض أن كل صاحب رأي لا بد وقبل أن يبدي رأيه في قضية من القضايا، أن يعود للناس، فيطلب تفويضا منهم يحق له به الكلام! هل لا بد أن يصدر كل كلام، أو كل رأي، بتفويض من الناس كافة؟! هل ثمة خطر على أمة تعاني من عجزها عن المبادرة الفردية الفاعلة، أنكى من هذا الخطر؟!

إن معنى الإلزام بصدور الكلام باسم الكافة هو تغييب الرأي الفردي. وليس ثمة مشكلة أخطر من مشكلة تغييب الرأي الفردي أو غيابه.

خلاصة ما يفيده رد نوراني على مقالتنا”رحماكم..” هو أن مشكلتنا مشكلة رؤيوية أكد عليها رد طه عبد الغني مصطفى[48] على مقالتنا ذاتها: الذي تعامل مع وهم، وأسس على الوهم الجميل الذي يعيشه مقالته التي تجرأ فيها.. على ادعاء الشاعرية، بحجة أنه ينظم “الكلام الموزون المقفى”، وأن له ستة إصدارات من هذا الكلام الموزون المقفى.

لقد طرحنا في مقالتنا “رحماكم..” مقياسنا النقدي الذي نرى به الشعر صورا تعبث بالمخيلة، وموسيقى تطلق من الأسر، وتحريرا من أغلال الموت.. رأينا الشعر عاصفة وانفلاتا من العدم، وانطلاقا من الأصفاد، في فضاء الحرية، أو في فضاء الوجود الواسع الرحب.. رأيناه انبلاجا للصبح بعد ليل مديد، وخوضا في العتمة للإمساك بخيط النور، وتسلقا شعب الصعاب إلى مجلس الشمس إو إلى ما يعلوها..

هذا ميزاننا الذي أقمناه، فإذا جاء زيد أو عمرو وأراد أن يجادلنا في رؤيتنا النقدية، فليجادل على هذه الأرضية: هل الكلام الموزون المقفى يثبت بهذه الرؤية بصفته شعرا من الشعر؟ ولأن المشكلة عند طه غبد الغني، والذين يظاهرونه، هي مشكلة حضارية (رؤيوية) قبل أن تكون مشكلة فنية، فإنه يدير ظهره للمعطاة موضوع الجدل، ويؤسس مقالته على الوهم الجميل، الذي يعيش عليه، وَهْم أنه شاعر؛ ثم يكشف عن “تقهقهر” رؤيوي أفدح، وهو يقدم بنفسه دليل اتهامه، والحكم بإدانتة معا. فقد استشهد ببعض مما قيل في الأمسية التي ذبح فيها الشعر، وردد في مقالته بيتا من ذلك “الشعر” الذي نرفضه بمعيارنا، وقال إن صاحب هذا البيت متأثر فيه بقصيدة لأبي تمام.. فيا للعجب العجاب، ندعو طه ومن معه، إل أن ينازلونا بمقياس نطرحه، ورؤية مستحدثة، فإذا هم يرتدّون بنا إلى قوالب الزمن القديم، وإذا هم يعلنون إعلانا صارخا أن الجمود هو مقياس الشاعرية عندهم؛ فإذا كان الجمود هو المقياس، فيكفي أن يستقيم الكلام على قواعد الأقدمين ليكون شعرا من الشعر(؟!).

وعندما يجمد المتكلم في مقياس فني، فهو يجمد بكل مقياس. ومن مظاهر الجمود الكلي الذي هو مظهر للتخلف الرؤيوي، ظاهرة الخلط بين الموضوعات. فما العلاقة التي لا تنفك بين أن يكون أحدنا وطني التاريخ وضرورة توجب أن يكون شاعرا؟ هل من الممنوع على الوطني أن يكون وطنيا إذا لم يُشهد له بطول الباع في مجال الشعر؟ هذا نموذج أيضا من نماذج التخلف المتمثل في الخروج من الموضوع المطروح للجدل، إلى موضوع يستدعيه الوهم.

وإن رؤية تتأسس على الوهم، رؤية مرفوضة، ومتخاذلة، متخلفة. وإن أول مهمات الإبداع الشعري الأصيل، هي أن تحررنا من تخاذلنا، ومن تخلفنا.. مهمة الشعر في عصرنا الراهن، هي تحرير انفعالنا من القوالب الجامدة، لنستطيع بانفعال متحرر من قيود الجمود، مواكبة العصر.

ولأننا نعالج الشعر برؤية نقدية نهضوية، فلن نتخاذل عن مواجهة حركة الدعوة للموت في قوالب فنية كانت صالحة في عصور الأجداد، لكنها الآن أحفورة من أحافير التاريخ.

وقال طه عبد الغني كلاما كثيرا، كله خارج الموضوع، وكله لا يستحق التوقف عنده، وكله يؤيد ما نذهب إليه من أن مشكلة أدعياء الشعر، هي مشكلة الذين يعيشون على الوهم، في عصر لا بد فيه من التعامل مع الحقائق، وأهم هذه الحقائق حقيقة تغير هذا الزمان عما سبق من أزمان.

وإذا صحا البعض من الوهم الذي يعيش فيه، فإننا سنسأله يومها: قل لنا بربك، ما الجديد الذي أتيت به، والذي يحتاج إلى معالجة نقدية[49]؟![50].

تعقيب على قراءة في قصيدة*

الإيقاع المنتظم السليم المتواتر شرط ولّى وأدبر

خطر لي، وبعدما فرغت من قراءة مقالة طه عبد الغني مصطفى: “قراءة في قصيدة دمي تفلا يصير” المنشورة في صحيفة “الاتحاد بتاريخ 23 من شباط (فبراير) الماضي، أن المقالة هذه حيلة استنطقت كاتبا من كتبة الزمان الأول الذي ولّى وأدبر، بغرض التفكّه أو لغرض لست أدركه، وإن كنت أدرك عن يقين أن أغراض مثل هذا الاستنطاق، ولو تفرقت وجهاتها، فلن يخالف هذا التفرق، في تقديري، كونه فكاهة تثير بحور الأسى العارم كما يثيرها جمود أهل الزمن الحاضر في أحافير التاريخ.

وكان يمكن لهذا الخاطر أن يذوي ويصير إلى النسيان لولا أنني عاودت النظر إلى المقالة المعنية فوقع بصري على اسم الكاتب، فإذا هو حيّ من الأحياء بين أظهرنا، ولكن، كيف يتقمص الحي أشخاص الفانين؟ ربما يحل المسألة أن نفترض أن هذا الكاتب من أجدادنا السابقين حدث بالصدفة أن كان له سميّ من أهلنا المعاصرين؟! وكنت أود أن يصح افتراضي مثلما أود أن نُجمع على إرادة واحدة للنهوض من رقاد النيام الذي طال واشتد بينما معركة تستهدف مستقبل الأمة تستعر يوما بعد يوم بوقود التخلف الذي يتفاقم شره كلما زاد الإصرار على إحكام دائرة المفعولية المغلقة، بحسن النوايا مرة، وبالجهالة المرادة ألف مرة!

وددت لو أن الذي أفتى أن “التجاوزات اللغوية والعروضية جعلت القصيدة ـ يعني قصيد “دمي تفلا يصير” للشاعر محمد عبدالقادر سبيل ـ مبهمة ونثرية”، وددت لو أنه جدٌّ جاوزه الأحفاد الذين جاوزوا ـ أو يجب أن يفعلوا ـ عروض الخليل كما يجاوز لاحق الزمان سابق الأيام والأحكام!

ولكن فجيعتنا هي أننا نتنفس في الصباحات هواء أفسده رقاد كثيف في كهف رطب مظلم!

ومن فجيعتنا أن نحفظ كلاما قيل منذ قرون، فنسلط سيفه المثلوم على أزاهير واعدة بالنهوض الأصيل!

ومن نماذج هذه الفجيعة أن يقف قارىء معاصر، أمام إبداع شعري فيصير هذا الإبداع في نظره إبهاما واستغلاقا. فلماذا؟ لسبب واحد لا ثاني له، وهو أن مثل هذا القارىء يعيش في غير عصره، وبهذه الغيبوبة ظل حبيس مميزات للشعر وضعها الأجداد لزمانهم، لا لزماننا، وإن لزماننا شعرا آخر، بشروط أخرى؛ فإنما ينماز الشعر في العصر الراهن عما سواه من أجناس الكلام بخصائص عدة ليس منها الانتظام الإيقاعي السليم المتواتر، ولكن منها طلاقة الحركة وتفلت الموسيقى والمعنى من القوالب الجامدة الأحفورية التي كانت أداة إبداعية لدى الأولين بفعل عوامل “زمكانية” ليست هي عوامل “الزمكان” العربي الراهن. فالقصيدة صنعة ميتة الولادة إذا حبستها تفاعيل الزمان الذي ولّى وأدبر. وهي صنعة ميتة الولادة إذا جاءت علاقاتها اللغوية تصوير محاكاة لا مغامرة فيها ولا إبحار التحليق. وهي جثة بلا حراك إذا كانت تقريرية تمنح معناها بالسهولة التي تمنح بها تقارير الأخبار الصحافية مضامينها لقارىء عجول.

فإذا تفلتت قصيدة من شروط الجمود في رؤى الأولين، حق لنا أن نقول تلك قصيدة لشاعر يملك زمام الإبداع، كما تشهد قصيدة “دمي تفلا يصير” للشاعر محمد عبد القادر سبيل، التي تكشف عن جمالها في عنوانها وفي بنيتها كلها.

فالدم لا شك قدسي عزيز غال، نقدمه في مواقف البطولة وندفعه سخيا دفاعا عن عقيدة وعن وطن وعن شرف وعن كل معنى كريم. لكن هذا الرمز الكريم يصير لدى شاعر مبدع “تفلا”؛ والتفل في القواميس اللغوية هو البصاق أو البزق أو أقل منه أو هو الزبد وترك التطيب وتغير الرائحة (والعامة تسمي البقايا والفضلات تفلا). فالشاعر بهذا العنوان يؤسس لقصيدة تريد أن تصور كيف يصير الدم الذي هو رمز للمعاني الكريمة، تفلا؟ هذه الصورة المنفرة، تصوير عميق لمأساة واقعية، وهل الإبداع إلا القدرة على إنبات الجمال في نظم تتناقض لبناته في لوحة يدركها ذو بصيرة نافذة تتغور المبنى وتصيب المعنى؟!

وتتكشف القصيدة عن الإبداع بقول الشاعر في بدايتها: “كلّي لبعضك أم دمي فوقي يبهرجني”. فالعلاقة المبدعة ما بين متناقضين في جملة العنوان، يؤكدها أو يعمقها السطر الأول من القصيدة. فالدم في العنوان تفل، وفي السطر الأول هو “كل”، الشاعر يقدم كل دمه، أي يقدم كل ما يملك فداء بعض الموضوع المخاطَب ، فهو ملك للمخاطَب. أما فداء المخاطَب فلن يتم بتضحية يقدمها صاحب دم واحد، الفداء يتطلب دماء كثيرة، أما دم فرد واحد فهو يتعادل مع بعض لا مع كل الموضوع المخاطَب. فإذا لم يكن “كلي لبعضك”، فالدم بهرجة وليس روحا، إذا لم نقدم دماءنا دفاعا عن القيم العليا، فإن الدم لون لا روح فيه؛ فإذا كان الدم بلا روح، صار “تفلا”، صار بصاقا أو بزقا، صار رائحة نتنة فلم يتطيب حامل الدم بطيب الدفاع عن شريف المعاني ومكارم الأخلاق.

فأين الغموض أو عدم الوضوح في السطر الأول من قصيدة “دمي تفلا يصير”؟ ليس في هذا النص غموض، إنما فيه إبداع لن يتكشف بقراءة ساذجة انحازت منذ البداية لموقف عداء من غير وعي بمتطلبات الإبداع الشعري في العصر الراهن .

والقراءة الساذجة ذاتها لا بد وأن تتساءل تساؤل استنكار عن علاقة الكهنوت بالدم في قول الشاعر: “تهجّاني دمي.. الكهنوت حملني وأطّ”، وهي علاقة تفصح عن مضمون الرسالة التي يريد الشاعر أن يعلنها: فالدم هذا يتهجى صاحبه، الدم الذي يصير تفلا إذا ظل بهرجا. ولكن الروح السارية في الدم، أي دم، أقوى من أن تقهرها عوامل تريد للمعنى الكريم أن يصير بصاقا أو رائحة كريهة.. تنهض الروح في الدم من “جديد” رغم ما تقاسيه من قسوة، استخدام الشاعر للتعبير عنها كلمة “تهجاني” التي تحمل من المعنى معنى البداية، وخاصة بداية التعلم، فالروح تعاود الحركة الفاعلة من جديد، أو هي تبتعث الوجود “الفردي” من جديد كما يومىء إليها الشاعر باستخدام ضمير عائد إلى المتكلم (:ني)؛ هنا تشديد على الفردية الفاعلة، وبالتالي تشديد على وظيفة الفاعلية الشعرية التي لا يحددها التزام بقوالب جامدة. فالفاعلية ضد للجمود بكل صوره، ولذلك لا نبالي بالبحث عما إذا خرج النص على قواعد الوزن أو لم يخرج؛ إن الذي يهمنا أن النص يمتاز بالفاعلية الجمالية، هذه الميزة التي تتكشف عن إبداع الشاعر في نقلته من “تهجّاني دمي” إلى “الكهنوت حملني وأطّ”؛ إذ الروح في انبعاثها المعرفي، كما يومىء استخدام “تهجّاني”، وفي انبعاثها الفردي الفاعل، ضد للكهانة بما تنطوي عليه الكهانة من جمود على القديم وجهالة تأبى التجدد والانفلات من قيود قوالب كانت تصلح لزمن ولّى وأدبر، والزمن الأول لا يعود! فإذا كانت بداية الانبعاث ثقيلة على الكهنوت، فكيف يكون انبعاث معاني العزة والكرم؟! سؤال موجه للذي تساءل مستنكرا: “كيف حملني دمي وشكا ثقل حمله؟”.

ولما كنت لست على مذهب الذين يرون أن وظيفة النقد هي تفسير العمل الإبداعي بتحويله من الشعر إلى النثر، وإنما أنا على مذهب الذين يحترمون حق القراء في التعامل المباشر مع النص المبدع، والنقد عندي بحث عن مفاتيح النص الإبداعي، وهو بحث نحتاج إليه حاجة مرحلية ستنتهي عندما يصير في مقدور القارىء أن يفهم النص دون مساعدة ناقد؛ لما كان هذا موقفي، فلن أتتبع أماكن الإبداع وشواهده في قصيدة “دمي..”، هذا الإبداع الذي تتكشف عنه بنية القصيدة كلها بشرط واحد، هو أن نتعامل معها بكيفية تسمح لنا برؤيتها وهي في مستواها، لا بكيفية تسلبنا القدرة على الانطلاق في بحار الجمال التي هي بحار التفتح على الوجود الواسع، بتوظيف للغة يعيد رسم العلاقات في الخيال، دعوة إلى تجديد رؤيتنا للواقع في نسق مغاير لما هو كائن.

وكان بودي، وفاء بحق إبداع أصيل تتكشف عنه قصيدة “دمي..”، أن أتتبع القراءة التي نعقب هنا عليها، في جميع نقاطها، فأنقضها نقضا يتغيا نقض المنهجية المدرسية الساذجة التي تمثلها. ولكن حسبي أنني قدمت أدلة على فساد ذاك المنهج وقصوره عن موازاة الإبداع الأصيل في الشعر المعاصر. غير أني أضيف ملاحظة يقتضيها الموضوع هي أن صاحب القراءة السابقة يملك جرأة على إصدار أحكام لا سند لها. ولو أن أخانا الذي يصر على أنه من أسرة نقاد الشعر، لو أنه كلّف نفسه عناء هيّنا هو أقل ما ينبغي  للباحث فعله، وإن كان على الباحث أن يبذل أقصى جهد، فلو أنه صرف دقيقة واحدة من وقته في الكشف عن معنى لفظة، لكان قد أعفانا من الاضطرار إلى الحكم عليه بأنه لا ينتمي إلى منهجية قديمة لا تصلح للزمان الراهن فحسب، ولكنه لا يملك أيضا أهلية الانتماء إلى أسرة الباحثين!

غابة الأبنوس.. والتعميم المرفوض*

الشعر فعل إبداعي يكتمل بالتلقي. وعندما يخفق الشاعر في اقتحام أفق المتلقي الوجداني، سامعا أو قارئا، فهو يخفق في إيصال تجربته إلى مداها الأخير المفتوح. ولكن التلقي مسألة لا يحكمها معيار موضوعي؛ فالشاعر، في عمل واحد، قد يلقى انفعالا ذوقيا موجبا لدى قارىء أو سامع، وقد يلقى صدودا ذوقيا لدى قارىء أو سامع غيره. وهذا خلاف مشروع منبثق من الخاصة الذاتية للفعل الإبداعي الذي يتنامى بوحدة التجربة الذاتية للشاعر، والتجربة الذاتية للمتلقي. والذاتي لا ينضبط بمعيار الموضوعية.

كتب الروائي الطيب صالح، في تقديمه لديوان “غابة الأبنوس” للشاعر صلاح أحمد إبراهيم الصادر في آب (أغسطس) من العام الماضي (1989م)، يقول: “فهذا إذا شعر، يفعل ما يفعله الشعر العظيم دائما”؛ وهو يشير بـ”هذا” إلى قصائد ديوان “غابة الأبنوس”، أو إلى بعضها على أقل تقدير. ثم هو، أعني الطيب، يؤكد شهادته السابقة بقوله في التقديم ذاته، إن “هذا الشاعر ـ يعني صلاح ـ كبير ومتميز، بين شعراء العربية في هذا العصر”، ويضيف في الموضع ذاته: “وأنا لا أقول ذلك جزافا، فهذا رأي اقتنع به الناس جميعا الآن”.

وإذا كان لا يحق للمتلقي أن يصادر حق متلق آخر، سواء كان من عامة المتلقين أو من خاصتهم، فإن رأي الطيب في “غابة الأبنوس” وفي صاحبه، حق خالص له، ولكنه حق لا يخوله الارتكاز إلى سلطة مطلقة هي “رأي الناس جميعا”؛ إذ هو ارتكاز إلى الانفعال ـ فيما أحسب ـ وليس ارتكازا إلى معيار موضوعي، رغم أن الرأي الذي قرره الطيب صالح يزعم أنه حكم موضوعي طالما أنه “رأي اقتنع به الناس جميعا”. فالفرق بين المعيار الذاتي والمعيار الموضوعي هو أن المعيار الذاتي هو المعيار العائد لشخص واحد، بينما المعيار الموضوعي معيار يقبل الإثبات أو النفي بحكم واقع خارجي يشترك الناس جميعا، أو يمكن أن يشتركوا في إخضاعه لتجربة لا يداخلها الهوى، ولا توجهها المشاعر.

أن نقول عن شعر إنه “يفعل ما يفعله الشعر العظيم دائما”، فهذا قول نفهم منه أنه رأي خاص لمتلقٍ بعينه، وهو رأي صائب في حدود عملية التلقي الفردية للقائل، وقد يكون صائبا في حدود دائرة المتلقين جميعا. واحتمال الصواب يقل كلما اتسعت دائرة التلقي؛ فإذا بلغت الدائرة مداها الأوسع، فإن هذا يستوجب حذرا أشد قبل تعميم الحكم تعميما يصل حد الزعم بأن جميع الناس على رأي واحد.

إن مواقف المتلقين للعمل الفني، مواقف لا بد أن تجيء متباينة تباين الاختلاف المشروع بين الناس. أما القول بالاتفاق التام في الرأي تجاه عمل واحد، فهو زعم لا يستند إلى حقيقة طالما أنه لم ينتج من مقدمات تجريبية. وأعتقد أن رأي الطيب، وتقريره بأن “الناس جميعا” يشاركونه هذا الرأي، هو رأي لم يستند إلى المقدمات التجريبية المطلوبة، والدليل هو أني، وأنا واحد من “الناس جميعا”، أذهب إلى غير ما ذهب إليه من أن شعر ديوان “غابة..” يفعل ما يفعله الشعر العظيم دائما أو أن صلاح أحمد إبراهيم شاعر كبير ومتميز بين شعراء العربية في هذا العصر!

وإذا لم يقدر شاعر على اقتحامي والتوحد بي، ثم تفجير أفق حر بالوحدة الجديدة بيني وبينه، فهو شاعر، لديّ، لم يملك أهلية تسوغ وصفه بأنه كبير ومتميز؛ أو أنه يفعل بشعره ما يفعله الشعر العظيم دائما.

وحدة الشاعر والمتلقي، وحدة فاعلة، تتولد من وحدة الشاعر مع موضوعه، أي لا بد أن تجيء من تجربة شعرية “واحدية”. هذه الواحدية بين الشاعر والموضوع، هي التي تلد واحدية الشاعر والمتلقي؛ ما كان واحديا، يعطي من ذاته الواحدية، على مستويات فاعليته كلها. ولكن شعر “غابة الأبنوس” يعكس تجربة تعامل خارجي (انفصالي) مع الموضوع، هو شعر “ثنائي” لا يتوحد فيه الشاعر وموضوعه؛ فلم يخرج عن البنية الفنية القديمة للشعر العربي التقليدي المبنية في معمار ثنائي لا يرقى إلى مستوى الانفعال الواحدي الجديد.

فصلاح إبراهيم يرسم صور الفنية باستخدام “ألـ التشبيه”:

“أنا من أفريقيا.. صحرائها الكبرى وخط الاستواءْ

شحنتني بالحرارات والشموسْ

وشوتني كالقرابين على نار المجوسْ

لفحتني فأنا منها كعود الأبنوس”.

والشاعر يبدأ بضمير “أنا” الانفصالي، لا “أنا” الاتصالي. و”أنا” الانفصالي تلغي مشروع توحد الشاعر بالموضوع؛ إذ لا يتوحد الشاعر في تجربته الفنية مع الموضوع، بل يظل الإثنان قائمين معا، كل منهما يواجه الآخر. أي يظل الانفعال ثنائي البنية، تماما كما كان حال الانفعال الفني العربي القديم بالموضوع. لكن الانفعال العربي القديم كان مشروعا جائزا أو نقول: كان هو الجائز الممكن تحت شروط بيئية حضارية تاريخية؛ أما تحت شروط متغيرة، فإن أول ما نتوقع من الانفعال الفني هو الاستجابة للتغيرات، الانفعال هو الأسبق للاستجابة للتغيرات. هذه هي فلسفة التجديد الفني، هذا التجديد ليس تغيير الشكل الفني تغييرا مفرغا من المضمون. ووحدة العمل الفني لا تقبل تغير الشكل وجمود الروح أو المضمون. فالشكل جزء من الروح الفنية، وهو لا يكون جزءا ما لم ينطلق مع المضمون أو مع الروح؛ إن لم يكن عاملا في الفعل الواحدي الفني.

ومعمار “غابة الأبنوس” الخارجي أو الهيكلي معمار محدث، ولكن حداثته زائفة. فالحداثة، في مفهومي، تجاوز دائرة الثنائية إلى دائرة الواحدية المتفتحة؛ أي: خروج من الزمان المنغلق إلى الزمان المنفتح. ولا تتحقق واحدية الشعر، مستجيبة لواحدية الوجود، إذا تخلف عامل من عوامل بناء التجربة الشعرية عن مواكبة الفهم الوجودي المتجدد أو المتفتح.

ويبدو لي أن صالح إبراهيم لبس ثوب الحداثة ولم يتمثلها في تجربته. وظلت تجربته ذات نمط تقليدي راكد، وظل يصدر عن تمثل ثنائي للتجربة الفنية؛ فهو يكثر في تكوين صوره الفنية من البناءات التشبيهية باستخدام كاف التشبيه، كما في النص السابق، كما في قوله: “وشوتني كالقرابين”.. “فأنا منها كعود الأبنوس”.. فالكاف فاصلة تجريبية، ترسخ التمثل الثنائي القديم، حيث يبقى المشبه غير المشبه به، تبقى بينهما فاصلة. وتعليق الطيب صالح على هذا النص يؤكد على التمثل الثنائي في تجربة صلاح إبراهيم الفنية، يقول الطيب:

“نحن في السودان نحتفي بهذه الأبيات بصفة خاصة، ونرددها ونشدو بها، لأننا نحس بأنها “تخلصنا” وتعرب عما نظن أنه “هويتنا” ـ كما يقال هذه الأيام”. أنا أضيف: إنها تعرب عما أظن أنه هويتنا العربية المعاصرة؛ فالهوية العربية المعاصرة هوية ثنائية، دخلت العصر دخول روح قديمة في هيكل جديد، وهذا بالضبط ما فعله صلاح إبراهيم في ديوانه”غابة الأبنوس”.

والدكتور إحسان عباس، يصف صلاح إبراهيم، تلميذه وصديقه القديم، بأنه “شاب وديع وهادىء”؛ وهو وصف ينطبق على شعر ديوان”غابة..”؛ ووصف دقيق لتجربة شعرية لم تقتحم موضوع تجربتها، ومن ثم لم تقدر على اقتحام المتلقي ـ أنا على الأقل ـ وقد التزم صلاح بهذا الهدوء وبالوداعة حتى وهو ينفعل فنيا بموضوع ليس هادئا ولا وديعا وهو موضوع حرب التحرير الجزائرية. ففي قصيدته “أغنية التروبادور للجزائر” أول قصائد ديوانه يقول:

“حتى إذا لاح له معسكر الثوار

يلقي على فيالق التحرير

تحية مملوءة حنان

يحرك العيدان تحت النارْ

ويصنع الشاي لديدبانْ”.

فالشاعر ينفعل بحدث ضروس أشعل الأرض والتاريخ والصدور انفعالا مملوءا بالحنان، وانفعالا يكتفي بتحريك النار تحت موقد الشاي. هذه الذروة الدرامية في قصيدة عن ذروة نضال الإنسان الوجودي تكشف عن “هدوء ووداعة”؛ وهذه الذروة الدرامية تمتص فورة الانفعال السابقة عليها بأسطر قليلة من القصيدة ذاتها:

“قلب بلا دثار

يجري على الأنياب في الصخور”

الحنان ودور صانع الشاي لجام يكبح انفلات الانفعال الذي يجري بصاحبه “على الأنياب في الصخور”. ورغم أن هذه صورة فنية قحّامة، وهي حالة لم تتكرر كثيرا في الديوان، إلا أن الهدوء الانفعالي يسيطر، بعدها، ومن جديد على التجربة الفنية للشاعر، هدوءا يؤكد مرة أخرى أن هذه التجربة قائمة على تمثل ثنائي للموضوع، تمثل لم يوحد الشاعر بالعالم الذي يمنح الفنان المادة الروحية لإبداع تجربته الشعرية، توحدا يخول للمتلقي أن يقول إن صلاح إبراهيم “شاعر كبير ومتميز”.

والشعر في جوهره صورة مبدعة. ولكن ديوان “غابة الأبنوس” يبدو وكأنه ديوان الصور الشعرية المستهلكة والتقليدية:

“بلادنا اللهثى وعشبنا اليبس”؛

“يا خصرها، يا عودها الفارع، يا لثغتها الظريفة”؛

“لو أنهم…

حزمة جرجير يُعدّ كي يباعْ”؛

“الليل بحار من أحزان”…

والصور المكرورة المستهلكة دليل على ركود حركة التخيل، أو على جمودها في القديم ووهنها الذي يعيقها عن التدفق في الحاضر تجاه المتجدد المبدع.

ديوان “غابة الأبنوس”، تجربة فنية راكدة، هذا تقديري، ولي الحق أن يكون لي تقديري الخاص باعتباري متلقيا، ولا يحق لمتلق آخر، أن يعلن باسمي، باعتباري واحدا “من الناس جميعا”، أن هذا الشعر “يفعل ما يفعله الشعر العظيم دائما”، أو أن يقول، لا باسمه هو وحده، إن هذا الشاعر “كبير ومتميز”!

فهرس الموضوعات

ليس شاعرا من لا يفقس النخيل في قصائده بيضا!                                                    3

الحداثة الشعرية تستلهم هداية الله                                                                    5

هل تمتلك القصيدة العمودية شروط الإبداع؟!                                                        8

تطلعا إلى مذهب عربي جديد.. لا يسقط في الماضي ولا في الحاضر                                12

موقف نقدي واحدي                                                                                 19

السؤال المشكلة                                                                                     21

النقد الجاهز يناقض الإبداع                                                                         23

الأنوثة وفزعها                                                                                     25

الإبداع فعل جماعي المدخلات والمخرجات والمعنى                                                 27

لا ينمو إبداع من غير نقد                                                                           33

إذا قال الشاعر ما لا يفعل .. ولمّا عصا أبوانا وعى الإنسان الجمال!                                 36

توفيق الحكيم… رؤية ثنائية                                                                         41

جائزة نوبل لأديب عربي.. نجيب محفوظ ذو موقف فلسفي                                           44

جائزة صهيونية لأديب فلسطيني!                                                                    48

شحناء الأدباء                                                                                      50

قراءة في هموم الشاعرة عطاف جانم.. “يرقص ما تبقى من دمائي في الوريد”                        52

محاولة لتلمس مطولة “يا ترى” لمحمد صيهود النايف.. في واسعية الواحدية يتلاقى الشعر والفلسفة    57

الأرواح تسكن المدينة لأنور الخطيب.. دراسة في المضمون                                         61

قصة “العودة” لشهيرة أحمد.. الوطن جسر الحب(؟!)                                                 69

نقد مسنون.. رمتني زوجتي بحجارته!                                                      74

الشعر لا يكتب للمجاملات ولا لتلبية دعوات عجلى                                                  80

لماذا نحط من منازل الشعراء ونحن نعلق عليهم الآمال الكبار؟!                                      83

رحماكم أيها المتشاعرون!                                                                          86

مهمة الشعر تحرير الانفعال من قوالبه الجامدة                                                       88

الإيقاع المنتظم السليم المتواتر شرط ولّى وأدبر                                                      92

غابة الأبنوس… والتعميم المرفوض                                                                 95


* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 27/11/1988م.

* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 28/4/1989م.

* صحيفة الثورة، صنعاء، 13/1/1992م.

[1] في أصل المقال، كان الجواب: “كلا..”، وعدلت عنه لاعتراض الشاعرة عطاف جانم عليه.

[2] كتب في: الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة في 14/9/1990م.

* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 12/6/1988م.

[3] ص 450 من الكتاب الذي أفرده عبد الحميد إبراهيم لطرح مذهبه المسمى “الوسطية العربية”، وهو مسمى الكتاب ذاته. وستكون اقتباساتنا عن هذا المذهب من الكتاب المذكور.

[4] ص 451.

[5] أنظر فصل “الأدب” من المصدر ذاته.

[6] أنظر: ص 501 – ص 507.

[7] ص 451.

[8] انظر: الصفحة ذاتها.

[9] ص 461.

[10] ص 509.

[11] ص 508.

[12] ص 509.

[13] انظر: ص 509 وما بعدها.

[14] ص 515.

[15] ص 21.

[16] ص 514.

[17] ص 502.

* صحيفة البيان، دبي، 4/3/1990م.

* صحيفة الخليج، الشارقة، 19/8/1990م.

* صحيفة الثورة، صنعاء، 1/10/1991م.

* صحيفة البيان، دبي، 26/4/1990م.

[18] لا يخرج هذا التعيين عن دائرة العلاقة التكاملية [الواحدية] بين شطري الإنسان الواحد: أنوثة + ذكورة. وقد يكون من الأدق أن نسمي القيمة المطلقة للأنوثة بـ”الانفعالية الحبلى بالفاعلية”، وفي مكان لاحق من المقالة ذاتها اقتراب من هذا الرأي ـ ح.م (10/5/1995م).

* صحيفة الخليج، الشارقة، 16/11/1987م.

[19] مصطفى سويف: الأسس النفسية للإبداع الفني (في الشعر خاصة)، ص 160.

[20] علي عبد المعطي محمد: مشكلة الإبداع الفني ـ رؤية جديدة، ص 255 وما بعدها.

[21] لأ أوافق على هذا بالضبط، إنما يُدرس القديم بغرض تأسيس مشروع ذاتي مستقل!

[22] المصدر السابق، ص 271.

[23] يوسف مراد، مبادىء علم النفس العام، ص 243.

[24] علي عبد المعطي محمد، مصدر سابق، ص 271.

[25] عبد الستار إبراهيم” آفاق جديدة في دراسة الإبداع، ص 145 وما بعدها.

[26] المصدر السابق، ص 207.

[27] المصدر ذاته.

* صحيفة الخليج، الشارقة، 28/9/1987م. والأصل يناقش حالة النقد في الساحة الأدبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، في زمن كتابة المقال؛ ونظرا لخصوصية الموضوع، فقد اكتفي هنا بإثبات ما هو عام.

* صحيفة الخليج، الشارقة، 14/12/1987م. ونشرت تحت عنوان: (“أنهم يقولون ما لا يفعلون” ـ قضية هامة للحوار).

[28] محمود درويش: حصار المدائح والبحر.

[29] حبيب الصايغ: الملامح.

[30] النقد الأدبي الحديث، القاهرة، د.ت، ص 365.

[31] انظر: المصدر السابق، الصفحة ذاتها.

[32] جبرا ابراهيم جبرا: النار والجوهر، ط3، بيروت، 1983م، ص ص 136، 164.

[33] هلال، مصدر سابق، ص 179.

* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 20/9/1987م. وكان عنوان المقال: توفيق الحكيم.. هل نزع إلى الواحدية؟

[34] هنا سقط كلام من المخطوط الأصل، الذي كانت الصحيفة قد استلمته، فلم يمكن تحديد ما حذفه “المقص”.

* مجلة الظفرة، أبو ظبي، 24/10/1988م.

[35] أدبنا المعاصر في ضوء التيارات الفلسفية، مجلة لآداب، مارس 1962م.

[36] سليمان الشطي: الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ، ص 17.

[37] أحمد عباس صالح: قراءة جديدة لنجيب محفوظ، مجلة الكاتب، فبراير 1966م.

[38] مجلة آخر ساعة، القاهرة، 12/12/1964م.

[39] سليمان الشطي، مصدر سابق، ص 184.

[40] صحيفة المساء، القاهرة، 21/10/1962م.

* صحيفة النبأ، صنعاء، 23/4/1992م.

[41]  وافق ـ فيما بعد ـ واستلمها!

* صحيفة الخليج، الشارقة، 3/9/1990مز

* صحيفة الخليج، الشارقة، 23/4/1984م.

* صحيفة البيان، دبي، 10/11/1988م. والمطولة صدرت في تاريخ مقارب، سابق، على نشر هذا المقال، والشاعر قام بنشر شخصي لها.

* صحيفة الخليج، الشارقة، 10/5/1989م.

* ملحق صحيفة الوحدة الثقافي، أبو ظبي، 28/2/1989م. وكانت بنوان: قصة “العودة” لشهيرة أحمد.. قصة لها واسعية الوجود وطلاقة الخلود.

* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 18/12/1988م.

[42] هما، وكما نشرتا حينها:

(1) عذراء تبني

عذراء تبني والبحر يهدم

محا الدجا الحلما

ما اسمها؟ نضرة، سمر، قبّرة، حناء، عنبر؟!

حاسرة

بين الماء والرمل تتكىءُ

وعيناي ساهدة تذرع المدى

وتزرع في السما شوقي

تحصد الوجد في أمسية حضنت نجومها.. أشعلت عجزي

قد كنت أهون من قشة

وفي غمرة اليمّ تاه عقلي

في جوف حية عجماء تكورت فوق صدري

خمس عشرة دورة

لففت بها ضعفين.. عبرتْ فيهما شطآن عمري

والغيد يلبسهن المنى

فإذا تناعس الزهر مطبوعا على أكمامها

مادت بنا زحل والمشتري ونورسة ومرمر

ريح الشمال واهنة..

الصبا في مخيلتي جاثم

تلملم المدى

وغاص الليل في ومضة

غيبتني الصحارى

غارت الدنيا في المنايا

وماجن ليس يدري..

يا غفوة الصبح تباعدي .. الليل يهوي ويغوي

طفلتي لما استدارت، غصن بان نازل شيب رأسي

يرمي الياسمين جماره في مقلتي

ينشرني العيّ فوق حباله

يبعثرني البحر بين جباله

وتغرز أسيافها في مهجتي

يا شتات هات وحدتي

البر والبحر في محضنا اجتمعا

اليوم ماض والقيد جهالة

والعذراء تبني والبحر يهدم

كأس الصبابة أثملت لبّي

جمحت بي الخيلّ

تنامت مياه الدم طوفانا

وأينعت في الظلماء السنابل

رقصنا وفي علاء تلاقينا

رنا النمر والقرش.. تعانقنا

والدجى يوقد الحلما

وعذراء تبني والردى يُسلم

يا دفقة الوصل ازرعي اثنين في الواحد

الكُثْر أبعاض والكل واحد

رنيم طفلتي أنشودة تسري من الشرق للغرب.. ومن تحتي إلى فوقي..

وغنّى السر والجهر

المجد للبر المجد للبحر المجد للسرمد

والعذراء تبني والموج لا يهدم…

(صحيفة الخليج، الشارقة، 19/10/1988م).

(2) يا نسوة كل الأزمان.. البحر يحببكن..

غاظ امراةً رجلٌ لمّا تروّى!

زوبعة هبّت.. وانهمر الجمرُ

فيا ويح صدر تينع الأزهار من شواهقه.. كيف تلظّى؟!

كيف يرشق بالنار ويعجل؟!

شقائقَنا.. العطاءَ.. هل يردي النور في النار؟!

اليافعات مثلما قمر.. بدر في الدجى الصمّاء..

يصحن النزالَ النزالَ..

فواخيبتاه.. يا أمهات يا جميلات.. تعكِّرن الصفو

وعلى شمس الوداد تسدلن الشعور المديدة. وتدسسن في الخبايا المُدى.. لنغتال المَدى؟!

يا نواعس الضحى.. أوانس الحِلّ والسفر

الراخيات أوتار العصاب إذا شدهن الزمن العضال..

الباسمات المُحيّا في عبوس الضواري

يا شِعْرنا المغنّى وخمرنا المعتّق..

يا غيث يا ظهر يا جوهر..

يا صويحبة كنت أحسب بحر البهجة عيناها.. ما هوى بالبهجة في الغور.. والبحر يهوى ولا يهوي؟!

يا روق الصبح كلما بطشت بنا حالكات..

تؤججن الكره وأنتن ريحانة الصحرا؟!

وتعبثن بالأقلام والأقلام أغصان فيكن مزروعة؟!

وتخضن اليّم من غير اشرعة.. والولوج علم وفنُّ؟!

يا نسوة كل الأزمان.. إن فارسة منكن ركبت متْنا.. ناضرة..كأن الورد يُرويها والعشق يحيويها ويملكها.. في بحر.. رجل سكن الشيبَ والشيبُ سكنه.. دلقت كأسا.. فما ظنكن فيه؟

ماظنكن في البحر إذا جدّف أهلوه فيه؟

ما ظنكن في البحر إذا راد شطآنَه من يهواه؟!

يا منابت المنى.. البحر يحببكن.. ففي البحر أول النبت كانَ..

وأخيّة هاجت علينا فعفونا.. مثلما هم الكبارُ.. ومثلما الأبوة شعلة الأبناء..

البحر يهفو ويحضن. البحر يهديكن الحرية..

ومرحى بكنّ .. في عطاف السما.. ألف مرحى!!

(صحيفة الوحدة، أبو ظبي، 25/10/1988م).

[43] “وجاء، هو السيد البحر جاء…”؛(من ديوانها: بيادر للحلم يا سنابل).

*صحيفة البيان، دبي، 18/9/1988م.

* صحيفة البيان، دبي، 4/10/1988م.

* صحيفة البيان، دبي، 9/1/1989م.

[44] في المقال المنشور في الصحيفة، عمدنا إلى ذكر  الأسماء، بقصد إثارة الساحة الأدبية، وهذا تحقق في حينه.

* صحيفة البيان، دبي، 21/1/1989م.

[45] صحيفة البيان، دبي، 12/1/1989م.

[46] لا أريد ذكر اسمه، فهو أحد المذكورين في مقالتنا”رحماكم..”، الذين عدلت عن ذكرهم هنا.

[47] منشور هنا سابقا.

[48] صحيفة البيان، دبي، 14/1/1989م.

[49] إشارة إلى ما قاله طه ـ في رده ـ من أنه أصدر ستة دوواوين لم تحظ مني بالاهتمام النقدي.

[50] فضلا عن الردين المشار إليهما أعلاه، نشر عدد آخر من الردود  والتعليقات على مقالتنا “رحماكم..”، منها:

ـ رد عبد الرحمن العبادي، قال فيه: دعوى “زمان الشعر الموزون المقفى ولّى وأدبر، تحتاج إلى دليل. (البيان، 22/1/1989م).

ـ رد جاك صبري شماس، قال فيه: ماذا تقول عن جرير في وصفه للعيون، وعنترة في وصفه للحصان..؟ إن “اعوجاج الظل لا يلغي الاستقامة”. (البيان، 26/1/1989م).

ـ مروان المصري، في صحيفة الوحدة الظبيانية، كتب: معركة الحداثة والتقليد، التي تشهدها الساحة الثقافية، جاوزت مرحلة الحديث بالكلام المزوق المنمق، والتهديد المبطن المعطر، على صفحات الصحف، تعبيرا عن الخوف من الانفضاح والانكشاف، إلى التعبير (المباشر) بواسطة النميمة والتهديد، والطعن من الظهور، عن طريق إرسال الرسائل الشفوية، واستيقاف الزملاء في الطريق العام، لتحميلهم ما هب ودب من الإبداعات الترهيبية، وخلافه! (28/1/1989م).

ـ أحمد الريفي، في البيان، كتب: نجدد الدعوة للأقلام الجادة الواعية المسئولة الحريصة على سلامة العملية الإبداعية، لتؤدي دورها السامي بإخلاص وتجرد وشجاعة .(البيان، 29/1/1989م).

ـ كتب محمد نوراني تعلقيا آخر،  قال: ولقد برهن حسن مي أنه فرعون، وخرج برده الثاني على ردي ورد الشاعر طه عبد الغني مصطفى مختالا في ثوب النقد، وهو لا يدري أنه عار من الدثار، غير شعر كثيف مجعد فوق رأسه، وشعر شوكي فوق لسانه.. ويبقى أن أقول: إنني أرفض المناداة بسقوط الشعر الموزون المقفى، وأعتبر دعوة حسن مي بذلك، صرخة لن يكون لها صدى، لأنها صرخة في بئر سطحي ماؤه آسن.. (البيان، (31/1/1989م).

ـ د. محمد رشاد محمد صالح، قال: أعذر الأستاذ حسن، لسببين اثنين:

أولا: لأن العاشق الولهان لا يتحمل رؤية غير الحبيب، والأستاذ مي من عشاق الشعر المتيمين به.. وكم يعصف به الغضب حين يرى محاولة لإنصاف الشعر الموزون على الشعر الحر.

ثانيا: وأعذر الأستاذ مي ثانيا لأنه يتميز بالفتوة الأدبية التي أخذت منه كل مأخذ، وأخذ هو منها حتى النخاع، فمن كان على هذا الاتصاف يتسم بالصدق الجسور، ولا يعرف المداورة ولا المداراة، صريح لحد الإفراط حاد الغضب، هش الرضاء، جموح الهوى.. فله عذره إذن. (البيان، 2/2/1989).

ـ نعيم محمد نعيم، المسئول الثقافي بالمركز الثقافي السوداني بابوظبي قال: ومما لا شك فيه أن ما أثاره الأخ حسن مي لا يتصل من بعيد أو قريب بالنقد الأدبي، وكل الذي أثاره هو رأي انطباعي عما قيل، وأخطر ما فيه هو “إن زمان الشعر الذي هو كلام موزون ومقفى زمان قد ولىوأدبر، والزمان الأول لا يعود”(البيان، 9/2)1989م).

ـ زين الجعبري دعا إلى تحديد بداية سليمة للحوار، للتوصل إلى تصنيف للشعر وتعريفه (البيان، 11/2/1989م).

* صحيفة الاتحاد، أبوظبي، 2/3/1989م.

* صحيفة الاتحاد أبوظبي، 28/1/1990م.

هدى والتينة – رواية

Posted by: alnorani on: 17/11/2011

 

هدى و التينة

رواية

وقال لنفسه في لحظة ومض فيها وعيه

“رجاء والحبيبة والزوجتان وكل نسائي، أوهامُ ظمأ.. وسرابٌ جائع!”

الدكتور حسن ميّ النوراني

 

أشعلت هدى عود ثقاب في ظلام كثيف. كان رأسها يضج بتساؤل بريء لكنه مقلق عن شيء يختفي في صندوق قديم ورثته عن أمها.

عصف ريح عنيف بالباب الضيق الواطي للحجرة الزرية المتعفنة في بحر رطوبة خانقة تغرق في برد كانون الثاني. انطفأت شعلة العود الصغيرة قبل أن تصل يد الطفلة المرتجفة إلى المفتاح الذي برق للحظة خاطفة من مخبأه بين بقايا كتاب تآكلت أطراف أوراقه، كان جدها قد دسَّه بينها.

تعثرت قدما ابنة الأحد عشر عاما بكتلة أدمت إصبع قدمها الكبير، وهي تحاول رمي جسدها اللدن الممتلئ بشهوة طفولة مشوشة.

مدّت ذراعاها نحو موضع المفتاح، تخلخلت أصابعها بين الأشياء المبعثرة في فوضى تستر أمواس حلاقة أخيها الذي بدأت ذكورته تعلن عن نفسها. خنقت صرخة ألم قبل أن تفضح جرأتها المبكرة. أصبع التشهد في يدها اليمنى وقع فريسة حدة الموسي العريان. سال دم كثيف منها أحست به يتجمع في راحة يدها التي حاولت أن تستند إليها وهي تهم بالوقوف.

حاولت أن تشعل عود ثقاب جديد، أخرجت علبة عيدان الثقاب من صديري كان مشدودا على صدرها الذي بدأ يوشي، وقبل الأوان، بأنوثة واعدة. لم تعد عيدان الثقاب صالحة للاستعمال بعد أن تخضبت بدم لا زال ينزف من الكف الناعمة التي ضغطتها على بطنها التي تخضبت بدورها بدم انساب في اتجاه نازل مرّ بزاويتها المختومة التي كانت تسترها غلالة من قماش أبيض شفاف لطخها اللون الدموي.

عندما توقف سيلان الدم، مسحت الطفلة بقاياه فوق بطنها، واستسلمت للنوم على الأرضية العارية للحجرة التي يصلها بالسماء المطلقة نافذة تعودت هدى أن تنام دون أن تغلقها.

قبل أن تطلع شمس يوم جديد، عقدت هيئة ذكور أسرة الطفلة جلسة محاكمة عاجلة قررت حرمان هدى من متابعة دراستها، وحبسها في ركن من الحجرة التي كانت لا تزال راقدة فيها مع إغلاق للنافذة بالطوب وإغلاق الباب من الخارج بالمفتاح الذي دسه الجد في جيب سرواله بعد الشروع الفوري في التنفيذ.

وفي دقائق قليلة كان الطوب غير المنسق قد بدأ يحجب هدى وراء كثافة لا طبيعية تمتد جذورها إلى قاع عصور الغاب البشري.

تململت الطفلة في مرقدها ولكنها واصلت النوم: “لم يبدأ النهار بعد”؛ قالت لنفسها. والحلم الذي رأته بهيج وتمنت لو عاودها. لم تكن قد شاهدت غزلانا تمرح في البرية من قبل. لديها ولع بهذا الحيوان الجميل النافر الذي ينطلق في الأفق المكاني المفتوح، كما تعرف من مطالعاتها. هدى شغوفة أيضا بزوجين من الحمام يعشعشان في ثغرة في أعلى الجدار الشرقي لغرفتها ينحشران فيها مع زغلولين لم يكسوهما ريش بعد؛ وهي شغوفة بجروة صغيرة تكاد لا تفارقها طالما كانت الطفلة في البيت. هدى وجروتها عضوتان في أسرة تجمع معهما شجرة من الورد الجوري البلدي ذات أغصان تتزين بورود متعددة الألوان وقوية الرائحة؛ وثعبانا يسكن الحجرة التي صارت منذ اليوم سجنا جسديا للفتاة الصغيرة.

أطلقت الجروة صوت عواء حزين وخافِت بدرجة لم تقلق نوم هدى. وأخذت الحمامتان تهدلان في الوقت ذاته الذي علا فيه فحيح الثعبان الذي أحكم التفافه على بيض له.

في الصباح الأول للسجينة هدى أبرزت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة الموالية للسلاطين أن أجهزة أمن الكرة الأرضية، وفي تنسيق غير مسبوق بينها؛ أجهضت مؤامرة للإطاحة بعروش وطيدة وقديمة قبل لحظات فقط من تنفيذها. وقالت بيانات رسمية صدرت في كل العواصم إن “عناية الله وحده هي التي أنقذت الشعوب من كارثة، كادت أن تسحق الكيان البشري برمته، وأن تهدم إنجازاته الحضارية كلها”.

داعبت غزلان المنام هدى مرة أخرى.. الغزلان تنطلق ببهجة في واد أخضر مزهر ظليل تشقه أنهار تنساب برقة على أنغام موسيقى كونية تحت سماء صافية.

****

رحل صوت “الحبيبة” في غياب امتد سنتين, كأنهما الدهور فوقها الدهور. الهاتف يشق موتي. قفزت من مقعدي في غرفة العلاج إلى غرفة المكتب …

-  ”هل تعرفني؟”

فاجأني السؤال . ألجمني الصمت برهة : “امنحيني قليلا من الوقت لأتذكر؟”

-  “أنا…”

-  ”أنت…!!!!!!”..

“هل سبق أن استعاد ميت حياته؟! هل سبق..” رددت في نفسي وأنا لا أزال مخمورا بالمفاجأة

-  ”التقطتُ رقم هاتفك من فوق اللوحة المعلقة على شرفتك..هل أنت هنا منذ وقت طويل…؟!”

“أجل… منذ وقت طويل و أنا أنتظر هذه اللحظة… لا  هدف وراء تعليقي للوحة التي تحمل اسمي ورقم هاتفي سوى الوصول إلى هذه اللحظة”؛ قلت في نفسي …

تابعَتْ: “ماذا جاء بك إلى هنا؟!”

-  ”ألا تعرفين؟!”

صمتَتْ, ثم قالت: “لا أستطيع التحدث معك طويلا الآن, سأعود إلى ذلك قريبا, أو قد أقوم بزيارتك”.

-  ”أنا في انتظارك, أنا مشتاق لك شوقاً عميقاً… أرجوك , افعلي ذلك قبل أن أرحل من هنا”.

-  ”سترحل؟!”

-  ”قد يحدث”

-  ”افعل ما شئت, لكني أرجوك.. لا تطلبني الآن على الرقم الذي أتحدث إليك منه”

-  ”طمئنيني..هل أنت سعيدة في حياتك الزوجية, هذا ما يهمني معرفته؟!”

-  ”الحمد لله أنا سعيدة جداً..ومعي”بيبي”…”

-  ”اسمه…”

-  ”كيف عرفت؟! …جميل أنك تتابع أخباري..هل تعرف زوجي؟”

-  ”اسمه…”

-  ”هل قابلته؟”

-  ”كلا”

-  ”أحسن!!”.

وبعد أيام قليلة, انتصبت لوحتي فوق باب شقة, أجلس الآن في غرفة منها, تحت غرفتها التي كانت تقيم فيها قبل زواجها.. والتي يحتلها ألآن, أحد أفراد أسرتها القاطنة فوق رأسي..أما هي, فلا تزال تقطن قلبي…

-  ”إنعام, هل أُخبرك بشيء يُدخل السرور عليك؟!”

ردت إنعام, التي تزوجت قبل أيام قليلة, من رجل غير ذلك الذي كانت تنتظر الزواج منه, الذي كان يحتل قلبها ونجود أحلامها ووديانها: “قل بسرعة يا بابا…البطة على النار, أعِدُّ له الغداء”..

-  ”تلقيتُ مكالمة منها هذا الصباح …أنا سعيد جداً”

-  ”أنا سعيدة لذلك أيضا, جميل أنها لا تزال تتذكرك!! واعتقد أنها سعيدة أيضاً بأنك     اخترت الإقامة في البلد الذي كانت تقيم فيه مع أهلها قبل الزواج”..

تُرى؛ هل تود إنعام أن يترك خطيبها السابق, البلدَ الذي كان يحلم فيه, وتحلم هي معه, بالعيش فيه معا, بعد أن تزول العوائق التي يفرضها الاحتلال؟! ..تُرى؛ هل تحلم الآن بأن يفاجئها بالانتقال إلى بيت يجاور بيت زوجها الذي عقد قرانه عليها قبل مرور أربعة وعشرين ساعة على تطليقها بالعنف الذكري الأبوي من فتى أحلامها؟!

-  ”هل بدأتِ التكيف في حياتك الجديدة مع زوجك؟”

-  ”أحاول, ولكني لا أملك أن أمنحه قلبي… أترك له جسدي يفعل به ما يشاء, وألبِّي طلباته كلما أمرني بتلبيتها, أصعد فوقه إذا طلب مني, ويستسلم له جسدي إذا رغب في افتراشي؛ لكني أكون معه جسدا بلا روح”.

بدأت مكالمتي مع إنعام, وهي تلهث…

-  ”كنت في المطبخ, وجئت أجري للرد على الهاتف”

-  ”هل تجيدين إعداد الطعام الآن؟”

-  ”تعلمت, وهو يمتدح طعامي, إنه يحبني, هو طيب القلب, لكن رجلا يسكن قريبا من بيتنا يحمل اسم خطيبي, وكلما سمعت اسمه يتمزق قلبي…نصيبي يا بابا, يجب أن أعيش الواقع!!”

استعدت حادثة وقعت بيني وبينها… كنت طلبت منها عندما كانت تعمل في مكتبي أن تطهو لي “طبيخ عدس”, رأيتها وهي تتحرك نحو مطبخي البائس في الشقة التي كنت أقيم, واعمل فيها والتي بدأت فيها معرفتي بالحبيبة.. وبعد وقت, دق جرس الباب.. أسرعت لفتحه, فوجئت بجاري الطيب يحمل طنجرة (= وعاء للطبخ) ويدفعها نحوي. قلت له: “شكراً لك, لقد أعددنا طعاما, أشكرك”.. رد الجار الذي تعودت منه أن يحمل لي شيئا من طبيخ زوجته :”هذا طبيخكم”.

انتبهت إلى أن الطنجرة هي طنجرتي. فهمت. تناولتها منه. وبعد أن أغلقت الباب, صحت على إنعام:” هل طلبتِ من الجيران أن يقوموا بإعداد طبيخ العدس؟”.. ردت بشيء من الوجل: “آسفة يا بابا, فإني لا أجيد الطهي, أمي لم تعلمني”!

أطلقتُ يومها ضحكة مجلجلة… وعندما انتهيت من رواية القصة القديمة, انطلقت من الخط الهوائي الواصل بين هاتفي وهاتف إنعام قهقهة مجلجلة أيضا من قلبها المجروح, ومن قلبي المنتشي بمحادثة الحبيبة القصيرة…

-       “ها قد أضحكتك, عودي الآن لإكمال طهي طعام زوجك!”.

كانت إنعام ترتبط بالخطبة من رجل ارتباطا موثقا بكتاب القران الرسمي.. كانت ظلامة الاحتلال الإسرائيلي تفصل بين بلديهما، رآها ذات مرة فيما كانت تقوم بزيارة لشقيق لها، كان له صديقا، قبل أن تندلع انتفاضة الفلسطينيين الثانية التي اتخذت فيها السلطات الإسرائيلية إجراءات عزلت مناطق السلطة الفلسطينية التي قامت في الضفة الغربية وقطاع غزة، عن بعضها البعض.. ثم تحولت الصداقة بين الشابين إلى مصاهرة، إنعام وخطيبها عاشا تجربة عميقة على الهواء الذي يربط هاتفها المنقول بهاتف خطيبها المنقول أيضا.. كانت مهاتفاتهما تجري من وراء ظهر أهل الفتاة.. “عندما ينام الجميع من أهلي، أغلق باب حجرتي ونوافذها وأندس تحت لحافي، وأفتح هاتفي المنقول لاستقبال المكالمة المنتظرة.. ونهزم عادات ناسي التي لا تسمح بتواصل المخطوبين ونهزم تعسف الاحتلال معا، ونتواصل على الهواء تواصلا أين منه تواصل الأبدان بالأبدان!!” قالت الفتاة التي قالت لي مرة: “مرضت مرضا شديدا، وولجت حالة الإغماء فنقلني أهلي على عجل إلى المستشفى، وعندما أفقت من إغمائي، جالت عيناي في المكان: أبي وأمي وشقيقاتي وأشقائي يحيطون بي من كل صوب، والقلق يرتسم في وجوههم.. لكني لحظتها تمنيت لو أنك كنت معهم، وتمنيت لو أني القي برأسي فوق صدرك وأنت تحضنني!!”.. طالت فترة الخطوبة بين إنعام  وفتى أحلامها.. ولم يكن بمقدوره أن يأتي لإتمام الزواج، ويأخذ عروسه إلى عش أحلامهما.. ليس من عادة الناس هنا أن تطول فترة الخطوبة؛ لم يطق الأهل صبرا.. تقدم رجل لطلبها من أهلها.. طلب أهلها منها أن تطلب الطلاق من خطيبها.. فجعها الأمر: “كلا، لن أفعل” ردت على أبيها.. انهال الرجل الهرم بالضرب العنيف على جسدها الرقيق.. بكت بكاء لا يوازيه بكاء الناس منذ كان بين الناس قهر وظلم.. “اتصلي الآن به، واطلبي منه أن يطلقك”.. “كلا، لن افعل”.. عاد الأب يضربها، وواصلت عيناها ذرف الدموع بصمت قطعه قولها، لما وهن جسمها عن تحمل المزيد من الضرب: “أنا لن أتصل به ولن أطلب منه أن يطلقني، إذا أصررت على ذلك، فاتصل أنت به، واطلب منه أن يطلقني”؛ قالت لأبيها الذي تحول إلى وحش كاسر، رغم كل ما عرفته من رقته وحنانه معها في سابق عهده.. اتصل شقيقها بصديقه الساكن في قلب إنعام، وشرح له ما جرى.. كان الوقت ظلاما دامسا.. وفي صباح اليوم التالي، كان الخطيب يقف أمام القاضي في بلده، ويرمي يمين الطلاق على الفتاة التي ملأت حياته بالورد الجوري الأحمر والأبيض.. وبعد سويعات، كانت إنعام تقف أمام قاض آخر، لتبدأ ارتباطها برجل لم ينتظرها حتى تجف دموعها!!

****

أبهجت مكالمة الحبيبة الصباحية نهاري.. منذ خمسة أشهر وأنا أنتظرها… كلا؛ إنني انتظرتها مدَّة عامين..

بعد أيام قليلة، من آخر زيارة قمت بها لها، في المكتب الذي كانت تعمل فيه قبل الزواج, اتصلت بي واقترحتْ أن نترك ترتيب اللقاءات بيننا إلى مبادرات منها. وقالت أنها ستأتي إلى غزة بعد يومين, وأنها ستقوم بزيارتي: “سأفعل ذلك وكندرتي فوق رقبتي”؛ قالت بلهجة تأكيديه وهي تهاتفني من الحجرة التي تقع فوق حجرة مكتبي الذي اجلس فيه الآن..

“كاذبة, لن تعود لمهاتفتي, ومثلما فعلت مع وعدها السابق، فلن تفي بوعدها الجديد بزيارتي!”, قلت في نفسي بعدما أغلقت سماعة الهاتف بعد محادثتها الأخيرة.

قالت لي ذات مرة: “أنا أكذب عندما أشعر أنني أقع في زنقة”؛

قال بصمت: “كاذبة.. ولكنها الحبيبة!”

تمزق السكون الذي كان يريم حولي بصفعة من طفل عاد من روضته لباب الجيران الحديدي. انتبهت إلى الساعة, أدركت أن موعد رجوع هدي من مدرستها قد مر منذ وقت قصير, لكنى لم أعهد منها قبل اليوم, أن تتخلف عن العودة في الموعد المحدد بهذه الدقائق القليلة. قلبي معلق بها, وانتظر رجوعها من مدرستها بقلق. ماذا جرى؟!

كدت أن أهاتف مدرستها, لعل أمرا طرأ فيها واستدعي تخلف عودة هدى عن موعدها.

امتدت يدي نحو سماعة الهاتف. توقفت قبل أن ألمسها, عندما ترامى إلى سمعي تنهيدة طفولية جاءت من جذع التينة المزروعة في الفناء الخارجي للمنزل الذي تشاركني هدى, فيه..

التينة تمتد من تحت نافذة مكتبي إلى فوق شرفة الغرفة التي كانت الحبيبة تسكنها, والتي منها كانت تهاتفني قبل الزواج… تذكرُ التينة قبل عامين, المهاتفة الأخيرة قبل زوجها, كانت رسالة غير خافية الدلالة على أن شيئا ما يجري تدبيره

وعندما استقر المقام بي, في سكني الجديد, وكان الليل قد لفَّ الناس, خرجت إلى الفناء, وحضنت التينة مثلما حضنت الحبيبة ذات مرة, وطبعت قبلاتي على جذع التينة كما كنت طبعتها ذات مرة على خدي الحبيبة.. حينها صاحت إنعام: “ماذا تفعل يا بابا؟”.

قالت الحبيبة بوجنتين محمرتين “أكلني!”.. قلت: “مشتاق!”

- “هدى؟! لماذا تجلسين عند جذع التينة؟! قلقت عليك يا نور قلبي, هل حدث لك سوء؟! تكلمي, مالك واجمة, هل يؤلمك شيء, أخبريني,لا تتركي قلبي يتمزق… أنا لا أحتمل أبدا رؤيتك وأنت غير سعيدة, أنت تعرفين أنك أنت وحدك التي تملك الأهلية على أن تمنحي بهجة الروح. هل فعلتُ شيئا أساءك؟!”

لدى عودتها من المدرسة, تُلقي هدي حقيبة الكتب وتندفع نحوي فترتمي علي صدري, فتلتف ذراعاي حولها وأضمها بشوق أب يكويه الظمأ من فراق أبنائه جميعهم, فراقاً مديدا..  أما اليوم, فقد حدث وللمرة الأولى أن لا تدفن فيها هدى رأسها مليح القسمات, ذا الشعر الحريري, في صدري!!

وقفتْ مستندة بظهرها إلى التينة. قفزتُ من باب الشقة نحوها وأنا ألاحظ دموعها تنساب على خديها. حضنتها بعنف وحضنت التينة معها. اهتز جسمها اللدن الطويل المضغوط بيني وبين التينة ببكاء حاد مكتوم. ألصقتُ وجهي بوجهها. أجهشتُ بالبكاء. ارتفع صوت بكائها. اختلط بكاؤها وبكائي. لكن التينة ظلت جامدة. سقطت أوراق جافة منها حولنا. زقزق عصفور. رفعتُ رأسي إلى الشرفة التي ترقب ما يجري تحتها. تلوَّن الهواء بعالم وجه الحبيبة. خفضت رأسي. أمسكتْ يداي رأسَ هدى. تنهمر الدموع على خديها جداول تحرق فؤادي. فقدَ لساني مرونته. نار تشتعل في عقلي. ضغطت وجهها بوجهي. انسلخت عما حولي. التفَّت كفُّ يدي اليمنى على جذع التينة، انزاح وجه هدى واندفعت شفتاي لتلتصق بجذع التينة.. انسلت هدى من أمامي فاندفعت احضن التينة ووجهي يتمرغ فوق صدر الحبيبة. جالت كفاي تتحسس جذع التينة وتنزل من أعلى إلى أسفل, وشفتاي المخمورتان تحترق وتتنقل من حول جسد الحبيبة الذي تلبَّس الجسد النباتي حتى لامست الأرض من تحتها وهدى تراقب وهي مذهولة مما ترى. أخذتُ أهْذِي: “أين هي.. أين هي؟!” فاسمع صوتا يردد: “طواها شارٍ…طواها…”

****

ضمها بذراعيه. أخذها إلى الفراش. ذهب في النوم ودقات قلبها الصغير تعزف نغماً هادئا يخالط صوت الموسيقى الناعم الذي ينطلق من المذياع. تصلبتْ عينا هدى في أخاديد الشيخوخة. “ما أجملك!” قالت في سريرتها. عاودتها الأحزان القديمة: “أنت أبي وأمي وكل أهلي؛ لكنها تأخذك مني, إنني أخاف أن أفقدك. أريدك لي.. لي وحدي أنا الذي لا أحد لي سواك!”

تقلبتْ بين ذراعيه, فتح عينيه نصف فتحة: “لماذا تجهشين بالبكاء يا نور القلب, لماذا لا تصارحيني بما يدور في صدرك, حقلا للبهجة يجب أن يظل صدرك.. هل تشكِّين في حبي لك, حياتي فارغة لا يملؤها سواك، ولا معنى لها إلا بكِ أيتها الروح التي لا تفارقني.. لا تتركي قلبي يتمزق, قولي لي: ماذا أصابك, أرجوك.. أرجوك؟” وضغطها إلى صدره, وطبع قبلات شغوفة على وجنتيها وشفتيها..

عيناها تتحركان بقلق يسكن قلبها. تحاول أن تستجمع شجاعتها. تتردد.. تجربتها القاسية قتلت فيها القدرة على التعبير عما يختلج في صدرها. لا تزال صحبتها له قصيرة الزمن. تدرك أنه فتح لها قلبه بأوسع مدى يملكه أب ينبض الحب العميق في قلبه وفعله. لكن السجن المظلم الذي كانت فيه لم يرحل من نفسها, رحيله التام. كانت معصوبة العينين, وها هي فجأة في أفق النور. تحتاج إلى وقت كاف لتتكيف مع حياة الحرية والحب الذي تحس أن الرجل يبذل جهده الكبير لتوفيرهما لها.

استلقى على ظهره. ألقت رأسها علي صدره. تخللت أنامله شعرها. وفلتت عيناه في اللاشىء… الهدوء يغمرها. ودقات قلبيهما تعزفان لحن الحب الرباني النوراني. رن جرس الهاتف. توقف الرنين قبل أن يلتقط سماعة الهاتف:” هل هي؟ هه.. لن تفي بوعدها, هذا عهدي بها؛ يشغلها عني طفلها وتنظيف ملابس زوجها إلى تتسخ من حيوانات يربيها ويتاجر بها!”. لم تفارق هدى الفراش. تكورت على نفسها, وانزلقت في النوم, ألقى غطاء عليها. أغلق باب غرفة نومها. خرج إلى فناء البيت. أسند ظهره إلى جذع التينة، وبحلق في الشرفة فوقه. قطة تموء، وعصافير تزقزق، تساءل: “أي عصفور هو الذي كان يعشعش في حجرتها قبل أن تغادرها إلى بيت زوجها؟”. ترامى إلى مسامعه بكاء طفل صغير؛ قال في نفسه: “هل هو ابنها؟ هل هي هنا؟..”.. “الأمر لا يعنيني، نعم، يجب أن لا يعنيني”؛ تابع..

عاود جرس الهاتف رنينه. اندفع نحوه. وقبل أن يلتقط سماعته، كفّ الهاتف عن الرنين. كاد أن يضغط على الأرقام التي تطلب آخر رقم هاتفي طلب رقمه. توقف. تذكر أنها طلبت منه في المكالمة الهاتفية الأخيرة بينهما أن لا يفعل ذلك. وعدها حينئذ أنه لن يفعل ذلك. هي لا تفي بوعودها له؛ لكنه لن يتخلى عن أخلاق الوفاء بالوعود التي يأخذها على نفسه. هدى أمانة في عنقه! يجب أن يبقى قدوة أخلاقية لها؛ قد ينجح مشروعه الذي يرهن له نفسه؛ قد تكون هدى هي نجاحه الذي لم يحققه بعد، ولكنه لا يزال يرنو إليه!!

“الحبيبة لا تفي بوعودها؛ جميع الناس هنا لا يفون بعهودهم. وما هي غير واحدة من عامة الناس؛ ماذا أنتظر منها إذن؟!”.

ضمّ التينة بين ذراعيه. ألقى رأسه على جذعها. ضغط صدره على التينة، رفع رأسه, وبشفتين ملتاعتين، طبع قبلة غير قصيرة عليها.. “ما أعذبها؟!”.. عاش لحظات راوده فيها شعور حقيقي أن حبيبته حاضرة بروحها وجسدها في التينة..

القطة تموء والعصافير تزقزق وصوت المؤذن يرتفع وهدى تنادي بقلق: “أين أنت.. أين أنت؟!”.

****

الناس مشغولون هذا اليوم بذبح البقر والغنم. قال خطيب صلاة عيد الأضحى التي أقيمت في المسجد المجاور لبيت الحبيبة: “اليوم عيد الذبح”! بعد صلاة العيد والخطبة التي تلتها، وقف الحضور وصلوا صلاة الغائب على أرواح الشهداء. المسلمون يذبحون البقر والغنم؛ اليهود يذبحون الفلسطينيين؛ والفلسطينيون يذبحون أنفسهم ويذبحون اليهود معهم في العمليات الاستشهادية التي ينفذها شبان لم يعودوا يطيقون ضغوط الاحتلال وقسوته وزاهدون في الدنيا وفي نسائها.. يعتقدون في قلوبهم أن “حور العين أجمل.. وأن جنة الله خير من العيش في عذاب الهوان في الأرض..”..

عاد “الإمام الأبيض” من صلاة العيد. جلس في فناء بيته الخارجي، وأمامه التينة والشرفة الملحقة بالغرفة التي كانت تسكنها الحبيبة؛ استعاد ليلته الأخيرة..

“ربّاه.. ذُبحت هذه الليلة مرتين!” قال وهو يهاتف رجاء التي بدأت معرفته بها منذ أيام قليلة..

“أريد أن أتحدث معك في موضوع شخصي”؛ قال لها في أول اتصال هاتفي بينهما. تابع: “الوقت ليس مناسبا للحديث في موضوع شخصي، أنت في دوامك الرسمي، وقتك لصالح العمل؛ أعي هذا؛ لكنني اضطررت إلى إجراء هذه المكالمة، ليس هناك وسيلة أخرى أمامي للحديث معك!”.

-       “عفواً.. ماذا تريد؟ من أنت؟”.

-  “أنا..؛ قلت إنني أريد الحديث معك في موضوع شخصي؛ في موضوع الزواج.. أنا آسف، الظرف غير مناسب؛ لكن ماذا أفعل؟!”.

-       “أنت تفاجئني! مَن أخبرك عني؛ هل رأيتني من قبل؟!”.

-       “كلاّ؛ لم أركِ. أحد معارفي تحدث معي عنك”.

-       “هل تخبرني مَن هو؟!”.

-       “طلب مني أن لا أذكر اسمه أمامك”.

-       “أذكره لي؛ سأحتفظ بهذا لنفسي؛ لا تقلق، لن أخبره أنك أفشيت السر!”.

-       “هل هذا وعد؟!”.

-       “أجل، أعدك. مَن هو؟”.

-       “جار لي، علِم أنني أرغب في الزواج”.

-       “ألم يكن من الأفضل أن يقوم هو بالتمهيد لحديثك معي؟!”.

-  “معذرة.. أنا أنتمي لعائلة برج الأسد؛ أحب أن أتجه نحو هدفي مباشرة، أكره الأساليب الملتوية، وأحب الوضوح!”.

-  “ماذا أقول لك؟! أنت تفاجئني. أرجوك، تحدث لي عن نفسك. آسفة، آسفة.. أنا عائدة للتو من زيارة للطبيب، أصابتني نزلة برد.. إنني أصغي إليك.. تحدث لي عن نفسك؟!”.

-       “أنا أبيض الرأس والبشرة والقلب..”.

وقال في سريرته: “والجيب أيضا!؟.. وتابع:

-  “كل شيء لديَّ أبيض.. وعمري ثمانية وخمسون عاماً ونصف العام.. هل اليوم هو السابع من شباط (فبراير)؟!”..

-       “نعم”..

-       “وأربعة أيام”..

في الواقع. كان هذا اليوم هو اليوم الثامن من شباط عام 2002.. بالحساب الدقيق كان يجب أن يقول: “وخمسة أيام”.. اكتشف خطأه هذا بعد انتهاء المكالمة؛ تساءل في سريرته: “هل لإسقاط يوم من عمري قيمة؟!”.. “لا قيمة لكل عمري!”؛ قال لنفسه.. تذكّر ما يتناقله الناس عن حقيقة عمر الإنسان.. “سألوا جبر بعد أن شاخ: كم عمرك؟ رد: “صفر؟!”؛ “ماذا تقول يا رجل؟!”؛ أقول: “صفر؛ العمر لا يحسب بالزمن الذي يمر علينا؛ العمر يحسب بالأيام السعيدة التي نقضيها.. وأرجوكم، عندما أموت، اكتبوا على قبري: هنا يرقد جبر الذي خرج من فرج أمه للقبر”..

وكان اليوم الأول لمعرفته بها، يوم سبت؛ يقول المنجمون إن يوم السبت ويوم الثامن من كل شهر يقعان تحت سيطرة الكوكب المسمى كوكب زحل.. وعلى ذمة المنجمين الفلكيين، فإن هذا الكوكب يدعو للتشاؤم.. ويشعر “الإمام الأبيض” بعدم الارتياح في كل يوم سبت؛ اليهود يزعمون أنه اليوم الذي استراح الرب فيه بعد أن فرغ من خلق العالم في ستة أيام..

في خلال المحادثة، أحجم عن الخوض في الحديث عن تفاصيل حياته الخاصة، كما كانت تود:

-  “اعذريني.. أرجو السماح لي بتأجيل الحديث في تفاصيل حياتي الشخصية إلى الوقت الذي أتأكد فيه أننا قطعنا شوطا أساسيا في العلاقة المشتركة بيننا!”..

قال ذلك ردا على سؤالها: “ماذا عن زوجتك؛ وماذا عن أبنائك؟”..

قالت: “بالتأكيد أنت متزوج، ولك أبناء.. هل يعيشون معك؟!”..

-       “كلا.. أنا هنا وحيد منذ أن عدت لأرض الوطن قبل ثمانية أعوام”..

في مكالمة ليلة العيد الطويلة، قالت رجاء: أنا لست المرأة التي تبحث عنها. أنا واقعية وأبحث عن حياة عادية، مع زوج يمنحني الأمن والاستقرار. أما أنت، فأنت رجل رومانسي، وأنت قد تغادر في أية لحظة وتلتحق بأولادك وزوجتك وتتركني… ومن الأفضل لك أن تفعل ذلك!”.

-       “هل أفهم من كلامك أنكِ اتخذت قرارا…؟!”.

-       “لا أعرف بالضبط، لكني لا أناسبك. لست امرأة شقراء ولا ذات عيون زرقاء؟!”.

-  “يجب أن أراك. لا تتخذي قرارك قبل أن نلتقي. لا تذبحيني.. يكفي أن زيارتها المفاجئة لي قد ذبحتني.. هل هذه الليلة ليلة ذبحي؟! يجب أن نلتقي”.

-       “كيف نلتقي؟!”.

-       “تقومي بزيارتي في عيادتي أو أن نلتقي في مكان عام”.

-  “أنا لا أستطيع أن افعل ما فعلته هي، وأن أزورك في العيادة! قد افعل ذلك في المستقبل وأزورك كمريضة؛ أنا بحاجة إلى طبيب نفسي!”.

-  “لا أريدك أن تزورينني كمريضة؛ أنا بحاجة إليك كطبيبة.. مررت بتجربة ضياع من الأهل عندما كنت طفلا في الثالثة من عمري. كان الأهل يهاجرون من مدينتي يافا التي ولدت فيها إلى مدينة غزة.. طفل في الثالثة يضيع عن أهله في فوضى الحرب والرعب والهجرة.. يغيب عن أمه وأهله لمدة يوم بكامله، لا يزال يبحث عن أمه!! أرجوك؛ لا تتخذي قرارا! انتظري حتى نلتقي!”.

-       “تعال إلى بيتي وفقا للتقاليد”.

-  “تعني أن أجيء لتقليب البضاعة! أكره هذا الأسلوب.. عندما آتي إليك في بيتك، لطلب الزواج منك، فلا بد أن نكون قد اتخذنا قرارنا.. دعينا نبدأ بالحب. دعي الحب يكون نقطة انطلاقتنا”.

-       “تريد حبا.. ثم ماذا بعد؟! أنا أريد زواجا!”.

-  “أدرك أن مجتمعنا لن يسمح لنا بالحب دون غطاء الزواج! لا أمانع أن يشهد اثنان على كتابة عقد زواج يكتبه مأذون.. الزواج غطاء؛ لكن العلاقة هي علاقة الحب.. هذا ما أرجوه!”.

-       “أنت تفكر كما لو كنت تعيش في أوربا أو أمريكا!”.

-  “أعرف أني أعيش هنا.. قلت لا مانع عندي من أن يكون الزواج غطاء لعلاقة تجمعنا.. لكنني أريد امرأة تحبني وأحبها”.

-       “هل تعمل في وظيفة رسمية؟”.

-       “كلا؛ واشتغل الآن بكتابة رواية جديدة”.

-       “هل سأدخل روايتك؟!”.

-       “أستأذنك أن تكوني إحدى شخصياتها؟”.

-       “لكني لا أريد أن أكون شخصية هامشية فيها؟!”.

-       “آمل أن لا تكوني هامشية يا رجاء؛ هل اتفقنا على تأجيل القرار، وعلى اللقاء بعد العيد مباشرة؟”.

-  “أوافق على تأجيل قراري.. لكننا لم نتفق على أسلوب اللقاء.. يكفي هذه الليلة؛ دعنا ننهي المكالمة، ولي طلب عندك.. خاطبني بطريقة رسمية”.

-  “أعدك أن افعل.. لكنني سأخالف هذا الوعد للمرة الأخيرة، وأن أنهي المكالمة، بأن أقول لك: تصبحين على خير يا رجائي!”.

-       “واترك لي شأن الاتصال بك”.

-       “أعدك.. ولكنني سأتصل بك غدا صباحا لتقديم تهنئتي لك بالعيد”.

****

ابتدأت المكالمة التي جرت بينهما ليلة العيد بالحديث عن الزيارة المفاجئة التي قامت بها “الحبيبة” إليه والتي انتهت قبل المحادثة بلحظات قليلة..

كانت عقارب الساعة تشير إلى السابعة مساء، وهو الموعد الذي كان عليه أن يستأنف عنده  مهاتفة “رجاء” والتي انقطعت قبل أربعين دقيقة تلبية لطلب منها سببه أن خالها قدم لزيارتها. استغل  الزمن الذي يفصله عن موعد استئناف المكالمة في تناول العشاء. وما أن انتهى من عشائه السريع حتى دقَّ جرس الباب. قال لنفسه: “تُرى من يقصدني في هذا الوقت؟!”؛ المتأخر في الشتاء؛ الذي تهمد فيه حركة الشارع الذي يقع فيه منزله بعد أن يسدل الليل عباءته على بلد تخاف من الاجتياحات الإسرائيلية التي تحدث في العادة كثيرا في الظلام. وعلى مهل، توجه للباب الخارجي لينظر من يكون الطارق. أطل برأسه، فلم يرَ أحدا. تراجع إلى الداخل. شق صوت أنثوي الظلام: “أنا..”.. كانت على وشك أن تندفع من الباب الذي يدخل منه أفراد عائلة أبيها. عادت؛ مرقت بسرعة من باب منزله الخارجي. مدّت يدها. صافحها بذهول من صدمة مفاجأة لم يكن يتوقع حصولها: “لا أصدق أنك أنتِ هي التي تقف أمامي الآن!”.. دعاها للدخول.. جلسا على كرسيين متقابلين في الصالة الواسعة لكن شبه العارية من الأثاث. نظر إليها بعينين كانتا تشتهيان رؤيتها بعنف طفل يضطهده شبق نفسي للارتماء على صدر أمّ فقدها منذ دهور.. “هذا ليس وقت تسبيل العيون.. ما الذي جاء بك لتسكن في بيتنا؟!” سألت بلهجة داعبها الامتلاء بشعور سار عبَّرت عنه ابتسامة برقت في عينيها قبل أن ينهمر منها دموع من قلب يحترق لفراق طفلها الوحيد الذي لم يزل في أشد الحاجة إلى ثدي مكتنز بالحنان والحليب..

-       “ألم أقل لك يا حبيبتي في المكالمة الأخيرة أنني سأرحل من الشقة التي أستأجرها؟”.

-       “قلتَ ذلك.. ولكن؛ أن ترحل إلي بيتنا؟!”.

-       “هل تشكين في حبي لك؟!”…

صمتتْ!

-       “أنا في طريقي للارتباط”…

انفرجت أساريرها:

-       “مع مَنْ؟ هل أعرفها؟”.

-       “اسمها رجاء.. عمرها يناسبني..مطلقة.. من هنا”.

-       “ممتاز.. ممتاز!! كيف أبي معك؟”.

-       “ممتاز! كيف حالك؟ أين طفلك؟ وما الذي جاء بك ليلة العيد؟!”.

-  “أنا زيِّ الزفت! ضربني وشتمني قبل قليل وطردني من البيت ومنعني من اصطحاب طفلي معي..أنا تعيسة جدا في حياتي! هو ليس غير بقرة!”.

زوج “حبيبتي” بقرة يشتغل بتربية البقر!!

-  “ماذا جرى بينكما؟ أنتِ لست تلك التي أعرفها من قبل؛ ولولا أنك ذكرت لي اسمك: ما كنت قد عرفتك! ماذا أصابك؟!”.

-  “حياتي نكد متواصل.. وقبل قليل، كنت أتجول بين محطات التلفزيون بالريموت كنترول؛ كنت أجلس إلى جواره, وأنا متزينة كما ينبغي أن تفعل الزوجات في ليلة العيد. أصاب العطب الريموت.. فثار مثل ثور أهوج ضدي؛ طردني، ومنعني من اصطحاب صغيري معي! بقرة.. إنه بقرة؛ كلا؛ إنه ثور مجنون!!”..

وانفجرت باكية.. تمزق قلب يحبها.. وانتظر أن يعود لرؤيتها منذ زمن يمتد بجذوره إلى ماقبل الخليقة..

-       “كم عمر ابنك؟”.

-  “عشرة شهور.. أكاد أجنْ.. أنت تفهم مشاعر أمٍّ مطرودة في ليلة عيد.. ومنزوع ابنها من أحضانها؟! متوحش!! حبيبي يا ابني!! إنه أسمر مثلي.. يفتن اللبّ!!”.

-       “عشرة شهور؟! هل يرضع منك؟”.

-       “كلا.. أجبرني على فطامه قبل شهر!”.

-  “هذه ليست حياة.. هذا عذاب متصل!! كيف تزوجت مثل هذا الذي يفتقد إلى أدنى مراتب الإنسانية أيتها الحبيبة؟!”..

-  “حدث ذلك بسرعة فائقة.. كان يراقبني.. وبعد آخر مرة زرتني فيها، في المكتب الذي كنت أعمل فيه”..

قاطعها وهو لا يزال يبحلق في وجهها بقلب منفطر: “كان ذلك قبل سنتين وعشرة أيام!”.

-       “.. تقدَّم لخطبتي؛ وافقت، وتمّ كل شيء على عجل، وفي أيام معدودة!”.

-  “ما أقساك أيتها المرأة التي تعذبت طويلا بانقطاع أخبارها عني.. كنت أود فقط أن تحيطيني علما بالموضوع.. لم أكن سأفعل ما يعيق زواجك.. هل تذكرين كم مرة قلت لك أنني لن أقف في طريق سعادتك. ولو كان ذلك على حساب سعادتي؟! أليس هذا هو الحب؟! إني أحبك حبا ما أحبه رجل لامرأة من قبل ولن يتكرر من بعد!!”.

-  “سامحني!! كنت محاصرة من كل صوب فلم أجد سبيلا للاتصال بك.. أنا أكاد أُجَنْ.. أريد ابني! أريد ابني.. قل لي بربك: ماذا أفعل؟! سيواجهني أبي بثورة من الغضب عندما أصعد إلى بيته الآن! جئت إليك قبل أن اذهب لبيت أبي! توقعت أن أراك عجوزا هرما! لكنني أراك بصحة جيدة.. يجب أن أذهب الآن!”.

وقفت بقامتها المديدة التي خلعت لبّه منذ أول لحظة رآها.. اقترب منها؛ وجلت: “لا تفعل شيئا! إذا فعلت شيئا، فلن أعود لزيارتك مرة أخرى!”.

“ربّاه.. أشتهي أن أضمها إلى صدري، وأن أعصرها بين ذراعيّ!!”؛ قال في نفسه، قبل أن يرد عليها: “أفهم ظروفك! لن أفعل شيئا.. أرجوك؛ أحب أن أطمئن عليك، لا تحرميني من هذا الحق.. أنا لا أزال أحبك.. أحبك!”.

تناول كفها اليمنى، بشوق، وطبع قبلة عجلى عليها، كررها على عجل أيضا.. قالت: “أرجوك، أنظر هل من أحد في الشارع؟”.

اندفع من باب الشقة إلى الباب الخارجي لمنزله، اللذين لم يزالا مفتوحين تلبية لطلبها عند دخولها؛ جالت عيناه يمينا وشمالا ونظر إلى فوق ليطمئن إلى أن أحدا من ذويها لن يراها وهي تخرج.. الشارع يرقد في التوقف المبكر لحركة الناس فيه.. أشار لها بيده.. تسللت بهدوء وولجت الباب الخارجي لبيت أبيها.. “تُرى؛ ماذا ستقولين لأبيك لو دخل علينا وأنت معي؟”؛ سألها خلال اللقاء..

“هل من عادته أن يأتي إليك؟!”؛ سألت بوجه ارتدى لون الامتقاع… طمأنها إلى أن أبيها لم يتعود زيارته في مثل هذا الوقت. عاد يسألها: “ماذا ستقولين له لو أن ذلك حدث؟!”.

-       “سأقول إني أعرفك؛ ما المشكلة في أني أعرفك؟!”.

-  “قبل الرحيل من البيت السابق، محوت صورتك من محفوظاتي على الكمبيوتر. خشيت أن يضيع الكمبيوتر خلال النقل، وأن يقع في يد شخص فيقوم بفتح المحفوظات؛ فيرى صورتك.. لكنني عندما أتممت عملية النقل، أعدت حفظ الصورة.. فعلت ذلك لحرصي على المحافظة عليك من أن يلحق بك أذى.. لا أحب أن أسبب أي إزعاج لك.. فأنا أحبك!!”.

في اللقاء الذي جاء بعد أن كان قد يئس من وقوعه؛ اللقاء الذي أطفأ نار قلب التاع بالشوق إلى محبوب غاب فيما وراء الزمان والمكان، رددت، بلهجة من يحكي الكلمة بالعادة: “حبيبي”.. لم تكن قد نطقتها من قبل.. كان هو يرددها ويرددها.. ولكنها كانت ترد كلما رغب في تبين مشاعرها نحوه: “أحترمك، وأعتز بمعرفتك، وأرى أن معرفتي بك مكسب كبير لي.. وإذا كان في قلبي حب لك؛ فليس هو من نوع الحب الذي في قلبك لي!!”.. وكان قنوعا بما تكنه من مشاعر نحوه.. كان يكفيه أن يراها.. أو أن يسمع صوتها في الهاتف..

حكى كل ذلك لرجاء في حديثه معها في ليلة العيد: “إنها المرأة التي سحبتني إلى هنا!”؛ لكنه أحس بالندم؛ قال في سره: “لماذا أكشف علاقتي بالحبيبة، لامرأة أخرى أسعى لكسب قلبها؛ ولماذا أكشف سرّ الحبيبة لامرأة قد تكشف للناس سري وسرها؟! فعلت ما لا ينبغي لي فعله، لكن هذا شأني، هذا شأن الرجال، لا يحفظون أسرارهم عن امرأة تسحب عقولهم، فتنفلت ألسنتهم ويهذرون بالكلام من غير حساب!!”. اعتذر لرجاء: “آسف.. ليس من اللائق أن أتحدث معك في مثل هذا الموضوع.. اغفري لي خطأي.. أرجوك.. اغفري لي!!”.

-  “واصل.. أريدك أن تواصل؛ هذا يساعدني على فهم شخصيتك. لكن؛ هل هي مثقفة؟ هل هي جميلة؟ ماذا شدّك إليها كل هذا الشدّ؟!”.

-       “غير متميزة في الثقافة وجميلة في عيون قلبي. أحببتها بلا مقدمات.. هل الحب يعرف المقدمات؟!”.

قصّ على رجاء كيف تعرَّف على الحبيبة.. كانت رجاء تصغي وتحثه على مواصلة الحديث عنها.. كان ذلك يثير أشجانها.. ويستدعي قصة حب عميق جمعتها مع زميل لها في الدراسة الجامعية.. خرجا من قصته مع حبيبته إلى قصتها مع حبيب مضى لكن ذكراه تنهض في أشواقها إليه.. “تقدّم لخطبتي.. وافقت على إتمام الزواج.. بدأنا المسيرة.. لكن الزواج كان حلما تبدد”.. ثم تزوجت رجاء من رجل آخر. قضت معه سنوات طويلة أثمرت بنتا عادت بها إلى أرض الوطن من دون أبيها.. “وأي وطن لطفلة مسلوخة من أحضان أبيها”؛ قال في سريرته وهو يتابع الصمت ورجاء تتابع الكلام.. “وقبل بضع سنين، استصدرت حكما بالطلاق منه، بعد أن أصرّ على رفض المجيء إلى هنا والإقامة معنا”.. حاك في صدره أن يقول: “هل يسافر الرجل إلى أرض ليس فيها امرأة وطن؟!”؛ لكنه رأى أن الموقف لا يسمح بتعميق جرح امرأة نازف، أدماها غياب الرجل من قلبها ومن بيتها معا!!

-       “هل أنساك زواجك قصة حبك؟”.

-       “الزواج الفاشل لا يمحو من القلب حبا كان مزروعا قبله!!”.

-       ” ها أنت وأنا ننطلق في قاربين متوازيين يخوضان غمار موج بحر واحد!!”.

-       “قلتَ هما متوازيان.. والمتوازيان لا يلتقيان أبدا!!”.

-  “أحلم بعلاقة زوجية يظل شريكاها متوازيين.. لا أريد زواجا يطمس شريكا فيه شريك.. أؤمن بعلاقة زوجية تمنح لطرفيها استقلالية التنفس في خطين متوازيين لكنهما حميمان فيما بينهما.. أمقت الأنانية وأرفض حبّ التملك وأعشق حب الحرية والحرية في عقيدتي هي الحب.. أدعوك لأن نبدأ من الحب وأرجوك تأجيل قرارك بشأن علاقتنا، وأنا أرى أنه ليس من كرامة المرأة أن يذهب الرجل إلى بيتها لـ”تقليب البضاعة” فيشتري إذا راقت له، ويفلت بجلده إذا لم يجد ما يبحث عنه بين عروض النساء.. أنا أحب أن أجيء إلى بيتك بعد أن يكون قلبانا  قد عقدا قرانهما لا قبل ذلك!”..

كانت لا تزال أسيرة الصمت فتابع.. “عاد جسدي إلى أرض الوطن.. لكن الوطن الوطن الحق هو امرأة لروحي هي وطني. نحن العائدين بالأجساد إلى الوطن المخلوط من تراب ألوانه شتى نشكو من قساوة الليل ولهيب الصحراء وجفاء ذوي القربى وشحوب الهواء ومن جفاف الماء من حولنا.. فهل تكونين الوطن؟!”. وقال وبأمل ينبعث من صدر يسحب الهواء عميقا.. “امرأة أحبها وتحبني هي قلب الوطن وقلبي؛ وأنا تضطهدني فكرة الهجرة من هنا من جديد طالما أني صريع ظمئي إلى ماء ينبع من قلب الوطن.. أما الحبيبة فقد تزوجت.. ثم أن مشروع زواجي منها لم يكن متوقعا!!”.

-       “ماذا شدّك إلى امرأة لا تمتلك صفات متميزة؟!”

-  “علاقة لا تفسير لها لكنها هزّت قلبي منذ رأيتها فسكنتني مشاعر حب فجائي لم يبرحني منذ بدأ ومنذ وقعت عيناي عليها تمنيتها لي.. يجب أن نتقابل!!”.

-       “أخاف عليك من الصدمة.. قد أكون قبيحة؟!!”.

-       “وقد ترينني عجوزا؟!.. أما أنت فإن حدسي يخمن أنك لست قبيحة!!”.

-       “يقولون عني أني أمّورة!!”.

-  “أمورة ونمورة.. يجب أن نلتقي قبل أن تتخذي قرارك.. ويجب أن لا نخدع أنفسنا؛ لم يعد في العمر متسع للخداع.. نحن أمام فرصة أخيرة.. يجب أن نحرص على سلامة الاختيار”.

-       “دكتور!! كفى.. المكالمة طالت؛ وهذا يكلفك ثمنا باهظا”.

-       “برجي الأسد.. لست بخيلا؛ ولرغبتك في إنهاء المكالمة أقول لك تصبحين على خير!!”.

****

طلب من “الحبيبة” وهو يودعها أن تتصل به لطمأنته ولإخباره بما تؤول إليه مشكلتها الأسرية التي أجبرتها على ترك ابنها في بيت زوجها. سألته عن رقم هاتفه. أجاب: “مسجل على اللوحة” التي تحمل اسمه والمعلقة على بابه الخارجي بطريقة تسمح برؤيتها من الشرفة الملحقة بالغرفة التي كانت تشغلها قبل انتقالها إلى بيت الزوجية: “هل تعتقدين أن هناك هدفا من تعليق اللوحة سوى أنني أردت أن تعرفي منها وجودي هنا ورقم هاتفي؟! جئت إلى هذه البلدة لأنتظر زيارتك أو اتصالك بي من جديد”.

“لماذا كانت عاطفتي هادئة خلال اللقاء الذي انتظرته طويلا وبلهفة رعناء؟!” سأل نفسه بعد خروجها: “هل بدأت الحبيبة ترتسم في صورة امرأة أخرى؟!”.. ألحَّت عليه الرغبة في معاودة الاتصال برجاء.. أوراق التينة جفَّت.. وتتساقط أمام عينيه!! وإذا فقد رجاء؛ فسيفقد امرأة لن يجدها مرة أخرى.. هكذا يتصور؛ وكل الذين تحدث معهم بشأن رغبته في الارتباط بها، شجعوه: “لكن؛ لماذا تبدو وكأنها لا تفسح للعاطفة مساحة في نفسها؟!” أكد ذلك له الرجل الذي عرفها عن طريقه: “هل يعود هذا الغياب للعاطفة من قلبها إلى زواج فاشل كان قد سبقه حب عميق لم يتكلل بالزواج؟!”؛ سأل نفسه..

ولم يبرحه السؤال عن أسباب برود لقائه بالحبيبة؟! هل كان مجرد اللقاء بها هو المطلوب لنفسه ولا أمل بعد ذلك يرتجى؟! هل ذهبت الحبيبة مع غيابها الذي طال؟! أم هل القنوط يقتل حرارة الشوق الذي ما بارحه لا قبل اللقاء ولا بعده؟! هل البرود طبيعته؟! استعاد لحظة دخولها الأول عليه: “هذه المرأة هي التي أتمناها”؛ قال لنفسه حينها.. تُرى؛ هل ما زالت هي التي يتمناها؟! “أنا لست تلك التي كنت تعرفها”؛ قالت له في اللقاء الذي انتظره طويلا.. “أنا هبطتُ إلى أسفل السافلين؛ هل تذكر ما كنت قد قلته لك: إما أن أصعد إلى فوق فوق؛ أو أهبط إلى تحت تحت!” أنا نزلت إلى تحت التحت!!”.. يتقطع قلبه بعذابها على فراق طفلها.. “أتمنى أن أراه!!”؛ ولم يجاهر بما قاله في صدره: “شوقي لرؤيته يفوق شوقي لرؤيتك!! إنه طفلي؛ هو ابن حبيبتي؛ هل الأبوة أبوة الجينات؛ كلا!! نحن آباء للذين نودّ أن نكون لهم آباء.. أود أن أكون أبا لأبنائي من حبيبتي.. هذا هو الحب.. روح تتجسد في كائن من كيان الحب!!”..

صباح يوم العيد، اتصل برجاء؛ قدم لها التهنئة.. تشي نبرتها بحزن يلون نفسها ويتّشح به ما حولها..”هذا أول عيد يمر عليَّ بعد وفاة والدتي.. أشعر أن فقدانها حفر أثرا عميقا في نفسي، لم يمحوه ما سيأتي من الزمن.. كنت بعد وفاة أبي نصف يتيمة؛ أنا الآن يتيمة كاملة!!”.

-       “التيتم من الأم هو التيتم.. قلبي معك.. أنا أُمك!!”.

-       “بل أنتَ أبي!!”.

-  “أمك وأبيك معا.. قل سنوات زارتني امرأة لاستشارتي حول معاناة نفسية تعانيها، وفي آخر الجلسة سألتها: هل لك شقيقة؟ قالت: كان لي شقيقة واحدة؛ والآن لي شقيقتان؟ قلت: أرجوك توضيح ما تعنيه؟! قالت: أنتَ غدوت منذ الآن شقيقتي الأخرى.. أنت شقيقتي الكبرى!!.. أسعدني هذا الشعور جدا”؛ تساءل في نفسه: “هل أسعد رجاء أيضا ذكري لهذه الواقعة ؟ أم أستثرت غيرة النساء في صدرها؟! حماقة جديدة هذه مني قد تكون؟!!”..

في بحر المهاتفة قالت رجاء: “منذ طلاقي، قبل عامين، تقدم لخطبتي عشرات الرجال.. شعرت بتفوقي عليهم جميعا.. لكنني الآن أجد أنني مقابل رجل مختلف!!”..

“مختلف؟! هذا سرُّ شقائي!!” قال في صدر تخنقه قصة فشل مديد عاناها ولم يزل في حياته المتبعثرة المتعثرة.. رد على رجاء: “عرفت عنك أنك قوية الشخصية!!”.

- “هذا صحيح.. لكنني أودّ أن أكون زوجة ضعيفة لرجل قوي!!”..

قال في نفسه: “هذه نقطة لصالحي”.. وتساءل في صمت: “قبل عامين، تزوجت الحبيبة من رجل غيره. قبل عامين أيضا، انفصلت رجاء عن زوجها!!”..

- “هل يجري القدر يا رجاء في غفلة من المعلوم إلى هدف مرسوم غير الذي وددت بلوغه؟! لماذا ساقتني الجاريات إلى هذا المكان وقد كنت أتجه صوب وجهة أخرى؟!”..

- “أنت فيلسوف وأنا امرأة واقعية؛ أنا لست المرأة التي تبحث عنها!!”..

في بحر الحديث بينهما، قال لها أنه رومانسي؛ “وأنا رومانسية أيضا” ردت حينها.. لكن الريح الآن تخبط في الاتجاه غير المطلوب.. قالت: “أنا واقعية.. أنا واقعية.. وأنت رومانسي؛ لا اتفاق بيننا!!”؛ وبعد صمت لفّ الهاتف بين سماعتيه،عادت لتتحدث: “هل تعتقد أنني أراوغ وأتمنع لغرض إغرائك واستثارة مشاعرك وتلهفك نحوي وتعميق تشبثك بالزواج مني؟!”.. لاذ بالصمت الذي تتدافع فيه نفسه نحوها ويود أن يعترف لها بأنه يحبها.. لكنه قرر تأجيل هذا الاعتراف إلى حين لقائهما الذي يتشوق إليه!!.. وتساءل وهو لا يزال سابحا في سماوات الصمت: “تُرى!! هل يهزني اللقاء بها كما هزني اللقاء الأول بالحبيبة؟!”.. ثم بصوت مكتوم صاح: “هدى!! أينكِ يا نور القلب!!”.. قالت رجاء تحرك السكون الظاهر بينهما، ومؤكدة موقفها: “أنت رومانسي وأنا واقعية. لن نتفق!!”..

-       “حسن!! دعي واقعيتك تكمل رومانسيتي.. ثمّ؛ من قال لك أن رومانسيتي تحرمني من العقلانية؟!”.

-       “الرومانسية والعقلانية لا تجتمعان!!”.

-       “هذا ليس صحيحا. أنا مؤمن بالعقل المحب؛ وبالحب المعقلن!!”.

-       “أنت تريد حبا فقط!!”.

-  “أنا أريد حبا.. أجل؛ هذا صحيح.. لكني أدرك أننا في مجتمع لا يرضى بالحب وحده.. لذا؛ أوافق على زواج يكون غطاء للحب!”.

-       “أنا أريد زواجا واستقرارا.. والحب مسألة لاحقة!”.

-       “أنا أريد زواجا مؤسسا على الحب.. ويستمر بالحب!!”.

-  “اتفاقنا بعيد.. استفدت من معرفتك.. عرفت أن في بلدنا دكتور نفساني.. سأزورك يوما ما.. كمريضة!!”.

-       “أرجوك .. لا تتخذي قرارك الآن!!”.

قالت في مكالمة يوم العيد: “لا أريد أن أتحدث بما يسبب لك الضيق!!”.. ردّ عليها: “هذا يوم الذبح!! هل تذبحني السكين التي يذبح الناس بها أضاحي العيد أيضا؟!”.

-       “كل سنة وأنت طيب.. انتظر مكالمة مني!!”.

****

في ليلة العيد.. نام في الحجرة التي يخصصها للعمل.. التي تقع تحت الحجرة التي كانت تقيم فيها “الحبيبة” قبل زواجها.. هي الآن، تنام في الحجرة ذاتها.. تنام فوقه.. وهو ينام تحتها.. لم تتحرك أحاسيس خاصة في نفسه هذه الليلة كتلك التي كانت تعتمل في قراره كلما نام في الحجرة التي تقع تحت حجرة “الحبيبة”.. “لماذا لا تتحرك كوامن نفسي وبيني وبين “الحبيبة” هواء غرفتي فقط؟!”.. ساءل نفسه هو الذي لم يكن يصدق أن الأقدار ساقته ليقيم في الغرفة الملاصقة لغرفتها من تحت.. التي طالما تمنى لو أنها تصير هي .. بلحمها وعظمها تحته؟!.. هل جرفته أحاديثه مع رجاء من تحت سماء حجرته الذي ترقد “الحبيبة” فوقه؟! هل يكفي صوت يشق طريقه إليه عبر أسلاك الهاتف لأن يطفئ نار الشوق الحارق للحبيبة؟! أم هو يريد أن يكون فوق الحبيبة لأن الفوقية تمنحه شعور الانتصار.. في يوم العيد هاتف إنعام؛ قالت له: “عندما أكون تحت، أشعر بأنوثتي؛ وعندما أكون فوقه؛ فإني أشعر بأني أمتلك حرية أكبر في المشاركة”.. “تًرى.. هل الحب هو الحرية الأكبر..الحرية مادة الله.. والذكورة جعلت من الله ذكرا يمنحها الحرية مقابل الأنوثة.. هل يفسر هذا شعوري البارد وأنا أرقد للمرة الأولى والحبيبة ترقد في سماء ينام في أحضانها سقف بيتي؟! هل أريد أن أكون أنا سماءها.. أليس الله في السماء؟!”.. أم يريدها تحته ليستعيد كرامته الذكرية التي هدرتها “الحبيبة” عندما رفضت الزواج منه لأنه يكبرها بثلاثين عاما: “أتطلع إلى علاقة جنسية ساخنة مع الزوج”؛ قالت له وهما يجلسان على مقعد في حديقة الجندي المجهول في غزة بداية تعارفهما..”كبار السن لا يأخذون المرأة إلى نار الجنة المستعرة في الأحضان!!” قالت في سريرتها.. لم يفصح لها عن مكنون صدره: “الجنس صلاة.. إنه علاقة من نسيج الروح.. الروح هي حرية الجسد. الصلاة علاقة عميقة بين العابد والرب.. في الجنس يمارس الله حريته!!”..

جدِّية رجاء لا تسمح له بالحديث معها في المسألة الجنسية!! ولديه: “هذه مسألة هامة وصميمية.. أريد امرأة أصلي في زواياها.. فهل نصلي صلاة الحرية في غير زوايا امرأة يهواها القلب؟!”..

قالت رجاء: “تعال كما يجيء كل الناس!!”

-       “لماذا تريدين قتلي منذ البدء؟!”.

برزت في عقله جملة قالتها امرأة عنه: “ضيَّعته النساء!!”..

صاح من جديد: “هدى.. هدى.. أينك يا هدى أينك؟!!”..

-  “دمّرتكِ جهالة الذكورة وفساد أنانيتها يا نور القلب.. سلبوا الروح منك.. فتعالي فأنا روحك.. أنا الروح لكُنَّ يا نسوة!!”..

“ردت النساء على فساد الذكورة بعقوبة فرضنها على الرجال وعلى أنفسهن فصارت أجسادهن قبورا للرجال لا روحا للحرية ومحاريب للصلاة!!”؛ قال يخاطب هدى..

“أنت فاسق!”؛ قال له أحد شيوخ الدين.. رجاء قالت: “أنا متدينة!!”..

-  “أديتُ صلاة العيد.. لكنني كدت أن أترك المسجد لدى قول الخطيب: “هذا يوم الذبح”.. أنا أكره أن أقتل صرصارا.. الحياة حق له مثلما هي حق لي!!”.. “هل ذبحتِ أضحية؟” سأل رجاء.

-       “كلا.. الأقارب يعطوننا كميات كبيرة من لحوم الأضاحي”.

-       “جاءني أبو الحبيبة بلحم من عجل ضحّى به هو والجيران معا!!”.

أطلّت “الحبيبة” صباح يوم العيد من الشرفة الممتدة في سماء فناء بيته، حيث كان مستغرقا في الكتابة.. قالت وعيناها تبتسمان: “كل سنة وأنت طيب”.. “هذا عيد جميل” قال في نفسه؛ وسألها: “هل من تطورات بشأن مشكلتك؟ وهل نمت في غرفتك القديمة؟”.

-  “انفجر أبي في ثورة غضب ضدي وضد زوجي معا.. لا لم أنم في غرفتي القديمة لكنني سأعود للنوم فيها إذا طالت إقامتي هنا”؛ اختفت بسمتها، تلون وجهها بقتامة حزن أمّ يتفطر قلبها لفراق صغيرها.. قالت: “أكاد أُجنّ.. أريد طفلي”.. ثم طواها الغياب..

صاح للمرة الثالثة.. “هدى.. أينك!!”..

نهضت هدى من الفراش ووجهها ملفوف بأسى قديم.. قفز قلبه في صدره؛ وقف وجذبها إليه وهي تمر من أمامه.. لف ذراعيه حول كتفيها وضغطها وهوى بشفتيه على وجنتيها وطبع بحنان مستعر قبلات سريعة تذوَّق بها ملوحة دموع ساخنة تنحدر من عينيها.. أمسك رأسها براحتيه.. حدّق في وجهها.. ترغرغت عيناه بالدموع.. عاد يحضنها بذراعين ضغطا جسدها الرهيف فأطلقت أنينا مكتوما وهي تجهش ببكاء  انفجر وهو يلصق وجهه بوجهها فاختلطت دموعهما وأجهش بالبكاء فجلس على الكرسي تحت التينة وضغطت راحتيه على رأس هدى الراقد فوق صدره فرفع عينيه نحو الشرفة يتطلع إلى عودة للحبيبة.. لكن الحبيبة مشغولة القلب بفراق ابنها..

هدأت موجة البكاء التي اجتاحته هو وهدى.. رفعت رأسها عن صدره فرمى ذراعيه على كتفيها.. لبست عيناه شفتيها.. وبهدوء تحرك رأسه وبه رغبة للثم شفتيها.. كانت هدى تحدق فيه بعينين بدا له أنهما جامدتان.. تجمدت رغبته في لثم شفتيها.. ذبلت عينا هدى؛ تحرك الشوق في نفسه للحبيبة.. نازعته الرغبة من جديد للثم شفتي هدى.. تهيأ له أن صوتا يكفه.. هل انبعث هذا الصوت من السماء التي تمتد فيها الشرفة التي أسرت عينيه لعلّ الحبيبة تطل منها من جديد؟! هل الصوت انبعث من قلب هدى الوجل”! ليس يدري.. ” انبعث من التينة”؛ قال بصوت مسموع فاهتز جسد هدى ونهضت لكنه عاد وأجلسها فوق ركبتيه وأخذت أنامله تتخلل خصلات شعرها المنسدل بغير نظام حول وجهها وكتفيها.. اشتعلت نار مفارقة الأحباب في صدره.. كم من الأعياد مرّ عليه وهو وحيد بلا مؤنس؟! حتى هدى الجالسة وادعة في حضنه تنكمش على نفسها وتغرق في عزلة أسيفة!! والحبيبة التي تمناها ولا يزال؛ قريبة منه في المكان لكن قلبها بعيد بعيد!! ضغطت كفاه رأس هدى وطبع قبلة أبوية على وجنتها اليمنى فأدارت له بحركة طفولية عفوية وجهها فطبع قبلة أخرى على وجنتها اليسرى.. رمت هدى رأسها المائج بذكريات الشوق واللوعة والرعب على صدره.. ألقى ذراعيه حول ظهرها.. بكيا بصمت.. انطلقت عيناه في الأفق.. الريح تسوق السحاب نحو الشمال.. عصفورة تنقر ثمرة تين متيبسة.. رأس أنثوي يطلّ من حافة الشرفة ويختفي على عجل.. “هل ما تزال الحبيبة هنا؟! أودّ لو أنها عادت إلى ابنها!!”؛ قال في نفسه..

عاوده الحنين إلى :الحبيبة.. أليست هي التي كتب فيها القصائد وقال فيها أنها حقل الورد الذي لم يخلق الله من قبل ولن يخلق من بعد حقلا مثله؟! ولم يكن الله قد خلق الحب؛ قبل أن يحبها؟! هل يفتر مثل هذا الحب في قلب كتب:

أَحْبَبْتُ اللهْ

فِيْ طَلْعَةِ قامَتِها

أَرْسَلَنيْ

فِيْ سَطْوَةِ طَلْعَتِها

اللهْ

يَزْرَعُنِيْ

شَوْقاً قامَ تَبَتَّلْ

وَاللهْ

فَوْقَكِ يَمْحُوْنِيْ

فِيْ

نَهْدَيْكِ وَيَحْمَعُنِيْ

فِيْ المِحْرابِ السُفْلِيِّ العاليْ

أَسْجُدْ

يَا امْرأَتُنْ

قَبْلَكِ ما كانَ اللهْ

يَخْلِقْ

أُنْثى إنْسانْ

كانَ اللهْ

يَعْجِنُ مِنْ

طينٍ فاسِدْ

بَقَراتٍ شَوْهاءَ فَلَمْ

تُطْفِىءْ ماءُ الأَرْضْ

ناراً كانَتْ تَجْتَاحْ

قَلْباً كانَتْ

تَطْحَنُهُ النَارْ

يَبْحَثُ عَنْ جَسِدِ الْرُوحْ

عَنْ مَرْأَهْ

فِيْ طَلْعَتِها

يَأْتِيْ اللهْ

قَبْلَكِ كانَ اللهْ

يَعْجِنُ مِنْ

رِيْحِنْ

مَوْبُوءَهْ

أَجْساداً مِنْ قَرَفٍ تُدْعَى

فِيْ قَامُوْسِ المَوْتْ

أَجْسادَ نِسَاءٍ يَحْشُوها المَوْتْ

قَبْلَكِ مَا

كانَ اللهْ

يَخْلِقُ نِسْوَهْ

وَاللهْ

قال اللهْ

سِرَّاً

قالْ

بَعْدَكِ لَنْ

يَخْلِقَ نِسْوَهْ

يَا امْرَأَتُنْ

إنِّيْ

مُنْذُ لَقَيْتُكْ

وَاللهْ

نَزْرَعُ فِيْ

حَقْليْ

وَرْداً

وَرْدْ

أَنْتْ

يَا

رُوْحَ الْوَرْدْ

هَلْ

خَلَقَ اللهْ

قَبْلَكِ هاذا الوَرْدَ المَنْثُورْ

فِيْ شَفَتَيْكْ

وَصلاتِيْ

هاذا الوَرْدُ المَجْدُولْ

فِيْ لَيْلٍ مِنْ نُوْرٍ هُوَ أَنْتْ

؟؟!!

قَبْلَكِ مَا كانَ اللهْ

أَنْزَلَ وَحْياً أَنْ نُؤْمِنْ

أَنَّ اللهْ

يَقْدِرُ أَنْ

يُبْدعَ أُنْثَى

يَا

رُوحَ النِسْوَهْ

هِيَ أَنْتْ

أَنْتْ

وَحْدَكِ أَنْتْ

فِيْ تاريخِ اللهْ

حَقْلُ الوَرْدْ

بَعْدَكِ أَنْتْ

سِرّاً

قال اللهْ

لَنْ

يَخْلِقَ هاذا الوَرْدْ

أُحِبُّكِ إنِّيْ

قَبْلَكِ أُنْثَى

مَا

أَحْبَبْتْ

أُحِبُّكَ يَا

أَللهْ

أُحِبُّكِ / إلْفِيْ

يَا

جَسَدَ الرُوحْ

يَا

عُرْسَ اللهْ

وكتب….

 

أَلِفٌ تاءُ صَباحِيْ

حاءٌ باءُ سَماءْ

دَيْرُ البَلَحِ وَيَا

فَا

وَرِمالُكِ غَزَّهْ

في “الجُنْدِيْ الْمَجْهُولْ”

تَزْرَعُ بَهْجَهْ

إنَّ الحُبْ / يَا إلْفِيْ

نُورُ هَناءْ

إنَّ الحُبْ / يَانَغَمَ القَلْبْ

بَهْجَةُ نُورٍ / وَ

إنَّ اللهْ

يَا

رَبَّةَ لَيْلِيْ

بَهْجَةُ حُبْ

 

وكتب….

إنِّيْ

أُحِبُّكِ فابْعَثِينيْ

أَلِفٌ تاءُ / … / وَأَنْتِ رَوائِيْ

طُوفانَ فِسْقِنْ

حاءٌ باءْ / حُبْ

وَتَعالِيْ

نُغَنِّيْ

نَشُقُّ المَوْجَ نُغَنِّيْ

نُعانِقُ اللهَ وَنَشْرَبْ

بَحْرَ الخَمْرِ وَنَرْقُصْ

وَنَغْرَقْ

 

وكتب….

أُحِبُّكِ إنِّيْ

قَبْلَكِ مَا

كُنْتُ أُحِبْ

قَبْلَكِ مَا كانَتْ

فِيْ الدُنْيا

بَهْجَةُ حُبْ

قَبْلَكِ مَا

كانَ اللهْ

يَخْلِقُ حُبْ

قَبْلَكِ إنِّيْ

كُنْتْ

مَفْجُوعَ وَأَلْهَثْ

تَشْوِينِيْ الغُرْبَهْ

أَصْرُخْ

وَالْبَرِّيَّهْ

ماذا اقْتَرفَ الإنْسانْ

مِنْ عَمَلٍ يَذْبَحُنا

قُرْبانَنْ

للشَيْطانْ

يَحْرِمُنا مِنْ

حَقِّ البَهْجَةِ مِنْ

بَهْجَةِ حُبْ

؟؟!!

وَكِدْتُ أَمْضِيْ

إلى

مَغَارَةِ الظُلْمَهْ

وَفَجْأَهْ

تَنَزَّلَ وَمْضٌ يَحْمِلُ المَطَرْ

وعَنِ القَمَرْ

إنْشَقَّ لَيْلُ القَلْبْ

عَنْ

طَلْعَتِنْ

مِنْها

نَهَضَ القَلْبْ / وَاللهْ

فِيْ جَذَلٍ يَرْقُصْ / رَقْصَةَ مَجْذُوبٍ يَا

عِطْرَ القَلْبِ وَيَا

صُبْحَ الرَبِّ / أُحِبُّكِ

إنِّيْ

قَبْلَكِ مَا

كُنْتُ أُحِبْ

وعندما علم أنها تزوجت.. كتب بلوعة..

فَأَيْنَ هِيْ

؟؟!!

الظُلْمُ  لَمْ يَزَلْ

جَبْرَنْ

قامَ يَهْوِيْ

أَيْنَ هِيْ

؟؟!!

شَارِنْ

طَوَاهَا

وَطَوَيْتُ أَنا

كِتابَ النِسْوَانْ

****

لماذا يشعر ببرود عاطفته نحوها؟ سؤال لم يبرح عقله: “هل برد حبي لها؟! هل ما زالت هنا؟! لماذا لم تعاود الإطلال من الشرفة كما فعلت صباح يوم العيد؟! هل تنتهي العلاقة بينها وبين زوجها؛ فتخلو طريقها أمامي من جديد؟! هل تقبل الزواج مني بعد أن تكون قد اكتشفت أن سعادتها التي بحثت عنها مع زوج شاب لم تجدها، بل وجدت سرابا؛ ستجدها معي أنا الذي أكبرها بثلاثين سنة؟! ستجد سعادتها معي أنا الذي ينبض قلبي بحبها كما لم ينبض بحب امرأة من قبل؟! أحببتها لذات الأنثى التي فيها لا لشيء سوى ذلك؟!”..

وتابع يسأل نفسه: “هل ما زلت أجرى وراء أوهامي؟! قضيت عمري كله في متاهات الجريان وراء الأوهام.. رجاء امرأة واقعية.. هل أتعلم منها كيف أصبح واقعيا؟ هل أقوم وأتحدث إليها وأعلن لها أنني أختار منهجها وأقسم لها أن منهجها سيصير منذ اللحظة منهجي؛ وأطلب منها تحديد موعد لزيارتها بغرض التقدم لخطبتها، وبالطريقة التقليدية المتعارف عليها بين الناس هنا؟! لكن، ماذا ستقول عني؟! هل تراني مهزوما يتخلى عن مبادئه بدل أن يدافع عما يؤمن به ويطلب الشهادة في سبيله؟! رجاء تريد رجلا قويا؛ هذا مهرها!!”.

كانت هدى لا تزال تغرس رأسها في صدره.. بينما تنبعث موسيقى هادئة من المذياع: “أعشق الموسيقى؛ فهل تعشقها رجاء أيضا؟! وهدى حلمي.. هل تشاركني رجاء في هذي الهدى.. هذا الحلم؟! هل يحلم الواقعيون أيها الرأس المثقل بدوام الأسئلة؟! أفنيت عمري وراء الأسئلة، فمتى تستقر روحي في مرفأ لا تقلقه الأسئلة؟!.. تُرى؛ هل أنت يا رجاء مدينتي التي ستستقر في أحضانها، سفينتي التائهة المتعبة؟!”..

عندما هاتف صديقته بسبس، تحدث معها عن رجاء: “تناسبني؛ لكنها أقصر مني بخمسة وعشرين سنتيمترا.. طولي يخلق مشكلة!”.

-       “أمامك خياران: إما أن تقص ساقيك؛ أو أن تقص رأسك.. هكذا تحل مشكلتك!!”

-  “قص رأسي المثقل بما لا ينفع صاحبه، هو حل جذري لمشاكلي كلها أيتها الصديقة!! أقص رأسي  وأحتفظ بساقيّ الطويلتين فأنا بحاجة إليهما ليساعداني على الحركة السريعة”.

قال في صدره: “أتخلص من رأسي وأكتفي برأس رجاء.. إذا تزوجنا فمن الأصلح لنا أن نكون برأس واحدة هي رأسها.. رأسها واقعي ورأسي فاسد بالأحلام.. سيكون من النافع لي أن أنتهج طريق رأس بريء من بؤس الفلسفة، كرأس رجاء!!”.

قفزت هدى مفزوعة!! وقفت جامدة، صرخت: “أنا خائفة!! أنا خائفة!! غول يندفع نحوي.. الغول يهاجمني.. أنقذني.. أنقذني.. قلبي يفرّ من صدري!!”.. قفزتْ فوق عتبة باب البيت، يداها عصابة مشدودة على عينيها.. اصطدمتْ كتفها بحافة البيت، سقطت على الأرض.. ارتطم رأسها بالبلاط. قفز نحوها والفزع يزلزل قلبه.. صرخ في توسل: “هدى!! يا نور القلب.. أحبك.. أحبك يا حلمي.. أحبك!!”.. أنهضها، ضمها بين ذراعيه.. حملها إلى الفراش الذي يستخدمه في جلساته العلاجية التي يعقدها لمرضاه النفسيين.. تدثرا معا تحت لحاف ورثه عن أمه.. التصقا معا وهما يرتجفان.. عصرتها ذراعاه.. أنفاسها تعلو وتهبط في صخب.. والحزن يفتك بقلبه.. كم مضى من الوقت وهو يحضنها ويلثم وجهها ويذرف الدموع.. لا يدري.. حملهما نوم عميق.. استيقظ والمذياع لم يزل ينثر الموسيقى في الحجرة التي تحت حجرة الحبيبة.. النافذة التي تطل على التينة مشرعة.. قفزت عيناه إلى حافة الشرفة التي أطلت منها الحبيبة يوم العيد.. سرح في المدى الطليق وقال بصوت خفيض: “وحيد وحالم أنا.. وسأبقى كذلك يا هدى إلى الأبد!!.. نهض من جوار هدى، أعدّ كوبا من القرفة الساخنة التي يشريها لتخفيض ارتفاع ضغط الدم الذي يعاني منه..

تجتاح ثورة الأسئلة رأسه وهو يحتسي القرفة على مقعد تحت التينة والشرفة.. ما سرّ وقوعه في حبٍ ملك عقله وقلبه، لامرأة بسيطة لا تبالي بالموضوع الثقافي الذي يشغله حتى النخاع؟! عندما قال لها في زيارة ليلة العيد أنه جاء ليقيم في بيت أهلها من أجل أن يكتب روايتها؛ قالت له: “حدَّثْتُ نفسي عندما وقعت عيناي على اللوحة التي تحمل اسمك معلقة على باب شقتك هنا في بيت أبي أنك لا بد أنك تلخبط شيئا ما عني!!”.. ثم تابعت الكلام عن تعاستها مع زوج وصفته بأنه “بقرة”! هي امرأة من عامة النساء.. وهو لا تشده إلا امرأة فيها تمايز.. ما تمايز هذه المرأة التي تحمل شهادة الدراسة الثانوية التي حازتها في ظروف الانتفاضة الفلسطينية الأولى (من عام 1978 إلى عام 1993م) التي كانت تسمح لكل من يطلب الحصول على الشهادة الثانوية أن يحصل عليها ودون أن يستحقها.. دخلت الجامعة لكنها توقفت عن متابعة الدراسة فيها بعد وقت قصير لسبب عدم الرغبة في متابعتها.. امرأة منصرفة عن الموضوع الثقافي توقعه في حبها هو الذي يرهن حياته لمشروع ثقافي خاص؛ هو صاحب نظرية فلسفية خاصة به، نال عنها شهادة الدكتوراه في الفلسفة وعلم النفس.. كيف سقط في بحر غرام جامح لامرأة كل غايتها أن تتزوج من رجل يملأ بطنها بالطعام ويزرع الأجنة في رحمها ويوفر لها الأمن وراحة البال وجيد الكساء والمسكن!! رددت زوجته أكثر من مرة، كلما كان يعرب أمامها عن رغبته في امرأة أخرى: “لا أعارض في زواجك لو أنني أثق أنك ستكون زوجا صالحا وملتزما بواجبات الزوج كما تريد النساء. لكنك لن تستطيع أن تقوم بدور الزوج وستظلم من ستتزوجها معك!!”.. كان يرفض فكرة الارتباط بامرأة تقليدية لا تتفهم مشروعه وتؤمن بفكره.. وأين الحبيبة من مشروعه ومن فكره؟!! لكنه يحبها كما لم يحب امرأة من قبل.. “ومن بعد أيضا” كما يعتقد!! هذه أول امرأة أحبها، ورغب في الزواج منها من غير أن يربط الزواج بها بمشروعه الثقافي.. أحب فيها الأنثى في ذاتها.. هي أول امرأة كانت مصدرا لبهجته وهو يحمل إليها الحلوى التي تحبها.. عندما ألح عليها أن تتخير شيئا يحمله إليها عند زيارته لها في مكتبها؛ ردت: “أحب الكنافة العربية”.. اشترى طبقا من الكنافة العربية وكانت إنعام بصحبته، وانطلق على عجل حتى يصل إليها قبل أن تبرد الحلوى.. أطعمها بيده وأطعمته بيدها.. لم تسعه الدنيا.. ودعتهما، هو وإنعام، لاصطحابها في رحلة على الأقدام مروا خلالها ببيت أهلها.. هي أول امرأة كان يحب أن يشتري لها الهدايا.. أحبها بجنون دون أن تبادله الحب الذي يجرفه نحوها.. كان يعرف أن علاقتهما لن تتقدم في اتجاه الزواج.. كان يحلم أن تعدل عن رأيها وتقبل الزواج منه: “امرأة متوازنة الأنوثة.. أحبها لا لسبب ظاهر؛ هل يحتاج الحب لمسوغات؟!”؛ كان يقول لنفسه.. أحبها دون دوافع ثقافية مثل تلك التي دفعته للارتباط بامرأتين من قبل.. لكنه لم يبلغ معهما استقرار الرضا الذي بحث ولا يزال يبحث عنه!!

هل تمنحه رجاء هذا الرضا؟! ماذا سيكون موقف رجاء عندما يكشف لها أنها مشروعه الثالث في مسلسل الزواج؟! هل تقول كما يقول كثيرون عنه، أنه يتزوج، ثن يترك زوجته وأولادها، ويغيب في الغياب؟! هل تتفهم رجاء أنه هرب من تجربتيه السابقتين بعد أم نفد صبره واستهلك رصيد المناعة ضد المعاناة التي عاشها كله؟! هل تغفر له وتفتح قلبها لاحتضانه هو المنفلت من قيود الاجتماع والهارب من كل شيء حتى من لقبه الذي استبدل به لقبا جديدا؟! أحب الحبيبة كما هي.. لا كما أراد لها أن تكون!! أحبها ولم يجعل منها مشروعا له.. يريد الزواج من رجاء كما هي أيضا.. “أنا وسطية في كل أمر” قالت له.. هذا ما ينقصه: “أن أكون وسطيا أيضا!!”.

“لماذا لم تتصل بي رجاء كما وعدتني؟! عربية؟!” من عادة العربي أن لا يفي بوعد يقطعه على نفسه.. “أم عاودها المرض الذي كان يلم بها في أول يوم بدأ الحديث معها؟!”.. “أنا مريضة بنزلة برد تفاقمت حتى خلقت لي مشكلة في الكلام”؛ قالت له في بداية المكالمة الأولى بينهما التي أجراها معها وهي في دوامها الرسمي؛ تابعت: “أمامك، لا أجيد الحديث الذي كنت أجيده مع كل الذين تقدموا لخطبتي من قبلك!! تَحدَّثْ أنت!!”..

أقلقه عدم اتصالها. ولج الناس في ظلام الليل. ضاق صدره بصمت الهاتف. هرب من نفاد صبره إلى الإنترنت الموصول بالهاتف.. أغلقه بعد ساعة أو يزيد، وبعد لحظة قصيرة كان جرس هاتفها يدق في بيتها..

-       “منذ ما يزيد عن ساعة وأنا أحاول الاتصال بك. كان هاتفك مشغولا؟!”

-       “كان مشغولا بالإنترنت؛ كيف حالك؟”.

-       “عاودني المرض.. هذه المرة سعال”.

في يوم العيد، ألمحت إلى أنها ليست موافقة على الارتباط به.. “اليوم عيد، ولا أريد مضايقتك”؛ قالت في عرض حديثها.. العيد يجمع همومه في رأسه جملة واحدة: الغياب عن الأبناء والأهل كلهم.. دفء مفقود.. ضياع في الضياع.. ورحلة عمر لم تستقر.. ووضعية اجتماعية غير تلك التي كان يطمح إليها.. كان منذ بواكيره يقلق من تخيل أن تمضي حياته كما تمضي حياة عامة الناس.. كان يستشعر التمايز في نفسه عن الآخرين ويحلم بوضع متميز تميزا إيجابيا؛ لكنه في الواقع، يراوح في دائرة الصفرية؛ هل لهذا صاع نظرية عن الوجود سماها “نظرية صفرية الوجود؟!”؛ التي قال فيها إن “الله صفر كبير يخلق على الدوام أصفارا صغيرة”"! يذكر أنه قرأ بعد سنوات من كتابة النظرية الصفرية ملاحظة لأحد المهتمين بقراءة المصير من ملامح الجسد أن أحد ملامحه الجسدية تعني أنه سيبقى طول حياته يراوح في دائرة الصفرية!! هل هذا قدره الذي لا مفر له منه؟! وهل من قدره أيضا أن تفشل علاقاته مع النساء أيضا؟! رجاء لا توافق على الزواج منه!! لن تكون تجربته معها غير إحدى تجارب اللهاث في طلب سراب: “رجاء امرأة وسطى؛ هذا ما أحتاجه؛ وإذا تزوجت منها، فإني سأجد نفسي في عائلة تامة، تتكون منها ومن ابنتها والابنة الأخرى يتيمة الأم التي تعيش معها؛ ورجاء امرأة تستطيع الاعتماد على نفسها، وتتمتع بقدرة على الاستقلالية”؛ قال لنفسه.. وهو لا يريد زوجة تكون عالة على حياته الشخصية: “الاستقلالية مطلب مقدس عندي؛ هل تحترم رجاء حقي في ممارسته؟!”.. رفضت زوجته أن تنتقل للإقامة في غزة، لاشتراطه عليها أن تحترم حقه “المقدس” في الاستقلال بنفسه في شقة خاصة به: “التملك المتضخم مبدأ رئيس من مبادئ عامة النساء!!”.. هذه التملكية خلقت مشاعر مقموعة عنده.. دمرته زوجته الأولى بتخلفها الثقافي؛ صبر عليها ستة عشر عاما قبل أن يطلقها بإجراء رسمي. فعل ذلك على قاعدة أنه ليس من الأخلاق أن تبقي أسيرة ورقة ممهورة بتوقيع مأذون الزواج.. الحرية في عقيدته حق طبيعي له كما للخلق أجمعين. ويؤمن بأن “من الرذيلة أن نصادر حرية الآخرين”..

العقل الناضج ثقافيا حتى درجة ترضيه ميزة تتمتع بها الزوجة الثانية.. كان يدرك نقطة الضعف في زواجه الأول ولكنه غامر بتنفيذه.. المغامرة من طباع أفراد برج الأسد؛ عاد وغامر مرة أخرى بالزواج من امرأة كان يعي نقطة الضعف فيها؛ وكان يعي أن هذه النقطة قد تدفع نحو الفشل؛ لكنه عاد وغامر.. كانت حساباته مبنية بالمسطرة عندما فكر بالارتباط بها؛ ومن أهم نقاط حسابه كان الهروب من نقطة الضعف البارزة لدى زوجته الأولى.. لكن الحسابات ترتكز إلى الظاهر ولا تأخذ غير الظاهر في حسبانها.. كانت في الزوجة الثانية نقطة ضعف ظاهرة، وفيها نقطة ضعف تخفيها النساء وفيها تملكية متضخمة تنزع إلى قمعه وهو ممن لا يقبلون القمع مطلقا!!

كان تخلف الزوجة الأولى الثقافي هو نقطة الضعف القاتلة في تجربته معها.. الثانية مثقفة: “هذا أهم ما أبتغيه في زوجة ثانية” قال لنفسه وهو يدافع عن قراره بالزواج منها: “الزواج منها مشروع ثقافي”.. كانت الزوجة الأولى مشروعا ثقافيا له أيضا: “إنها مادة خام؛ وباستطاعتي أن أخلق منها نموذجي المنشود!!”.. منذ البدء؛ اكتشف أن مستواها غير مؤهل للتطوير؛ لم يكن بمقدوره أن يعرف خفاياها قبل أن تنتقل لبيته.. بيئة أهلها المحافظة لم تسمح بذلك.. والبيئة المحافظة لم تكشف حقيقة مستواها الإدراكي.. الحقائق المخفية تقف وراء فشلنا؛ هل لهذا تطورت فلسفته نحو “الفلسفة النورانية”؛ وأخذ يحلم بوطن من النور؛ لا تحتجب الحقائق فيه؟!!

راوده الحلم أن يبدع من زواجه الأول نموذجا متميزا يشهد له أنه قادر على أن يبدع عالما جديدا للإنسان!! أمّ زوجته الأولى، غير المتعلمة مطلقا في المدارس الرسمية، أحست ذلك منه وهو لا يزال في بواكير شبابه: “أعرف أنك لو وجدت عشرة من أمثالك، لقمت بتغيير وجه الحياة كلها!!”.. راوده الحلم أن يبدأ بابنتها ليغيرها ويغير العالم معها.. فشل.. كان الفشل ذريعا.. وكان مأساة لم ولن تبرح حياته كلها: “أنا أب لأيتام وأنا لم أمت موتا ماديا بعد؛ لكني بالنسبة لهم، أشد من ميت!!”.. هل يعود أحد أسباب رغبته بالارتباط مع رجاء، إلى أن الزواج منها سيمنحه فرصة لرعاية يتيمتين لكن أب كل منهما حي يرزق كما الحال مع أبنائه؟!

قال لأصدقائه عندما شرع في تجربة الزواج الثاني: “هذا مشروع ثقافي!!”.. في وقت متأخر، اكتشف أن الزواج لا ينبغي له أن يكون مشروعا غير أنه مشروع لذاته!! هل لهذا، أحب الحبيبة بعمق.. أحبها لذاتها، لا لشيء سوى ذاتها: “الزواج منها لن يكون شيئا سوى الزواج ذاته!”.. توهم أن مشروع زواجه الثاني سيعوضه عن فشل مشروع زواجه الأول: “الحصيلة فشل مضاعف ومأساة مضاعفة: أب يمتد أمام ناظريه مدى أبناء يتامى.. مأساة تتفاقم.. وفي يوم العيد تبرز أنيابها فتنهش قلبه.. ولا رجاء تريد أن تتزوج منه: “أبحث عن زواج مستقر، من رجل متدين، لا من رجل مثلك له رؤيته الخاصة ولا يلتزم بما يعتقده عامة الناس من الدين؛ وأنت، قد تغادر الوطن في أية لحظة وتعود إلى أبنائك وتتركني”.. هذه رسالة واضحة: “إذن؛ أنتِ اتخذت قرارا!!”. ردت خلال مكالمة جديدة بادرت هي إليها: “أجل؛ أنتَ جئت متأخرا.. سأتزوج من سابق، رجل معروف لي.. من منطقتي.. إنه متزوج؛ سيقسم نفسه بيني وبين زوجته وأبنائه منها”..

قال: “طعنة جديدة في قلب ما زال يدمي منذ تاه الطفل عن أمه وأبيه وكل أهله يا رجاء.. قد ضعتُ منذ انطلقت أنا ابن الثالثة أجرى وراء طفلة في مثل عمري.. عادت هي وأنا لم أزل ضياعا في ضياع أوهامي.. أحبك يا رجاء.. كنت أدخر هذا الاعتراف إلى أن نلتقي.. لكن اللقاء وهْم جديد يضاف إلى سجل أوهامي!!”..

صمت وتأوَّه وقال في صدر خبا فيه الرجاء: “أينك يا هدى!!”..

عندما انتقل للإقامة في البلد الذي يقيم فيه الآن، قال لصديق له: “هنا هواي وقلبي!!”.. هذان هواه وقلبه يتمددان في الماضي وفي الحاضر: حبه للحبيبة تاريخ حاضر؛ لوقت قصير شعر أن حبه للحبيبة ينزاح ليخلي قلبه لحب رجاء.. فلماذا إذن لا تزال عيناه مشدودتين إلى حافة الشرفة وإلى ذروة التينة المحاذية لها: “هل عادت إلى بيت زوجها البقرة، أم أنها ما زالت هنا؟!”؛ سؤال لم يبرحه منذ اختفت بعد أن أطلت عليه صباح العيد.. ويعصره الحزن على رجاء التي رفضته ووافقت على الزواج من رجل قال عنه لها بعدما وصفته له إنه لا يناسبها؛ ويعصره الحزن على “الحبيبة” التي تكابد من حياة من التعاسة مع البقرة.. ويعصره الحزن على أبناء افتقدهم ويفتقدوه.. وعلى زوجة ستنصعق إذا ارتبط بامرأة أخرى: “أنا نبي البهجة تحاصرني الأحزان من الجهات الست، ومن داخلي المشروخ أيضا!!”؛ قال لنفسه.. وقال لرجاء: “طويت كتاب النسوان بعد أن علمت بزواج “الحبيبة”؛ فتحته معك.. ولكني سأطويه مرة أخرى بعدك.. وإلى الأبد!!”..

-       “أين تفاؤلك الذي تدعو إليه وصاياك التي بعثت بنسخة منها لي؟! سيمنحك الله امرأة خيرا مني!!”.

-  “قبل أيام قليلة، سعيت للزواج من امرأة أمريكية تقيم هنا؛ طارت قبل أن أفعل ذلك بوقت قصير؛ أنا أجيء متأخرا دائما؟! رجوت أن أتزوج من أمريكية لتفتح أمامي فرصة للانطلاق في العالم الواسع.. أما أنت فإني كنت أرجو أن تربطيني بالوطن!!”.

-       “قد يغلبك شوقك لأبنائك وتغادر الوطن في أي وقت!!”.

-       “أنا هنا مزروع ولن أغادر!! وامرأة أحبها هي قلب الوطن”.

قبل أن يتعرف على رجاء، راودته فكرة مغادرة الوطن الذي يشعر بأنه “عطن”. نجح شقيقه الذي يقيم في مصر في تجديد وثيقة السفر الخاصة به التي كانت قد انتهت منذ وقت طويل. راوده الأمل أن يفتح تجديدُ الوثيقة الطريقَ أمامه لاستئناف رحلة الغربة التي كانت قد امتدت لاثنين وثلاثين سنة: “في غزة أشعر بغربة أقسى من غربتي خارج حدود الوطن”؛ وكتب: “مرير أنت يا وطني.. وفيك يقتلني الضجر…!!”؛ غزة سجن لروحه: “نعيش في غزة تحت كعب حذاء الدنيا”؛ كما قال لطلبته في الجامعة التي حاضر فيها في غزة والتي استغنت عنه بسبب ما يمتلكه من رؤية لا تألفها غزة: “أنا هنا بين حجارة كافرة”.. و”غزة لا تخلعْ في مساجدها الكنادر.. غزة لا تخلعْ.. في أحضان نسوتها الخناجر!”.. الحرية عشقه.. وغزة مكبلة بقيود تخلفها.. وبعد وقت قصير من عودته للوطن، وقع في غرام فتاة وقع في غرامها لما بدا منها من تحرر لفت نظره، ولم يكن مستساغا في قرية ولدت أمه وأبوه فيها!! تحابا بعنف، وعندما طلبت منه أن يتقدم لخطبتها؛ وتقدم، فسألها أهلها وكانوا يعرفون حبها له، والناس كلهم يعرفون قصتهما: “هل توافقين على الزواج منه؟”؛ ردت: “كلا.. كلا!!”

-       “لماذا فعلت ذلك؟!”.

-       “رأيت في عيون أبي وإخوتي نارا كانت تتقافز نحوي؛ خشيت أن يذبحوني لو وافقت!!”..

“وطني يقتل الحب” قال في مقالة له.. “وأنا أسد حبيس في تخلف قومي”.. وكان قد رفض العودة للإقامة في البلد الذي تقيم فيه زوجته خشية أن يجد نفسه محبوسا في قفص: “أنا أسد لا يدخل مصيدة الفئران!!”..

****

اعتقد أن زواجه من امرأة واقعية مثل رجاء، سيكون ناجحا لا على غرار زواجين لم يبنهما على أسس واقعية.. لم يحالفه الحظ من جديد؛ فلاذ بالخيال: “هدى.. أينك يا نور القلب!! يا حلمي!!؟..

يشغله القلق على مستقبل رجاء وبنتيها: “هل سيمنح سابق الحب والحنان لهنّ؟!”؛ سألها في المكالمة الأخيرة: “أليس هناك من سبيل لعودة أبي ابنتك إليكم؟!”.

-  “مستحيل؛ إجراءات الاحتلال تجعل من حصوله على تصريح دخول إلى قطاع غزة مستحيلا.. أضاع فرصة ثمينة من قبل؛ كنت قد استخرجت له موافقة على لمّ شمله معي، لكنه رفض المجيء إلى غزة، الأمور الآن صارت معقدة!”.

قال في سريرته: “أنا أيضا رفضت مغادرة غزة والالتحاق بأسرتي في البلد الذي تقيم فيه، عندما جاءتني فرصة بذلك! رفضت أن أدخل قفصا تقبض أنثى على مفتاحه! لماذا أبحث عن أنثى أخرى تحبسني في قفصها وتغلق الباب والنوافذ بمداميك طوب ثقيل ترصها فوق أنفاسي؟!”

واصلت رجاء الحديث: “اضطررت إلى طلب الطلاق منه.. أتمنى لو يعود؛ من أجل أبنائنا، إنها شديدو التعلق به، ولا أدري كيف سيكون الزوج القادم معهم؟! أرجو أن يكون حنونا!!”.

-       “هل يعرف صغارك أنك ستتزوجين؟ ما رأيهم؟”.

-       “يعرفون، ويتمنون أن يكون الرجل الذي سأتزوج منه حنونا!!”.

ثم سألته عن ظروفه المعيشية وعن دخله المالي؟

-       “معتكف في وحدتي.. والدخل منخفض جدا، والحمد لله على كل حال”.

-       “لماذا لا تشتغل في إحدى الجامعات هنا؟!”.

-       “لا مكان لي في هذا الوطن المنغلق على ذاته في تاريخنا الذي ولّى!!”.

تذكر قصته مع جامعة عمل فيها بعد عودته إلى أرض الوطن، واصل يتحدث لرجاء: “عقلي وقلبي المنفتحان بالحرية والحب منفتحان أيضا على هلاكي في وطن يقتل الحرية والحب!!”.

****

نهض من فراشه الأرضي، فتح نافذة غرفة نومه، سقطت عيناه على لباسين صغيرين واحد أنثوي يجاوره آخر ذكري ومعهما منشفة على حبل غسيل الجيران؛ قال لنفسه: “نمارس الجنس في الخفاء، وننشر الدليل في عين الشمس؛ لماذا نخجل من فعل المضاجعة؟ صديق قديم قال لأننا نخجل من أنفسنا!! نحن أبناء المضاجعة.. والله يتحقق بصفته الخالق من فعلنا الذي نصلي فيه بين الزوايا”؛ تنهد قبل أن يتابع حديثه مع نفسه: “أنا بحاجة ماسة لمرأة؛ هل كانت الحبيبة أو رجاء ستمنحانني ما أحتاجه؟! هل أي منهما هي المرفأ الذي سيستقر عنده مركبي التائه في بطن الموج وفوقه؟!”.. كانت صديقة قديمة نشأت بينهما علاقة حب وهما يدرسان العلوم الإسلامية في معهد بالقاهرة قد قالت له بعد وقت قصير من تعارفهما: “الارتباط بك غير مُطَمئن!!”؛ في عقيدته: “لا شيء في العالم يثبت على حال؛ غير قانون التغير”.. تعلم هذا من هيراقليطس فيلسوف اليونان القديم: “يتجدد النهر كل لحظة، ولا ينزله أحد مرتين!” التغير مبدأ يعصف به ويحمله على أجنحة قلق أزلي: “قضيت حياتي أحلم بتغيير العالم، ورجاء امرأة واقعية!”.

جلس على مقربة من جذع التينة.. شرفة الحبيبة صامتة من فوقه.. وتتمايل نخلتان طويلتان تحت صخب الريح النشطة.. تنبعث من المذياع موسيقى ناعمة من خلف زجاج يغلق نافذة الغرفة التي تقع تحت غرفة الحبيبة التي تمتد من فوقها الشرفة وتحاذيها التينة.. قطرات ماء تتساقط من سماء ملبدة بالغيوم.. وهدى ترمقه بعينين لوزيتين قلقتين لكنهما شغوفتان به…

يحلم بامرأة تؤمن به، قال لرجاء: “لا أحد يؤمن بي من النساء؛ حتى ابنتي الصغيرة تركت على سطح مكتبي حفرا من كلمات تقول: تسقط حرية أبي.. تحيا حرية أمي!! مماتي في حرية أمها!! هل من مرأة تمنحني أفقا للحرية فأنطلق؟!”.

- “أنا متدينة؛ وأنت؟”

- “من حقك أن تؤمني بما تشائي، أحترم حريتك؛ فاحترمي حريتي.. أنا متدين على طريقتي؛ أؤمن بالقيم الأخلاقية العليا؛ الحرية الجميلة أسمى القيم الأخلاقية!”.

- “الإسلام دين الأخلاق!”.

- “الأخلاق إنسانية!!”.

- “والإسلام إنساني أيضا!!”.

- “أنا من عائلة المتفلسفين!!”.

- “لستَ متدينا؟!”.

- “تقصدين أن تقولي: الفلسفة والدين لا يجتمعان!! هل لهذا فصلتني الجامعة التي عملت فيها في غزة؟!”.

- “لماذا فصلتك؟!”.

- “لأني عملت بجوهر الدين؛ بالأخلاق الكريمة؛ أليس الدين المعاملة.. وأنا متهم بأني منفتح؟! والفلسفة تؤمن بالتباين؛ الناس لا ينبغي أن يكونوا نسخا مكررة من صورة واحدة.. لا أستطيع أن ألقي جوهرة رأسي في الضيق المغلق!!”.

- “أنت فيلسوف وأنا واقعية”.

تابعت في الحديث بينهما قبل أن تقرر رفضه: “تعال واخطبني كما تقتضي التقاليد!!”.

- “الزواج التقليدي صورة مهذبة من سلوك قديم سلكه الهمجيون عندما كانت القبيلة القوية تغتصب نساء القبيلة الضعيفة وتستعبدها!! لا يزال الزواج يعكس في طقوسه وممارساته علاقة من الاستعباد بين الطرفين؛ أحلم بزواج يكون فيه الطرفان في علاقة جوار حميد منسوج من الحب والحرية!!”.

“لا رجاء ولا الحبيبة هي من أبحث عنها”؛ قال لنفسه وتذكر ما رددته زوجته: “لن تجد المرأة التي تحلم بها، ولو بحثت عنها بين نساء الأرض كلهن!!”. تذكر في سره ما قاله فيلسوف ألماني: “هناك امرأتان مثاليتان: الأولى ماتت. والأخرى، لم تلد بعد!!”؛ أضاف: “أما أنا، فسأنتظر من لم تلد بعد!!”.

هتف من قلب مجدول من الضياع والأمل: “أينك يا هدى.. يا حلمي.. أينك؟!!”…

اتفق مع رجاء في نهاية المحادثة التي أبلغته فيها أنها قررت الارتباط بسابق، على أن يكونا صديقين. أعربت عن رغبتها في نيل درجة علمية عليا بعد البكالوريوس الذي تحمله؛ شجّعها..

-       “من يساعدني؟”.

-       “أنا!”.

انتهت المحادثة. طلب مندوبا لجامعة أجنبية، وبحث معه إمكانية حصول رجاء على درجة علمية عليا. عاد لمهاتفتها. ردت باختصار وأغلقت الهاتف على عجل؛ اعتذرت بأن لديها ضيوفا.. “ضيوف؟!”؛ تساءل في صمت؛ وقال يحدث نفسه: “نبرات صوتها تعكس أنها تستقبل العريس؛ تُرى، هل جاء ومعه أهله للمعاينة، كما عادة الناس هنا؟! ستفوز بالقبول، موظفة مثلها بدخل ممتاز وصاحبة عقارات تملك مؤهلات القبول من أي عريس في هذا البلد الذي يقيم وزنا كبيرا للجانب المادي ولا يقيم وزنا للمعنويات التي تمثل رصيده الذي لا يقبل الناس هنا التعاطي معه!! الأهم من ذلك أنها امرأة محافظة؛ الرجال في بلد تحكمه ذكورة متسلطة وأنانية يريدون عشيقة منفلتة من التقاليد، ترقص رقصة مجنونة بين أحضانهم الجوعى العطشى؛ فإذا أفرغوا في فرجها قذاراتهم، فإن السلطان يصدر أوامر تقضي على النساء أن تتغلف بالسواد الثقيل فتنتظر حتى تتراكم الشهوة الحيوانية من جديد، فتعود المرأة من جديد محظية دون كرامة ويغرق تحتها بالمني وينمو المني في رحمها، فينتفخ بطن الأنثى وتنتفخ معه الجهالة وتشتد الظلامة!!”..

يريد امرأة تمنحه من الأنوثة ما ترضيه ويرضيها؛ ويريدها لذاتها الأنثوية لا لشيء آخر. لم يهتم بالوضع الاجتماعي لرجاء ولا بما تملكه من المال.. هذا خارج ما يعنيه: “أريد امرأة أعشق روحها وجسدها معا؛ وتعشقني.. أريدها محرابا وأنا محرابها فنصلي معا وأقوم ما بين ثغريها وأطوف دوخانا بين قبتيها؛ وتدوخ في دوخاني ونرتقي الدرجات العاليات إلى فوق الفوق وهناك يتعانق الاثنان فتنبلج الحرية العظمي في واحدة واحد!!”.. تحاشى الاقتراب من المسالة الجنسية حلال محادثاته مع رجاء؛ ولكن السؤال التالي يقلقه: “هل يمكن أن تمنحني هذه المرأة مساحة واسعة أمارس فيها صلاتي بحرية في محرابها الأنثوي، وان تكون إمامي وتابعي؟!”.. يقلقه أن يفشل في زواج جديد من نساء بلده التي قال فيهن: “يقتلن بهجة الليالي؛ مثلما يقتل هذا الوطن غزلانه!!”..

اعترف في حديثه لرجاء الذي أعقب اتفاقهما على أن يكونا صديقين: “الحبيبة من الأسرة التي تقيم فوق رأسي”.

-       “حاذرْ من التصرف بطريقة غير ملائمة”.

-       “أنظر إليها كامرأة متزوجة وأمّ لطفل!!”..

وعد رجاء أنه لن يرتكب أية حماقة قد تضر بالحبيبة، وأخفى عنها أن هذا الموقف لا يعكس أن حبه للحبيبة لم يعد قائما أو أنه لم يعد يتمنى الزواج منها. الحبيبة تسكن قلبه، ورجاء رفضته، فباتت قصة بلا جذور.. قال للحبيبة في وقت لاحق وهو يقترب معها من بيت زوجها: “انفصلي عنه؛ إنه لا يعاملك بإنسانية أنت جديرة بها!!”.

-       “وأبنائي؟!”..

وكانت قد أنجبت طفلا ثانيا..

-       “أنت وأبناؤك في قلبي؛ سنعيش معا أنا وأنت وهما أيضا!!”.

-  ” لن يتركهما لي زوجي لو انفصلت عنه؛ هو يعلم أن نقطة ضعفي في تعلقي بأولادي، ويستغل هذه النقطة ضدي.. أنا مستعدة لتحمل كل شيء في سبيل أن أبقى مع أبنائي!!”.

قال للحبيبة وهما يقتربان من بيت زوجها: “أنا أحبك؛ والمحب لا يؤذي حبيبه!!”.. لكنه يؤذي نفسه: “أبنائي يتامى وأنا على قيد الحياة؟!”.. هرب مرة من الجهل ومرة من القمع: “ولكني لا أعرف حقيقة رجاء ولا صورتها وأنا أخوض معها في لجة المجهول؛ وأعرف أن الحبيبة ليست عقلا منفتحا: رباه.. ما هذا الذي يجري؟! لا أزال لم أفق بعد من أوهامي؛ فإلى متى هذا الضياع وراء السرابات؟!”..

انتهت محادثته مع رجاء. لم يستمر حزنه من قرارها بالزواج من رجل غيره، وقتا طويلا.. قام فنام.. وعندما استيقظ صباح اليوم التالي، أعد كوبا من الشاي وجلس في الفناء الخارجي لبيته يرمق الشرفة الصامتة: “يبدو أنها عادت لزوجها البقرة!!”.. لفّه صمت وفلت خياله؛ سقط عليه شيء من وسخ العصافير التي تعشعش فوق التينة، انتبه إلى الحقيقة: “أوهامي تبددني.. أينك يا هدى.. أينك يا حلمي؟!”..

استهل علاقة الصداقة مع رجاء بحكاية قصة انتقاله إلى البيت الذي يقيم فيه الآن: “طال انتظاري لها. وعدتني في المكالمة الأخيرة قبل زواجها أن تزورني في البيت الذي اقتحَمَتْه فجأة، فاجتاحت منذ ذاك كل كياني ولم تبرحني.. ظللت انتظر وفاءها بالوعد مدة سنتين.. ضجرت من البيت الذي انبثق في قلبه حبي الذي أوقعني في أسرها منذ اللحظة الأولى. ضجرت منه لأنها لم تعد تشرق فيه؛ البيت الذي لا تنيره الحبيبة ليس بيتي، قبر هو لروحي.. لم أطق البقاء فيه؛ بحثتُ عن بيت آخر في غزة بعد أن تملكني اليأس من مجيئها..”.. خابت مساعيه في العثور على بيت مناسب؛ توجه إلى البلد الذي ترعرعت الحبيبة فيه.. الذي كان يحج إليه للقائها.. وجد شقة تقع على مقربة من المكتب الذي كانت تعمل فيه قبل زواجها فاستأجرها.. دفع مقدم الإيجار واستلم مفتاح الشقة من مالكها واتفقا على أن ينتقل إليها بعد أيام قليلة يكون قد تم فيها إعدادها له.. لن تسمح سكناه في هذه الشقة البعيدة عن بيت أبيها برؤيتها: “لكني ضقت بالدنيا فلجأت إلى قرب الحبيبة!!”؛ قال لصديق له وهو يسوغ قراره بالانتقال من شقته التي تطل مباشرة على حديقة الجندي المجهول في غزة وتقع في أرقي أحياء المدينة التي يسعى الكثيرون للانتقال إليها من مساكنهم في المخيمات والبلدات المحيطة والبعيدة البائسة في قطاع غزة.. تابع يتحدث لرجاء: “رغم أنني كنت يائسا من الالتقاء بها أو مهاتفتها من جديد؛ لكنني شعرت بأنني محتاج للهروب إلى بلد الحبيبة!!”.. ” بعد أيام قليلة، أخبرني مالك الشقة أنها باتت جاهزة لانتقالي إليها.. وبعد أيام قليلة أخرى، وقد كنت قد أخطرت صاحب شقتي في غزة باعتزامي الرحيل منها، فاجأني مالك الشقة الجديدة بقولي لي بالهاتف: آسف.. آسف جدا.. حدثت ظروف طارئة تضطرني إلى التراجع عن اتفاقي معك حول الشقة؛ فيما بعد تبين لي أن واش لعب دورا في إثناء الرجل عن موافقته!”..

-       “لماذا؟ ومن هو الذي لعب هذا الدور؟”..

-  “شكوكي دارت حول مثقف يقيم في هذا البلد، وأحتفظ نحوه بمشاعر احترام!! أما لماذا؟ فلأن الفساد أمحل قلوبنا من جمال الروح!!”..

-       “لا غرابة في ذلك!! هذا شأن الناس هنا!!”.

-   ”عاودتُ البحث عن شقة في غزة. عثرت على شقة لم تحز على رضاي ولكني اتفقت مع صاحبها على استئجارها منه، ودفعت له قيمة الإيجار وطلبت منه أن يعيد دهان جدرانها وأخبرت المعارف أنني سـأنتقل إليها قريبا.. وكنت أعرف أن الحبيبة لن تأتي لزيارتي فيها لأنها لا تعرفها، وهكذا لن أراها مرة أخرى.. وما كان أمامي سوى أن أحتفظ بحبي لها في قلبي، وأعيش على ذكرياتي الجميلة الحالمة.. ألم يكن حبي لها منذ البدء يسكن قلبي وحده؟!!”.

لم يفِ مؤجر الشقة بالاتفاق، فأعاد له المفتاح وقرر أن يبحث مرة أخرى عن شقة في بلد الحبيبة.. وفي الصباح المبكر من أول يوم من الشهر الجديد كان يقف في شرفة اكتشف أنها تطل على الشارع الذي كانت الحبيبة قد اصطحبته ومعه إنعام في رحلة مرت ببيت أبيها.. “رباه!! من هنا مررت أنا والحبيبة نحو بيتها!!”؛ خاطب نفسه مندهشا ومبتهجا معا.. عاد يقطع الطريق ذاتها إلى بيت الحبيبة.. لكنه وحيدا عاود السير في الطريق الأثيرة السحرية.. “هذه شرفتها، صامتة مثل القبور تسبح في الهواء من وراء التينة التي تغطيها!!” قال في نفسه وعيناه شاخصتان في الأفق الذي يلف غرفة الحبيبة ويلفه بحزن جميل يكتنفه مخلوطا بتمنيات وردية أن تبرز منها الطلعة التي سحرته منذ رآها أول مرة..

من باب سفلي في شقة تحت شقة الحبيبة التي كانت فيها في عمارة أبيها كان مشقوقا رأى رجلا عجوزا يجلس في الفناء الواقع تحت الشرفة والتينة؛ خطر له أنه أحد أصدقائه.. لكنه لم يتوقف للتأكد.. كان ذاهلا ولم يخطر له أن صديقه ترك الإقامة في مدينة غزة وانتقل للإقامة في بلد الحبيبة  وفي بيت أهلها!! في اليوم التالي دخل متجرا في البلدة التي ارتحل إليها.. فجأة وجد نفسه أمام صديقه العجوز: “هل أنت تقيم هنا؟!”

-  ” أجل؛ وأنت اليوم ضيفي، ستصحبني وستتناول الغداء معي. هيّا اركب في السيارة التي تقف هناك، ستجد فيها زوجتي، اركب جوارها”.

-       “قبلت دعوتك؛ لكن عليك أنت أن تركب في الكرسي الخلفي إلى جوار زوجتك”.

-       “أصبت، اركب أنت في الكرسي الأمامي، انتظرني لحظات سننطلق بعدها إلى بيتنا”.

****

لم يسأله عما إذا كان يقيم فعلا في بيت الحبيبة أم لا.. تمنى أن يكون ذلك واقعا، وعندما دلفت السيارة للشارع السحري التقط أنفاسه التي ما لبثت أن تسارعت مرة أخرى وهو يجلس تحت سقف كانت الحبيبة تهاتفه من فوقه.. عاش بقية النهار مسحورا بالصدفة التي لم يتصور خياله وقوعها، وبالذكريات الجميلة, وعيناه مأسورتان للسقف المتربع فوق رأسه، ملتاع القلب محترق الوجدان من غيابها الطويل!!

وضع يافطته على الشرفة المطلة على الشارع الذي يجتازه الذاهب إلى بيت أهلها في الشقة التي استأجرها وغايته أن تراها الحبيبة إذا مرت من أمامها لزيارة أهلها. وعندما أزعجه مالك الشقة عاد يبحث عن شقة أخرى له في غزة؛ ووجد شقة في غزة واتفق مع صاحبها على استئجارها تمهيدا لانتقاله من الشقة الواقعة في طريق الحبيبة إلى شقة لن تمر الحبيبة بها. حمل النقود التي عليه أن يدفعها لإيجار شقة غزة وقصد صاحبها لتوقيع عقد الإيجار. اشترط أن يبدأ إيجار الشقة الجديدة بعد عيد الفطر بأيام؛ في حسبانه، فإن الحبيبة لا بد وأنها ستزور أهلها بمناسبة العيد ولا بد أنها ستمر من أمام يافطته وقد يدفعها اكتشاف وجوده في طريقها إلى مهاتفته على رقمه المسجل عن عمد على اليافطة أو زيارته ليطفئ عطشه إليها وللمرة الأخيرة وإلى الأبد!! انتظرها في غزة طويلا طويلا قبل أن ينتقل للإقامة في طريقها.. لم تأته فأتى إليها!! والصدفة هي التي ساقته للشقة الواقعة في طريقها، بعد أن تراجع صاحب الشقة الأولى التي اتفق على استئجارها معه وهي النائية عن طريق الحبيبة.. الأقدار تسوقه إلى طريقها!! والوشاية التي يخمن أنها كانت وراء تراجع مالك الشقة تلك، عن الوفاء بالاتفاق، والتي عكرت صفو قلبه حينئذ، كانت تحمل في قلبها خيرا: “للشر وظيفة إيجابية أيضا”، قال لنفسه؛ لكن، هل سيراها قبل أن يرحل من الشقة التي تقع في طريقها؟ تساءل بقلق!!

لم يوقع عقد استئجار الشقة التي نوى الرحيل إليها بعد العيد نتيجة خلاف على مسألة حقه في استغلال الشقة كمكان للسكن والعمل معا، كما اعتاد أن يفعل كلما استأجر شقة جديدة.. لم يوافق مالك الشقة.. عاد يبحث عن شقة أخرى في البلد التي يهواها قلبه لأن فيها كانت حبيبته.. ولم تنقطع صلتها بها طالما ظلّ أهلها مقيمين فيها..

كرر زياراته للرجل العجوز المقيم في عمارة أبيها.. وتعرف خلال زياراته ذات القصد، على أبيها.. وكان يقصد المسجد القريب من بيت أبيها ليمر من الشارع الذي مرّ فيه معها ويحملق في نافذة غرفتها القديمة وفي شرفتها وعندما يصبح بيت أهلها وراءه يلتفت نحو البيت الحبيب وتتعلق عيناه بالشرفة ويتمنى بقلب شغوف لو أنها تكون في زيارة أهلها وأن يراها وتراه!! وكان يحرص على الوقوف جوار أبيها خلال الصلاة ليتمثلها تقف إلى جواره وكان يلمس بذراعه ذراع أبيها ليتحسس حرارته فتسري حرارتها في جسده فتنطلق روحه في محراب الحب بينما رؤوس المصلين تجثو على الأرض ولا تنبض قلوبهم بنبض قلب عاشق مثل قلبه.. في شعره المكتوب عنها، تماهت الحبيبة مع “الله”.. ها هي هنا تتماهى مع صلاته.. بل صلاته لها هي المتماهية مع “الله”!! ما أمرَّ الحب أيها الأشيب الولهان الشقي به؟! “شِركٌ أنتَ تخلقهُ!!”؛ قال مخاطبا الله، في قصيدة له.. اقترح صديقه العجوز المقيم في الشقة الواقعة تحت شقة أهل الحبيبة أن يستأجرا معا شقتين بعيدتين عن بيت الحبيبة قبل زواجها.. “أنا أريد أن استأجر شقتك التي أنت فيها الآن إذا رحلت منها”؛ قال له.. رد العجوز: “إذن؛ لن أترك شقتي!!”..

ملل يجتاح كيانه، وحياته فارغة بلا معنى ولا أحد يزوره ولا يزور أحدا.. وعيادته تكاد تكون يافطة معلقة في السماء لا غير.. في انتظار أن تعثر عليها الحبيبة، إذا مرت من تحتها..

بعد خمسة أشهر من إقامته في البيت الواقع في طريقها حمل الهاتف صوتها المتلهف لسماعه: “سأعود لمهاتفتك، وقد أزورك قريبا”؛ قالت في المكالمة القصيرة التي بددت وحشته وبعثت الروح فيه من جديد!! لكنه في نفسه ردد: “كاذبة؛ أعرف أنها لن تفي بوعدها!!”.. مرت الأيام وتراكم أساه الذي كاد أن يسفر عن وقوعه ضحية حالة نفسية مرضية مرعبة. في العادة، يقترح على طالبي النصح منه من المصابين باضطرابات نفسية أن ينطلقوا في الأفق المفتوح، وأن لا يتجمدوا في لحظات اليأس والقنوط والإحباط والكآبة والقلق والنظرة السوداوية للحياة.. الحرية علاج للنفس من أمراضها، كما يعتقد في نظريته؛ والحرية تلد البهجة.. “ألست أنا فيلسوف الحرية المبتهجة بذاتها؟!” قال لنفسه؛ اتخذ قراره: “إذن فلأنطلق!!”.. الإرادة في عقيدته الفلسفية مطلب أساسي لمواجهة أمراضنا النفسية وما يتعلق بها من أمراض جسدية. تذكر أن اليوم هو يوم سوق عام في البلد الذي تمر الطريق إليه من البلد الذي تسكن الحبيبة فيه مع زوجها.. مرّ ببلد الحبيبة الذيس تقيم فيه مع زوجها.. جال في السوق العام.. عاد يركب سيارة تتجه نحو البلد الذي يقيم فيه.. نزل عندما دخلت السيارة بلدة زوجها، بحث فيها عن بيت للإيجار.. يريد بيتا ليقيم فيه مركزا لرعاية الأمومة والطفولة في القرية الراقدة في كسلها؛ لعل الحبيبة تقصد مركزه فيراها؛ وخطر له أن يسميه باسم ابنها، الذي يشتاق لرؤيته واحتضانه كما يشتاق لأمِّه وأشد!!

استدل على رجل يملك شقة للتأجير في البلد الذي تتنفس الحبيبة من هوائه. قصده. دخل بيته: جاءه صاحبه بالشاي.. مذاق الشاي ممزوج بإحساس الحب، شعر بأنه يشرب شايا من صنع يديها: “قد تكون الحبيبة في البيت المجاور”؛ قال لنفسه.. تذكر عندما زارته في غزة أنها صنعت له فنجانا من القهوة لا تزال عذوبته في فمه.. كان الوقت في شهر الصيام، رفضت إنعام أن تعد له فنجانا من القهوة اشتهاه، بدعوى أن هذا يفسد عليها صيامها؛ فهبت الحبيبة برشاقة نحو مطبخه البائس وهي تقول: “أنا سأصنعه لك!”.. جلس يحتسي قهوته في شرفة بيته المطل على حديقة الجندي المجهول ومن حوله الحبيبة وإنعام؛ وقد حسرت الحبيبة خمارها عن رأسها فانكشف شعر حريري فزيَّن وجهها الذي يأسره من أعماقه. كاد وهو في ضيافة الرجل صاحب الشقة التي يسعى لاستئجارها والذي يستضيفه في بيته الواقع في بلدة زوج الحبيبة، كاد أن يسأله عن زوجها، لكنه ابعد الخاطرة من رأسه: “يجب أن لا أقترب من المساس بها بسوء أبدا، قد يجر السؤال إلى ما لا تحمد عاقبته بالنسبة لها، أكتفي بالحب لها يعمر قلبي، وبذكرياتي الحلوة معها!!”..

وقف في شرفة الشقة التي سعى لاستئجارها في البلد الذي تقيم الحبيبة فيه مع زوجها.. مساكن أهالي البلد تترامى أمامه؛ وحسب ما كان يظن، فالأرجح أنها تقيم في بيت قريب من هنا: “لا بد أنها تقيم في إحدى هذه البيوت التي أمامي”؛ قال لنفسه وهو سعيد بخيال يرسم له أنها لا بد أن تكتشف أنه يقيم هنا ولا بد أنها ستبادر إلى زيارته، خاصة وأنه يريد أن يجعل من مقره في هذه الشقة مركزا للأمومة والطفولة.. رأى الشقة جميلة ففيها سيتنفس من الهواء ذاته الذي تتنفس الحبيبة وابنها منه..

في صباح اليوم التالي، عرج على البقالة القريبة من البيت الذي لا يزال يقيم فيه وهو في طريقه إلى البلد الذي تقيم الحبيبة فيه لإتمام مشروع انتقاله إلى الشقة التي خال له أنه سيتنفس فيها من الهواء الذي تتنفس منه الحبيبة، وسيشرب من مائها.. وقد يراها إذا صعدت إلى سطح بيتها لتنشر الغسيل أو إذا وقفت في شرفة أو إذا خرجت من باب البيت لشأن من شؤونها.. قالت له في مهاتفتها أنها سعيدة في حياتها. والمنطقة التي تترامي بيوتها أمام شرفة الشقة التي قرر أن يسكنها في بلدة زوجها تبدو أنها منطقة الميسورين من أهل البلدة التي تقيم الحبيبة فيها.. ولدى مروره في شارع خلبت بيوته لبّه في المنطقة المترامية أمام الشقة التي سيستأجرها، لفت نظره أغطية جميلة وثمينة فردها أصحاب أحد البيوت على شرفة لتتشمس فحدثته نفسه أن جسد الحبيبة قد يلتف بهذه الأغطية التي تدل على ثراء أصحابها وذوقهم الرفيع الذي يحسب أن الحبيبة تتمتع بهما.. وبحلق في نوافذ البيت وشرفاته، فقد تجود عليه صدفة يتمناها فيشرق وجه الحبيبة عليه؛  بعد غياب يلوِّعه منذ رآها للمرة الأخيرة في مكتب عملها قبل زواجها..

كان غرضه من تعريجه على البقالة القريبة من شقته التي لا يزال يسكنها هو السؤال عن صاحب الشقة؛ قال له صاحب البقالة: “ماذا تريد منه؟”.

-       ” أريد إبلاغه بأنني سأترك الشقة نهاية الشهر الحالي”.

-       “إلى أين ستنتقل؟”.

-       “إلى شقة جديدة”؛

 وأكمل في سريرته : “إلى هواء الحبيبة وجوارها!!”.

-       “لماذا لا تنتقل إلى شقة الرجل العجوز؛ رأيته يخليها”.

-       “هل أنت جاد فيما تقول؟!”.

-  “أؤكد لك أنني رأيته يحمل أثاثه وحقائبه منها على عربة كارو.. شقته أفضل لك من أية شقة أخرى!!”.

“هذا ما أنتظره من وقت طويل”؛ قال في سريرته.. وبدل أن يذهب في اتجاه الشقة الواقعة في منطقة ظنّ أن الحبيبة تقيم فيها.. وكان الظن وهما، كما تبين له فيما بعد.. ذهب إلى بيت أبيها ليطلب منه تأجيره الشقة التي يخليها الرجل العجوز؛ الذي أخفى عن صاحبها ما يفعله!!

كان الظن الذي تبين أنه وهم يدفعه نحو شقة غير مأمونة.. تقع في بناية من طابقين، في منطقة معرضة لاجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي في أي وقت.. كان الطابق السفلي مشغولا بأنشطة تجارية، وكانت الشقة المجاورة للشقة التي سيستأجرها مشغولة بنشاط رسمي.. عندما ينتهي العمل في المحال التجارية وفي المكتب الرسمي سيبقى وحيدا في البيت الذي يرابط أمامه شرطيان قال لنفسه أنهما سيفران إذا ما تقدمت قوات الاحتلال نحو البيت المرشح لانتهاكه من جانب هذه القوات كما هو شأنها.. سيكون هدفا لا شريك له لقوات الاحتلال.. لن يحظى بالأمن في الليل البهيم الذي سيبقى فيه وحيدا، وقد تداهمه قذيفة صماء عمياء من قذائف الموت التي تطلقها دبابات الاحتلال من غير قيد؛ فيقضي نحبه وحيدا، كما قضى أبو ذر الغفاري الذي عاش وحيدا ومضى وحيدا؛ حدثته نفسه، هو المؤمن بفلسفة واحدية ظل يبشر بها إلى أن تطور تفكيره نحو “واحدية نورانية”: “أنا الإمام الأبيض؛ وحيد وحيد وحيد!! هل أموت موتة أبي ذر أيضا الذي قال: لم يبقِ لي قول الحق صديقا!! وأنا من بعد موتي أقول: قتلني حبي؛ أو: قتلني وهمي وحقق لي وهمي فكرة الواحدية تحقيقا واقعيا!! حريٌّ بمن يستمسك بما يؤمن به مخالفا الناس أن يحيا ويموت فردا واحدا!!”.. وليس مؤكدا أن الحبيبة قريبة من هنا.. لكنها لا بدّ أنها تأتي بين الحين والآخر لزيارة أهلها.. ووجوده في بيت أهلها هو أضمن وسيلة لرؤيتها ولمتابعة أخبارها.. هكذا ساقته الصدفة أو مجموعة من الصدف ليقيم في بيت كانت الحبيبة قد ترعرعت فيه وتهاتفه منه..

****

ظلّ ينتظر زيارتها التي وعدت بها قبل سنتين في مهاتفتها الأخيرة له قبل زواجها. رحل إلى بلد يتهدده الاحتلال الإسرائيلي لقربه من مستوطنات يهودية وقد كان يسكن في أشد مناطق قطاع غزة أمنا.. كان يحدث نفسه: “هل أستشهد هنا؛ فأكون شهيد حب في زمن لا يقيم للحب وزنا؟! لكنني نبي الحب ولا أبالي!!”.. وبعد أيام قليلة من رحيله إلى بلد الحبيبة التي كانت تسكنه قبل زواجها، داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي المنطقة التي يقيم فيها، وحاصرت المنزل الذي يسكنه والذي يقع في طريق الحبيبة. في الساعة الثانية من صباح يوم، استيقظ فزعا على صوت جرس الباب وهو يلح في أزيز يصرخ منذرا بسوء.. فتح الباب وهو نصف نائم: “الجيش يطلب منك أن تنزل للشارع؟” قال الطارق..

-       “أي جيش؟!”.

-  “الجيش الإسرائيلي، يحاصر البناية، وجميع السكان نزلوا منها إلى الشارع، لم يبق سواك، أنا أبلغتك، والقرار لك”.

-       “حالا.. حالا سأنزل!!”.

كان صوت جندي إسرائيلي يصرخ من ميكروفون يحمله وهو داخل مصفحة حربية ترابط قبالة بيته: “انزل فورا؛ لا تحاول الهرب؛ المكان محاصر”.. عاد إلى غرفة نومه، ارتدى ملابس الخروج على عجل، ودخل المرحاض ليتخلص مما يثقل مثانته من مخزونها.. اندفع مسرعا للهبوط على درجات البيت.. الأطفال والنساء والرجال سبقوه، خرج للشارع الذي تحتله دبابات الاحتلال التي كانت تصوب مدافعها نحو البيت؛ صاح الجندي الإسرائيلي حامل مكبر الصوت المتمترس في مصفحته: “نزل الدكتور؟!”؛ توجه الدكتور نحو مصدر الصوت الذي لا يراه بفعل أنوار شديدة تنبعث من نقطة انطلاقه وتعمي العيون وتسقط في المسافة الفاصلة بين المصفحة وبين الرجال الذين سبقوه بالنزول.. صرخ الرجال المصفوفون على الجدار الخارجي للبيت به: “ارجع.. ارجع، قف معنا!!”.. انضم إليهم.. بعد لحظات، صرخ مكبر الصوت من جديد: “دكتور.. تفضل يا دكتور”.. اتجه نحو مصدر الصوت؛ وقف أمام الجندي المتمترس في مصفحته، الذي سأله: “هل أنت الدكتور..؟”؛ رد بثبات: “نعم، أنا هو!”..

-       “أنت رجل محترم؛ أريد أن لا يظل أحد في البناية، هل ما زال هناك أحد، أريد أن ينزل الجميع”.

-       “معذرة.. أنا لا أعرف أحدا من سكان هذه البناية؛ ما زلت حديث عهد بها”.

-        ”أين كنت قبل ذلك؟”.

-       “في غزة”.

لم يسأله الجندي الإسرائيلي عن السبب الذي دفعه للرحيل من منطقة الجندي المجهول في غزة إلى هذا البلد المعرض للخطر في كل لحظة؛ تساءل في سريرته: “هل للجندي المحتل قلب يفهم أن الحب مغامرة تقتحم النار لتزرع في قلب الموت بهجة من نور الحياة؟! وهل يفهم أن الحب ولو كان مجرد ذكرى يملك قوة روح تحتضن رجلا هاربا من ضغوط حياة يلعب الاحتلال دورا قويا في مفاقمتها!!”..

عاد إلى جهة الرجال الذين تلتصق ظهورهم بحائط البناية. كانوا عن يمينه؛ وكانت النساء ومعهن أطفالهن عن شماله. وجوده قريبا من النساء يصادف هوى في نفسه.. أليست التي قادته إلى هذا الموقف امرأة يهواها قلبه؟!.. ويتذكر في هذه اللحظة أن أول كلمة نطق بها بعد ثلاث سنوات من الصمت بعد مولده، كانت اسم طفلة من قريباته، اندفع خلفها وهما بين أطفال كثيرين كان أهلهم يستعدون لبدء رحلة الهجرة من يافا التي ولد فيها إلى غزة هربا من الموت الذي أحاط بهم في الحرب التي أسفرت عن قيام دولة إسرائيل في فلسطين.. كان اسمها نبيلة.. عادت الطفلة إلى أهلها وضلّ هو الطريق فغاب عن أهله سحابة اليوم كله.. سأل نفسه من جديد سؤاله القديم: “هل يعود لهاثه وراء الأنوثة إلى تلك الواقعة؟!”.. كان أهله قد فقدوا الأمل في أن ينطق وظنوا أنه سيكون أبكما؛ فهو قد أتمّ ثلاث سنوات من عمره دون أن ينبس ببنت شفة: “قضيت طوال هذه المدة وأنا أفكر بعمق لاختيار أول كلمة أنطق بها؟!”؛ قال لأمه مداعبا لها، عندما روت له حكاية صمته المديد.. “يرحمك الله يا أمي!!”؛ قال بصمت والدبابات من حوله تقصف الهواء بنيرانها المظلمة الثقيلة: “لو ساد بين الناس قانون الحب ما كان هذا الليل مرعبا؛ أمي ماتت بداء الكراهية الذي أنشب أنيابه في صدرها عندما اختلف أشقاؤه الاثنان وتناحرا.. دفعت أمي ثمن النار المشتعلة بينهما.. الفلسطينيون واليهود يدفعون أيضا ثمن النار المشتعلة بينهم.. لو ساد الحب أرض بلادي لقام فيها للنور وطنا!!”.. وتذكَّر أن أول كلمة نطق بها، كما روت أمه، كانت كلمة “نبيلة”؛ فعاد يسأل نفسه من جديد سؤالا قديما أيضا: “هل انطلاقي وراء طفلة اسمها نبيلة، هو الذي دفعني، ولا أزال، لأن أحلم بحياة نبيلة؟!”..

ظلت الدبابات الإسرائيلية تطلق نيرانها الكثيفة لثلاث ساعات.. وكانت السماء لوحة صيفية يحمل هواؤها سحابات بيضاء يضيئها شعاع القمر المكتمل العالي.. أطلق عينيه في الأفق الحر المترامي بلا نهاية وهو يحدث نفسه: “للحياة سبيل غير سبيل الموت!!”.. أضاف: “هذا سمر في حرية المطلق لم أحظ بمثله من قبل!!”.. جلس مطمئنا وسكينة الروح تلفه بالجمال.. كان مبتهجا.. في الأوقات الصعبة، يلوذ “الإمام الأبيض” بعقيدته: “بهجة الحب جوهرة الحكمة وسيدة الدواء”.. هو لا يكره ولا حتى ألئِك الذين يهددون حياته بالموت العبثي: “يقع الإنسان ضحية جهله؛ الواقع في جهله ليس عدوي.. لو وقع أخوك في هاوية الغرق، هل تبيح لك الأخلاق أن تتركه فريسة ضعفه؟!”، قال ذات مرة، وأردف: “جيش الكراهية ضحايا ضعفهم؛ هم غرقى الجهل!!”.. وعندما بدأ نور نهار جديد يتقدم، سكت ضجيج الموت المنطلق من فوهات المدافع.. وأخذت دبابات الغزاة في التأهب للانسحاب من المنطقة، ابتهل إلى الله بصمت قلب منير: “اللهم أنر قلوبهم بالحب.. إنك إن أنرتهم أنرت جهلهم فصاروا للحب جيشا!!”.. كثيرا ما يردد على مسامع من يتحدث إليهم، خلال جلساته العلاجية: “إذا أصلح الله رجلا يستذله الجهل، فإن صلاحه خير له وخير لك وخير للناس وللخلق أجمعين؛ لكن فساده شر يصيبك بالأذى أنت والخلق كله مثلما يصيبه!!”..

****

لم تدفعه ليلة الخطر التي عاشها إلى التفكير في مغادرة البيت الذي يسكنه. سيواصل انتظار الحبيبة.. طال الانتظار، فرحل من غزة إلى بلد الهوى.. لم تأت كما وعدت: “إذن، أذهب أنا إليها!”؛ قال لنفسه.. مضى إلى المنطقة التي تسكن فيها مع زوجها؛ كان يحسب أنه إذا وقف في شرفة البيت الذي قرر أن ينتقل إليه والواقع في بلد زوجها، فقد يراها. قد يكون بيتها إحدى البيوت المتدثرة بالخضرة اليافعة التي فرشت المساحة أمام عينيه وهو يقف في الشرفة الغربية من البيت الذي قرر أن ينتقل إليه ليتنفس من الهواء ذاته الذي تتنفس الحبيبة منه.. لكنه الآن أمام خيارين: هل يسكن في البلد الذي تقيم فيه الآن مع زوجها أم يسكن في البيت الذي كانت تهاتفه منه؟! قرر أن يرحل إلى ذكرياته.. الحبيبة تسكن في ذكرياته.. يتوهم أنها لم تعد تسكن حاضره: “رجاء تسكن حاضري!”..

سألته رجاء في مهاتفة ليلة جديدة استمرت ساعتين: “لماذا انتقلت للسكنى هنا؟!”.. ردد في نفسه سؤال رجاء: “ماذا وراء مجيئي إلى هنا؟!”.. سأله رجل جاء لزيارته: “لماذا لا تتزوج؟!”.

-       “لا أجد امرأة تناسبني!!”.

-  “أعرف امرأة تناسبك جدا، في الأربعين من عمرها، تمتلك بيتا وأرضا، وتعمل موظفة وبمرتب كبير واسمها…”.

انتهت زيارة الرجل له. كانت ليلة جمعة. بحث في دليل الهاتف عن رقم بيتها.. وجده.. وفي يوم السبت التالي، رنّ جرس الهاتف في مكتب عملها.. وبدأت رحلته مع رجاء.. هل جاء إلى بيت هواه، ليحيا على ذكرياته.. أم جاء ليبدأ قصة حب جديد، أو ليجري من جديد وراء السراب؟! مكالمة الليلة الأخيرة، التي كانت ليلة جمعة أيضا، كانت مختلفة عن المكالمات السابقة بينهما.. هي بادرت إليها: “أنت مختلف عن جميع من تقدموا لخطبتي؛ أنا معك أحلِّق في عالم الخيال!!”. قال لنفسه: “هل هذه فلتة لسان منها؟! قد تكون!! لكن مكالمة طويلة في هدوء ليل تتماوج موسيقاه الربانية بين قمم نخيل شامخة تحتضن بيتها، فيكتمل مشهد رومانسي؛ تكشف عن خبايا قلب امرأة يعبث به الهوى فيطرح عنها ما تتصنعه من سلوك يصورها على أنها تحيا بالعقل وحده!!”..

-       ” قال لي الرجل الذي اقترح زواجنا أنك امرأة بلا قلب!!”.

-       “تعمدت أن أبدو هكذا أمامه؛ أنا عاطفية جدا!!”.

-       “هل تملكين عاطفة نحوي؟”.

تهربت من تقديم جواب صريح على سؤاله، وقالت:

-       “فكرت فيك بالعقل وحده!!”.

-       “هل تزيد نسبة قبولك للعريس الذي وافقت عليه عن 50%؟!”.

-       “تقريبا!!”.

-       “51%؟!”.

-       “تقريبا!!”.

-       “52%؟!”.

-       “حديثه مرتب، ومرح.. مرح مع النساء!!”.

-       “أأنت غيورة؟!”.

ضحكت.. قال إن الغيرة دليل على حبنا لمن نغار عليه.. اتفقا على أن الغيرة لا ينبغي أن تصل إلى درجة تتحول عندها إلى أداة قاتلة للحب.. “الحب حرية والغيرة قيد؛ إذا انقلب الحب إلى قيد وتملك يستعبد المحبوب؛ يموت الحب”؛ قال لها..

أخبرها أنه اتصل مع مندوب الجامعة الأجنبية، وبحث معه إمكانية استئنافها للدراسة بهدف الحصول على درجة الدكتوراه. طلب منها أن تحدد وسيلة للقاء بينها وبين المندوب، سيشارك في اللقاء طبعا، وسيمنح له ذلك فرصة لرؤيتها: “تُرى؛ هل سأواصل تعلقي بها بعد أن أراها؟!”؛ سأل نفسه.. شعر بأن شعورا من الأسى يخالطها: “صدرك مملوء بالأحزان”؛ قال لها. تنهدت واعترفت بصحة ما شعر به من صوتها الذي كشف عن أنثى تعصف بها الرغبة في تكرار تجربة الزواج، ولكنها وجلة منه: “لا شيء يضمن لي أن اختياري سليم.. المستقبل وحده هو الذي سيحدد ذلك!!”. رد علبها: “أرجوك أن تتروي في خطواتك؛ أخشى أن يكون الطمع في ثروتك هو الدافع لتقدم الكثيرين لخطبتك.. كوني على حذر.. أتحدث إليك بلغة الصديق”.. تنهدت قبل أن تقول: “هذا لا يغيب عني؛ وهو يزعجني؛ أريد رجلا يختارني لذاتي، لا لثروتي ولا لوظيفتي!!”.

قبل بد المكالمة بدقائق قليلة، كان والد الحبيبة في زيارته. سأله: “هل قمت بزيارة ابنتك المقيمة في البلد القريب من هنا، كما يفعل الناس بمناسبة العيد؟”؛ أجاب الرجل بتلعثم: “نعم زرتها”.. هذا يعني له أنها غادرت بيت أبيها إلى بيت زوجها؛ وأنها لم تعد موجودة فوق سقفه.. قال الرجل له: “رجاء فرصة زواج جيدة لك فلا تضيعها؛ إنها موظفة وتمتلك بيتا وأرضا”. رد عليه: “هذه مسائل لا تعنيني، أنا أبحث عن مرأة أحبها لذاتها”؛ كاد أن يقول له: “أحببت ابنتك لذاتها”.. قام الرجل للصلاة في المسجد القريب، وقام هو إلى جهاز الكمبيوتر وانشغل بعالم الإنترنت..

كان قد اتصل برجاء ظهر النهار السابق على ليلة الجمعة، كان يرغب في أن يحدثها عن اتصاله المتعلق بها مع مندوب الجامعة.. لم تمنحه فرصة للحديث، وأنهت المكالمة بنبرة خال له أنها تحمل له رسالة تشير إلى أنها لا ترغب في استمرار التواصل الهاتفي بينهما.. وقال لنفسه: “قد تكون الآن مشغولة في زيارة معاينة البضاعة من جانب الرجل الذي قررت الزواج منه!!”.. في المحادثة الطويلة أكد لها أنه يرفض القيام بزيارة المعاينة للبضاعة: “ذلك يصطدم مع مبادئي.. أؤمن بالعلاقة الندّيـّة بين الرجل والمرأة؛ ليس من كرامة أي منهما أن يذهب الرجل ليعاين المرأة التي يفكر في الزواج منها، كما يعاين بضاعة في السوق، فإذا أعجبته دفع الثمن وطواها البائع له فحملها؛ وإذا لم تعجبه أدار ظهره ومضى يقلب بضاعة أخرى!!”.. صمتت.. قال: “هاتي نرفع التكلفة بيننا؛ خاطبيني باسمي مجردا من اللقب”.

-       “دع الأمر يأتي دون ترتيب.. كثير ممن تقدموا لي تحدثوا عن أنهم يحبونني!!”.

-  “أنا قلت ذلك بعد أن عرفت قرارك الذي لم يكن لصالحي والذي احترمته وكففت عنده عن متابعة مشوار زواجنا؛ وأعلم أن اعترافي بحبي لك لن يؤثر على قرارك بالارتباط برجل أنت اخترته زوجا؛ هذا حقك، وأنا مع حقك!! لماذا ترفضين أن تعطي لي رقم هاتفك المحمول؟”.

-  “لكي لا أكلفك ثمن الاتصال بي عن طريقه، فالاتصال به باهظ التكلفة كما تعرف؛ ولماذا لم تأخذه من الرجل الذي رشحني لزواجك منها؛ هل هو الذي أعطاك رقم هاتفي المنزلي؟”.

-   ”كلا؛ حصلت عليه من دليل الهاتف منذ أخبرني باسمك، لكنني امتنعت عن استخدامه قبل أن أعرفه منك ليكون هذا إذنا لي منك باستخدام رقمك الخاص”.

-       “أنت مهذب يا دكتور!!”.

-       “أنت أستاذتي!!”.

-       “لا يمكن لي أن أكون كذلك، هذا بحكم الفارق في السن على الأقل!!”.

-  “الفارق في السن لا ينبغي أن يكون عقبة في وجه تعلمنا أشياء جميلة ممن يصغروننا بعدد السنين، إذا كان لديهم ما ليس لدينا.. أنا تعلمت آخر وأعلى دروسي في الحكمة من أصغر أطفالي.. تعلمت منه أن البهجة البريئة هي عين الله وحريته الجميلة!!”.

-       “هل أطلتُ عليك في الحديث؟!”.

-       “أتمنى أن يستمر الحديث ولا ينتهي.. رأيتك في منامي بعد أول حديث بيننا!!”.

-       “كيف رأيتني؟!”.

-       “أعتقد أن صورتك في الحلم لم تكن دقيقة؛ لكن الرؤيا أوحت لي أن مشروع زواجي منك لن يتم!!”.

-       “لم تقل كيف رأيتني؟”.

كرر قوله إنه يعتقد أن الصورة التي رآها عليها لم تكن دقيقة.. لم يخبرها أنها كانت في حلمه ذات أنف أفطس، وأنه رآها تبتسم له وأنها كانت عارية الذراع وأن بعض كتفها من جانبها الأيمن كان عاريا أيضا، وأنها بدت له رشيقة الجسد ومتوسطة الطول.. قالت: “تقلقني أحلام مزعجة، ما زالت تداهمني منذ ماتت أمي؛ ما تفسيرك لذلك يا دكتور؟!”. ردّ عليها: “بوفاة أمك، ووفاة أبيك من قبل ذلك، وغياب الزوج من حياتك؛ فقدت الملاذ الآمن، فغدوت فريسة للخوف من حاضرك والقلق على مستقبلك.. لم يعد من حولك قلوب تحبك؛ أليس الحب هو ملاذنا الآمن؛ أنا رحلت إلى هنا بحثا عن ملاذ آمن في ذكريات الحب!!”. بعد أن انتهت المكالمة، سال نفسه: “هل حطت سفينتها في مرفأي؟!”.. نام وهي تملأ باله.. واستيقظ في صباح اليوم التالي ولا يزال مملوء البال بها.. كان آخر ما قال لها في المحادثة الأخيرة: “قلبي معك، تصبحين على خير!!”.

استيقظ من نومه صباح اليوم التالي بمزاج مرتاح. نصح رجاء في المكالمة الأخيرة أن تحاول تطبيق “وصاياه” التي أرسلها إليها بالفاكس في اليوم التالي من بدء الاتصالات الهاتفية بينهما، قالت له: “قم أنت بتطبيقها أولا!!”؛ قال لها: “ستكون مفيدة لك للخلاص من أحلامك المزعجة.. حاولي تطبيقها، لن تخسري شيئا من خوض التجربة!!”.. عبَّرت عن خشيتها من فشل تجربة الزواج التي قررت أن تقدم عليها: “طلاق مرة أخرى؟! شيء لن أحتمله!!”.. تدعو وصاياه للتفاؤل وللامتلاء ببهجة الحب.. استحسنتها عندما تلقت نسخة منها، علّقت: “لكن العمل بالمبادئ الجميلة أمر غير سهل!”.. تسكن رجاء في قلب الخطر، بجوار مستوطنة إسرائيلية في وسط قطاع غزة، يتخذ منها المقاومون هدفا لهجومهم المتكرر على قوات الاحتلال الإسرائيلي التي ترد عليهم بعنف مبالغ فيه كما تصفه بيانات الجمعيات الحقوقية..

-       “وصاياك كلام جميل لكنه لن يصد همجية العدوان الذي يتهدد حياتي كل لحظة”.

-   ”وصاياي أنارت قلبي فانهزم الظلام الذي زحف نحوي عندما حاصرني البغي.. النور يهزم العدوان.. هذه عقيدتي!!”.

-       “كثيرون أصيبوا بأمراض نفسية تسكن قلوبهم بسبب الخوف والقلق الذي ينشره عدوان المحتلين”.

-       “بهجة الحب خير دواء!!”.

-       “أنا أخاف من المجهول القادم مع زوج جديد!!”.

-       “الحياة مغامرة كبرى أو موت لا قيام منه!!”.

استمر الحديث بينهما ساعتين بينما عيون أبنائها ترقبها وهي تشع ببريق فيه دهشة مما تلحظ.. لم يألفوا منها مثل هذا الحديث الهامس وهي مندسة تحت غطاء فراشها خاصة وأنه يجري في قلب الليل الذي يعبث فيه القلق بالقلوب الصغيرة خوفا وتوجسا من اقتحام وشيك لحياتهم من رجل سيكون زوج الأم التي كانت لهم وحدهم من دون الناس.. تُرى، كيف سيكون هذا الوافد الجديد؟! تتساءل القلوب الغضة المترقبة للمجهول.. وتسأله رجاء في مكالمتها معه: “ماذا فعلت باللحم الذي جاءك به صاحب البيت يوم العيد؟”.

-  “غليته بالماء، ثم دلقت مرقته عنه، وجعلته قطعا صغيرة، وقلبتها بالبصل، وأكلتها دون أن تكون قد نضجت”.

-       “كيف دلقت المرقة، الفائدة في المرقة؟!”.

-  “لا أعتني بشؤوني الخاصة، أنا مهمل مع نفسي، لم أحلق ذقني يوم العيد ولا اليوم الذي تلاه، لم أخرج من البيت منذ ثلاثة أيام، أحيا في عزلة، أريد عائلة؛ لو نجح مشروع زواجي منك، لكنت قد انضممت إلى عائلة كاملة.. يلوح لي أنني سأستأنف رحلة الضياع في العالم الواسع من جديد!!”.

توقف بينه وبين نفسه عند اهتمامها بشؤونه الخاصة، ولكنه امتنع عن أن يخبرها أنه طلب من شقيقه في مصر ومن ابن شقيقه في اليمن أن يحاولا، كل على حدة، استخراج تأشيرة له تمكنه من الخروج من قطاع غزة.. المرير المضجر.. كما كتب ذات مرة..

مَرِيْرُنْ

أَنْتَ يا

وَطَنِيْ

وَيَأْكُلُني الضَجَرْ

وَحِقْدٌ يَتَقَيَّأُ شَوْكَنْ

وَسُرَّاقََنْ

غَزَةُ لا تَخْلَعْ

في مَسَاجِدِهَلْ

كَنادِرْ

غَزَّةُ  لا تَخْلَعْ

في

أَحْضَانِ نِسْوَتِهَلْ

خَناجِرْ

قَذَى غَلِيْظُنْ

عُيُوْنُ رِجَالِها

وَفِجَاجُلْ

هَوَى

حَرِيْمُ قُبُوْرٍ مُقْرِفَهْ

غَزَّةُ لا

تَمُوْتُ لأنَّ الْمَوْتَ يَعَافُ صَدِيْدَهَا

وَتَمُوْتُ لأنها

جَدَائِلُ كِذْبِنْ

تَرْضَعُ جَهْلَهَا

مَجَجْتُ مَغَالِيْقَ خَرْقِكِ يا

عَجْمَاءُ يا

بَلَدِيْ

وَحارِسَلْ

بَيْتِ الْعَتِيْقِ قَمِيْئُنْ

وَعَيْشِيْ

هَجِيْرٌ وَأَدْماني الضَجَرْ

فَرْحَمِيْنَا

يا

مَآذِنَلْحَجَرْ

وكتب يحلم بوطن من نور الحب..

وَطَنٌ مَفَاصِلُهُ حِقْدُنْ

خُبْزُهُ جَهْلٌ وأَقْلامُهُ أَوَامِرُ السُلْطانْ

تُجرْجِرُهُ بَسَاطيرُنْ

مِنْ قَفاهْ

قَهْرهُ قَحْبٌ “وَقاحَةُ نِسْوانٍ” تَطْبُخُ القُبْحَ ونارَُ كراهةٍ فاجِرَهْ

تحرقُ الماءَ فِلْ

أَرضِ… وَ… فِيْنا

سُمَيَّهْ / أُخَيَّةَ العِتْمَةِ “الجَامِعَهْ”

لا

تَوْبتَنْ

مِنْكِ أَطْلُبُها

إِليْكِ الحُبُّ أنْهَضَنِي

نُوْرَ الحُبِّ كُنْ

يا

وَطَنِي

****

تلّح عليه فكرة الخروج من الوطن الذي اكتشف انه ليس الوطن.. “هذا عطن!!”؛ يردد كثيرا.. ومنذ خمسة عشر عاما، لم يجتمع بأبنائه المقيمين في بلد لا يسمح له بدخوله إذا أراد.. في الزيارة الأخيرة لهم، جمعه لقاء واحد مع المرأة التي حملت صفة الزوجة الأولى له.. بعد تسعة أشهر ولد له ابن لم يره قط.. صدمته المرأة التي تحمل صفة الزوجة الأولى منذ البداية المبكرة لعلاقة الزواج بينهما.. كتب في أيام خطوبتهما  كتابا سمّاه “مناي”.. خط في عمله الأدبي المبكر أحلام شاب كان يخشى أن يمر به الزمن كما يمر بالعامة من الناس.. يشعر بتمايز بينه وبين الآخرين.. لا يطيق أن يحيا كما الناس من حوله.. كان في أول شبابه، عندما لمس رجل من ذويه أن عينيه تعكسان إرادة خاصة تتطلع إلى مكانة عالية.. علّق حينها أبوه الذي وجّه الرجل الكلام له عن ابنه: “من ينظر إلى أعلى تنكسر رقبته!!”.. كان يأمل أن يصنع من الفتاة التي اختارها زوجة له، نموذجا إنسانيا يحلم به.. لم يكن يخفى عليه أن مستواها العلمي متدن، لكنه لم يتبين أن مستواها العلمي أشد تدنيا مما كان يعتقد؛ وأن قابليتها للتطور العقلي غير متوفرة بما يسمح لحلمه بالتحقق فيها.. لم تسمح له عادات أهلها بالاختلاط بها أيام الخطوبة بما يوفر له فرصة للتعرف المباشر الدقيق بها.. كان يعيش حلما لا أرجل له.. ظل طوال حياته يحلم!! وعندما بدأت علاقة الزواج بينهما، اكتشف أنها لا تستطيع التفرقة بين التاء والباء!! كانت علاقته بأهلها حميمة جدا، وكان يقضي إجازاته الجامعية في ضيافتهم، فلم يكن بمقدوره أن يغادر بلدها إلى قطاع غزة الذي تقيم أسرته فيه بسبب الاحتلال الإسرائيلي له.. أحبها!! جاوز صدمته الأولى بها.. شرع في تعليمها.. كان عليه أن يبدأ من الصفر.. طوال حياته ظل يراوح في الدائرة الصفرية.. سأل نفسه من جديد: تُرى؛ هل أبدعت هذه المراوحة نظريته “الصفرية” التي ترى الكائنات أصفارا صغيرة يخلقها الصفر الكبير باستمرار؟!! بعد أسبوع واحد فقط من زواجهما، سقطت ضحية خلل نفسي عصف بها وبه أيضا.. قرر أهلها أن يعالجوها بالزار.. زوجته تفعل هذه الشعوذة؟! هذه فاجعة له.. كان متدينا بعمق، والزار فعلة شنعاء كما يراها لا تليق بزوجة رجل متدين متنور.. هكذا ارتكب أهلها خطيئة جديدة ضده.. لم يسمحوا له بالتعرف على حقيقتها الداخلية.. ساقوها إلى الشعوذة.. فعلوا ذلك تحت سوط الجهل المظلم الذي نذر نفسه للجهاد ضده.. كان يحلم بزوجة تناضل معه في معركة واسعة ضد سقوط الإنسان في جهله؛ فإذا به أمام زوجة تذبحه بتخلف عقليتها.. يعترف أنها فاضلة وذات أخلاق كريمة كما أهلها أيضا فاضلون وكريمو الخلق.. لكن فضيلة انفتاح العقل غائبة من حياتها.. كان يعتقد أنها تمتلك أساسا صالحا من نبل الأخلاق سيبني عليه تطوير أفقها العقلي فيحظى برفيقة عمر تمتلك فضيلة القلب وفضيلة العقل معا.. لكن، ليس كل ما يتمنى الفتى يدركه.. إنها لا تمتلك إرادة التطوير العقلي.. واجهته حقيقة أنه لا يكفي أن يمتلك الأستاذ إرادة تعليم تلامذته؛ لا بد أيضا أن يمتلك التلاميذ إرادة التعلم أيضا، وأن يحققوا هذه الإرادة عمليا.. تعرضت حياتهما المشتركة لعواصف متكررة هددت استمرارها أكثر من مرة، ومنحها الفرصة بعد الفرصة.. عاد معها من ليبيا إلى بلدها وأقاما في بيت أهلها.. بارعة هي في أعمال البيت من طبخ وكنس وغسل.. لكنه يريدها لعقله.. طلب منها أن تختار طريقها: هل تريد أن تواصل مهمتها في خدمة أهلها بالطبخ والكنس والغسل فتظل نموذجا أمينا يحاكي نموذج أمها طيبة القلب مغلقة العقل أم تريد أن تختار طريق التعلم الذي يريدها أن تسلكه لينقذ تجربته معها من فشل بات مؤكدا؟! قالت أنها ستفعل ما يتمناه منها.. بعد يوم من شقائها المنزلي، تمددت إلى جواره على الفراش، وأمسكت بيدها كتابا مفتوحا فلم تمر غير لحظة واحدة حتى ارتخت ذراعاها وكفاها فسقط الكتاب من يديها على وجهها وغطّت في نوم عميق فتأكد له أنها تغطّ في جعل مظلم لن تبرحه أبدا.. فتبدد أمله.. لم يكن قد تزوجها بغرض الزواج ولكنه اقترن بها ليبدع منها حلما يراوده هو الذي ترتهن حياته بأحلام الإبداع لعالم جديد يفوق العالم الكائن.. لكن جهلها وغياب إرادتها خذلاه!!

****

ثم عاد يحلم مرة أخرى….

تحت ضغوط المعاناة من رفقة امرأة أمية، ارتبط بزوجة ثانية متعلمة وعلى مستوى ثقافي يرضيه. لم يجد في الزوجة الأولى النصف الآخر الذي يحتاجه؛ فبحث عنه في امرأة جديدة ظنّ أنها مؤهلة لأن تمنحه له.. “إذا لم يكن نصفي الآخر في هذه المرأة؛ ففيمن سيكون؟!”؛ قال لنفسه.. لكنه لم يكن واثقا أن اختياره الجديد مأمون، كان يعرف منذ البدء أنه ينطوي على مغامرة قد تدفع به إلى فشل جديد.. كانت مشكلة الزوجة الأولى في تخلفها الثقافي، المشكلة في الثانية ليست ثقافية؛ تمنى لو أنه يدمج الاثنتين معا في كيان واحد فتعوض الأولى ما لم يتوفر في الثانية، وبدورها تمنحه الثانية ما لم يجده في الأولى.. الزوجة الجديدة رفضت فكرة المشاركة بينها وبين الزوجة لأولى، وقالت أنها قبلت بالارتباط به على اعتبار أن الأخرى غير موجودة واقعيا في حياته مطلقا.. وجنّ جنونها عندما علمت أن الأولى حملت منه خلال لقائه بها لدى سفره الأخير إلى بلد الأولى.. معرفته المسبقة بنقاط الضعف في تجربتيه الزواجيتين لم تمنعه من المغامرة: مواليد برج الأسد يغامرون!! الحالمون أيضا مغامرون!! للمرة الثانية كان الزواج لديه مشروعا ولم يكن خياره للمرأة الزوجة خيارا لذاتها؛ كان يختارها لتكون مشروعا ثقافيا له.. “هذا الزواج مشروع ثقافي”؛ قال لأصدقائه عن زواجه الجديد.. ظلّ ما يقارب العام قريبا من المرأة التي اختارها من جديد قبل أن يرتبطا بالزواج الرسمي.. كانت علاقتهما جميلة، ولم يطق فراقها عندما غادرت المدينة التي كانت تجمعهما.. بكى بحرقة لدى مغادرتها، كما يبكي طفل فقد أمّه.. انجذبت إليه لدى سماعها له للمرة الأولى وهو يتحدث في ندوة ثقافية؛ بدأ تعارفهما بعد نهاية الندوة، طلب منها زيارته في مكتب عمله.. لبّت الدعوة.. طلب منها أن تساعده في بحثه عن زوجة؛ في زيارة تالية، صحبت معها إحدى صديقاتها.. جميلة وذات عينين زرقاوين.. طلب من الأخيرة أن تصنع لهم قهوة، أظهرت ارتباكا وهي تحمل الصينية وفوقها ثلاثة فناجين.. صرفه ارتباكها عنها؛ ولدى مصاحبته لهما في سيارة حملتهم إلى بيت إقامتهما قال للمرأة التي تزوجها من بعد: “أنت روح الوجود!”؛ التقطت الرسالة.. قال لنفسه: “ما أهمية جسد يجذبه؛ لكنه يخلو من الروح؟!”.. سافرت إلى أهلها.. استخرجت له تأشيرة دخول للبلد الذي تقيم فيه؛ غادر إلى البلد الذي تقيم فيه الزوجة الأولى، قضى فيها أياما قليلة، ثم عاد إلى البلد الذي كان يقيم فيه، وبعد يوم واحد غادرها إلى البلد الذي يقيم فيه أهل المرأة التي صارت له فيما بعد زوجة جديدة.. كانت مع أمها وأبيها في انتظاره.. استضافوه في منزلهم.. سأله والدها: “لماذا ذهبت لزيارة زوجتك قبل مجيئك إلى هنا؟”؛ أجاب: “أردت أن أتأكد أن استمرار زواجنا لم يعد ممكنا؛ قبل أن أبدأ مشوار زواجي من ابنتك!!”.. حظي بحفاوة أهلها الذين استقبلوه بقلب مفتوح.. وبعد أيام قليلة، كان يجلس قبالة والدها وبينهما المأذون، ومن حولهم شاهدان.. طلب المأذون منه أن يدفع لوالد عروسه مهرا لها.. قال لوالد عروسه: “عمي الحاج، هات مهر ابنتك”.. منذ وصل لبيت أهل الزوجة الجديدة، أودع ما يملك من مال لدى حماته الجديدة.. لم يكن ذهابه لبلد الزوجة الثانية يهدف إلى إتمام الزواج منها، كان بقصد التعرف المباشر على أهلها.. لكن الحاج رأى أن من الأفضل أن يتم عقد القران والزواج: “ستكونان في بلد واحدة بعد عودتكما للبلد الذي تقيم فيه، وتعمل ابنتي فيه أيضا، حتما ستلتقيان معا؛ فليكن لقاؤكما مشروعا إذن”؛ قال له والدها المتدين.. بعد عقد القران مباشرة، حسرت أم العروس عن وجهها الغطاء الأسود الذي ظلت تستتر به منذ دخول الرجل الوافد لبيتها.. “الآن فقط أستطيع أن أجلس أمامك ووجهي حاسرا”؛ قالت له.. لم يكن يمتلك كثيرا من المال: “ما معي من المال زهيد يا عمي الحاج؛ هذا لا يفي بمتطلبات الزواج!”؛ قال.. ردّ عليه الحاج: “ومعها شيء من المال.. اجمعاه وتدبرا الأمر بما تملكان معا”…. أخذا يُعِّدان هو وهي ليوم الزواج.. كانا يخرجان للسوق بغرض شراء ما يحتاجانه لمراسم الزواج، لكنهما كانا يعودان بالكتب في أيديهما.. بعد انتهاء مراسم عقد الزواج خرجا على الفور لإنجاز مقابلتين صحفيتين كانت العروس قد رتبت له أمرهما.. كان يعمل في مهنة الصحافة.. ومغادرته  للبلد الذي كان يقيم فيه للبلد الذي يقيم فيه أ÷ل زوجته الجديدة، هددت استمرار عمله وانتهى الأمر بفصله من وظيفته .. كان يعرف ذلك ولكنه قال لنفسه: “إذا ضاعت مني الوظيفة سأجد غيرها.. لكني لن أجل بديلا عن هذه المرأة إذا تخلفتُ عن الوفاء باتفاقنا على السفر إليها في بلدها!”.. كانت قبل سفرها إلى أهلها قد أخبرته أنه إذا لم يأت إلى أهلها فسوف تقطع علاقتها به ولن تعود مرة أخرى للبلد الذي تعمل فيها والتي جمعتهما.. بعد عقد قرانهما، قضى معها أجمل خمسة عشر يوما في حياته.. كان العناق الليلي المحموم  بينهما يحملهما من الوعي إلى سديمية الوجود الأولى.. دق الهاتف في بيت أنسبائه الجدد.. كان ناشر على الطرف الآخر: تمت الموافقة على نشر كتابه الأول.. بكى ببهجة ممزوجة بالحزن الشفاف.. لماذا اختفت مخطوطة “مناي” التي رسم فيها صورة أحلامه المنسوجة حول اختياره الأول ؛ سأل نفسه، لم يجد مخطوطته الضائعة من بعد أبدا.. شعر أن نشر كتاب له للمرة الأولى مع بدء علاقته بالزوجة الجديدة التي لعبت دورا في الموضوع يعني أن مشروعه الزواجي الثقافي الجديد مفعم بالأمل ودليل على النجاح..

ودعاهما أهلها بحفلة صغيرة أهدته خلالها لوحة فنية وطنية رومانسية، وأهداها مصحفا صغيرا.. قضيا ليلتهما الأولى في فندق في المدينة التي باتا فيها ليلة بعد انتقالهما إليها في طريقهما للبلد الذي يقيم فيه.. وهما يتأهبان في صباح اليوم التالي لمغادرة الفندق إلى المطار متجهين إلى غايتهما، طلبت منه أن يحمل في يده سلة مملوءة بثمار التين الشوكي محمولة إلى قريب لها.. صدمه الطلب، صاح بانفعال احتجاجي: “أحمل صبر من هان لهناك؟!”. “شو فيها؟!”؛ ردت باستغراب.. الأكل شأن لا يشغل باله: “هذه ضربة أولى للحلم!!” قال محبطا لنفسه.. اختارها لأنها مؤهلة تأهيلا ثقافيا يرضيه؛ خطأ جديد بدأ يتجسد أمامه.. ظل رجلا يعيش في أحلامه، لا في الواقع من حوله: “أحتاج لرجاء لأنها واقعية”؛ قال لنفسه وهو يفكر في أمر الأخيرة، وأضاف: “كل النساء واقعيات، والزوجة الثانية واقعية أيضا!!”؛ ظلت في السنوات الثلاث الأولى من زواجه في حمل من بعده حمل.. لم يكن مشروع زواجه منها مشروع حمل متواصل.. كان يقبل على مضض، فكرة إنجاب طفل واحد منها فقط.. قالت إنها حاولت بكل السبل أن تمنع تكرار الحمل بعد أول ولادة.. يحب أبناءه بعمق؛ فإذا هم قد جاؤوا، فليس لهم في قلبه غير الحب.. ويجب أطفال المعمورة كلهم.. سأله صحفي ذات مرة: “كم لك من الأبناء؟”؛ أجاب: “كل أطفال المعمورة أبنائي!!”.. لكن الضياع هوّة غائرة وفاغرة الفم تجذبه إليها!.. هذي زوجة أخرى لكنها لا تسعه.. الكون كله لا يسع ضائعا شاردا وراء أحلام تسبح في الهواء.. تضخمت في إحساسه نقطة الضعف التي فيها والتي كان يخشى عواقبها على مشروع زواجه الثاني.. تحبه بكل جوارحها؛ وهو نافر من فراش مزروع بالشوك يعذبه بصمت وفيه يشعر أن امرأة تغتصبه.. كانت مشاعره تجاهها تختلف تماما عندما يعودان للبيت من ندوة ثقافية تشارك فيها بفاعلية؛ كان حبه لها يتجدد ويغمرها بشوق عميق.. لكن الحياة لا تنحصر في سويعات محدودات ترقص فيها الروح فيرقص في جذل على أنغامها!! ودودة تعامله كما لو كان أحد أبنائها؛ لكنه يشعر أنها تطلب رأسه؛ وما لم تستوعبه، هي أن المغامرين لا يسلمون رؤوسهم للشباك!! اقترح عليها بعد رحيله إلى غزة أن تلحق به ومعها أبناؤهما للإقامة قريبا منه؛ لكن.. في بيت منفصل عنه.. رفضت العرض؛ تريده في قفصها.. قال لرجاء في المكالمة الطويلة بينها وبينه: “لو نجح مشروع زواجي منك، فإنني كنت سأحتفظ بالبيت الذي أقيم فيه، وتواصلي أنت الإقامة في بيتك الذي تمتلكيه!!”.. ربما فهمت رجاء أن قوله ينبع من تشبثه بالبيت الذي شهد ذكرياته مع “الحبيبة”.. لهذا شأن عنده؛ لكن السبب الرئيسي يعود إلى أنه يريد التشبث باستقلاليته.. عندما عرضت عليه زوجته الثانية أن بغادر غزة إلى بلدها الذي تقيم فيه مع أبنائهما، اشترط أن يقيم وحده في شقة تمتلكها غير الفيلا التي تقيم فيها مع الأبناء.. رفضت الشرط.. في الواقع، هو يدرك تماما إن استقلاليته في بيت غير البيت الذي تقيم فيه الزوجة مع الأبناء، لن تكون استقلالية فعلية.. لن يدعه الأبناء وحده؛ لكنه يتشبث بمبدأ الحرية ويرفض مبدأ التملك الذي يرى أنه يساوي فقدان الحرية.. وفي عقيدته: “من حق الإنسان أن يمتلك لحظته فقط؛ ما زاد من التملك عن اللحظة، ينقلب إلى عدوانية تنتهك حق الآخرين في الحرية!!”..

****

هل كانت رجاء ستوافق على مبدئه؟! يشك في ذلك!! ولا تزال رجاء تشغله رغم أنه اعتقد لوقت أن دورها انتهى من حياته، وبسرعة!!

يحب في أيام الجمعة أن يقضي الوقت في غرفة نومه التي لا تزيد مكوناتها عن ثلاث مراتب إسفنجية فردانية تستلقي على حصيرة حملتها زوجته إليه عند أول زيارة له في غزة قبل ثماني سنوات.. تتمدد المرتبة التي يرقد عليها في وسط الحجرة فيما تحاذي المرتبتان الأخريتان جدارين متعامدين وفي زاويتهما القائمة يحتفظ بوسادة ولحافين أحدهما صغير المقاس كانت تعود لأمه، وكان يلتحف بهما في الشتاء ومعهما بطانية قديمة وهبتها له امرأة جمعته بها علاقة أبوية روحية.. تطويه الغرفة في بؤس رجل يفتقد امرأة: “تُرى؛ هل تمتلك رجاء جسدا مؤهلا لجذبه إليها؟!”.. كان يسأل نفسه، وهو يثق أنها لن تكون له: “تساءل: “فلماذا إذن أشغل نفسي بها؟!”.. اليوم هو رابع أيام العيد؛ لم تتصل به الزوجة كما تعودت أن تفعل في أيام العيد.. يرتدي بيجامة ملونة بالخطوط البيضاء والسماوية.. يعشق اللون السماوي.. كانت زوجته قد حملت له هذه البيجامة قبل عدة سنوات؛ تساءل: “لماذا لم تتصل بي لتهنئتي بالعيد؟! هل حدست أني القي مجدافي في بحر رجاء؟!”.. قال يحدث نفسه: “لدى النساء قوة حدس أكبر مما يمتلك الرجال.. كانت قوة الحدس أو ما يعرف بالحاسة السادسة أداة دفاعية يستخدمها الناس في عصورهم السحيقة لتوقع الأخطار من حولهم.. لا تزال النساء تتوقع خطر هروب الزوج من قفصها في أية لحظة، فتفقد الحضن الآمن!!”.. حاول مرارا أن يجعل العلاقة بينه وبين زوجته علاقة صداقة لا علاقة تملك؛ لكن شعار النساء الذي لا يتخلين عنه ـ في رأيه ـ هو: “أنتَ لي أو الموت لك يا زوجي.. يا صيدي!!”.. رجاء عكست تشبثها بهذا الشعار: “قد تعود إلى زوجتك وإلى أسرتك في أية لحظة وتتركني!!”.. “أريد امرأة تربطني بالوطن!!”؛ قال لها.. وكان قد ذكر لها أنه كان يفكر في الزواج من امرأة أمريكية بلغه أنها تعيش في البلد الذي يقيم فيه، لكنه عندما شرع في البحث عنها اكتشف أنها غادرت لبلد آخر.. كان يحلم بامرأة تطير به وراء الحدود التي لا يستطيع تجاوزها: “ضاعت مني فرصة الزواج من الأمريكية التي كانت ستمنحني أجنحة للانطلاق في الأرض وضاعت مني فرصة الارتباط بك التي كانت ستزرعني في قلب الوطن!! أما وطن بلا امرأة، فهو وطن بلا قلب!!”؛ قال لرجاء في المكالمة الطويلة بينهما..

يحلم بجسد أنثوي تحل روحه فيه؛ فيغدو معبدا يتبتل فيه لله روح الوجود فينطلق بالروح ويصدح منفلتا.. جسد امرأة يهواها القلب، محراب صلاة.. هكذا يتخيل.. العلاقة الجنسية في مفهومه صلاة في محراب جسد يعشقه.. جسد بفجر فيه حرية الروح!! الروح – يعتقد – هي حريتنا الجسدية.. يقلقه سؤال: “هل تمتلك رجاء جسدا يملك القدرة على إطلاق روحه المغلولة في سجن الحرمان من مرأة يهواها قلبه؟!”.. يسأل أيضا: “وما الدنيا؟!”.. يجيب مرددا مقولة لشاعر النساء نزار قباني: “ما الدنيا غير امرأة يهواها القلب!!”.. ويسأل: “هل رجاء هي المرأة التي يهواها القلب؟!”.. وقع في هواها بالسماع؛ الأسئلة تلد الأسئلة: “فهل يبقى على هواها إذا رآها؟! هل هي المرأة التي سيصلي معها في محرابها الجسدي فيتوحد بها وينطلق منها في الحرية اللامتناهية؟!”.. لا يزال يحلم في امرأة تستعيده من غيابه الطويل في ضياع يشقيه ويبدده؛ وبها يحوز بهجة الحب التي يقول أنا نبيها!!

ما الحياة؟ بهجة حب؛ هكذا يعتقد: ولكن هنا، في هذا الشيء مما يدعى وطنا ـ يقول ـ الحياة منذورة للموت.. “الحياة هنا ظلام همجي وعداون جاثم فوق صدري.. الناس هنا مصنوعون من حقد وجهل يغلقان القلوب والعقول معا دون النور الذي أنادي به وطنا.. هنا رجال تقمع الأنوثة ونساء تخصي الذكورة”.. هذا الذي “يدعى وطنا” يخنقه؛ ويشعر أنه فيه مسجون وضيق النفس.. لا امرأة في حياته تظلله من شمس صحراء حارقة؛ يسأل: “هل تكون رجاء هي الظل لي والماء؟!”.. رجاء سحابة مرت بقلبه المحزون فأحبها دون أن يعرف كيف صورتها!! قلوب الحزانى تتعلق بالخيالات.. تساءل: “هل الحب خيال يملأ ما في نفوسنا من حاجة للامتلاء بالأمن الذي نفقده لحظة انفصالنا عن أمنا عند الولادة؟!”.. رجاء تحلم بالأمن لا برجل تعصف الريح به من كل صوب وتذروه! وهو في أعماقه الملتاعة يصرخ: “أربد امرأة تمنحني البهجة!!”.. هل في غزة نساء يمنحن البهجة؟! كيف يمنحنها إن لم يعرفنها؟! الحياة مجدبة.. هل تزرع رجاء الورد على ضفتي نهره الراكد؟! رجاء تستسلم للموروث و”الإمام الأبيض” ثورة على الاستسلام للموروث؛ فكيف يلتقيان؟! قالت هي بالفم المليان ويقول هو بصوت مكتوم: “كلا؛ لن نلتقي”؛ وقال: “تُرى، ماذا تخفي يا قدري في طيِّ امرأة قفزت في خيالي؛ فزلزلتني؟!”..

****

اليوم الجمعة. أغلق أبوابه كما تعّود أن يفعل في مثل هذا اليوم، واستغرق في وحدته.. رجاء تشغل باله. ارتفع صوت مؤذن صلاة الجمعة؛ شعر بالبرد فقام يرتدي مزيدا من الملابس وخطر له أن يذهب للصلاة في المسجد القريب منه.. خطيب الجمعة يتحدث في الموضوع الأخلاقي، وهو موضوع أثير لديه.. حثته رجاء في مكالماتها الهاتفية معه أن يخرج من العزلة التي تحاصره.. الصلاة في تقديره، شعيرة اجتماعية روحية، ورياضة بدنية تفيد مفاصل ركبتيه وقدميه التي تعاني من آلام تتفاقم لقلة حركته البدنية.. في الليلة الفائتة اقترحت رجاء عليه أن يعالج المرضى الذين يترددون عليه بالقرآن الكريم:

-       “سيتردد عليك زبائن كثيرون لو عالجت بالقرآن الكريم”.

-       “أستعين بالعلاج القرآني في بعض الحالات”.

استثاره الخطيب عندما روى أن أعرابيا قال معلقا على قسم اقسم الله به في القرآن: “ما الذي أغضب الله فجعله يقسم..”؛ قال في نفسه: “الله لا ينفعل كما ينفعل العربي، فيغضب فيقسم!!”.. وبين خطبتيِّ الصلاة دعا: “اللهم أنر قلبي ببهجة الحب واغنني بك!!”..

بعد أن عاد من الصلاة، صاح هاتفه الجوال.. كان يجهز طعاما في المطبخ، أسرع للإجابة على النداء الهاتفي، ظنّ أنه قادم من زوجته..

-       “مرحبا يا دكتور؛ أنا بحاجة للعلاج من حالة اكتئاب نفسي تصيبني، متى يمكنني المجيء إليك؟”.

-       “في أي وقت شاء.. أهلا بك!!”.

عاد يستكمل تجهيز طعامه.. صنع طبقا من السلطة الغزاوية: هرس البصل بالمدقة ثم أضاف قرنا من الفلفل بعد تقطيعه وهرسه مع البصل ثم أضاف عين جرادة ودقها في الطبق ذاته ثم أضاف حبة صغيرة من البندورة (الطماطم) وهرس الخلطة جيدا.. ثم أضاف إليها زيت الزيتون.. كان يردد وهو يجلس إلى مائدة الطعام مع زوجته الثانية: “أرغب في الزواج من مرأة غزاوية لتصنع لي السلطة الغزاوية!!”.. زوجته تجيد إعداد الطعام ولكنها لا تعرف كيف تصنع السلطة التي يحبها والتي كشفت له تجاربه فيما بعد، عندما بدأ الاهتمام بموضوع الطب البديل ومنه طب الأعشاب، أنها مفيدة في تخفيض ضغط الدم العالي الذي بدأ مؤخرا يعاني منه، ومفيدة أيضا لمقاومة أمراض البرد.. وأخذ يصفها لكل من تصيبه أمراض البرد. تساءل: “هل تجيد رجاء صناعة السلطة الغزاوية الحراقة؟!”؛ كانت قد قالت له أنها ماهرة في صناعة الطبخ. عندما اختار زوجته الجديدة لسبب تميزها الثقافي، لم يكن الطعام من بين اهتماماته؛ كان معنيا بزواج ثقافي.. الأمر يبدو الآن مختلفا: “أرغب في زوجة تهتم بمسائل الحياة العادية؛ ما أهمية أن تكون الزوجة مرأة يشير لها الآخرون بالبنان؟!”.. تشده المرأة المتميزة؛ لكنه جرَّب الزواج من مرأة متميزة بالثقافة.. اكتشف أن المرأة التي يريدها هي المرأة التي يختارها لذاتها الأنثوية.. “الحبيبة” مرأة أحبها لذاتها الأنثوية، لروحها التي أسرته بطلعتها الأولي في حياته التي تجلت بذاتها ودون تمايز موضوعي.. أحبها بدون معرفة الأسباب.. بات الآن، تحت تأثير رجاء عليه، يفضل مرأة وسطية وواقعية.. رجاء وسطية وواقعية وعاطفية أيضا؛ لقد حلَّقت معه في الخيال خلال مكالمتها الطويلة معه: “إنها ممتازة.. ممتازة.. ممتازة جدا!!”؛ قال لصديق له وهو يتحدث عنها.. أضاف: “لكن حظي عاثر!!”..

****

وقال لنفسه في لحظة ومض فيها وعيه…

“رجاء والحبيبة والزوجتان وكل نسائي، أوهامُ ظمأ.. وسرابٌ جائع!”

****

عندما صحا من نومه، في يوم جديد، لم يسارع إلى فتح  نافذة غرفة عمله التي تقع مباشرة تحت غرفة “الحبيبة” قبل زواجها.. النافذة التي تطل على التينة. رجاء تملأ خياله؛ والتينة أوراق خريف متيبسة وتتساقط؛ وليس للماضي وجود تام.. الوجود التام هو الوجود الحاضر؛ كما تقول فلسفته.. “الحبيبة” ذكريات ماضٍ يتراجع أمام عاطفة نشطة ألهبتها رجاء!! سألته في المكالمة القصيرة التي بادر إليها بعد انتهاء نهار اليوم الرابع للعيد:

-       “كيف قضيتَ نهارك؟”.

-  “ظللت مشغول البال بك منذ انتهت مكالمة الأمس وحتى هذه اللحظة.. كتبت كثيرا؛ هل لديك أخبار جديدة؟”.

تنهدت بعمق.. وصمتت!!

-       “لا تؤلميني!!”.

-       “لم يتصل لتهنئتي بالعيد!!”.

تنهدت مرة ثانية، ثم قالت:

-       “أنا عاثرة الحظ!!”.

-  “أرجو لك مستقبلا أجمل مما مضى.. إذا قضينا شطر حياتنا الأول مع حظ عاثر، ثم تبدل الحال بحظ حسن، فهذا أفضل من بداية نحبها، ونهاية نكرهها!!”.

تنهدت للمرة الثالثة، ثم قالت:

-       ” أخشى أن لا يحالفني الحظ في الزواج القادم!! ماذا تغذيت هذا اليوم؟”.

-       “سلطة غزاوية، وبعضا من اللحمة التي جاءتني يوم العيد!”.

-       “أعددنا اليوم طعاما لذيذا.. أنا ماهرة في كل شيء!!”.

لاحظ من حديثها أن لديها ضيوفا..أنهى المكالمة بقوله: “قلبي معك.. تصبحين على خير!!”.

الحَّت عليه فكرة الاتصال بالزوجة.. لا زالت العلاقة الرسمية بينهما قائمة؛ لم ينفصل عنها كما انفصل عن الزوجة الأولى منذ سنوات عديدة.. إنها صديقة.. هذا ما يشعر به، وهذا ما حاول مرارا أن يقنعها به.. لم تقبل؛ ولكنه لا يملك مشاعر لها غير مشاعر الصداقة.. تفهم هي أن الجانب الجنسي من علاقتهما تخلق مشكلة لديه.. أما بالنسبة لها، فهي تمارس العلاقة بامتلاء يرقى بها إلى أعلى ما يرقى إليه المتصوفة من حالة الوجد التي يفقدون فيها وعيهم.. إنها تراهن على الزمن: “عندما تتقدم في العمر، لن يعود للجانب الجنسي أهمية؛ بذلك، يزول هذا المنغص من حياتنا!!”؛ قالت له مرات عديدة.. ولكنه معها، فقد إيمانه بالزواج..

-       “الزواج قيد على الحرية!!”.

-       “بل لأنك فلسطيني ومسلوب الحرية، فأنت تعاني من عقدة فقدان الحرية!!”.

-       “هل غاب عنك أنني لست الفلسطيني الوحيد في هذا العالم؟!”.

كان يحاول إقناعها بأن علاقته الزوجية بها لا تستند إلى أرضية مشروعة:

-  “أنا لست متدينا وأنت تعلمين أنه لا يجوز لك الاستمرار معي في علاقة زوجية.. الإسلام يحرم بقاءنا زوجين!!”.

-       “أنت في حالة شك؛ ولست مرتدا!!”.

كان موقفها يغيظه.. هي تتمسك به وهو يبحث عن طريقة للهروب منها.. لكنها؛ وبعد صبر طال، بلغ اليأس منها مبلغا قررت عنده أن تقطع العلاقة بينهما.. لكن؛ دون أن يتم ذلك رسميا:

-       “أرجوك.. دعنا نحتفظ بعلاقة زوجية شكلية بيننا!!”.

-       “احترم رغبتك؛ وتحت مظلة هذه العلاقة، نستطيع أن نكون صديقين.. أنت صديقة ممتازة!!”..

لم يعد يُطقْ العلاقة الزوجية معها.. اشتدت عليه وطأة مشاعره نحوها كزوجة.. أخذ يتفادى النظر إليها.. وذات ليلة.. بينما كان ينام إلى جوارها .. والليل يلف الدنيا بصمت لا يعكره غير مشاعر سوداء تعتمل في صدره.. عادت به إلى بداية معرفته بها.. وفجأة.. قال بصوت مغيظ: “هل كنت مجنونا؟!”.. تململت وهي تلتصق به.. لكنها لاذت بالصمت..

تحدث إليها ليهنئها بالعيد.. ردت بلحن عليل، أخذ يستعيد عافيته بعد قليل.. سألَتْه:

-       “هل ما زلت تحاول فعل شيء في اتجاه الخروج من قطاع غزة ؟!”.

-       “لا أُفُقَ أمامي!!”.

-       “هل عدت للإقامة في مدينة غزة؟”.

-  “كلا؛ لكنني انتقلت إلى بيت جديد في البلد ذاته الذي أقيم فيه.. وأشعر فيه براحة نفسية، لم أشعر بها في أي بيت من قبل!!”.

****

انتهت المكالمة القصيرة مع الزوجة التي تقيم في بلدة نائية عن بلدها.. المكلومة بالبعد عن صغارها الذين يعيشون بعيدا بعيدا، بلا أب ولا أم.. المكلومة أيضا من زوج تفترسه الخيبات.. شعر أن ليلته التي تختتم أيام العيد الأربعة هي ليلة تتراكم فيها طبقات الحزن.. الزوجة مريضة في غربتها وجروح روحها؛ “قلبي بيت للحزانى”.. يردد كثيرا.. يتعاطف مع النساء منذ بواكيره الأولى.. قال لحشد نسائي كان في انتظاره لدى زيارة قام بها لمركز يُعنى بشؤون المرأة، قصدَه ليقدم مساعدته لهم في التغلب على مشكلاتهن النفسية: “تعاطفي معكن يعود إلى قوة عاطفتي نحو أمي!!”.. وفي ساعة عميقة من ليلته، انتصب في فناء منزله الساجد تحت الشرفة التي أطلت منها “الحبيبة” قبل أيام.. رفع رأسه إلى السماء فانطلق يسبح مع غيوم بيضاء تكتسي بنور القمر.. راوده الحنين إلى احتضان التينة.. تسلق خياله جذع التينة.. تينة الحبيبة.. إلى فروعها المترامية في هواء الشرفة.. شرفة الحبيبة.. عادت الحبيبة إلى طفلها.. “أنا سعيد برجوعها إليه”؛ قال لنفسه.. أضاف: “لكنني حزين لتعاستها التي تحياها مع زوجٍ بقرة.. تذكّر أمَّه التي عاشت في الحزن وماتت به.. ولج البيت وهو يحمل أربعة أحزان نسائية إلى فراشه البارد.. حزنه على الحبيبة وعلى أمِّه وعلى الزوجة.. وحزنه على رجاء التي تألَّم معها لشعورها بأن خيبتها لن تبرحها!!

استدعت أحزانه حزنه على ابنته الكبرى أيضا.. تقدمت في العمر دون أن تتزوج.. لم تتلقَ تعليما جامعيا.. رفضت أن تلحق به في مكان إقامته قبل أن يعود على غزة.. كان يخطط لإلحاقها بدراسة جامعية؛ حصل على مقعد جامعي، أهداه له صديق مسئول في فصيل سياسي فلسطيني، من حصة حصل الفصيل عليها من الحكومة التي كان يقيم في بلدها.. رفضت البنت الالتحاق به.. حشت أمها المطلقة منه، ومعها المحيطين بهما رأس الفتاة بفكرة سوداء محتواها أنها ستضطر للعمل خادمة لامرأة أبيها إذا سافرت للالتحاق بأبيها.. “الغباء والجهل وراثي!!”؛ قال بألم يفترسه!! في الحقيقة؛ فإن زوجة أبيها تحنو على أبنائه من ضرتها أكبر مما يُظهر هو من الحنو عليهم.. أضاعت البنت فرصة تعلمها.. رحل إلى غزة، وفي نيته أن يستدعيها للإقامة معه في غزة، ليفتح أمامها من جديد فرصة الدراسة الجامعية وفرصة الزواج التي رفضت عروضا به عليها.. تؤرقه مشكلتها ويخشى عليها من المستقبل إذا لم تتسلح بالعلم أو بالزواج.. رفضت البنت مرة أخرى؛ قالت: “لن أترك أمي!!”.. ماذا يفعل لها؟ طلبت منه أن يوفر لها فرصة للدراسة في الجامعة في البلد الذي تقيم فيه مع أمها.. لكنه يعرف أن مستواها العلمي الراهن متدن لدرجة لا تساعدها على الالتحاق بالجامعة، وكان يعتقد أن التحاقها بالجامعة وهي إلى جواره سيمكنه من تقديم مساعدة علمية لها تدفع بها في طريق الجامعة.. تبدو من رسائلها له أنها لا تجيد كتابة كلمة واحدة بطريقة صحيحة. وهو يدرك أن ظروف نشأتها كانت ذات تأثيرات سلبية عليها.. وأن توفيره لظروف إيجابية يساعدها على تجاوز تأثيرات الماضي التي ساهم مرغما في خلقها.. يعتقد أنها بحاجة لدعم نفسي سيكون مفيدا لها إذا أتي منه.. لا يغيب عن باله أنها قد تكون ورثت حالتها العقلية النفسية؛ ولكنه يعرف أن من الممكن تهيئة ظروف خاصة تقلل تأثيرات الوراثة المسئولة عن اتجاهات الإنسان النفسية وقدراته العقلية.. “ولكن؛ هيهات لأم جاهلة وابنة مخلصة لجهل أمها أن تتفهّما أن مصلحة البنت تكمن في الانتقال إلى أحضان أبيها!”؛ يقول لنفسه في صمت يذبحه..

منذ أيام زواجه الأولى من أم البنت البكر، استيقن أن هذا الزواج لن يدوم.. جاءت البنت على عجل؛ باتت قدرا لا يستطيع الفرار منه.. وبولادتها أصبح قرار الانفصال عن أمها قرارا صعبا وشاقا.. تمنى أن يرزقه الله بولد ذكر شقيقا للبنت البكر حتى يكون إلى جانبها عندما يكون الأب قد فارق الأم الفراق المحتوم.. جاء الولد الذكر الأكبر.. وتحرك الزمان فغدا الصغير شابا أنهى دراسته الجامعية ووقع قلبه في شراك زميلة له.. طلب المحبان منه مساعدته المالية ليتوجا عاطفتهما بالزواج.. بارك حبهما!! لكن العاشق لا يكتفي من أبيه ببركات من كلام.. ثار غضب الشاب على أبيه، وكتب إليه رسالة إليكترونية: “أين مالك الذي جمعته خلال وجودك الطويل في بلد من بلاد النفط؟!”.. يفترس الألم قلب الرجل الذي جعل من الدعوة للحب رسالة له؛ يتمنى أن يتزوج ابنه من الفتاة التي يحبها؛ يتمنى نجاح حبهما لسببين: لأنه حب.. ولأنه حب لابنه!! لم يجمع من فترة وجوده في إحدى دول الخليج مالا كما يجمع غيره.. حظه في العمل وفي الزواج عاثر ، وكان هذا الحظ العاثر هو أحد الأسباب التي دعته لمغادرة الدولة الخليجية النفطية التي يسعى الناس لدخولها.. عندما ترك بلدا نفطيا عربيا أفريقيا حينما أنهى إقامته وعمله فيها إلى البلد الذي منه زوجته الأولى، أنشأ مع والدها مشغلا لماكينات البلاط التي يجيد حماه صناعتها؛ فعل ذلك ليوفر لأبنائه من زوجته الأولى ولها مصدرا للدخل عندما يفارقهم.. عاشت الزوجة مع أبنائها بعد أن غادر هو البلد الذي هي منه، إلى دولة خليجية، قبل وبعد طلاقها في كنف أبيها دون أن يعانوا من مشكلات الحياة المادية؛ إلى أن مات جد الأبناء الذين زادوا إلى ثلاثة والذي كان لهم أبا بعاطفته.. ساءت الأحوال الاقتصادية في بلد الزوجة الأولى، وانخفض دخل المشغل بعد انتقال إدارته لخال الأولاد.. ابن هذا الخال اعتدى بالضرب على الابنة البكر، وطلب منها ومن إخوتها الرحيل من البيت الذي يقيمون فيه مع جدتهم من جهة أمهم وجدته من جهة أبيه.. تمزق قلب الأب البعيد على أبناء لا يرغبون في الالتحاق به ويطلبون منه الدعم المادي الذي يفوق قدراته.. ماذا أمامه أن يفعل غير أن يبكي بقلبه وبصمت رجل خالف وجهة السياسة في الشيء من وطنه فلم يحصد ما حصده الكثيرون من أنداده ومن هم دونه!! كان يتلقى عن تقارير صحفية يكتبها لصحيفة ما، بعض المال الذي لا يفي إلا بجزء يسير من احتياجاته المادية.. وباع قطعة أرض صغيرة كان قد ورثها عن أمه ليسدد  بعض ديون تراكمت عليه.. احتفظ بمشرط حاد ليضع به نهاية لحياته إذا بلغت به الأمور حدا لا يستطيع عنده مواصلة الحياة بكرامة.. كان معارفه يعتقدون أن زوجته العاملة بدولة ثرية، تتكفل بتغطية احتياجاته المادية.. لكنه، منذ بدأت علاقتهما لم يتدخل في شؤونها المالية وظلت تتصرف باستقلال عنه في هذا الجانب.. وكانت، لوقت محدود، “تفتقده” بقليل من المال وتشتكي دائما من فقر حالها.. لكنها تتكفل بتغطية احتياجات أبنائهما المشتركين، وقد اشترت لها شقة في المدينة التي تسكنها، ثم بنت لها بيتا آخر في المدينة ذاتها أيضا.. ودعته للعودة إليها..

كتب في نص تحدث فيه عن أحد فصول مأساته.. وعن رده على طلب زوجته له بمغادرة الشيء من الوطن.. قال..

جَيْشُ الخَرِيْفْ

يَجْتاحُ طِفْليْ

فِي حَلْقِ الرَبِيْعْ

يَغْرُزُ الطُوفانُ شَوْكَهْ

يَسْحَقُ الوَرْدَ فيْ

وَجْهِ القَمرْ

يَنْشُرُ المُرَّ في الحقلِ إذا

نَامَ إذا

قَام:

ــ أُحِبُّ أبيْ؟

ــ كلاّ!

عَلِيُّ يَزْعَمُ أَنَّهُ لا

يُحبُّ أبَنْ

تَركَ البَيْتَ وعادْ

إلى شَيئِنْ

مِنْ

وَطَنْ

الطَرِيُّ اْبْنِلْ

مُنادِيْ

بَهْجَةُ الحُبِّ صَلاتِيْ

يَفِرُّ مِنْ هاتِفِيْ

عافَ أباً كانَ يَعْرِفُ أنَّهُ كانَ لهُ الـْ

مَلاذَ لَهُ وَلـْ

مَسَرَّهْ

يَبْغَضُ النَّاسَ وَيَبْغَضْ

عَلِيُّ الذَكِيُّ الزاكِيْ

أَنْدَادَهُ وَمَدْرَسَتَهْ

والأهْلَ والحارهْ

ويَزْعُمُ أنَّهُ لا

يُحِبُّ يَزَنْ

أخاهُ ولا

سَنابِلَ أخْتَهْ

ويَحْنِقْ

ويَصْرُخْ

خَلَعْتُكُما

أمِّيْ

و”ذاك”

لا يَقُوْلُ أَبِيْ

ويُهَدِّدْ

لأنْتَحِرَنْ

فَلِمَ لا يَعُوْدْ؟!

“هُوَ” لا يُرِيْد!!ْ

ولا أَنْتِ أُمِّيْ

ولا الحَياةُ حَياهْ

وعَيْناكَ عَلِيُّ ما

أَجْمَلَها

وتَخْزِنْ

ما عِنْدَ الُأمَّةِ مِنْ إحْباطْ

وحِقْدَ الشَيْطانِ الطِفْلْ

وَكُلَّ شَقاءِ الإنْسانْ

كانَ عَلِيُّ ابْنَ لَيالٍ مَعْدُوْدَهْ

تَرَكَتْهُ الأُمْ

مُكْرَهَةً فيْ

بلدِنْ

مُبْعدْ

ركَبْتُ الرِيْحَ حَمَلـْ

تُهْ

فَوْقَ الْجَوْرِِ العَرَبِيّْ

قانُوْنُ الكُفْرْ

أكرَهَ أمَّاً أنْ تَتْرُكْ

طِفْلاً ظامِىءْ

يَبْحَثُ عَنْ ثَدْيِنْ

بِكْرْ

فَيَجُوحُ الثَدْيُ النائي

ويَظَلُّ الْكُفْرْ

أصَمَّ يَظَلُّ وأعـْ

مَى

الأمُّ اليَوْمْ

مُكْرَهَةً أيضاً تَتْرُكْ

أكْمامَ الوَرْدْ

تَمْضِيْ

تَنْبِشْ

أرضَ الصَحْراءِ العَرَبِيِّهْ

تَبْحَثُ عَنْ

كِسْوَهْ

لِلأطْفالِ وعَنْ

لُقْمهْ

يَمْضُغُها الجُوْعُ وتَنْهَشْ

أَحْلاماً عَطْشَى

لِلدِفءْ

في الحَضْنِ الغائِبْ

نِصْفاً فيْ

سِجْنٍ ضيِّقْ

إسْمُهْ

غَزَّهْ

نِصْفاً فِيْ

لَهَبٍ فِيْ

آخِرِ ماءِ الشَرْقِ العرَبيّْ

طِفْلٌ يَحْمِلْ

وجْهُهْ

قلْبَ مُهاجِرْ

يرسمُ في كُرَّاسةِ بُؤْسِهْ

إسْمَ فِلِسْطِيْنْ

مَمْنُوْعٌ أنْ يَصْحَبْ

أُمَّاً تَشْقَى

في صَحْراءٍ لا تَعْبأ

بِبُكاءِ الطِفْلْ

لا تَعْبأ

بِالأُمِّ وبِالْحُبْ

لا تَعْبأ

بِحُقُوْقِ الإنْسانْ

والأبْ

بُرْجُهُ الأسَدْ

وَيَقُوْلْ

لا يَدْخُلْ

أَسَدٌ فِيْ

مِصْيَدَةِ الفِئْرانْ

قَضَى في غَياهِبِ الْعُرْبِ

جُلَّ عُمْرِهْ

يَتَدحْرَجُ نَحْوَ السِتِّيْنْ

ونَحْوَ النَقْلةِ الكُبْرى

وَأْوْصَى

هُنا

في بَيْتِ أمِّي العَتِيْقِ ادْفِنُوْنِيْ

في القَبْرِ الذِيْ

يَضُمُّ رُفاتَ أَبِيْ

لَعَلِّيْ

إذا قُمْتُ بَعْدَ المَوتِ أنْجُوْ

مِنْ عَذاباتٍ طَارَدَتْنِيْ

كُلَّما تَخَلَفَتْ

حُكُوْماتٌ عَنْ الإذْنِ لِيْ

بِالإقامَةْ

في بِلادٍ تُقاسِمُنا اللُغَهْ

تُشارِكُنا الدِّينَ لا

تُقاسِمُنا الأَمْنَ لا

نُشُارِكُها الرَّخاءْ

إلافُ يَا ابْنَة أُمْ

هاذا

بَيانٌ يَقِيْنْ

أَنا

هُنا مَزْرُوْعٌ وَلَنْ

أُغادِرْ

وَتَعالَ بُنَيَّ وَهاتْ

أَحِبَّتِيْ

وافْتَرِشُوْا مَعِيْ

فَقْرِيْ

فَإنِّيْ

لَمْ

أبِعْ

وَفِيْ قَانُونِ الْجَوْرْ

فِيْ السوقِ الأَمْرِيْكِيِّ العاهرْ

مَنْ باعَ التاريخَ وباعَ الحَقْ

أَوْ

يَصْمِتْ

يَقْبِضْ

عَنْ بَيْعِهْ

أَوْ يَقْبِضْ

ثَمَنَ الصَمْتْ

والنُّورُ الأَسَدْ

يَمْلِكْ

قَلْباً لا

يَقْبِضْ

لا أمْلِكُ حَقَّ الْبَيْعْ

لِمَسْقَطِ رأَسِيْ

يَافَا

وَكُلُّ فَلِسْطِيْنَ لَنا

وَأَبُوْكَ بُنَيّْ

لا يُتْقِنُ فَنَّ الصَمْتْ

لا يُدَجِّلْ

لا يُدَجَّنْ

لَنْ أُغادِرْ

غَزَةَ إنَّ هُنا

مَرْبَضُ الأَسَدِ الحَقِّ لا

هُناكْ

فِيْ العاصِمَةِ القَدِيْمَهْ

لَعَلِّيْ

إذا قُمْتُ دُوْنَ الْمَوْتِ أُجاهِرْ

يَا عَدُوَّ النَّاسِ يَا

ظَلامْ

لَنْ يَغْفِرْ

أَنْبِيائيْ

لَكُمْ

جَرِيْمَتَكَمْ

سَأُطَارِدْ

قَوْميْ

غَفْلَتَكُمْ

سَنُطارِدْ

عَارَ الإنْسانْ

كُلَّ خَطِيْئَهْ

إسْرَائِيْلَ ومَنْ مَعَكَمْ

يَا عَيْبَ الأرْضْ

خَطِيِئُةُ كُلِّ الأزْمانْ

لَنْ أُغادِرْ

أَنَا الْحَقُّ أكْبَرُ مِنْ

صَغَارَ العُرُوبَهْ

واكْبَرُ مِنْ

صَدْرِ امْرَأةٍ يَخْنُقْ

ثَوْرَةَ عَقْلِيْ

يَخْنُقْ

فَلَتانَ الرُّوْحِ مِنَ كَذِبٍ لا زَالَ يَطْغَى

ولا زَالْ

يُصادِرُ حَقَّ بَهْجَتِنا

أَلجَّهْلُ يَا

وَلَدِيْ

ألظُّلْمُ يَا

ولَدِيْ

بَنُوْ يَعْرُبْ

وبَنُوْ اليَهُوْدْ

وأَشْياعُ الجَرِيْمَةِ مِنْ كُلِّ الأُمَمْ

يَذْبَحونَ مَعاً طُفولَتَنا

والْحُبَّ وحَقَّ بَهْجَتِنا

فَيَا اللهُ يَا

بَهْجَهْ

تَقَبَّلْ

صَلاةَ النُوُرِ تَنَزَّلْ

بَهْجَةَ حُبٍّ يَا

كَريْمُ يَا

قَادِرْ

وَهَبْ

قَمَريْ

والخَلْقَ كُلَّهُمُوْ

سَلاماً وبَهْجَةَ النُوْرِ وهَبْنا

حُرِّيَّةً أنْتَ

هِيْ

فَنَغْدُوْ

ضِيْاءً ونَهْزِمْ

بَغْيَ الدُجَى

أُصَلِّيْ

إليْكَ رَبَّنا

بِالحُبِّ تَوَلَّ بُنَيْ

وامْلأْ

بِالحُبِّ قَلْبَهْ

وَقَلْبَ الأَنامْ

رَبَّنا

إنَّ العَظِيَمَ إذا دَعَوْتُهْ

زادَ عَطُاؤُهُ وَعَمَّ فَاسْتَجِبْ

رَبَّ بَهْجَتِنا اْسْتَجِبْ

****

بمناسبة العيد، تحدث هاتفيا مع ابنته الصغيرة.. البنت متفوقة في دراستها، وبعد أشهر قليلة ستتقدم لامتحان شهادة الثانوية العامة.. قالت البنت بنفس محبطة، ردا على تشجيعه لها للحصول على معدل مرتفع: “ما جدوى أن أحصل على معدل عالٍ إذا لم يكن أمامي مجال لدخول الجامعة!!”؛ الدراسة الجامعية في البلد الذي تقيم فيه، غالية التكاليف.. تابعت: “وأمي تقول أنها لا تستطيع تغطية نفقات دراستي الجامعية!!”.. قال محاولا أن يبعث فيها أملا يبدد يأسها:

-       “إنشاء الله تجيئي إلى غزة، وتدخلي الجامعة هنا!”.

-       “”كيف؛ وأنت لا تمتلك ثمن خبزك؟!”.

يعرف أن دخولها إلى غزة أمر غير ممكن طالما ظلت الظروف التي صاحبت الانتفاضة قائمة؛ فمنذ أن بدأت الانتفاضة (الثانية) في أراضي السلطة الفلسطينية، قبل حوالي عامين وخمسة أشهر، توقفت السلطات الإسرائيلية عن منح الفلسطينيين المقيمين في خارج فلسطين، تصاريح دخول إلى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي تقوم فيهما السلطة الفلسطينية.. زوجته ترغب بقوة في زيارته.. تعودت أن تفعل ذلك منذ عودته إلى غزة.. وكان هو يستصدر تصريحا لها بدخول غزة نزولا عند رغبتها.. لم يكن يفعل ذلك برغبة منه.. من عادته، أن يفعل أشياء تُرضي الآخرين، وإن كانت لا ترضيه.. يقول “هذه أخلاقي أنا النوراني!!”.. في تقديره، هي صديقة.. وكان قد عرض عليها في إحدى زياراتها له، أن تستغل قطعة أرض ورثها عن أبيه، لتبني فيها بيتا لها، تستقر فيه هي وأبناؤهما؛ فهذا يجعلهم قريبين منه.. طلبت أن يمنحها القطعة فلا يشاركها أحد في ملكيتها.. رفض: “لك الهواء وفيه تستطيعين أن تبني بيتا لك؛ ومن حق أي من البنات والأبناء أن يستغل الهواء من فوق بيتك ليبني له بيتا أيضا!!”.. اختلفا.. عادت إلى بلدها، وهناك بنت لها فيلا.. عادت تلح عليه للحاق بها.. هناك في بلدها، تجد نفسها.. وهي بين أهلها.. والأبناء لا يهوون الانتقال إلى غزة خاصة بعد أن زاروا أبيهم فيها للمرة الأولى في الصيف الأخير قبل اندلاع الانتفاضة في 28 من أيلول (سبتمبر) عام 2000م.. وهو يحاذر من الإقامة في بلد غير بلده: “لن أملك حريتي كما أملكها في هذا الشيء من وطن.. الوطن هنا ليس هو ما أتمناه.. أنا أحلم بوطن في النور.. ومن النور.. لكن؛ لا أحد يستطيع أن يطردني من هنا!!”؛ قال لرجاء التي شاركته في التعبير عن الضيق الذي يشعران به، ويشعر به العائدون إلى قطاع غزة من خارجه، في هذا الشيء من الوطن.. رأى في منامه في الليلة الأخيرة، أنه سافر إلى اليمن.. هذه الرؤية المنامية تكررت كثيرا معه.. كرر مرارا: “اليمن واحدة من خمسة دول في العالم هي الأشد تخلفا.. ولكنني أعشقها”.. الأحزان تجعل منه أشلاء تبعثرها العاصفات.. أب يسع قلبه الناس أجمعين.. لكن أبناءه يتامى .. أم تعمل في بلد بعيد.. وأم جاهلة ضعيفة الحول.. وهو، في دروب الخيبة يهوي!!

والظلم الزاحف من كل صوب يُفاقم أساه.. شعب العراق في انتظار حرب تستعد القوة الأعتى الظلوم في العالم لشنها على بلده.. الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، تحشدان جيوشهما في منطقة الخليج، لخوض حرب في العراق، ستكون مدمرة وقاسية.. مصالح الرأسمالية العالمية ومعها مصالح إسرائيل تقتضي ضرب العراق.. الظلم في العالم هو المتحكم في مصير الإنسان، منذ بدء التاريخ: قوي يأكل الضعيف؛ لكنه يحلم بثورة الروح.. “فليكن عالما من النور.. ولتكن البداية من وطني.. وطن الروح!!”؛ يرزح وطنه تحت نير احتلال ظلامي يزعم أنه يستمد مشروعيته من عقيدة دينية تعود إلى النبي إبراهيم.. كتب في أول كتبه: “الدولة الإسرائيلية جماع الفساد الإنساني”.. الموت هنا طقس يومي لا يفلت منه الأطفال ولا الشباب اليانع ولا النساء الحوامل ولا الطاعنون في السن. هنا شعب منذور للموت.. والساسة الإسلاميون يكررون: “هذا الوطن في رباط إلى يوم القيامة!!”.. هو يؤمن بفلسفة للحياة.. ولكن الجنازات تغلق الشوارع، والصيحات تسد الأفق: “الانتقام.. الانتقام”.. الموت يجلب الموت.. يمقت السياسة والتجارة: “صناعتان للكذب والخداع وعدوانية الأنانية الظلوم.. يموت الواهمون المخدوعون الأنقياء ويتصارع السُرّاق على اقتسام الغنائم!!”؛ هذا ما يعتقده.. الشعب يتضور جوعا، وشاعر صديقه، يصبُّ جامّ غضبه على مسئول في حكومة السلطة الفلسطينية قرر أن يخصم من مرتب الشاعر الذي يتقاضاه كل شهر، دون أي مقابل عملي، ألفا وستمائة دولارا أمريكيا كانت حكومة السلطة قد صرفتها له “بدل” رحلة ثقافية قام بها إلى عاصمة عربية مع رفاق له، تقاضى كل منهم مثل ما تقاضاه، بدعوى المشاركة باسم فلسطين، في مهرجان ثقافي.. “ذهبت إلى هناك وضاجعت امرأة؛ لماذا يستكثرون ذلك، وهم يبددون الأموال بلا وازع ولا رقيب!!”؛ قال الشاعر الساخط .. وهدد الشاعر مسئولي السلطة أنه سيتحدث علانية عن فسادهم المالي والإداري إذا ما تم خصم ما تلقاه من مال “استثمره” في مضاجعة امرأة في المدينة التي ذهب إليها، على نفقة شعب يرزح تحت نير الفقر!!

يتألم مما يشاهد.. موظفو السلطة، يجتازون كل يوم، حواجز الموت التي تنصبها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الطرقات الرئيسية في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لتصيد المناضلين، ولتجعل من حياة المواطنين عذابا متواصلا.. كثيرون من موظفي السلطة، يتقاضون مرتباتهم لا عن خدمة يؤدونها لمواطنيهم.. كل موظفي السلطة نالوا وظائفهم بالواسطة.. وباستثناء قلة، يتقاضى الموظفون مرتباتهم مكافأة لهم على قتل الوقت في مكاتب جيدة التأسيس، وهم يحتسون القهوة والشاي، ويمضغون الكلام الفارغ.. والرجال منهم، منشغلون في التخطيط للإيقاع بامرأة في مصائد شهواتهم؛ فالحلائل لا يشبعن رغبة الجنس لدى رجال حظوا بوظائف يحصلون منها على المال بواسطة حرمت من هم أحق بالوظيفة منهم.. والنساء حصلن في حالات عديدة على الوظائف بواسطة رجال في نفوسهم طمع ذكري يسترونه حتى يظهر في وقت لاحق .. والموظفات من النساء، غير المتزوجات، مشغولات طوال الوقت بالثرثرة وبالتفكير في وسيلة يوقعن بها برجال في شباك الزواج.. وأمام مبنى المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، في مدينة غزة، يتجمهر عمال فقدوا فرصة العمل في المناطق التي تقوم فيها دولة إسرائيل.. يرفعون في أياديهم أرغفة الخبز.. ويطالبون بالعدالة؛ يطاردهم بؤس أطفالهم، فقد جفت محافظ المال في جيوبهم، مما يسد رمق أطفال ونساء وعجزة، يعولونهم!! سارع عضو مرموق في مجلس السلطة التشريعي بالخروج من مكتبه الفاخر وانتصب وراء الميكروفون.. حيّا صمود العمال، وطالبهم بالمزيد من العطاء للوطن!! ثم حملته إلى بعيد، سيارته الأنيقة، التي حظي بمثلها كل عضو في مجلس السلطة التشريعي، الذي جاءت به اتفاقية أوسلو، التي تنازلت فيها القيادة السياسية الفلسطينية الرسمية عن حوالي أربعة أخماس الوطن.. كل عضو في المجلس التشريعي في السلطة الفلسطينية يتقاضى مرتبا يكفي ثلاثين أسرة من أهالي قطاع غزة الذي زادت نسبة معدلات الفقر بين سكانه عن 60%.. لسان حال المواطنين المسحوقين يقول في تهكم مرير على نفوسهم: “يستحق نوابنا مرتباتهم التي يتقاضونها من أموال الدول المانحة!! أليسوا هم الأبطال الصناديد الذين يقاومون بصدورهم العارية دبابات الاحتلال وطائراته؟؟ أليسوا هم الذين يقاومون الفساد المالي والإداري المتعفن في مناطق سلطتنا؟؟!!”.. فساد فساد.. هي سلطة الفلسطينيين الذين ناضلوا نضالا لم يناضله شعب آخر في المعمورة.. الانتفاضة الدامية تتواصل.. وزعيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ المقعد أحمد ياسين، ومن فوق كرسيه المتحرك، يحث الشباب على نيل الشهادة، والفوز بحور عين ينتظرنهم هناك.. قال في نفسه: “الحق معك يا شيخنا المجاهد.. هناك حور عين، وهنا نساء بلا قلوب؛ هنا نساء منحوتات من حجر، لهنّ أرحام تحضن الأجنة ثم تقذفها للموت؛ فتتدلى كروش المنتفعين تحت تدليها!!”..

أحزان تتزاحم في قلبه.. من فوقها أحزان…. هذي “غزة لا تخلعْ.. في مساجدها الكنادر!!”.. كما يراها.. وعيون الرجال فيها يطمسها القذى.. “غزةُ لا تخلعْ.. في أحضان نسوتها الخناجر!!”.. والنساء؟؟.. “تلك امرأة تحشر في أنفي قيحا!!”.. “مرير أنت يا وطني.. ويقتلني فيك الضجر!!”.. مفاصل الوطن “حقدُنْ.. والبنات جَوْعَى.. والفقر يفترش العراء!!”.. يملأ الحزن نفسه، ويشتته.. لكنه يملك من الأمل ما ينتصر به على ظلام الجهل من حوله: وفيما الانتفاضة مشتعلة، توجه إلى الشيخ أحمد ياسين، زعيم الفصيل الأهم من بين الفصائل المشاركة في الانتفاضة، صاحب الأيديولوجية الإسلامية الجهادية.. ودعاه للانضمام إلى “جماعة حق البهجة – حب” التي سبق له أن أسسها، والتي تتبنى فلسفة للحياة، تناهض جبهة الموت التي تحاصر كل الأنفاس في وطنه، وتتهددها بالهلاك.. كان يأمل أن يقبل الشيخ دعوته، ليقول للعالم إن حركة فصيله تجاهد في سبيل الحياة، لا من أجل الموت.. “لو قبل الشيخ دعوتي؛ لكان هذا أكبر وأفعل رد على اتهام العالم الخارجي لشعبي بالإرهاب!! لكن الذكاء خان الشيخ الكبير الذي أحترمه بكل قلبي، رغم خلافنا الأيديولجي العميق!!”؛ قال “الإمام الأبيض”.. الشيخ واصل تحريض الشباب على مقاومة الاحتلال بالعمليات الاستشهادية التي ينفذها أفراد مفخخون بقوة التدمير؛ وواصل “ألإمام الأبيض” أحلامه، في وطن يخنق الحب، بقبضتيه القاسيتين..

نادى: “هدى!! أينك يا نور القلب.. أينك؟!”..

****

جلس جانب التينة مشغول القلب.. تنتصب اليافطة التي تحمل اسمه بين عينيه.. ظلت خمسة اشهر، معلقة في الهواء على شرفة البيت الذي رحل إليه من غزة، صامدة في وجه ريح الشتاء العاتي، تنتظر مرور الحبيبة من أمامها.. اليافطة فوق باب البيت الخارجي الذي يسكن فيه الآن، تنتظر زيارة ثانية من “الحبيبة”.. سأل نفسه متمنيا.. بينما يحدق في راية سوداء تلتف على نفسها في ركود الريح، معلقة على عامود الإنارة أمام بيته، راية تحمل شعار حركة جهادية تقاتل الاحتلال: “هل تدخل فجأة؟!”.. أضجرته شؤون السياسة.. في الانتفاضة الأولى (1987-1993م) كان لا يزال يقيم في مدينة من مدن الثراء العربي.. كان يقف في مصرف ويبيع مشغولات تراثية فلسطينية بأسعار عالية يدفعها المشترون وهم يعرفون أنه يبيعها لصالح الانتفاضة التي كان يودع في حساب مصرفي لها، حصيلة ما يجمعه.. عندما اندلعت الانتفاضة الراهنة، شرع في تأسيس لجان تتكون من المثقفين، تحت شعار: “المثقف في قلب المعركة”.. صعقه بعد أيام قليلة ما كشف عنه جهاز أمني فلسطيني من أن أحد المشاركين في تأسيس اللجان كان من العملاء للاحتلال الإسرائيلي.. خيانة الوطن خطيئة لا يستطيع التسامح مع مرتكبيها.. يؤسفه، أن يلعب الخونة من أبناء شعبه دورا خطيرا في ملاحقة واغتيال أفراد المقاومة المسلحة؛ يدرك أن الاحتلال الإسرائيلي ينجح في إسقاط العملاء تحت تأثير ظروف صعبة أو مستغلا نقاط ضعف بشري في أشخاصهم.. مع ذلك؛ فهو لا يستطيع التسامح مع خائن لوطنه وشعبه وقضيته.. هذا رغم أن التسامح إحدى أهم صفاته التي يعرفها عنه المقربون منه.. مشروع لجان المثقفين فشل؛ المثقفون محبطون، ولا يملكون قوة روحية مثل التي يمتلكها؛ يتهمونه بأنه يحلم بتغيير العالم، و “يزرع الورد في المزبلة”؛ كما قال له أديب كبير في غزة، عندما دعاه “الأمام الأبيض” للانضمام إلى “جماعة حق البهجة – حب”؛ لكنه ردّ:

-       “أليست مزبلة بوردة، أفضل من مزبلة بلا ورد؟!”..

-  “نحن مثقفي هذا البلد، نملك مفاصل متكلسة.. لا نستطيع مجاراتك فيما تطرح.. خير لك أن تبشر بفكرك في أوساط العامة من الناس، قد تصادف هناك من النجاح ما يعسر عليك أن تلقاه بيننا!!”..

أحد أصدقائه القدامى، وهو موضع اعتزازه، قام بزيارته للمرة الأخيرة، زيارة نصح.. دعاه فيها الصديق القديم، إلى الإقلاع عن إدعائه بأنه نبي: “هذه بضاعة لا سوق لها، لا بين عامة الناس، ولا بين المثقفين!!”؛ قال الصديق.. ابتسم “الإمام الأبيض” لصديقه، بعد أن أنهى نصيحته له، وتساءل بينه بين نفسه: “متى ادعيتُ أني نبي؟!”.. بعد عودته إلى الشيء من الوطن، وعندما أخبره صديق مشترك، أن الصديق الناصح هذا، موجود في غزة، ، غمرت السعادة قلبه، وقال في سره: “هكذا أستطيع أن أتنفس بحرية!!”.. قاطعه الصديق الناصح بعد زيارته.. وإن تقابلا صدفة، أو بادر هو إلى الاتصال الهاتفي به، يلمس منه استجابة سلبية، ما زال حتى اللحظة، لا يعرف لها سببا!!

قبل ظهر يوم الأحد، تحدثت معه رجاء من هاتفها الجوال الخاص بها:

-       “هل تناولت إفطارك؟”.

-  “أجل، فعلت ذلك امتثالا لما طلبته مني في محادثة الأمس؛ أضمرت أن أخبرك بذلك، عند أول اتصال بيننا؛ وأن أقول لك، إنني طفل مطيع!! أحد أصدقائي وصفني ذات مرة بأنني طفل كبير!!”.

-  “إني أتصل معك الآن من هاتفي الخاص، أفعل ذلك رغم أن الجميع يستخدمون هواتف العمل لأغراضهم الشخصية؛ لكني امتثلت لما قلته لي بالأمس بأنه لا يجوز استخدام هاتف العمل في الاتصالات الشخصية!!”.

-       “إذا ارتكب غيرنا الأخطاء، فإن هذا لا يسوغ لنا ارتكابنا نحن للأخطاء!!”.

سألته في مكالمة الأمس: “كيف قضيت نهارك؟ ماذا أكلت؟”.. حدثها عن زيارة والد “الـ..”.. لم ينطق باقي الكلمة: “حبيبة”.. فهمت معنى توقفه، اقترحت عليه أن يقول: “الجارة”.. تساءل بإحساس مبتهج: “هل تشعر بالغيرة؟!”.. يلاحظ أنه كلما يمس الحديث بينهما مسألة العلاقة القلبية، التي يحاول الاقتراب منها، تحرف هي الكلام في اتجاهات أخرى، يتساءل: “هل النساء مخلوقات من المراوغة؟!”.. تنهدت وقالت: “أرسل إحدى قريباته اليوم، وتحدثت معي في مسائل تتعلق بالجانب المالي، أشعر أنني مجروحة”؛ لكن سابق، الذي تأمل رجاء، أن تقترن به، والذي أوفد إليها قريبته، لم يتصل بها شخصيا، وهي لا تزال تنتظر؛ تحدثت عن خيبتها: “ضاعت مني قبل ذلك، فرصة زواج، كنت أتمنى أن تتم.. زميل لي في العمل، وجدت فيه كل الصفات التي أتمناها في الرجل الذي أرغب في الارتباط به؛ اقتربنا من الشروع في الزواج؛ لكنه تراجع قبل أن يبدأ التنفيذ!!”. ردّ عليها: “لا تتعجلي في اتخاذ قرار ارتباط برجل.. أتحدث إليك بقلب مفتوح، ولا أريد أن أقول بقلب…، حياتك بدون رجل لا يربطك به الحب، خير لك من زواج من رجل لا تحبيه ولا يحبك.. هذا موقفي؛ لا أريد امرأة لا أحبها.. لا أريد أن أكون أنا، أو تكون هي، كتلة صماّء من اللحم والشحم.. أريد علاقة بين روحين ناشطتين معا!!”.. تنهدت، وقالت:

-  “ترددت قبل أن أطلبك على الهاتف، خشيت أن يكون خطك مشغولا بالإنترنت؛ هل ينشغل خطك بالإنترنت فقط؟!”.

-       “ينشغل بالإنترنت بشكل رئيسي؛ أمّا اتصالاتي مع سواك فتكون قصيرة!!”.

انطلقت إشارة صوتية من هاتفه الجوال، تعلن وصول رسالتين عليه، تلكأ في فتحهما لمعرفة ما تتضمناه، أو التعرف على مصدرهما.. واصل الحديث مع رجاء: “انظري إلى السماء.. القمر بدر مكتمل.. وغيوم متفرقة تسبح في نوره”؛ استجابت لدعوته، ولكنها لم تتذوق جمال الصورة الفنية الكونية التي رسمها لها وهو يتذوقها!! كشف عن مصدر الرسالتين، صاح ببهجة طفولية: “إنها الشيطانة!!”.. لم يتبين فحوى الرسالتين الصادرتين منها؛ جوّاله قديم ولا يستقبل الرسائل المرسلة إليه باللغة العربية..

انتهت المكالمة بينه وبين رجاء بعد ساعة من بدئها.. هاتف “الشيطانة” التي لم يسمع صوتها منذ عدة شهور..

-       “هل قرأت الرسالتين؟”.

-       “لم يسجلهما الجوّال.. ماذا كتبتِ فيهما؟”.

قالت بدعابتها الحلوة المعهودة منها: “هبل!!”. سألها عن حالها وعن طفلتها؛ فقالت: “أية طفلة تعني؟!”.. أخفت عليه طوال فترة الحمل بها أنها حامل.. وأنكرت أنها ولدت عندما تحدث إليها في الموضوع بعد أن كان قد ترامى إليه أنها أنجبت طفلة.. بكت الطفلة التي تنكر أمها وجودها؛ قال لها: “أيتها الكاذبة؛ بكاء مَن هذا؟!”.. علا صوت بكاء الصغيرة؛ انفجرت “الشيطانة” ضاحكة.. بعد عودته من غيابه الطويل عن الوطن إلى غزة، شاركته “الشيطانة” التي سماها “حقل الفرح”، تجربة عاطفية اشتعلت بالجنون.. سألها من جديد:

-       “ماذا كتبت في رسالتيك؟”.

-       “شيئا تهواه!!”.

-       “في الحب؟!”.

-       “أجل!!”.

قال لرجاء قبل أيام قليلة، إن “الشيطانة” خرجت من دمه!!.. وتحدث مع “الشيطانة” عن رجاء..

****

ريح واهنة تداعب العلم الأسود المثبت على عمود الإنارة الواقف أمامه.. حماسه للانتفاضة واهن أيضا!! يتألم من مسلسل الموت الذي يحصد مواطنيه، ومعه عذابات متلاطمة فوق صدور بني شعبه.. ويتألم أيضا من الموت الذي يقع في صفوف الإسرائيليين.. في عقيدته الفلسفية: “هناك سبيل غير سبيل الموت”.. لا ينسجم مع حرب تجعل من إقامة دولة فلسطينية في أجزاء من فلسطين في الضفة الغربية وقطع غزة هدفا لها.. يقول: “كل فلسطين لنا”؛.. ويراهن على الوقت: “أوقفوا الموت في وطني.. ودعوا الحب ينتصر!!”.. في اعتقاده: بالحب الذي يجمع الرجال والنساء من بني شعبه، وراء الأبواب المغلقة، تنهزم الدولة الصهيونية.. إسرائيل لا تخشى أسلحة العرب المدججة جيوشهم بها.. تخشى إسرائيل على مصيرها من زيادة عدد الفلسطينيين عن عدد اليهود في دولة واحدة تضمهم معا.. لذا، ينادي: “فلسطين وطن واحد، لا يقبل القسمة.. وطن واحد لعاشقيه!!”.. بعد سنوات قليلة، ترجح كفة العرب على اليهود في حدود فلسطين التاريخية؛ فينتصر الحق بدون موت ودمار.. يقول: “بالحب المعقلن، نصنع وطنا للنور في فلسطين، فتعود فلسطين موطنا للنبوة التي تفتح المحدود الإنساني على المطلق الوجودي”.. الإسرائيليون يرفضون دعوة الحب التي يبشر بها؛ ففيها هلاك عدوانيتهم.. وهلاك ظلاميتهم التي تعود لعقيدة دينية ضالة.. الحب في النور؛ هو الدين الحق.. هكذا يعتقد.. والمتعجلون من بني وطنه، لقطف ثمار شجرة محرمة.. المستفيدون من حل عاجل يكرس وجود العدوان؛ لن يقبلوا دعوته.. التي لن تسمح لكروشهم بمزيد من الانتفاخ على حساب شقاء المعدمين، والأبرياء المخلصين.. قالت له رجاء: “أنت مختلف!!”.. أخبرها أنه تحدث مع شيخ السياسيين الدكتور حيدر عبد الشافي؛ فقال له الأخير: “وضعنا لا يسُر.. هكذا يريد قادتنا!!”.. قالت رجاء: “إذا كنت على معرفة بالدكتور حيدر، لماذا لا تطلب منه مساعدتك للخروج من وضعك الرديء؟!”.. أجابها: “لا أحب أن أفعل ذلك!!”.. تابع.. “أحترم من السياسيين اثنين: الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد الشافي.. الأول رأس الحركة الإسلامية، والثاني يساري عتيق.. لا أتوقف عند أيديولوجية كل منهما، التي أتفق معها وأختلف.. لكنني أحترمهما لالتزامهما بمبادئهما!!”.. ذات مرة، سأل الدكتور عبد الشافي، عما إذا كان من المجدي للنضال الفلسطيني ضد إسرائيل، أن يستثمر الفلسطينيون الورقة الأخلاقية، في وجه العدوانية الصهيونية والجهات الداعمة لها؛ فرد الدكتور عليه مؤيدا الفكرة، لكنه استدرك،”ينبغي أولا أن تكون لدينا أخلاق!!”..  كانا لحظتها، يقفان على باب مكتب الدكتور حيدر، ليودع المضيف ضيفه.. ضحكا معا، وتصافحا.. وانطلق.. أخبرته رجاء، أن رجلا ذا لحية طويلة، تقدم لخطبتها.. اكتشفت أنه يستخدم اللحية للخداع.. قالت:

-       “الحمد لله أني كشفته قبل فوات الأوان!!”.

-  “الصدق تاج الأخلاق وفضيلة الفضائل أيتها الصديقة.. وكانت قد راودتني أحلام سياسية منذ مطلع شبابي.. لكنني الآن أرغب في شغل نفسي بالعناية بالأمومة والأطفال!!”..

صوت الصغيرة فيروز يجلجل من بيت أسرتها المجاور.. تصيح: “بدِّي الوح عند الدكتول”.. تقلب الراء لاما. قالت أمها له: “فيروز تحلم بك يا دكتور، وتقول إنها تحبك أكبر مما تحب أبيها!!”.. ينصح المترددين عليه للعلاج النفسي باللعب مع الأطفال.. تلقى ذات صباح، مكالمة هاتفية رفعت توتره العصبي إلى درجة خطيرة.. كانت من زوجته.. أحس أن ساقه اليمنى قد أوشكت على التعرض لخطر الشلل.. قال حينئذ لنفسه: “هل أترك نفسي فريسة لهذا الهجوم البشع من التوتر العصبي؟! كيف أفعل ذلك وأنا صاحب النظرية التي تعالج ببهجة الحب.. التي تجعل من الحرية شرطا لازما للبهجة.. واللعب ممارسة بريئة للحرية..”.. يعتقد أن اللعب مع الأطفال حرية مبتهجة.. يتابع مستكملا القصة: “كان طفل في الثالثة من عمره، من أبناء صديقي الذي كنت حينها أنزل ضيفا عليه، يقف أمامي، وهو يحضن كرة بيديه.. قلت له: هيّا نلعب معا.. استجاب الطفل على عجل..انضم أشقاؤه الصغار أيضا إلينا.. لم أشعر بالوقت الذي استغرقته ساقي لعودتها إلى حالتها الطبيعية.. وانتهى توتري.. وزال الخطر عني!!”.. رنّ جرس الهاتف الجوال، رنّة واحدة.. الرقم الذي استقبله الهاتف غير معروف له.. كثيرون من معارفه يفعلون ذلك عندما تكون لديهم حاجة للحديث معه، فيقوم هو بالرجوع إليهم، دون أن يبالي، رغم شحة ما يكسبه من مال، بأنه سيدفع في نهاية الشهر تكلفة الاتصالات العالية بالهاتف الجوال.. قال لنفسه: “قد يكون أحد المعارف يطلبني من هاتف ليس له؟!”.. عاد للرقم الذي سجله الهاتف، عرف الطالب من صوته، صاح ببهجة: “هلا عريسنا!!”.. منذ وقت طويل لم يتصل عاهد به، ردّ الأخير، مشيرا إلى مطلقته: “لا تزال تزعجني!!”.. كان “الإمام الأبيض” قد اتصل أمس مع مطلقة عاهد التي تتخذ من “الإمام” أبا روحيا لها.. شكت إليه: “عاهد يلاحقني بمضايقاته لي!!”.. منذ تعرف عليها وعلى زوجها عاهد، لم يتفقا على رواية واحدة عما نشأ بينهما من خلافات، كان يبذل جهده لتسويتها.. وكانت جهوده تكلل بالنجاح.. لكن الخلاف الذي انتهى بهما للانفصال، وقع من وراء ظهره، وبعد أن كان قد رحل من مدينة غزة، التي يسكناها، إلى البلد الذي فيه هوى قلبه!! ناشد المنفصلين اللذين يجمعهما طفل لهما جاء بعد أكثر من عشر سنوات من زواجهما: “لا تخوضان حربا بينكما.. ما وقع قد وقع.. المستقبل مفتوح أمام كل منكما.. تنعكس علاقتكما على طفلكما؛ أفضل لكما وللطفل أيضا أن تكونا صديقين.. هذا أجمل لكما وللطفل وأنفع أيضا!!”..

لكنه يدرك أنه “لا أحد يؤمن بك!”؛ كما رددت عليه زوجته مرارا!! التي أنذرته من عاقبة اقترانه بامرأة أخرى: “ستخسرني وستخر أبناءك مني، وعليك أيضا أن تتوقف عن الكتابة في الصحيفة التي تكتب فيها.. سأقول للأولاد أنك توفيت!!”..

****

قالت له رجاء:

- “أشعر أنك لا تحب الحديث عن مسألة عودتك إلى زوجتك وأبنائك!!”..

-       “أنا هارب!!”..

لا يزال يواصل الهروب منذ ارتبط بالزواج.. هل سيهرب من رجاء أيضا؟! يقول في نفسه: “سأهرب منها إلى الموت”؛ إنها فرصتي الأخيرة؛ وستكون رجاء سجنه الأخير.. ستكون السجنَ الموصولَ بالموت.. يتساءل: “هل الزواج مشروع للموت؟! لماذا النساء في العادة، يفضلن موت أزواجهن على هروبهم من سجونهن؛ ورثن هذه الصفة من عهود سحيقة تعلمت المرأة فيها أن تفترس الرجل الذي يقضي حياته في افتراس الآخرين، ومنهم امرأة يطاردها فتراوغه ثم توحي له أنها استسلمت له فيتوهم أنه اصطادهها.. لكنه يكون قد وقع هو في شباك الموت فيها!!”.. يقول الإمام الأبيض: “وهْمُ القوة يحكم الرجال؛ لكن الفضيحة تنكشف لدى سقوطهم على النهود وفي الزوايا الرطبة!!”.. صوت أم كلثوم يصدح من المذياع: “لستُ أنساك وقد أغريتني..!!”.. الليل يلف الناس، وأبواب بيته لا تزال مفتوحة؛ يجلس تحت الشرفة ملاصقا لجذع التينة: هدى في قلبه وعقله ونهاره وليله وحلمه؛ ينتظر رنين الهاتف الآتي من رجاء.. تتقدم قطة الجيران مطمئنة نحو طبق مملوء بالسمك وضعه لها فوق جدار الفناء الخارجي للبيت الذي يسكنه؛ يضع لها بقايا الطعام كل يوم.. كانت رجاء قد قالت له في مهاتفة صباح اليوم إن عليه أن يأكل ما تبقى لديه من السمك الذي طبخه قبل أسبوع، قبل أن يفسد، حيث لا يملك ثلاجة يحفظ فيها الغذاء. عندما رغب في تناول الطعام اكتشف أن السمك لم يعد صالحا للأكل!! ماءت القطة، قفزت وراء السمك الذي سقط من فوق الجدار فتبعثر فوق أرض الفناء الذي يجلس فيه.. أخذ يراقبها ببهجة: لا تزال مطمئنة!!

روى لمعارفه أكثر من مرة أن الله أنقذ عشرين أسرة كاملة لا يقل عدد أفرادها عن مئة، كان هو وعائلته من بينهم، من موت محقق عندما جنحت بهم مركبة ركاب كبيرة كانت منطلقة على طريق معبد على حافة جبل ينحدر السفح من قمته مستقيما يشكل زاوية عمودية مع قاع الأرض السحيق عند بدايته التحتية..

ماءت قطة على الجدار المقابل لنافذة مطبخ بيته في مدينة عربية كان يقيم فيها، قال لنفسه إنها تطلب منه ماء لتشربه.. كان صوت سيارة تنظره في الخارج، يشق الأفق، يحثه على سرعة ركوبها، وكان الأطفال أبناؤه يتصايحون ببهجة وهم يندفعون من باب البيت إلى جوف السيارة التي ستقلهم للحاق بالمراكب التي ستقلهم مع كثيرين في رحلة بين جبال شاهقة.. الزوجة تلح عليه بدعوته للخروج، وهو يرد عليها: “سأضع ماء للقطة قبل أن أغادر البيت؛ أشعر أنها ظمأى!!”..

انطلقت الرحلة فوق قمم جبال يلف بها السحاب، وعلى طريق كأنها الصراط المستقيم الذي تصفه كتب الدين: الدقيقة الحادة كما لو كانت في رقة وحِدِّة نصل السكين، ومن لا يملك رصيدا من العمل الصالح الذي جناه في حياته الدنيا لن يفلح في المرور منه صوب الجنة، وسيهوي في قاع الجحيم الذي يمر الناس في يوم الحساب الأخروي من فوقه!! فرقع صوت انفجار وارتجت الحافلة الكبيرة الحبلى حتى الثمالة ببهجة راكبيها، وبأجسادهم، ارتجفت قلوب الصغار والكبار، كبح السائق بمهارة اندفاع السيارة وهو يجاهد للسيطرة عليها وإبعادها عن الحافة المفتوحة على قاع الموت الغائر.. تجمدت نظرات العيون وتدافعت الأنفاس وسكتت الأصوات.. الحمد لله.. الحمد لله.. نجى ركّاب الحافلة من السقوط عن قمة الجبل الشاهق إلى بطن الوادي السحيق الذي كاد يقع عندما انفجرت عجلة السيارة الأمامية من الجهة اليمنى فيما كانت تنطلق مسرعة في خط لا يفصله عن الهاوية الواقعة عن يمين السيارة غير مسافة قصيرة جدا، وغير آمنة.. قال “الإمام الأبيض” لزملاء الرحلة عندما حطوا رحالهم فوق رأس جبل من الجبال العالية: “نجونا بفضل الله لأني رفضت أن ألحق بكم إلا بعد أن أطفأت ظمأ القطة!!”.. ردّ عارفوه بعيون تضج بالتساؤل الحائر: “لستَ ملحدا إذن!!”..

عندما أنهى كتابة رسالة “المبادئ”، طلب من صديق له، صومالي مثقف، أن يحمل نسخة منها إلى أديب كبير.. استأذنه الصومالي في قراءتها.. في اللقاء التالي بينهما، قال له الصديق: “هذا هو الإسلام؛ أنت كتبته بأسلوب جديد!!”.. لم يكن خطر على باله أنه كتب في “المبادئ” عن الإسلام، قال في نفسه: “قد يكون ما تقوله صحيحا يا صديقي؛ فالمثل العليا سماوات مفتوحة يحلق المبدعون في آفاقها!!”..

“المبادئ” صورة فلسفية لجماعة خلقها خياله الجامح.. قضى عمره يجري وراء الخيال والنساء! يذكر “الإمام الأبيض” مرارا ما قاله الإمام أبو حامد الغزالي من أن “النبوة خيال!!”.. قال لزوجته: “لو كانت ورائي امرأة مثل خديجة، لكنت نبيا!!”.. ويردد: “لولا خديجة ما صار محمد نبيا!!”.. في الواقع، يرغب هو في امرأة مجدولة من زوجتيِّ النبي خديجة وعائشة معا!! قضى النبي شيخوخته في صبابة مع عائشة؛ يرى أن من جمالات النبي، عشقه للنساء!! سأل نفسه وهو لا يزال ينتظر رنين الهاتف: “هل تقبل رجاء أن أحبَّها وأحب معها غيرها من النساء؟!”.. أرخى جسده على سرير المرضى الذين لا يجيئون إلا نادرا: “كل مشروعاتي فاشلة!!”، قال وأضاف: “حتى رجاء!! فما هي إلا سراب ألهث نحوه، لكنني سأزداد ظمأ على ظمئي!! قد يكون سابق الآن في زيارتها!!”.. يصدح صوت أم كلثوم: “أين من عيني حبيبي؟!”.. وقف أمام مرآة صغيرة: “وجهي شاخ ولن تقبل بي؛ قالت إنها تبدو وكأنها في العشرينات من عمرها!!”.. ألقى جسده المعتل النفس فوق سرير المرضى مرة أخرى؛ بحلق في السقف الذي تسكن فوقه ذكريات “الجارة”.. ما زال ذبيح العزلة.. قال لرجاء: “أنت أُنسي!”.. سكتت رجاء!! كان يسمي “الشيطانة” باسم “حقل الفرح؛ لكن زوجته كانت تصفها بأنها “شرموطة”. وعندما خسر معركته معها، كتب: “مضى.. مضى.. حقل الفرح!!”.. وسمى “الجارة في شعره، “حقل الورد!!”.. لكن الزوج “البقرة” اشترى “حقل الورد وطواها في زرائبه!! خرج إلى الفناء الخارجي: القمر بدر مكتمل، والشرفة ترتدي في برودة الشتاء عباءة الموت!! تقترب الساعة من الثامنة ليلا، ولا يزال الهاتف صامتا، نفد صبره وهو ينتظر رنين هاتف يأتيه من “أنسه”.. عاد إلى حجرة عمله، رفع سماعة الهاتف، ضغط أرقامها.. الخط مشغول؟! كرر الطلب، لا يزال الخط مشغولا.. غرز عينيه في صورته التي تعكسها شاشة الكمبيوتر التي يجلس قبالتها.. يرتفع صدره وينخفض تحت لباس ثقيل، هرب من إلحاح عقله عليه بالتفكير في أسباب انشغال هاتفها، لا يراوده الأمل بأن علاقته بها ستثمر رابطة دائمة؛ قال لنفسه: “ما رجاء إلا سحابة صيف في صقيع يلفه!!”.. طلبها للمرة الثالثة؛ لكن الهاتف ظلّ هذه الليلة مشغولا بغيره!!

****

نهض صباح اليوم التالي من نومه تحت ضغط الحاجة للتخلص من فضلات الجسد.. أفرغ ما كان يضايقه، وعاد للفراش بعد أن فتح نافذة حجرة نومه المطلة على جدار بفصله عن بيت الجيران.. رأس امرأة يتحرك في الفناء المجاور.. وفوق سطح بناية مجاورة، تستغرق حمامتان في علاقة جنسية: المنقار في المنقار، الأنثى ترقد، يقفز الذكر فوق ظهرها، ويهز جناحيه بقوة مبتهجة وهو يضغط مؤخرته في مؤخرتها.. وهو في هذه اللحظة المبكرة من النهار، يستعر بالشهوة لامرأة يصلي فوق شفاهها وبين تلالها وزواياها؛ يتذكر رجاء: “لكنها ليست خديجتي!!”.. قالت له أن عدم التزامه بالصلاة، يقف وراء عدم قبولها للارتباط به:

-       “غدا الاثنين، هل ستصلي كما صليت يوم الجمعة؟!”.

-       “هل هو عيد أيضا؟!”.

-       “نعم، النبي ولد يوم الاثنين!”.

-       “مشكلتي أنني لا استطيع أن افعل شيئا يخالف قناعاتي!!”.

بعد انتهاء مكالمته معها، اتصل بقريب له، تحدث معه عنها، وعن سبب رفضها له.. ضحك الشاب وقال: “إذا كانت الصلاة هي الحل؛ فإن أسبوع صلاة ليس شاقا ولن يضرك!”. سأل نفسه: “هل تريد رجاء رجلا صادقا أم مخادعا؟!”.. لا يخفى عليه، أن الخداع سهل، قال لنفسه: “لكن الصدق فضيلة، وأحب أن أتمسك بها وأنا أعي أنها تزج بنا في المسالك الوعرة!!”.. وصفه أديب خلال ندوة، بأنه “متسلق”؛ لم يغضب منه؛ ولكن، غضبت عليه زميلة له في مهنة الصحافة: “قم وردّ عليه؟!”.. ابتسم، وطلب منها أن تتحلى بالصبر.. غادرت الزميلة الندوة وهي مغتاظة منه.. قبل أن تنتهي الندوة، طلب الكلمة، فاجأ حضوره الأديبَ الذي هاجمه، ولم يكن هذا الأديب على معرفة شخصية به من قبل، وبنى فكرته عنه بالسماع من مبغضين له.. وقف على المنصة وقال موجها الحديث للرجل الذي هاجمه: “أشكرك يا أخي، أشكرك من كل قلبي.. أنا كما وصفتني بالضبط.. أنا متسلق؛ نعم أنا متسلق.. ولكنني أتسلق الطرق الوعرة.. أتسلقها نحو القمم!!”.. اعتذر الرجل الذي هاجمه بقوة، ورجاه أن يكتب عن ديوان جديد له!! قال في نفسه: “قد أخسر رجاء، ولكن خسارتي لها أهون من خسارتي لمبادئي!!”.. يلفه الأسى، قرر أن يعود إلى طيّ كتاب النسوان من جديد؛ تذكر ما قالته له زوجته مرارا: “لن تجد امرأة تؤمن بك!!”.. نوى أن يوجه علاقته مع رجاء في اتجاه آخر. تحدث معها عن رغبته في إنشاء مؤسسة تُعنى بالأمومة والطفولة؛ استحسنت الفكرة واقترحت عليه أن يؤسس جمعية أهلية لهذا الغرض، وقالت: “أكون أنا رئيستها، وتكون أنت نائب الرئيس؛ أم أنك لا تقبل أن تكون نائبا لامرأة كما هو شان الرجال هنا؟!”. أكد لها أنه ليس حساسا من هذا الجانب، وان طبيعة عمل الجمعية المقترحة تستوجب أن ترئسها مرأة.. فردت: “بل تكون أنت الرئيس!!”. كان تفكيره قبل ذلك يتجه إلى تنفيذ فكرة تأسيس جمعية تُعنى بالأمومة والطفولة في المنطقة التي تسكن فيها “الجارة” مع زوجها، وكان ينوي أن يسمي الجمعية باسم ابنها.. قبل ثلاثة أسابيع، في يوم اثنين أيضا، ذهب إلى منطقة سكنى “الجارة” لاستئجار بيت يبدأ منه الانطلاق لتنفيذ مشروعه.. في المكالمة الأخيرة، سأل رجاء عما إذا كانت تعرف بيتا في منطقة سكناها، لاستئجاره بغرض بدء المشروع الذي اتفقا على الاشتراك في تنفيذه.. بعد نصف ساعة من الحديث الهاتفي بينهما، أبدت رجاء رغبة في إنهاء المكالمة؛ سألها: “هل يحمل هذا رسالة؟!”.. أجابت: “كلا؛ لكني لا أريد زيادة الأعباء المالية عليك من طول المكالمات الهاتفية بيننا!!”.. استمر حديثهما بعد هذا القول إلى ساعة وربع الساعة.. جدد تشجيعه لها لاستكمال دراستها والحصول على درجة الدكتوراه.. خاطبها:

-       “من هذه اللحظة؛ أنت الدكتورة رجاء”.

-       “سألقي على عاتقك مسئولية إنجاز هذه المهمة!!”.

-       “أنا مستعد لذلك!!”.

اتصلت به صباح الاثنين:

-       “هل صليت؟!”.

-       “هل تفضلين الصدق أم الخداع؟!”.

-       “أفضِّل الصدق بكل تأكيد، وأريدك أن تصلي عن قناعة!! هل تناولت طعام إفطارك، أم لا؟!”.

-       “لا أهتم بشؤوني!!”.

-       “هل توقعت اتصالي؟!”.

-  “أحب سماع صوتك دائما يا رجاء.. آسف، يا مدام رجاء!! هل ما زلتِ تفضلين أن أناديك بـ “يا مدام رجاء”؟!”.

-       “أجل!!”.

-       “إذن، لا زلتِ تقيمين الحواجز بيننا!!”.

في حديثه مع رجاء، قال عن موقفه من المسالة الدينية:

-  “إيماني بالله عميق، لكن موقفي من مسالة النبوة، مختلف: أعترف بعظمة النبي، وبالنبوة أيضا؛ لكنني افعل ذلك بطريقتي!!”.

-       “لا أرى الأمور بطريقتك الفلسفية؛ أراها بواقعية، عليك أن تكون واقعيا!!”.

-       “طرقتُ باب قلب واقعي، رجوت أن أتعلم منه منهج الواقعية، لكنه صدّني!!”.

تابع.. “اخترت أن أكون صادقا مع نفسي، لذا؛ أنا لا أزال أعيش على حصيرة.. لو اخترت طريقا آخر، فلربما كنتِ أنتِ الآن مديرة مكتبي، لا مديرة مكتب رئيسك ذي الوظيفة المرموقة.. للصدق ثمن دفعته، ولست نادما!!”.. الحمامتان سابحتان في الحب في نور شمس يوم شتوي دافئ؛ والمذيع يفضح ما يفعل الناس: أحد عشر فلسطينيا سقطوا قتلى في الساعات الأخيرة، ستة منهم ماتوا بانفجار غامض، والباقون قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ وفي إحدى نصوصه، كتب: “دينك الحق يا حمام!!”.. “أقلقتني المسالة الدينية منذ عشرات السنين، وموقفي منها ليس ارتجاليا ولاعبثيا”؛ قال لرجاء، لكنه لم يخبرها أنه أول من أسس حركة جهادية فلسطينية إسلامية لمقاومة المشروع الصهيوني..

****

كان حينئذ لم يزل في الثالثة والعشرين من عمره.. لكن عاصفة الشك في مفاهيمه الموروثة اجتاحت عقله؛ فعصفت بكيانه.. ها هو الآن، وحيد في برد الغربة، رغم أنه فوق أرض وطنه.. كتب يصف حاله: “أنا هنا بين حجارة كافرة!!”.. تمتم لسانه المحبط: “رجاء ليست مُخِلِّصتي!!”.. دلق في زوره ما تبقى في كأسه من شاي بارد مضى عليه ساعة وهو يحتسيه، الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، التينة وراء ظهره، والنافذة التي تطل عليها مغلقة.. وهدى تنتعش في خياله!!

يتذكر أنه طلب من دكتورة صديقة وصفت نفسها أنها لا تخطىء قراءة الفنجان؛ أن تقرأ له فنجان قهوته.. تفحصت الدكتورة رسومات الفنجان ثم زرعت عينيها في عينيه.. قالت له إن المرأة التي ظل يعتقد منذ أول عمره أنها أمه، هي في الحقيقة ليست كذلك.. سأل بدهشة فيها دعابة: “مَن أمي إذن؟!”.. أشارت قارئة الفنجان الدكتورة الواثقة من صحة ما قالته، بحركة من يدها تعني أن أمه الحقيقية ماتت ذبحا!!

-       “متى؟!”.

-       “لحظة ولادتها لك”..

-       “فهل الرجل الذي عشت في رعايته هو أبي حقيقة لا أبي بالتبني؟!”..

-       “نعم، هو أبوك حقيقة لا بالتبني!!”..

قضى سهرة ممتعة في ضيافة الدكتورة قارئة الفنجان وزوجها الدكتور الذي ربطته به علاقة متميزة منذ أيام الشباب.. وعندما أخبره صديق مشترك أن صديقه الدكتور زوج الدكتورة قارئة الفنجان موجود في غزة، أبتهج من أعماق قلبه، وقال: “ها قد انشقت في جدار العزلة نافذة للروح في بلد هجرته الروح!!”.. لكن “نافذة الروح” انطمست أيضا بعد وقت قصير لأسباب لم يتبينها.. قاطعه الصديق الأثير لديه، وفشلت كل محاولاته لاستعادة الصديق الذي ظلّ يسكن قلبه منذ عقود!!

أغلق أبوابه على غير العادة.. نفسه مغلقة أيضا في قنوط يتلبسها: “لا بد أن أغادر هذا البلد”؛ قال لنفسه وتساءل: “هل قراءة الدكتورة لفنجاني تطابق الحقيقة؟!”؛ راوده خاطر: “قد يكون حدث ذلك؛ لو أن هذا حدث فعلا فهو سبب لهاثي المتواصل وراء المرأة.. أبحث عن أمي التي فقدتها منذ ولادتي؛ سأبقى الهث إذن.. ودون جدوى!!”.. يرى، أن الرجل يبحث طوال عمره، عن مرأة يستعيد فيها أمه: “مَن يفقد أمه في حادثة مخيفة، يتم فيها ذبحها؛ يقضي عمره كله ذبيحا في طلب المرأة!!”.. بعد عودته إلى غزة، قصد مركز وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين لاستخراج بطاقة تمنحها الوكالة لكل لاجئ مثله.. بحث الموظف المسئول في الأرشيف عن اسمه المفترض أن يكون مدرجا تحت اسم أبيه، فلم يجده: “ما اسم أمك؟”؛ سأله الموظف، وعاد يقول:

-       “هل أنت متأكد أنك ابن المرأة التي قلت أنها أمك؟!”.

-       “لا أشك في ذلك!!”.

عاود الموظف البحث عن اسمه مع أسماء قريبة له: “هل تعرف امرأة تحمل اسم..؟”.. ردّ على عجل:

-       “نعم، نعم!!”.

-       “اسمك مدرج معها باعتبارك ابنها!!”..

هذه المرأة التي يقع اسمه تحت اسمها في سجلات اللاجئين ليست أمه التي يعرفها.. سأل خالته لأمه التي يعرفها: “هل حضرت يوم مولدي؟!”.

-       “أجل، وحملتك ساعتها، وغنّيْت لك”.

-       “أنا ابن أختك إذن!!”.

-       “غريب أمرك.. هذا مؤكد؛ لماذا تشك في ذلك!!”.

****

الدكتورة قارئة الفنجان أكدت له أن قراءتها دقيقة، كما تشهد لها تجارب سابقة؛ سأل نفسه: “هل هناك أشياء جديرة بتصديقها بدرجة مطلقة وأن نمنحها ثقتنا التامة؟!”.

قال لرجاء في المهاتفة النهارية الأخيرة: “أحب سماع صوتك دائما!!”.. لكنه قرر أن يجعل من هذه الليلة التي تجاوز الوقت فيها آذان العشاء، أول ليلة لا يتحدث فيها معها.. نادى هدى.. وقفت أمامه.. كان جالسا على كرسيه الهزّاز، بحلق في عينيها، لفّ خصرها بذراعيه، جذبها إلى حضنه، لفّت كفاه رأسها، لثم شفتيها بقبلة ملتهبة، تراجع رأسه قليلا عنها: “منذ الآن، لن يشغلني سواك!!”.. حضنته بذراعيها البضتين؛ أضاءت البهجة عينيها ومحياها.. تدحرجت دموعها على خدودها المتوردة، ورمت رأسها فوق كتفه.. حملها بين ذراعيه، وأطلق في بحار الخيال أشرعته.. جلس مطرقا ساهما، إلى أن أيقظه رنين الهاتف، رفع السماعة.. رجاء على الطرف الآخر.. رجاء عادت على التو لتملأ وجدانه.. ودفعة واحدة!!

وفي صباح اليوم التالي، وكان الطقس صباحيا دافئا، استيقظ مبكرا.. استدعى خياله رجاء وهو لا يزال في الفراش.. تخيلها تقول له: “لا أستطيع الاستحمام قبل ذهابي للعمل!!”.. تخيّل أنه يرد عليها وهو يتخيل أن يده كانت تتسلل تحت ثيابها: “تستطيعين الذهاب إلى عملك دون اغتسال.. إني أشتهيك!!”.. لا يزال الخيال متواصلا: استسلمت له، قبض على شفتيها بقوة جوعان ظامئ.. أفرغ توتره.. مضى الخيال، فقام وفتح باب البيت الداخلي: “صباح الخير يا تينة!!”.. صمت لحظة ثم تابع: “رجاء ليست لي؛ هدى والتينة لي!!”.. التينة ذكرى حبِّ لم يهجره. وهدى حلم.. يوم أن رحل من غزة إلى هنا، كانت هدى والتينة قد بلغتا الثالثة عشرة من عمرهما.. هاتفته رجاء ليلة الأمس مرتين؛ قال لها: “هممت ظهيرة هذا اليوم أن أهاتفك، شعرت أنني كنت قاسيا معك خلال مهاتفة الصباح!!”.. ردّت: “بل أنا التي كنت قاسية!”.. أخبرَتْه أنها اتصلت مع مدير المستشفى الذي كانت أمها قد توفيت فيها، نتيجة إهمال المدير وطاقم المستشفى، كما تعتقد.. كانت تحمل شعورا بالحقد عليهم.. توفيت أمها بعد خمسة أيام من رحيله من غزة إلى هنا.. في الذكرى الثامنة لقدومه إلى الوطن بعد اغتراب طويل..

كانت رجاء قد تحدثت قبل يومين مع مدير المستشفى بقسوة؛ وفي المحادثة الأخيرة التي بادرت هي إليها، اعتذرت للمدير عن قسوتها:

-       “أسعَدَتْه مكالمتي جدا!!”.

-  “أنتِ فعلتِ ما تدعو إليه فلسفتي.. سعادته هي بهجة الحب، أنت أيضا ابتهجت لبهجته باعتذارك إليه.. من الأجمل أن نفتح كل يوم كتابا جديدا!!”.

في المكالمة الأولى لهذه الليلة بينه وبين رجاء، تنهد بأسى عميق؛ ردت بلهجة احتجاجية، تعكس ضيقها: “هل اتصلت بك لأسمع تنهدك؟!”.. ردّ: “يبدو أن واحدا منا لا بد أن يتنهد”.. ردّت بخفة روح: “لماذا لا نبتهج معا؟!!”.. هذا ما يتمناه.. أوقفت المكالمة كيّ لا تلفت نظر ابنتيها اللتين ترقبانها باندهاش.. بعد نصف ساعة، عاد جرس الهاتف عنده للرنين من جديد؛ بدا من حديثها أن مزاجها متعكر.. أخبرته أن سابق اتصل بها، لكن القلق والخوف لا يزالان يسكنا قلبها.. تحدثت بأسى: “لا أزال أريد الارتباط به، ولكن، كيف أطمئن إلى أنه لا يريد الزواج مني طمعا في مالي الذي يأتيني من عملي؟!”..

-       “واحد فقط، هو الذي لا يسأل زوجته عن مالها الذي تتقاضاه عن عملها!”.

-       “أعرفه، إنه أنت!!”.

-       “الناس هنا يعتبرون أن الزوجة ومالها ملك للزوج!!”.

-  “قد يكون في ذلك شيء من الصواب: المرأة تعمل على حساب الوقت الذي يجب عليها أن تمنحه لزوجها!!”.

-  “أنا لا أشجع عمل المرأة المتزوجة، وأرى أن وظيفتها الحقيقية هي أن تصنع البهجة لها ولأطفالها ولزوجها؛ لا أريد العودة بالمرأة إلى عصر الحريم.. أريد تحريرها من أعباء وظيفة تمتص ماتمتلكه المرأة من قدرة على إبداع عالم أجمل.. لا أصادر حرية المرأة الإنسانية، اقتراحي يوفر لها الحرية الجميلة!!”.

-  “أتمنى لو أنني لا أعمل في وظيفة رسمية، أتمنى لو ينحصر عملي في البيت وفي المشاركة في أنشطة اجتماعية!! لكن، هل لا تشجع عمل المرأة قبل الزواج؟”.

-  “أشجع عمل المرأة قبل الزواج، فهذا يكسبها خبرة بالحياة، ويمنحها فرصة للالتقاء بشريك المستقبل.. فإذا تزوجت، وأنجبت، أصبح من حقها على المجتمع أن يرعى وظيفتها الجديدة.. وظيفتها الأجمل!!”.

عاد للحديث عن مشروع رعاية الطفولة والأمومة الذي اقترح عليها تنفيذه معا، قالت:

-       “أي نشاط لي بعد زواجي من سابق لن يكون إلى بإذنه وموافقته!!”.

-       “هكذا، أنتِ تغلقين الباب في وجهي بالإسمنت المسلح!!”.

-  “أرجو أن يوفقك الله في الارتباط مع امرأة غيري, وأعدك أن أقوم أنا وزوجي بتبادل الزيارات العائلية معكما!!”.

-       “حينئذ سأسترق النظرات إليك!!”.

-       “كلا، لن تفعل؛ فستكون زوجتك حبيبة لك!!”.

قال في نفسه: “بل أنت الحبيبة!”؛ ثم سألها:

-       “لماذا ترفضين زيارتي في هذه المرحلة؟!”.

-       “لا أريد التشويش على نفسي!!”.

تبدو وكأن قلبها معه، وعقلها يختار سابق زوجا لها.. سألته:

-       “أخبرني بالضبط عن أحوالك المالية؟”.

-       “صعبة؛ هل هذا سبب يضاف لأسباب رفضك للارتباط بي؟!!”.

-       ” ماذا تنوي تسمية الجمعية التي تعتزم إنشاءها؟!”.

-       ” سيكون مركبا من اسمك واسمي! لماذا تهربين كلما أحاول الاقتراب من المسألة العاطفية بيننا؟!.

-  ” ألا تلاحظ أن هناك إشارة صوتية تشير إلى اتصال هاتفي يطلب صاحبه التحدث معي.. أحسب أنها صديقة لي ترغب في التحدث معي هاتفيا، تنتظر مني أن أتصل بها، إنها تذكرني بوعدي لها بذلك، إنها لا تزال غير متزوجة، تكبرني ببضع سنين، لا تسألني عما إذا كانت تقبل بك زوجا، لن توافق، إن ظرفك المالي صعب، سأتحدث معها عما بيننا، أنا لا أخفي عنها أسراري!!”.

****

وقف تحت التينة والشرفة يحتسي شاي الصباح.. المرآة التي تغطي شرفة البيت المقابل لبيت “الجارة”، تعكس صورة حمامة، وهي تقف على حافة سطح بيت أهل “الجارة”، تلاحق ذكرها الذي يبدو عزوفا عنها.. وفوق سطح بيت مقابل، تعالج أنثى حصيرة، وهي تلتفت إليه.. حملت الأنثى الحصيرة، وشرعت في هبوط درجات سلم بيتها، وهي لا تزال ترسل نظراتها إليه، وعيناه تتبعها حتى اختفت: “وقريبا تختفي رجاء أيضا!!”؛ قال بأسى.. يجلس في فناء بيته الخارجي.. يلفت انتباهه ظهور أوراق  جديدة حمراء وخضراء على شجرة قريبة منه.. الحياة تسجل انتصارها على الموت الخريفي.. أوراق التينة الجافة تتساقط من حوله.. الريح تنشط.. يلتفت إلى الوراء، النخلتان الشاهقتان تهتزان.. وعلى صفحة الهواء، يرسم أطفال حضانة قريبة منه، لوحة مسموعة من ضجيج عفوي بريء وجميل.. قال في مكالمته الأخيرة مع رجاء:

-       “أنا في الحب مجنون؛ لكني أجد نفسي هذه المرة، وحتى الآن، على غير ذلك.. يجب أن أراكِ!!”.

-       “هل استطعتُ أن أجعل منك عاقلا!! آمل أن تتحلى بالصبر، أؤكد لك أنني سأقوم بزيارتك!!”.

في الصباح، حلق ذقنه خوفا من أن تفاجئه رجاء بالزيارة الموعودة، فيبدو وهو بلحيته النابتة في مظهر قد تضيفه على قائمة الأسباب التي تستند إليها في قرارها عدم الزواج منه.. تابعت رجاء تقول له:

-       “رأيتك في الحلم: أسمر قصيرا”.

-       “أحلامك تشوه حقيقتي: أنا أبيض وطويل!!.

-       “لا تزال الكوابيس تطاردني، كم جلسة أحتاج لعلاجي؟!”.

-       “سأجعلها تمتد دون أن تصل إلى نهاية!!”.

انتقل من الفناء الخارجي إلى غرفة مكتبه.. ينتظر هاتفها الصباحي الذي تبادر إليه وهي في مكتب عملها.. تناول إفطاره.. طالع جديد الإنترنت.. خرج إلى السوق الشعبي الذي يقام هذا اليوم من كل أسبوع في البلد الذي يسكنه هو ورجاء.. قالت له أمس بلحن فيه دعابة: “أقترح أن يذهب كلانا للسوق العام غدا، ودعنا نتعرف إلى بعضنا.. تُرى، هل ستعرفني قبل أن أعرفك، أم أعرفك أنا قبل أن تعرفني؟!”.. كانت في مكالمة سابقة قد سألته: “ألن تعرفني لو حدث وتقابلنا بالصدفة، وبعد كل هذه الاتصالات بيننا؛ أنا سأعرفك؟!”.. في المكالمة الأخيرة، قال بغيظ مكتوم: “لا أستطيع احتمال أن لا نلتقي، وخاصة إن ما بيننا من مسافة تقطعها السيارة في أقل من خمس دقائق؟!”.. ماكينة المنجرة المجاورة لبيته تنشر في الأفق صوت بكاء.. فتح الباب ليستطلع أحوال الطقس: ريح متربة، اشتدت حتى أحنت جذع النخلة الطويلة.. لكن الرأس منها ما يزال شامخا في عليائه، يقاوم الشدائد.. “أحب شجرة النخيل”؛ قالت رجاء.. “وأنا أحبها لشموخها”؛ قال..

وهو في طريقه إلى السوق العام، عرج على مكتب خدمات الهاتف، وطلب تزويد خطه الهاتفي بخدمة تسمح له بتحويل المكالمات التي يستقبلها هاتفه الثابت إلى هاتفه الجوال، لكي يعرف باتصال رجاء به وهو خارج منزله؛ فلا تضيع منه فرصة للتحدث معها!! السوق مزدحم بوجوه نسائية كثيرة، بحث بينها عن مرأة يعرف صوتها ولا يعرف صورتها.. مالت امرأة ممشوقة القوام نحوه، كانت تسير في اتجاه معاكس له، صدمت بكتفها اليمنى كتفه الأيسر.. تمنى لو أن هذه هي رجاء التي حضنها في خياله هذا الصباح.. وعندما كانت عيناه تقعان على شفاه أنثوية مثيرة له، كانت النار تتوهج في قلبه.. مصمص في هذا الصباح شفاه رجاء في الخيال.. الشفاه الأنثوية ولعه الذي يواصله ساعات وساعات دون أن يملّ أو يرتوي!! رأى فتاة سوداء توازيه في الطول وتسير في اتجاه معاكس لاتجاه تحركه.. انقلب وتابعها لبعض الوقت.. قال لرجاء في مهاتفة الأمس: “سأسعى إلى أن أتزوج من امرأة سوداء.. السود سود الجلود بيض القلوب!!”..

****

حكى لرجاء أنه اعتزم منذ عدة سنوات، الخروج من غزة إلى العاصمة السودانية الخرطوم، في مسيرة على الأقدام، ليعلن وحدة المظلومين في فلسطين والسودان، وذلك بعد تعرض الأخير لعدوان أمريكي دمَّر مستشفى في الخرطوم.. كان في تلك الأثناء، يعرف فتاة سوداء، تمنت أن تتزوج منه.. قال لفتاته السوداء: “سأعقد قراني عليك، وأصحبك معي في مسيرة الاحتجاج التي أنوي تنفيذها”.. اشتعلت عينا الفتاة ببريق البهجة.. تحدث إلى ممثل مصر في غزة، في شأن السماح له بعبور الأراضي المصرية في اتجاه السودان.. قال له السياسي المصري: “سأبذل جهدي للحصول على الموافقة المطلوبة لك لعبور الأراضي المصرية.. لكنني لست متفائلا؛ فالجهات الأمنية المصرية، حسب تقديري، لن تسمح بذلك!!”.. سأله مدير تحرير الصحيفة ذات الاتجاه الإسلامي التي قصدها ليعلن فيها عن مشروعه للسير حتى السودان: “هل تسمح لك صحتك بفعل ذلك؟!”. أجاب “الإمام الأبيض”: “هاجر الرسول محمد من مكة إلى المدينة وعمره يقارب عمري!!”.. رمقه الرجل بنظرات تنبئ عن امتعاضه من المقارنة، وقال: “ذاك رسول الله!!”.. ردّ: “لا تزال عندي بقية من صحة تكفيني!!”.. كان يهدف من اصطحاب زوجة سوداء البشرة معه في رحلته أن يؤكد عمليا على عمق توحده مع المقهورين.. كانت أمه تحمل في رأسها عطفا على الحزانى والمساكين والمقهورين؛ يردد كثيرا: “أمي هي أول من علمني حكمتي!!”.. انتهى مشروع المسيرة والزواج من سوداء البشرة بالفشل.. حياته سلسلة متصلة من الفشل؛ لكنه لا يفقد الأمل.. اشترى من السوق شتلات ريحان ونعناع وشجيرات منتور وأخرى قال البائع عنها أنها تلد أزهارا زرقاء بلون السماء.. اللون السماوي هو لونه المفضل.. وأزهار المنتور حية في ذاكرته: كان أبوه يهوى زراعة شجيراتها في حديقة صغيرة في بيته.. وفي أول عهده مع “الجارة”، أهداها لوحة رسومها أزهار منتور بيضاء.. وعندما جلس مع أبيها في حجرة ضيافة أسرتها، ، جالت عيناه تبحثان عن لوحة المنتور، لعلها تأخذ مكانها على جدار من جدران الغرفة التي يجلس فيها مع أبيها ليكتبا عقد إيجار الشقة التي يشغلها الآن.. “الجارة” كانت قد أخبرته من قبل أن أفراد أسرتها استحسنوا اللوحة بقوة، وأصروا على تعليقها في صالة المنزل، ورفضوا تعليقها في حجرتها كما كانت تنوي!! عاد من السوق إلى بيته، وشرع على الفور في زراعة الشتلات في الحوض الممتد ما بين البابين الداخلي والخارجي للشقة التي يقيم فيها.. كان الرجل العجوز الذي سكن قبله في الشقة، قد ترك خلفه شجيرة فلفل حار.. قال في خاطره: “عندما تأتي رجاء لزيارتي، يجب أن يكون المنتور والنعناع والريحان والأزهار الزرقاء في استقبالها؛ أتمنى لو تحدث معجزة، فتنمو شتلاتي وتكتمل وتلد أزهارها، قبل الزيارة الموعودة التي أتمنى حصولها اليوم قبل الغد؟!!”.. تساءل: “هل تحدث معجزة، وأفوز برجاء؟!!”.. تذكر وهو يزرع الشتلات أن صديقة رجاء تحمل شهادة جامعية حملها هو أيضا.. لم يبرح البيت منذ ثمانية أيام؛ .. لم تتصل به رجاء صباح اليوم.. يسال نفسه: “هل شغلها سابق؟!”.. وكان قد سألها: “هل سأفقدك بعد أن تتزوجين منه؟!..هل قصتي معك، حكاية تعبث برأسي ثم تهجرني دون رأفة؟!”.. شاهد وهو في طريقة إلى السوق، ملصقات تحمل اسم منظمة جهادية إسلامية، فيها: “الدم قانون المرحلة”.. قال في نفسه معلقا: “العبث قانون المراحل كلها!!”.. وفي أحلامه: “الحب شريعة الحياة!!”.. قال بصمت أسيان: “لكن رجاء تقمع عاطفة الحب وتقمع الأحلام الجميلة”.. نادى: “هدى.. أينك يا هدى.. أينك!!”..

قال في مكالمة جديدة مع رجاء، بادر هو إليها، وسكت فيها أطول مما تحدث: “أنا التائه في الضلالة بين السرابات!!”.. قالت: “غدا سألتقي به، ونحسم أمر زواجنا”.. شعرت أن كلماتها ضايقته، تابعت: “أخبرتك منذ البدء، أنني في طريقي للارتباط به”.. سألته عن “الجارة”.. منذ أيام عديدة، لم يستدع صورة “الجارة” من محفوظات الكمبيوتر إلى شاشة العرض، كما اعتاد أن يفعل من قبل، كلما جلس أمام الكمبيوتر.. استدعى صورتها فاحتلت شاشة الكمبيوتر أمامه، وهو يتحدث مع رجاء: يتوجع من الإحساس بأن نهاية قصته مع رجاء اقتربت.. نلوذ بالماضي، عندما نخسر الحاضر.. الماضي يملكنا ولا نملكه.. وعمره تجربة خاسرة!! بادرت رجاء للاتصال به في الليلة ذاتها: “هل توقعتَ اتصالي؟!”.. كان لحن كلامها ودودا.. في المكالمة التي سبقت هذه المكالمة، كان صوتها يخلو من الطراوة.. ردّ: “بصراحة، لا؛ لم أتوقع اتصالك بي!!”.. أخبرها أن صديقا له، يعمل في الجهة التي تعمل فيها صديقتها، اتصل به، بعد انقطاع طويل.. قالت:

-       “هل سألته عنها؟!”.

-       “عهدك بي أني أقول الصدق؛ سألته، لكنه لا يعرفها.. أتمنى لك حياة جميلة مع سابق!!”.

-       “من قلبك؟!”.

-  “أجل؛ من القلب الذي تسكنين فيه.. وقد صليت من أجل سعادتك، بعد انتهاء مكالمتنا الأولى لهذه الليلة!!”.

ردّت والتنهد يتلبس كلامها: “آمل من الله أن يوفقني معه.. هل توّد التعرف إليه؟!”.. أجاب: “كلا؛ لا تعنيني معرفته، المهم عندي أن تحالفك السعادة في حياتك معه.. هل تسمحين لي بأن أناديك الحبيبة؟!”..

رفضت.. وتنهدت. وأنهت المكالمة!! وكانت قد أخبرته أنها تحدثت مع صديقتها عنه، وعن سابق: “لكنني تحدثت عن سابق، قبل أن أتحدث عنك!!.. العقل لديها يحكم العاطفة ويسبقها: لقد وقع اختيارها على سابق.. وأغلقت أبواب العاطفة التي كانت تفتح على “الإمام الأبيض”!!

****

اصطبغت لهجته في المكالمة الأخيرة مع رجاء، بالراحة التي غابت عن المكالمة السابقة لها.. حكى لها أن الصديق الذي اتصل به قبل لحظات، زاره ومعه زوجته بعد عودته إلى غزة: “كنت حينها أقيم في ضيافة أقارب لي، ومن عادتهم أن يعزلوا الرجال عن النساء خلال الزيارات”.. طلبت زوجة قريبه من زوجة صديقه أن تنتقل معها إلى مكان غير المكان الذي جلس الضيوف فيه أول مقدمهم.. رفضت الضيفة.. الحّت المضيفة عليها بطلب الانعزال عن الرجال.. رفضت الضيفة من جديد.. عاودت المضيفة طلبها.. انفجرت الضيفة: “هل أنا مجنونة حتى أترك زوجتي مع هذا الرجل؟!”.. “هذا الرجل هو أنا!!”.. انفجر هو ورجاء ضاحكين معا.. تعود معرفته بالصديق وزوجته إلى أيامه في الغربة؛ قال لصديقه: “سأحاول الرجوع إلى الغربة، لا متسع لي هنا!!”.. قال لرجاء: “أنت تهربين!!”.. قالت: “هذا أفضل!!”.. قرأ لها أسطرا من روايته التي يكتبها:

-       “جميل ما تكتبه!!”.

-       “أنت أجمل.. وفي الواقع، فإنك أنت الكاتبة الحقيقية لها، أيتها الحبيبة!!”.

تنهدت.. وتحولت بالحديث في اتجاه مغاير!! وفي ساعة متأخرة من الليل، خرج إلى فناء منزله، ونظر إلى فوق: الشرفة والتينة والقمر.. والبلد الذي يهواه.. وقلبه النازف.. سابحات وسابحون في الصمت حزانى.. والنخلتان شامختان صامدتان في وجه ريح قوية.. وعَيْنا هدى المنيرتان، تواسيه، وتُشعلان الأمل: “الحب لا ينهزم.. والشمس تشرق كل يوم جديدة!!”..

استيقظ صباح اليوم التالي، على أخبار يبثها راديو لندن، تعلن عن مقتل أحد عشر فلسطينيا، عند الفجر، في أعمق توغل لقوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة غزة، منذ بدء الانتفاضة الراهنة في 28 أيلول (سبتمبر) من عام 2000.. ومن موقع الموت، جدد شيخ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أحمد ياسين، التوعد برد قاس على المعتدين، وكرر القول: “فلسطين أرض رباط حتى يوم القيامة”.. قال في سره: “إذن، ستبقى بلادي، مرهونة للموت الأبدي!!”.. وفي خضم الموت، فلا مكان لدعوة “بهجة الحب” التي يتبناها.. سجّل التاريخ، أن الأنبياء يهاجرون من أوطانهم!! لا يزعم “الإمام الأبيض” أنه نبي؛ لكنه يصف نفسه بأنه: “باب في كتاب النبوة المفتوح!!”.. وهذا اليوم، لم يفتح بابه الخارجي، كما تعود أن يفعل، منذ إقامته في بيته الحالي: “لماذا أفتحه، والمرضى لا يأتون.. ولن تأتي الجارة.. ولن تأتي رجاء أيضا!!”.. جلس ووراء ظهره، الحوض الذي غرس فيه أمس شتلات النعناع والريحان والمنتور وذات الأزهار الزرقاء.. أشعة الشمس الصباحية تلفه، بعد أن تتسلل إليه، من بين أوراق التينة التي تنتشر أغصانها قبالة شرفة “الحبيبة”.. تقول فلسفته: “الآخرون يمنحوننا فرصة لبهجتنا؛ لكن، بشروطهم!!”.. وصفَ الحرية بأنها “مادة الله”.. وقال لرجاء: “إيماني بالله عميق.. عميق!!”.. حفرت ابنته الصغرى على سطح مكتبه الرثِّ الأزرق الصغير، خلال زيارتها له في غزة، قبل عامين ونصف، بصحبة أمها وشقيقيها: تسقط حرية بابا.. تحيا حرية ماما!!”.. قال: “لا أحد يؤمن بي.. أريد زوجة مؤمنة بي!!”.. لا ينتظر اتصالا هاتفيا من رجاء هذا الصباح: “رجاء لا تؤمن بي أيضا!! ورجل يؤمن بأن الله حقيقة مادتها الحرية، لن يجد مرأة تملأ فراغ الأنثى الواسع العميق الصاخب القلق المترامي في كيانه وعقله ووجدانه”.. الزواج قيد لم يطقه فيما مضى من حياته.. دعا في نظريته، إلى “البهجة الذاتية”.. فيها: “نتحرر من ارتهاننا للآخر”.. البهجة الذاتية مطلب عسير المنال. لكنها خياره الوحيد. قالت له رجاء: “سأعمل بوصاياك بعد أن تعمل أنت بها!!”.. شرع اليوم، في تجديد التزامه بفلسفته: “ابتسم.. واملأ بالهواء النقي صدرك.. وفي خشوع المتقين، لله تضرَّع: اللهم يا رب العالمين.. اجعل قلبي وعقلي بيتا لنورك.. وشمسا وأقمارا ووردا.. واجعلني خيرا لي.. وخيرا للخلق أجمعين.. آمين.. آمين!!”.. على الناحية الأخرى من سور البيت، يضج تراكتور بصراخ ماكينته وهي تشفط بئر الملفوظات البشرية.. فتح بابه الخارجي، وصافح سائق التراكتور، في هواء مشبع بالروائح الكريهة.. تقول وصاياه: “الكراهية بغيضة ونتنة.. أما الحب للحياة الجميلة، وللناس والخلق أجمعين، فهو ماؤنا ونورنا”.. وتضيف: “واصفح/ي.. وسبع مرات عميقات استنشق/ي هواء بكرا وقولي/قل: يا رب العالمين أنر بالخير قلبي وعقلي وسعيي وما حولي واجعل يومي الجديد بهجة حب لي وللخلق أجمعين.. وانطلق/ي..”.. دخل البيت على عجل، وتناول من المطبخ أجمل تفاحة لديه، واندفع عائدا إلى الرجل الذي كان قد أنهي شفط قاذورات الجسد وقدّمها له.. ابتهج الرجل وببهجة قال إنه تزوج أربعة من النساء.. وأنه يرغب في الزواج من خامسة.. تحدث وهو يحتسي شايا جاء له به صاحب العمارة التي شفط بئرها الأسود، عن مرارة الغربة خارج الوطن، وقال: “دمرتني!!”..

وبينما كان الضجيج الصاخب لا يزال ينشر الرائحة الكريهة في المكان، اندفعت فيروز ببراءة الطفولة نحوه؛ حملها بشوق بين ذراعيه، وطبع قبلتين شغوفتين على خديها؛ قال لرجاء: “أنا طفل”.. والأسى يملأ جوانحه من أخبار الموت.. أدى رياضة خفيفة عندما نهض من نومه.. لم يستحضر خيالُه رجاء هذا الصباح!! بعد أيام قليلة، سترقد عروسا في حضن سابق.. قال له صاحب البيت، والد “الجارة”: “ستطرح شجرتيِّ الرمان المزروعتين جوار التينة ثمارا هذا العام”.. يحب الرمان الناهد فوق صدور النساء.. كتب: “دوّخاني.. نهداك يا جارة!!”..

****

جاء الرجل الذي كان اقترح عليه الزواج من رجاء، ووالد “الجارة” لزيارته، ومكثا وقتا طويلا.. تحدث الزائران في الجلسة التي انتهت عندما ارتفع آذان الظهر، عن مشكلات الرجال مع النساء.. وفي معرض حديثهم المتشعب، انتقدوا الرجل العجوز الذي كان يسكن البيت الذي يسكنه الآن، اتفقا على أن الرجل العجوز “لم يحترم سنه، فتزوج امرأة أصغر من بناته.. جميع الناس في الحيّ يعيبون عليه ذلك!!”.. قال “الإمام الأبيض” محتجا: “ما شأن الناس باثنين اختارا شيئا لهما الحرية في اختياره؟! هذا حق لهما، ولا حق لأحد سواهما أن يتناوله بسوء!!”.. حدّق فيه زائراه بصمت، ثم خرج الرجل الذي اقترح عليه الزواج من رجاء من موضوع العجوز إلى موضوع رجاء، التي أشار إليها بقوله: “الزلمة (الرجل) الذي بيننا!!”.. تحدث الرجل عن تواضع رجاء وعن شخصها كلها حديث المادح.. وعندما غادر والد “الجارة” الجلسة، تحدث الرجل عن امرأة تمتلك بيتا: “هنا في هذه المنطقة، لكنها لا تمتلك مواصفات رجاء، أنا أعرف ذوقك، ورجاء هديتي لك!!”.. اتفقا على أن رجاء فرصة ثمينة.. قال في سره: “لكن شمس هذا النهار لن تغرب، قبل أن تكون رجاء، قد اتفقت مع سابق على أن يشرعا في أطلاق مركبتهما المشتركة لتبدأ إجراءات الزواج بينهما!!”..

خطر له أن يبتعد عن المكان، وأن يذهب إلى بلدة بعيدة، ليقدم تهنئته لابن خال له، وأمه، على سلامة عودتهما من الأراضي الحجازية بعد تأديتهما فريضة الحج بها؛ سيساعده هذا الهروب على تخفيف وقع الصدمة التي بات وقوعها مؤكدا.. وعند غروب هذا اليوم، سيغرب حلمه الأخير.. قال لها أمس: “إذا تزوجت من صديقتك، سيكون أمامي مجال للبقاء قريبا منك”.. أبدت في ثنايا حديثهما الأخير، تحفظها على كلامه عن وقوعه في حبها: “ليس معقولا أن تحبني قبل أن ترني!!”.. هل تختبر عاطفته نحوها.. قال:

-       “نصف الناس يتزوجون هذه الأيام عن طريق التعارف بالهاتف أو المراسلات!!”.

-       “دعني أسمي عاطفتك نحوي إعجابا.. الحب الحقيقي يأتي بعد الزواج، ويحتاج لوقت!!”.

تأبى هذه المرأة أن تكشف عن مكنون صدرها.. يتمنى لو أنها تعترف أنها تحبه، كما اعترف هو بأنه يحبها.. تريد أن تقنعه أن ما بينهما ليس حبا.. قال لنفسه: “اعتقد أن وراء هذا الموقف أخلاقا نبيلة”؛ فهي ترفض الاعتراف بحبها له، لأنها وافقت على الاقتران مع سابق.. سألها: “هل قبولك بسابق نهائي؟!”.. لا تريد أن يكون وقع الصدمة شديدا عليه، قالت: “تقريبا!!”..

لم يحظ كلام الرجل الذي حمل له اقتراحا جديدا بالزواج من المرأة التي تمتلك بيتا، باهتمامه الجدي؛ فإذا فكر في الزواج من امرأة أخرى، فإنه يميل إلى صديقة رجاء.. فيما مضى، رفض قبول اقتراحين بالزواج من فتاتين حملتا اسم صديقة رجاء.. رفض إحداهن لتدني مستواها العلمي.. كان لا يزال يحيا محنة الزواج من مرأة غير متعلمة، كلفته ثمنا معنويا باهظا.. هرب منها إلى امرأة، حرص على أن لا يكون مستواها العلمي، أقل من المستوى الجامعي.. والثانية التي تحمل اسم صديقة رجاء، اقترحتها عليه، المرأة التي صارت زوجته الثانية، وذلك قبل أن يرتبط بها.. فكان الارتباط بها، تكرارا لخطأ الاختيار الحالم.. فهل يسوقه القدر، نحو ثالثة، تحمل اسم صديقة رجاء؟! أعربت رجاء عن ندمها لأنها تحدثت معه عنها، وقالت: ” لا تعتقد أن تقدمها في العمر، يضعها في موقف ضعف، ويدفعها للقبول بك.. إنها تعتز بنفسها اعتزازا شديدا.. عدم تدينك، وصعوبة ظروفك المالية، ستدفعها لرفض الزواج منك!!”.. تعتز بنفسها؟!.. هذه صفة تستهويه.. وهي أطول من رجاء.. والطول في النساء يستهويه أيضا!! ويكفي أنها صديقة رجاء الوحيدة، التي تسرُّ إليها ما تخفيه عن سواها، من خصوصياتها.. والمرءُ على دين خليله.. يشعر أنه لو كسب جولة صديقة رجاء، فلن تكون خسارته بفقدان رجاء كبيرة.. وعندما كان يحرقه الشوق لرؤية “الحبيبة الجارة”، راودته فكرة الزواج من شقيقتها.. الحبيبة اقترحت عليه ذلك أيضا، في إحدى زياراتها له: “لو تزوجت شقيقتي، سيكون أمامنا فرصة للتزاور العائلي”.. لم يستحسن الفكرة، فالزواج من شقيقتها، لن يكون نقيا.. سيكون من أجل أن يلتقي بالحبيبة.. لم تنحطّ أخلاقه إلى مستوى الخديعة.. راودته ذات مرة، فكرة الزواج من مرأة كفيفة، همس الشيطان في أذنه: “ستحظى بفرصة لمغازلة الأخريات دون أن تنتبه الكفيفة إلى ذلك!”.. سأل صديقه الشاعر عن رأيه في الزواج من امرأة كفيفة؟ رد الصديق المسكون بهاجس الجنس، الخبير بأسراره: “الكفيفات ممتازات من ناحية الممارسة الجنسية!!”.. والجانب الجنسي مهم في أي مشروع لزواجه، وهو يتعذب من غياب امرأة يبحر في أنوثتها.. إن حقله قاحل من النساء!!. لكنه رفض الفكرة الشيطانية: “لن أستغل عاهة إنسان لخديعته!”.. وعندما نبتت رجاء في صحرائه، حسب أن الأقدار ساقته للإقامة في هذا البيت الذي أحب إحدى بناته.. ليعوضه عن فقدان الحبيبة التي ظنّ أنها أول الحب وآخره وكله.. توهم أن رجاء هي مخلِّصته من شقائه الذي ظل يلازمه منذ عهود بدأت عند أول الخلق.. وعند غروب شمس هذا اليوم، ستكون رجاء وهْما تبخر في ومضة عين.. سيندس من جديد في مغارة نفسه، وسيغيب تحت طبقات الخيبة الكثيفة.. وسيطوي كتاب النسوان طيّا أخيرا..

****

في حركة واحدة، فتح النافذة المطلة على التينة وأغلقها.. الريح ساقعة، والأفق مكتظ بالغيوم.. كما حاله تماما.. السماء مثقلة بحمل قاتم من المطر، وتتأهب أن تذرف دموعها الغزيرة بكاء عليه، ومعه.. بعد وقت قصير، ستنطلق رجاء في رحلتها مع سابق.. سألها أمس:

-       “هل سيكون بمقدوري، الحديث معك بعد ذلك؟!”.

-       “سيكون ذلك في حضوره؛ هل تعتقد أن من حق امرأة أن تحادث رجلا آخر من وراء ظهر زوجها؟!”.

ألجمته.. وفي صدره لهب تتصاعد ألسنته.. خرج إلى فناء البيت، روى التينة والرمانتين والزيتونة وحقل الشتلات.. لفّه الوجوم.. أغلق نوافذ البيت والأبواب عليه.. انقطع التيار الكهربائي  فتوقف الكمبيوتر عن العمل.. ومن الشارع، يتسلل إليه، ضوضاء بنات صغيرات يلعبن ببراءة يهواها عقله.. والنهار يوشك على السقوط في الظلمة.. والقلب مصدوع، والرجاء تبدد.. تبدد.. وفي خيبته تتراقص الشياطين: “هل ترقد كفّها هذه اللحظة، بين راحتيه؟! هل ارتوى من رحيق شفاهها؟! هل داعبت أصابعه حلمتيها؟! هل ضغطها بين ذراعيه؟! هل.. هل..؟!”.. تهيأ له أن جرس الهاتف يرن.. فاق من ضياعه، لا رنين من خارجه.. الرنين جوّاه.. صلَّى من أجلها: “اللهم اجعل من أيامها ولياليها بهجة من البهجة التي لا تنقضي، ولا تبلى.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”.. رمى جسده فوق سرير المرضى، وحملق في سقف كانت الحبيبة تسكن فوقه.. الصمت يلفه.. وفي خشوع عاد يصلِّي من أجل رجاء: “اللهم اجعل من أيامها ولياليها، بهجة من البهجة التي لا تنقضي ولا تبلى.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”.. نهض، صنع كوبا من الشاي، أرتفع صوت المؤذن، بدأ الظلام يتزاحم.. أمس قالت: “سأهاتفك غدا بعد لقائي مع سابق”..أطلّت رأسه من الباب الخارجي، لا زالت الصغيرات تلهو، لم ينتبهن إليه، دخل معتكفه، أمس قال لها: “لن أبادر إلى الاتصال بك بعد الآن”.. جلس خلف مكتبه، تنهد وقال لنفسه: “شراعها مفرود للريح في نهر ليس نهري؛ أنا المنذور للحسرات!!”.. تعلقت عيناه بمصباح مضاء.. فتح الكمبيوتر، واستقرت شاشته على صورة باقة ورد جوري أحمر، تلقّاها من محبوبة ابنه الكبير.. لن ينتظر هاتفها منذ الآن، قال بصمت: “حلم يقظتي الأخير أدبر!”..

****

مضت الليلة الأولى التي لم يسمع فيها صوت رجاء.. مضت بهدوء..نام مبكرا، ونهض صباح اليوم التالي مبكرا أيضا.. ابتسم، وأدى شعائر صلاته الأخرى التي رسمتها وصاياه.. حلق ذقنه، وأزال التراب الذي حملته ريح الأمس من أمام بيته.. بهجة النور تشع في عينيه وقلبه وعقله ويديه.. رجاء لم تبرح مخيلته.. لكن عهد ما بعد رجاء بدأ.. الجارة أم البنات تحمل فيروز فيما هي تقف أمام نافذة مكتبه الشرقية.. جمع أصابع يده اليمنى، وهو جالس وراء مكتبه، وطبع عليها قبلة سريعة أطلقها ببهجة نحو الصغيرة فيروز.. قالت الأم بصوت خفيض، يخشى أن يحمله الهواء للجيران، لصغيرتها: “أرسلي له قبلة منك!!”.. طبعت الطفلة ببراءة مبتهجة، قبلة على راحة كفها، ودفعت بها إليه.. سأل الجارة أم البنات: “هل ذهب عنك الصداع الذي أصابك أمس؟”.. حمدت الله، وقالت: “لا تصنع لنفسك غداء هذا اليوم، سأحضر لك أنا الغداء”.. . غابت فيروز وأمها.. نهض عن مكتبه وتفقد رمانتيه والتينة والزيتونة وشتلاته.. أعدَّ شاي الصباح، ودلقه في كأس كان أبو “الجارة” قد أتي به أمس مملوءا بالشاي.. رجاء و”الجارة” باتتا ذكرى.. الليلة الأخيرة، طلب صديق منه، أن ينضم إليه لتنفيذ مشروع يخدم الطفولة.. , وافق؛ لكنه لم يقابل بحماس، دعوة الصديق له بالرحيل إلى غزة، قال: “أشعر هنا بالراحة النفسية!!”.. موسيقى هادئة تنثر العطر على صفحة الزمان والمكان. وبهجة الحب تشتعل في قلبه وعقله: “اللهم اجعل من أيامها وأيامي.. ومن الليالي كلها.. لها ولي.. وللناس والخلق أجمعين.. بهجة من الحب التي لا تنقضي ولا تبلى.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”.. العصافير تزغرد.. وقمم الأشجار تترنح من خمر كونية تحتسيها.. وشمس صباح شتوي، تلفه بالدفء، وأوراق التينة القديمة تنسحب.. وعمّا قريب، تنمو أوراق جديدة، والثمار قادمة.. وفي دمه، ترقص هدى في أحلامه.. وتتكوّر على صدرها رمانتان صغيرتان شهيتان.. يحلِّق بهما إلى سماء السماء..منطلقا في الحرية السرمدية.. يفرد أجنحته، ويهتف في شبق روحي: “هدى! أنت.. وحدك أنت.. حبيبتي!!”..

هبط به من علياء أحلامه، رنين جرس الهاتف.. الساعة التاسعة صباحا.. رجاء تتحدث.. صوتها عذاب وتنهدات يتقطع لهما قلب من حجر.. “طمئنيني، ما ذا حدث؟!”.. ردت والألم يعصرهما معا: “لا ذنب له، ثارت امرأته ثورة هائجة، وتهدد بإشعال الحريق!!”..

-       “لا توجد مرأة ترضى بهروب زوجها لأخرى!!”.

-       “جاهلة!!”.

تنهد، وردد بصمت: “جاهلة.. جاهلة!!”.. رفع صوته: “الحياة مع امرأة جاهلة، شقاء لا يطاق!!”.. فتح أمامها صفحة من كتابه لم يكن فتحها من قبل.. كان ينتظر فرصة مناسبة.. تحدث عن عذابه القديم المتصل، الذي صاحب تجربة زواجه الأولى.. سألته عن التفاصيل.. الحريق الذي تهدد زوجة سابق بإشعاله، ينفجر في قلبه وصوته: “لم أرَ طفلي الأخير منها أبدا.. عمره الآن خمسة عشر عاما.. آسف، أضفت صدمة أخرى إلى صدمتك من خيبة أملك في نجاح مشروع زواجك من سابق.. آسف.. أنا لم أتحدث إليكِ بالأمس، التزاما بعهدي.. هل أنا مجرم؟!”.

-       “ما ذنب أبنائك؟!”

-       “أعترف بذنبي.. ذنب الحالم!!”..

حرص على أن لا يفتح جرحا قديما في نفسها، فلم يذكِّرها بأنها هي أيضا فعلت الشيء ذاته، عندما انفصلت عن زوجها، وحرمت أبناءها من أبيهم.. حكى لها قصته مع عذاب الزواج من “جاهلة”.. قست عليه في تعليقها.. وقالت:

-  “كنت منذ البدء أعتقد أن الاستقرار معك مسألة غير مضمونة.. أولاد متفرقون بين الجهات، وأب فشل مرة ثمّ مرة، فهرب مرة، ثم مرة!! فما الذي يضمن أنك لن تفشل وتهرب من زواج ثالث أيضا؟!”..

-       “قلت لك من قبل، إنني سأهرب من الزواج الثالث إلى الموت!!”.

-       “أرجو أن تلتزم في حديثك معي بإطار الصداقة.. إذا تجاوزته سأقطع اتصالي بك!!”.

-  “أقترح عليك تطبيق ما جاء في الوصايا التي أرسلتها لك.. هل ضاعت منك؟ هل أرسلُ لك نسخة أخرى عنها؟”.

-       “كلا، إني أحتفظ بها في حقيبتي!”.

-  “هذا وقتها؛ قد لا يكون سابق مناسبا لك.. أنتِ لا تعرفيه معرفة تامة.. أسال الله أن يرزقك خيرا منه!!”.

“لم أكن أعرفها معرفة تامة يا هدى.. القاضي يحكم بالسجن على متهم يقف أمامه.. لكنه لا يلاحق مجرمين احتموا بالاختباء في الظلمة.. مشكلتي أنني وقعت ضحية ما ظلَّ مختبئا في الظلمة.. حتى جاءت ساعة التعري، فكانت الحقيقة فوق الاحتمال.. هذه قصتي في مغامرتي الزواجية التي خضتها ولم أكن قد تحصنت بالمعرفة .. الجهل يحجب الحقائق، لكنه، كما إبليس كما يقول الدين، يخذلنا إذا وقعت الواقعة، فنحصد شوك الجهل وجهل الجهل ظلمة فوقها ظلمة.. فهل أنا المجرم وحدي يا هدى؟!!”..

تمنى على رجاء أن تكون صدرا يسعه. استمرت المكالمة بينهما إلى أن أطلقت قهقهتها الرقيقة، قال في غبطة:

-       “هكذا أكون قد أنجزت شيئا جميلا هذه الليلة!! هل اهتزت صورتي أمامك؟!”.

-       “قد تكون هناك زوجة رابعة وأخرى خامسة.. هل هناك زوجة سوداء؟!”.

-  “كلا، لكني التقيت بامرأة سوداء من الحبشة، وضعت تحت تصرفي بيتا لها وحديقة في أديس أبابا لأعيش فيهما بصحبة أسرتي.. كانت فرصة جيدة.. ستتيح لي الحصول على جواز سفر أثيوبي، كان سيوفر لي حرية الحركة التي لا توفرها لي وثيقة سفر اللاجئين الفلسطينيين الممنوحة لي من الحكومة المصرية.. أبوها يحتل مركزا دينيا مرموقا، ويملك أموالا لا حصر لها.. لكنني لست الرجل الذي يجيد اغتنام الفرص!!”.

هل تغفر له رجاء جريمته؟! سؤال يقلق راحته: “من الأجدى لي أن لا أفكر في الزواج مرة أخرى يا هدى!!”.. انطلق إلى مركز نسوي.. هناك تنتظره مريضات نفسيات بحاجة إلى استشاراته التي يقدمها لهن بالمجان..قالت له هدى: “يجب أن تُكفِّر عن جريمة أنت لست َ وحدك فاعلُها!!”..

طلب من مرأة التقى بها، صادف أنها تعرف رجاء، أن تحث رجاء على قبول الزواج منه. أعربت رجاء في محادثتها مع المرأة، عن رفضها مجددا لفكرة الارتباط به.. في الاتصال الهاتفي الليلي الذي جرى بعد ذلك بينهما، سألته بنبرة احتجاجية:

-       “ما الذي دعاك إلى فعل ذلك، وأنت تعرف موقفي من مسالة الزواج منك؟!”.

-  “رسالة أردت أن أؤكد لك فيها لمرة جديدة، أنني أريدك زوجة لي.. لكنني اتخذت قراري: من الآن، أنتِ أختي وصديقتي، ولن أعود للتفكير في مسألة زواجي منك، حتى لو وافقت أنتِ على ذلك!! هل لديك مشاعر عاطفية تجاه سابق؟!”.

-       “هل تظن أني أقبل بالزواج منه، دون أن أمتلك عاطفة نحوه؟!”.

تنهدت، ثم قالت والحزن يلف صوتها: “لماذا حظي عاثر دائما؟!”.. وخلال المحادثة، قالت له: “أنت تسعى للزواج مني، بدافع ما أمتلكه من عقار ووظيفة!!”.. استفزه كلامها، ورد بعصبية مكتومة: “زوجتي في وضع مادي أفضل من وضعك، وقد رفضت إلحاحها بالسفر إلى حيث تقيم، فأقيم وأنعم فيما تمتلك من عقار ومال.. أنا أريد مرأة لذاتها!!”.. لم يلبث التوتر الذي ساد محادثتهما هذه الليلة غير وقت يسير.. قال معاتبا:

-       “غرزتِ هذا الصباح سكينك في عنقي النازف من ذبح قديم!!”.

-       “أنت وزوجتك الأولى وأبناؤك ضحايا.. والثمن الذي دفعته، ولا تزال تدفعه، باهظ!!”.

-       “المتهم الماثل في القفص، ليس هو المجرم وحده.. القاضي والمحامي والشهود.. والضحية.. والمجتمع كله.. شركاء في الجريمة!!”.

****

اليوم الجمعة.. نهاية أسبوعين مرّا على العلاقة بينه وبين رجاء.. لم تنقطع فيهما الاتصالات الهاتفية بينهما سوى اليوم الذي كان من المقرر أن تلتقي فيه رجاء مع سابق، للاتفاق على اللمسات الأخيرة، الخاصة بزواجهما (رجاء وسابق)، قبل الشروع في اتخاذ إجراءات الارتباط الرسمية بينهما..

ظلّ ساعة ونصف الساعة في الفراش، بعد أن استيقظ وفتح غرفة نومه.. حلاوة الليلة الأخيرة، استيقظت معه: انتهت مكالمة بادر إليها، بدأت الساعة العاشرة.. وقبل منتصف الليل بنصف ساعة.. كانت تتحدث وهي تتدثر بفراش ثقيل، في ليلة باردة: قالت: “أشعلت المدفأة الكهربائية لكي أطرد البرد”.. قال: “عمّا قريب، إنشاء الله، ستنعمين بدفء طبيعي!!”.. أسكتها الحياء.. تابع: “هذا حق لك؛ لماذا لم تقولي لي منذ البدء، أنه يسكن قلبك؟! لو علمت ذلك، لما كشفت لك عن مكنون صدري نحوك!!”.. قالت: “تكاد يد الهاتف أن تسقط من يدي.. نعست.. تصبح على خير يا..”.. لم يسمع كلمتها بوضوح، ولكنه حدس أنها تناديه، وللمرة الأولى، باسمه المجرد من الألقاب: “أعيدي الكلمة الأخيرة، لم أسمعها جيدا!!”.. “كلا؛ بل سمعتها!!”.. “أقسم أني لم أسمعها بوضوح وأني لا أعرف بالضبط ما هي!!”.. ترددت.. ثم أعادتها.. ما حدسه كان حقيقة.. للمرة الأولى تخاطبه باسمه الأول مجردا من الألقاب.. قال ببهجة الطفولة البريئة: ” هذا أنا للمرة الأولى أكتشف جمال اسمي.. ما أجمله من بين شفتيك!!”.. خاطبها أيضا باسمها المجرد وهو يقول: “تصبحين على خير يا رجاء..!”.. بهجة هذه الليلة كانت ذات مذاق لم يألفه من قبل.. اتفقا على أن يتبادلا مشاعر الأخت وأخيها: “لا أخت لي من أبي وأمي، جاءتا ثم ذهبتا مبكرا. ماتتا في طفولتهما.. غياب الأخت من حياتي يشوش على الجانب الأنثوي فيها!!”.. راودتها الشكوك في صدق نيته في اعتبارها أختا له:

-  “لست مطمئنة إلى أنك ستتخذ مني أختا ولا شيء سوى ذلك.. أنت متقلِّب.. مرة جعلت مني أمَّـا لك أنت الطفل الكبير.. ومرة صديقة.. ومرة زوجة.. ومرة حبيبة.. ما الدليل على أنك سنكون أخي، ولا شيء سواه؟!.

-  “صحيح أنني تمنيت أن تكوني لي كل هذا.. لكنني أقسم بأجمل أخت أنني سأبقى أخاك المخلص لك دائما!”.

ثم قال ضاحكا: “هل تعرفين لماذا تسمى المرأة ستّا؟!”.. أجاب: “لأنها تحيط بالرجل من جهاته الست!!”.. قالت بتنهد: “إنه لم يتصل!!”.

-       “هل أستقدمه عندي، وأتحدث معه في المسألة؟!”.

-       “ليتك تقوم بعمل غسيل مخ لزوجته!! ثم أنا أخشى أن تلتقي به، فتحرضه على الابتعاد عني!!”.

-  “سبق لي أن قمت برعاية مشروع خطبة بين حبيبة لي، كانت نارها لا تزال متقدة في صدري؛ وبين رجل رغب في الزواج منها!! كان العذاب يعتصرني، لكني أعتقد أن الحب ليس تملكا لمن نحب.. الحب هو أن نحب ما يحب أولئك الذين نحبهم!!”.

قرأ عليها آخر ما كتب، وقال لها إنه صلى من أجلها هذا اليوم أيضا، وأكد لها أنه لن يعود للتفكير في الزواج منها، حتى لو وافقت هي.. ردت بلهجة فيها تحدٍ له:

-       “حتى لو أنا وافقت؟!”

-       “كتبتُ هذا!!”.

-  “كتبته؟! أصدق أنك كتبته.. لكن، هل أنت فعلا متأكد من صدق ما كتبت، وأنك لن تقبل إذا أنا قبلت؟!”.

قال بصوت تخالطه قهقهتهما المشتركة: “والله كتبته.. والله كتبته!!”.. الطفلة فيروز تتسلق قضبان الحديد المثبتة على نافذته.. شقيقتاها تلعبان أسفل النافذة من الجهة الأخرى.. تقول فيروز بعذوبتها الطفولية: “أريد المجيء عندك، لكن بابنا الخارجي مغلق”.. خطوات طفولية سريعة تتقافز فوق أرض الممر الموازي لنافذته من جهة بيت الجيران.. صوت أم البنات يزعق: “أين أنتن ذاهبات؟!”.. وقف يتابع ما يجري: “صباح الخير يا أم فيروز. كيف حالك، كيف حال زوجك؟”.. “بخير، كيف حالك أنت؟!”.. سألته شقيقتا فيروز معا: “هل شربت شايا يا دكتور؟”..

وبعد دقائق، تناول من يد كبيرة البنات الصغيرات كوب شاي يتطاير منه بخار الدفء الذي يفتقده؛ قال يحدث نفسه: “رجاء أختي.. الأخوَّة حب أحتاجه، إنه حب لا تقتله تحولات العاطفة.. أنا سعيد بحبي الجديد!!”.. عاد للفراش، وهو يحتسي الشاي، ويواصل القول بصمت جريح: “لم يعد في خيالي امرأة يستدعيها إلى حضن ذكورتي!!”.. الريح الخفيفة تعزف على أوراق شجرة الليمون الكبيرة في البيت المجاور موسيقى حفيف.. وأشعة الشمس تتسلل من بين الأغصان إلى حجرة نومه.. والعصافير تزغرد أهزوجة الصباح.. واختفت البنات الصغيرات من مجاله السمعي.. قفزت صور أبنائه من ذاكرته.. صلى من أجلهم.. حاول تشغيل المذياع على محطة الموسيقى؛ لكن التيار الكهربائي مقطوع.. تمدد على ظهره.. فرد البطانية فوق جسده.. وأغمض عينيه.. وردد الحرمان في صدره الملتاع: “سقطت مئذنة الفتى.. شاخ.. فما جدواكِ مئذنتي، في بلد يقتل غزلانه؟! ما جدواكِ مئذنتي.. في بلد تقتله النسوان؟!”.. رقد على جانبه الأيمن.. أطلق عينيه على أجنحة تحيكها صفحة الأفق ألأزرق البعيد. تمرُّ سحب بيضاء متفرقة.. وتمضي في المسافات المترامية التي لا تكشفها نافذته.. نهض.. تناول إفطارا من الخبز والشاي والحمص.. خرج إلى فناء البيت الخارجي، وهو لا يزال يرتدي ثياب النوم.. روى شتلاته وشجرة التين والرمانتين والزيتونة.. وبعد قليل، يرتفع آذان صلاة الجمعة.. نوى أن يذهب للمسجد القريب الذي كان قد مرّ من أمامه مع “الحبية الجارة” عندما كان يزورها قبل زواجها.. كان المسجد حينئذ في طور الإنشاء.. قال في نفسه: “أختي تحب أن أصلي.. يجب أن أفعل ما يرضيها”.. عندما بدأت إقامته في بلد الهوى، كان يتردد على المسجد الذي تمر الطريق إليه من أمام غرفة “الحبيبة – الجارة”.. كان يفعل ذلك، راجيا أن يصادفها.. أو مستعيدا ذكريات ساقته إلى هنا.. سألته “أخته” في مكالمة الليلة الماضية عن “الجارة – الحبيبة”.. قال: “أنتِ محوتِها!!”.. قال في نفسه، وهو يتمنى الزواج من رجاء: “الجارة “الحبيبة” خطوة نحو أختي.. تُرى، إلى أين أمضي بعدها؟!!!”.. رغب في الخروج من البيت لأداء صلاة الجمعة.. وفيما هو يوشك على ذلك، دق جرس الباب الخارجي.. دخل صديق له وهو يسأله عما إذا كان يعتزم الذهاب للمسجد.. اقترح على صديقه أن يذهبا معا.. لم يتحمس الصديق للاقتراح.. وفيما كان صوت خطيب الجمعة العالي يغطي الهواء، كان الصديق يتحدث عن حذره من النساء.. روى قصته مع إحداهن.. اتفقتْ مع زميلة لها على الإيقاع به في حبائلها؛ قالت له:

-       “أراك تنظر لي بإعجاب!!”.

-       “جمالك اللافت يدفعني إلى ذلك!!”.

-       “عيد ميلادي يحلّ قريبا، هل تقبل دعوتي للغداء معا احتفالا بهذه المناسبة؟!”.

في يوم عيد ميلادها، وفي موعد اتفقا عليه، جلس في أحد مطاعم غزة، ينتظر قدومها.. تخلفت عن القدوم في الموعد المحدد.. هاتفها.. استعجل حضورها.. كانت زميلتها بصحبتها في لحظة اتصاله بها، وكانت تسمع استعجاله لحضور الفتاة التي ينتظرها.. وصلت للمطعم، أخرجت من حقيبة يدها وردة حمراء وقالت له بدلع إنها تعرف عنه أنه بخيل.. “لذا، اشتريت هذه الوردة لأعطيها لك، فتقوم بدورك بتقديمها لي في مناسبة عيد ميلادي!!”.. ولتشاهد الزميلة بأم عينيها دليل سقوط الضحية فوق المذبح.. وعندما أحست بخطوات زميلتها وعي تصعد السلم الخشبي إلى صالة العائلات في الطابق الثاني من المطعم، التي يجلسان فيها.. تناولت الفتاة بخفة الوردة التي كانت لا تزال ملقاة أمامها على الجهة التي تجلس عليها من منضدة الطعام. ، وقبل لحظة من وقوف الزميلة أمامهما، أعطته الوردة ليقدمها لها.. فاجأه واستثار حنقه، حضور الزميلة الذي لم يكن في حسبانه، واصطبغ وجهه باحمرار الخجل.. خطر له على الفور أن هناك لعبة مدبرة ضده.. جلست الشاهدة معهما.. شرح لها ما دار بينه وبين صاحبة الدعوة لهذا اللقاء.. غارت الأخيرة في خجلها..”أفشلتُ خطتها!!”؛ قال الضحية.. وقهقهت الشاهدة.. قال السامع في صدره والصديق يتحول لرواية قصة أخرى من قصصه النسائية: “عندما يكون هناك امرأتان ورجل واحد، تنفجر حرب أنثوية بينهما.. فإذا كانا رجلين وأنثيين.. تتجدد نار حرب لا تزال متصلة منذ البدء القديم.. فإذا كانا رجلين وكانت امرأة واحدة، كان صراع ثيران لا تقضي فيه أنثى نحبها!!”..

تابع الصديق، يحكي قصة ثانية له مع مرأة جارة له: “طلبت مني أن أشتري لها بعض حاجيات من السوق.. ركبت سيارتي بعد أن ناولتني ثمن ما ترغب فيه.. عدت إليها وأنا أحمل ما طلبته.. كانت نساء في ضيافتها.. قدمت لي شكرها بصوت مسموع وبطريقة أوحت للنساء الضيفات بأنني جئت إليها بما أحمل بمبادرة مني، وعلى سبيل الهدية مني لها.. بعد أيام، تناقلت الألسن في حارتنا أنني أرتبط مع هذه الجارة بعلاقة عاطفية!”..

وحكى قصة ثالثة: “سرقت مني زميلة لي في الجامعة كراسة لي كنت قد دونت فيها بعضا من كتاباتي الشعرية.. وبعد أيام، ادعت أمام صديقاتها وهي تعرض عليهن الكراسة أني كتبت هذا الشعر تغزلا فيها وتعبيرا عن حبي لها!!”..قال: “لذلك، تعلمت أن أكون حذرا في التعامل مع النساء.. ثم إن هناك نساء يحاولن نسج علاقات مع الرجال بأغراض غير شريفة؛ فللأسف، فإن العدو نجح في إيقاع بعضهن في شباكه، وهنّ يقمن بدورهن في إيقاع رجال في الشباك السوداء نفسها!!”.. اتفقا، هو وصديقه، على أن كل خطيئة مغفورة إلا “جريمة خيانة الوطن”.. قال في نفسه، والصديق الضيف لا يزال في زيارته: “لن أكذب على أختي عندما تسألني إذا ما كنت قد أديت صلاة الجمعة أم لا؟!”.. كان ميكروفون المسجد ينقل تحية السلام معلنا انتهاء الصلاة، وفي صدره الأسيان يقول: “قلب المحبين واسع غفور.. ولكن الحب في وطني حرام!!”..

****

“في بداية علاقتي مع الحبيبة الجارة.. نشرت الصحف يا هدى، أنك سجينة في ظلمة جهل أهلك.. خرجت أطرق أبواب القلوب. أبحث عنك.. وأدعو إلى ثورة الروح على قانون يجور أكثر مما يعدل. ثورة تنير لنا العقول. وتفتح الأفئدة!!”..

منذ مكالمة الأمس مع أخته، رأي في عينيِّ هدى، إشراقة منيرة من بهجة الحب.. خاض “الإمام الأبيض” معركة ضروس، كسب في ذروتها، حقّ احتضان هدى، بعد انتزاعها من أسرة  قتلت في ابنتها الإنسان.. لمّا مضغت أفواه الثرثارين بالسوء أن البنية دنّست الشرف المصون.. ظنّ ذكور الأسرة عُمْيُ القلوب أن الطفلة هدى، فقدت بكارتها في عدوان غشوم اجتاح براءتها.. ثم احتجب الغشوم وراء نذالته. وتحت استرحام شقيقة أدمتها القساوة المتوحشة، تراجع الأهل عن نية القتل فعزلوا الضحية الطفلة عن الشمس والهواء معا.. توسل الذكور إلى طبيبة من مكان بعيد، أن تكشف عما إذا كانت ضحية الأوهام العفنة، قد سقطت فريسة أنياب هتكت خاتم العفة السفلي.. قالت الطبيبة بعد المعاينة: “لا يوجد للطفلة غشاء بكارة “.. أصاب الجنون شقيقها الذي خاض في النساء شرقا وغربا ومن كل صوب.. التقط ساطورا ثقيلا، وكاد يهوي به على الرقبة الطفلة.. صرخت الأم والشقيقات. واستجمعن القوة المتجذرة في الأرحام.. نزعن الساطور من يده.. فانطلق في الشوارع يهذي وغاب ولم يعد.. كان المشهد قد أفزع الطبيبةَ فاختفت دون أن يدري أحد كيف تلاشت.. كانت على وشك أن تكمل حديثها، وتقول: “هناك بنات من البنات، يلدن من غير غشاء بكارة، أو بغشاء ذي فتحة واسعة؛ ولا دليل يشير إلى أن الطفلة كانت هدفا لعدوان سلبها الخاتم القديم.. أتوسل إليكم، أن ترحموا براءة هذه البريئة، وأن تنقذوا كرامتها، وكرامتكم!!”.. ظلت الكلمات محبوسة في صدر الطبيبة حتى استنطقها قاضٍ لملم بقايا الشجاعة المنثورة بين الثنايا المنسية في الظلمات.. فأصدر حكما منح لـ “الإمام الأبيض” حق احتضان هدى.. يوم صدور القرار الذي حمله “الإمام الأبيض” على الفور إلى حيز التنفيذ.. وافق يوم انتقال “الإمام..” إلى جوار التينة التي زرعها أبو الجارة، قبل زمن، يعادل عمر هدى بالتمام!!

****

“رأيتك في منامي الأخير يا هدى.. وأنا صامت اللسان، مشتعل الجنان.. وأنت تقرئين على الناس من قلبي كتاب الحب بصوت جهوري واثق عميق.. ثم تقدم فتى، مديد القامة شامخ النفس موفور الجمال فخطبك وألقى بين يديك صندوق ذهب وياقوت وألماس ومن كل الحليّ تكاد لا تحيط به ذراعاه المجدولتان مع عيون أطلقت في محيّاكِ شراعها.. فقلتِ في أدب وقور صريح: أنا دعوة النور لا يأسرني قيد وأنا نبية الزمان رسالتي كرامة الإنسان!!”..

****

أسند ظهره إلى وسادة أمه الملقاة جوار الحائط أسفل نافذة تنفتح على وساعة الوجود.. فرد ساقيه.. رمت هدى رأسها على حجره.. تخللت أنامله بين خصلات الشعر المضفور في جدائل صغيرة تزيِّن رأسها بعدما كان محلوقا بالموسي.. قال وهو يحني ظهره إلى الأمام: “سواد ما فعلوا بكِ أشعل نور قلبي!!”.. رفع رأسها بين كفّيه.. طبع قبلة حنان شغوف على شفتيها.. ازدهرت بالبهجة عيناها.. نامت وملائكة الحب الكبير تهدهدها… وتعلو بها أثيرا طيبا.. تمتم قلبه: “اهنئي ببهجة غادرْتِها منذ تلقفتْكِ أيادٍ عجاف، تفحصتْ المعالم، فكانت العصا الغليظة غائبة من مجيئك، لكن باب الحرية من تحت كان.. باب كرامتكْ.. حاضرا كان وكان للقديسين فخرا.. لكن جهل الجاهلين تأفف، وندبتْ ظلامة التاريخ حظها.. أما الآن فاهنئي.. فأنتِ القلب المنير في عقلي!!”..

نهضت هدى بعد ساعة، ووجها بسمة ألق رباني..ألقى شيبه على صدرها الناهد في خياله، وطوَّق خصرها اللدن بذراعيه، تم تعلقت عيناه القديمتان بحدقتيها الوضّائتين، وقال: “رأيتُ في منامك أنكِ أتممت دراساتك حتى أرفع الدرجات.. وأن الدهر أحني ظهري، وأن الرزق ضاق، وأنكِ نهلت الحكمة من ينابيع الخلق، وأنكِ سعيتِ بين دوائر تزعم إعلاناتُها أنها ترعى النشء والأمهات.. ولمّا انتهى بك اللّفُ إلى الوقوف بين يديّ القائم على الأمر، سألك عن ولائكِ، فقلتِ بأدب وقور: للحب وللإنسان ولائي.. فإذا بالجهل الحقود يدور بالكرسي الجاثم فوق صدور المحرومين دورة، ويدقُّ جرس خارج باب القاعة المفروشة بدماء الفقراء.. فيجذبك غليظان من ذراعيك الرقيقة وتقول لك حيّة يتلوى خصرها تحت وجه تصبغه الزيوف أن المسئول قابض المال الكثير ينتظرك في خلوة يفرغ فيها لصيد المعوزات إلى توقيع يمهر به طلبات الفتيات الباحثات عن عمل يصون الكرامة ويسد رمق الجوعى من العجزة والصغار.. ولكنك وبأدب وقور أجبت: “بل أسُفُّ أنا وإمامي التراب ونصطبر ولا نهون!!”..

ثم غشاهما برد الليل فاندسّ في الفراش البائس واندسّت في حضنه، وقبّلته، وزرعت في قلبه رأسها وقالت: “علمني مما علمت شيئا يغذو بالزيت مصباحي؟!”.. لفّها بذراعيه ولفّته بذراعيها، وصمَتَ برهة ثم قال: “روى حكيم البراءة أن عملاء الشيطان نصبوا في الظلمة الحقود شركا لقلب طفل ذي عمر مديد.. عصبوا عينيه وربطوا خلف ظهره، بأغلال الحديد يديه، وقيدوا رجليه وألصقوا وجهه بحائط ملطخ بالكراهية، وحوله حرّاس شداد يراقبون أنفاسه الهادئة وهم يتنفسون الجهالة ويزفرون الشرور.. ابتسم قلبه وابتسمت عيناه وابتسم كله فاستنار بالحب عقله.. وما ارتعد ولا لانت قناته، ولا كدَّرت الإساءات صفحته الداخلية ولا عكّرت مزاجه.. فشاء الله الذي يكرم الحرَّ إذا تكالبت جيوش اللؤم والطمع حوله، فانزاحت الغمة.. وكان له البراءة من مرض لم يعرف الأطباء له سببا ولا دواء.. وكان مرضا يهدد بخطر جسيم.. فيا نور القلب إن بهجة الحب جوهرة الحكمة وسيدة الدواء.. وإن الحكمة الشعبية تقول إن من يحفر لأخيه حفرة يقع فيها.. وإن الأيام مضت مسافة قصيرة، فنزل القصاص بساحة البلاء واندحر الشيطان وانتصر الحب وإن الحب لا محالة منتصر!!”..

****

طبع قبلتين على وجنتيها.. زرعت رأسها في قلبه.. وشددت ذراعاه التفافهما على جسدها الطري الشهي لروح شيخ يحلم أن تكون هدى باكورة مجد الإنسان.. نهض.. هاتفته الزوجة، فنازعته نفسه وقال يخاطب هدى الخيال: “مشغولة هي بالتدبير للنماء في الواقع ومشغول أنا بالتدبير للتدمير.. فهل يا هدى أنا هارب مجنون أم تائه قديم؟!”.. ضغطت أصابعه على أرقام أخته على هاتفه فردّ صوت غير صوتها وقال إنها تصلي.. قام للمطبخ فأعد شرابا من الحلبة والينسون، ثم ارتدى معطفه الطويل وطاقية الصوف وجلس ينتظر هاتف رجاء.. طلبها مرة ثانية، قال لها: “أحببت أن أطمئن على أختي!!”.. قالت بلهجة تحمل شكها في نيته: “هل هذا قصدك؟!”.. أقسم لها “بأجمل أخت” أنه يريد الاطمئنان عليها ولا قصد له غير ذلك.. ردت: “هل تريد الاطمئنان أم تريد معرفة ما استجد من تطورات؟!”.. “أطمئن عليك، وعلى ما هناك من تطورات إذا وقعت تطورات جديدة!!”..

****

“غدا، سيعقد قراني!”.. قال بنبرة واضحة: “مبروك لك.. ألف مبروك”.. سألت: “تقولها من قلبك؟!”.. “ما دام هذا هو اختيارك، فإني أهنئك به ومن أعماق قلبي”.. تنهدت، وقالت: “سأتصل بك في وقت لاحق، البيت عندي مزدحم بالناس!!”.. ابتسم وعاد يحتسي شرابه الساخن، في ليل يتمادى في الظلام البارد.. خرج ووقف تحت الشرفة، حضنت ذراعاه جذع التينة.. صلى من أجل رجاء: “اللهم اجعل الآتي من حياتها بهجة حب من نورك.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”.. رمى رأسه على الجذع الذي ظل ينتظره منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما.. طبع قبلة عليه، تذوق لها طعما كطعم القبلتين اللتين طبعهما على خديِّ “الحبيبة/الجارة” قبل عامين وأربعة أشهر.. رفع عينيه إلى أعلى: الشرفة مظلمة، وغارقة في الصمت، والسماء غامقة، ونجم عالٍ يتلألأ.. تلوّن شعوره بحزن عميق رقيق.. عاد يصلي من أجل اخته: “اللهم بارك زواجها.. وهناءً فليكن.. هناءً لها وله!!”.. رسم البهجة في عقله؛ فشعَّ النور في قلبه: “أحببتها؛ اللهم فاجعل أيامها ولياليها، حبا لا ينقضي ولا يبلى.. آمين.. آمين.. يا قادر يا كريم!!”..

جلس في فناء بيته الخارجي.. تنبعث موسيقى ناعمة من مذياع في غرفة نومه.. والريح النشط لا يقوى على هزيمة نخلتين كبيرتين بشموخهما.. وفحيح أوراق الشجر، يصعد من جفاف الثرى، يستنزل المطر.. “وعندما يجيء صباح الغد، وتنهض فيروز من فراشها الطفولي.. سأقول لها، العقبى لكِ.. رجاء مضت!!”.. ثم انقضى زمن قصير.. وجاء القمر، فهزم حشود السواد الظلوم.. ثم غدا تأتي الشمس جديدة.. وتزغرد العصافير في قلب عقلي.. وحولي.. ولك يا بهجة الحب أغنِّي..وأصلِّي!!”..

****

لم يكن حديث رجاء عن مشروع زواجها يقينيا: “تمنيتُ لو أن عقد قراني يكون غدا، لكن أختك تعيسة الحظ، أهله غير موافقين على زواجه مني، وأنا لا أريد الارتباط به، ما لم يوافق اقاربه على ذلك!”.. تحادثا ساعات طويلة: “أنا بحاجة إلى أخ لي!”.. ردّ: “وأنا بحاجة إلى أخت!”.. غاصا معا في أعماقيهما، فتحت خزانة أسرارها..

-       “لم أتحدث في هذا الموضوع مع أحد قبلك؛ أشعر أنني ارتكبت خطيئة!!”.

-  “كل منا يحتاج إلى شخص يثق به، ويصحبه إلى أغوار مكنوناته. يريد سابق أن يتزوج منك، لسبب واحد، هو أنه بحاجة إلى امرأة يتحدث معها.. أنت قلتِ أنه لا يجد من يتحدث إليها حديثا من القلب إلى القلب!! وأنه لم يستطع أن يتخذ من امرأته خليلة لروحه؟!”..

-       “هل يمكن لرجل أن يتخذ من زوجة جاهلة خليلة لروحه؟!”..

تنهَّد.. قال بتمزق قديم متجدد: “أنت تفتحي جرحي العميق النازف”.. سألته:

-       “لماذا لم تحاول تعليمها؟!”.

-  “حاولت طويلا، لكنني فشلت.. المبادرة من طرف واحد، لا تكفي لنجاح مشروع ما، لا بد من استجابة الطرف الآخر.. كنت أحلم بخلق العالم من جديد، وأن أجعل منها بداية تحقيقي لحلمي!!”.

استمرا يتحدثان إلى ما بعد منتصف الليل بنصف ساعة.. كانت تتكلم بصوت خفيض: “أنا أفعل شيئا غير صحيح، وإلا ما كنت أخشى رفع صوتي، لتحاشي أن يسمعني من يشاركونني في البيت من أبناء وضيوف!”.. ردّ: “أنتِ لا ترتكبين خطأ.. اعتقاد الناس أن ما تفعليه خطأ، هو الخطأ.. وليس الخطأ هو ما تفعليه.. يريد الناس أن يحبسونا في قوالب من صنعهم، هنا الخطأ.. وهذا هو الخطأ الذي ارتكبته في تجربتي زواجي السابقتين، كان أبي يقول: “المرأة عجينة يستطيع الرجل أن يصنع منها ما يشاء! كلا؛ أثبتت تجاربي فساد هذا الرأي. لذا.. أنا أريد الزواج من امرأة أختارها لذاتها أيتها الحبيبة!!”.. هددت باحتجاج مغيظ: “سأغلق الهاتف!!”.. سارع للاعتذار: “لن أعود إلى ذلك؛ ولكن الرجل يحب أخته، وليس بيننا نزاع على الإرث حتى يغيب الحب مما بيننا.. أنت تعرفين أن المشكلات بين الأخ وأخته في بلادنا تأتي من طمع الذكور في حقوق البنات.. الحمد لله ليس بيننا خلاف على ما ترك لنا والدانا!!”.. أضاف: “كنت أعتزم الاتصال بك، لأعرف رقم سابق، رغبت في تهنئته بالفوز بك، وأردت أن أطلب منه، أن يمنحني فرصة الشهادة على عقد قرانكما!!”..

ثم دعاها للتفكير مليّا في قرارها.. وفي صباح اليوم التالي، أخبرته أنها لم تنم طوال ليلتها الأخيرة، وأنها قررت أن لا توافق على عقد قرانها مع سابق قبل أن يوافق أهله على زواجه منها. وقبل مغيب شمس اليوم، زفت له رجاء أخبار سارة: “بعض معارضي زواجي من سابق أظهروا شيئا من الليونة في موقفهم”.. كانت نبرتها مبتهجة، وهي تشعر أنها تقترب من تحقيق هدفها.. عكست اطمئنانا أكبر له وهي تهاتفه: “أشعر أنني أصبحتُ في مأمن من تطلعاتك بالاقتران بي!!”.. أضافت في المكالمة المسائية التي أعقبت مكالمة صباحية طويلة بينهما: “عندما أرتبط مع سابق، لن يبقى أمامك مجال للتفكير في الزواج مني.. وستكون أخوتنا بريئة من رغبتك التي لا تزال حية في صدرك.. كنت قد قررت أن لا أعود للاتصال بك مرة أخرى هذا اليوم، لكنني لم أملك أمري، فطلبت رقمك دون تردد، ورغم ما كنت قد اعتزمته!!”.. ردّ: “انتصر قلبك الذي لا تزالين تقمعيه بعقلك!!”.. اعترفت: “أنت تعاملني بحنان، وأنا أتعمد القمع.. إنني أترك لعقلي الكلمة الفصل.. إنني خائفة من عواقب زواجي من رجل له زوجة جاهلة.. قال لي سابق في المكالمة الأخيرة بيني وبينه، إن زوجته أخذت تبدي اهتماما به، لم يعهده منها من قبل!!”..

****

هذا اليوم.. نهض من نومه، وقبل أن يغسل وجهه، أو أن يبدل ثيابه، فتح النافذة المطلة على التينة، وأسرع إلى مهاتفة رجاء: “صباح الخير يا أختي”.. أضاف في صدره: “صباح الخير يا تينة!”.. ثم سأل رجاء: “هل حظيتِ بنوم هانئ ممتع، في ليلتك الأخيرة؟”.. وقبل أن يحين موعد انصرافها من عملها، عاد لمهاتفتها: “هل طرأ جديد؟”.. أجابت بنبرة يائسة وفيها حسرة: “لم يتصل!!”..

ضاق بصمت الهاتف، عاد للاتصال بها للمرة الثالثة هذا اليوم، جاء صوتها منهوكا: “صداع شديد! أرجوك أن تتركني!!”.. أجاب منزعجا: “هل حدث ما أساءك؟!”.. أنهت الحديث القصير، الذي استغرق أقل من دقيقة: “أرجو أن تتركني يا دكتور، مع السلامة!”.. صدعت كلماتها قلبه، وشوَّشت تفكيره: “لماذا عادت لمخاطبتي بلقبي بعد أن تعودتُ منها على مناداتي باسمي المجرد؟!.. هل تراجعت عن اتفاقنا على أن نكون أخوين؟!”..

ضغط رأس هدى فوق صدره، وقال: “رأيتك وأنت تذرفين دموعك.. تمسحين الحزن الذي ينهمر من عيون ينهمر الألم منها.. ورأيتك وأنت في أبهى بهائك، وتمام زينتك.. تراقصين البهجة في أعراس المساكين واليتامى.. وبعد أن أودعْتِ جثماني، بطن الأم الكبيرة، هرولتِ إلى الجهة الغربية، ولوّحتْ كفّاك الناعمتان بتحية الشوق لمغيب يأتي بعده شروق جديد. وبينما أنت تكتبين قصيدة في جمال الشفق، تعالى صياح النجدة.. فخلعت عنك ثيابك، وجدّفتْ يداك وساقاك في بحر الظلمة.. والنور من قلب عقلك صاعد.. فاندثرتْ الحيتان، ومددتِ ذراعيك..فحضنتِ الفتى.. وقفزت به فوق طوفان الموت.. ثم صحوتُ.. فتلمستكِ.. فما وجدت غيري..!!”..

****

بعد ساعة من المكالمة القصيرة جدا، رنّ جرس الهاتف في غرفة مكتبه التي لم يبرحها، حتى الساعة الواحدة من صباح اليوم التالي. بعد نهاية أطول مهاتفة بينه وبين رجاء.. ردّدَ فيه، وقبل أن تذهب في صمت عميق، مرّات عديدة: “أُحبكِ.. أحبك..!!”.. امتنعت في البدء عن التحدث عن أسباب ما بها من حزن احتجاجي فظيع.. قال لها: “لا تحزني على فقدان من لم يقدرك حقّ قدرك.. إنه لا يناسبك.. ولم أكن أستطيع أن أقول ذلك بصراحة، كي لا يستدعي تأويلات ما منك.. احمدي الله على أن الموضوع لم يتم.. كنت أشفق عليك من مستقبل ستواجهين فيه خصما جاهلا!!”.. تنهدتْ.. وقالت: “كنتُ على وشك أن أتصل به، وأن أنقل إليه أنني عدلت عن قبولي به، لكنه سبقني بلحظة، وأخبرني أنه لن يكون قادرا على الارتباط بي.. إن ما يعذبني هو أنه سبقني!!”.. ردّ بنبرة فيها تفكُّه: “إنه سيد سابق!!”.. تابع:

-       “أنتِ لا تزالين تشكين في صدق مشاعري الأخوية نحوك!!”.

-       “لا أشك.. ولكني ألوذ بالحذر!!”.

-       “لن تجدي الرجل الذي يناسب قلبا وعقلا كبيرين مثل قلبك وعقلك!”.

-       “تعني لن أجد من يناسبني باستثنائك أنت!!”.

-  “أعرف أني أناسبك من جوانب، ولا أناسبك من جوانب أخرى، وأعرف أيضا حقيقة مشاعرك نحوي، التي تحاولين إخفاءها.. أعرف أنك تحبينني!!”..

صمتت، وتنهدت.. قال: “أنا في الحب مجنون.. ولا أدري لماذا أتحلى بالعقل في حبي لك!!.. أودّ أن أخرج هذه اللحظة، وأصعد مئذنة المسجد القريب مني، وأنادي بأعلى صوتي: أحبك.. أحبك يا رجاء.. أحبك!!”..

-       “فإذا نهض الناس وقصدوا المسجد؟!”..

-       “أكون إماما لهم في صلاة الحب!!.. هل خفّ صداع رأسك؟!”..

-       “أفضل مما قبل!!”..

صَمَتا معا.. ثم قال: “أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. رجاء؟ أين ذهبت؟.. رجاء؟ تكلمي.. تكلمي يا رجائي وسمائي.. لن أبقى الطفل المطيع ولا الذي يكبت مشاعره في صدره.. أحبك.. أحبك.. أحبك.. ؟!!”.. انتبه إلى أن الحياة تحركت تحت سراويله الشتائية التي يرتديها.. والصمت يرتدي الوجود كله.. قال في نفسه: “هذه أول مرة يتحدث فيها الصمت بلغة الحب!!”.. وأوغل الصمت.. وعقارب الساعة تدنو من الواحدة صباحا.. وبرد الليل القارس يتوغل في جسده.. وجيش الاحتلال الإسرائيلي قتل ثمانية فلسطينيين في الساعات العشر الأخيرة.. ورجاء أغلقت الهاتف، وحاول أن يفتح الخط معها من جديد.. دق جرس الهاتف جوار فراشها ثماني مرات.. لم تجب.. خلع ملابسه، وارتدى بيجامته الزرقاء السماوية، واندس تحت لحاف وبطانية من اللون ذاته.. وتذكر أن رجاء قالت له وهي تهاتفه قبل قليل، أنها تتدثر ببطانية زرقاء سماوية، وفوقها لحاف أزرق سماوي أيضا.. “قريبان جدا نحن يا رجاء.. يا أختي وحبيبتي!!”.. وأول ما صحا في صباح اليوم التالي، هرع إلى هاتفه الجوال.. طلبها على هاتفها الجوال الذي يكشف رقم الطالب.. لم ترد.. طلبها على هاتف عملها.. لا أحد يجيب.. عاود المحاولة، رنّ هاتفها الجوال طويلا.. لا جواب.. طلبها على هاتف العمل مرة أخرى، ردت زميلتها: “رجاء لم تأت بعد!!”.. طلبها على هاتفها المنزلي. لا أحد يرد..السماء ملبدة بالغيوم، والريح عاتية.. والبرد يتسلل من باب مشقوق.. والنوافذ مغلقة.. وصوت فيروز الطفولي غائب هذا الصباح.. لكن العصافير تغرِّد.. والنخلتان الطويلتان صامدتان.. والأوراق الجافة المتساقطة من التينة تفرش الأرض تحت التينة وتحت الشرفة الصامتة إلا من ذكرى حبيبة كانت هنا. والرمَّانتان ماضيتان إلى حمل النهود.. النهود؟!! يحلم.. يحلم بصدر من حب لا يزول.. ولا فطام له عنه أبدا..!!

****

عاود محاولات الاتصال بها.. طلبها على الجوال، لم ترُد.. طلبها على هاتف عملها، ردت زميلتها: “رجاء لن تأتي هذا اليوم”.. طلبها على هاتفها المنزلي. ردّت:

-  “لا أرغب في الحديث مع أحد، ورددت على الهاتف لظني أن زملائي في العمل يحتاجون للاستفسار عن مسالة ما تتعلق بشؤون العمل”.

-       “أحبك!!”.

-       “لا تضطرني إلى إغلاق الهاتف كما فعلت في مكالمة الليلة الماضية!!”.

-       “أريد أن أراكِ”.

-  “لا.. لا أريد لك أن تتولع بي أشد من ولعك وأنت لم ترني بعد.. أرجو أن لا تجري وراء سراب.. أنت سفينة لا تستقر في مرفأ!!”.

-       “أؤكد لك أنك مرفأ سفينتي الأخير.. سأقرأ عليك شيئا مما كتبته!”.

-       “لا أرغب في سماعه.. أنت تحاول استغلال ظرفي النفسي!”.

-  “أنت تجرحينني بهذا الكلام؛ اخلعي نظارتك السوداء.. أنتِ تعرفين أني أحبك من قبل أن تنتهي علاقتك مع سابق.. أرجوك، اسمحي لي بالتعبير عن عاطفتي نحوك؟!”.

-       “لن أسمح!”.

كانت تضغط سماعة الهاتف المنفصلة عن قاعدتها بين كتفها وأذنها.. ويداها مشغولتان بتجهيز طعام الملفوف الذي يشتهيه؛ قالت: “ها قد أشعلت النار لإنضاج الطعام!”.. قال: “أنت تشعلين نارين!!”.. وصمت، ثم تابع: “أنت تذبحينني!!”.. ردت: “أنا مذبوحة!!”.. صمت مرة أخرى، ثم قال: “دعيني أنزف وحدي!!”..

قال في نفسه: “رجاء تثأر لكرامتها التي هدرها سابق بالانتقام مني.. للمرأة أنامل وشفاه ناعمة، ولها أيضا قلب تسكنه وحوش ضارية، تخرج إذا أفلت من قفصها رجل تهواه.. وإذا لم تمتلك المرأة من تحبه، أحبت له أن يموت دون أن يفرّ منها!!”..

****

غادر غرفة مكتبه، التي كان يتحدث منها مع رجاء.. ارتمى على فراشه البارد.. جذب هدى وألقاها على ظهرها.. باعد بين ساقيها، وغرس وجهه أسفل بطنها.. قبضت كفاه على نهديها.. وقال بصوت آت من الأعماق: “ورأيتك يا نور القلب أريجا يملأ الفضاء، فركبت السماوات حتى علوت فوق أقصاها.. ومن هناك، أمرت، فطويت الوجود، فكان الوجود خيالي وبهاءك.. ولثمت شفتيك، فاستضاء العقلُ بهجةً ولثمت صدرك فاستقام الحب قانونا ولثمت وجنتيك فانبلج الليل وردا ولثمت بطنك فأينعت بعثا من النور فنهضنا فانطلقنا بين الوديان نقفز من وعر إلى وعر نتسلق الجبال ونزرع الحقول والنمور معنا تحرث الأرض والأسود ترو