انتقادات موجهة للطب النبوي – ملف كامل

أوراق الملف:

الطب النبوي .. محاور وأفكار

“الطب النبوي” .. مفهومه ونشأته

الأخطاء المنهجية في أبحاث “الطب النبوي”

أحاديث “الطب النبوي”.. هل يُحتج بها؟

الطب النبوي والطب الحديث

أحاديث الطب النبوي واختلافاتها!

*****

http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2005/08/article03a.shtml

الطب النبوي .. رؤى نقدية

حول ملف الطب النبوي

معتز الخطيب

( كاتب وباحث سوري )

22/08/2005

ما يسمى بـ “الطب النبوي” أصبح فكرة رائجة هذه الأيام، وكثر المشتغلون
به من أطباء ومشايخ وعامة، وكُتب الكثير عنه احتفاء به، وتقديسا له بفضل انتسابه
للنبي صلى الله عليه وسلم، بل وصل الأمر إلى حد القول بالعودة إليه (وكأنه ساد ثم
انصرف الناس عنه!)، ورأى هؤلاء أن فيه الحل لمشاكل العصر، ودعوا إلى ترك ما أسموه
بـ “الطب الغربي”.

نحن نتفهم وجود مثل هذه الدعوات التي تأتي في الغالب من بعض المتحمسين للإسلام من
غير أهل العلم الشرعي، أو من بعض المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم وسلطان العاطفة
قاهر. وحين يأتي ذلك في سياق هيمنة واستعلاء غربي على المسلمين والإسلام نصبح أكثر
تفهما لتلك الدعوات، مع الإقرار بأن هناك فريقا من طالبي الشهرة، وطالبي المال من
وراء هذه الدعوات التي تعزف على وتر الدين.

وفي المقابل: وُجدت دعوات وجهودٌ وتنظيمات لإبراز الدور التاريخي والإرث العلمي
المخطوط في الطب العربي والإسلامي، وعُقدت المؤتمرات العديدة لأجله، وفي الغالب
إنما يَعنون ذلك الطب الذي أُنتج وكُتب في ظل الحضارة الإسلامية، لا أنه متضمن
للدين بنصوصه التأسيسية (القرآن والسنة)، فمن يقرأ تاريخ تشكل الطب في الحضارة
الإسلامية يدرك جيدا دور الأطباء المسلمين وغير المسلمين، من نصارى ومجوس وغيرهم.
بل إن الطب اليوناني كان الأساس الذي بُني عليه الطب في الحضارة الإسلامية.

ودراسة تاريخ الطب في الحضارة الإسلامية مهمة جدا لأنها
توفر مصدرا ثريا لتحليل ومعرفة كيفية تعاطي المسلمين الحر مع عصرهم ومنجزاته، وكيف
استفادوا من غيرهم وأفادوا.

فكرة الملف .. ومحاوره :

برزت فكرة تخصيص ملف عما يسمى بـ “الطب النبوي” من شيوع الرؤى المحتفية
به، والتي تجعله دينا من الدين، ولذلك آثرنا أن يكون ملفنا هذا مشتملا على الرؤى
النقدية فقط والتي تستند إلى أساس علمي متين، لأنها تكاد تكون غائبة هذه الأيام.
وآثرت أن تكون محاور الملف كالآتي:

بيان مفهوم الطب النبوي في كتب الحديث الأصلية، وحدود الوعي به حديثيا وفقهيا،
وعلاقة الطب بالفلسفة، وتأثر الطب النبوي بطب اليونان.

أحاديث الطب النبوي، وما يحتج به منها وما لا يحتج به مع صحته وثبوته. وذلك بناء
على التمييز بين ما هو تشريع وما ليس كذلك من تصرفات الرسول وأقواله.

اختلافات أحاديث الطب النبوي، وتناقض بعضها مع الآخر، واختلافات كتب شروح الحديث
واضطرابها في ذلك.

دراسة تطبيقية لنماذج من كتاب “الطب النبوي” لابن القيم، في ميزان الطب
الحديث. وبيان قيمته من الناحية العلمية.

الأخطاء المنهجية لأبحاث ما يعرف بـ “الطب النبوي”، وبيان أخطائها
العلمية ومدى قيمة نتائجها.

وقد جاءت المشاركات من الكتاب والباحثين مفيدة ومتقنة بحمد الله، نأمل أن تحقق
النفع وتُجلِي ما خفي على كثير من الناس.

“الطب النبوي” .. مفهومه ونشأته :

يبين معتز الخطيب في مقاله أن أصل إطلاق “الطب النبوي” لدى الأئمة
المتأخرين من علماء الحديث خاصة، يُراد به تلك الأحاديث الصادرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم في مسائل تتعلق بالطب: من علاج ودواء ووقاية ورقية ونحوها. غير أنه بهذا
اللفظ: “الطب النبوي” تعبير مستحدث في حدود القرن الرابع الهجري.

ويقول: إن الوعي الفقهي في القرون الأولى كان في حدود جواز
التداوي، وأن الطب له منافع، وعلى هذا المستوى دار الجدل ابتداء! ففي القرن الهجري
الأول إلى منتصف القرن الثاني لم يبلغ الطب عند العرب “رتبة العلم المتقن، بل
اقتصر على بعض المعلومات المكتسبة بالاختبار”. ويبين أن حركة الترجمة وانفتاح
المسلمين على الثقافة اليونانية، هو ما ساعد على تلك النهضة الطبية في صدر
الإسلام، دون توقف عند ملة الطبيب أو الطب ومصدره.

ويوضح أن كتب ما يسمى بالطب النبوي، لا ترقى إلى مستوى “العلم” الشامل،
بل هي شذرات من هنا وهناك، وهو في غالبه يدور حول توجيهات عامة، فهو لا يتضمن
نظرية طبية محددة حتى يسمى علما.

كما أن الانشغال بما عرف بالطب النبوي هو انشغال حديثي بالدرجة الأولى؛ فهو بالأصل
باب من أبواب الحديث، ونهضة الطب تمت بمعزل عن الوعي الفقهي والحديثي معا، ومع ذلك
نجد أن كتب شروح الحديث أفادت من الطب اليوناني.

هذا كله يعني أن كلام ابن رشد حين تحدث عن إسقاط الاعتبار بالملة، مقابل اعتبار
النفع والصحة، كان له مصداق واقعي في تاريخ الحضارة الإسلامية ومفاعيلها. في حين
أن الفصل التام الذي يحدث الآن، بالحديث عن طب غربي، وآخر إسلامي، وثالث نبوي،
والتمحور حول تحصينات ودفاعات هوياتية في مقابل اضطراب علاقتنا مع الغرب في العقود
الأخيرة، وفي سياق رحلة الأسلمة وابتذالاتها من قبل العديد من المتحمسين للإسلام،
هذا كله يعني أن الوضع الإسلامي ليس بعافية.

أحاديث الطب النبوي .. ومدى الاحتجاج بها :

هناك سؤال بالغ الأهمية لا يلتفت إليه كثيرون وهو: هل كل هذه الأحاديث في الأمور
الدنيوية عامة، وفي الطب خاصة (ولو صحت): تعتبر حجة يجب الأخذ بها واعتبارها
وحيا؟.

هذا السؤال يعالجه د. محمد سليمان الأشقر في بحثه هنا
معالجة جريئة، ويخلص إلى أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله الدنيوية ليست
تشريعا. وأنه صلى الله عليه وسلم إنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب
ولا غيره من العاديات، ويجوز عليه صلى الله عليه وسلم فيها الخطأ، إذ ليس في هذا
كله نقيصة ولا محطة، وأقواله وأفعاله في الأمور الطبية الصرفة ليست حجة، ولا يلزم
الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية.

أحاديث الطب النبوي واختلافاتها! :

وأمام الأحاديث النبوية حول ذكر بعض الأدوية التي تشفي من بعض الأمراض أو من
جميعها بحسب بعض الروايات، يُطرح تساؤل مفاده: إلى أي مدى قد تبنى النبي صلى الله
عليه وسلم شخصية الطبيب ليصف للمرضى الأدوية؟

يبين د. عمار الحريري في مساهمته أنه بمراجعة عدد من أحاديث الطب النبوي، نجد أن
ثمة اختلافا فيما بينها يصل في بعض الحالات إلى التناقض، فضلا عن الإشكالات التي
تحيط بمحتواها إذا ما قورن بالمعلوم من الطب والممارسة النبوية، وهذا الأمر أوقع
شراح الحديث في كثير من الاضطراب أثناء سعيهم للتوفيق بين الأحاديث فيما بينها،
وبينها وبين علم الأطباء.

فمن خلال ما سبق يمكن أن نخلص إلى أن ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من
أحاديث طبية قد خالفت العلم وظاهرها الصحة؛ يحكم عليها بعدم الصحة حسب استثناءات
المحدثين، فهي خرجت عن نطاق الوحي والسنة، أما ما صح منها ولم يخالف العلم فيمكن
أن تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الوحي.

ويستدرك الحريري: إن التسرع في رد الأحاديث من جهة مخالفة
العلم: فيه تعسف ولا شك، ولكن ما ذكرناه من أمثلة لا يحمل على مخالفة العلم فحسب،
بل على تضارب الأحاديث مع بعضها من جهة، ومخالفتها للعلم من جهة أخرى، وما ذكره
الشراح من تخصيص وتقييد للأحاديث يفتقر إلى دليل، وما لجأ الشراح لذلك إلا بعد أن
خالف الحديث الحس المشاهد والعلم التجريبي، وبالتالي لا بد من أن نعيد النظر فيما
نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض ذلك، وتنزيهه عن أن يتكلم بما يناقض
العلم.

الأخطاء المنهجية في بحوث الطب النبوي :

د. صهباء بندق ترصد الأخطاء المنهجية في البحوث التي تناولت الهدي النبوي في الطب،
وتذكر من الأخطاء: افتراض صحة الحديث وعدم التثبت، واعتبار “أحاديث
الآحاد” حقائق قطعية الثبوت، والتساهل في ذكر الأحاديث الضعيفة، وشيوع
الأخطاء المعلوماتية وضعف التحضير للبحث.

وتستشهد بقول الدكتورة “فرانسيس باك” الأستاذ المساعد بقسم الأمراض
المتوطنة وأمراض الدم والسرطان في جامعة وين ستيت بالولايات المتحدة: “إن كان
هذا المؤتمر (مؤتمر دبي 2004م) عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فلا بد أن يكون
هناك معلومات علمية حقيقية؛ لأن الكثير مما يقدم ليس مبنيا على الدليل
العلمي”. ومن ضمن الأخطاء أيضا: التكلف والتحايل على الحقائق العلمية،
والاعتماد على النظريات التي لم تثبت والتسليم بصحتها، وضعف مراجع البحث ومصادره.

وتقول: يحدث كثيرا أن يتقدم الباحث في مجال الطب النبوي بتقارير تفتقر إلى أي
وثيقة تعزز ما توصل إليه، ودون أن يذكر مرجعا علميا واحدا موثقا يبرهن على صحة ما
توصل إليه، أو يعتمد على الكتب الحديثة التي لا تكتب مصادر مادتها وهي كتب قليلة
الفائدة وما تقدمه يعد كلاما مرسلا لا يمكن الاطمئنان إليه أو الوثوق به، والنتيجة
أبحاث غير مؤهلة لا تستطيع أن تقنع أي عقلية علمية.

وتجاوز تلك المعايير والقواعد البحثية أمر شائع في أبحاث
الطب النبوي، فكثيرا ما يقفز الباحث إلى استنتاج يفيد أن التجربة العلمية الحديثة
قد أثبتت الأسرار الغامضة في الحديث النبوي الذي يتناوله، وغالبا ما تكون تلك
الاستنتاجات مبنية على الملاحظة غير المقيدة.

وقد أشارت الدكتورة “آني أكاسو” عالمة الآثار التي حضرت مؤتمر الإعجاز
العلمي السابع بالنيابة عن معهد الحفريات البشرية
human paleontology
في باريس، إلى هذه الملاحظة قائلة: “لا أرى العلاقة بين الدليل العلمي المقدم
في الأبحاث وبين النص القرآني المشار إليه”.

الطب النبوي والطب الحديث :

د. نبيل حنفي يعالج سؤالا مهما وهو ما مدى توافق أو اختلاف الطب الذي كان سائدا في
جزيرة العرب على عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع ما يسمى بـ”الطب النبوي”؟
ثم ما موقعه من “الطب الحديث”؟

ويقول: الطب المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا طب كان سائدا في
جزيرة العرب قبل البعثة وأثناءها، تعامل معه فأخذ منه وترك، وكانت له فيه آراء
واجتهادات وأحاديث مثل غيره من أمور الدنيا.

ويخلص إلى أنه لا يمكن مقارنة هذا الطب البدائي بالطب الحديث؛ فأين وسائل التشخيص
الحديثة من مختبرات ومعامل وأشعة من تشخيص المريض لمرضه بنفسه؟! وهذا يؤكد على
بشرية هذه الأحاديث (في الطب خاصة)، فلو كانت (أحاديث الطب) وحيا من عند الله ما
نسخ بعضها بعضا، حيث إن (الحقيقة العلمية) مقررة في علم الله لا تقبل التغيير ولا
التبديل، وإن كانت تتغير في علم الإنسان من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان.

والسؤال الآن: إذا مَن الله على عباده بعلاجات أكثر مصداقية وأكثر فاعلية وأكثر
قبولا لدى الناس من بول الجمال مثلا، فهل نترك هذه العلاجات ونعود إلى بول الجمال
تحت زعم أنه طب نبوي؟!

ويناقش بعض مفردات الطب النبوي في كتاب ابن القيم فيقول: من
الناحية الطبية فإن تقييم العسل كدواء لا يخرج عن كونه مادة مسهلة وطاردة للبلغم،
كما أنه يستخدم بنجاح في علاج الجروح والقروح والحروق المستعصية، والحبة السوداء
لا تحتوي على أي مادة غذائية أو كيميائية يندر وجودها في مواد غذائية أخرى، وهي
مثل العسل ليس بها أي محتوى علاجي محدد لعلاج مرض معين.

والنتائج في الحجامة -شأنها شأن كل مفردات الطب البديل- لا تخضع لمنهج علمي منضبط،
وهناك ما يزيد على سبعين حديثا نبويا في الحجامة تختلف اختلافا متباينا في صحتها
وضعفها، كما أن بعضها يختلف مع بعضه في المعاني والمقاصد، لدرجة أن مثل هذه
الأحاديث يقع تحت بند “مُختلف الحديث”. والطب الحديث يؤكد على الحجامة
وينصح بها، لكن في صورة عصرية -لا تفيد الشخص نفسه فحسب بل تفيد المجتمع كله- ألا
وهي التبرع بالدم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2005/08/article02.shtml

الطب النبوي .. رؤى نقدية

“الطب النبوي”.. مفهومه ونشأته

معتز الخطيب

16/08/2005

“الطب النبوي” .. تعبير شائع، كثر مروجوه في هذا الزمن، وهو في أصل
إطلاقه لدى الأئمة المتأخرين من علماء الحديث خاصة، يُراد به تلك الأحاديث الصادرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل تتعلق بالطب: من علاج ودواء ووقاية ورقية
ونحوها.

غير أنه بهذا اللفظ: “الطب النبوي” تعبير مستحدث
– بحسب اطلاعي – في حدود القرن الرابع الهجري إذ صنف أبو بكر بن السني (364هـ)
كتاب “الطب في الحديث” وصنف أبو عبيد بن الحسن الحراني (369هـ) كتاب
“الطب النبوي” وتوالت المصنفات بعدئذ بهذا الاسم لأبي نعيم الأصبهاني
(430هـ) وأبي العباس المستغفري (432هـ) وأبي القاسم النيسابوري (406هـ) وغيرهم
وصولا إلى القرن الثامن والتاسع الهجريين إذ نجد مصنفات للذهبي (748هـ) وابن قيم
الجوزية (751هـ) ثم السخاوي (902هـ) والسيوطي (911هـ) وغيرهم.

الطب في كتب الحديث الأصلية :

وما لفت نظري أثناء التتبع والبحث أن الإمام مالكا (179هـ) صاحب الموطأ، وهو أول
كتاب في الحديث الصحيح غير المجرد، لم يستعمل تسمية “الطب” أصلا، ولم
يُفرد له كتابا في موطئه مع أنه سمى كتابا باسم “العين” وذكر فيه
الأحاديث عن المعالجة من العين، والرقية والغسل بالماء من الحمى والطيَرَة، وأورد
أحاديث عن الطاعون في كتاب “الجامع”، وهذه كلها من مفردات ما سُمي لاحقا
بـ “الطب النبوي”.

كما أن الأئمة: البخاري وأبا داود وابن ماجه خصصوا كتابا أسموه “كتاب
الطب” وذكروا فيه تلك الأحاديث المتصلة بالوقاية والعلاج وبعض الأدوية. في
حين أن مسلما (261هـ) حصر كل مفردات ما سمي بالطب النبوي تحت كتاب
“السلام”، وإن كان جعل ضمنه بابا سماه “الطب والمرض والرقى”
وإلى جانبه أبواب أخرى عن السم والسحر والرقية والطيرة وغيرها. أما الترمذي
(279هـ) فجعل عنوان الكتاب “الطب عن رسول الله”.

والسؤال الآن: هل لهذا معنى؟

إنه من المقرر أن أئمة الحديث كانوا يدققون في عنونة كتبهم وأبوابها، وأن فقه كثير
منهم وآراءه يُستنبط من منهجه في التبويب والتصنيف. ومما سبق يمكن تسجيل الملاحظات
التالية:

– أنه وردت أحاديث نبوية في شئون العلاج والتداوي ونحوهما
أدرجها المحدثون تحت عنوان جامع، كسائر الأحاديث حينما ساد التصنيف على الأبواب
“الموضوعات”. فظهرت تسمية كتاب “الطب” كرابط جامع لجملة
الأحاديث تلك.

– أن عدم اطراد تسمية واحدة في تلك الكتب، والتي هي مصادر رئيسية للحديث الشريف
يعني أنها كانت مسألة اجتهادية خاضعة لاعتبارات “فنية” تتعلق بترتيب
الأحاديث لا غير. ومن هنا كان إفراد التسمية بـ “الطب” فقط.

– أن هذا الجمع للأحاديث المتعلقة بشئون يجمعها اسم “الطب” شأنه شأن
باقي الأحاديث من أنه تحقق فيه شرط صاحب الكتاب الذي جمعها: إن كان اشترط فيها
الصحة فهي صحيحة لديه، أو كان التزم أن يجمع ما هو “مقبول” من سنن
المصطفى صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله، وكان منها تلك الأقوال التي تتعلق
بشأن الطب.

لكن تبقى مسألتان على غاية الأهمية هنا فيما يتعلق بجملة الأحاديث كلها: في الطب
وغيره، وهما:

الأولى: كيفية الاستدلال بهذه الأحاديث، وإطار العمل بها، فليس كل ما صح يُعمل به،
كما هو مقرر في علم أصول الفقه، فقد صحت أحاديث: العمل على خلافها، وبعضهم جمع
الأحاديث التي لم يفتِ بها الفقهاء.

والثانية: وهي فَرْز الأحاديث بالنسبة لتعدد وتركيب شخصية النبي صلى الله عليه
وسلم ووظائفه المقررة، فمنها ما يصدر على صفة النبوة والتبليغ والفتيا فمصدره
الوحي وهو داخل لا شك في الشرعيات، ومنها ما يصدر على صفة الإمامة/السياسة،
والقضاء وما يصدر عنه بوصفه محمدا الإنسان الذي يكتسب خبراته وتجاربه الحياتية من
محيطه الاجتماعي وبيئته الثقافية وهذا لا مدخل فيه للوحي على التفصيل، وإن كان
يبقى مؤطرا بإطار عام هو شخصية النبوة ورفعتها.

– أن تسمية الإمام الترمذي “الطب عن رسول الله” تسمية
دقيقة لا تخرج عما ذكرت من أن هذا الكتاب يلم شمل الأحاديث التي وردت عن رسول الله
في شأن الطب. ولكن يبقى بعد ذلك البحث في المسألتين السابقتين. في حين أن تسمية
“الطب النبوي” التي استُحدثت لاحقا كانت قد حسمت الموقف من تلك الأحاديث
وأن كل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم هو من قبيل الشرع، بما فيه أحاديث الطب.
وهذا رأي يخالفه المحققون من العلماء.

الوعي بالطب وحدوده

وينبغي أن نشير إلى أن تعبير “الطب النبوي” لا نجده – بعد البحث – شائعا
في كتب الفقه، ولا في كتب شروح الحديث. فالوعي الفقهي الكلي لمسألة الطب في تلك الأعصر
المتقدمة كان منحصرا في إطار بحث جواز التداوي، وأنه لا يُرتب أي إثم شرعي، كما لا
يُعكر صفاء التوكل على الله وتوحيده، وهذه النقاشات نجدها في كتب شروح الحديث، بل
وفي كتب الطب النبوي نفسها كما لدى الإمام الذهبي مثلا. وفي هذا يقول الإمام بدر
الدين العيني وهو أحد شراح صحيح البخاري: “فيه إباحة التداوي وجواز الطب، وهو
رد على الصوفية في أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ولا
يجوز له مداواته وهو خلاف ما أباحه الشارع”. بل إن الأزرقي يحتد في الدفاع عن
الطب وأن له منافعَ في مقدمة كتابه “تسهيل المنافع”!.

ونجد الجدل في هل التداوي ينافي التوكل؟ في كتب ابن القيم وابن حجر، بل إن الفقهاء
اختلفوا في حكم التداوي: فقال الشافعية بسنيته لا بوجوبه، قالوا: لأن نفعه غير
مقطوع به! وقال بعض الفقهاء: “ترك التداوي لِقَويّ التوكل أفضل”، ومن
هؤلاء النووي (676هـ).

بل نجد في موطأ الإمام مالك – رحمه الله – أن رجلا في زمان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه جرح فاحتقن الجرحُ الدمَ، وأن الرجل دعا رجلين
من بني أنمار فنظرا إليه فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: أيكما
أَطَب؟ فقالا: أوفي الطب خير يا رسول الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء. فقد استنكر الرجلان أن يكون في الطب خير!، والنبي
صلى الله عليه وسلم يسألهما: أيهما أمهر في صناعة الطب؟ وهي صناعة كانت في عصره،
ولذلك قال ابن خلدون في مقدمته: “والطب المنقول في الشرعيات “أي
النبوي” من هذا القبيل (أي تجاربي)، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان
عاديا للعرب”.

هكذا نجد أن الوعي في ذلك الزمن كان في حدود جواز التداوي، وأن الطب له منافع،
وعلى هذا المستوى دار الجدل ابتداء! ففي القرن الهجري الأول إلى منتصف القرن
الثاني لم يبلغ الطب عند العرب – كما يقول إدوارد فنديك – “رتبة العلم
المتقن، بل اقتصر على بعض المعلومات المكتسبة بالاختبار. إلا أن الأمم المجاورة
للعرب كانت على درجة عليا من العمران والتمدن ولا سيما في علوم الطب، ولذلك كان
الأفراد القليلون من العرب يقتبسون منهم شيئا من المعلومات الطبية ويأتون بها إلى
الأوطان. ومما رغبهم على اتباع هذه الخطة الأحاديث المروية عن صاحب الشريعة
الإسلامية في تعاطي بعض العلاجات”.

الطب: نهضته وعلاقته الفلسفة

وإن ثبت أن تعبير “الطب النبوي” إنما شاع في
القرن الرابع الهجري، فربما يكون لذلك دلالة؛ إذ إن هذا القرن شهد نهضة علم الطب
على يد الإمام الرازي (313 هـ) صاحب كتاب الحاوي، وأمثاله، وذلك بعد أن أخذ
الخلفاء في القرنين الثاني والثالث يهتمون بتنشيط العلوم، ولا سيما الطب، فاستدعوا
إلى بلاطهم المعلمين والمهرة من أهل هذه الصناعة، وبذلوا العطايا لمهرة النقلة
لترجمة المصنفات اليونانية الطبية إلى العربية، وفي عهد المنصور العباسي 148هـ
اتصلوا بمدرسة جنديسابور التي استدعى المنصور أحد أطبائها – وهو جورجيس بن بختيشوع
– لمعالجته من سوء هضم، وحظي بمكانة لدى الخليفة بعد معالجته، وانتقلت المدرسة إلى
بغداد وكان هذا الطبيب من أبرز المترجمين لكتب الطب بعدها، إلى جانب حنين بن إسحاق
وغيره. فكان الطب اليوناني هو الأساس الذي بنى عليه أطباء الإسلام علم الطب.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أنه غالبا ما كان يتصل الطب بالفلسفة في تلك العصور، بل
عد الطب فرعا من فروع الطبيعيات التي هي فرع من فروع الفلسفة. يقول ابن خلدون:
“ومن فروع الطبيعيات: صناعة الطب”. كما أن عددا من أساطين الطب كانوا
فلاسفة، سواء من اليونان أم المسلمين. حتى إن ابن سينا في مقدمة كتابه
“القانون” يشير إلى أن الطبيب في طبه إنما يحتاج إلى البرهان بوصفه
فيلسوفا لا طبيبا.

هذا الجو الذي أشرنا إلى طرف منه، هو ما ساعد على تلك النهضة الطبية في صدر
الإسلام، دون توقف عند ملة الطبيب أو الطب ومصدره، حتى إن ابن رشد في فصل المقال
يقول: “يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك،
سواء كان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك لنا في الملة، فإن الآلة التي تصح بها
التذكية ليس يُعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير
مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة”.

بل إن الملاحِظ الدقيق لبعض مصنفات الطب النبوي يجد أنها
متأثرة في ترتيبها بكتبِ أمثال ابن سينا (428هـ) في كتابه الشهير بالقانون، والذي
لا يمت إلى الطب النبوي بصلة، فهو حصيلة تراكم معرفي لطب من سبقه وطب اليونان،
فابن القيم مثلا تحدث عن المرض وأقسامه والعلاج والتداوي، ثم عن العلاج بالأدوية
الطبيعية، ثم عن هديه صلى الله عليه وسلم في علاج أمراض مخصوصة، ثم ذكر شيئا من
الأدوية والأغذية المفردة. أما كتاب السيوطي فهو مرتب على ثلاثة فنون: الأول في
قواعد الطب، والثاني في الأدوية والأغذية، والثالث في علاج الأمراض. ثم لنتأمل
تصنيف القانون لابن سينا (428هـ) لنجد: الأمور الكلية، الأدوية المفردة، الأمراض
الجزئية، الأمراض التي لا تختص بعضو، الأدوية المركبة.

أضف إلى ذلك أنه شتان بين كتاب القانون لابن سينا الذي عُد فتحا في الطب كعلم له
كلياته وجزئياته التفصيلية الشاملة، حتى كان المصدر الرئيسي لمهنة الطب، وبين كتب
ما يسمى بالطب النبوي، والتي لا ترقى إلى مستوى “العلم” الشامل، بل هي
شذرات من هناك وهناك، وهو في غالبه يدور حول توجيهات عامة، فهو لا يتضمن نظرية
طبية محددة حتى يسمى علما، وإن كان حاجي خليفة قد بوب له في كتابه “كشف
الظنون” بقوله: “علم طب النبي عليه الصلاة والسلام” فإن ذلك لا
ينطبق على العلم بمعناه الاصطلاحي، بل على المعنى البسيط الذي اشتمل عليه التصنيف،
فإنه ذكر فيه مصنفات أبي نعيم وغيره ممن تلاه. وهو ما أكده طاش كبري زاده في مفتاح
السعادة فقال: “علم طب النبي صلى الله عليه وسلم وهو علم باحث عن الأحاديث
النبوية الواردة في طب المرضى”.

طب المحدثين.. وطب اليونان!

ثمة ملحوظة مهمة هنا ينبغي ذكرها، والبناء عليها، وهي أن
الانشغال بما عرف بالطب النبوي هو انشغال حديثي بالدرجة الأولى؛ فهو بالأصل باب من
أبواب الحديث، ومن هنا كان عامة المصنفين فيه من المحدثين. فطريقة المحدثين
العناية بكل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشأنهمُ الغالبُ أن يعتبروا
كل ذلك شرعا، ومن هنا لا يبدو غريبا أن يقول ابن القيم: “طب النبي متيقن قطعي
إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة”، فهذا وعي حديثي بامتياز، ثم لنتأمل بعد
ذلك الوعي الفقهي السابق الذي يجادل على مستوى جواز التداوي وحكمه، بل إن الصارف
للشافعية عن القول بوجوب التداوي هو عدم تيقن نفع الدواء الذي يقول ابن القيم إنه
قطعي متيقن! وكذلك لنتأمل القول بأن ترك التداوي أفضل، بمقابلة القول بطب إلهي
ينافي تعاطيه قوة توكل المؤمن! والوعي الحديثي والفقهي يلتقيان على مستوى الرؤية
عند أن الطب والعلاج تَدَخلٌ في جسم الإنسان، ومن هنا كان الخوض في مسألة جواز
العلاج وعدمه وفي الطب النبوي، على اعتبار أن هذا تدخل مبني على ما هو شرعي أتت به
الأحاديث.

ثم لنتأمل هذه الملحوظات كلها، مضمومة إلى الإشارة السابقة عن نشأة الطب كفرع من
فروع الطبيعيات وهي فرع من فروع الفلسفة، وازدهار علم الطب مع حركة الترجمة التي
شملت كتب الفلسفة اليونانية والطب في العصر العباسي. كل هذا يعني أن هذه الحركة
تمت بمعزل عن هذا الوعي الفقهي والحديثي معا، ومع ذلك نجد أن كتب شروح الحديث
أفادت من الطب اليوناني فاعتمدت نظرية أبقراط في الأخلاط والأمزجة كما اعتمدت
النظرية اليونانية القائلة بالعناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب، ومن
هنا تأتي تعبيرات مثل الحار والبارد والرطب واليابس في كتب “الطب
النبوي” وشروح الحديث.

إلى هنا لا يبدو أن ثمة حساسية تجاه النقل والإفادة من الطب
اليوناني، فمع وجود كتب “الطب النبوي” ومع الجدل حول التداوي وهل ينافي
التوكل؟ لم أجد جدلا حول وجوب اعتماد الطب النبوي ونبذ الطب اليوناني مثلا، ولا
جدلا حول علم الطب النبوي بمقابل علم الطب اليوناني، بل كما قلنا حدث تداخل
بينهما. وكان هنالك أطباء من ملل شتى، بل قال إدوارد فنديك: “إن السواد
الأعظم من رجال الطب من 150هـ حتى 300هـ كانوا من النصارى”. وقد أفرد ابن أبي
أصيبعة “طبقات الأطباء” باعتبار الطب إرثا إنسانيا فذكر الأطباء من
اليونانيين والإسكندرانيين ومن كانوا في أول ظهور الإسلام، ومن السريانيين
والأطباء النقلة “المترجمين” وأطباء الجزيرة العربية، والمغرب والهند
ومصر والشام.

هذا كله يعني أن كلام ابن رشد حين تحدث عن إسقاط الاعتبار بالملة، مقابل اعتبار
النفع والصحة، كان له مصداق واقعي في تاريخ الحضارة الإسلامية ومفاعيلها. في حين
أن الفصل التام الذي يحدث الآن، بالحديث عن طب غربي، وآخر إسلامي، وثالث نبوي،
والتمحور حول تحصينات ودفاعات هوياتية في مقابل اضطراب علاقتنا مع الغرب في العقود
الأخيرة، وفي سياق رحلة الأسلمة وابتذالاتها من قبل العديد من المتحمسين للإسلام،
هذا كله يعني أن الوضع الإسلامي ليس بعافية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2005/05/article02.shtml

الطب النبوي .. رؤى نقدية

الأخطاء المنهجية في أبحاث “الطب النبوي”

د.صهباء محمد بندق

طبيبة مصرية تحضر رسالة ماجستير حول أثر الحجامة على الجهاز المناعي، وعضو هيئة
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، بمكة المكرمة.

08/05/2005

كثيرٌ من الباحثين يقع في مغالطات بحثية في الأحاديث التي
تحمل مضامين طبية، كما تقع منهم تجاوزات لحدود المنهج العلمي المتعارف عليه،
وغالبا ما تتسم تلك الدراسات بغياب روح البحث العلمي، حيث تسودها الرغبة الملحة في
إثبات مسائل طبية ما تزال في دائرة الغموض، ويطغى الجموح والهيجان العاطفي على صوت
العقل والمنطق، فيغدو الهدف هو الانتصار المسبق لموضوع البحث وليس للبحث ذاته،
وهذه إهانة عظيمة للعقل والدين معا، يجدر بالمسلمين الانتباه لها، فالخطأ المنهجي
المتضمن في محاولة قسر النتائج التجريبية وجعلها مؤيدة لنصوص نبوية يجرد الباحث من
نزاهته العلمية ويسلب البحث قيمته المعرفية.

بل إن تجاوز المعطيات التجريبية والاستغلال الخاطئ، والتطويع غير السليم للنتائج
العلمية يعرّض السنة النبوية للضرر والتشويه نتيجة للأخطاء البشرية. فإلهاء المريض
بدواء لم تثبت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يلحق الضرر به، وقد يسبب
له شكوكا في حال عدم الاستفادة أو حدوث ضرر باستعماله، وكذلك الأمر بالنسبة للسليم
عندما يتعلق بأوهام على أنها من الوصايا الصحية النبوية.

ولعل من أسباب الارتكاز على المشاعر الدينية الفائرة، والتخلي عن الرؤية المنهجية
والموضوعية بشأن الهدي النبوي في الطب.. ما تشهده الأمة من تطورات سياسية وأزمات
ثقافية واقتصادية، ولدت روحا من الانهزام النفسي، البعض يحاول كبت عاطفته الدينية
بشتى الوسائل، والبعض يحاول نقل المعركة إلى ميدانه الخاص في محاولة لا واعية
لتفريغ الشعور الضاغط بالانسحاق الثقافي وضياع الهوية، هذا مع استبعاد فريق آخر
-للأسف الشديد- يحاول استغلال تلك المشاعر الدينية الفائرة لتحقيق مآرب شخصية
ولبناء أمجاد وهمية على أكتاف السنة النبوية.

وأود أن أنبه إلى أني عندما أذكر تلك الاعتراضات البحثية
حول ما يتعلق بأبحاث ما يعرف بـ”الطب النبوي”، فهذا لا يعني مطلقا أنني
أستبعد أي صورة من صور الإعجاز العلمي في حديثه صلى الله عليه وسلم، أو أنني لا
أرى جدوى من الخوض في هذا المجال.

معنى المنهج العلمي وخصائصه :

المنهج “Method ” لفظة مشتقة
من كلمة يونانية، بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، ويرجع أصلها الاشتقاقي إلى
معنى الطريق المؤدي إلى الغرض المطلوب. ويعتبر “منهج البحث العلمي”
علمًا قائما بذاته يسمى “علم مناهج البحث” “
Methodology
أو علم المناهج اختصارا، ويمثل أهم جوانب العلم والمعرفة العلمية(2).

وقد استقر معنى كلمة منهج منذ عصر النهضة الأوربية بمعنى طائفة من القواعد العامة
المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة من العلم، ومعنى المنهج هو الطريق المؤدي إلى
الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل
وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة(3).

أقسام المنهج العلمي:

قد تختلف مناهج البحث في كل علم من العلوم عن بعضها الآخر، فهناك فرق مثلا بين علم
الفلك وعلم الطبيعة وعلم الكيمياء والجيولوجيا والرياضيات. ولكن مع هذه الفروق في
مناهج كل علم، فإن هناك أساسيات تجمع بينها جميعا، وهذه الأساسيات هي التي يهتم
بها علم المناهج العام، فالعلم الباحث في الطرق المستخدمة في العلوم للوصول إلى
الحقيقة يسمى علم المناهج، وهو العلم الذي يدرس الطريق المؤدي إلى الكشف عن
الحقيقة في العلوم النظرية، وتبعا لاختلاف هذه العلوم تختلف المناهج، ولكنها يمكن
أن ترد إلى منهجين هما: الاستدلال والتجريب، يضاف إليهما منهج ثالث خاص بالعلوم
الأخلاقية أو التاريخية وهو منهج الاسترداد، ويمكن حصرها في نهاية الأمر فيما
يلي(3):

1 – المنهج الاستدلالي أو الرياضي: وهو الذي نسير فيه من
مبدأ إلى قضايا تنتج عنه بالضرورة دون التجاء إلى التجربة، وهو منهج العلوم
الرياضية.

2 – المنهج التجريبي: ويشمل الملاحظة والتجربة معا الذي نبدأ فيه من جزئيات أو
مبادئ غير يقينية تماما ونسير منها معممين حتى نصل إلى قضايا عامة، لاجئين في كل
خطوة إلى التجربة كي تضمن لنا صحة الاستنتاج وهو منهج العلوم الطبيعية.

3 – المنهج الاستردادي أو المنهج التاريخي وهو الذي نقوم فيه باسترداد الماضي تبعا
لما تركه من آثار، أيا كان نوع هذه الآثار، وهو المنهج المستخدم في العلوم
التاريخية والأخلاقية.

إلى جانب هذه المناهج يمكن أن نضيف المنهج الجدلي الذي يحدد منهج التناظر والتحاور
في الجماعات العلمية أو في المناقشات العلمية على اختلافها، ولا يمكن لهذا المنهج
أن يأتي بثمار حقيقية إلا إذا ساندته المناهج الثلاثة السابقة.

والمنهج التجريبي هو العلم الذي نحتاج إليه لدراسة وتقييم الأبحاث الطبية المتضمنة
لأحاديث من الهدي النبوي، لذا يهمنا أن نتعرف بصورة أدق على المنهج التجريبي الذي
يستخدم أساليب الملاحظة العلمية وفرض الفروض وإجراء التجارب لحل مشكلة ما والوصول
إلى نتيجة معينة.

والمنهج العلمي هو منهج الاستقراء، لمعرفة كيفيات المادة، أي تتبع جزئيات حسية،
وتتبعها بالملاحظة، أو بإجراء التجارب عليها، وهو المنهج الذي قامت عليه الحضارة
الحديثة، وعلى أساسه أيضا ستتطور هذه الحضارة، وترقى وتتسع -كما وكيفا- إلى ما شاء
الله.

إن علماء الإسلام الأوائل قدموا خدمات جليلة للمعرفة
الإنسانية، فقد دفعت توجيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة المسلمين دفعا إلى
مختلف مجالات المعرفة، فانطلقت النهضة العلمية التي دوت في أنحاء العالم، والتي
قامت على منهج التجريب والاستقراء، كثمرة طيبة لتوجيهات القرآن الكريم والسنة
النبوية، بينما يتراجع مؤشر الوعي والالتزام بالمنهج العلمي في زمن الأحفاد بسبب
التعاطي المغلوط والمنقوص مع إشارات الهدي النبوي، فالعقل والمنطق في فهم السنة
النبوية يؤدي إلى نفع البشرية واستحقاق الريادة والمجد، بينما يؤدي التعاطي
العاطفي والمتسرع إلى تضليل وتشويه مفاهيم العامة وازدراء العقلاء والمختصين.

خصائص المنهج العلمي:

1 – الملاحظة العلمية وإجراء التجارب وفرض الفروض لتفسير المشكلات.

2 – استخدام أسلوب التحليل للوصول إلى عناصر أبسط للظواهر والمشكلات التي يدرسها.

3 – الاعتماد على أساليب القياس الدقيق والمعالجة الإحصائية للبيانات والمعلومات.

4 – التقسيم الدقيق والصحيح للحقائق وتصنيفها وملاحظة الارتباط والتتابع فيما بينها.

5 – استخدام الخيال الخلاق المبدع في التوصل إلى الفروض العلمية أو القوانين
العلمية.

6 – النقد الذاتي وعدم التسليم بالوقائع إلا بعد تمحيصها.

الأخطاء المنهجية في بحوث الطب النبوي :

وحيث إن التشخيص يسبق العلاج ولا بد، فإننا نرصد الأخطاء المنهجية في البحوث التي
تناولت الهدي النبوي في الطب كالآتي:

1 – الافتقار إلى التخطيط السليم لاختيار مجالات البحث:

البحث العلمي عملية أساسها التخطيط والمعلومات ودراسة
الظروف الخارجية والتكلفة والجهد والوقت، كذلك البحث العلمي في نصوص الأحاديث
النبوية الشريفة يحتاج في المقام الأول إلى جمع المعلومات وإعداد البيانات الكثيرة
حول تلك الأحاديث وموقف المختصين منها، وما هو مطلوب إنجازه، ومن ثم التخطيط بعمق
لكيفية وضع المسألة التي يتناولها الحديث تحت مجهر الملاحظة والدراسة، بغية الوصول
إلى نتائج حقيقية وموضوعية قابلة للتنفيذ العملي كأي دراسة علمية .

والباحث في هذا المجال يجب أن يلم بكل ما كتب عن موضوعه من بحوث مهمة، فالتخطيط
للدراسة ينبني على قراءته، ولا شك أن موقفه سيكون حرجا لو واجهته لجنة التقييم
بمعلومات لم يحصل عليها ومن شأنها أن تحدث تغييرا فيما وصل إليه من نتائج، أو
واجهوه بضعف الأساس الذي تم اختيار الدراسة عليه. لذا فالقراءة الواسعة والإحاطة
بكل ظروف الرواية التي يود بحثها، يعد ركنا أساسا من دعائم الدراسة أو البحث
الناجح.

ومن أخطاء اختيار موضوع الدراسة، التي قد ينطلق منها البحث فتذهب بقيمة دراسته ما
يلي:

افتراض صحة الحديث وعدم التثبت:

عند الاطلاع على الكثير من كتب “الطب النبوي” نجدها غير كاملة
الاستيعاب، وفي نصوصها أحاديث تحتاج إلى تحقيق لمعرفة درجة قبولها لدى المختصين
بعلوم الحديث، كما أنها -مع الإقرار بفائدتها والعرفان بجهد مؤلفيها- لم يعد شرحها
الطبي وبيانها كافيا وافيا بالنسبة لزماننا هذا، وحتى النصوص النبوية الصحيحة في
نسبتها تحتاج إلى شرح يتلاءم مع العلم الحديث.

اعتبار “أحاديث الآحاد” حقائق قطعية الثبوت:

ينطلق كثير من الباحثين والمهتمين بالطب النبوي من أن
أحاديث الآحاد إذا ثبت سندها وصححها المحدثون فهي حقيقة علمية لا يمارى فيها، وهذا
لا يصح؛ لأن تلك الأحاديث من قسم الآحاد الذي ثبت (ظنا) -أي يحتمل الخطأ والصواب-
بينما الحقائق العلمية يمكن أن تحقق درجة (القطع) أو ما يقاربها من خلال البحث.

والحقيقة أن أحاديث الآحاد في هذا المجال لا تعكس في ذاتها الوجه الحقيقي للطب
النبوي، إنما تحتاج للبحث والدراسة حتى يمكن التحقق من ثبوتها. فتلك الأحاديث من
المحتمل أن يكون قد داخلها نسيان الرواة أو خطؤهم أو زيادتهم، بينما من خلال البحث
العلمي الدقيق والمجرد نستطيع فهم الحقيقة العلمية كما أوجدها الباري تبارك
وتعالى.

وقد أفاد علماء الحديث أن مخالفة ظاهر أي حديث للواقع أو للحقائق العلمية القطعية
الثابتة يوجب تأويله ما أمكن ذلك. أما إذا كانت دلالته قطعية لا تحتمل التأويل فإن
مخالفته تعتبر علة في متنه تمنع قبوله أو توجب التوقف عن العمل به (النسيمي: ص
15).

التساهل في ذكر الأحاديث الضعيفة:

يتساهل معظم المتعاطفين مع الهدي النبوي في الطب في سرد الأحاديث الضعيفة بحجة أن
الأحاديث النبوية الطبية لا يبنى على أكثرها أحكام شرعية، ما يبيح التساهل في ذكر
الضعيف منها، وهو قول مردود؛ لأن في ذلك توريط المسلم بتطبيق وصفة تنسب إلى النبي
صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم أنها ضعيفة بالنسبة إليه أو مكذوبة عليه، فإذا لم
يستفد، أو تأذى بهذا التطبيق؛ فإنه قد يتولد في نفسه الاعتراض والشك؛ ولذا ينبغي
أن تتوخى الأبحاث عن الطب النبوي: الأحاديث المقبولة لدى المختصين في علوم الحديث.

كما أن اعتبار الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال حين لا يكون الحديث متعلقا
بالعقيدة، ولا يبنى عليه حكم شرعي من فرض أو تحريم، لا ينسحب على الأحاديث
المتضمنة توجيهات طبية إلا إذا اتفق الحديث الضعيف ضعفا غير شديد، مع الثابت طبيا
(النسيمي: ص 114).

2 – شيوع الأخطاء المعلوماتية وضعف التحضير للبحث:

وهو أيضا من عيوب التسرع وضيق مجال الاطلاع والقراءة، وهو خطأ لا يجوز ارتكابه،
كما لا يجوز التهاون مع مرتكبه، في عصر تدفق المعلومات وثورة الاتصالات، وكلما
كانت الفكرة التي يود الباحث إثباتها مهيمنة على تفكيره، فإن المعلومات تتعثر
وتصطدم ويحدث الكثير من الارتباك وسوء الفهم، وتغيب القدرة على الإقناع وتوصيل
المعلومات؛ نظرا لانحراف الأداء، الأمر الذي يوجب على الباحث فتح قنوات الاتصال
الخاصة بالمعلومات ومراكز البحث السليمة وذات الكفاءة العالية.

وقد ظهرت هذه العيوب في مؤتمر الإعجاز العلمي السابع، وحظيت بانتقادات علمية من
الحضور، تقول الدكتورة “فرانسيس باك” الأستاذ المساعد بقسم الأمراض
المتوطنة وأمراض الدم والسرطان في جامعة وين ستيت -ديترويت ميشيجن- بالولايات
المتحدة: “إنه على الرغم من أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر بدت شائقة فإن
هناك بعض الأخطاء المعلوماتية تخللت بعض الأبحاث”.

ودللت على ذلك بمثال: “فالداروينية مثلا ونظرية التطور حسبما قدمهما الدكتور
إدريس الخرشاف في بحثه المقدم حول الداروينية والإعجاز العلمي في القرآن الكريم لا
يمثلان الرؤية الغربية، ويبدو أن هناك فجوة كبيرة في التواصل الفكري بين الشرق
والغرب”.

وأضافت: “إن كان هذا المؤتمر عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فلا بد أن
يكون هناك معلومات علمية حقيقية؛ لأن الكثير مما يقدم ليس مبنيا على الدليل
العلمي”(1).

3 – التكلف والتحايل على الحقائق العلمية:

حين يغدو التسليم المطلق بصحة الرواية منطلقا للبحث العلمي،
فإن همة الباحث تتجه نحو إثبات صحتها بأي طريق، ومن أجل ذلك يتكلف لَيّ المفاهيم
العلمية ويتحايل على الحقائق لتتفق مع تلك الرواية، أو يسارع نحو بعض البحوث التي
لم تنضج للإعلان عن موافقة الرواية (للحقائق) العلمية، وهكذا تخرج الأبحاث مدعومة
بحقائق مختارة متحيزة لجانب واحد من الموضوع، وهو ما يذهب بمصداقية وموضوعية تلك
الأبحاث. ولعل هذا ما يفسر تميز أبحاث الطب النبوي عادة بالإثارة والتشويق على
حساب الجودة والكفاءة، بهدف إبهار القارئ المتعطش ابتداء لهذه النتائج.

والصواب أن ينطلق البحث بتجرد تام، وبدراسة علمية متأنية تتفق وأصول وأسس البحث
العلمي المتعارف عليها، وقد يستغرق منا ذلك سنين بل قد يستغرق العمر، دون لحظة
ندم؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يوصلنا بإذن الله إلى الحقائق ويجنبنا مزالق
السعي وراء ما لا طائل منه.

والأمانة العلمية صفة لا غنى عنها للباحث، وكما يقول “بول موي”:
“للعالم أن يتحلى بصفات التواضع والصبر والنزاهة حين يلاحظ الظواهر، وأن
يصفها على ما هي عليه، لا كما يتمناها أن تكون”(6).

وهو ما أدرجه د. أحمد شوقي إبراهيم ضمن شروط وضوابط المنهج
العلمي في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: فـ”لا تجوز محاولة إخضاع
النص النبوي -وما أعظم شأنه- للحقائق العلمية التي توصل إليها الإنسان، وما أقل
شأنها. كما لا ينبغي محاولة التوفيق بين ما في القرآن أو الحديث النبوي من علم بلا
حدود، وبين ما لدى الإنسان من علم قليل ومحدود. ونذكر هنا نبي الله الخضر عليه
السلام عندما قال لنبي الله موسى عليه السلام: “ما علمي وعلمك يا موسى من علم
الله إلا كما أخذ هذا العصفور من ماء البحر”. ونذكر أيضاً قول الله عز وجل في
كتابه العزيز: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء: 85).
فمن الضروري لكل باحث في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أن يضع هذه الحقائق نصب
عينيه دائمًا”(7).

4 – الاعتماد على النظريات التي لم تثبت والتسليم بصحتها:

كثيرا ما يرتكز البحث على نظريات مهترئة لا ترقى لمستوى الحقائق العلمية الثابتة
ولا يمكن الاطمئنان إليها لتأييد الأحاديث التي يتم بحثها، وقد يكتفي الباحث بعرض
ملاحظاته وخبراته الشخصية للبرهنة على صحة النظريات التي افترضها، ثم يملأ الدنيا
ضجيجا بها، ولهذا فإن كثيرا من تلك الأبحاث تتسم بالذاتية، وتتضمن استنتاجات غالبا
ما تكون مبنية على الملاحظة غير المقيدة.

وكما يتسرع المعارضون لكل ما يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فينكرون أي صلة
بين العلم الحديث وما تحدث به رسول الله مما يتعلق بالصحة والطب، كذلك يوصل الحماس
والهياج العاطفي للنتيجة ذاتها عن طريق التسرع في إصدار الأحكام العاطفية
والاستعداد لقبول أي تفسير علمي مهما ضعفت درجته، بل وإن لم يبلغ درجة القبول أصلا
بحجة إحياء السنة. والاكتفاء بسرد الأحاديث مرفقة ببعض التلفيقات والفبركات
العلمية ثم التباهي والتنطع باكتشاف إعجاز في طب النبوة!

وكلا الطرفين أساء فهم الدين ولم يحسن فهم كتاب رب
العالمين، الذي افتتح خطابه للعقل البشري بدعوة للقراءة والبحث والتأمل، وحثه على
استكشاف الحقائق عن طريق البحث والتجريب والمشاهدة. قال الله تعالى: {قُلِ
انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.

ومن الأمثلة على الأمانة والصبر في الملاحظة أن الفلكي الدنماركي تيكوبراهي Tycho Brahe
ظل طوال عشرين عاما يعمل على تحديد مدار كوكب المريخ، وكان يظن أن مداره دائري،
وقد استند على ملاحظات لتحديد مدار المريخ، وبعد عناء دام تسع سنوات كاد يبلغ به
حد الجنون، استطاع أن يحدد المدار البيضاوي لكوكب المريخ، ووضع بذلك قانونه الأول
الذي ينص على أن المريخ يرسم مدارا بيضاوي الشكل(2).

وكان الأجدى أن يرتكز البحث في الطب النبوي على حقائق ومسلمات علمية لا يمكن الجدل
بشأنها، على الأخص في زماننا هذا الذي يقدم لنا المزيد من تكنولوجيا البحث
والمختبرات المتقدمة التي تنتظر العناصر البشرية ذات الكفاءة والتي لديها الهمة
العالية والرغبة الأمينة في البحث.

يقول د. أحمد شوقي إبراهيم: “لا يجب أن يفسر أي نص قرآني أو نبوي بفرض علمي
أو بنظرية علمية. فهذه الفروض وتلك النظريات ظنية. والظنون تصيب تارة وتخطئ تارة
أخرى، وإذا فعل أي باحث في الإعجاز العلمي هذه الفعلة فإنه يحمل القرآن الكريم
ظنون العلماء البشر وأخطاءهم المحتملة. وفي هذه النقطة نتفق مع المتحفظين
والمعترضين على دراسة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة؛ لأن أي تفسير تأسس على خطأ
علمي لا يمكن أن يكون تفسيراً صائباً. ويجب للتفسير أن يتأسس على حقائق علمية
ثابتة، وفي احتراس، وحذر، وأدب، وتعمق في الدراسة، ومع اتباع للمنهج العلمي
الصحيح، وحتى بعد هذا كله ينبغي ألا نعتبر أي فهم علمي نصل إليه لنص قرآني أو نبوي
فهماً أو تفسيرا حتميا دائما، ولكن نضع في الحسبان دوماً احتمال خطأ الباحث في
الفهم أو التفسير”(7).

وهو ما أكد عليه الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح
الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في حديثه للباحثين في مجال الإعجاز.

وأخشى ما أخشاه أن تلقى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنت معاني طبية
نفس المصير الذي لاقته النظرية الداروينية، التي هلل لها مدعوها، وأعلنوا عنها
وأذاعوها في كل مكان، وهي لم تزل فكرة ظنية، وكلما تقادم الزمن بنا وكلما تقادم
العهد بها.. ازداد الشك بها!!

5 – ضعف مراجع البحث ومصادره:

“المراجع الأصلية (المصادر) – وهي أقدم ما يحوي مادة عن موضوع ما- هي المراجع
ذات القيمة في الرسائل والأبحاث. ولذلك وجب الاعتماد عليها والرجوع إليها. وكلما
زاد استخدام المراجع الأصلية وكثرت الحقائق المستفادة منها عظمت قيمة البحث، وخاصة
إذا كانت هذه الحقائق وتلك المعلومات لم تصل لها يد من قبل، ولم يسبق لأحد أن
اقتبسها. والمراجع الأصلية قد تكون حديثة، كالإحصائيات والتجارب العلمية الموثوق
بها وغير ذلك.

ومن أهم ما يجب أن يلاحظ في المراجع: تخصصها في النقطة التي يبحث فيها الباحث. كما
يتوجب الحذر من الاعتماد على المراجع الثانوية التي قد تسيء فهم ما كتب في المراجع
الأصلية، أو التي تلون المادة بلون خاص يبعدها عن الفكرة التي سيقت لها في الأصل،
فينبغي تحقيق ما ورد بها في المرجع الأصلي”(8). وفي حال كون مصادر المعلومات
ضئيلة إلى الدرجة التي لا تمكن من تزويد الباحث بشيء أكثر من مجرد تخمين، فإنه يجب
إرجاء البحث في هذه المشكلة كمشكلات غير قابلة للبحث(9).

ويحدث كثيرا أن يتقدم الباحث في مجال الطب النبوي بتقارير
تفتقر إلى أي وثيقة تعزز ما توصل إليه، ودون أن يذكر مرجعاً علميًّا واحداً موثقاً
يبرهن على صحة ما توصل إليه، أو يعتمد على الكتب الحديثة التي لا تكتب مصادر
مادتها وهي كتب قليلة الفائدة وما تقدمه يعد كلاما مرسلا لا يمكن الاطمئنان إليه
أو الوثوق به، والنتيجة أبحاث غير مؤهلة لا تستطيع أن تقنع أي عقلية علمية؛ ما
يجعل الأوساط العلمية تنفض عنها.. في حين يتوجب على الباحث عند كتابة بحثه الإشارة
إلى مصادر معلوماته بدقة ووضوح ليتسنى للقارئ أو لأي باحث آخر الرجوع إليها
والتأكد من صحتها.

وقد أوضح الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
أنه “علينا أن نمكن للتعريف بالإسلام من خلال توظيف الإنتاج العلمي المعاصر
لخدمة أهدافه، إلا أن هذا ينبغي أن يحاط بالضوابط المحصنة من الوقوع في الأخطاء
المنهجية التي تقلل من الثفة بالنتائج”(1).

6 – عدم الالتزام بالمنهج العلمي وضوابط البحث فيه:

تخضع “الأبحاث العلمية” -كما تقدم- لقواعد وأسس
متعارف عليها، لا يصح تجاوزها بحال من الأحوال، وإلا فقدت قيمتها ووزنها العلمي
ولم تعد صالحة للاستدلال والتداول العلمي. بينما تكتب “المقالات
العلمية” دون تقيد بنفس القواعد التي يلتزم بها الباحث عند كتابة بحثه،
وتجاوز تلك المعايير والقواعد البحثية أمر شائع في أبحاث الطب النبوي، فكثيرا ما
يقفز الباحث إلى استنتاج يفيد أن التجربة العلمية الحديثة قد أثبتت الأسرار
الغامضة في الحديث النبوي الذي يتناوله، وغالبا ما تكون تلك الاستنتاجات مبنية على
الملاحظة غير المقيدة. ودون أن يحمل هذا الاستنتاج أيًّا من قواعد الاستدلال
المتفق عليها، بمعنى أن هذا لا يعني بالضرورة أنه من ذاك.. وما إذا كان من استدل
بقولهم ممن يعتد بكلامهم، وهل يوافقه على ذلك العلماء والباحثون في الطب؟ أم أنها
مجرد نظرية من الممكن أن تدرس بشكل دقيق ويظهر صوابها أو خطؤها؟.

إن عدم اتباع بعض مقدمي الأوراق البحثية في الطب النبوي للمنهج العلمي السليم
والأسس الافتراضية السليمة للبحث، لا يعد خرقا لأصول البحث العلمي فحسب، بل إنه
يمثل صداما صارخا مع مفهوم كلمة “العلم” بالمفهوم الحديث الذي تأخذ به
جامعات العالم، وهذا المفهوم يرى أن “العلم هو القواعد التي بنيت على
الملاحظة، والتجربة، والاستقراء”(4).

7 – غياب القدرة على الإقناع والربط بين الحقائق العلمية والإشارات النبوية:

تتطلب الأبحاث العلمية التسليم بعدد من المبادئ والمسلمات،
مثل الأخذ بمبدأ السببية أي أن كل شيء يحدث لا بد له من سبب أحدثه، ومبدأ الحتمية
ومعناه أنه عندما تتوفر شروط معينة فإنه تحدث حتما نفس الظاهرة، ومن المستحيل ألا
تحدث ظاهرة إذا لم تتوافر شروطها، فالعلم ينكر المصادفة، ووراء كل ما نعتقد أنه
مصادفة ظواهر معقدة وعدد من الاحتمالات التي تنتظر الكشف عنها، ويجهل –أو يتجاهل-
كثير من الباحثين تلك المبادئ، فيقفز الباحث إلى استنتاجات مغلوطة وتفسيرات مقحمة
ليخلص إلى رابط بين الحقيقة العلمية والحديث الذي يحاول دراسته.

ويرى د. محمد زيان عمر أن من الجوانب الرئيسية التي تؤخذ في الاعتبار عند تقويم
أهمية البحث العلمية: التمحيص النقدي للبراهين والأدلة المفضية إلى النتائج التي
توصل إليها الباحث(9)، وهو ما تفتقر إليه معظم أبحاث الطب النبوي، وإذا توجب هذا
الشرط في حق الأبحاث العلمية بصفة عامة، فإنه يتوجب بشكل حتمي وبضرورة بالغة في حق
الأبحاث التي تتناول نصا نبويا شريفا، فلا بد من “وجود الدلالة الظاهرة على
تلك الحقيقة العلمية في ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ثم يتم
“الربط بين هذه الحقيقة ودلالة النص بأسلوب ميسر وسهل”.

فغياب التفسير النقدي القائم على الاستنتاج المنطقي من الوقائع والمقدمات،
والافتقار إلى برهان واقعي واضح وموضوعي، ينبئ بأن البحث يعتمد -إلى حد كبير- على
الحكم الشخصي، فمجرد الكشف عن حقيقة دون مراعاة لمدى اتساقها مع الحقائق المعروفة،
ومدى وضوح هذه الحقائق وكفايتها لدعم وتأييد الاستنتاج النهائي، لا يثبت بالضرورة
أي برهان أو دليل على الإعجاز، بل إنه يشكك في صحة النتائج المستنبطة كحقيقة علمية
فضلا عن كونها إعجازا نبويا!.

وعلى العموم يجب أن يتعدى البحث الكامل –ببون شاسع– عملية الكشف عن الحقيقة، إلى
استغلال البراهين الواقعية بقدر يفوق استغلال التفسير النقدي لها(9).

ومن الأجدر أن يتجنب الباحث الربط التعسفي بين النص الذي
يحاول إثباته وبين الحقائق العلمية، وحسبه أن يعلن الحقائق التي حصل عليها بالبحث
والدراسة، وهو ما يعرف بالعلم المبني على الدليل، وليس عليه أن يتحذلق، ويتكلف
محاولا التفسير لتلك النتائج وربطها بما يحاول إثباته عنوة، وقد حذر رسول الله
العلماء وأنذرهم وبين لهم ذلك الأدب الرفيع من آداب العلم، عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه قال: “يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل:
الله أعلم. فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه:
{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}
(ص: 86)”. متفق عليه.

وقد أشارت الدكتورة “آني أكاسو” عالمة الآثار التي حضرت مؤتمر الإعجاز
العلمي السابع بالنيابة عن معهد الحفريات البشرية
human paleontology
في باريس، إلى هذه الملاحظة قائلة: “لا أرى العلاقة بين الدليل العلمي المقدم
في الأبحاث وبين النص القرآني المشار إليه”(1).

8 – الخلط وعدم التمييز بين أنواع النشاطات البحثية:

من المعتاد في أبحاث الطب النبوي ألا تزيد عن تقديم ملخص لمعلومات سبق اكتشافها أو
بحث قام به آخرون. ومن الخلط الذي يدل على عدم الفهم أن توصف أية نشاطات فكرية
بأنها أبحاث، ففي هذا التعبير كثير من التجاوز، إذ إن مجرد دراسة أو تلخيص موضوع
معين سبق بحثه من قبل علماء آخرين لا يضيف جديدا للمعرفة الإنسانية، ولا يعتبر
إضافة إنسانية جديدة، بل وحتى في حال تحليل تلك الآراء والإضافة إليها فإن ذلك كله
لا يعد إضافة علمية جديدة، أو اكتشافًا لحقيقة غائبة. وهو نشاط علمي يتطلب مستوى
رفيعًا من الإمكانات العقلية، لذلك فهو أرقى درجة من مجرد كتابة مقال أو تلخيص عمل
علمي معين(9).

بل إن هناك تجاوزًا كبيرًا في استخدام مصطلح “الطب
النبوي”؛ فالإشارات الواردة في الهدي النبوي ومجموع الدراسات التي تدور حولها
ليست علما مستقلا بذاته، ولا تزيد تلك الأبحاث الضعيفة عن تكريس الفهم الضيق
والمضلل لتلك الإشارات النبوية، فمجرد تجميع الوقائع والملاحظات والقوانين
والنظريات، لا يجعل من كل ذلك علمًا، ولكننا إذا فهمنا العلم على أنه التفكير
العلمي المعتمد على الوقائع والظواهر الطبيعية وصياغة ذلك في صورة مبادئ وقوانين
عامة، عندها فقط يمكن اعتبار تلك المجموعة من المعلومات علما.

فما ورد في الهدي النبوي بخصوص الصحة والطب لا يمثل طبا متكاملا يقوم على أساس
بعينه أو فلسفة تميزه، أو رؤية خاصة لجسد الإنسان وطبيعة الأمراض، ومن قبل عنون
المحدثون في تصانيفهم مجموعة الأحاديث النبوية المتعلقة بالطب بـ “كتاب
الطب”. وذلك تمييزا لها، ولم يقصدوا أن الطب النبوي طب متكامل يضم كل فروعه،
وأنه يقابل الطب اليوناني أو الهندي أو الفارسي، وإن كانت المفاهيم الصحية أو الطب
الوقائي في الإسلام يتميز فعلا عما سبقه أو أتى بعده(5).

9 – عدم انتساب تلك الأبحاث إلى جهة علمية معتبرة:

من الملاحظ أن هذه الدراسات والبحوث لا تعلم هويتها أو الجهة العلمية التي قامت
بالإشراف عليها، ما يجعلها تتسم بالذاتية والرؤية الشخصية.

10 – الافتقار إلى روح البحث العلمي:

تفتقر معظم الأبحاث المقدمة في مجال الطب النبوي إلى أهم ما
يرتبط بخصائص المنهج العلمي، وهو ما يعرف بـ “الروح العلمية”، وهي جوهر
المنهج العلمي وعموده الفقري، فالعلم -كما يؤكد العديد من الباحثين والدارسين- ليس
هو الوقائع والملاحظات وإجراء التجارب واستخلاص النتائج منها، فكل ذلك لا يشكل
العلم؛ لأن العلم -كما يرى بوانكاريه
J.H.Poincare
وهو أحد أعظم علماء الرياضيات في نهاية القرن التاسع عشر- “يبنى على الوقائع
بنفس الطريقة التي يبنى بها المنزل من الطوب، ولكن كومة من الوقائع ليست علما، كما
أن كومة من الطوب ليست منزلا”(10).

فالعلم لا يعرف فقط بالمواد التي يعمل بمقتضاها أو حتى بالقوانين التي يطورها،
وإنما أهم ما فيه هو الروح العلمية.. ومن هنا فإن معنى العلم يتضمن أساسا الروح
العلمية(11).

والروح العلمية أمر يرتبط بالسلوك الإنساني، وهي وليدة حب الاستطلاع والدهشة والنزاهة
والصبر على الملاحظة، كما تنطوي على الشجاعة وعدم تهيب الأخطار والأمانة مع النفس
والوقائع، والاتسام بالنقدية، وهو ما تفتقر إليه معظم بحوث الطب النبوي كما سيظهر
في الأمثلة اللاحقة، وهذه الصفات ترتبط بالأخلاق، أي أنها صفات أخلاقية ينبغي أن
يتحلى بها العالم، وعندما يتسم بها الباحثون في مجال الطب النبوي، نقول: إن هؤلاء
باحثون علميون بالمعنى الحقيقي. أما إذا استمر تناول الطب النبوي بهذا الأسلوب
المتخلف عن قوانين البحث العلمي، فإنه سيدمر نفسه، وإن امتاز بالتشويق والإثارة
إلا أنه لن يستمر طويلا؛ لأن الروح العلمية والانضباط الأخلاقي والعلمي هي
المقومات التي تجعل من العلم ظاهرة إنسانية ثابتة، وتضمن تقدمه واستمراره؛ ولذا
فإن الروح العلمية ليست فقط جوهر العلم وإنما هي ضمانة تقدمه.

الأمثلة.. والتطبيقات :

ولعل في توضيح الأخطاء البحثية في بحوث الطب النبوي ببعض الأمثلة، ما يجلو شيئا من
الغموض ويزيح الالتباس:

المثال الأول: أحاديث الحجامة:

التداوي بالحجامة من المندوبات في الشريعة الإسلامية، وقد ورد في فضل التداوي
بالحجامة أحاديث كثيرة منها:

عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن أجر الحجام فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه. وقال صلى الله عليه
وسلم: (إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقُسْط البحري) رواه البخاري.

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كان في شيء من
أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن
أكتوي) رواه البخاري مسلم.

وروى البخاري بسنده أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عاد المقنع -أحد التابعين-
ثم قال: لا أبرح حتى يحتجم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن فيه
شفاء.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه
من شقيقة كانت به. رواه البخاري.

هذه الأحاديث تقدم لنا حقيقة طبية مفادها: أن في الحجامة قيمة شفائية، وهو ما يتفق
مع ما ذكره الأطباء والعلماء قديما وحديثا من فوائد كثيرة للحجامة. قال العلامة
ابن القيم: “وأما منافع الحجامة فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد
لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد”(12).

وذكر الدكتور محمود النسيمي -صاحب كتاب الطب النبوي والعلم الحديث- استطبابات
الحجامة ومنها: احتقانات الرئة، واحتقان الكبد، والتهاب الكلية الحاد، والآلام
العصبية… إلخ(5).

ويقول الدكتور عبد الرزاق الكيلاني: “وتفيد الحجامة
الجافة في تسكين الآلام جميعها إذا طبقت في مكان الألم، أو قريباً منه، وقد سقط
النبي صلى الله عليه وسلم على وركه فأصيب بوثي فيه –أي وجع فيه- فعالجه بالحجامة،
كما تفيد في الصداع والآلام القطنية والآلام المفصلية، وألم ذات الجنب، وتفيد في
التهاب القصبات وذات الرئة واحتقانات الكبد والتهاب التأمور، وقصور القلب الخفيف،
كما تقوم مقام الاستدماء الذاتي لمكافحة أمراض الحساسية كالأكزيما والشري وغيرها.
وإذا أجريت في الرأس أفادت كثيراً من أمراض العين. أما الحجامة المدماة فإنها عدا
الأمراض التي تفيد فيها الحجامة الجافة تفيد في ارتفاع الضغط الشرياني خاصة؛ لأنها
تكون كالفصادة وكذلك في قصور القلب الشديد ووذمة الرئة الحادة، واحتقانات الكبد
الشديدة، وقصور الكلى الحاد والتسممات”(13).

وفي هذا العصر قدم بعض ممن يدرسون الطب النبوي أطروحات جديدة زعموا أنها تؤيد
دلالة الحديث، ومن ذلك ما كتبه عبد القادر يحيى الشهير بالديراني في كتابه (الدواء
العجيب) وهو كتاب يصف الحجامة بأنها معجزة القرن العشرين، والدواء الذي شفى من مرض
القلب القاتل والشلل والناعور والشقيقة والعقم والسرطان، ويتصور فيه صاحبه وأعضاء
الفريق الطبي العامل معه أنهم يقدمون الحجامة كعلم طبي بمنظور جديد، وهو كتاب يظهر
بجلاء وهن الخلفية العلمية التي يقوم عليها، ويجسد جميع صور الخلل أو”الخطل”
العلمي التي ذكرت، نذكر من تلك الصور على سبيل الذكر وليس الحصر ما ذكره المؤلف
بشأن السن المناسبة لحجامة النساء:

يقول المؤلف: (لا تحتجم المرأة حتى تتخطى سن اليأس، ذلك أن
يد القدرة الإلهية قد جعلت لها مصرفا طبيعيا تستطيع من خلاله أن تتخلص من الدم
العاطل، فبالحيض تبقى دورتها الدموية في قمة نشاطها وكرياتها الحمراء في أوج
حيويتها.. بالإضافة إلى ذلك فإن الكبد والطحال يلتهمان جزءا لا بأس به من الدم
العاطل “الكريات الحمر الهرمة” ليقوما بتفكيكها والاستفادة من المكونات
عند الحاجة. وبخروج دم المحيض من المرأة، ولئلا يحدث خلل في وظائف الدورة الدموية،
يحرض الجسم نقي العظام لرفد الدم بخلايا دموية جديدة فتية، ويساهم الطحال في إطلاق
كمية الدم التي يخزنها إزاء هبوط الضغط الدموي.. لذلك نجد أن متطلبات النساء من الحديد
قبل دخولهن مرحلة انقطاع المحيض تبلغ ضعفي ما يتطلبه الرجال والنساء اللواتي دخلن
هذه المرحلة من العمر.. وبالتالي فإجراء عملية الحجامة لذوات المحيض فيه بالغ
الضرر، ولذا نهانا رسول الله “صلى الله عليه وسلم” عن ذلك) (14).

يكشف لنا هذا النص بعضا من صور الخطأ في الدراسة العلمية:

1 – يشدد المؤلف على خطورة احتجام النساء قبل المحيض، ويحشد الدلائل العلمية في
هذا الاتجاه، بل ويعززها بتوصية من النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن يسمي لنا
مرجعاً علميًّا واحداً موثقاً يذكر فيه هذه الحقيقة العلمية الخطيرة.

2 – لا يذكر الباحث موقف أهل الاختصاص من نظريته، وهل يوافقه على ذلك العلماء
والباحثون في علم الأمراض النسوية والتوليد وعلماء الفسيولوجي “علم وظائف
الأعضاء” وعلم أمراض الدم وغيرها من التخصصات التي يمكن أن تبحث هذه القضية؟
أم أن ما قدمه مجرد نظرية من الممكن أن تدرس بتجرد وبتأنٍّ ومن ثم يظهر صوابها أو
خطؤها؟.

3 – يدعي المؤلف أن المرأة التي لم ينقطع عنها المحيض تتمتع
بحماية إلهية، إذ يتخلص جسمها من الدم الفاسد بشكل دوري كل شهر، وهو ما يدعو إلى
التساؤل عن الحالة الفسيولوجية البائسة لجسم الرجل الذي لم تتوفر له نعمة التخلص
الدوري من الدم الفاسد؟ وكيف يحيا من لم يمارس الحجامة في حياته وهو محمل بذلك
الدم الفاسد؟ تلك الأسئلة البسيطة تكشف عن سذاجة النظرية وعدم ارتكازها على أي
أساس علمي.

4 – يقوم ذلك الادعاء على خطأ معلوماتي كبير، إذ كان الاعتقاد السائد من قبل أن دم
الحيض يخرج بسموم الجسم، وهو ما ظنه البعض تفسيرا لقوله تعالى: “ويسألونك عن
المحيض قل هو أذى” (البقرة-222)، حتى إن أحد العلماء الفرنسيين وكان يدعى
جواتييه أكد سنة 1900 أن سموم الزرنيخ هي من أهم السموم التي تخرج في دم الحيض.
وأخيرا جدا توصل العلماء إلى السر العلمي في أذى الحيض، فقد أكدت دراسة علمية
للدكتور محمد عبد اللطيف 1979م، أن العلماء اكتشفوا وجود دورات حياة لجراثيم
(ميكروبات) ضارة، وأخرى مفيدة في قناة المهبل، وهذه الدورات تتغير خلال الدورة
الشهرية، بتغير الدورات الشهرية لهرموني الإستروجين والبروجستيرون
Oestrogen and
Progesteron
وهي هرمونات المبيض. وأثناء فترة
الحيض تزداد القلوية في قناة المهبل، وبالتالي تجد الجراثيم الضارة فرصتها للتكاثر
والنمو أثناء فترة الحيض، ومن هنا كان الحيض “أذى” وليس لكونه دما
مسمما! (15) (16).

يبلغ البحث حد العبث عندما يذكر أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أمرنا بتجنب الحجامة قبل سن المحيض للنساء، وهو ما لم يرد فيه أي نص أو حتى
شبهة تتعلق بهذا الشأن. بل في صحيح مسلم عن جابر أن أم سلمة استأذنت النبي صلى
الله عليه وسلم في الحجامة، فأمر النبي أبا طيبة أن يحجمها، قال: حسبت أنه قال:
كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم. (مسلم، ابن ماجة، الإرواء 1798). ومن
المعلوم أن السيدة أم سلمة تزوجت بالنبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية من
الهجرة المباركة (21، 22، 23)، وكانت وفاتها رضي الله عنها عام 62 من الهجرة عن
عمر ناهز الثمانين (24، 25، 26)، وهذه المعلومات تفيد بأنها كانت في أوائل
العشرينيات عند زواجها بالنبي، وبالتالي فإنه صلى الله عليه وسلم توفي عنها سنة 10
هـ وهي في أوائل الثلاثينيات؛ ما يعني أنه سمح لها بالاحتجام وهي دون سن اليأس
بخلاف ما يذكره الكاتب.

وفي المؤتمر السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة تقدم الدكتور هاني علي
الغزاوي بورقة بحث تبين دور الحجامة في علاج مرض الروماتويد يقول فيها: “في
عينة مكونة من 15 مريضا كان عدد السيدات 11 سيدة وعدد الرجال 4 كانت النتيجة كما
يلي:

1 – شفاء سريع (حالتان تمثل 13.3%): الأعراض اختفت \ الوظائف طبيعية\ سرعة الترسيب
شبه عادية \ اختبار الروماتويد سلبي والمريض ليس بحاجة لعلاج \ الشفاء بعد جلسة
واحدة.

2 – شفاء (4 حالات تمثل 26.7 %): الأعراض اختفت \ الوظائف عادية \ سرعة الترسيب
تحسنت والمريض ليس بحاجة إلى علاج \ النتيجة كانت بعد عدد من الجلسات تبعا
للبروتوكول العلاجي الدولي.

3 – تحسن جيد (5 حالات تمثل 33.3%): الوظائف عادية \ بعض الألم \ يحتاج لبعض
المسكنات لبعض الوقت.

4 – تحسن (3 حالات تمثل 20%): الوظائف عادية \ يحتاج لمسكن ومضادات الالتهاب
يوميا، ولكن تم تخفيض العلاج بشكل كبير.

5 – فشل أسلوب العلاج (حالة واحدة تمثل 6.7%) ” (17).

ونظرا لإلحاح الباحث على إثبات ما يوقن أنه حقيقة بالفعل،
فقد خرج البحث بصورة تبتعد تماما عن الصورة المألوفة لهيئة البحث العلمي المتقن،
وتنم عن تعطيل كامل لقواعد البحث التجريبي، وهو ما عرض الباحث لانتقادات عنيفة
ومحرجة، نشير إلى غيض من فيض تلك الأخطاء العلمية فيما يلي:

1 – عدد المرضى الخاضعين للدراسة يعد قليلا جدا ولا يعتد به، وبالتالي لا يمكن
الاطمئنان لنتائج تلك الدراسة.

2 – لم يذكر الباحث شيئا عن المقاييس العلمية والمواصفات التي ارتكز عليها لتشخيص
الحالات الخاضعة للدراسة حتى يتم التسليم بكونها مصابة بالروماتويد، وأهل الاختصاص
في علم الأمراض الروماتيزمية يعلمون جيدا دقة المقاييس والمعايير الدولية التي
تمكن من تشخيص حالة الروماتويد، وبالتالي فلا يمكن الجزم بصحة تشخيص المرضى الذين
خضعوا للدراسة ابتداء، وهو ما يفض الحديث عن البحث برمته بعد أول نظرة متمعنة
لطريقة اختيار حالات الدراسة.

3 – نظرا لكون الباحث غير متخصص في العلم الذي يقدم دراسة حوله، جعله يبدو كالتائه
المتخبط. وقد كان من الأجدر الاستعانة بأحد المختصين في علم الروماتيزم وآلام
المفاصل، تجنبا للوقوع في خطأ التسرع والسطحية.

4 – تفتقر الدراسة إلى التقسيم الدقيق والصحيح للحقائق، فقد قام الباحث بتقسيم
النتائج إلى فئات (شفاء سريع \ شفاء \ تحسن جيد \ تحسن \ فشل أسلوب العلاج)، وقام
بتحديد مواصفات كل فئة، دون أن يذكر أي مرجع يدعم ذلك التصنيف، وهي طريقة تذكر
بأسلوب كتب الطب في القرن التاسع الهجري، على سبيل المثال، ليس هناك ما يدل على أن
-اختفاء الأعراض وكون الوظائف طبيعية وسرعة الترسيب شبه عادية وأن اختبار
الروماتويد سلبي والمريض ليس بحاجة لعلاج وكون الشفاء بعد جلسة واحدة– يمثل شفاء
سريعا!

5 – من المعلوم أن مرض الروماتويد ينتج عن خلل مناعي ويصعب
التعامل معه والسيطرة عليه، ويعد تقييم درجة التحسن وضبط جرعات العلاج فنا
اختصاصيا يستلزم تقنية ومهارة وخبرة لا تتوفر لغير المختصين، في حين يستعرض الباحث
–بطريقة بهلوانية- نتائجه متجاهلا أبجديات التشخيص والتقييم التي يقوم عليها هذا
العلم والمتعارف عليها دوليا، وهو ما يشعر القراء من أهل الاختصاص بسذاجة وسطحية
البحث.

6 – لم يعمد الباحث إلى أساليب القياس الدقيق والمعالجة الإحصائية للبيانات
والمعلومات، أو أية طريقة من طرق الإحصاء المتعارف عليها دوليا لتقييم النتائج،
واكتفى بتحديد النسب المئوية للتعبير عن معدل الاستجابة للعلاج؛ ما يعد خروجا
معيبا على أصول البحث العلمي الدقيق والمنضبط.

المثال الثاني: حديث الشفاء بالعسل:

اشتعل الجدل في جلسة المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في
مدينة دبي (مارس 2004) الخاصة بالأبحاث التطبيقية في العلوم الطبية، فقد قام أحد
الباحثين وهو د. سعيد أبو عشي بتقديم ورقة عن الاستشفاء بالعسل تناولت تقريرًا عن
حالة ورم سرطاني في الكبد يئس الأطباء من علاجها، وتراجع الورم تراجعًا كاملاً بعد
أن عالج المريض نفسه بالعسل وحبة البركة والثوم، وتم إثبات هذا التراجع بفحص الكبد
بالموجات فوق الصوتية والأشعة المقطعية.

وعلق د. أحمد عبد الله أستاذ طب الأطفال على هذه الورقة أثناء الجلسة قائلاً:
“إن مثل هذا البحث والذي يمثل تقرير حالة لا يجب أن يقدم في مثل هذا المؤتمر
العالمي؛ لأن قيامه على دليل علمي ضعيف وحجته واهية”، كما أشار إلى وجود بعض
الأخطاء العلمية في تقرير الحالة، بالإضافة إلى أن هناك بعض الجوانب التي لم
تستكمل في فحوصات الحالة.

وأكد آخرون في تعليقاتهم على نفس البحث أنه لا بد من
التفريق بين التقدير الإلهي والإعجاز؛ فما عرضه الباحث يمثل تقديرا إلهيًّا لا إعجازًا
علميًّا مبنيًّا على دليل صحيح، ومثل هذه الحالات تكون نادرة جدًّا، ولا يمكن
اتخاذها كحجة علمية قوية(1).

المثال الثالث: في الوضوء:

يرى بعض المهتمين بالإعجاز العلمي في الهدي النبوي أن في إسباغ الوضوء دلالة علمية
وفوائد طبية بالغة، وتربط د. ماجدة عامر في كتابها “الجوارح وأسرار
الوضوء” بين التخليل للأصابع -وهو سنة من سنن الوضوء- وبين علم التدليك
الضاغط الصيني
Acupressure،
وهو التدليك الضاغط فوق مناطق أو نقاط معينة في الجسد تسمى نقاط العلاج. تقول
الدكتورة: “إن هذه الوسيلة –التدليك– تعيد توازن وسير الطاقة الحيوية في
مساراتها، وبالتالي تزيل أي خلل أو ركود في الطاقة. ومن الأسباب التي تفسر زوال
الآلام بهذه الوسيلة هو زيادة إفراز مادة الأندورفين أو المورفينات الطبيعية عن
طريق الخلايا العصبية، وقد وجد الصينيون أن ما بين أصابع اليدين نقاطًا تسمى
Extrapoints 28.
وهذه النقاط تعالج الصداع وتعتبر مسكنا طبيعيا لالتهاب الأعصاب الطرفية. وبالتالي
يتبين لنا أن عملية التخليل تعد عاملا من عوامل منع الإصابة بالصداع، ومسكنًا
لآلام الأصابع، وتدليك اليدين يشابه تأثير المساج الصيني أيضا في بعض النقاط فمنها
المسكنة ومنها المنشطة”.

وتمضي المؤلفة على هذا النهج من التنظير والتقريب بين أفعال الوضوء ونظريات الطب
الصيني بدءا من المضمضة والاستنشاق والاستنثار وغسل الوجه، وانتهاء بغسل القدمين.
مع التركيز على الأثر الصحي الهائل لتلك التدليكات المنتظمة، في الوقت الذي يعاني
فيه المسلمون –كغيرهم– من شتى صنوف الآلام الروماتيزمية والصداع وغيرها رغم
ممارستهم المنتظمة لفريضة الوضوء!!

وهذا الربط بين الوضوء والنظريات العلاجية الصينية ليس فقط
يفتقر إلى ما يبرهن عليه أو يثبته، فهذه النظريات لم تزل موضع شك في الأوساط
العلمية، بل أيضا فيه الكثير من الإقحام ومحاولة قسر النظريات وتطويعها؛ ما يقلل
من الثقة والمصداقية؛ لذا من المهم جدا التقيد بالحقائق العلمية المؤكدة التي لا
تقبل النقض ولا التغيير، وضرورة تلافي الشذوذ والشطط العلمي، فلا يخفى على أهل الاختصاص
أن الطب الصيني يقوم على نظرية التوازن بين والين واليانج وهو تصور يقوم على عقيدة
الطاو التي ملخصها: أن كل شيء في الكون مرده إلى الطاقة الكونية التي يزعمون
وجودها، وهي فكرة فلسفية بديلة لعقيدة الألوهية؛ فهذه الفكرة تعتمد على تصور خاص
للكون والحياة وعلاقة الإنسان بالكون، ومرد ذلك إلى ما يدعى عندهم بالطاو، وهذا
اعتقاد كفري. فلا يجوز التورط في مثل هذه التفسيرات العقائدية التي تخص أهلها دون
سواهم، ولم يقم عليها برهان علمي واحد محترم حتى الآن.

إنه لتقليد ببغاوات أن ننقل نظريات الطب الصيني من بيئتها الجزئية، ومن ظروفها
الخاصة، إلى مجال الطب الحديث، ومن ثم تطبيقها على الأمراض التي يشخصها الطب
الحديث، وإنه لمن التهريج الواضح أن ننقل أفكارًا تعد من أساطير الأولين ثم ندعي
أن لها توافقًا معجزًا مع قول للنبي صلى الله عليه وسلم.

وكما يقول الدكتور عبد الحليم محمود: “المنهج العلمي
هو منهج الاستقراء أي تتبع الجزئيات عن طريق التجربة فيما يمكن أن يخضع للتجربة،
وعن طريق الملاحظة فيما لا يتأتى أن يخضع للتجربة، للوصول للحكم عليها –في صورة من
صورها– حكما كليا، وليس للعلم مطلقا أن يخرج عن دائرة المادة المحسة، ومجال
الاستقراء إنما هو الطبيعة؛ لأنه ملاحظة جزئيات في عالم الطبيعة، وأداته الحس، فهو
ملاحظة المحسوسات. وإذا ما خرج البحث عن دائرة المادة فقد خرج عن دائرة العلم.
وإذا ما قال قائل: “إن العلم يثبت كذا من الأمور الروحية”.. فإنه يكفينا
منه هذه الكلمة لنسحب ثقتنا به كعالم.. وإذا ما قال: “إن العلم ينكر كذا من
الأمور الروحية” فإن هذه الكلمة تكفي أيضا لنسحب ثقتنا به كعالم، إذ إن العلم
–في المجال الروحي- لا يثبت ولا ينفي. وما دامت قد حددت دائرة العلم بأنه ما بني
على الملاحظة والتجربة –أي: ما كان مجاله المادة- فإنه إذا تعرض عالم لما ليس من
اختصاصه على أنه علم؛ فإنه يكون بذلك قد خرج على أوضاع العلماء في مفهوم العلم،
وخرج على مبادئهم المقررة في دائرة العلم: وهي المادة”(4).

توثيق ظواهر الاستشفاء بالهدي النبوي :

إن عملية بحث ودراسة وتوثيق ظواهر الاستشفاء بالهدي النبوي ليست بالبساطة والسهولة
التي قد تبدو للوهلة الأولى؛ فهناك شروط لا يمكن التهاون فيها إطلاقا، كما أن مهمة
كتلك لا يمكن أن تكون عملية فردية يقوم بها شخص معين بالذات أو أفراد يعملون بشكل
فردي هنا أو هناك، فهي مسئولية الطبيب المختص الذي يتوجب عليه أن يدرس حالات
الاستشفاء بالهدي النبوي بشكل تفصيلي ويسجل الوصف الطبي لكل حالة بشكل دقيق. وهناك
بالطبع مسئولية عالم الدين وعلماء الحديث في تقييم تلك الأحاديث وتمحيصها وفحص
درجة صحتها وإمكانية الاستشهاد بها ومدى استحقاقها وأهليتها للدراسة. وبشكل عام
فإن علماء من مختلف الاختصاصات تقع عليهم مهمات مختلفة في هذا المجال.

وهذه المهمة الدقيقة تستوجب شروطا يجب تنفيذها بشكل سليم من
قبل جهة رسمية مسئولة ومفرغة لهذه المهمة. وهناك شروط أخرى ينبغي توفرها في
القائمين على أمر هذه المؤسسة أهمها ما يلي:

1 – أن تتضمن المؤسسة المقترحة نخبة من العلماء في مجالات متعددة واختصاصيين في
فروع الطب المختلفة، حيث تقع على عاتقهم مسئولية تقويم الحالات المرضية الخاضعة
للدراسة قبل وبعد العلاج بأحد وسائل الهدي النبوي، وتحديد ما إن كانت تصلح للتصنيف
على أنها حالات شفاء حقيقي بالمعنى العلمي، ليتم بالتالي توثيقها بشكل تفصيلي.

2 – أن يكونوا من أصحاب الدراية بالمناهج العلمية المتبعة والمقترحة عالميا، إذا
كان الهدف توصيفا وتصنيفا علميا دقيقا لا يقل دقة عن السجلات الطبية المعروفة.

3 – إن التجرد المطلق والانضباط البحثي وتحري الدقة المعلوماتية واستخدام التقنيات
العصرية كأدوات للبحث وعدم التسرع، كلها أمور أكثر من ضرورية للتصدي لمسألة
الإعجاز العلمي في الحديث النبوي.

4 – يتحتم على من يتصدى لأبحاث ما يعرف بالطب النبوي أن يتدرب ويتمرس على إنكار
الذات، وأن يروض نفسه على الزهد في الثراء أو حتى الشهرة والمجد، وأن يذكر نفسه
بحقيقة أن العلماء عاشوا فقراء ولم يكتسب العلماء مما اكتشفوه من حقائق علمية مالا
ولا ثراء، وإنما جمع الأرباح الطائلة الذين قاموا بتنفيذ التطبيقات الصناعية للعلم،
فالذين حولوا الأفكار العلمية إلى مصانع ومزارع هم الذين تربحوا من وراء العلوم
والمعارف التي توصل إليها العلماء، وفي أحيان كثيرة لم تتم التطبيقات الصناعية
للمكتشفات العلمية إلا بعد وفاة العلماء الذين اكتشفوها فكما قيل: “ألمع
الأسماء في نظرنا اليوم، لم يكن لها مثل هذا الصيت بين معاصريها على
الإطلاق”(6).

5 – ما من شك أنه بمقدار تعمق الباحث في الجانب العلمي على
أساس من الإيمان، وفي صدق وإخلاص، تكون خشية الله الانفعال النفسي الأعظم الذي
يحرك الباحث، ولا سيما عندما يضع نصب عينيه قول الرسول الأعظم: “من كذب علي
متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”، وبمقدار الالتزام بالحد الأقصى من الأخلاق
العلمية واستشعار أمانة الحرف المكتوب والمنطوق، يتحصل الهدف المرجو من أبحاث
الإعجاز في الهدي النبوي.

إن من الأمور التي سيكشفها إنشاء مركز لأبحاث “كتّاب الطب” من الهدي
النبوي المقترحة هذه: أن حالات التشافي بالهدي النبوي هي أكثر عددا وأعمق قدرا -من
الناحية العلمية- مما يعتقد معظم المهتمين بهذا الشأن. كما أن الدراسات الدقيقة
التي يمكن أن تقدمها هذه المؤسسات التوثيقية ستسلط الضوء بشكل مركز على تفاصيل هذه
الظواهر العلمية، ويظهر إلى حيز الوجود نور النبوءات المحمدية، وسيمكن من عرض تلك
الحقائق العلمية كدلائل وعلامات لصدق النبوة أمام أكبر العقول العلمية السليمة
والمنصفة، بثقة مطلقة تحمل معها أدلة لا يمكن ردها على استمرار وفاعلية تلك البركات
النبوية في عصر العلم الحديث، وتبرهن على كون تلك الإشارات النبوية لم تختف ولم
تنقطع يوما.

إن الأبحاث المتسرعة وغير المنضبطة التي تتناول صور الاستشفاء
“الإعجازي” بالهدي النبوي، والتي درجت على الاعتماد على الإبهار
والتشويق ودغدغة العواطف الدينية فحسب، تمثل هدية مجانية لأعداء الإسلام، إذ تقدم
ضربة قاصمة للإسلام الذي نشأ حليفا للعلم، وجعل من دعاء المسلم “الاستزادة في
العلم”، يقول البيان الإلهي: (وقل رب زدني علما) (طه:114).

بل إن هذه الأبحاث أو “التلفيقات” تبرهن بشكل غير مباشر على أن الدين ضد
العلم. ويصدق هنا قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأحد الصحابة: “هل تعرف
ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب،
وحكم الأئمة المضلين” (رواه الدارمي).

ولا يليق بنا أن نراقب في صمت تلطيخ سمعة الهدي النبوي وفتح
الباب على مصراعيه للمعارضين والجاحدين لها الذين يتخذون من الشذوذ قاعدة ينطلقون
منها للطعن في الدين مستندين إلى أفعال شائنة لحفنة من الجهال المنتسبين لهذا
الدين العظيم. فأنى لمثل تلك الأبحاث الركيكة أن تعمق يقين المسلم فضلا عن غير
المسلم بصدق وقوة الأحاديث النبوية في مجال الصحة والطب؟!

والأجدر بنا أن نقبل على تلك الثروة من الأحاديث التي تضمنت مضامين طبية بالدراسة
المتأنية والمعمقة لاستنباط ما ينفع الناس بحق، متجاوزين الزخم العاطفي والانفعال
الوجداني إلى حيز العقل والحكمة، عن طريق الاهتمام العلمي بالإشارات الطبية
الواردة في الهدي النبوي ومعرفة أسرارها، فالبحث العلمي الموضوعي والمتزن بمثابة
الجسر الذي يربط بين العلم وأحاديث الهدي النبوي في الطب، وهذا الجسر لا يستقيم
ولا يسمح بالمرور السهل عليه إلا إذا اعتمد على قاعدة صلبة من التفكير العلمي
والعقلاني السليمين. وما على الذين يرفضون تبني موقف علمي متزن من الهدي النبوي في
الطب، ويصرون في الوقت ذاته على دمغ مخالفيهم في الرأي بجحد السنة، إلا أن يعملوا
على إثبات هذه السنة بالجهد الدءوب والبحث العلمي، والدراسات التي تكشف لنا
الحقائق، بدلاً من التراشق باتهامات العلمانية والزندقة وجحد السنة!!

إنني أدعو إلى اجتهادات فكرية تتطلب عقولاً متقدة وعملا جديا، ونحن بحاجة حقيقية
لتلك الاجتهادات التي تهدف إلى:

أولا: تفعيل دور البحث العلمي المتجرد لتلك الأحاديث التي تحمل مضامين طبية،
وإبراز حتمية اتباع خطوات المنهج العلمي في التعامل مع النصوص النبوية المتعلقة
بالطب. فالاهتمام العلمي بالأحاديث النبوية التي تحمل إشارات طبية هو واجب علمي
على عاتق كل عالم مسلم.

————————-

ثمة حاجة لاستخلاص السنة النبوية وتطهيرها من الآثام التي ارتكبتها الجماهير
المتحمسة باسمها!

———————————-

ثانيا: استخلاص السنة النبوية وتطهيرها من الآثام التي ارتكبتها الجماهير المتحمسة
باسمها. وحمايتها مما قد يلحق بها كنتيجة طبيعية لاتباع الهوى بغير علم، فالمنهج
العلمي الدقيق هو السبيل الحقيقي للانتصار للهدي النبوي، وليس التسرع ومغالطة
الواقع، فإما أن يثبت في الحديث دلالة علمية، وإما أن يخالف الحقائق العلمية، وإما
ألا يتبين لنا شيء فنتوقف حتى يتبين شيء من خلال دراسات علمية هادفة ومتجردة. دون
أن نعطي فرصة للمعارضين لرمينا بالسفه العلمي والتدني المعرفي، وبذا ننجو نحن
ونحفظ السنة النبوية من تهمة الجهل وعدم الموضوعية، وهذا هو السبيل لأصحاب النيات
الصادقة التي تبحث وتنقب في كل أثر من أثر حبيبها المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: إعادة الاعتبار للتراث العربي والإسلامي في الطب، وإحياء وتجديد كتب التراث
الإسلامي، وعلى رأسها كتب ما يعرف بـ”الطب النبوي” برؤية عصرية، ومن هنا
نمكّن للتعريف بمجد الإسلام من خلال توظيف الإنتاج العلمي المعاصر.

رابعا: الدعوة لإنشاء مراكز لبحث الأحاديث النبوية المرتبطة بالطب وتوثيق ظواهر
الاستشفاء بالهدي النبوي.

المراجع:

1 – نهال لاشين: تقرير المؤتمر السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بدبي
25-3-2004: إسلام أون لاين.نت.

2 – د. مبروكة عمر محيريق: المعلومات والبحث والتأهيل والتكوين، القاهرة: عصمي
للنشر والتوزيع -1996م.

3 – عبد الرحمن بدوي: مناهج البحث العلمي، الكويت: وكالة المطبوعات 1977 ص18-19.

4 – د.عبد الحليم محمود: موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة. ص: 65 – 177 \ دار
الرشاد 2003.

5 – د. محمود النسيمي: الطب النبوي والعلم الحديث- ج 3/94-96. – مؤسسة الرسالة
1996.

6 – بول موى: المنطق وفلسفة العلوم، ترجمة الدكتور فؤاد حسن زكريا، ومراجعة
الدكتور محمود قاسم، القاهرة: 1961،. ص: 204.

7 – د. أحمد شوقي إبراهيم: المنهج العلمي في دراسة الإعجاز
العلمي في القرآن والسنة: إسلام أون لاين.نت.

8 – د. أحمد شلبي: كيف تكتب بحثا أو رسالة؟. مكتبة النهضة المصرية. الطبعة الرابعة
والعشرون 1997.

9 – د.محمد زيان عمر: البحث العلمي مناهجه وتقنياته. دار الشروق 1983.

10 – DENIS GROGAN.
Science and
Technology: An Introduction to the
Literature. 4th
، ed London Clive
Bingley
، 1982.p:13.

11 – JESSE H. SHERA.
Libraries and the Organization of Knowledge
.
Archon Books،
the Shoe string
Press
، Inc. 1965.p:162.

12 – العلامة ابن القيم: الطب النبوي. ص 169.

13 – د. عبد الرزاق الكيلاني: الحقائق الطبية في الإسلام ص 284-285

14 – عبد القادر يحيى الديراني: الدواء العجيب. نور البشير للطباعة والنشر 1999.

15 – أ. د. أحمد شوقي إبراهيم: موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث النبوي.ج1- نهضة
مصر للطباعة والنشر والتوزيع- الطبعة الثانية 2004 –ص: 109-110.

16 – مجلة الإعجاز العلمي: العدد الأول ص59-61.

17 – هاني علي الغزاوي: الحجامة. مؤتمر الإعجاز العلمي السابع – دبي 2004.

18 – العلامة ابن القيم: الطب النبوي. ص169.

19 – ماجدة عامر: الجوارح وأسرار الوضوء. مؤسسة الفلاح 2001.

20 – أبو عمر: نهاية الأرب ج 8 ص: 179.

21 – السمط الثمين ص 139.

22- تهذيب التهذيب ج 12 ص 455.

23 – أبو نعيم: الإصابة في تمييز أسماء الصحبة ج 8 ص 248.

24 – ابن القيم: جلاء الأفهام ص: 195.

25 – أبو محمد عبد المؤمن: نهاية الإرب ج 18 ص: 180.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2004/08/article01.shtml

الطب النبوي .. رؤى نقدية

أحاديث “الطب النبوي”.. هل يُحتج بها؟

د. محمد سليمان الأشقر

12/08/2004

“الطب النبوي” عبارة شائعة جدًّا، يُراد بها تلك
الأحاديث الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل تتعلق بالطب، من علاج
ودواء ووقاية ونحوها. لكن ثمة سؤال بالغ الأهمية لا يلتفت إليه كثيرون وهو: هل كل
هذه الأحاديث في الأمور الدنيوية عامة، وفي الطب خاصة (ولو صحّت): تعتبر حجة يجب
الأخذ بها واعتبارها وحيًا؟.

هذا السؤال يعالجه د. محمد سليمان الأشقر في بحثه هذا معالجة جريئة، ويخلص إلى أن
أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله الدنيوية ليست تشريعًا. وأنه صلى الله
عليه وسلم إنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات،
ويجوز عليه صلى الله عليه وسلم فيها الخطأ، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة،
وأقواله وأفعاله في الأمور الطبية الصرفة ليست حجة، ولا يلزم الأخذ بها، بل هي
أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية.

——————————–

الأصل في أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته أنها حجة شرعية
على عباد الله، إن ثبتت بطريق صحيح. وقد تكفل ببيان ذلك والاستدلال له علم أصول
الفقه. وهذا واضح كل الوضوح فيما كان من ذلك مبيِّنًا لأمور الدين، كالإيمان بالله
تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر،
وكالأحاديث المبينة لأحكام الله تعالى من الحلال والحرام والفرائض وأنواع التعبدات
والمعاملات وغيرها من أمور الشريعة.

القواعد العامة في الأمور الدنيوية :

أما الأمور الدنيوية، فهل يلزم أن تكون اعتماداته وأقواله صلى الله عليه وسلم فيها
مطابقة للواقع بمقتضى نبوته، أو أن هذا أمر لا صلة له بمنصب النبوة؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أنه صلى الله عليه وسلم معصوم من خطأ
الاعتقاد في أمور الدنيا، بل كل ما يعتقده في ذلك مطابق للواقع، وكذلك ما يقوله
ويخبر به. ولم نجد أحدا من قدماء الأصوليين صرح بمثل هذا المذهب. ولكنه لازم لمن
جعل جميع أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم حجة حتى في الطبيات والزراعة ونحوها.
وهو لازم أيضا لمن صحح منهم أن تقريره صلى الله عليه وسلم لمخبرٍ عن أمر دنيوي يدل
على صحة ذلك الخبر، كما فعل السبكي وأيده المحلي والبناني.

وابن القيم في كتابه (الطب النبوي) يذهب إلى حجية أقواله وأفعاله صلى الله عليه
وسلم في الطب. وقال: “طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي، صادر عن
الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل”. ويظهر أن هذه طريقة المحدثين.

المذهب الثاني: أنه لا يجب أن يكون اعتقاده صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا
مطابقا للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلا أو كثيرا، بل قد يصيب غيره
حيث يخطئ هو صلى الله عليه وسلم.

قالوا: وليس في ذلك حطّ من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به؛ لأن منصب النبوة
مُنصب على العلم بالأمور الدينية: من الاعتقاد في الله وملائكته وكتبه ورسله
واليوم الآخر، ومن الأمور الشرعية. أما إن اعتقد أن فلانا مظلوم فإذا هو ظالم، أو
أن دواء معينا يشفي من مرض معين، فإذا هو لا يشفي منه، أو أن تدبيرا زراعيا أو
تجاريا أو صناعيا يؤدي إلى هدف معين، فإذا هو لا يؤدي إليه، أو يؤدي إلى عكسه، أو
أن تدبيرا عسكريا أو إداريا سينتج مصلحة معينة، أو يدفع ضررا معينا، فإذا هو لا
يفعل، فإن ذلك الاعتقاد لا دخل له بالنبوة، بل هو يعتقده من حيث هو إنسان، له
تجاربه الشخصية، وتأثراته بما سبق من الحوادث، وما سمع أو رأى من غيره؛ مما أدى
إلى نتائج معينة. فكل ذلك يؤدي إلى أن يعتقد كما يعتقد غيره من البشر، ثم قد ينكشف
الغطاء فإذا الأمر على خلاف ما ظن أو اعتقد.

وقد صرح بأصل هذا المذهب، دون تفاصيله: القاضي عياض، والقاضي
عبد الجبار الهمداني المعتزلي والشيخ محمد أبو زهرة. وظاهر حديث “أنتم أعلم
بشؤون دنياكم”: أنه صلى الله عليه وسلم كغيره من الناس في ذلك، بل فيه
التصريح بأن أصحاب الخبرة في صنائعهم وتجاراتهم وزراعاتهم قد يكونون أعلم منه
بدقائقها، إلا أن القاضي عياضاً أوجب أن يكون الخطأ في ذلك نادراً، لا كثيرا يؤذن
بالبله والغفلة.

ويحتج لهذا المذهب بأدلة، منها:

أولا: حديث تأبير النخل في صحيح مسلم، “قدم النبي صلى الله عليه وسلم
المدينة، فإذا هم يأبرون النخل -يقول: يلقحون النخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا
نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال:
إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما
أنا بشر”. وشبيه به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر،
فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ
وأصيب”.

ثانيا: إن النبي قال: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي. ولعل بعضكم أن يكون
ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا
يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار”.

واختار د. محمد سليمان الأشقر المذهب القائل بأن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم
وأفعاله الدنيوية ليست تشريعًا، واستدل لذلك بالأدلة الآتية:

ا- قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) وقوله: (قل سبحان ربي هل كنت إلا
بشرا رسولا)، وقد تكرر التأكيد على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم. بخلاف أمور
الشريعة، فإن كلامه فيها لا يستقر فيه خطأ، كما هو ثابت في علم أصول الفقه. فالأصل
استمرار حاله في أمور الدنيا كما كان قبل النبوة، لما لم يدل على انتقاله عن ذلك
دليل. وقد أكدت السنة النبوية ما بينه القرآن من ذلك. كما يأتي.

2- قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر، فإذا
أمرتكم بأمر دينكم فاقبلوه، وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر”، وفي
رواية: “أنتم أعلم بدنياكم”. وبهذا الحديث، برواياته المختلفة، يؤصل
النبي صلى الله عليه وسلم أصلا عظيما في الشريعة، ويبينه لنا، ويشعرنا بأن بعض
أفراد الأمة قد يكونون أحيانا أعلم منه صلى الله عليه وسلم بما يتقنونه من أمور
الدنيا، والمقصود أهل الخبرة في كل فن وصناعة، وأنه لا داعي شرعا لالتفاتهم إلى ما
يصدر عنه صلى الله عليه وسلم من ذلك إلا كما يلتفتون إلى قول غيره من الناس.

3- إن الحباب بن المنذر، قال في سياق غزوة بدر: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل،
أمنزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب
والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس
بمنزل، فانهض حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم
نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي.

وقالت عائشة: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسقم عند آخر عمره، أو في
آخر عمره. فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات، وكنت
أعالجها له”.

ابن خلدون: الطب المنقول في الشرعيات ليس من الوحي في شيء. وإنما هو أمر كان عاديا
للعرب .. فإنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره.

وممن صرح بهذه القاعدة بصفتها العامة، من الأصوليين القدامى القاضي عبد الجبار.
وصرح بها حديثا الشيخ ولي الله الدهلوي، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ عبد الوهاب
خلاف، والشيخ عبد الجليل عيسى، والشيخ فتحي عثمان.

قال ابن خلدون: “الطب المنقول في الشرعيات من هذا
القبيل (يعني طب البادية المبني على تجارب قاصرة) ليس من الوحي في شيء، وإنما هو
أمر كان عاديا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ذكر
أحواله التي هي عادة وجِبِلَّة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل،
فإنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره
من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع. فقال: (أنتم أعلم بأمور
دنياكم). قال: فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على
أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه”.

قال القاضي عياض: “فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم
ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها: يجوز عليه صلى الله عليه وسلم فيها ما ذكرناه [أي
الخطأ]، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من
جربها وشغل نفسه بها، والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية،
ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية. ولكن هذا
إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا
واستثمارها لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة”.

وبين شاه ولي الله الدهلوي أن علوم النبي على قسمين: أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ
الرسالة والآخر: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:
“إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي
فإنما أنا بشر” وقوله في قصة تأبير النخل.. قال: ومنه الطب.

وقال الشيخ محمد أبو زهرة في شأن حديث تأبير النخل: “الحديث يتعلق بالصناعات
وفنون الزراعة، وتثمير الأشجار، فهل يتصور أن النبي يمكن أن يكون حجة وذا خبرة في
فنون الزراعة والتجارة، وصناعة الزجاج والجلود، ونسج الأقطان والحرير، وغير ذلك مما
يتعلق بالمهن المختلفة!؟”.

والأمور الدنيوية التي هذا سبيلها، ووردت فيها أحاديث
نبوية، هي على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الأمور الغائبة عنه صلى الله عليه وسلم مما شأنه أن يعرفه من رآه أو
سمع به، ولا يعرفه الإنسان المعتاد بمجرد الفكر، كمعرفة ما في بيت مغلق، أو معرفة
ما يجري في مكان بعيد من أرض الله. فهذا من علم الغيب، لا يعلمه إلا الله، لقوله
تعالى: (قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ
اللهُ)، وقوله: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ
الْغَيْبَ) فلا يعلم النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك إلا بطرق المعرفة المعتادة،
ما لم يخبرنا أن الله أطلعه عليه وأوحى إليه به.

النوع الثاني: أمور البشر وأسرارهم، وما في قلوبهم، وما عملوا في حال غيبتهم، فلا
يُعلمُ النبيُّ قال ذلك بغير إطلاع خاص من الله تعالى، كما أطلعه على حال بعض
المنافقين. ثم قد يعتقد الشيء من ذلك الذي لم يوحَ إليه به على غير ما هو عليه؛
لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي…”.

وكان صلى الله عليه وسلم يُجري أحكامه على الظاهر وموجب غلبة الظن، بالشاهدين، أو
يمين الحالف، أو مراعاة الأشبه، أو معرفة القرائن. ولو شاء الله لأطلعه على سرائر
عباده ومخبآت ضمائر أمته، ولكنه غيّب عنه ذلك.

النوع الثالث: ما يدخل من أمور الدنيا ضمن ما يسمى العلوم البحتة والعلوم
التطبيقية، وهي ما يفعله الإنسان بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال، له أو لغيره،
أو دفع ضرر كذلك، أو يدبر تدبيرا في شأنه خاصة، أو شؤون المسلمين عامة، لغرض
التوصل إلى جلب نفع أو دفع ضرر.

ويشمل هذا النوع الأضرب التالية:

الضرب الأول: الأمور الطبية، فقد تناول النبي صلى الله عليه وسلم، أو أعطى غيره،
أو وصف له، أطعمة وأشربة متنوعة على سبيل حفظ الصحة، أو لدرء أمراض معينة، كألبان
الإبل وأبوالها. وكذلك تعاطى أو أعطى أنواعا مختلفة من العلاج.

الضرب الثاني: شؤون الزراعة.

الضرب الثالث: الصناعة.

الضرب الرابع: التجارة.

الضرب الخامس: أنواع أخرى من المكاسب كرعي الغنم، أو العمل للغير بأجر.

الضرب السادس: مثل التدابير الفنية التي اتخذها صلى الله عليه وسلم في الحرب، من
استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام، وتربية الخيل للقتال، وحفر الخنادق، وترتيب
الجيوش وتدريبها.

الضرب السابع: مثل التدابير التي اتخذها صلى الله عليه وسلم في الإدارة المدنية،
من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجاب والسفراء، وكذلك الأعلام والشعارات،
والمرافق من الطرق والحصون وغيرها.

فهذه الأضرب وأمثالها قد وقع من النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من أفرادها، ونقل
إلينا أشياء من ذلك.

والنظر في الأحكام التي يمكن أن تدل عليها مثل تلك الأحاديث من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: (أصل) الطب والزراعة والصناعة والتجارة والقصد إلى تحصيل المكاسب،
والسعي لتحقيق التدابير المدنية والعسكرية المناسبة، ونحو ذلك: تعتبر أقواله صلى
الله عليه وسلم في ذلك حجة يجب اعتقادها واتباعها، ويستفاد من الأحاديث القولية
والفعلية في ذلك إباحته، وأنه لا يخالف العقيدة ولا الشريعة. وقد يرتقي إلى درجة
الاستحباب أو الوجوب، بحسب الأحوال الداعية إليه ودلالة نطقه في ذلك.

وفي الحديث إشارة إلى ذلك حيث قال صلى الله عليه وسلم: “ما أكل أحد طعاما قط
خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”، فهذا
في الصناعة، وقال: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين يوم
القيامة”، فهذا في التجارة، وورد في الزراعة وغيرها أحاديث أخرى، وتأتي
الأحاديث التي تأمر بالتطبيب والعلاج.

الوجه الثاني: إرشادات وتوجيهات شرعية في ممارسة تلك
الأعمال، كتجنب البول وقضاء الحاجة تحت الشجر المثمر، ووجوب إحسان الذبح، وتحديد
الشفرة لئلا يتعذب الحيوان المذبوح، وإمكانية استعمال المنجنيق في الحرب، وتجنب
قتل النساء والأطفال فيها، ونحو ذلك، فهذا شرع يؤخذ كما يؤخذ غيره من الشرع في
العبادات ونحوها.

الوجه الثالث: الأمر الذي عمله بخصوصه، هو مباح له، وقد يكون مستحبًّا له، أو
واجبا عليه، لاعتقاده صلى الله عليه وسلم أنه هو المؤدي إلى غرض مستحب أو واجب.

أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله المبنية في الأصل على التجارب الشخصية: ليست
حجة، ولا يلزم الأخذ بها.

ولكن هل يكون حكم مثله بالنسبة إلينا كذلك؟ كما لو شرب دواء معينا لعلاج مرض معين،
فهل يستحب لنا شرب ذلك الدواء لذلك المرض مثلا، أو يجب، بل هل يباح بناء على ذلك
أم لا؟ هذا ينبني على القاعدة التي سبق تحريرها، وقد رجحنا فيها قول من قال من
العلماء: إن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله في ذلك الباب ليست حجة، ولا يلزم
الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية للنبي صلى الله
عليه وسلم من حيث هو بشر، وما قد سمع به من أهل التجربة والمعرفة.

ونبه د. محمد الأشقر هنا إلى أنه إذا نص القرآن على أمر دنيوي فهو حق لا مرية فيه؛
لأنه من الله تعالى الذي لا يخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض. فإذا كان
الحديث النبوي في الشؤون الدنيوية استجابة لإرشادات القرآن التي تتعلق بذلك الأمر،
فيكون الفعل بيانا أو امتثالا للقرآن، ويحمل على الشرعي. ولعل خير مثال على ذلك
شربه صلى الله عليه وسلم العسل للتداوي، فإن ذلك تطبيق لقوله تعالى: (يَخْرُجُ مِن
بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ). وشبيه بذلك
ما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه فعله عن وحي من الله تعالى.

كما نبه الأشقر إلى أمر آخر وهو أنه إذا تردد الفعل بين أن
يكون دنيويا أو دينيا، حمل على الديني؛ لأنه الأكثر من أفعاله صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم.

الأحاديث الواردة في شأن الطب والعلاج

بعد تأصيل القواعد العامة التي ذكرت، والتي تصدق على جميع الأحاديث النبوية
المتعلقة بالشؤون الدنيوية المختلفة، نخص بالكلام الأحاديث الواردة في الشؤون
الطبية بالذات، بتطبيق القواعد السابقة عليها فنقول:

إن الأحاديث المذكورة نوعان رئيسيان:

أولهما: ما يعتبر شرعا يتبع، ويعمل به، كسائر الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه
وسلم في شؤون الاعتقادات والعبادات والمعاملات والأحكام المختلفة التكليفية
والوضعية.

والآخر: ما لا يعتبر شرعا، ولا يلزم العمل به، وسبيله سبيل الشؤون الدنيوية التي
تقدم بيانها، يعتبر قول النبي صلى الله عليه وسلم فيها كقول سائر الناس:

1- ما هو شرع من أحاديث الطب:

النوع الأول: وهو ما ورد من الأحاديث في الطب ويعتبر شرعا يتبع، يشمل فئات:

الفئة الأولى:

أ- ما كان من الأحاديث الواردة في حكم أصل العمل بالطب والمعالجات وتناول الأدوية.
فهذا النوع شرع يتبع. وقد وردت في أصل العمل بالطب أحاديث منها: حديث الأمر
بالتداوي، وأن الله تعالى ما أنزل داء إلا أنزل له دواء، غير داء واحد، اختلفت
الأحاديث في تعيينه، ففي بعضها: هو الهَرَم، وفي بعضها: هو الموت.

ومثلها الأحاديث التي تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرض يتداوى، وربما
سأل الأطباء عن دواء مرضه، وكانت وفود العرب تصف له الأدوية، فكانت عائشة رضي الله
عنها تعالج له تلك الأدوية أي تمزجها وتهيئها، ومن ثم كان لها علم بالطب.

ب- ومنها حديث أبي رمثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لطبيب: “الله الطبيب، بل أنت رفيق، طبيبها الذي خلقها” رواه أبو داود.
هذا الحديث إقرار للعمل بالطب. وفيه التنبيه إلى قوى البرء المركبة في البدن
الإنساني في أصل خلقته، وأن مهمة الطبيب الرفق بالمريض لإتاحة الفرصة لهذه القوى
كي تعمل عملها.

الفئة الثانية: أحاديث فيها توجيهات شرعية متعلقة بعملية التداوي وشؤون المرضى:

أ- من ذلك حديث البخاري عن الصحابية ربيع بنت معوذ، قالت: “كنا نغزو مع رسول
الله حتى نسقي القوم، ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة”. ففيه جواز
مداواة المرأة للجرحى من الرجال.

ب- ومنها أحاديث الأمر بعيادة المريض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعودهم،
حتى “إن غلامًا يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي
صلى الله عليه وسلم يعوده فقال: أسلم. فأسلم”، وكان إذا عاد المريض ربما وضع
يده على جبهته، ومسح على صدره وبطنه، ودعا له. نقل البخاري أنه صلى الله عليه وسلم
فعل ذلك عندما زار سعدًا. وربما رقى المريض. ففي صحيح البخاري من حديث عائشة:
“أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضا، أو أُتي إليه به قال:
“أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر
سقمًا”.

ج- ومنها حديث النهي عن التداوي بالمحرمات: كحديث أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن
الخمر يتداوى بها فقال: “إنها ليست بدواء ولكنها داء” رواه أحمد ومسلم
وأبو داود والترمذي. وكحديث: “إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم”
رواه عبد الرزاق والطبراني مرفوعا. ورواه الحاكم عن ابن مسعود موقوفا.

فهذه الأحاديث هي من قبيل الشرع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم
ناط الحكم بمعنى شرعي، وهو التحريم، فما كان من المواد محرما لم يجز التداوي به.
ولا يعني هذا أنه لا يجوز استعماله عند الضرورة، مع عدم وجود دواء آخر غير الدواء
المحرم، بل إن الضرورة تبيح المحظور.

الفئة الثالثة: أحاديث أبطلت أنواعا من المعالجات كانت سائدة في الجاهلية، تنافي
صحة الاعتقاد الإيماني؛ لأنها ليست أسبابا حقيقية للشفاء:

أ- منها “أن عبد الله الجهني الصحابي رضي الله عنه خرج به خراج، فقيل له: ألا
تعلق عليه خرزا؟ فقال: لو علمت أن نفسي تكون فيه ما علقته. ثم قال: إن نبي الله
صلى الله عليه وسلم نهانا عنه” رواه ابن جرير وصححه.

ب- ومنها قوله: “إن الرقى والتمائم والتولة شرك”. رواه أحمد وأبو داود
والحاكم من حديث ابن مسعود. ومثله حديث: “من علق تميمة فقد أشرك”.
والمراد بالرقى الرقى المجهولة، وما كانت الاستعاذة فيها بغير الله تعالى، بخلاف
الرقية بالفاتحة والمعوذتين والأدعية المشروعة. والمراد بالتمائم الأحجبة التي
تعلق على الأطفال والبيوت والسيارات ونحو ذلك، يزعم الجهلة أنها ترد العين، أو
تمنع المرض والحوادث. والتولة شيء كانوا يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى
زوجها.

الفئة الرابعة: أحاديث أمرت بأدوية ومعالجات ربطتها بأحكام تعبدية وشعائر دينية :

أ- من ذلك حديث أحمد والنسائي عن عائشة مرفوعا: “السواك مطهرة للفم مرضاة
للرب”، وفي صحيح البخاري أيضا “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع
كل صلاة”.

ب- أحاديث الاسترقاء، منها ما في صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ(قل هو الله أحد) والمعوذتين
جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده.

ج- ومنها أحاديث الدعاء للمريض، كقوله صلى الله عليه وسلم:
“اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا
يغادر سقما”.

د- ومنها حديث “داووا مرضاكم بالصدقة”.

الفئة الخامسة: أحاديث مبنية على النص القرآني:

فمن ذلك أحاديث التداوي بالعسل.

الفئة السادسة: أحاديث فيها ذكر أدوية أو معالجات يخبر النبي صلى الله عليه وسلم
أنه علمها بطريق الوحي، أو إخبار الملائكة، أو أن الله يحبها، أو يكرهها، ونحو
ذلك.

وإنما كان هذا النوع من الأدوية صحيحا ومشروعا لأنه منسوب إلى الله تعالى أو
ملائكته. فمن ذلك أحاديث الأمر بالتداوي وأصل العمل بالطب.

ولا بد لاعتبار الأحاديث التي ضمت هذه الفئة الأخيرة حجةً في باب الطب: من أحد
أمرين:

الأول: أن يكون الحديث على درجة عالية من الصحة؛ لأن تطبيقه على الأجسام الإنسانية
قد يكون فيه ضرر كبير، فإن وقع الضرر فلا يكون للطبيب عذر أن يتبين كون العلاج
مبنيا على حديث صحيح ظاهرا لكنه في الحقيقة موهوم أو مكذوب. ولذا أقترح أن لا
يعتبر حجة من الناحية الطبية الصرفة حديث ما لم يكن ثابتا على سبيل القطع، وهو
الحديث المتواتر، أو على شبه القطع، وهو ما ورد من طريقين على الأقل، منفصلين، من
أول السند إلى آخره، بحيث يعرف أنه لم ينفرد برواية الحديث راو واحد في أي طبقة من
طبقات السند، حتى لو كان صحابيا.

الآخر. أن يخضع مضمون الحديث للتجارب الطبية تحت نظر الاختصاصيين. فإن ثبتت
صلاحيته كفى، وتكون التجارب هي الحجة في ذلك.

2- ما لا حجة فيه من أحاديث الطب:

النوع الثاني: وهو ما لا حجة فيه من أحاديث الطب وهو سائر الأحاديث النبوية
الواردة في الطب والعلاج، وليس فيها ما يشعر أنها من قبل الله تعالى، أو أنها من
قبيل الشرع. وقد وضح من القواعد المذكورة سابقا أن هذا النوع من الأحاديث ليس من
قبيل التشريع. ونحن نذكر جملة من تلك الأحاديث على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:

1- فمنها حديث مقدام بن معد يكرب عند أحمد والترمذي مرفوعا:
“ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا
محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وتلث لنفسه”.

2- ومنها أحاديث الحجامة، كما تقدم في الفئة السادسة من النوع الأول، إن لم يصح
الحديث بأن الملائكة أمروا النبي صلى الله عليه وسلم بها.

3- ومنها حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود “من
تصبّح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر”.

4 – ومنها حديث ابن عباس مرفوعا، عند أحمد والبخاري ومسلم: “الحمى من فيح
جهنم فأبردوها بالماء”.

5- ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والترمذي “العجوة من الجنة، وفيها
شفاء من السم، والكمأة من المن، وفيها شفاء للعين”، وروى نصفه الثاني البخاري
ومسلم وأحمد والنسائي مرفوعا من حديث سعيد بن زيد.

6- وحديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم، ومثله عند أحمد عن عائشة،
وعند ابن ماجه عن عمر مرفوعا: “في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا
السام” والسام الموت.

7- ومنها حديث أحمد والبخاري وأبي داود عن أبي هريرة مرفوعا: “إذا وقع الذباب
في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء”. زاد أحمد في
رواية: “وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء، فليغمسه كله”، وأخرجه كله
أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعا.

8- ومنها الأحاديث الواردة في العدوى:

فمنها حديث أبي هريرة مرفوعا: “لا يُورِدَن ممرض على مصح”، رواه أحمد
والبخاري ومسلم وأبو داود. الممرض هو الذي له إبل مريضة، نهاه أن يوردها على الإبل
الصحيحة. ومنها حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“لا عدوى ولا صفر ولا هامة”.

9- ومنها أحاديث الطاعون، كحديث أسامة بن زيد وعبد الرحمن
بن عوف عند البخاري “إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض
وأنتم بها فلا تخرجوا منها” رواه مسلم.

10- ومنها حديث عند الإمام أحمد مرفوعا: “إن في أبوال الإبل وألبانها
شفاء”.

فهذه الأحاديث المذكورة في هذا النوع الثاني، ونحوها من الأحاديث التي تدخل في صلب
الأمور الطبية والعلاجية، لا ينبغي أن تؤخذ حجة الطب والعلاج، بل مرجع ذلك إلى أهل
الطب، فهم أهل الاختصاص في ذلك. وقد يتبين في شيء من هذه الأحاديث الخطأ من
الناحية الطبية الصرفة، وكما قال القاضي عياض: ليست في ذلك محطة ولا نقيصة، لأنها
أمور اعتيادية يعرفها من جربها.

لكن قد يبدو لبعض أهل العلم في شيء منها ملحظ صحيح يكون قرينة على أنها تشريع،
فتخرج بذلك عن أن تكون من هذا النوع الثاني، وتدخل في النوع الأول، وتعتبر حجة في
باب الطب، كما ظهر لنا في الفئات الست. والله أعلم.

إثبات فاعلية هذه الأدوية والمعالجات

إنه وإن قلنا في أحاديث هذا النوع الثاني وأمثالها: إنها ليست حجة في الأمور
الطبية، فإنه لا ينبغي مع ذلك اطراحها بالكلية، بل ينبغي أن تثير احتمالا بالصحة،
كسائر الأقوال الطبية المأثورة عن أهل التجارب والمعرفة من غير أهل الاختصاص، بل
هي أولى منها، للشبهة في أنها قد تكون مبنية على الوحي، ولو كانت شبهة ضعيفة، ولا
يخفى ماذا حدث في الطاعون المتقدم ذكره من الحكمة البالغة التي يؤيدها الطب الحديث
كل التأييد.

ولذا أرى أن تخضع للتحليل وللتجارب على الأسس المتعارفة عند أهل الاختصاص. فإن
وجدت صالحة أدخلت حيز العمل، ويكون التحليل والتجريب هو الحجة في صلاحيتها، دون
كونها مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة وأن الكثير منها لا يثبت من حيث
الرواية بطريق القطع أو شبهه على الوجه الذي تقدم بيانه.

تناول الأدوية المأثورة على أساس الاعتقاد الإيماني

ذكر ابن خلدون رحمه الله بعد كلامه الذي نقلناه سابقا حول
كون الطب المنقول في الشرعيات عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يحمل على
أنه مشروع، قال: “إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون
له أثر عظيم في النفع، وليس ذلك في الطب المزاجي، وإنما هو من آثار الكلمة
الإيمانية”. وقال ابن حجر: “استعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به
من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر بنيته، والعكس بالعكس”.

الأمور الطبية الصرفة هي من صميم الأمور الدنيوية، لا يكفي فيها مجرد الإيمان:

والذي اختاره د. محمد الأشقر أنه لا شك أن من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه
يجوز التبرك بآثاره، والاستشفاء بها، لكن هل يكون ما ورد عن النبي صلى الله عليه
وسلم من المعالجات الطبية هو من جنس آثاره وملابسه ونحو ذلك، حتى يستشفى بها
ويتبرك بها؟ يبدو أن في هذا نظرًا [أي ضعفًا]، فإنه لما ثبت أن النبي صلى الله
عليه وسلم نبه على أن ما يصدر عنه في مثل ذلك هو مجرد رأي يراه، وأنه بشر يخطئ
ويصيب، وأن ما حدث به من قبل نفسه فهم أعلم بدنياهم، فكيف يتساوى ما نبه على عدم
نفعه من الشؤون التي قالها من عند نفسه، مع ما أذن فيه من التبرك بآثاره صلى الله
عليه وسلم؟!.

ثم إن الصحابة الذين تركوا تأبير النخل إنما تركوه تصديقا لرسول الله صلى الله
عليه وسلم وإيمانا به، وعملا بقوله، ومع ذلك خرج ثمره ذلك العام شيصا، أي تالفا
غير صالح، ولم يأت إيمانهم وتصديقهم كافيا ليصلح به الثمر؛ لأنه ليس في الحقيقة
سببا لذلك. فكذلك هذه الأمور الطبية الصرفة، هي من صميم الأمور الدنيوية، لا يكفي
فيها مجرد الإيمان – التصديق – مع كونها ليست أسبابا في حقيقة الأمر.

وأما القياس على الشفاء القرآني بالمواعظ فهو قياس فاسد،
فإن مواعظ القرآن من لم يصدق بها لا يستمع إليها، وإن استمع إليها فإنه لا يقبلها
ولا يعمل بها، فكيف تنفعه؟ كالدواء المادي إذا لم يتناوله المريض لا ينفعه. أما إن
تناوله فإن تأثيره في الأجسام لا يختلف بالتصديق وعدمه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2005/03/article04.shtml

الطب النبوي .. رؤى نقدية

الطب النبوي والطب الحديث

د. نبيل حنفي

27/03/2005

ما مدى توافق أو اختلاف الطب الذي كان سائدًا في جزيرة العرب على عهد الرسول -صلى
الله عليه وسلم- مع ما يسمى بـ”الطب النبوي”؟ ثم ما موقعه من “الطب
الحديث”؟ هذا التساؤل ليس سهلاً، ويحمل على التردد كثيرًا، لحساسية الموضوع
أولاً؛ ولأنني أتبنى رأيا مختلفًا في هذا الموضوع ربما يثير الكثير من الانتقادات.

ولعل البحث المستنير للدكتور الأشقر (أحاديث “الطب النبوي”.. هل يُحتج
بها؟) فتح المجال أمامي وأمام كثيرين غيري -ممن يضيق صدرهم ولا ينطلق لسانهم–
لمناقشة موضوع “الطب النبوي” من الناحية العلمية بلا خوف ولا تردد.

الحياة في الجزيرة العربية قبل وبعد البعثة :

منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان أرسل الله رسوله صلى
الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشاءت إرادة المولى عز وجل
أن يرسل نبيه الخاتم في مكان كان من أكثر الأماكن على ظهر الأرض وحشة وقسوة، ولقوم
كانوا من أكثر خلق الله شرا في أرضه، كانوا أصحاب جهل وجاهلية؛ يعبدون الأصنام،
ويشربون الخمر، ويئدون البنات، ويتقاتلون عقودا من أجل شربة ماء أو نحلة طائشة أو
هفوة صغيرة. ولم يكونوا أصحاب حضارة ولا أصحاب علم.. وسرت دعوة الرسول صلى الله
عليه وسلم بين هؤلاء الناس كما تسري النار في الهشيم؛ فأضحوا –بحمد من الله– أمة
واحدة ذات دين قويم وخلق رفيع، وانتشرت هذه الدعوة حتى عمت مشرق الأرض ومغربها،
ورحل عنهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا،
ورضي الله عنهم ورضوا عنه، وقال لهم ربهم في محكم كتابه الكريم: (الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الإِسْلامَ دِيناً) [المائدة:3].

هذا ما كان من أمر الدين، أما أمور الدنيا فتكاد تكون كما هي لم يتغير فيها شيء،
ولم يتبدل منذ جاء الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجد عليها قومه إلى أن رحل عنهم.

جاءهم وهم يأكلون الثريد والتمر والبر والعسل، ويشربون حليب النوق والضأن، ويعيشون
في بيوت من الشعر الحيواني والحجارة، ويحاربون بالسيف والرمح، ويركبون الدواب،
ويتداوون بالكي والحجامة والعسل والحبة السوداء وألبان الإبل وأبوالها ودهن
الحيوانات. ورحل عنهم وهم كما جاءهم لم يتغير في أمور معيشتهم شيء يذكر، إلا بعد
أن فتح الله عليهم أركان المعمورة.

هكذا عاش النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه قبل البعثة كما
يعيشون، وعاش معهم بعد البعثة كما يعيشون. وتولى أمر الدين والدعوة بوحي من ربه،
ولكنه ترك للناس أمور دنياهم إلا ما له علاقة بأمور الدين، وكان يجتهد في أمور
الدنيا كما يجتهد أصحابه، فيصيب ويخطئ، وكان يشير على أصحابه، وكان أصحابه يشيرون
عليه، ولعل ما حدث في غزوة بدر وغزوة الخندق خير دليل على أخذه برأي أصحابه في
أمور خطيرة تتعلق بالجهاد ومستقبل الدعوة. ولعل حديث “تأبير النخل” خير
دليل على اعتراض أصحابه عليه في أمر من أمور الدنيا، ولم يستنكف خير خلق الله من
أن يقر بخطئه في هذا الأمر؛ حين قال: “إنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ
ويصيب، ولكن ما قلت لكم عن الله –عز وجل– فلن أكذب على الله”. أي أن ما حدثهم
به بشأن عدم تلقيح النخل كان اجتهادًا منه وليس وحيًا من عند الله، بل إن الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم فضل أصحابه على نفسه في أمور الدنيا فقال لهم:
“أنتم أعلم بأمور دنياكم”.

الطب في الجزيرة العربية على عهد الرسول :

كان الطب في جزيرة العرب على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، مثله مثل الطب في كل
أركان الأرض في ذلك الزمان؛ كان طبًّا بدائيًّا يعتمد على الوصفات والممارسات
المتوارثة والمتبادلة بين الشعوب، وعلى الخبرات الشخصية المتراكمة لدى عامة الناس
وخاصتهم، وكان الطب –كغيره من العلوم– نوعًا من الفلسفة والحكمة والثقافة العامة
والتراث الشعبي أكثر من كونه علمًا تجريبيًّا منضبطًا ومدروسًا.

ولعل هذا الطب لم يكن يختلف كثيرًا عن الطب الذي مارسته
الشعوب قبل وبعد الميلاد، وحتى بداية الثورة العلمية، فالصينيون والفراعنة
واليونانيون مارسوا الحجامة وطب الأعشاب والكي قبل وبعد الميلاد، وحتى أثناء
النهضة الفكرية والعلمية التي تلت ظهور الإسلام وانتشاره واختلاط العرب بغيرهم من
الأمم لم يختلف الطب كثيرًا في هذه الفترة عما سبقه من طب؛ فطب ابن سينا والرازي
والزهراوي وغيرهم كان أغلبه أعشابًا وحجامة ونظريات افتراضية وفلسفية قائمة في
مجملها على غير أساس علمي قوي.

وكان الناس في ذلك الزمان يصنفون الأمراض على أساس الأعراض وليس على أساس طبيعة
المرض نفسه. فهناك مرض “الصداع”، ومرض “القيء”، ومرض
“استطلاق البطن” (الإسهال)، ومرض “الحكة”، ومرض
“الحمى” وغيرها. وبالطبع فإن كل عرض من هذه الأعراض يندرج تحته الآن
قائمة من عشرات، بل من مئات الأمراض التي تختلف في التشخيص والعلاج.

كما كانوا يصنفون الأمراض بطريقة أخرى على حسب مكانها في جسم الإنسان؛ فالذي لديه
علة في بطنه فهو “مبطون”، وإن كانت العلة في صدره أو قلبه فهو
“مفؤود”، ومن كانت علته في جنبه فلديه “ذات الجنب”. وهكذا…
هذا بالإضافة إلى بعض الأمراض المعدية مثل الجرب والطاعون والبرص والتي كانت توصف
على أساس المشاهدة والخبرة الشخصية للمريض ذاته أو الطبيب. ولم تكن هناك وسائل
تشخيصية، وإنما كان التشخيص يعتمد على شكوى المريض؛ فكان المريض عليه وصف الداء
والطبيب عليه وصف الدواء.

وكانت أسباب الأمراض البدنية تتوقف عند فكرة وجود الأخلاط
والسموم بالجسم، كما أن أسباب الأمراض النفسية كانت تتوقف عند فكرة المس والسحر.
فهذا الطب لم يكن يعرف شيئًا مثلاً عن الكائنات الدقيقة من بكتريا وفطريات
وفيروسات وغيرها. ولم يكن يعرف شيئًا عن اختلال وظائف الأعضاء والتي تسبب أمراضًا
شتى مثل الفشل الكلوي والكبدي والقلبي والتنفسي وغيرها. ولم يكن يعرف شيئًا عن
الأمراض السرطانية وأمراض المناعة وأمراض التغذية… إلخ.

وعلى هذا الأساس فإن الوسائل العلاجية لم يكن لها علاقة بالمسببات الحقيقية
للأمراض، وإنما كانت ترتكز على فكرة إخراج السموم والأخلاط من الجسم في حالة
الأمراض البدنية. فالحجامة -مثلاً- تخرج السموم والأخلاط من الدم، والسنا والعسل
يخرجها من البطن. والحبة السوداء والعسل يخرجها من الصدر عن طريق البلغم.. وهكذا.
لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم -وتأسيسًا على ما سبق واجتهادًا منه على قدر
ما هو متاح من علم في ذلك الزمان- كان يرشح مثل هذه الوسائل العلاجية لعلاج كل
الأمراض مما سيتضح فيما بعد.

أما السحر والمس، فكان علاجهما الرقية والأدوية المقيئة التي تخرج السحر من الجسم،
هذا هو “طب الجزيرة العربية” الذي أرادوا أن ينسبوه إلى النبي الكريم
صلى الله عليه وسلم، ثم يردوه إلى رب العزة والجلالة على أساس أنه طب منزل من عنده
أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. وكأن ما عدا هذا الطب ليس من عنده وليس من
نعمه -سبحانه وتعالى– على عباده، وهو القائل: (عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ
يَعْلَمْ) [العلق:5]، والقائل: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) [النحل:8]،
والقائل: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت:53].

وعندما فكرت في أن أضع هذا الطب في ميزان الطب الحديث، كان
لا بد أن أجد مصدرًا معتبرًا يتحدث عن هذا الطب، ولم أجد أفضل من باب “الطب
النبوي” الذي وضعه ابن القيم الجوزية –رحمه الله– ضمن كتاب “زاد
المعاد”. ثم بعد ذلك أصبح هذا الباب كتابًا مستقلاً يحمل نفس الاسم.

ولكون المجال غير متاح الآن لتناول كل تفاصيل الكتاب، أخذت بعض المفردات المهمة
الواردة فيه وتناولتها بالعرض والتقييم.

طب النبي.. وطب الأطباء :

يقول ابن القيم: “إن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطرقية
والعجائز إلى طبهم. وليس طبه كطب الأطباء؛ فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن
قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون
وتجارب. ولا ينكر انتفاع كثير من المرضى بطب النبي، ولكن لا ينتفع به إلا من تلقاه
بالقبول واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فطب النبوة لا
يناسب إلا ذوي الأبدان والأرواح الطيبة” انتهى كلام ابن القيم.

وهو -بالطبع– كلام جميل يثلج صدر كل مسلم غيور على دينه،
محب لنبيه صلى الله عليه وسلم. ونحن جميعًا نقدر شرف مقصد وحسن نية أبي عبد الله
(ابن القيم)؛ ولكننا نعتقد أنه –جزاه الله خيرًا– أضر من حيث أراد أن يفيد. فنحن
أولاً لا نقر تسمية طب الجزيرة العربية في العصر الجاهلي وفجر الإسلام بالطب
النبوي، ولا نعترف بنسبة هذا الطب إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. ونحن لا
ندري تحديدًا من الذي منح هذا الطب المتواضع ذاك الشرف الرفيع، ولكننا نعلم -علم
اليقين- أن هذه التسمية لم ترد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من
أصحابه الكرام؛ لأنهم كانوا يتعاملون مع النبي صلى الله عليه وسلم في النواحي
الطبية والحياتية كواحد منهم؛ فكان صلى الله عليه وسلم يطبّبهم ويطبّبونه، ويصف
لهم الدواء ويصفونه له. وكان صلى الله عليه وسلم يطلب الطبيب والحجام لنفسه وأهله
وأصحابه، فلقد طلب الطبيب لسعد بن أبي وقاص وطلب الحجام لأم المؤمنين “أم
سلمة” رضي الله عنها.

وتقول عائشة رضي الله عنها: إن الوفود كانت تأتي المدينة والرسول صلى الله عليه
وسلم في مرضه الأخير فتصف له الدواء، وكانت عائشة تصنعه له. وفي الحديث الشريف أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على مريض يعوده فقال: “أرسلوا إلى
الطبيب”. فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله؟! قال صلى الله عليه وسلم:
“نعم. إن الله -عز وجل- لم ينزل داءً إلا أنزل له دواء”.

وهناك قصة صغيرة ولكنها ذات معانٍ كبيرة وهي القصة التي وردت في الصحيحين: أن
امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف؛ فادع الله لي،
فقال صلى الله عليه وسلم: “إن شئت صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله لكِ
أن يعافيكِ”. فقالت المرأة: أصبر.

فهذه المرأة لم تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن
يعالجها من مرض “الصرع”، ولم تفترض مقدرته صلى الله عليه وسلم على هذا
العلاج؛ ولكنها طلبت منه الدعاء لها، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يدَّع مقدرته
على هذا العلاج؛ ولكنه خيَّرها بين الصبر وبين الدعاء.

أما قول ابن القيم رحمه الله: إن هذا الطب أفضل من طب الأطباء. فإن هذا الكلام إذا
جاز على أطباء القرن الثامن الهجري وهو القرن الذي عاش فيه ابن القيم فإنه لا يجوز
على أطباء القرن الخامس عشر الهجري، وهذا ليس اتهامًا لأطباء القرن الثامن، ولكنها
حركة الحياة وعجلة العلم التي تدور، وقد يأتي يوم –ولا بد هو آتٍ– يسخر فيه الناس
من طب وأطباء القرن الخامس عشر الهجري.

أما مقولة ابن القيم بأن هذا الطب صادر عن الوحي. فقد تكفل بمناقشتها البحث المشار
إليه بداية. كما أننا نضيف إلى ذلك قولنا: إنه إذا فرضنا جدلاً أن أحاديث الرسول
صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا والطب هي وحي يوحى؛ فإن هذه الأمور في تغير
وتبدل مستمر، وهذه الأمور المتغيرة لا تجوز على وحي من عند مَن “لا يبدل
القول لديه” سبحانه وتعالى عما يصفون.

فعلى سبيل المثال هناك حديث ورد في الصحيحين عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه
قال: “خير ما تداويتم به الحجامة”. فإذا كانت الحجامة هي خير ما تداوى
به الناس على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنها بالقطع ليست أفضل ما يتداوى به
الناس الآن. فإذا جاز نسبة هذا الكلام إلى الرسول فلا بأس. فالرسول صلى الله عليه
وسلم –وكما أسلفنا– بشر يخطئ ويصيب في أمور الدنيا. كما أن الرسول صلى الله عليه
وسلم من الممكن أن يكون حديثه لعامة المسلمين في كل زمان ومكان، أو خاصًا للمسلمين
في جزيرة العرب على عهده. أما أن ينسب هذا الكلام للوحي المنزل من عند الله تعالى
فهذا ما لا يجوز قطعًا.

وأخيرًا فإن مقولة ابن القيم: إن هذا الطب لا يناسب إلا ذوي
الأبدان والأرواح الطيبة؛ فإنها تُحتسب على هذا الطب ولا تُحسب له. إذ إنها تحكم
عليه بأنه طب خاص لا يناسب غير المسلمين، وليته يناسب كل المسلمين؛ ولكنه يناسب
فقط ذوي الأرواح والأبدان الطيبة منهم. أما طب هذا الزمان فإن تأثيره في الجرذان
كتأثيره في الإنسان، وسواء كان هذا الإنسان صالحًا أم طالحًا، مسلمًا أم غير مسلم،
له روح وبدن طيب أو خبيث. وكان الأولى بهذه الخاصية هو ذلك الطب المنسوب إلى النبي
الخاتم صلى الله عليه وسلم، والذي أرسله الله للبشر في كل زمان ومكان، وإلى أن يرث
الله الأرض ومن عليها.

الطب النبوي.. والأمراض المعدية :

هناك تعارض واضح لا تخطئه العين في جملة الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث في
موضوع العدوى بالرغم من أن أغلب هذه الأحاديث صحيحة، وقد أثبت ابن القيم وغيره
وجود هذا التعارض، لدرجة أن هذه الأحاديث تدخل تحت بند “مختلف الحديث”.
فإذا استعرضنا بعض الأحاديث التي تثبت إمكانية حدوث العدوى ووجوب الاحتراز منها
فإننا نجد الآتي:

ورد في صحيح مسلم: أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل له النبي صلى الله عليه
وسلم “أن ارجع قد بايعناك”.

روى البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “فِر من المجذوم
كما تفر من الأسد”.

وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يُورِدن مُمْرض على
مُصِحّ”.

وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة، فلما أراد الدخول بها وجد
بكشحها بياضًا، فقال صلى الله عليه وسلم: “الحقي بأهلك”.

وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطاعون رجز أُرسل على
طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه،
وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارًا منه”.

وفي مقابل هذه الأحاديث التي تثبت حدوث العدوى فإننا نجد
بعض الأحاديث الصحيحة الأخرى تنفي إمكانية حدوث العدوى أو تشير إلى عدم احتراز
الرسول صلى الله عليه وسلم منها، كالآتي:

ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا عدوى ولا
طيرة”. فقيل له: إن النقبة تقع بمشقر البعير فيجرب لذلك الإبل. قال صلى الله
عليه وسلم: “فمن أعدى الأول؟!”.

روى الترمذي وابن ماجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في
القصعة، وقال: “كُل بسم الله ثقة بالله وتوكلاً عليه”.

وبالطبع فإن إمكانية حدوث العدوى من الناحية العلمية موضوع –لا أقول– شبه محسوم؛
ولكنه محسوم يقينًا، لا يجادل فيه إلا جاهل أو غافل. ولقد اجتهد ابن القيم –رحمه
الله– بنفسه ونقلاً عن غيره في إثبات عدم التناقض بين هذه الأحاديث الشريفة؛ فأورد
ثلاثة احتمالات لنفي هذا التناقض وهي:

1- إما أن يكون أحد الحديثين المتناقضين ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم، وقد غلط
فيه بعض الرواة مع كونهم ثقات. والثقة ربما غلط.

2- وإما أن يكون التناقض في فهم السامع لا في نفس كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

3- وإما أن يكون أحد الحديثين المتناقضين ناسخًا للآخر إذا كان يقبل النسخ.

ودعنا الآن نناقش هذه الاحتمالات التي أوردها ابن القيم –رحمه الله-:

فالاحتمال الأول -وهو تغليط الثقة- ربما يفتح بابًا لكل صاحب مصلحة أو رأي يغاير
ما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن يدعم رأيه باحتمال خطأ الرواة الثقات.

ونحن لم نشكك أبدًا في نسبة الأحاديث الصحيحة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم،
وإنما الاعتراض منصبٌّ على اعتبار كل الأحاديث الصحيحة –والتي تعالج أمور الدنيا–
ملزمة وصالحة لكل زمان ومكان؛ ولكن دون التشكيك في صحة نسبتها إلى الرسول صلى الله
عليه وسلم.

أما الاحتمال الثاني الذي ساقه ابن القيم، فهو أن يكون
التعارض في فهم السامع وليس في كلامه صلى الله عليه وسلم، ونقول: إن محمد بن عبد
الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم وهو أفصح العرب وأكثرهم بلاغة لم
يكن ليتحدث حديثًا يلتبس على العامة، ناهيك عن الخاصة.

أما الاحتمال الثالث الذي ساقه ابن القيم وهو احتمال وجود ناسخ ومنسوخ في أحاديث
العدوى؛ فإننا قد نتفق معه في هذه الاحتمالية، حيث إن النسخ في الأمور العلمية
وارد، فالعلم ربما تغير أو تبدل. وقد يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد اعتقد في
بداية بعثته بعدم إمكانية حدوث العدوى، ثم اقتنع بعد ذلك بهذه الإمكانية. وقد ورد
أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يروي حديث “لا عدوى” ثم شك فيه فتركه
وراجعوه فيه. فقالوا: سمعناك تحدث به. فأبى أن يحدث به. وهذا من ناحية أخرى يؤكد
على بشرية هذه الأحاديث (في الطب خاصة)، فلو كانت (أحاديث الطب) وحيًا من عند الله
ما نسخ بعضها بعضًا، حيث إن (الحقيقة العلمية) مقررة في علم الله لا تقبل التغيير
ولا التبديل، وإن كانت تتغير في علم الإنسان من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان.

الحمى.. في الطب النبوي :

لعل أشهر ما جاء على لسان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بخصوص الحمى هو الحديث
الثابت في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما الحمى من فيح
جهنم، فأبردوها بالماء”.

قال ابن القيم –رحمه الله– في معرض تعليقه على هذا الحديث: “أشكل هذا الحديث
على كثير من جهلة الأطباء ورأوه منافيًا لداء الحمى وعلاجها، ونحن نبين -بحمد الله
وقوته- وجهة فقهه؛ فنقول: خطاب النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: عام لأهل الأرض،
وخاص ببعضهم، وإذا عرف هذا فخطابه في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز؛ إذ كانت الحميات
التي تعرض لهم هي من الحمى اليومية العرضية الناتجة عن شدة حرارة الشمس”.
انتهى كلام ابن القيم.

وتعليقًا على هذا الكلام؛ فإننا نقول: إن ابن القيم قد اتهم
أطباء عصره بالجهل؛ لأنهم ينكرون هذا الحديث، واجتهد في الرد عليهم لتبرئة ساحة
الحديث الصحيح، فاستخدم واحدة من أشهر وسائل الدفاع عن الأحاديث وهي مقولة (الحديث
العام والخاص). فرفع ابن القيم صفة العمومية عن هذا الحديث الشريف، واحتج بأن
الحديث موجه إلى أهل الحجاز حيث إنهم أكثر الناس عرضة للإصابة بحمى ضربات الشمس،
وهو النوع الوحيد من أنواع الحمى الذي أقر أطباء عصره علاجه بالماء. ونحن لا ندري
من أين استقى ابن القيم خصوصية هذا الحديث لأهل الحجاز، فالماء يصلح لعلاج كل
أنواع الحمى، سواء ما كان منها بسبب ضربات الشمس أو غيرها. وليعلم أن هذا الحديث
لم يكن بحاجة للدفاع عنه بحجة “العام والخاص” بل إنه من الأحاديث التي
سبق بها الرسول صلى الله عليه وسلم عصره، حيث إن الماء هو العلاج الفعال لكل أنواع
الحمى، في كل زمان ومكان. ومما سبق نستطيع أن نؤكد على الآتي:

1- أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر أصيب وأخطئ” إنما هو
قولٌ حق. ولقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم بخطئه في بعض الأمور الدنيوية. وها
هو هنا يصيب في هذا الحديث الذي سبق به عصره وزمانه.

2- أن محاولة الدفاع عن السنة النبوية الخاصة بأمور الدنيا باستخدام وسائل معينة
مثل تغليط الرواة الثقات أو الاحتجاج بمناسبة الحديث أو مقولة الخاص والعام وغيرها
من الوسائل قد يضر في بعض الأحيان بهذه السنة ولا يخدمها كما رأينا في هذا الحديث
وغيره.

السواك.. ومعجون الأسنان :

ورد في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة”.

وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “السواك مطهرة للفهم مرضاة
للرب”.

يقول ابن القيم –رحمه الله– في كتاب “الطب
النبوي”: “في السواك عدة منافع: يطيب الفم، ويشد اللثة، ويقطع البلغم،
ويجلو البصر، ويُصِحّ المعدة، ويصفي الصوت، ويعين على هضم الطعام، ويسهل مجاري
الكلام، وينشط للقراءة والذكر والصلاة، ويطرد النوم”.

ولا أدري من أين استقى ابن القيم كل هذه الفوائد الصحية الجمة للسواك. فإن كان
استقاها من السنة النبوية فأين الأحاديث الدالة على ذلك؟! وإذا كان قد استقاها من
المعلومات الطبية المطروحة في عصره وزمانه فنحن –وبكل أسف– لا نقر هذه المعلومات
الآن، حيث إنه لم يثبت لدينا -حتى الآن- بطريقة علمية صحيحة أن السواك: يقطع
البلغم، ويجلو البصر، ويصح المعدة… إلخ.

وبغض النظر عن أدبيات ابن القيم في السواك وهي غير موثقة
شرعًا وطبًّا؛ فإننا نقول: إن ظاهر الحديث هو الأمر بالسواك، أما مقصد الحديث فهو
نظافة الفم، ولما كان السواك هو الوسيلة المستخدمة في نظافة الفم والأسنان في ذلك
الزمان فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر باستخدامه، ولكن السؤال المطروح الآن
هو: إذا ما توفرت وسيلة عصرية لنظافة الفم والأسنان أفضل من السواك أليس من الأفضل
الاستغناء بهذه الوسيلة عن السواك؟. ولقد حاول كثير من أدعياء “الطب
النبوي” إثبات أن السواك أفضل من معاجين الأسنان والفرشاة، ولكن دون جدوى حيث
انصرف أغلب الناس إلى المعجون والفرشاة، ولما يئس أدعياء الطب النبوي من إقناع الناس
بالأخذ بظاهر الحديث استحدثوا معاجين أسنان من خلاصة السواك. وحتى هذه المعاجين لم
يكتب لها النجاح أيضًا، وبقيت الفرشاة والمعاجين التقليدية أكثر فاعلية وأكثر
انتشارًا في نظافة الفم والأسنان، بالإضافة إلى أن الفرشاة سهلة التنظيف والحفظ،
كما أن المعاجين المطروحة للاستخدام تُصنع بطريقة علمية وصحية سليمة، وتضاف إليها
مواد لمقاومة التسوس ونخر الأسنان. ولقد ثبت أن الاعتماد على السواك دون الفرشاة
والمعجون هو واحد من الأسباب الرئيسية لتفشي ظاهرة تسوس الأسنان في بعض المجتمعات
الإسلامية، كما أنه قد يكون وسيلة لنقل العدوى والأمراض حيث يصعب تنظيفه وحفظه.
وإذا استحدثت مستقبلاً طريقة لنظافة الفم والأسنان أفضل من الفرشاة والمعجون فلا
مانع من ترك الفرشاة والمعجون إلى هذه الطريقة.

الكي.. وحدود التداوي به :

ورد في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
“الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار. وأنا أنهى أمتي عن
الكي”. وفي لفظ آخر: “وما أحب أن أكتوي”. والثابت عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه كوى أصحابه أو أمر بالكي في حالات مرضية معينة مثل: النزيف
وتعقيم الجروح بعد استخراج الأجسام الغريبة مثل الشوكة وفي ذات الجنب.

ولقد أشكل أمر الكي على ابن القيم –رحمه الله– ولم يستطع تحديد حكم شرعي معين
للكي، فقال: الثابت في أحاديث الكي أربعة أحكام:

أحدهما: فعله. والثاني: عدم محبة الرسول له. والثالث: الثناء على تركه. والرابع:
النهي عنه.

ولقد اجتهد ابن القيم في التوفيق بين هذه الأحكام الأربعة، وقد كره الرسول صلى
الله عليه وسلم هذه الطريقة العلاجية لما فيها من إيذاء النفس البشرية، لذلك جعلها
آخر الدواء.

ولقد استخدم الطب الحديث الكي لأغراض مماثلة للأغراض التي استخدمها الرسول صلى الله
عليه وسلم، أو نحوها، وإن اختلفت الطريقة: حيث يستخدم التخدير قبل الكي وتستعمل
أجهزة طبية معينة لأغراض الكي المختلفة، مثل إيقاف النزيف في العمليات الجراحية
وكي القروح، مثل قرحة الرحم، وإزالة الأورام الجلدية الحميدة. ولعل آخر صيحة في
عالم الكي هي حرق الأورام في الأعضاء الداخلية، مثل الكبد إذا اكتشفت في حالة
مبكرة.

هذا ما كان من أمر السنة وأمر الطب الحديث بخصوص الكي. ولكن أدعياء الطب النبوي لم
يرقهم هذا المجال الضيق للكي. فأخذوا مقولة آخر العلاج الكي ووظفوها أسوأ توظيف،
وجعلوا من الكي بدلاً لعلاج كل الأمراض في حالة تأخر الشفاء بالوسائل الطبية
المعتمدة. بل إن بعضهم يستخدم الكي كروتين قبل اللجوء إلى الطبيب، ويتم الكي على
أيدي هؤلاء بوسائل بدائية، وغير إنسانية ودون تخدير.

وليس لديَّ إحصائيات دقيقة لمدى تفشي ظاهرة الكي في العالم
العربي والإسلامي، ولكن الذي أعرفه أن هذه الظاهرة ما تزال متفشية في مصر بغرض
علاج الصداع وآلام الظهر، وكذلك كي جلد البطن في حالة تضخم أعضاء البطن الداخلية
مثل الطحال، ومن المعتاد أن يلجأ كل مريض في المناطق الريفية في مصر للكي بغرض علاج
الطحال المتضخم، وذلك قبل أن يلجأ إلى الجراحة أو ينتهي به الأمر إلى الموت.

أما في السعودية فظاهرة الكي متفشية بصورة مزعجة جدًّا، خاصة في الأطفال الرضع،
ولا يكاد ينجو طفل من الكي في طفولته المبكرة أكثر من مرة، وبالذات في مشاكل
الجهاز الهضمي، مثل القيء، وانتفاخ البطن والمغص وغيرها، وبالطبع لا يكون للكي في
مثل هذه الحالات أدنى فائدة، وتنتهي كل نوبة كي بزيارة الطبيب، ولقد بُحت أصوات
الأطباء من التحذير والنهي عن هذه الممارسات، ولكن الناس في كل مرة يعودون لما
نهوا عنه.

ما نود أن نقوله هو أن “الكي” أصبح محصورًا الآن في بعض الحالات المرضية
المحددة، ويقوم به الأطباء تحت تأثير المخدر، سواء كان موضعيًّا أم عامًّا. أما
الكي بمفهوم الحلاقين والمشعوذين والعجائز تحت شعار “الطب النبوي” فهذا
أمر لا يقره العلم ولا السنة ولا الإنسانية.

حديث الذبابة.. وبول الجمال :

ورد في صحيح البخاري عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا وقع الذباب
في إناء أحدكم فامقلوه (اغمسوه) فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء”. وهذا
الحديث لا جدال في صحته، حيث ورد في أصح كتب الحديث ألا وهو “صحيح
البخاري”.

أما من الناحية الطبية البحتة فهذا الكلام لم تثبت صحته حتى
الآن.. بالرغم من أني قرأت أكثر من مرة وفي أكثر من مصدر أنه: “ثبت علميًّا
أن الميكروبات موجودة في أحد جناحي الذبابة وفي الجناح الآخر توجد مضادات لهذه
الميكروبات”. ولم يقدم هؤلاء الزاعمون بحثًا علميًّا واحدًا تم بطريقة منهجية
ومنضبطة ونشر في مجلة علمية متخصصة في بلد من بلاد المسلمين أو غير المسلمين يثبت
صحة هذا الكلام من الناحية العلمية.

ولقد حضرتُ ندوات ومناظرات كثيرة بين علماء الطب وعلماء الدين بخصوص هذا الحديث،
لم يخرج رأي علماء الدين عن أن الحديث صحيح، ولم يخرج رأي علماء الطب عن أن العلم
لم يثبت حتى الآن صحة ذلك.

وقد يكون لهذا الحديث ما يبرره على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث إنه عاش
صلى الله عليه وسلم في بيئة صحراوية تعاني من ندرة الماء والغذاء، وكان الرسول صلى
الله عليه وسلم دائم الخروج هو وأصحابه للجهاد ونشر الدعوة، وكانوا يحملون الماء
والزاد في سفرهم وترحالهم، وكان الذباب والهواء يكثر في هذه البيئة الصحراوية، فلو
أن كل إنسان وقع في طعامه أو شرابه ذبابة فتخلص من هذا الطعام أو الشراب لهلك
الناس جوعًا وعطشًا في ذلك الزمان. أما في هذا الزمان الذي نعيشه الآن فالطعام
والشراب متوفر والسيطرة على الذباب ليست مشكلة.

كما أن العلم حتى هذه اللحظة لا يرى في الذباب غير مصدر معتبر من مصادر العدوى
والمرض؛ لذا فإننا نرى -ومن منطلق بحث د. الأشقر– أن العمل بهذا الحديث غير ملزم
بالرغم من صحة نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لو ثبت مستقبلاً صحة
الحديث من الناحية العلمية، لأن هذا العمل من الأمور التي تعافها النفس البشرية
وتكرهها، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في هذا المجال، فقد كره
الكي وهو علاج أساسي في زمانه، وكانت نفسه تعاف أكل البصل والثوم ولحم الضب، وهي
أطعمة حلال.

وشأن حديث الذبابة كشأن التداوي ببول الجمال، فالثابت أن
الرسول صلى الله عليه وسلم نصح بالتداوي ببول الجمال في حالات الاستسقاء البطني،
ولكن مَن منَّا الآن يقبل أن يتداوى ببول الجمال حتى لو ثبتت فاعليته من الناحية
العلمية؟!

ولا أظن أن هناك بحثًا علميًا معتبرًا نشر عن مدى فاعلية بول الجمال في علاج
الاستسقاء أو غيره من الأمراض، وبالرغم من هذا فإني قرأت في أحد المواقع الخاصة
بالطب النبوي على “شبكة الإنترنت” مقالاً يشير إلى أن البحوث العلمية
أثبتت قدرة “بول الجمال” على علاج أمراض الاستسقاء، بالإضافة إلى أورام
الكبد والسرطان وسرطان الدم…إلخ. ولا ندري أين هي هذه البحوث، ولا ندري مَن قام
بها، وفي أي الأماكن، ولا ندري من هم هؤلاء المتطوعون الأبطال الذين تجرعوا أبوال
الجمال لعلاج هذه الأمراض.

إن الأمر ببساطة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوظف المتاح والمتوارث
والمتعارف عليه من العلاجات السائدة في زمانه. والسؤال الآن: إذا مَنَّ الله على
عباده بعلاجات أكثر مصداقية وأكثر فاعلية وأكثر قبولاً لدى الناس من بول الجمال،
فهل نترك هذه العلاجات ونعود إلى بول الجمال تحت زعم أنه طب نبوي؟!

العسل.. وما شفاؤه؟ :

قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ
اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ
مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[النحل:68، 69].

وفي الصحيحين أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
“إن أخي يشتكي بطنه”. وفي رواية: “استطلق بطنه (أي أصابه إسهال)
فقال: “اسقه عسلاً”. فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغنِ عنه
شيئًا”. وفي لفظ: فلم يزده إلا استطلاقًا – مرتين أو ثلاثًا -. كل ذلك يقول
له: “اسقه عسلاً”. فقال له في الثالثة أو الرابعة: “صدق الله وكذب
بطن أخيك”.

والعسل طعام قديم ودواء قديم قِدم الإنسان نفسه، وهو طعام طيب وسهل الهضم، ومناسب
لغذاء الأصحاء والمرضى والكبار والصغار (وإن كانت هناك بعض المحاذير الطبية على
استخدامه في الرضع). والعسل غني بالسكريات مثل الفراكتوز والجلوكوز، وكذلك يحتوي
على كثير من الأحماض الأمينية والأملاح المعدنية والفيتامينات وبعض الأنزيمات التي
لها دور في إتمام العمليات الحيوية داخل الخلايا، ولكن لم يرد أنه اكُتشفت فيه
مادة علاجية محددة لعلاج مرض معين.

ومن الناحية الطبية فإن تقييم العسل كدواء لا يخرج عن كونه مادة مسهلة وطاردة
للبلغم، كما أنه يستخدم بنجاح في علاج الجروح والقروح والحروق المستعصية؛ لأنه
مادة مركزة لا تصلح لنمو البكتريا بصفة عامة، أما دور غذاء ملكات النحل في التنشيط
الجنسي فهو دور تاريخي ومعروف للناس في كل زمان ومكان.

لذلك فإننا نعتقد أن دور العسل كوقاية قد يكون أفضل من دوره
كعلاج، حيث إن المحتوى الغذائي للعسل متنوع وغني، وقد تساعد المداومة على تناوله
على توفير عدد من الفيتامينات والأملاح المعدنية، والتي تقي من كثير من الأمراض
الغذائية، وتساعد في تحسين الصحة وتعزيز المناعة وتنشيط الجسم بصفة عامة. وقد
استخدمه الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل كغذاء طيب ومحمود، وكوقاية أكثر مما
استخدمه كعلاج، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشربه بالماء على الريق، وفي سنن ابن
ماجه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر
لم يصبه عظيم من البلاء”. ولم يرد في كتاب ابن القيم أن الرسول صلى الله عليه
وسلم قد استخدم العسل كعلاج إلا مرة واحدة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم
باستخدامه كمسهل لتنظيف بطن رجل أصيب بالتخمة والامتلاء، وهو ما ورد في الحديث
الذي ذكرناه سلفًا.

ولعل الآية الكريمة قصدت دوره الوقائي أكثر من دوره العلاجي. والوقاية خير أنواع
العلاج أو خير من العلاج، وهذا ما أكده فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بخصوص
العسل.

أما دعاة “الطب النبوي” والمتاجرون به فإنهم حَمَّلوا الآية القرآنية
الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة ما لا تحتمل، وسلكوا نفس الطريق الذي يسلكه بعض
هواة “التفسير العلمي للقرآن”. فاستندوا إلى لفظة “شفاء”
ليجعلوا من العسل مدرسة طبية علاجية شاملة، بل إنهم جعلوا للعسل منزلة خاصة تفوق
منزلة ما عداه من مفردات الطب النبوي لدرجة أنهم أسموه “الطب الإلهي”،
وكأن العسل طب من عند الله وما عداه ليس من عند “من له ملكوت السماوات
والأرض”.

بل إن بعض الغلاة وصلوا إلى مرحلة قصر العلاج شرعًا على
أمرين اثنين: العسل لعلاج الأبدان والقرآن لعلاج النفوس. وذلك استنادًا إلى آية
العسل، وآية: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ)[الإسراء:82]. وجعلوا ما عداهما من العلاجات من قبيل البدع
والمستحدثات.

ولقد أصبح العسل على أيديهم “علاجًا لكل داء” دون سند علمي أو شرعي؛
فهناك عسل لعلاج الضغط، وعسل لعلاج الربو، وعسل لعلاج الصدفية والبهاق، وعسل لعلاج
القولون، بل وعسل لعلاج السكري والسرطان. وهكذا لم يتركوا مرضًا لم يجعلوا له
عسلاً. ونحن لا ندري هل هم يوظفون الهندسة الوراثية لخلق أنواع من النحل تختص بكل
مرض. أم أنهم يستخدمون العسل كقاعدة دوائية يضيفون إليها المواد العلاجية المتعارف
عليها لعلاج هذه الأمراض، أم أنهم لا يفعلون لا هذا ولا ذاك ويكتفون بمجرد كتابة
اسم المرض على عبوة العسل، وهذا هو أغلب الظن، ولقد رأينا كثيرًا من الناس فُتِنوا
في دينهم، وراحوا ضحية النصائح الخاطئة بإيقاف العلاج الطبي واستخدام العسل أو
العسل المخلوط بالحبة السوداء كعلاج أوحد لبعض الأمراض المزمنة والخطيرة.

وإذا كان لنا كلمة أخيرة في “موضوع العسل” فإننا نقول: إن سورة النحل
نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، أي في مراحل الدعوة المبكرة،
وليس من الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد غير اتجاه الطب بعد نزول آية
العسل، أو أمر بالاكتفاء بالعسل كطب تأسيسًا على هذه الآية الكريمة، ولكن الثابت
أن الرسول صلى الله عليه وسلم استخدم مقولة “شفاء من كل داء” في أشياء أخرى
خلاف العسل مثل الحبة السوداء والسنا والسنوت، ولم يستخدمها في العسل.

والحديث الشهير الذي أمر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم
باستخدام العسل وكان استخدام العسل فيه صحيحًا من الناحية العلمية، حين أمر الرسول
صلى الله عليه وسلم بعلاج رجل أصيب بالتخمة والامتلاء بالعسل لإحداث إسهال يطرد
الفضلات والأخلاط من البطن. وقد أسلفنا أنه من الثابت علميًا أن العسل يستخدم
كمادة مسهلة، وفي المقابل فإن هناك أمورًا كثيرة عرضت على الرسول صلى الله عليه
وسلم، لم يأمر فيها بالعسل، وإنما رشح وسائل طبية أخرى. فالثابت مثلاً أنه احتجم
من صداع في رأسه، وأمر بالكي لإيقاف النزيف، ورشح السنا كمادة مسهلة، ورشح القسط
البحري والزيت لعلاج ذات الجنب. وهكذا.. هذا ما كان من شأن “العسل” مع
من نزلت على قلبه “آية العسل” فما بال أقوام اليوم يجعلون للعسل شأنًا
آخر، ويرسمون له طريقًا مختلفًا؟!.

طب الأعشاب.. بين الوقاية والعلاج :

قد يكون طب الأعشاب واحدًا من أقدم أنواع الطب في التاريخ، ولم يكن الإنسان من فجر
التاريخ وحتى فجر الثورة العلمية يمتلك من الوسائل الطبية غير عدد محدود، مثل:
الكي، والحجامة، والأعشاب، والأغذية. ولطب الأعشاب باعٌ وذراعٌ في الطب النبوي،
ولعل “الحبة السوداء” أكثر الأعشاب حظًا وشأنًا في هذا الطب، وذلك بفضل
الحديث النبوي الشريف الثابت في الصحيحين عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:
“عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها شفاء من كل داء إلا السَّام”.
والسام هو الموت.

وبالرغم من أن هناك أحاديث نبوية أخرى تضع بعض الأعشاب على قدم المساواة مع الحبة
السوداء، إلا أن حظ هذه الحبة السوداء كان أفضل من غيرها. فهناك حديث ورد في
الترمذي: “لو كان شيء يشفي من الموت لكان السنا”. وورد في سنن ابن ماجه:
“عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السَّام”. وورد في
الصحيحين: “خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري”. والقسط البحري هو
نوع من العود يسمى “العود الهندي”.

وفي المسند: “عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة
أشفية منها ذات الجنب”. أما “السنا” فهو نبتة حجازية تنسب إلى مكة
المكرمة، فاسمها العلمي “سنامِكه”، واسمها الدارج “سنامكى”،
وهو مادة مسهلة معروفة ومشهورة بهذه الفاعلية حتى وقتنا هذا، ولم يرد في كتاب الطب
النبوي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استخدم هذه المادة إلا لهذا الغرض، لذلك
فإن الحديث النبوي الذي يشير إلى أنها تشفي من كل داء، إنما يؤكد الفكرة السائدة
في ذلك الزمان، ألا وهي: أن إخراج السموم والأخلاط من البطن هو ركيزة أساسية من
ركائز علاج كل الأمراض.

أما “السنوت والينسون” فهو بذور من فصيلة الكمون، وهو من النباتات التي
تستخدم حتى الآن كمهدئ لاضطرابات الجهاز الهضمي وخاصة لدى الأطفال، ولكن كتاب
“الطب النبوي” لم يشر إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استخدمه
كعلاج لمرض معين، بالرغم من الحديث سالف الذكر.

ونعود لـ”الحبة السوداء” فنقول: إن التحليل الكميائي لهذه البذور يشير
إلى وجود: سكريات أحادية ومركبة، وأحماض دهنية، وأحماض أمينية، وبعض الأملاح
المعدنية مثل الكالسيوم والبوتاسيوم ومادة الكاروتين التي يمكن تحويلها في الكبد
إلى فيتامين (أ)، وهي بهذا المحتوى ليست فريدة ولا متميزة عن كثير من المواد
الغذائية الأخرى، ولا تحتوي على أي مادة غذائية أو كميائية يندر وجودها في مواد
غذائية أخرى، وهي مثل العسل ليس بها أي محتوى علاجي محدد لعلاج مرض معين. ولقد جرت
أبحاث علمية منضبطة في عدد من الجامعات، وخاصة جامعات البلاد الإسلامية مثل
السعودية ومصر وباكستان بغرض تقييم وضع هذه البذور العلاجي والوقائي، وكانت
النتائج تشير إلى أن هذه البذور تحسن النشاط المناعي للجسم بصفة عامة، كما أن لها
دورًا مضادًّا لبعض أنواع الميكروبات ودورًّا مضادًّا للالتهابات، ولكن لم يحدد
لها دور معين في علاج مرض معين على الأقل حتى الآن.

وبهذا يكون شأنها كشأن العسل، ويكون دورها الوقائي أكثر من
دورها العلاجي، وما يزال المجال مفتوحًا للبحث في هذا المجال، ولكن أدعياء الطب
النبوي لم ينتظروا ولن ينتظروا أبحاثًا ولا دراسات، فلقد شمروا عن سواعدهم وكتبوا
الحديث الشريف على واجهات المحلات، وجعلوا من الحبة السوداء – كما جعلوا من العسل
– مدرسة طبية علاجية متكاملة، وجعلوا منها ألوانًا وأشكالاً؛ فهناك البذور، وهناك
المسحوق، وهناك الزيت المستخلص من هذه البذور، بل إني عثرت في الأسواق على مراهم
ومعاجين للحبة السوداء، وبهذا أصبحت الحبة السوداء مصدرًا من مصادر الكسب والتربح
لا يقل شأنًا ولا ربحية عن العسل والحجامة!!.

الحجامة.. والتبرع بالدم :

1- تاريخ الحجامة:

الحجامة هي من أقدم الممارسات الطبية التي عرفها الإنسان منذ القدم، ولقد استخدمها
قدماء المصرين والأشوريين والصينيين، وانتشرت في كل أركان الأرض، وكانت موجودة في
جزيرة العرب قبل البعثة، وأثناء البعثة وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وظلت
هذه الطريقة العلاجية البدائية متفشية كواحدة من أهم الوسائل الطبية، ولكنها بدأت
تنحصر وتنزوي في بعض المجتمعات المغلقة والمتخلفة بعد بزوغ شمس الطب الحديث،
وأخيرًا بدأت تطل برأسها مرة أخرى على استحياء من خلال موضة ما يسمى بـ”الطب
البديل”، وكذلك من خلال إعادة بعث ما يسمى بـ”الطب النبوي”. ولعل
الصينيين وحدهم هم الذين ظلوا يحافظون على الحجامة منذ القدم وحتى الآن كعمود من
أعمدة الطب الصيني الغامض، بالإضافة إلى الإبر الصينية وطب الأعشاب.

ولسنا هنا بصدد تقييم الطب الصيني، ولكننا باختصار نرى أن
هذا الطب الذي بدأ قبل الميلاد بآلاف السنين واستمر حتى يومنا هذا كطب مستقل عن
الطب الغربي أو الحديث، لم يحقق نجاحًا مرضيًا بالقدر الذي نستطيع أن نعتمد عليه
لعلاج حالة مرضية معينة بنسبة نجاح محددة ودون الاستناد إلى وسائل طبية أخرى
مساعدة، وذلك لأن هذا الطب لا يعتمد على أسس علمية وتجريبية بقدر ما يعتمد على أسس
فلسفية وروحانية ونظريات افتراضية لم نتمكن حتى الآن من إثباتها بطريقة علمية
ملموسة، وذلك مثل نظرية الطاقة الشهيرة، ونظرية السالب والموجب، وغيرها.

2-أنواع الحجامة:

هناك نوعان من الحجامة: الحجامة الجافة، والحجامة الرطبة. فأما الحجامة الجافة فهي
عن طريق استخدام الكاسات المفرغة من الهواء والتي توضع على أجزاء معينة من الجسم
فتؤدي إلى سحب الدم إلى المنطقة السطحية من الجسم، ولا تختلف نظرية الحجامة الجافة
عن مجرد تدليك الجسم “المساج”، أو حتى الهرش لمنطقة الألم، حيث يؤدي ذلك
إلى شعور المريض ببعض الراحة والاسترخاء وتقليل نسبي ووقتي للألم الموجود بالمنطقة
المحجومة، دون أن يكون لهذا العمل أدنى تأثير في مسببات المرض الحقيقية والتي يكون
“الألم” مجرد واحد من أعراضها.

وأما الحجامة الرطبة – وهي لب القصيد – فإنها لا تختلف عن الحجامة الجافة، إلا في
تشريط الجلد بعد عمل الحجامة الجافة لإتاحة الفرصة لخروج كمية من الدم تتراوح ما
بين 100 سم إلى 150 سم من الدم. وتتمحور فلسفة الحجامة الرطبة على هذين العملين:
تشريط الجلد واستخراج كمية من الدم من موضع الحجامة، وهما العملان اللذان بُنيت
على أساسهما كل نظريات الحجامة، وكل محاولات إيجاد أساس علمي لها.

3- نتائج الحجامة:

الحجامة – من وجهة نظر الحجامين – مدرسة طبية جامعة. فهي من
الوسائل العلاجية الفذة التي تستخدم تقريبًا في علاج كل الأمراض ابتداءً بمرض
الصداع وأمراض الروماتيزم، ومرورًا بالسكري والضغط، وانتهاءً بالسرطان والإيدز.
أما أعجب استخدام للحجامة فهو استخدامها في علاج مرض سيولة الدم الذي لو أصيب فيه
المريض بخدش فقد ينزف حتى يفارق الحياة، ولكن خدوش الحجامة شيء عجيب، فهي لا تسمح
بحدوث النزيف، ولم لا وهي تسمح بمرور كرات الدم الحمراء إلى خارج الجسم دون الكرات
البيضاء!!. والأعجب من هذا وتلك أن الحجامة تعالج الشيء وضده، فإذا استخدمت – على
سبيل المثال – في علاج مرضى الضغط المرتفع فإن ضغطهم ينخفض، وإذا استخدمت في حالات
الضغط المنخفض فإن الضغط يرتفع، وكذلك الحال في زيادة أو نقص الخضاب (الهيموجلوبين)..
وهكذا.

أما نتائج الحجامة الواردة على ألسنة الحجامين فحدّث ولا حرج، فلقد شفي جميع
المحجومين تقريبًا من كل الأمراض التي ألمت بهم، أو على الأقل تحسنت أحوالهم
الصحية والنفسية إلى حد بعيد بعد الحجامة!.

والنتائج في الحجامة – شأنها شأن كل مفردات الطب البديل – لا تخضع لمنهج علمي
منضبط يتم فيه علاج عدد محدد من المرضى بمرض معين عن طريق الحجامة، ويُعالج عدد
مماثل من المرضى بنفس المرض بطرق أخرى من طرق الطب الحديث، ثم تُخضع النتائج لمنهج
إحصائي منضبط وتنشر في مجلة طبية معتبرة. وهذا ما لا يحدث أبدًا، وفي حدود ظني أنه
لن يحدث أبدًا. وبكل أسف فقد جنَّد بعض كبار الحجَّامين من غير الكادر الطبي عددًا
من الأطباء، بل ومن أساتذة الطب، للدعاية للحجامة وكتابة التقارير وعمل التحاليل
اللازمة قبل وبعد الحجامة، والتي تثبت أن الحجامة كان لها فعل السحر في علاج كل
الأمراض بإقرار أساطين الطب، بل الأدهى والأمر أن عددًا من الأطباء قد انضموا إلى
ركب الحجَّامين وتتلمذوا على أيديهم دون أي قناعة ودون أي سند علمي أو شرعي.

4- الحجامة في السنة النبوية:

والحجامة عمود أساسي من أعمدة الطب النبوي إن لم تكن ذروة سنامه، وهي من الوسائل
الطبية التي امتدحها الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث ورد في الحديث الصحيح:
“خير ما تداويتم به الحجامة”. وهناك ما يزيد على سبعين حديثًا نبويًا في
الحجامة تختلف اختلافًا متباينًا في صحتها وضعفها، كما أن بعضها يختلف مع بعضه في
المعاني والمقاصد، لدرجة أن مثل هذه الأحاديث يقع تحت بند “مُختلف
الحديث”. وبالرغم من هذا التباين في الصحة والضعف والمعاني والمقاصد، إلا أن
الإخوة الحجَّامين لا يشغلهم ذلك ويتعاملون مع كل هذه الأحاديث على قدم المساواة،
فيأخذون منها ما يتفق مع توجهاتهم ومصالحهم، ويتركون ما يتعارض مع هذه المصالح
والتوجهات، بغض النظر عن الصحيح والضعيف والمختلف والمدسوس. وهذا ما سنأتي على
تفصيله الآن.

5- مواعيد الحجامة الإسلامية:

هناك مواعيد للحجامة سنوية وفصلية وشهرية وأسبوعية، بل
ويومية، وكل هذه المواعيد مدعومة بأحاديث نبوية شريفة. فهناك الأحاديث التي تُحبذ
جعل الحجامة عادة سنوية، وهناك الأحاديث التي تحبذ إجراء الحجامة مع بداية الحر أي
في فصل الربيع، كما أن هناك أحاديث تحدد أيامًا معينة في كل شهر قمري لإجراء
الحجامة، وهناك الأحاديث التي تأمر بالحجامة على الريق، وإذا كانت هذه الأحاديث قد
تباينت في صحتها وضعفها، إلا أن الأحاديث التي وردت بشأن أيام الأسبوع المحبذة
وغير المُحبذة لإجراء الحجامة تتجاوز قضية “الصحيح والضعيف” لتدخل في
منعطف “مختلف الحديث”، حيث إننا لو أخذنا بجملة الأحاديث الخاصة بأيام
الأسبوع لوجدنا أن الحجامة منهي عنها تقريبًا في كل أيام الأسبوع، اللهم إلا يوم
الاثنين، فعلى سبيل المثال هناك حديث جامع أخرجه ابن ماجه عن الرسول صلى الله عليه
وسلم يقول: “الحجامة تزيد الحافظ حفظًا، والعاقل عقلاً، فاحتجموا على اسم
الله تعالى، ولا تحتجموا الخميس والجمعة والسبت والأحد، واحتجموا الاثنين، وما كان
من جذام ولا برص إلا نزل يوم الأربعاء”.

وبالإضافة إلى اختلاف الأحاديث في شأن الأيام فإن الأمر يتعدى ذلك ويصل إلى مرحلة
وجود أحاديث تختلف في أمر اليوم الواحد ما بين تحبيذ وعدم تحبيذ الحجامة في يوم
معين، وذلك مثل يوم الخميس والثلاثاء.

وفي الحديث الشريف: “احتجموا يوم الاثنين والثلاثاء ولا تحتجموا يوم
الأربعاء”. وفي المقابل فقد روى أبو داود في سننه أن الرسول صلى الله عليه
وسلم كره الحجامة يوم الثلاثاء فقال: “يوم الثلاثاء يوم الدم، وفيه ساعة لا
يرفأ فيها الدم”.

ولقد أراح بعض كبار الحجامين المعاصرين أنفسهم وقالوا: إن الأحاديث الواردة بشأن
أيام الأسبوع كلها مدسوسة ولا يؤخذ بها.

وبغض النظر عن قضية “أيام الحجامة”؛ فلقد اطلعنا
في بعض كتب الحجامة الإسلامية على محاولات لإضفاء صفة “الشرعية العلمية”
على الأحاديث التي تحدد مواعيد سنوية وفصلية وشهرية للحجامة، فأشاروا إلى أن ركود
الدم وهيجانه وكثرة الشوائب والأخلاط بالدم إنما تحدث في أوقات محددة، وأنها ترتبط
بدرجة حرارة الجو ودرجة نشاط الإنسان، بل إنهم ربطوا بين هذه المسائل وبين حركة
القمر الشهرية، وفي حدود علمنا فإن حركة القمر لها علاقة بالمد والجزر في البحار،
ولكننا لا نعرف مدى صحة علاقة هذه الحركة بركود الدم وهيجانه وبكمية الشوائب
والأخلاط في الدم، ولقد سبق أن نقضنا هذه النظريات من حيث المبدأ.

6-أماكن الحجامة الإسلامية:

الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم احتجم في أماكن محددة ذكر منها ابن القيم:
الكاهل والأخدعين، والرأس، والورك، وظهر القدم. أما نقرة الرأس أو نقرة القفا
ففيها خلاف؛ ففي حديث: “إن فيها شفاء من اثنين وسبعين داء”. وفي حديث
آخر أنها تورث النسيان.

7-تقييم الحجامة الإسلامية:

لم تكن الحجامة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مرشحة لعلاج كل الأمراض كما هو
واقع الحال الآن، فالتطبيق العملي للحجامة في هذا العهد كان يتمثل في أن الرسول
صلى الله عليه وسلم احتجم أو أمر بالحجامة في الأحوال المرضية الآتية:

1- تبيغ الدم أو هيجانه وهو ما يعرف الآن بارتفاع ضغط الدم.

2- تسكين الألم في أجزاء الجسم المختلفة. فالثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم
احتجم على الرأس من صداع في رأسه، واحتجم على الكاهل والأخدعين والورك وسطح القدم
لتهدئة الألم في هذه الأماكن، وذلك بالطبع بغض النظر عن السبب الحقيقي لهذه الآلام
والذي لم يكن معروفًا في ذلك الزمان.

3- إخراج السموم من الجسم، فلقد احتجم الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه
بالاحتجام بعد أن أكل من الشاة المسمومة في خيبر هو وأصحابه.

4- الاحتجام على سبيل الوقاية، حيث قال صلى الله عليه وسلم:
“هي من العام إلى العام شفاء”. وقال: “نعم العادة الحجامة”.

والشيء المدهش – حقًّا – أن استخدام الرسول صلى الله عليه وسلم للحجامة لم يخرج
أبدًا عن الإطار الذي وضعها فيه الطب الحديث، فنحن نقر أن استنزاف الدم وسيلة من
وسائل تخفيض الضغط المرتفع، ونقر أن الأثر الذي تتركه الحجامة هو مثل أثر التدليك
أو المساج، وهو وسيلة من وسائل تخفيف الإحساس بالألم في أماكن الحجامة، ونقر أيضًا
بأن استخراج الدم بعد التسمم هو طريقة مفيدة، بل ما تزال تستخدم حتى الآن بعد
لدغات العقارب والثعابين السامة.

وأخيرًا فإنه إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حبب في اعتياد الحجامة حتى دون
مرض، فإننا نشير إلى أن الطب الحديث يؤكد على هذه العادة وينصح بها، ولكن في صورة
عصرية – لا تفيد الشخص نفسه فحسب بل تفيد المجتمع كله – ألا وهي التبرع بالدم.

إذًا هذا هو الحجم الحقيقي للحجامة الآن، وهو تقريبًا نفس الحجم الذي وضعها فيه
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من 1400 سنة. فالرسول صلى الله عليه
وسلم لم يأمر مثلاً بالحجامة في الأمراض المعدية أو النزيف أو كعلاج للمفؤود أو
المبطون أو في ذات الجنب، وغير ذلك من الأمراض التي كانت معروفة على عهده، ناهيك
عن الأمراض التي لم تكن معروفة في ذلك الزمان.

أما حجامو هذا الزمان فإنهم لم يلزموا أنفسهم بشيء من سنة النبي الكريم صلى الله
عليه وسلم في الحجامة إلا اسمها، فهم يمارسون الحجامة في كل وقت وزمان دون التقيد
بالمواعيد الواردة في السنة، ويحجمون في كل مكان بالجسم دون التقيد بالأماكن
الواردة في السنة، ويحجمون في كل الأمراض دون التقيد بالإطار الذي وضعه الرسول صلى
الله عليه وسلم للحجامة، وهو نفس الإطار في مفهوم العلم الحديث. فهم يحجمون تحت
شعار السنة ولكن داخل عباءة الطب الصيني والشعبي.

إن الحجامة هي أخطر الممارسات التي تمارس تحت شعار
“الطب النبوي”، فالحجامة وهي عمل “شبه جراحي” يقوم به في
الغالب أشخاص غير مؤهلين للعمل الطبي مثل المشايخ والدعاة وأنصافهم والحلاقين
والعشابين وغيرهم، ويتم ذلك في أمكان غير مخصصة للعمل الطبي مثل المنازل والمساجد
ودكاكين الحلاقة ومحلات العطارة وغيرها.

بل إنه لمن المحزن حقًا أن كثيرًا من الأطباء الذين امتهنوا هذه المهنة لا يتوخون
الإجراءات الطبية السليمة..

الخلاصة :

ولعلنا نخلص من هذا البحث بالآتي:

1- أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بدين وشريعة، ولم يرسله
بعلوم دنيوية وخبرات حياتية.

2- إن الطب المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا طبّ كان سائدًا في
جزيرة العرب قبل البعثة وأثناءها تعامل معه فأخذ منه وترك، وكانت له فيه آراء
واجتهادات وأحاديث مثل غيره من أمور الدنيا.

3- لا يمكن مقارنة هذا الطب البدائي بالطب الحديث؛ فأين وسائل التشخيص الحديثة من
مختبرات ومعامل وأشعة من تشخيص المريض لمرضه بنفسه؟! وأين علم مسببات الأمراض من
قصة السموم والأخلاط؟! وأين أفرع الطب المختلفة من التقسيمات الساذجة؟! وأين علم
أمراض القلب من المفؤود؟! وأين علم الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي من المبطون؟!
وأين علم أمراض الكلى والمسالك البولية من ذات الجنب؟! وأين علم الأمراض النفسية
والعصبية من المس والسحر؟! وأين وسائل العلاج الحديثة مثل الجراحة والليزر
والأقربازين (علم الأدوية) من الحجامة والكي والسنا والسنوت والقسط الهندي؟!…
إلى غير ذلك.

إن محاولة تسويق هذا الطب على أساس أنه “طب
معجزة” بغض النظر عن ثقله العلمي والتقني، لهي محاولة محكوم عليها بالفشل؛
فالله سبحانه وتعالى لم يرد للنبي صلى الله عليه وسلم معجزة حسية – سواء كانت طبية
أم غير طبية – كتلك المعجزات التي سيرها على يد غيره من الرسل مثل عيسى – عليه
السلام – الذي أنزل عليه مائدة من السماء، وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى
بإذن الله، ومثل موسى – عليه السلام – الذي كلمه الله، والذي ألقى عصاه فإذا هي
حية تسعى. وإنما شاءت إرادة الله أن تكون معجزة هذا النبي صلى الله عليه وسلم –
التي تحدى بها قومه – معجزة لفظية بيانية متمثلة في “القرآن الكريم”.
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً *
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ
خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا
كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ
بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ
حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ
كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً)[الإسراء:90- 93].

4- إن ما يسمى بـ “الطب النبوي” لا مكان له الآن
على خريطة الطب الحديث، ولكن مكانه الطبيعي يقع داخل إطار ما يسمى بـ”الطب
الشعبي” أو “الطب البديل” أو “طب البركة”. إذ إن أهم
سمات هذه الأنواع من الطب هي مخاصمة الأصول والقواعد العلمية، والاعتماد على
الخبرات الشخصية والوصفات الشعبية والطب التاريخي والتراثي، ويستطيع أي إنسان –
طبيبًا كان أو غير طبيب – أن يجعل من نفسه طبيبًا بديلاً أو شعبيًا أو نبويًا دون
سند علمي أو شرعي أو قانوني، كما أنه يستطيع أن يمارس علوم هذا الطب أو يتخصص في
علم من علومه كأن يكون حجَّامًا أو عشَّابًا أو عسَّالاً أو صاحب رقية أو طبيب جنّ
وعفاريت.

5- إن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مجال الطب فيها الصحيح
والضعيف، ومنها المكذوب. ولقد أشار بحث د. سليمان الأشقر إلى أنه حتى إذا ثبت صحة
نسبة الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن مثل هذا الحديث الصحيح قد يكون
غير صحيح من الناحية العلمية المجردة.

ولقد أثبتنا – بالفعل – أن بعض الأحاديث الصحيحة لا تتفق مع ما يقره العلم الحديث،
وذلك مثل حديث “الذبابة”، وحديث “لا عدوى”. وفي المقابل فإن
هناك أحاديث تتفق مع العلم الحديث، بل سبقت العلم الحديث في الإشارة إلى بعض
الحقائق العلمية مثل حديث “الحمى”، وحديث “الطاعون”. كل ذلك
يؤكد على بشرية هذه الأحاديث وأنها اجتهاد شخصي من الرسول صلى الله عليه وسلم،
وليست وحيًا.

6- إننا نرى أن أدعياء الطب النبوي والمتاجرين به، أخذوا من هذا الطب اسمه، ثم
أفرغوه من محتواه، وكانوا أشد الناس انقلابًا عليه، وفصلوه بما يتفق مع أهوائهم
ومصالحهم.

وفي الختام فإن كنت قد أحسنت فمن الله، وإن كنت أسأت فمن نفسي وإني أتوب إلى الله
متابًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2005/06/article01.shtml

الطب النبوي .. رؤى نقدية

أحاديث الطب النبوي واختلافاتها!

د. عمار الحريري

مدرس الحديث النبوي في جامعة دمشق – كلية الشريعة.

05/06/2005

كثرت الأحاديث النبوية حول ذكر بعض الأدوية التي تشفي من بعض الأمراض أو من جميعها
بحسب بعض الروايات، ولكن يبقى تساؤل مفاده: إلى أي مدى قد تبنى النبي صلى الله
عليه وسلم شخصية الطبيب ليصف للمرضى الأدوية؟. بمراجعة عدد من أحاديث الطب النبوي،
نجد أن ثمة اختلافًا فيما بينها يصل في بعض الحالات إلى التناقض، فضلا عن
الإشكالات التي تحيط بمحتواها إذا ما قورن بالمعلوم من الطب والممارسة النبوية،
وهذا الأمر أوقع شراح الحديث في كثير من الاضطراب أثناء سعيهم للتوفيق بين
الأحاديث فيما بينها، وبينها وبين علم الأطباء. وهذا ما سنعرض له لاحقا.

* حول ضوابط ما يُرَدُّ من الأحاديث :

إن بعض العلماء -كابن القيم- قد تنبه إلى كثرة الأحاديث الطبية التي نسبت إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ ضابطًا لمعرفة ما يُرَدُّ من الأحاديث الطبية وهو:
أن يكون الحديث بوصف الأطباء أليق وأشبه، ومنها تكذيب الحس له، ومنها أن يكون
الحديث باطلا في نفسه[1]، ومنها أن تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه[2].

وقد يصلح أن يكون ضابطًا في ذلك، ما نص عليه الخطيب البغدادي إذ قال: “…
وأما الضرب الثاني وهو ما يُعلم فساده، فالطريق إلى معرفته أن يكون مما تدفع العقول
صحته بموضوعها، والأدلةُ المنصوصة فيها..”[3].

وقال الشيرازي أيضا: “إذا روى الخبرَ ثقةٌ رُدَّ بأمور: أحدها أن يخالف
موجبات العقول فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول”[4].

وأما الشافعي فقد صرح بكل وضوح أن الأصل في صدق الخبر وكذبه، هو صدق المخبر وكذبه،
وقد استثنى من تلك القاعدة بقوله: “إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن
يُستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثلُه أو ما
يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه”[5].

إن هذه الأقوال إذا دلت على شيء، فإنها تدل على قواعد
المحدثين في نقد المتن، والذي يتصل تماما بنقد السند، وأن علاقة عدم التلازم
بينهما قد ردها ابن الصلاح[6]، وإلا لأدى بنا الخوض في هذه المسألة إلى نتيجة
خطيرة، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خالف العلم في كثير من الأحاديث، وهو
ما تبناه بعض العلماء، وأخرج تلك الأحاديث من ساحة الوحي كما سيأتي تفصيله بعد
قليل.

ولكن لو تأملنا تعقيب الحافظ العراقي على تعريفه للحديث الصحيح، لما لجأنا إلى هذا
الاحتمال، إذ يقول: “حيث يقول أهل الحديث: هذا حديث صحيح، فمرادهم فيما ظهر
لنا، عملا بظاهر الإسناد، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر؛ لجواز الخطأ والنسيان
على الثقة، هذا هو الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم خلافا لمن قال: إن خبر الواحد
يوجب العلم الظاهر”[7] .

وهذا يعني أن احتمال الخطأ والنسيان على الراوي وارد في بعض الأحاديث التي وسمت
بالصحة ظاهرًا، ولا مانع من تفعيل هذه القاعدة في بعض الأحاديث التي خالفت العلم
وكان هناك تعسف في تأويلها أو لا دليل عليها؛ لأن الأصل توافق العلم مع الحديث
الشريف.

فمن خلال ما سبق يمكن أن نخلص إلى أن ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث
طبية قد خالفت العلم وظاهرها الصحة؛ يحكم عليها بعدم الصحة حسب استثناءات
المحدثين، فهي خرجت عن نطاق الوحي والسنة، أما ما صح منها ولم يخالف العلم فيمكن
أن تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الوحي.

إلا أن ابن خلدون قد سلك منهجًا مغايرًا لما نص عليه
المحدثون في أحاديث الطب، فإنه صح عنده نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،
ولكنها -عنده- ليست من الوحي في شيء، وإنما هي أمر عادي للعرب، ووقع ذكرها في ذكر
أحوال النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة
أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه صلى الله عليه وسلم إنما بُعث ليعلمنا
الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له في شأن تلقيح
النخل ما وقع، وبناء على ذلك لا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث
المنقولة على أنه مشروع إلا على جهة التبرك[8].

ولقد لاحظ بعض علماء الغرب الذين أسلموا -وهو موريس بوكاي- الفرق بين دقة
المعلومات في القرآن ودقتها في الحديث فقال: “لقد قمت بالمقارنة بين
الملاحظات التي خرجت بها من دراسة الأحاديث وبين الملاحظات التي عرضتها من قبل
فيما يختص بالقرآن والعلم الحديث، وكانت نتيجة هذه المقارنة مهمة جدًّا؛ لأن الفرق
قد ظهر واضحًا ومدهشًا بين دقة المعلومة القرآنية وصحتها في حالة مقارنتها بمعطيات
العلم الحديث، كلما كانت المعلومة راجعة إلى العلوم الكونية، وبين قابلية النقد الواضحة
لبعض معلومات الحديث المتعلقة بموضوعات تدخل في صميم الميدان العلمي”[9].

وفي موضع آخر تبنى بوكاي مذهب ابن خلدون، أو اجتهد من عند نفسه، ليقرر أن ما كان
من أحاديث في أمور الدنيا مما لا علاقة لها بالدين، فهي قد تكون أحاديث صحيحة،
ولكن ما دامت أمرًا من الأمور الدنيا، فلا فرق عندئذ بين النبي صلى الله عليه وسلم
وبين غيره من البشر[10].

وقد اقترح أحمد أمين ضابطا للأحاديث الطبية، وذلك بعرضها على العلم التجريبي
والتحليل الكيماوي مع الاستقراء، كوسيلة للنقد الداخلي للحديث، إلى جانب النقد
الخارجي[11].

وقد اعترض بعضهم على هذا الضابط، رافضًا أن يحاكم الحديث
لمعرفة صحته إلى التجربة معتمدا على صدق الراوي وضبطه؛ لأن التجربة قد تتخلف بعض
شروطها، فيظن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كذب، ومن ثم غاية ما تدركه التجربة أن
الكلام معناه صحيح، ولا يعني أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم [12]، ومقتضى كلامه
صحيح لولا احتمال جواز خطأ الرواة ونسيانهم، ونحن نؤمن بعصمة النبي صلى الله عليه
وسلم وتنزيهه عن الكذب، ولكن لا تشمل تلك العصمة الرواة، فالسؤال الذي يطرح هنا هل
قاله النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟.

وهذا السؤال يرد أيضا على ما نقله ابن حجر عن ابن أبي جمرة إذ قال: “تكلم
الناس في هذا الحديث – وهو: “الحبة السوداء…” وسيأتي ذكره بالتفصيل –
وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأنا إذا
صدّقنا أهل الطب، ومدار علمهم غالبا على التجربة التي بناؤها على ظن غالب، فتصديق
من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم”[13].

إن هذا الكلام يقتضي أمرين: الأول أن الحديث مقدم على التجربة، والثاني أن كل كلام
النبي صلى الله عليه وسلم هو وحي.

أما الأمر الأول: فيُعترض عليه بأن الحديث، ونقصد خبر الواحد، لا يفيد إلا غلبة
الظن عند كثير من المحدثين، والتجربة كذلك بناء على كلام ابن أبي جمرة، وبالتالي
لا بد من مرجح يرجح أحدهما، وهنا نُحكّم علم مختلف الحديث، ولا يجوز إطلاق القول
بتقديم الحديث. ومن جهة أخرى إذا كانت التجربة قد تتخلف بعض شروطها ولها حكم
النادر، فكم هي نسبة أخطاء الرواة في الأحاديث المدرجة والمضطربة والمروية
بالمعنى، وغيرها -على سبيل المثال- على اعتبار أنهم ثقات، ومع ذلك فإن نسبة غلبة
الظن إذا لم تصل إلى درجة القطع في التجربة فإنها تفوق كثيرا نسبة غلبة الظن
بالحديث.

أما الأمر الثاني: فإن ابن خلدون مثلا قد أخرج جميع أحاديث الطب عن نطاق الوحي
والتشريع، وأخذ بها من باب التبرك.

* الأمثلة التطبيقية :

لو أخذنا نموذجا، كتاب الطب من صحيح البخاري[14]، فقد حوى أحاديث أثارت جدلا في
فهمها وتوجيهها، فقد تصادمت مع بعضها من جهة، ومع العلم الحديث من جهة أخرى، وعمد
بعض الشراح إلى تأويل تلك الأحاديث وتقييد مطلقها أو تخصيص عمومها للتوفيق بينها:

1- الحبة السوداء:

فمن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الحبة
السوداء شفاء من كل داء إلا الموت”[15]، فقدّر ابن حجر قوله صلى الله عليه
وسلم “كل داء” أي يقبل العلاج بها، ويخصص الحديث بالأمراض الباردة، أما
الحارة فلا، وينقل ابن حجر عن الخطابي قوله: (قوله “من كل داء” هو من
العام الذي يراد به الخاص؛ لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع الأمور التي
تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث
من الرطوبة)، وينقل عن ابن العربي: “العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء
كل داء: من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى
به”، ونقل ابن حجر عن بعض العلماء ما خلاصته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض، فلعل قوله الحبة السوداء وافق مرض من
كان مزاجه باردًا، فيكون معنى قوله: شفاء من كل داء، أي من هذا الجنس الذي وقع
فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع[16].

وإذا كانت الحبة السوداء شفاء من كل داء، فإنه قد جاء حديث
آخر يحصر الشفاء في ثلاثة دون ذكر الحبة السوداء، فمن ذلك حديث ابن عباس، فقد حصر
الشفاء في ثلاثة: “الشفاء في ثلاثة: شربة عسل وشرطة محجم وكية نار، وأنهى
أمتي عن الكي”[17]، قال ابن حجر: “وقد قيل: إن المراد بالشفاء في هذا
الحديث: الشفاء من أحد قسمي المرض؛ لأن الأمراض كلها إما مادية أو غيرها، والمادية
كما تقدم حارة وباردة، وكل منهما وإن انقسم إلى رطبة ويابسة ومركبة فالأصل الحرارة
والبرودة، وما عداهما ينفعل من إحداهما، فنبه بالخبر على أصل المعالجة بضرب من
المثال..”[18]، إذًا مرة أخرى يخصص ابن حجر هذه الحديث بأحد قسمي المرض؛ لأن
الحس والمشاهد أن هناك بعض الأمراض لا تعالج بهذه الأشفية الثلاثة، فضلا عما روي
عن أنس رضي الله عنه : إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري، وقال: لا
تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة وعليكم بالقسط..”[19]، ومع ذلك لو تتبعنا
أحاديث البخاري، فإننا نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد أرشد بعض المرضى لا إلى
الأشفية السابقة الذكر، وإنما إلى دواء آخر، وهو حديث أنس رضي الله عنه: “أن
ناسا اجتووا في المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا براعيه يعني
الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها..”[20] -الجوي داء يأخذ من الوباء-[21]
ومع ذلك فقد أشكل على ابن حجر وجمهور الفقهاء كيف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم
بشرب النجاسة؟ فحملوا الحديث على الضرورة[22]، والقصد من هذا المثال تعدد وسائل
الاستشفاء مع حصرها سابقا.

إضافة إلى ما سبق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد خصص لبعض
الأمراض أدوية تختلف عما سبق، كما في حديث عائشة: “إن التلبينة تجم فؤاد
المريض وتذهب ببعض الحزن”[23] وحديث أم قيس: “عليكم بهذا العود الهندي
فإن فيه سبعة أشفية يستعط به من العذرة ويلد به من ذات الجنب”[24]، ومع العلم
أن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث لم يذكر إلا اثنتين من تلك السبعة[25].

2- حديث العجوة:

لكن الذي أشكل أكثر على شراح الحديث والذي يخالف العلم التجريبي -بحسب كلام
العلماء النقاد قديما- هو حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم :
“من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر”[26] قال المازري:
“هذا مما لا يُعقل معناه في طريقة علم الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر في
وجه من جهة الطب لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار على هذا العدد الذي هو سبع، ولا
على الاقتصار على هذا الجنس وهو العجوة، ولعل ذلك كان لأهل زمان النبي صلى الله
عليه وسلم خاصة أو لأكثرهم، إذ لم يثبت عندي استمرار وقوع الشفاء بذلك في زمننا
غالبا، وإن وجد ذلك في الأكثر حُمل على أنه أراد وصف غالب الحال”[27].

إن المازري اكتفى بتخصيص الحديث في زمن النبي صلى الله عليه
وسلم ، أما ابن حجر فقد ذكر عدة خصوصيات عن العلماء، منها ما ذكره عن القاضي عياض
أن ذلك خاص بعجوة العالية، وبما بين لابتي المدينة، وأنه خاص بأهل المدينة في ذلك
الزمن[28]، ومنهم من خصص معالجته بعض السموم، وأما القرطبي فقد خصصه بتمر المدينة،
ومعالجة السموم والسحر، ولكن أشكل عليه هل هو خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ؟
فكان جوابه “ويرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة فمن جرب ذلك فصحّ معه، عرف
أنه مستمر وإلا فهو مخصوص بذلك الزمان”[29]، واستشكل ابن حجر لماذا سبع
تمرات؟ وكان الجواب لسرٍّ فيها، ومنهم من عالج ذلك طبيا بأن التمر يرفع حرارة
الجسم والسم يقتل الإنسان بفرط برودته، ويعترض القرطبي على هذا المبرر؛ لأنه يحذف
جميع الخصوصيات التي ذُكرت، رغم أنه لا دليل عليها، ويصلح بكل تمر في كل زمان[30]،
وعلّل ابن القيم بعلة أخرى، فجعل لبعض عجوة المدينة منافع من حيث قوتها وليونتها
ولذتها، ومع ذلك يطلق الحكم في التمر، ويقول: “هو من أكثر الثمار تغذية
للبدن، بما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الدود، فإنه مع
حرارته فيه قوة ترياقية، فإذا أديم استعماله على الريق، جفف مادة الدود وأضعفه
وقلله أو قتله”[31]. ومن ثم يرجح ابن القيم أن العدد سبعة هو من باب الوحي،
وهو تقدير إلهي، فقد جعل السماوات سبعة والأرضين سبعة، والأيام سبعة…”.[32]

وهذا الكلام أيضا ينقض جميع تلك الخصوصيات، بل ويخصص معالجة التمر لبعض السموم
الناتجة عن ديدان إذا صح تسميتها سما أصلا، وهذا خلاف ظاهر الحديث، ومع ذلك فإن
ابن حجر لم يرجح قولا على عادته، وقد استنكر على ابن القيم وغيره تلك الاحتمالات،
وينهي شرحه للحديث بسؤال محرج: “وعلى تقديم التسليم في السم فماذا يصنع في
السحر؟”[33].

أما في العصر الحديث فقد انهالت الشتائم على من تسرع برد
هذا الحديث بالحس والطب[34] واحتج من دافع عنه بانتظار المستقبل، ليكشف لنا أن
التمر يعالج السم والسحر؛ لأنه إلى اليوم لا توجد مخابر راقية تكشف خواص العجوة،
وكان ردهم على من رد الحديث، بأنه هل ثبت له بالتجربة أن معنى الحديث باطل؟ وهذا
السؤال يجب أن يكون عكسيًّا، إذ إن من رد الحديث عن طريق التجربة لا يؤمن به حتى
يجربه، أما من سلّم بصحته، فبدل أن ينتظر المخابر الراقية لمعرفة خواص العجوة،
عليه أن يثبت لكل من تراوده نفسه أن يكون هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، بأن
يباشر ويتصبح بعجوة المدينة ويحتسي سما قاتلا، ويظهر النتيجة المعجزة![35].

ولكن المفارقة أن النبي صلى الله عليه وسلم -ضمن أحاديث الطب عند البخاري- قد
اخترق الساحرُ عصمته التي أثبتها نص القرآن ]وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ[
{المائدة: 67} وسحره لبيد بن أعصم[36]، وكانت علامة سحره كما نُسب إلى عائشة رضي
الله عنها أنه كان يُخيل إليه أنه يأتي النساء وفي الحقيقة لا يأتيهن! إلا أن محل
الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمل بمقولته ليحترس من سحرته، أو لم يؤثر
به تمر المدينة حيث كان غذاءهم الرئيسي[37].

إن هذه الأمثلة وغيرها كثير؛ قد تدعو للتساؤل: كم كان النبي صلى الله عليه وسلم
يمارس مهنة الطب مع أصحابه؟ إذا كانت مهمته تبليغ الرسالة؟.

3- أحاديث العدوى:

ولكن هل يمكن أن ننسب للنبي صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث التي قد تبرأ منها
رواتها من الصحابة، وقد وقع تنافر فيما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم
مستخدمين سلاح التأويل الذي قد فقد كثيرا من شروطه عند استعماله، ومثال ذلك:

ما رواه أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهما وغيرهما “لا عدوى ولا طِيرة ولا
هامة ولا صفر”

والثاني ما رواه أبو هريرة أيضا: ” لا يُورِدنَّ مُمرِض على مُصِحّ” .

أما الحديث الأول فمروي عن عدد من
الصحابة، ففي الصحيح: مروي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر
رضي الله عنهم [[38، أما الحديث الثاني فهو مروي فقط عن أبي هريرة[39].

ومحل الشاهد هنا هو أن الحديث الأول ينفي أن يكون هناك عدوى، بينما يثبت الآخر
العدوى وقد رفع ابن الصلاح وغيره هذا التناقض بأن وجه الجمع بينهما، أن هذه
الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا
لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك بسببه كما في سائر الأسباب، وأن النبي صلى الله
عليه وسلم قصد نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن ذلك يعدي بطبعه، أما في
الحديث الثاني فقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جعل ذلك سببا لذلك وحذر
من الضرر الذي يغلب وجوده بفعل الله سبحانه وتعالى[40].

هكذا ارتأى ابن الصلاح الجمع بين هذين الحديثين، دون النظر إلى اختلاف الروايات
واضطرابها، ولو كان الأمر كما ارتأى؛ لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يوضح
للصحابة أن كل شيء عبارة عن سبب ومسبب، وقد يتخلف السبب عن المسبب إذا شاء الله عز
وجل، فقد جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، إلا أن تخصيص العدوى بتلك الحكمة
لا دليل عليها، وخصوصا قد رُوي حديث أبي هريرة وحده من عدة وجوه بين زيادة ونقص،
منها: “لا عدوى ولا صفر ولا هامة”، ومنها “لا عدوى ولا هامة ولا
نوء ولا صفر”، ومنها “لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم
كما تفر من الأسد”، وهذه الرواية الأخيرة ينقض آخرها أولها، إذ أول الحديث
يثبت لا عدوى، ونهايته يأمر بالفرار من المجذوم خشية العدوى[41].

وللحديث شواهد أخرى لا تقل اضطرابا عن حديث أبي هريرة،
فرواية ابن عمر هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا عدوى ولا طيرة
والشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة”، وأما رواية جابر فقال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : “لا عدوى ولا طيرة ولا غول”، وأما رواية أنس
أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل:
الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة” .

مع كل هذا الاضطراب في هذه الروايات، وخصوصا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ،
فإن للحديث علة أخرى اعتد بها المحدثون وغيرهم، وهي جحود أبي هريرة لحديثه الأول
“لا عدوى ولا طيرة..” واستنكرها أصلا، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو
راوي الحديث “وأنكر أبو هريرة الحديث الأول. قلنا: ألم تحدث أنه لا عدوى؟!
فرطن بالحبشية. قال أبو سلمة: فما رأيته نسي حديثا غيره”[42] .

“وقال الحارث بن أبي ذباب وهو ابن عم أبي هريرة: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة
تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم “لا عدوى”، فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك، وقال: “لا
يوردنّ ممرض على مصح”، فما رآه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن
بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا ، قال أبو هريرة : قلت أبيت، قال
أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“لا عدوى” فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر”[43].

واللافت للنظر أن أبا هريرة قد ذُكّر مرتين في حديثه لا
عدوى، مرة من أبي سلمة، ومرة من الحارث، وقد كان جوابه لهما بأن رطن بالحبشية فقط،
وكان الأولى في كلتا الحالتين هو حل الإشكال وبيان ما وقعا به من وهم، وذلك بناء
على صحة الحديث، وقد حمل أبو سلمة إنكار أبي هريرة على أنه إما نسي أو أنه نسخ،
أما أنه نسي فهذا لا يصح بحقه عند المحدثين لكون النبي صلى الله عليه وسلم دعا له
بالحفظ وألا ينسى أبدا[44]، وأما النسخ فإنه لا يقبل في مجال الطب والعلم، ولا
يثبت بالاحتمال -كما سيأتي- ، ويشترط به معرفة التاريخ وقد تعذر ذلك، وقد رواهما
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الحديث إشارة إلى أن الرواة لم يحاجوا
أبا هريرة أو يذكّروه بالشواهد الأخرى التي رويت عن ابن عمر وجابر وأنس رضي الله
عنهم ، ولفتة أخرى فقد ورد أنه نُقل إلى عائشة رضي الله عنها حديث الشؤم على لسان
أبي هريرة رضي الله عنه فقط، واستنكرته وغضبت غضبا شديدا وقالت: “ما قاله،
وإنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك”[45]، واللافت هنا أنه قد
نسب إلى أبي هريرة وحده ، رغم ما ذكرنا من شواهد أخرى عن بقية الصحابة والتي قد
تشفع له أمام عائشة.

أما ابن قتيبة فقد حمل نفي العدوى على من يعتقد أنه أصابه
مكروه من المرأة أو الدار لكونها تعدي بالشؤم، فيقول: “أعدتني بشؤمها”،
إلا أنه في نفس الوقت ينكر حديث أبي هريرة “الشؤم في المرأة والدار
والدابة” ويتهم أبا هريرة بالغلط، وأنه لم يعِ كلام النبي صلى الله عليه وسلم
[46]، ويرد عليه أن حديث الشؤم مروي عن ابن عمر وهو بنفسه أيضا يناقض آخره أوله إذ
قال: “لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة”،
فالشؤم هو التطير، فهو يثبت التطير في ثلاث وينفيه بالإطلاق من جهة أخرى، مع العلم
أن جابرًا يثبت الشؤم بأمور أخرى إذ يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس” فخرجت المرأة
والدار”[47]، وحديث جابر جاء على سبيل الافتراض أي إن وقع ففي هذه الثلاث،
وكذا رواية عن ابن عمر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن يكن من
الشؤم شيء حقا ففي الفرس والمرأة والدار”[48]، وهذا ما ذهب إليه الطحاوي
فقال: “فلم يخبر أنها فيهن، وإنما قال: إن تكن في شيء ففيهن، أي لو كانت تكون
في شيء لكانت في هؤلاء فإذا لم تكن في هؤلاء الثلاثة فليست في شيء”[49]، وهذا
التأويل يصان عنه النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من نسبة العبث إليه، ويدحض هذا
التأويل الروايات الأخرى المثبتة “إنما الشؤم…” ، وهي تفيد الحصر
والتأكيد.

وذهب ابن حجر إلى أن الأولى في الجمع بين الأحاديث أن يقال:
إن نفيه للعدوى باقٍ على عمومه، بدليل قوله “فمن أعدى الأول؟”[50]، يعني
أن الله تعالى ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول، وأما الأمر بالفرار من
المجذوم فمن باب سد الذرائع!، لئلا يتفق للشخص الذي يخلطه شيء من ذلك بتقدير الله
تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة
العدوى[51]. ولكن يرد عليه ما ورد على دليل ابن الصلاح، فالعدوى سبب من الأسباب
التي جعلها الله للمرض، وليست العدوى حتمية لكل من خالط المريض، ولكن العادة
والأعم الأغلب تشهد لذلك، ومن ثم كيف أن الأصل لا عدوى، وقد ثبتت بالحس والمشاهدة
والعلم؟[52].

وقد وجد ابن قتيبة مخرجًا آخر في الجمع بين الحديثين، بأن نفى العدوى على العموم،
وأثبتها في الجذام ونحوه، وأثبت الجذام من باب المخالطة وطول المجالسة لا من باب
العدوى، وأن الأطباء لا يريدون معنى العدوى عندما يأمرون بعدم مجالسة المسلول
والمجذوم، وإنما يريدون به تغير الرائحة التي قد تسقم من أطال اشتمامها، ولكن هذا
يتنافى مع قوله صلى الله عليه وسلم : “وفِرّ من المجذوم فرارك من الأسد”
فتخيل كم تكون سرعة من يهرب من أسد متوحش، مع العلم أن كلامه لا يستقيم مع الطب؛
لأن كثيرًا من الأمراض حاليا تعدي لمجرد اللقاء ولو لحظة، وما الفرق بين الرائحة
التي تسقم فيعل بها، والمرض الآخر الذي يعدي؟ إلا إذا جاز عنده: أنه تصح العدوى
إذا اختلفت العلة، ولا تصح في نفس العلة! ونلاحظ أن ابن قتيبة في جميع هذه
التأويلات والاحتمالات، لم يراعِ جميع الروايات، ربما لصعوبة ذلك وعسرها.

* الأحاديث بين مناقضة بعضها ومناقضة العلم :

وأخيرا: إن التسرع في رد الأحاديث من جهة مخالفة العلم: فيه
تعسف ولا شك، ولكن ما ذكرناه من أمثلة لا يحمل على مخالفة العلم فحسب، بل على
تضارب الأحاديث مع بعضها من جهة، ومخالفتها للعلم من جهة أخرى، وما ذكره الشراح من
تخصيص وتقييد للأحاديث يفتقر إلى دليل، وما لجأ الشراح لذلك إلا بعد أن خالف
الحديث الحس المشاهد والعلم التجريبي، وبالتالي لا بد من أن نعيد النظر فيما نسب
إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض ذلك، وتنزيهه عن أن يتكلم بما يناقض العلم،
وقد أخذت بعض تلك الأحاديث الطبية صفة اللزوم والعقيدة ولا يمكن إخراجها من دائرة
الوحي كما أراد ابن خلدون مثلا، وإن منهج الصحابة في الاحتياط وسد الذريعة في
تقليل الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من أجل عدم نسبة ما لا يجوز بحقه إليه
لهو الأكمل والأحوط والأورع في حق نبينا صلى الله عليه وسلم .

———————————–

[1] وقد ذكر ابن القيم أمثلة كثيرة على وضع أحاديث في مجال الطب والحس، فمن ذلك:
“الباذنجان لما أكل له _ وفي رواية _ شفاء من كل داء”، ومن ذلك ثلاثة
تزيد في البصر: “النظر إلى الخضرة والماء الجاري والوجه الحسن” ومن ذلك
“الهريسة تشد الظهر” ومن ذلك “أكل السمك يوهن الجسد” ومن ذلك
“المؤمن حلو يحب الحلاوة”، ومن ذلك كلوا التمر على الريق فإنه يقتل
الدود”. انظر:المنار المنيف:51، و61، و64.

[2] انظر: المنار المنيف: 51، و59، و64، 76.

[3] الخطيب، الكفاية: 17.

[4] الشيرازي، اللمع: 82 ، وانظر: آل تيمية، المسودة: 241.

[5] انظر: الشافعي، الرسالة: 399 .

[6]قال ابن الصلاح: ” ومتى كان المتن غير صحيح فمحال
أن يكون له إسناد صحيح على الشرط المذكور، لأن من الشرط المذكور، أن لا يكون شاذا
ولا معللا، والذي أوردتموه لا بد أن يكون في إسناده شذوذ أو علة تعلله، ولذلك لا
يصح به المتن فإن أطلق عليه أنه إسناد صحيح فلا بالتفسير الذي ذكرته، بل بمعنى أن
رجال إسناده عدول ثقات…” فتاوى ومسائل ابن الصلاح في التفسير والحديث
والأصول والفقه:1/175، مكتبة العلوم والحكم عالم الكتب، بيروت، ط1، 1407هـ، تحقيق:
موفق عبد القادر.

[7] فتح المغيث: 15، وذكر العراقي مقابل ذلك أنه لا يمكن الجزم بأن الحديث الضعيف
موضوع، وإنما لم تتوفر فيه شروط الصحة، لا أنه كذب في نفس الأمر لجواز صدق الكاذب
وإصابة من هو كثير الخطأ، انظر: ن م: 16.

[8] انظر: مقدمة ابن خلدون: 546.

[9] بوكاي، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم: 208-209. وانظر أحمد (قاسم ) العودة
إلى القرآن: 130، مكتبة مدبولي الصغير، مصر، ط 1، 1997م.

[10] انظر: بوكاي، م س: 209.

[11] انظر: أمين (أحمد)، ضحى الإسلام: 2/131، دار الكتاب العربي، بيروت، ط10، د ت.

[12] انظر: الصباح، الحديث الصحيح : 228.

[13] فتح الباري: 10/145.

[14] ذكر بوكاي أن أحاديث الطب عند البخاري معظمها أحاديث ظنية، وأنها من أمور
الدنيا، ليس لها علاقة بالوحي، ويلاحظ بوكاي أن أحاديث الطب تعبر عن إمكانيات عصر
النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان هو الأصلح في زمن النبي.. انظر له: التوراة
والإنجيل والقرآن والعلم: 210.

[15] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الحبة السوداء: 5 / 2153، ر5363، صحيح مسلم
كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء: 4 /1735،ر 2215.

[16] انظر: فتح الباري: 10/145، أما في الطب الحديث فقد
ارتأى بعض الأطباء تعميم الحديث لأن لفظة شفاء نكرة، ولا يصح التخصيص إلا بقرينة،
ويكون معناه: أن في الحبة السوداء نسبة من الشفاء في كل داء، يقل ويكثر بحسب
المرضى. انظر: أحمد القاضي، وأسامة قنديل، أوجه الإعجاز العلمي في عالم النحل _…
_ الحبة السوداء: 110، هيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي،
مكة، د د، د ط، د ت. ونتساءل هنا هل هذه الخاصية موجودة فقط في الحبة السوداء؟،
وإذا كان كذلك فهل نسبة الشفاء التي فيها تكفي للقضاء على الداء وشفاء المريض
تماما؟، وإذا كان الجواب لا، فما معنى أن يحيل النبي صلى الله عليه وسلم إليها
بهذا التعميم؟!.

[17] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاثة: 5/2151، ر5356، صحيح مسلم،
كتاب السلام باب لكل داء دواء واستحباب التداوي: 4/1729، ر2204.

[18] فتح الباري: 10/139.

[19] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الحجامة من الداء: 5/2156، ر5371.

[20] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الدواء بأبوال الإبل: 5/2153، ر5362. صحيح
مسلم، كتاب القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين: 3/1296،ر1671.

[21] قال ابن الأثير: “الجوى: وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم
يوقفهم هواؤهم واستوخموها ويقال اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة
” النهاية في غريب الحديث: 1/318.

[22] انظر: فتح الباري: 1/338-339.

[23] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب التلبينة للمريض: 5/2145، ر5365، قال ابن
حجر:” التلبينة: طعام يتخذ من دقيق أو نخالة وربما جعل فيها عسل، وسميت بذلك
لشبهها باللبن في البياض والرقة ” ن م: 9 /550.

[24] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب السعوط بالقسط الهندي
والبحري: 5/2155، ر5368، ويصف النبي أيضا للعين الكمأة فيقول من حديث سعيد بن زيد
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:”ثم الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين
“، صحيح البخاري، كتاب الطب، باب المن شفاء للعين: 5/2159، ر5381.

[25] انظر: ابن حجر، فتح الباري: 10/168.

[26] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الدواء بالعجوة للسحر: 5/2176-5177،ر5435-5436.

[27] ابن حجر، فتح الباري: 10/239.

[28] وقد رد النووي على القاضي عياض والمازري، واعتبر الحديث من باب العبادات التي
نسلم بها دون معرفة الحكمة من ذلك، انظر: شرح مسلم: 14/3.

[29] ابن حجر: م س: 10/240.

[30] انظر: ن م: 10/240.

[31] ابن القيم الجوزية(محمد بن أبي بكر)، الطب النبوي:225، دار الفكر، بيروت،
تحقيق: عبد الغني عبد الخالق

[32] انظر: ابن القيم، ن م: 225-226.

[33] فتح الباري: 10/239-240.

[34] لقد رد هذا الحديث أحمد أمين، لأن التجربة دلت على أنه غير صحيح، انظر: أمين
(أحمد)، فجر الإسلام: 2/218،دار الكتاب العربي، بيروت، ط10،1969م، وقد انتقده معظم
المعاصرين، واتهموه أنه يهدم السنة.

[35] انظر: محمد عجاج، السنة قبل التدوين 258، وصباح، الحديث الصحيح: 238.

[36] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب هل يستخرج السحر: 5/2175، ر5432.  

[37] وقد عرض بعضهم مخالب لهذا الحديث من جهة المتن تؤثر
على الدين كله: فقالوا هذا الحديث يوافق دعوى المشركين ويصدقهم في قولهم أنهم
يتبعون رجلا مسحورا، وهذا يزيل الثقة بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وقالوا السحر من عمل الشيطان، ويؤثر على النفوس الشريرة الخبيثة، أما من تحصن
بعبادة الله كالأنبياء فليس للشيطان ولا للشريرين عليهم من سلطان. انظر: الإدلبي،
منهج نقد المتن: 255-257، وقد تعرض له عبد الرحمن المعلمي وتكلم فيه من حيث رفعه
ووقفه، وسكت عن متنه ومشكله، وقد صرح أنه حديث مشكل، وانتقده من باب تدليس الصحابة
فقط، رغم إقراره أن تدليسهم ليس بعلة. انظر: الأنوار الكاشفة: 160، و229.

[38] صحيح مسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا
غول ولا يورد ممرض على مصح، وباب الطيرة والفأل ما يكون فيه من الشؤم:4/ 1742-
1746،ر2220-2227 وصحيح البخاري، كتاب الطب، باب الجذام، باب الطيرة باب الفأل، باب
لا هامة ولا صفر، باب لا هامة: 5/ 2158،و2171، و2177، ر5380،ر5421-5425، ر5437.

[39] صحيح مسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا
غول ولا يورد ممرض على مصح: 4/1743، ر2221، والبخاري، كتاب الطب، باب لا هامة:
5/2177، ر5437.

[40] انظر: مقدمة ابن الصلاح: 285، وهو ما ذهب إليه عدد من العلماء، انظر: النووي،
شرح مسلم: 14/213-214 ، وابن حجر، فتح الباري: 10/160.

[41] وروى مسلم “عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال كان في وفد ثقيف رجل مجذوم
فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم إنا قد بايعناك فارجع”، كتاب السلام،
باب اجتناب المجذوم ونحوه: 4/1752، ر2231، ولم يروه البخاري.

[42] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة: 5/2177، ر5437.

[43] صحيح مسلم، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد
ممرض على مصح: 4/1743، ر2221.

[44] انظر: ابن حجر، فتح الباري: 1/207.

[45] رواه أحمد، المسند: 6/150 و240، ر25209 ور26076 ، ورواه الطحاوي، شرح معاني
الآثار: 4/314، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:” ورجاله رجال الصحيح “:
5/104.

[46] انظر: تأويل مختلف الحديث: 104-105.

[47] رواه مسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل ما يكون فيه من الشؤم: 4 / 1748،
ر2227.

[48] رواه مسلم، نفس الكتاب والباب: 4/ 1747، ر2225.

[49] الطحاوي، شرح معاني الآثار: 4/314 .

[50] انظر سبب وروده: ابن حمزة الحسيني (إبراهيم بن محمد)، البيان والتعريف في
أسباب ورود الحديث الشريف: 3/33، دار سحنون، تونس، د ط، د ت.

[51] انظر: نخبة الفكر: 74.

[52] انظر: الأخزوري (أبو بكر)، صحة الأبدان في الإسلام: 167، أطروحة دكتوراة
مرحلة ثالثة، جامعة الزيتونة،1985.

ــــــــــــــــــــــــــــ

إضافة للملف من موقع آخر :

http://www.islamset.com/arabic/ahip/islamic/nabawi/ashkar.html

مدى الاحتجاج بالأحاديث النبوية في الشؤون الطبية والعلاجية

للدكتور محمد سليمان الأشقر

الكويت

الفصل الأول : في الأحاديث الواردة في الشؤون الدنيوية بصفة عامة

الأصل في أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته أنها حجة شرعية
على عباد الله ، إن ثبتت بطريق صحيح . وقد تكفل ببيان ذلك والاستدلال له علم أصول
الفقه.

وهذا واضح كل الوضوح فيما كان من ذلك مبينا لأمور الدين، كالإيمان بالله تعالى
وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر،
وكالأحاديث المبينة لأحكام الله تعالى من الحلال والحرام والفرائض وأنواع التعبدات
والمعاملات وغيرها من أمور الشريعة.

أما ا الأمور الدنيوية، فهل يلزم أن تكون اعتماداته وأقواله: صلى الله عليه وسلم
فيها مطابقة للواقع بمقتضى نبوته ، أو أن هذا أمر لا صلة له بمنصب النبوة؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين :

المذهب الأول: أنه صلى الله عليه وسلم معصوم من خطأ
الاعتقاد في أمور الدنيا، بل كل ما يعتقده في ذلك فهو مطابق للواقع، وكذلك ما
يقوله ويخبر به.

ولم نجد أحدا من قدماء الأصوليين صرح بمثل هذا المذهب.

ولكنه لازم لمن جعل جميع أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم حجة حتى في الطيبات
والزراعة ونحوها. وهو لازم أيضا لمن صحح منهم أن تقريره صلى الله عليه وسلم لمخبر
عن أمر دنيوي يدل على صحة ذلك الخبر، كما فعل السبكي وأيده المحلي والبناني.

وابن القيم في كتابه (الطب النبوي) يذهب إلى حجية أقواله وأفعاله صلى الله عليه
وسلم في الطب. وقال : طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي ، صادر عن
الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل.

ويظهر أن هذه طريقة المحدثين. فإنا نجد عند البخاري مثلا هذه الأبواب (باب السعوط)
(باب أي ساعة يحتجم) (باب الحجامة في السفر) (باب الحجامة على الرأس) (باب الحجامة
من الشقيقة والصداع) وعند غيره من المحدثين ، كأصحاب السنن، تبويبات مشابهة.
ويوافقهم الشراح غالبا على ذلك ، فيذكرون استحباب أدوية معينة لأمراض معينة، بناء
على ما ورد في ذلك أن الأحاديث النبوية.

المذهب الثاني: أنه لا يجب أن يكون اعتقاده صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا
مطابقا للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلا أو كثيرا ، بل قد يصيب غيره
حيث يخطيء هو صلى الله عليه وسلم.

قالوا: وليس في ذلك حط من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به
، لأن منصب النبوة مُنصب على العلم بالأمور الدينية ، من الاعتقاد في الله
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومن الأمور الشرعية. أما إن اعتقد أن فلانا
مظلوم فإذا هو ظالم، أو أن دواء معينا يشفي من مرض معين، أو أن دواء معينا يشفي من
مرض معين ، فإذا هو لا يشفى منه ، أو أن تدبيرا زراعيا أو تجاريا أو صناعيا يؤدي
إلى هدف معين، فإذا هو لا يؤدي إليه، أو يؤدي إلى عكسه، أو أن تدبيرا عسكريا أو
إداريا سينتج مصلحة معينة ، أو يدفع ضررا معينا ، فإذا هو لا يفعل ، فإن ذلك
الاعتقاد لا دخل له بالنبوة ، بل هو يعتقده من حيث هو إنسان، له تجاربه الشخصية،
وتأثراته بما سبق من الحوادث، وما سمع أو رأى من غيره، مما أدى إلى نتائج معينة.
فكل ذلك يؤدي إلى أن يعتقد كما يعتقد غيره من البشر، ثم قد ينكشف الغطاء فإذا
الأمر على خلاف ما ظن أو اعتقد.

وقد صرح بأهل هذا المذهب، دون تفاصيله، القاضي عياض ، والقاضي عبد الجبار الهمداني
المعتزلي والشيخ محمد أبو زهرة . وظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كغيره من
الناس في ذلك، بل فيه التصريح بأن أصحاب الخبرة في صنائعهم وتجاراتهم وزراعاتهم قد
يكونون أعلم منه بدقائقها، إلا أن القاضي عياضاً أوجب أن يكون الخطأ في ذلك نادراً
لا كثيرا يؤذن بالبلة والغفلة.

ويحتج لهذا المذهب بأدلة، منها:

أولا: حديث تأبير النخل. ففي صحيح مسلم عن رافع بن خديج ، أنه قال ” قدم
النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فإذا هم يأبرون النخل- يقول: يلقحون النخل-
فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه،
فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به،
وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر “.

وفي رواية طلحة، قال صلى الله عليه وسلم ” ما أظن ذلك
يغني شيئا ” فأخبروا بذلك، فتركوه. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
فقال: ” إن كان ينفعهم ذلك فيصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن،
ولست إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله “.

وفي رواية عائشة وأنس: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال:
لو لم يفعلوا لصلح. قال: فخرج شيصاً ، فمر بهم فقالوا : ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا
وكذا. قال: ” أنتم أعلم بدنياكم ” .

وشبيه به حديث ابن عباس في قصة الخرص ، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
” إنما أنا بشر، فما حدثتكم عن الله فهو حق ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما
أنا بشر أخطيء وأصيب “.

وقد زاد الاستدلال بهذا الحديث بأن المراد: أنتم أعلم بدنياكم من أمر دينكم .
ويكون توبيخا لهم .

وسياق الحديث على اختلاف رواياته يأبى هذا التأول ويبطله.

ثائيا: حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي لما قال: ” إنما أنا بشر، وإنكم
تختصمون إلى. ولعل بعضكم أدن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع،
فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار “.

وفي رواية الزهري للحديث المذكور ” إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم. فلعل
بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق ، فأقضي له بذلك “.

رأينا في ذلك:

نختار المذهب القائل بأن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله الدنيوية ليست
تشريعا، وذلك لأجل الأدلة الآتية:

ا- قوله تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى ) وقوله
(قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) وقد تكرر التأكيد في الكتاب على بشرية
الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لا يعلم الغيب وأنه ليحس ملكا، ومن المعلوم أنه
لما نبأه الله عز وجل، لم يمنعه من تصرفاته البشرية كما يتصرف غيره من الناس على
غالب الظنون والتقادير التي تخطيء وتصيب، ولا تعهد له بأن يمنعه من الخطأ في ذلك.
وهذا بخلاف أمور الشريعة، فإن كلامه فيها لا يستقر فيه خطأ، كما هو ثابت في علم
أصول الفقه. فالأصل استمرار حاله في أمور الدنيا كما كان قبل النبوة ، لما لم يدل
على انتقاله عن ذلك دليل.

وقد أكدت السنة النبوية ما بينه القرآن من ذلك. كما يأتي.

2- قوله صلى الله عليه وسلم ” إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بأمر دينكم فاقبلوه،
وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر ” وفي رواية: ” أنتم أعلم
بدنياكم ” وقد تقدم هذا الحديث.

وبهذا الحديث، برواياته المختلفة، يؤصل النبي صلى الله عليه وسلم أصلا عظيما في
الشريعة، ويبينه لنا، ويشعرنا بأن بعض أفراد الأمة قد يكونون أحيانا أعلم منه صلى
الله عليه وسلم بما يتقنونه من أمور الدنيا، والمقصود أهل الخبرة في كل فن وصناعة،
وأنه لا داعي شرعا لالتفاتهم إلى ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم من ذلك إلا كما
يلتفتون إلى قول غيره من الناس.

3- ما ذكر ابن إسحق في سيرته في سياق غزوة بدر، قال: حدثت
عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر، قال: يا رسول الله: أرأيت
هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي
والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله ، فإن هذا
ليس بمنزل، فانهض حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فنزله، ثم نغور ما وراءه من القلب،
ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسوله الله
صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي.

4- ما ورد في الحديث أن نفرا دخلوا على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم. قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته
له. فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرها
الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!؟ .

5- ما ورد عن هشام بن عروة، أن عروة بن الزبير كان يقول لعائشة ” يا أماه، لا
أعجب من فهمك ، أقول: زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت أبي بكر. ولا أعجب
من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس، أو من أعلم
الناس. ولكن أعجب من علمك بالطب ، كيف هو ومن أين هو؟ ” قال: فضربت على
منكبه، وقالت: ” أي عربة ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر
عمره، أو في آخر عمره. فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات
، وكنت أعالجها له “.

وممن صرح بهذه القاعدة بصفتها العامة، من الأصوليين القدامى القاضي عبد الجبار.

وصرح به حديثا الشيخ ولي الله الدهلوي ، والشيخ محمد أبو زهرة ، والشيخ عبد الوهاب
خلاف، والشيخ عبد الجليل عيسى ، والشيخ فتحي عثمان.

أما من حيث التفصيل فقد قال ابن خلدون: ” الطب المنقول
في الشرعيات من هذا القبيل (يعني طب البادية المبني على تجارب قاصرة) وليس من
الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي صلى الله
عليه وسلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك
النحو من العمل، فإنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث
لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع. فقال:
” أنتم أعلم بأمور دنياكم “. قال: ” فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب
الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا
إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون له أثر عظيم النفع، وليست
ذلك في الطب المزاجي ” .

وقال القاضي عياض في الشفاء: (فصل) فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسير بها على
أسلوبنا المتقدم بالاعتقاد والقول والفعل . فأما العقد بها أيعني اعتقادها، فقد
يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه، أو يكون منه على شك أو ظن، بخلاف
أمور الشرع .

ثم ذكر القاضي عياض حديث تأبير النخل، وحديث الخرص ، ثم
قال: وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها،
لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه وسنة سنها. ثم ذكر القاضي عياض حديث
ابن إسحاق في قصة غزوة بدر، وما أشار به الحباب بن المنذر على النبي صلى الله عليه
وسلم ، وأنه قال: ” أشرت بالرأي ” وفعل ما قاله. وقد قال الله تعالى له
صلى الله عليه وسلم ( وشاورهم في الأمر) ، وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث ثمار
المدينة، فاستشار الأنصار، فلما أخبروه برأيهم رجع عنه. قال القاضي عياض: فمثل هذا
وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها
يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور
اعتيادية يعرفها من جربها وجلها همه وشغل نفسه بها ، والنبي صلى الله عليه وسلم
مشحون القلب بمعرفة الربوبية ، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح
الأمة الدينية والدنيوية. ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر وفيما
سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة.
انتهى كلام القاضي عياض.

وقال شاه ولي الله الدهلوي: ” باب بيان أقسام علوم النبي صلى الله عليه وسلم:
اعلم أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ودون في كتب الحديث على قسمين: أحدهما
ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنه فانتهوا) فمنه علوم المعاد، وعجائب الملكوت، ومنه شرائع وضبط للعبادات
والارتفاقات الخ.

والقسم الثاني: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله صلى
الله عليه وسلم ” إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا
أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر ” وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير
النخل ” إني إنما ظننت ظنا ولا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا
فخذوا به فإني لم أكذب على الله ” قال: فمنه الطب ، ومنه باب قوله صلى الله
عليه وسلم : ” عليكم بالأدهم الأقرح ” ومستنده التجربة، ومنه ما فعله
صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة دون العبادة… وقول زيد بن ثابت حيث دخل عليه
نفر، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: كنت جاره. فكان
إذا نزل عليه الوحي بعوث إلي ، فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا
ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم؟!

وقال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ” تاريخ المذاهب الإسلامية ” في شأن
حديث تأبير النخل ” الحديث يتعلق بالصناعات وفنون الزراعة، وتثمير الأشجار،
فهل يتصور أن النبي يمكن أن يكون حجة وذا خبرة في فنون الزراعة والتجارة، وصناعة
الزجاج والجلود، ونسج الأقطان والحرير، وغير ذلك مما يتعلق بالمهن المختلفة!؟ إن
كانوا يتصورون ذلك، فقد خلطوا خلطا كبيرا، ولن يميزوا بين رسول جاء بشرع من
السماء، وصانع ذي خبرة فنية، وتاجر عالم بالأسواق.

إن الحديث وارد في مثل موضوعه، وهو تأبير النخل وغيره من الصناعات والزراعات
ونحوها، فما كان الرسول مبعوثا لمثل هذا، والتشريع فوق هذا، وهو الذي جاء به النبي
” ا هـ كلام الشيخ أبي زهرة.

والأمور الدنيوية التي هذا سبيلها، ووردت فيها أحاديث نبوية، هي على ثلاثة أنواع:

النوع الأول:

الأمور الغائبة عنه صلى الله عليه وسلم مما شأنه أن يعرفه
من رآه أو سمع به، ولا يعرفه الإنسان المعتاد بمجرد الفكر، كمعرفة ما في بيت مغلق،
أو معرفة ما يجري في مكان بعيد من أرض الله. فهذا من علم الغيب، لا يعلمه إلا
الله، لقوله: (قل يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) وقوله (قل لا أقول
لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ) فلا يعلم النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك
إلا بطرق المعرفة المعتادة، ما لم يخبرنا أن الله أطلعه عليه،) وأوحى إليه به. كما
ورد أن ناقة نبيئ الله صلى الله عليه وسلم ضلت فخرج بعض أصحابه يبحثون عنها. فقال
بعض المنافقين: يزعم محمد أنه نبي ولا يدري أين ناقته؟! فلما علم بذلك النبي صلى
الله عليه وسلم

: ” إني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وإن الله قد دلني عليها. وهي في
هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حسبتها شجرة بزمامها ” فذهبوا فأتوا بها.

النوع الثاني:

أمور البشر وأسرارهم، وما في قلوبهم ، وما عملوا في حال
غيبتهم، فلا يعلم النبي قال ذلك بغير اطلاع خاص من الله تعالى، كما أطلعه على حال
بعض المنافقين. ثم قد يعتقد الشيء من ذلك الذي لم يوح إليه به على غير ما هو عليه.
قال القاضي عياض: أما ما يعتقده في أمور البشر الجارية على يديه وقضاياهم، ومعرفة
المحق من المبطل، وعلم المصلح من المفسد ، فكذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم إنما
أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على
نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة
من النار ” وفي رواية الزهري عن عروة. ” فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من
بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له ” وكان يجري أحكامه صلى الله عليه وسلم على
الظاهر وموجب غلبة الظن، بالشاهدين، أو يمين الحالف، أو مراعاة الأشبه، أو معرفة
القرائن. ولو شاء الله لأطلعه على سرائر عباده ومخبات ضمائر أمته، ولكته غيب عنه
ذلك.

النوع الثالث:

ما يدخل من أمور الدنيا ضمن ما يسمى العلوم البحتة والعلوم التطبيقية، وهي ما
يفعله الإنسان بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال، له أو لغيره، أو دفع ضرر كذلك،
أو يدبر تدبيرا في شأنه خاصة، أو شؤون المسلمين عامة، لغرض التوصل إلى جلب نفع أو
دفع ضرر.

ويشمل هذا النوع الأضرب التالية:

الضرب الأول: الأمور الطبية، وهي ما يجريه على بدنه خاصة، أو أبدان غيره من الناس
بقصد دفع مرض حاضر أو متوقع.

فقد تناول النبي صلى الله عليه وسلم، أو أعطى غيره، أو وصف له، أطعمة وأشربة
متنوعة على سبيل حفظ الصحة، أو لدرء أمراض معينة، كألبان الإبل وأبوالها .

وكذلك تعاطى أو أعطى أنواعا مختلفة من العلاج، فقد احتجم
واستعط، وكانت حجامته في وسط رأسه، وكانت حجامته من شقيقة كانت به. ولما اشتد به
وجعه أهريق عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، ولما جرح بأحد ألصق على جرحه رماد
حصير ليرقأ الدم . وداوى بريقه مع تراب . ورفض أدوية معينة كاللدود .

الضرب الثاني: شؤون الزراعة، بأن يزرع الإنسان أنواعا معينة من النبات، أو يزرع
بطريقة ما، أو يسقي المزروعات كذلك، أو يفعل بالنبات شيئا بقصد تكثير إنتاجه أو
تحسينه أو نحو ذلك.

وشبيه بها ما يفعل بالحيوان بقصد تكثير إنتاجه وتحسينه، كإطعامه أعلافا معينة، أو
المزاوجة بين سلالات منه مختلفة بقصد الحصول على نسل أجود.

الضرب الثالث : الصناعة ، بأن يصنع الإنسان بمادة شيئا ما بقصد تحويلها إلى شكل ذي
أوصاف مخالفة لشكلها الأول ، لتكون أنفع، أو يحلل مادة ما إلى حالات أبسط، أو يركب
مادة مع مادة بقصد الحصول منهما على مادة جديدة ، هي أنفع من الأصل.

الضرب الرابع: التجارة، بأن يعمل في البيع والشراء، في أشياء معينة، في ظروف معينة
، بقصد تحصيل مكسب عن فروق الأسعار.

الضرب الخامس : أنواع أخرى من المكاسب كرعي الغنم، أو العمل للغير بأجر.

الضرب السادس: مثل التدابير الفنية التي اتخذها صلى الله عليه وسلم في الحرب، من
استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام، وتربية الخيل للقتال، وحفر الخنادق،
وترتيب الجيوش وتدريبها.

الضرب السابع : مثل التدابير التي اتخذها صلى الله عليه وسلم في الإدارة المدنية،
من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجاب والسفراء ، وكذلك الأعلام والشعارات،
والمرافق من الطرق والحصون وغيرها.

فهذه الأضرب وأمثالها قد وقع من النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من أفرادها ونقل
إلينا أشياء من ذلك.

والنظر في الأحكام التي يمكن أن تدل عليها مثل تلك الأحاديث من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أصل الطب والزراعة والصناعة والتجارة والقصد
إلى تحصيل المكاسب، والسعي لتحقيق التدابير المدنية والعسكرية المناسبة، ونحو ذلك
: تعتبر أقواله صلى الله عليه وسلم في ذلك حجة يجب اعتقادها واتباعها، ويستفاد من
الأحاديث القولية والفعلية في ذلك إباحته، وأنه لا يخالف العقيدة ولا الشريعة. وقد
يرتقي إلى درجة الاستحباب أو الوجوب، بحسب الأحوال الداعية إليه ودلالة نطقه في
ذلك.

وفي الحديث إشارة إلى ذلك حيث قال صلى الله عليه وسلم : ” ما أكل أحد طعاما
قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ”
فهذا في الصناعة، وقال: ” التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين يوم
القيامة ” فهذا في التجارة، وورد في الزراعة وغيرها أحاديث أخرى، وتأتي
الأحاديث التي تأمر بالتطبيب والعلاج .

الوجه الثاني: إرشادات وتوجيهات شرعية في ممارسة تلك الأعمال، كتجنب البول وقضاء
الحاجة تحث الشجر المثمر، ووجوب إحسان الذبح، وتحديد الشفرة، لئلا يتعذب الحيوان
المذبوح، وإمكانية استعمال المنجنيق في الحرب، وتجنب قتل النساء والأطفال فيها،
ونحو ذلك، فهذا شرع يؤخذ كما يؤخذ غيره من الشرع في العبادات ونحوها.

الوجه الثالث: الأمر الذي عمله بخصوصه ، هو مباح له، وقد يكون مستحبا له، أو واجبا
عليه، لاعتقاده صلى الله عليه وسلم أنه هو المؤدي إلى غرض مستحب أو واجب. ولكن هل
يكون حكم مثله بالنسبة إلينا كذلك؟ كما لو شرب دواء معينا لعلاج مرض معين، فهل
يستحب لنا شرب ذلك الدواء لذلك المرض مثلا، أو يجب، بل هل يباح بناء على ذلك أم
لا؟

هذا ينبني على القاعدة التي سبق تحريرها، وقد رجحنا فيها
قول من قال من العلماء إن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله في ذلك الباب ليست
حجة، ولا يلزم الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية
للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو بشر ، وما قد سمع به من أهل التجربة والمعرفة،
وكثيرا ما تكون تلك المعرفة والتجربة صحيحة، ولكن احتمال الخطأ قائم، كما قال صلى
الله عليه وسلم ” إنما أنا بشر أخطىء وأصيب “.

وأحب أن أنبه هنا إلى أنه إذا نص القرآن على أمر دنيوي فهو حق لا مرية فيه، لأنه
من الله تعالى الذي لا يخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.

فإذا كان الحديث النبوي في الشؤون الدنيوية استجابة لإرشادات القرآن التي تتعلق
بذلك الأمر، فيكون الفعل بيانا أو امتثالا للقرآن، ويحمل على الشرعي. ولعل خير
مثال على ذلك شربه صلى الله عليه وسلم العسل للتداوي ، فإن ذلك تطبيق لقوله تعالى:
( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) .

وشبيه بذلك ما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه فعله عن وحي من الله تعالى.

وأنبه إلى أمر آخر وهو أنه إذا تردد الفعل بين أن يكون دنيويا أو دينيا، حمل على
الديني، لأنه الأكثر من أفعاله صلى الله عليه وسلم . والله أعلم.

الفصل الثاني : في الأحاديث الواردة في شأن الطب والعلاج

بعد تأصيل القواعد العامة التي ذكرت في الفصل الأول، والتي تصدق على جميع الأحاديث
النبوية المتعلقة بالشؤون الدنيوية المختلفة ، نخص بالكلام الأحاديث الواردة في
الشؤون الطبية بالذات، بتطبيق القواعد السابقة عليها:

فنقول: إن الأحاديث المذكورة نوعان رئيسيان: أولهما: ما
يعتبر شرعا يتبع، ويعمل به، كسائر الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في
شؤون الاعتقادات والعبادات والمعاملات والأحكام المختلفة التكليفية والوضعية.
والثاني: مالا يعتبر شرعا، ولا يلزم العمل به، وسبيله سبيل الشؤون الدنيوية التي
تقدم بيانها، يعتبر قول النبي صلى الله عليه وسلم فيها كقول سائر الناس:

النوع الأول

وهو ما ورد من الأحاديث في الطب ويعتبر شرعا يتبع:

ويشمل فئات:

الفئة الأولى: أ- ما كان من الأحاديث الواردة في حكم أصل العمل بالطب والمعالجات
وتناول الأدوية.

فهذا النوع شرع يتبع، لأن الطمث فعل من أفعال المكلفين، والشرع جاء ليحكم أفعال
المكلفين ببيان ما يوجبه الله منها وما يحرمه، أو يستحبه أو يكرهه، أو يجيزه بلا
تفضيل لفعله على تركه ولا عكسه، وهي الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والمحرم،
والمستحب، والمكروه، والمباح، ولا يخرج عنها أي فعل من أفعال المكلفين.

وقد وردت في أصلى العمل بالطب أحاديث منها:

حديث الأمر بالتداوي، وأن الله تعالى ما أنزل داء إلا أنزل له دواء، غير داء واحد،
اختلفت الأحاديث في تعيينه، ففي بعضها: هو الهرم، وفي بعضها: هو الموت. فمن ذلك
حديث أسامة بن شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” يا عباد الله
تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم “. رواه
أحمد وأصحاب السنن الأربعة.

وحديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: ” إن الله لم ينزل داء
إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا السام، وهو الموت ” رواه
الحاكم. وبمعناه من حيث الجملة روى من طريق أنس ، وأبي هريرة، وأم الدرداء ، وابن
مسعود ، وجابر. ورواه البخاري من حديث أبي هربرة مرفوعا مختصرا هكذا ” ما
أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ” وفي صحيح مسلم من حديث جابر ” لكل داء
دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى ” وفي الموطأ مرسلا ”
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: أيكما أطب ؟ قالا: يا رسول الله، وفي الطب
خير؟ فقال: أنزل الداء الذي أنزل الدواء ” .

قال ابن حجر: في هذه الأحاديث الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله،
وفيها الإشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد ، وفيها إثبات الأسباب، وأن
العمل بالطب لا ينافي التوكل على الله، لقوله ” بإذن الله ” والتداوي لا
ينافي التوكل كما لا تنافيه سائر الأسباب، كدفع الجوع والعطش بالأكل والشرب،
وكتجنب المهلكات، وكالدعاء بطلب العافية، ودفع المضار، ونحو ذلك.

وقد أخرج ابن ماجه حديث أبي خزامة عن أبيه قال ” قلت: يا رسول الله، أرأيت
رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله
“.

ومثلها الأحاديث الواردة التي تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرض
يتداوى، وربما سأل الأطباء عن دواء مرضه، وكانت وفود العرب تصف له الأدوية، فكانت
عائشة رضي الله عنها تعالج له تلك الأدوية أي تمزجها وتهيئها، ومن ثم كان لها علم
بالطب. وكان إذا مرض غيره وصف له دواء، وربما أرشده إلى طبيب ليداويه، كما يعلم من
سائر الأحاديث الواردة في هذا البحث.

فكل ذلك يشير إلى أن الطب من حيث الأصل مشروع، والتداوي
مطلوب شرعا، فليس هو حراما ، ولا يخالف عقيدة الإسلام ولا شريعته. وذلك واضح من
القواعد الشرعية العامة أيضا، فإن الشريعة تأمر بالسعي في أسباب المصالح، ودرء
المفاسد، وتوقي الأضرار والمهلكات.

لكن هل التداوي في حيز الواجبات، أو حكم المستحبات، أو حكم المباحات ؟

حكم التداوي:

اختلف العلماء في حكم التداوي لمن به مرض:

فذهب الشافعية إلى أنه سنة، واحتجوا بالحديث المتقدم ” ما أنزل الله داء إلا
أنزل له دواء ” وقالوا: قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

قالوا: ولا نقول بوجوبه، لأنه لا يقطع بنفعه ، أي بخلاف الطعام والشراب لمن هو في
مخمصة وخشي الهلاك ، فإنه يجب عليه تناوله لأنه مقطوع بنفعه.

لكن قال الأسنوي من الشافعية : يحرك ترك التداوي في جرح يظن فيه التلف ونحو ذلك.
(44) أي لأنه لو كان جرحا بالغا وتركه ينزف لمات منه، وربط الجرح حينئذ نافع يقينا
أو شبه اليقين. وقد داوى النبي صلى الله عليه وسلم جرحه يوم أحد. غير أن بعض
الفقهاء، منهم النووي في شرح المهذب ، ادعوا أن ترك التداوي توكلا أفضل. وقال بعضهم:
التداوي لضعيف التوكل ، وترك التداوي لقوي التوكل أفضل.

وهذا لا يستقيم مع ما علم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم تداوى مرات كثيرة،
وأنه كانت وفود العرب ترد عليه، وتنعت له الأدوية ، فتصنعها له عائشة ، كما تقدمت
الرواية بذلك، وهو أقوى المتوكلين بلا شك. وقد قدمت قول ابن حجر إنه لا منافاة
أصلا بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل.

ولم يرد في القرآن فيما نعلم ما يفيد المنافاة المذكورة.

وورد في السنة في باب الطب حديثان ظاهرهما يفيد ذلك:

أولهما: حديث عمران بن حصين عند أحمد والبخاري ومسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه
وسلم ذكر سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قال : ” هم الذين لا
يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون “.

فهذا ظاهره أنهم تركوا التداوي بالكي توكلا على الله.

ولكن يحتمل أن صفة التوكل في الحديث ليست متعلقة بالأمور الثلاثة، وهي ترك
الاسترقاء والتطير والاكتواء، بل هي أمر رابع مستقل مضاف إلى الثلاثة، فلا تنافي
أصلا .

ويحتمل- وهو الأوجه – أنه لما كان الكي منهيا عنه ، لما فيه من التعذيب بالنار،
فقد أمرنا بتركه والبحث عما سواه من أنواع المداواة، مع التوكل على الله في أن
ييسر دواء آخر. قال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل
فيه ” لم يتوكل من اكتوى ” والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد، والعضو إذا
قطع، فهو الذي يشرع التداوي له. فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى ، لما
فيه من التعذيب بالنار لأمر غير محقق .

وثانيهما: حديث في الكي أيضا ، وهو ما رواه المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ” من استرقى أو اكتوى برىء من التوكل ” رواه أحمد والترمذي.
والقول فيه شبيه بما تقدم.

ونقل ابن حجر في موضع آ خر، بعض كلام من أوغل في هذا الباب، وادعى أن خواص
الأولياء الذين اشتد توكلهم لا يضرهم ترك الأسباب. وأن الأسباب وفوض وأخلص في ذلك
كان أرفع مقاما، أي ممن باشرها، وأن الذي يستحق اسم التوكل هو من لم يخالط قلبه
شيء، حتى من المع الضاري، والعدو، ومن لم يسع في طلب رزق، ولا مداواة ألم.

وعندي أن هذا من أعظم الانتكاسات التي طرأت على العقلية الإسلامية بتأثير ثقافات
الشعوب التي دخلت في الإسلام، والتي أدت إلى التواكل، والانصراف عن الأخذ بأسباب
الصحة والقوة والتقدم والنصر، اعتمادا على وضع فكرة التوكل في غير موضعها. وأصبح
ذلك في الأمة الإسلامية مرضا مزمنا عر علاجه، وأيس منه الأطباء، إلا من شاء الله
له أن يستمسك بالكتاب والسنة الصحيحة، عالما أن الحق كل الحق فيما ورد فيهما بعد
أن يفهما حق الفهم، والله المستعان.

وقد سأل رجل الإمام أحمد قائلا. إنه يريد أن يخرج من العراق
إلى مكة للحج بلا زاد، توكلا على الله. فقال الإمام أحمد للسائل : اخرج مع غير
القافلة. قال: لا أستطيع. فقال: إنك لم تتوكل على الله ، ولكن توكلت على أزواد
الناس.

ولذا قال ابن حجر رحمه الله ” الحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض،
لم يقدح في توكله تعاطي الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر صلى الله عليه
وسلم بين درعين، ولبس على رأسه المغفر ، وأقعد الرماة على فم الشعب ، وخندقا حول
المدينة ، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل
والشرب ، وأدخر لأهله قوت سنتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق
الخلق أن يحصل له ذلك. وقال للذي سأله: ” أعقل ناقتي أو أدعها ؟ ” قال
” اعقلها وتؤكل ” فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل . كلام ابن حجر.

وأنا ألتمس من كل من يذهب هذا المذهب المردود المرفوض، أن يدلني ولو على واقعة
واحدة ترك فيها النبي صلى الله عليه وسلم الأخذ بسبب معتاد، وهو يقدر عليه، في أمر
يحتاج إليه، فترك الأخذ بالسبب توكل! على الله. بل كان صلى الله عليه وسلم يأخذ
بالأسباب التي يقدر عليها ويتوكل على الله .

وقد قال ابن القيم في ذلك كلمة عظيمة لمن يعقلون شرع الله، قال: “التداوي لا
ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا
تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا
وشرعا ، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه، من
حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في
حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره فيهما، ولابد مع هذا الاعتماد من
مباشرة الأسباب، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا ” .

ب- ومنها حديث أبي رمثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لطبيب ” الله الطبيب، بل أنت رفيق، طبيبها الذي خلقها ” رواه أبو داود.

هذا الحديث إقرار للعمل بالطب. وفيه التنبيه إلى قوى البرء المركبة في البدن
الإنساني في أصل خلقته، وأن مهمة الطبيب الرفق بالمريض لإتاحة الفرصة لهذه القوى
كي تعمل عملها.

وشبيه بهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في رقية المريض، كما في صحيح البخاري، عن
عائشة ” اللهم اشف، وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك ” فبين أن حقيقة
الشفاء هي بيد الله تعالى وحده.

الفئة الثانية: أحاديث فيها توجيهات شرعية متعلقة بعملية التداوي وشؤون المرضى :

أ- من ذلك حديث البخاري عن الصحابية ربيع بنت معوذ ، قالت ” كنا نغزو مع رسول
الله-حب نسقي القوم، ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة ” وفي رواية
” ونداوى الجرحى “.

ففيه جواز مداواة المرأة للجرحى من الرجال. قال ابن حجر : يجوز عند الضرورة، وتقدر
بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك .

وهذا الذي قاله عندي فيه نظر، فليس في الحديث إشارة إلى أي ضرورة، بل هي الحاجة
إلى العلاج، والحاجة أخف من الضرورة. وقد كان يمكن تفريغ بعض الرجال لذلك العمل،
لو كان في الأصل محرما.

وأيضا ما ورد أن رفيدة الأسلمية كان لها خيمة بالمسجد تداوي فيها الجرحى، ينفي
وجوب الاقتصار على قدر الضرورة.

ب- ومنها أحاديث الأمر بعيادة المريض ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعودهم،
حتى ” إن غلاما يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فمرض، فأتاه
النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال: أسلم. فأسلم ” وكان إذا عاد المريض
ربما وضع يده على جبهته، ومسح على صدره وبطنه، ودعا له. نقل البخاري أنه صلى الله
عليه وسلم فعل ذلك عندما زار سعدا. وربما رقى المريض.

ففي صحيح البخاري من حديث عائشة: ” أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان إذا أتى مريضا، أو أتى إليه به قال: “أذهب البأس رب الناس، اشف
وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما ”

ج – ومنها حديث النهي عن التداوي بالمحرمات:

كحديث أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يتداوى بها فقال: ” إنها ليست
بدواء ولكنها داء ” رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي .

وكحديث: ” إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ” رواه عبد الرزاق
والطبراني مرفوعا. ورواه الحاكم عن ابن مسعود موقوفا.

وكحديث ” إن الله جعل لكل داء دواء، فتداووا ، ولا تتداوا بحرام ”

فهذه الأحاديث هي من قبيل الشرع، لأنه صلى الله عليه وسلم ناط الحكم بمعنى شرعي،
وهو التحريم، فما كان من المواد محرما لم يجز التداوي به.

ولا يعني هذا أنه لا يجوز استعماله عند الضرورة، مع عدم وجود دواء آخر غير الدواء
المحرم، بل إن الضرورة تبيح المحظور، فيعود حلالا لذلك المضطر، لقوله تعالى: ( وقد
فضل لكم ما حرتم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) فإذا عاد حلالا لم يكن داخلا في قوله

(إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ) ومن هذا القبيل التداوي بالنجاسات.

وفي كل من النوعين خلاف يعرف بالرجوع إلى كتب الفقه.

د- ومنها: حديث أم سلمة عند البخاري ” أن امرأة توفي زوجها، فاشتكت عينها،
فذكروها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وذكروا له الكحل وأنه يخاف على عينها ”
في الحديث أنه نهاها عن ذلك، أي لأن المعتدة لا يحل لها شرعا أن تتزين بكحل أو
غيره.

أما إن كان النهي عن الدواء لا لعلة شرعية ، بل لكونه صلى الله عليه وسلم قدر فيه
ضررا بمقتضى تجربته وخبرته الدنيوية فلا يكون من هذا الباب ، بل يكون من النوع
الثاني ، وهو ما لا يكون شرعا يتبع. فمنها النهي عن الغيل، وهو رضاع الحامل، ومنها
النهي عن علاج العذرة بالعلاق كما يأتي في النوع الثاني.

الفئة الثالثة: أحاديث أبطلت أنواعا من المعالجات، كانت
سائدة في الجاهلية، تنافي صحة الاعتقاد الإيماني، لأنها ليست أسبابا حقيقية
للشفاء:

أ- من ذلك ما و رد أن النبي صلى الله عليه وسلم ” دخل عليه رجل وفي يده حلقة
من صفر. فقال ما هذا؟ فقال: من الواهنة. فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا،
وأنت لو مت وأنت ترى (أي تعتقد) أنها تنفعك لمت على غير الفطرة ” رواه أحمد
والطبراني من حديث عمران بن حصين. ورواه الطبري.

(الواهنة ريح تأخذ في المنكبين عند الكبر. وقيل مرض يأخذ في عضد الرجل. كذا في
لسان العرب).

ب- ومنها ” أن عبد الله بن عكيم الجهني الصحابي رضي الله عنه خرج به خراج،
فقيل له. ألا تعلق عليه خرزا؟ فقال: لو علمت أن نفسي تكون فيه ما علقته. ثم قال:
إن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهانا عنه ” رواه ابن جرير وصححه .

ج- ومنها قوله ” إن الرقى والتمائم والتولة شرك ” رواه أحمد وأبو داود
والحاكم من حديث ابن مسعود. ومثله حديث: ” من علق تميمة فقد أشرك ”
والمراد بالرقى الرقى المجهولة، وما كانت الاستعاذة فيها بغير الله تعالى، بخلاف
الرقية بالفاتحة والمعوذتين والأدعية المشروعة. والمراد بالتمائم الأحجبة التي
تعلق على الأطفال والبيوت والسيارات ونحو ذلك، يزعم الجهلة أنها ترد العين، أو
تمنع المرض والحوادث. والتولة شيء كانوا يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى
زوجها.

الفئة الرابعة:

أحاديث أمرت بأدوية ومعالجات ربطتها بأحكام تعبدية وشعائر دينية.

أ- من ذلك حديث أحمد والنسائي عن عائشة مرفوعا: ” السواك مطهرة للفم مرضاة
للرب ” وفي صحيحي البخاري أيضا ” لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك
مع كل صلاة “.

ب- ونهى أحاديث الاسترقاء ، منها ما في صحيح البخاري من
حديث عائشة قالت: كان رسوله الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في
كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده.
قالت عائشة فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به ” ثقته يا رواية عند
البخاري أيضا بأنها كانت تمسح جسد النبي صلى الله عليه وسلم بيد نفس ” بعد أن
ينفث هو بها.

ج- ومنها أحاديث الدعاء للمريض ، كقوله صلى الله عليه وسلم ” اللهم رب الناس،
مذهب الباس ، اشف وألت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما “.

د- ومنها حديث ” داووا مرضاكم بالصدقة ” .

الفئة الخامسة:

أحاديث مبنية على النص القرآني:

أ- فمن ذلك أحاديث التداوي بالعسل، منها حديث البخاري عن جابر بن عبد الله أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال ” إن كان في شيء ، من أدويتكم خير ففي شرطة
محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء. ولا أحب أن أكتوي “.

وإنما قلنا إنها حجة لكونها أخذا بنص القرآن: ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه
فيه شفاء للناس ).

ب – ومنها ما روى عمر بن الخطاب عند أحمد والترمذي والحاكم أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال ” كلو! الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة ” فإنه ينظر إلى
قوله تعالى: ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) .

الفئة السادسة:

أحاديث فيها ذكر أدوية أو معالجات يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه علمها بطريق
الوحي ، أو إخبار الملائكة، أو أن الله يحبيا، أو يكرهها، و نحو ذلك.

وإنما كان هذ ا النوع من الأدوية صحيحا ومشروعا لأنه منسوب
إلى الله تعالى أو ملائكته. وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث تأبير
النخل ” ما حدثتكم عن الله فخذوا به، وما حدثتكم من رأي فإنما أنا بشر أخطىء
وأصيب ” فهذه الفئة منضمة إلى ما حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم عن الله
تعالى من سائر أمور الدين، فلزمنا العمل به، سواء كان نهيا، فيمنع التداوي به، أو
أمرا فيكون دواء مقبولا.

أ- فمز ذلك أحاديث الأمر بالتداوي وأصل العمل بالطب كما تقدم في الفئة الأولى لأن
فيه ” أن الله ما أنزل من داء إلا ” أنزل له شفاء ” فأسند ذلك إلى
الله تعالى، ومنها أحاديث الني عن التداوي بالمحرمات كما تقدم في الفئة الثانية ،
كما في رواية ” إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم “.

ب- ومنها ، حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والحاكم أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ” إن كان في شيء مما تتداوون به خير فالحجامة ” في رواية ابن
مسعود أنه قال: ” ما مررت ليلة أسري بي بملأ من الملائكة إلا قالوا: يا محمد
بشر أمتك بالحجامة ” رواها الترمذي.

وروى مثلها أحمد والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا. وأحاديث الأمر بالحجامة كثيرة ،
ولكن ليس في شيء منها إسناد الخبر عنها إلى الملائكة، إلا رواية ابن مسعود، فإن
صحت رواية ابن مسعود، وإلا تكون أحاديث الحجامة كلها من النوع الثاني، وهو ما لا
حجة فيه.

تنبيه:

لابد لاعتبار الأحاديث التي صت هذه الفئة الأخيرة حجة في باب الطب ليس أحد أمرين.

الأول: أن يكون الحديث على درجة عالية من الصحة، لأن تطبيقه على الأجسام الإنسانية
قد يكون فيه ضرر كبير، فإن وقع الضرر فلا يكون للطبيب عذر أن يتبين كون العلاج
مبنيا على حديث صحيح ظاهرا لكنه في الحقيقة موهوم أو مكذوب .

ولذا أقترح أن لا يعتبر حجة من الناحية الطبية الصرفة حديث
ما لم يكن ثابتا على سبيل القطع، وهو الحديث المتواتر، أو على شبه القطع ، وهو ما
ورد من طريقين على الأقل ، منفصلين، من أول السند إلى آخره ، بحيث يعرف أنه لم
ينفرد برواية الحديث راو واحد في أي طبقة من طبقات السند ، حتى ولو كان صحابيا ،
لاحتمال الوهم والغلط ، مع اشتراط كون كل من الروايتين أو الروايات صحيحة لذاتها،
طبقا لما هو معمول به في علم مصطلح الحديث. وهذا الأمر إذا أريد تحقيقه يطرح عبئا
على المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ، لتكليف بعض أهل الاختصاص العمل لذلك، حتى
يعرف من الأحاديث الطبية ما هو مقطوع به طبقا لما ذكرنا هنا.

الثاني. أن يخضع مضمون الحديث للتجارب الطبية تحت نظر الاختصاصيين. فإن ثبتت
صلاحيته كفى ، وتكون التجارب هي الحجة في ذلك.

النوع الثاني : وهو مالا حجة فيه من أحاديث الطب

وهو سائر الأحاديث النبوية الواردة في الطب والعلاج ، وليس فيها ما يشعر أنها من
قبل الله تعالى، أو أنها من قبيل الشرع.

وقد وضح من القواعد المذكورة في الفصل الأول أن هذا النوع ثمن الأحاديث ليس من
قبيل التشريع.

ونحن نذكر جملة من تلك الأحاديث على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:

ا- فمنها حديث: ” أصل كل داء البردة ” رواه ابن السني وأبو نعيم في
” الطب ” والدار قطني في ” العلاج “، من حديث علي وأبي سعيد
وأنس بن مالك.

البردة : برودة المعدة.

2- ومنها حديث مقدام بن معد يكرب عند أحمد والترمذي مرفوعا “ما ملأ آدمي وعاء
شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث
لشرابه، وثلث لنفسه. ”

ومنها حديث…. عند الإمام أحمد مرفوعا ” كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة

3- ومنها أحاديث الحجامة، كما تقدم في الفئة السادسة من النوع الأول، إن لم يصح
الحديث بأن الملائكة أمروا النبي صلى الله عليه وسلم بها .

فمنها قوله صلى الله عليه وسلم ” إذا اشتد الحر
فاستعينوا بالحجامة ، ولا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله ” رواه الحاكم الحاكم من
حديث أنس . .

4- ومنها حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود مرفوعا ” إن كان في شيء مما
تتداوون به خير فالحجامة ” .

في أحاديث مختلفة جمعها صاحب كنز العمال ، أن الحجامة تذهب الدم ، وتجلو البصر،
وتجف الصلب، وتنفع لن وجع الرأس الأضراس ، والنعاس، والبرص ، والجنون.

وروى عبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن يهودية قدمت للنبي صلى الله
عليه وسلم في خيبر طعاما مسموماً فأكل منه ، وأكل منه بعض اصحابه . وفي القصة أن
الوحي أخبره بالسم ن فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة على الكاهل ، وأمر
أصحابه أن يحتجموا ، فاحتجموا فمات بعضهم .

5 – ومنها حديث ابن عباس عند الترمزي ولحاكم ، وحديث ابن مسعود عن

الترمذي وأبي نعيم في الطب ” إن خير ما تداويتم به اللدود والسعوط والحجامة
والمشي ، وخير ما اكتحلتم به الإثمد ، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ” .

اللدود : هو الدواء الذي يسقاه المريض من أحد جانبي الفم .

والمشي : الإسهال . والمراد أخذ المسهل .

6- ومنها حديث أنس عند مالك وأحمد مرفوعا ” أمثل ما تداويتم به الحجامة
والقسط البحري ” .

(القسط البحري : عود يجاء به من الهند ، يتبخر به النساء والأطفال. وقيل هو العود
المعروف (كذا في لسان العرب) أي هو عود الطيب الهندي ).

7- ومثل هذا حديث آخر في العود ، وهو ما رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أم قيس
بنت محصن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” علام تدعرن أولادكن بهذا العلاق
؟ عليكن بهذا العود الهندي ، فإن فيه سبعة أشفية من سبعة أدواء ، منها ذات الجنب ،
ويسعط به من العذرة ، ويلد به من ذات الجنب “.

جاء في لسان العرب ، ومثله في فتح الباري (10/ 149) 0
العذرة وجع في الحلق يهيج من الدم . وقيل هي قرحة تخرج في الحزم الذي بين الحلق
والأنف، يعرض للصبيان عند طلوع العذرة (وهي نجم يطلع في أيام الحر) فتعمد المرأة
إلى خرقة، فتفتلها فتلا شديدا، وتدخلها في أنف الصبي، فتطعن ذلك الموضع ، فينفجر
منه دم أسود ربما أقرحه. وذلك الطعن يسمى الدغر .

8- ومنها- حديث عائشة مرفوعا، عند أحمد ” مكان الكي التكميد ، ومكان العلاق
السعوط ، ومكان النفخ اللدود “.

9- ومنها. حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود ”
من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا يسخر. ”

وحديث عائشة مرفوعا عند مسلم ” إن في عجوة العالية شفاء ، وإنها ترياق أول
البكرة .”

(العالية القرى والحوائط التي بجوار المدينة المنورة من جهتها العليا من جهة نجد ،
والسافلة ما كان من أسفلها من قبل البحر ، والترياق دواء السم ) .

وحديث عائشة مرفوعا أيضا عند ابن عدي وأبي نعيم في ” لطب ” : ”
ينفع من الجذام أن تأخذ سبع ثمرات من عجوة المدينة كل يوم ، تفعل ذلك سبعة أيام
” .

10 – ومنها حديث سعد مرفوعا عند أبي داود ” إنك رجل مقؤود ، ائت الحارث ابن
كلدة أخا ثقيف ، فإنه رجل يتطبب ، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة ، فليجأهن
بنواهن ، ثم ليدلك بهن ” .

11- ومنها حديث عائشة مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم ” التلبية مجمة لفؤاد
المريض ، تذهب ببعض الحزن ” وحديثها المرفوع ، عند ابن ماجه والحاكم ”
عليكم بالبغيض النافع ، التلبية ، فوالذي بيده إنه ليغسل بطن أحدكم كما يغسل أحدكم
الوسخ عن وجهه بالماء ” .

12 – ومنها حديث ابن عباس مرفوعا ، عند أحمد والبخاري ومسلم ” الحمى من فيح
جهنم فابردوها بالماء ” وروى مثله عن ابن عمر وعائشة ورافع بن خديج وأسماء
بنت أبي بكر .

13 – وحديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم في مرض موته
” صب عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن” .

14- ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والترمذي ” العجوة من الجنة ،
وفيها شفاء من السم ، والكمأة من المن ، وفيها شفاء للعين ” وروى مثله أبو
سعيد وجابر مرفوعا عند أحمد والنسائي . وروى نصفه الثاني البخاري ومسلم وأحمد
والنسائي مرفوعا من حديث سعيد بن زيد .

15- ومنها حديث أنس عند أحمد والحاكم ” شفاء عرق النسا ألية شاة أعرابية،
تذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ، ثم تشرب على الريق كل يوم جزء “.

16- وحديث طارق بن شهاب عند أحمد، وابن مسعود عند الحاكم ، مرفوعا ” عليكم
بألبان البقر فإنها ترم أن كل الشجر، وهو شفاء من كل داء ” وفي رواية
الطبراني في الكبير” عليكم بألبان البقر فإنها دواء، وأسمانها شفاء ، وإياكم
ولحومها فإنها داء “.

17- وحديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم، ومثله عند أحمد عن عائشة،
وعند ابن ماجه عن عمر مرفوعا “في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام
” والسام الموت .

18- ومنها حديث أنس عند النسائي مرفوعا ، ونحوه عند أحمد والترمذي والحاكم عن
أسماء بنت عميس مرفوعا ” ثلاث في فيهن شفاء من كل داء إلا السام: السنا
والسنوت ” .

19- وحديث طلحة عند الطبراني والحاكم والضياء مرفوعا . ” أتيت النبي صلى الله
عليه وسلم وبيده السفرجل ، فقال: دونكها يا أب محمد فإنها تشد القلب، وتطيب النفس،
وتذهب بطخاوة الصدر ” .

20- ومنها حديث أحمد والبخاري وأبي داود عن أبي هريرة مرفوعا ” إذا وقع
الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء ” زاد
أحمد في رواية ” وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء ، فليغمسه كله ”
وأخرجه كله أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعا .

21- ومنها الأحاديث الواردة في العدوى :

فمنها حديث أبي هريرة مرفوعا ” لا يوردن ممرض على مصح
” رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود .

الممرض هو الذي له لإبل مريضة ، نهاه أن يوردها على الإبل الصحيحة .

ومنها حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” لا عدوى
ولا صفر ولا هامة . فقال أعرابي : يا رسول الله ، فما بال الإبل تكون في الرمل
كأنها الظباء ، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ” فمن أعدى الأول ؟ ” .

ومها حديث أحمد والبخاري عن أبي هريرة مرفوعا ” لا عدوى ولا طيرة ولا هامة
ولا صفر ، وفر من المجذوم فرارك من الأسد ” .

وروى مسلم أوله .

22- ومنها أحاديث الجذام :

أ- كحديث ابن سعد عن عبد الله بن جعفر مرفوعا ” اتقوا صاحب الجذم كما يتقى
السبع: إذا هبط واديا فاهبطوا غيره “.

ب– وحديث أحمد والطبراني وعبد الرزاق وابن جرير عن الحسين مرفوعا ” لا
تديموا النظر إلى المجذومين إذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم قيد رمح ” .

وفي صحيح مسلم كن حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال للمجذوم ” ارجع فقد
بايعناك ” .

23- ومنها أحاديث الغيل:

أ– كحديث مالك ومسلم عن جذامة بنت وهب مرفوعا. ” لقد هممت أن أنهى عن الغيل،
فنظرت في فارس والروم فإذا هم يجيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا. ” .

ب– وكحديث أحمد وأبي داود من حديث أسماء بنت السكن مرفوعا: ” لا تقتلوا
أولادكم سرا، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثرة ” (100) قال السيوطي: وقد فسر
مالك الغيل بأن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع.

وفسره ابن السكيت بأن ترضع المرأة وهي حامل. كان الأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء.
والعرب تكرهه وتتقيه .

24- ومنها أحاديث الطاعون، كحديث أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف عند البخاري
” إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا
تخرجوا منها ” رواه مسلم .

25- ومنها ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي
صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا وكواه عليه. ”

26- ومنها حديث عند الإمام أحمد مرفوعا ” إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء
” وحديث ابن عباس مرفوعا عند ابن المنذر، ” عليكم بأبوال الإبل فإن فيها
شفاء للذربة بطونهم “.

ومثله ، حديث أنس في الصحيحين ” أن ناسا اجتووا في المدينة ، فأمرهم النبي
صلى الله عليه وسلم أن نموا براعيه- يعني راعي الإبل- فيشربوا من أبوالها حتى صلحت
أبدانهم.. الحديث ” وفي رواية النسائي ” فاجتووا المدينة حتى اصفرت
ألوانهم وعظمت بطونهم “.

27- ومنها حديث ابن عباس عند الترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، وابن حبان وصححه مرفوعا
” (اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشر ” .

28- ومنها حديث استعمال أن الرماد لقطع دم الجرح ، وهو ما رواه البخاري في قصة أحد
لما دمي وجه النبي صلى الله عليه وسلم ” عمدت فاطمة إلى حصير فأحرقتها
وألصقتها على جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقا الدم ” .

29- ومنها حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأبتر
وذي الطفيتين من الحيات. ” إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل ” .

30- ومنها حديث جابر في صحيح مسلم مرفوعا ” غطوا الإناء، وأؤكوا السقاء، فإن
في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليست عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء
، إلا وقع فيه ذلك الداء ” .

فهذه الأحاديث المذكورة في هذا النوع الثاني، ونحوها من
الأحاديث التي تدخل في صلب الأمور الطبية والعلاجية، لا ينبغي أن تؤخذ حجة الطب
والعلاج ، بل مرجع ذلك إلى أهل الطب ، فهم أهل الاختصاص في ذلك، وقد تقدم إثبات ذلك
في الفصل الأول من هذا البحث، ونقلنا هناك قوله صلى الله عليه وسلم لأهل النخيل
والزراعة ” أنتم أعلم بأمور دنياكم ” وشؤون الطب الصرفة هي من هذا الباب
، أهل الطب هم أهل الحذق والمعرفة بها، وإلى المرجع في هذا الباب. وقد يتبين في
شيء من هذه الأحاديث الخطأ من الناحية الطبية الصرفة، وكما قال الماضي عياض: ليست
في ذلك محطة ولا نقيصة، لأنها أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همة وشغل
ننساه بها، ولذا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم فيها ما ذكرنا- يعني الخطأ
والصواب.

ثم إنه وإن قلنا في هذه الأحاديث التي من النوع الثاني من الفصل الثاني وفي
أمثالها إنها ليست بحجة في باب الطب ، لأنها في نظرنا لا تدخل في الفئات الست
المذكورة في النوع الأول، فذلك على الأصل في الأحاديث الواردة في الشؤون الطبية
لكن قد يبدو لبعض أهل العلم في شيء منها ملحظ صحيح يكون قرينة على أنها تشريع، فتخرج
بذلك عن أن تكون من هذا النوع الثاني، وتدخل في النوع الأول، وتعتبر حجة في باب
الطب، كما ظهر لنا في الفئات الست. والله أعلم .

إثبات فاعلية هذه الأدوية والمعالجات:

إنه وإن قلنا في أحاديث هذا النوع الثاني وأمثالها إنها ليست حجة في الأمور
الطبية، فإنه لا ينبغي مع ذلك إطراحها بالكلية ، بل ينبغي أن تثير احتمالا بالصحة،
كسائر الأقوال الطبية المأثورة عن أهل التجارب والمعرفة من غير أهل الاختصاص، بل
هي أولى منها ، للشبهة في أنها قد تكون مبنية على الوحي، ولو كانت شبهة ضعيفة، ولا
يخفى ماذا حدث الطاعون المتقدم ذكره من الحكمة البالغة التي يؤيدها الطب الحديث كل
التأييد، عام ما هو معلوم.

ولذا أرى أن تخضع للتحليل وللتجارب على الأسس المتعارفة عند
أهل الاختصاص. فإن و جدت صالحة أدخلت حيز العمل ، و يكون التحليل والتجريب هو
الحجة في صلاحيتها، دون كونها مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة وأن
الكثير منها لا يثبت من حيث الرواية بطريق القطع أو شبهه على الوجه الذي تقدم
بيانه في آخر الكلام على أحاديث النوع الأول، فالحاجة إلى إثبات صلاحيتها أو عددها
قائمة أيضا لهذا المعنى .

وإن لم تثبت صلاحيتها أو ثبت ضررها فلا مانع من بيان ذلك للجمهور لئلا يستمر العمل
بها.

تناول الأدوية المأثورة على أساس الاعتقاد الإيماني :

إن ابن: خلدون رحمه الله بعد كلامه الذي نتلقاه سابقا (ص) من أن الطب المنقول في
الشرعيات عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يحمل على أنه مشروع، وأنه ليس
هناك ما يدل على ذلك ، تابع كلامه قائلا ” إلا إذا استعمل على جهة التبرك
وصدق العقد الإيماني ، فيكون له أثر عظيم في النفع ، وليس ذلك في الطب المزاجي ،
وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية ” .

وقال ابن ، حجر ” استعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله،
وبدفع الله عنه الضرر بنيته، والعكس بالعكس ” ولعله يعني بالعكس أن من استعمل
الأدوية المذكورة مع عدم تصديق بها ولا يحصل بفائدتها لا يحصل له انتفاع بها. وفي
بعض كلام ابن حجر في فتح الباري تشبيه ذلك بالشفاء القرآني لما في الصدور، كما قال
الله تعالى ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى
ورحمة للمؤمنين ) أي. فكما أن مواعظ القرآن لا ينتفع بها إلا من كان مؤمنا بالقرآن
وهدايته، فكذلك الأدوية النبوية للأجسام لا ينتفع بها إلا من كان مؤمنا بنفعها
لصدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والذي نقوله أنه لا شك أن من فضائل النبي صلى الله عليه
وسلم أنه يجوز التبرك بآثاره، والاستشفاء بها، فقد نقل أنه صلى الله عليه وسلم دعا
بقدح فيه ماء ، فغسل يديه ووجهه ومج فيه، ثم قال لأبي موسى وبلال: اشربا منه،
وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. وتوضأ وصب على جابر.

وأمر بشعراء أن يقسم بين المسلمين.

وبعض ثيابه كانت تغسل بعده ويعطى ماؤها للمرضى يستشفون بها. ثبت ذلك في صحيح مسلم
ومسند أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر.

وحنك بعض صبيان الأنصار بالتمر.

وكل هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم. فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يتبركوا
بأفاضلهم. وليس في الأمة بعد نبيها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، فلم
ينقل عن أحد من الصحابة، ولو حادثة واحدة، أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة أو
غيرهم فهذا إجماع منهم على الترك .

إذا علم هذا ، فهل يكون ما ورد من النبي صلى الله عليه وسلم من المعالجات الطبية
هو من جنس آثاره وملابسه ونحو ذلك ، حتى يستشفى بها ويتبر بها ؟

يبدو أن في هذا نظرا ، فإنه لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على أن كما
يصدر عنه في مثل ذلك هو مجرد رأي يراه ، وأنه بشر يخطيء ويصيب ، وأن الناس يأخذون
من كلامه في الشؤون الدنيوية بما حدث به عن الله تعالى ، وأما ما حدث به من قبل
نفسه فهم أعلم بدنياهم ، فكيف يتساوى ما نبه على عدم نفعه من الشؤون التي قالها من
عند نفسه ، ما أذن فيه من التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم.

ثم إن الصحابة الذين تركوا تأبير النخل إنما تركوه تصديقا
لرسول الله : صلى الله عليه وسلم وإيمانا به ، وعملا بقوله ، ومع ذلك خرج ثمره ذلك
العام شيصا ، أي تالفا غير صالح، ولم يأت إيمانهم وتصديقهم كافيا ليصلح به الثمر،
لأنه ليس في الحقيقة سببا لذلك . ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم صحح لهم
اعتقادهم ، وأعلمهم أنهم ما كان لهم أن يأخذوا بقوله في ذلك، فإن ذلك من شؤون
الدنيا وهم بها أعلم. فكذلك هذه الأمور الطبية الصرفة ، هي من صميم الأمور
الدنيوية ، لا يكفي فيه مجرد الإيمان- التصديق مع كونها ليست أسبابا في حقيقة
الأمر .

وأما القياس على الشفاء القرآني بالمواعظ فهو قياس فاسد ، فإن مواعظ القرآن من لم
يصدق بها لا يستمع إليها ، وإن استمع إليها فإنه لا يقبلها ولا يعمل بها، فكيف
تنفعه؟ كالدواء المادي إذا لم يتناوله المريض لا ينفعه. أما إن تناوله فإن تأثيره
في الأجسام لا يختلف بالتصديق وعدمه.

هذا ما ظهر لي من نتائج هذا البحث ، وآمل أن تكشف مناقشات هذا المؤتمر عن وجه
الصواب في هذأ الأمر، ليكون المسلمون- وخاصة العاملين في ميادين الطب- على بصيرة
فيه من أمر دينهم ودنياهم .

والله أعلم. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا وحبيبنا محمد وآله وصحبه وسلم.

*****

ملاحظة :

مختصر الملف الأخير للدكتور محمد سليمان الأشقر هنا :

http://islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528601090

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s