د. خالد منتصر – تعالوا نتعلم كيف نحب!

لدى حساسية خاصة من عبارة “وقع فى الحب”، فهذه العبارة قد ضللت الكثيرين ومنحت إنطباعاً مزيفاً عن ماهية الحب، وإتخذها الكسالى شماعة لتعليق فشلهم العاطفى وأنانيتهم ونرجسيتهم المفرطة عليها، فنحن عندما إعتنقنا هذا المبدأ ورفعنا ذلك الشعار وضعنا قاعدة خطيرة وهى أن الحب مثل الأتوبيس علينا أن ننتظره فى المحطة حتى يصل إلينا ونصعد على درجات سلمه لننحشر فى أجساد راكبيه، مثله مثل الوحى فى الشعر الذى يهبط من وادى عبقر على المبدعين بلاسابق إنذار، وأيضاً مثل الحفرة التى نغطيها بفروع الأشجار وبقايا الأوراق الذابلة ليقع فى فخها أى عابر سبيل!.
نحن لانقع فى الحب، بل نحن ننمو فى الحب، هذا هو المفهوم الذى لابد أن يحكم سلوكنا تجاه هذه العاطفة الجميلة التى تم تشويهها وإبتذالها حتى صارت بلامعنى مثل الماء النظيف بلاطعم ولالون ولارائحة!،لابد أن نفهم أن الحب كالبذرة الصغيرة لابد لها من الرى والرعاية والجهد حتى تنمو إلى نبتة ثم شجرة كبيرة يستظل بظلها الحبيبان، والحب ليس نباتاً شيطانياً يظهر فجأة وليس أيضاً نبات صبار يحتمل هجير الصحراء الموحشة وجفافها القاسى، إنه زهرة رقيقة تحتاج إلى مزيد من العناية والبذل والتنازلات والتخلى عن النرجسية حتى تخرج من الصوبة المعقمة لتضرب بجذورها قوية وسط الأحراش والعواصف وبراكين المجتمع الذى لايكره شيئاً فى الكون مثل كراهيته للحب، فهو يتغنى فى العلن بإسمه فى كل وقت ويغتاله ويغتابه فى الخفاء فى كل مكان، ولكل هذه الأسباب وغيرها تملكنى الفرح حين عرفت أن باحثاً أمريكياً هو ليو بوسكاليا قرر تدريس الحب، ومن أجل هذا الغرض وضع بوسكاليا “كورس” مكثف فى الجامعة للكشف عن غموض هذا الكائن الذى يولد فى مجتمعنا بعملية قيصرية، ويشيع بجنازة صامتة،ويدفن فى مقابر الصدقة!.
ليو بوسكاليا من أصل إيطالى يمتلك دفء وحرارة ونزق وجموح الإيطاليين لذلك لم يفهمه المجتمع الأمريكى فى طفولته وتعامل مع أسرته بعنصرية، وعندما كان يدرّس فى إحدى الجامعات الأمريكية إنتحرت إحدى طالباته ولم يعرف هو لماذا إنتحرت؟،وإستبد به حزن شديد وأيقن أنه مخطئ فى حقها لأنه لم يحاول أن يفهمها ويقدر كم هى محتاجة إلى الحب، وفى مجتمع مثل المجتمع الأمريكى يلتقى فيه الناس ولايتلاقون، كان على بوسكاليا أن يستدعى مخزون التواصل الإيطالى الحميم ويعطى كورساً أوبرنامجاً دراسياً فى الحب، وبالطبع إتهمه زملاؤه من الأساتذة بالجنون والشذوذ والتفاهة، ولكنه واصل طريقه ليصبح أشهر أستاذ فى علم الحب!.
يؤكد كتاب بوسكاليا على أن الحب سلوك مكتسب، وهو مايناقض البديهيات التى تربينا عليها، وهى أن الحب سلوك فطرى يقترب من الوظائف البيولوجية مثل الأكل والتنفس، وأكد أيضاً على أن الحب مشاركة وليس عطاء بلاحدود، فهو لايعيش فى يوتوبيا مزيفة وإنما يقرأ واقعاً حياً نابضاً، حاول معه أن يحذرنا من أننا بالفعل نعيش مع بعضنا البعض ولكننا جميعاً نموت من الوحدة.
البداية لكسر هذه الوحدة الباردة أن نكن أنفسنا، فقديماً رفع شعار “إعرف نفسك”، ونحن حالياً نرفع شعار “كن نفسك”، ولاتندهش عزيزى القارئ وتتساءل “ماأنا نفسى أمال أنا مين؟”، والإجابة للأسف أنت لست نفسك ولكنك النموذج الذى يريده المجتمع لك فى اثناء صناعته لخرافة المواطن الصالح، فأثناء طفولتك مثلاً وحين تطلب منك مدرسة الرسم أن ترسم شجرة فأنت تحصل على إعجابها وعلى درجتها النهائية حين ترسم شجرتها هى وليست شجرتك أنت، وتظل طوال حياتك ترسم شجرات الآخرين وتسير فى طرقهم المعبدة، وتسكن فى مساكن أفكارهم المعلبة سابقة التجهيز، فالبداية الصحيحة والسليمة هى أن تهرب وترسم شجرتك أنت، وتضحك حين تريد أن تضحك وتبكى حين يخنقك البكاء، وفى هذا المعنى يكتب ليو بوسكاليا ” لاحاجة بنا لأن نخشى أن نلمس، وأن نشعر، وأن نبدى الإنفعال، إن أيسر شئ فى الدنيا هو أن تكون “كماأنت “، وإن أشق شئ تكونه هو مايريدك الآخرون أن تكونه”.
من أهم الخرافات التى تقتل الحب خرافة الكمال، فالشخص المحب لاحاجة له أن يكون كاملاً، بل إنساناً فقط، ونحن كثيراً مانخاف على أن نقدم على فعل أشياء كثيرة لمجرد أننا لانستطيع فعلها على نحو كامل، فلاتخافوا من النقصان، وثقوا فى إمكانية التغيير، فالتغيير هو الشئ الوحيد الثابت فى هذه الحياة، وعليك أن تعرف أن نقيض الحب ليست الكراهية، وإنما هى اللامبالاة وفتور الشعور، فإذا كرهنى شخص ما فلابد أنه يشعر بشئ ما إزائى وإلا مااستطاع أن يكره، والذى يكرهنى لى طريق معه، أما الذى لايبالى بوجودى فلاطريق معه، فإذا وجدت نفسك لاتستطيع التفاهم مع من هم بجانبك على مسرح الحياة فلابد أن تغير مشهدك وترسم ستارة خلفية جديدة لمسرحك، وتحيط نفسك بممثلين جدد، وتكتب مسرحية جديدة لتؤديها بصدق، يقول الكاتب اليونانى كازانتزاكس صاحب زوربا ” لديك فرشاتك وألوانك، فإرسم الفردوس وإدخله آمناً “.
الحب يحتاج إلى الحرية، والطيور لاتغرد أبداً فى الكهوف، والمجتمعات الديكتاتورية تغتال الحب، والمواطن المقموع يجهل الحب، ونحن فى مجتمعاتنا نمثل الحب ولانحياه، ونرتدى قناعاً أثناء ممارساته ونزيف مشاعرنا لنرضى الآخرين ونتكيف مع السائد، ونظل ننتظر الحب ولكننا فى الحقيقة ننتظر “جودو ” البطل الغائب فى مسرحية العبث الشهيرة، ولانعرف أن الحب ليس للتفكر والتنظير ولكنه للخوض فيه والممارسة من خلاله، والحب شئ مختلف تماماً عن الإحتياج ويتم تعلمه منذ الطفولة، فمثلاً إذا كانت الأسرة من تلك الأسر التى تجاهر بعواطفها فسوف يتم تدعيم الطفل بإستجابة إيجابية عندما يعبر عن هذا، فيقفز الطفل إلى حضن أبيه ويزرع قبلة على فمه، قبلة خصبة حافلة بالحيوية، فيرد الأب عليها بود وفرح، وهنا تبدأ أول رسالة تعليمية عن الحب، أما إذا حمل الأب الطفل بعيداً عنه ناهراً إياه قائلاً :
-الرجال الكبار لايحضن بعضهم البعض!.
بالطبع تؤدى مثل تلك الرسالة السابقة إلى خلق شخص من الممكن أن يكون مقبولاً إجتماعياً لكنه وللأسف منبوذ وأخرس عاطفياً، وهذا القبول الإجتماعى المزعوم والذى يسعى إليه الجميع يؤكد على أن الحب صناعة إجتماعية تشكلها للأسف الثقافة السائدة وليست الذات الصادقة، ومن الأمثلة الثقافية الصارخة التى تشكل الحب مثال اللغة، فاللغة لها مضمون عقلى وعاطفى، وكلمة مثل “حب ” حملتها اللغة فى ثقافتنا معنى الإثم والذنب والخطيئة، وكلنا يتذكر الناشر الذى تطوع ليعلمنا الفضيلة ويحذف من قصص إحسان عبد القدوس كلمات الحب، ولأن إحسان عبد القدوس حرفته الحب فقد ظلموه من قبل وعوقب حين كان يقول فى ختام حديثه “تصبحوا على حب “، وذلك لأن هذه العبارة فى نظر المجتمع عيب وغلط وحرام، ولهذا نقول كما قال أحد علماء اللغة أن اللغة تمجيد للحقيقة، وغالباً ماتتوه الحقيقة فى سراديب اللغة
من أين نتعلم الحب؟،نحن نتعلم الحب من الأغانى والسينما والشعر والإعلانات…الخ، تعلمنا الحب على أيدى عماد حمدى وفاتن حمامة، وصنعته لنا متروجولدين ماير، وحلمنا به مع إعلان برفان منعش لاتقام علاقة حب بدون أن نشم عطره النفاذ من خلال الشاشة!!،إننا ولدنا وعشنا وشاهدنا نموذج الحب وكتالوج العواطف وباترون المشاعر ولكننا للأسف لم نشاهد أو نعش الحب نفسه، والنتيجة أن كل إثنين أحبا إكتشفا فى نهاية العلاقة أنهما تحولا إلى جثتين.
هناك درجات للحب..نعم، هناك أنواع للحب..لا، ودرجات الحب يحددها التعبير عن الحب، ويجب ألانفترض أننا يمكن أن ندرك الحب ونشعر به بدون تعبير، فنحن قد نسينا الطبطبة والربت على الكتف والحضن، كل هذا من أجل شئ تافه أوبالأصح خوفاً من شئ تافه وهو ألا يفهمنا الآخرون خطأ!،والسؤال الذى يفرض نفسه هل هذا الخوف يساوى أن ندخل جحورنا بهذا الشكل المفزع؟،علينا أن نطبق قول بوسكاليا للإجابة على هذا السؤال، فهو يقول ” الحب فى حاجة للتعبير عنه جسدياً “.
على المحب أن يقول لنفسه من آن لآخر إنى أحب لأننى يجب أن أحب، لأنى أريده، أنا أحب من أجل نفسى لا من أجل ألاخرين، إننى أحب من أجل مايكسبنى الحب إياه من مرح وبهجة، فإذا دعمنى الآخرون فسيكون ذلك طيباً، لأننى أريد أن أحب، ولنستمع إلى تلك الأغنية اليابانية التى تقول :
أما وقد إحترقت صومعة غلالى
حتى سويت بالأرض
فإنى أستطيع الان أن أرى القمر!!
فلو فشلت فى علاقة حب فمن المؤكد أنك قد إستفدت، ولاتيأس ولاتبتئس فمن المؤكد أن هناك شيئاً ماأجمل.
أما لماذا يفشل الحب فهذا هو السؤال الخطير؟،إنه يفشل أولاً لأننا كيانات كسولة تخشى التغيير، وثانياً لأننا لانعرف كيف نحب ذواتنا وأنفسنا، وهذه ليست دعوة للنرجسية ولكن من المؤكد أن من لم يعرف أن يحب ذاته لن يعرف حب الآخر، وحبك لنفسك هو أن تناضل لكى تعيد إكتشاف تفردك، وأن تصونه وتحافظ عليه، إنه يعنى فهم وتقدير فكرة أنك سوف تكون “أنت ” الوحيد مدى حياتك على هذه الأرض، وتذكر أنك تعيش بأقل من 10% من طاقتك الكامنة، وأخيراً الحب يفشل عندنا لأننا مرعوبون من الإختلاف، ومن تحمل المسئولية، والحب ملخصه إثنان مختلفان يحبان ويتحمل كل منهما مسئولية ذلك الحب.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s