نقد مسنون رمتني زوجتي بحجارته.. أفكار أدبية في مقالات صحفية

حسن ميّ النوراني

نقد مسنون..

رمتني زوجتي بحجارته!

alnorani@live.com

أفكار أدبية في مقالات   صحفية

 

 

 

إهداء

إلى الصاحبة التي دنوت معها من فيحاء الجمال

الشاعرة عطاف جانم

ليس شاعرا من لا يفقس النخيل في قصائده بيضا* ..

الغموض إشكال شعري قديم. ولكن حركة الحداثة الأدبية في القرن الحالي فاقمت هذا الإشكال فصار معها قضية خلافية قسمت النقاد والشعراء فرِقا تتناقض أحيانا، وتلتقي على درجات من اللقاء أحيانا أخرى.

وإشكال الغموض ليس مما يلتصق بالشعر بطبيعته المنحازة إلى ذاتيته كفن من فنون القول؛ فليس الغموض مطلبا شعريا فنيا، وليس مما يعيب الشعر خلوه من الغموض. فالغموض ليس معيارا شعريا فنيا، وطلبه لذاته طلب لا يقتضيه المطلوب الذي هو الشعر ببنيته ومعناه.

الغموض ليس من الشعر وإشكال الغموض الشعري افتعال ذهني لا سمة فنية. وأصل هذا الإشكال المفتعل رؤية بعين غامضة نصف إغماضة انحصر مجالها في ساحة ضيقة لا تستوعب عوامل التغير التي تولدت منها حركة الحداثة الشعرية العربية.

فالحداثة الشعرية تولدت من فاعلية مستحدثة حضارية بدأت بصدمة الاتصال بحركة الغير الأوربية العميقة والصاخبة والثائرة على مفاهيم عقلية قديمة، تجددت معها رؤية الإنسان الكونية، وتغيرت بها علاقة الناس بالوجود، وعلاقات الناس بالناس.

فالرؤية الجديدة النازعة إلى الواحدية العقلية رؤية مغايرة للتصورات القديمة التي سادت في تاريخ الثقافة الإنسانية، والتي لم تزل تسود ثقافتنا العربية المعاصرة في الزمان، والمتحجرة في رؤى ورثها الحاضر، ولا تفسر التراث القومي بترجمة أصلية عقلانية له.

وقبالة الرؤية الجديدة، وفي إطار تخلف فكري وحضاري، تضيق العقلية القديمة، لا عندنا فحسب، عن استيعاب تصورات متقدمة للوجود، يشارك شعر الحداثة في صياغتها.

فإذا قال شاعر: “أنا وأنت ثلاثة”، تصايح رافضو الحداثة، وافتعلوا إشكال الغموض، بدعوى أن النص الشعري هذا مغلق على فهم المتلقي، وأنه، لهذا الانغلاق، لديهم، مرفوض.

ونحن لا نماري في حقيقة وجود الانغلاق، ولا في لزوم رفضه. ولكننا لا نوافق على تقدير أن الانغلاق المرفوض هذا، هو انغلاق النص.. الانغلاق هذا هو انغلاق الرؤية التي تتعامل مع النص..

فإن أول ما ينبغي تقديره هو أننا نتعامل هنا مع نص شعري من شعر الحداثة لا مع فكرة رياضية تفرض أن يكون ناتج جمع الواحد والواحد اثنين لا ثلاثة كما يصرح النص.

فكرة الرياضة تتعامل مع الواقع الكائن، والنص الشعري يعالج الوجود الممكن. على أن منطق الرياضة يسمح بالتعامل مع الممكن الوجودي، ولكن المسموح به في علم الرياضة يظل مباينا للتعامل المسموح به في رحاب النصوص الشعرية، تباين الخيال العلمي مع شطحات الوجدان.

والرياضة تتعامل مع وقائع طبيعية، والشعر يعالج خلجات إنسانية. والرياضة عندما تتعامل مع الممكن الطييعي، فهي لا تخرج عن الطبيعي المقيد بقوانين لا تنفك عنه. أما الشعر فلا قوانين طبيعية تقيد أهليته للانطلاق في أفق الوجود الواحد المفتوح عقليا في كل اتجاه وعلى كل مستوى.

الشعر خيال يجمح إلى تحطيم القيود جميعها، وإلى إعادة تصور العالم تصورا حرا مفتوحا يطرق أبواب الممكنات الوجودية المتخيلة، وينطلق فيما بعدها.

ولا شك أن التطورات العلمية قد عززت هذا التوجه الشعري بالثورة العقلية التي غيرت تصور الإنسان للوجود الطبيعي، فأصبح التصور الجامد للعالم الطبيعي شيئا لا يجد مكانه في غير معارض الأحافير التي تروي آثارها مظاهر التخلف بالقياس إلى تقدمية العصر الراهن. والثورة العلمية تجاوزت فكرة القانون النهائي الصارم فلم يعد القانون غير رؤية مفتوحة تسمح بالتطوير والتعديل والتغيير دون أن يعدّ هذا انتقاصا من أهمية القانون العلمي في صورته المرنة؛ إذ أن جوهر العلمية في العصر الراهن هو قبول فكرة التطوير والتعديل والتبديل.

فإذا العلم الذي يُقام على تصور الوجود الطيعي، يرفض القيد الذي يجمد حركته، فأحرى بالشعر،  على أن يرفض فكرة الجمود.. وهو الخيال الجامح في الأفق الواحدي الواسع المطلق من غير قيد على الحرية.. فهو تفلتات العقل المُوَجْدَن..

فإن قال شاعر لحبيببتة: “أنا وأنت ثلاثة”.. قلنا هذا شعر من أفلت الشعر.. وأينعه.. وأجوده؛ فيه جموح خيال إلى عالم إنساني جديد يجاوز الإثنين إلى الثالث الذي يتوحد فيه الإثنان، إثنان تنفك عنهما محدودية الفردية فينصهرا في أفق الحرية على مدهب رؤية مستحدثة نازعة إلى الواحدية مفهوما للحرية والسلام..

وعلى هذه القاعدة لا نرى غموضا في نص شعري تفقس فيه النخلة بيضا.. ولا نظن أن ثمة شاعرا يملك قدرة الشعر الأصلية، سيظل يحتفظ بهذه القدرة، إذا صار النخيل في قصيده عقيما فلا يفقس بيضا.. لا يفقس الحرية.. بالحرية!!

الحداثة الشعرية تستلهم هداية الله*

الفن أداة تكشف جوهر حركة الحياة الإنسانية. ونحسب أنه أصدق أدوات الكشف والتعبير عن حقيقة الفعل الإنساني في عمليات تكيفه مع عوامل الوجود الثابتة والمتغيرة. وهو أصدقها من جهتي الشكل والمضمون غير القابلين للتنافر إلا في حالة واحدة، هي حالة المكابرة عن جهالة الإنغلاق فيما أدبر من الزمان. وإننا نستلهم من كتاب أمتنا الكريم، القرآن، حجة على ما نقول لا يملك الظانون ظن الوهم قبالتها كلام تشكيك أو تفنيد. فقد جاء القرآن الكريم على غير ما عهد العرب من أساليب البيان، وكانوا أساطين القول المبين، وكان الشعر فخر مفاخرهم، فلم يجرِ القرآن الكريم على أسلوب فخر مفاخر العرب؛ فإن الله الحكيم العليم دبّر أمرا أراده، وتدبير الله جل جلاله منزه عن أن يجيء من غير معنى.

أنزل الله القرآن الكريم هدى للعرب وهدى للعالمين. والهداية على ما يقول اللغويون هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب؛ أو هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب. والهدى إرشاد، والبيان والدلالة ضد الضلال. فالقرآن الكريم، بهذا التقدير، وبكل تقدير، تغيير في الرؤية الوجودية وما يلازمها من أساليب التكيف مع ثوابت الحياة وجارياتها، مما كان سائدا في عصر النبوة المحمدية سيادة مؤسسة على قواعد موروثة لها قوة الهيمنة النافذة على حاضر  لا تستقيم الحياة فيه على وجهها الصحيح طالما ظل مأسورا لما أدبر من الزمان.

كان المشركون يرفضون الإيمان بالدعوة الجديدة رفض المكابر عن جهالة المنغلق في الموروث السقيم عن الآباء: “وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا” (سورة المائدة، آية 14). وجمود المشركين هذا على ما كان عليه الآباء هو جمود انفعالي، وهو جمود غير العاقلين، وجمود الانفعال وجمود الانغلاق العقلي جمود واحد.

وإذا كان معنى التنزيل الكريم إصلاح الرؤية الذي لا يتم  إلا بإصلاح العقل؛

وإذا كان جمود العقل لا ينفك عن جمود الانفعال؛

ولمّا كانت الانفعالية هي فاعلية الحس بأدواته كلها؛

ولمّا كان الحس هو وسائط للمعرفة ومعبر لها إلى العقل؛

وإذا أريد للحس أن يؤدي وظيفته التوصيلية، فلن يؤديها قبل إصلاح فاعليته الانفعالية، والتي لا تنفك عن العقل؛

وتحرير الانفعال من الانغلاق في الموروث السقيم، هو السبيل الوحيد لإصلاحها؛

هذه مقدمات، فإذا صحّت تأدّت إلى نتائج صحيحة، لا تصح بمقدماتها فقط، ولكنها تصح قبل هذا وبعده بالقرآن الكريم الذي دعا الناس إلى التحرر من سقم العقل، وبأسلوبه الفني المتحرر من أساليب العرب المعهودة في البيان. والله يعلم أن الجمود في أسلوب فني يعادل الجمود العقلي. والله دعا الناس إلى تحكيم العقل وتدبر آيات الخلق، دعوة للإيمان بكتاب نزل منه. والله يعلم أن دعوته رسالة للإنسان الموحد عقلا وانفعالا، ولا ينصلح العقل والانفعال، إلا أن ينصلحا معا، وعلى غير تفاوت في الزمان ولا في الرتبة؛ إذ هما يُكَوِّنان الرؤية الإنسانية تكوينا لا يتخلف فيه شقيق منهما عن شقيقه. والله بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، لإقامة الرؤية الإنسانية على نهج لا يخطىء غاية الوجود والحياة. والله يفعل ما يريد، وفعله الخير، ومن هذا الخير تنزيل الذكر الحكيم بأسلوب فني جديد يغاير أسلوب البيان المعهودة عند العرب الأولين.

لقد قرر القرآن الكريم وحدة الشكل والمضمون. وهذا إعجاز من إعجازه الذي لا ينقضي. وهو هداية من هدايته المرشدة للأمة الإسلامية على توالي العصور واختلاف الأمصار.

والقرآن الكريم لا يلزم الأمة بأسلوب من أساليب الفنون، ولكنه يلزمها باتباع هداه.

وقد أقام القرآن الكريم مجتمعا جاوز المجتمع العربي القديم، وكان تغيير الأسلوب الفني قاعدة تأسس عليها قيام الحضارة العربية الإسلامية.

ولا تقوم حضارة جديدة على قاعدة فنية جامدة في المغلق القديم؛ فكل قيام انفتاح، والانغلاق والانفتاح ضدان لا يجتمعان، وهذا حكم العقل المؤيَّد بحكم التسليم بصدق الرسالة المحمدية الهادية  هداية مستمرة.

وتطمح الأمة في العصر الراهن إلى نهضة جديدة، نحسب أن الطريق إليها هو جوهر الهداية القرآنية، ونحسب أن غايتها هي الغاية التي ترمي إليها النبوة المحمدية. والشعر من أركان النهضة المبتغاة، ولكنه لا يملك أن يكون ركنا نهضويا إذا لم يتأهل لدوره بالفاعلية القوية على خلق فني يهيء الوجدان لتقبِّل تغير رؤيوي يستوعب تغيرات الزمان والمكان الذي يتشكل بهما واقع الأمة المعاصر، كما يتشكل بهما المشروع العربي النهضوي المستقبلي.

تحديث الشعر إسهام في تحرير الانفعال من عوامل تكوينه القديمة وإسهام في تحديث أسلوب التكيف مع معطيات الوجود المعاصر المغايرة لمعطيات الوجود في زمن ما قبل نزول القرآن الكريم. كان الشعر العربي قبل الإسلام، بشكله ومضمونه، صورة صادقة عن عصره بما يكونه من معطيات موضوعية وتكيفات عقلية وانفعالية. ولسنا نريد من الدعوة إلى تحديث الشعر غير أن يتكيف انفعالنا المعاصر بمعطيات الوجود الموضوعية وأن يصورها، شكلا ومضمونا، تصويرا لا ينكرها ولا يناقضها ولا ينقضها.

ودعوى أن الحداثة الشعرية اغتراب عن الذات وطمس للهُوِيَّة، دعوى تجافي الحق وانحراف عن جادة الصواب يتفاقم شرها إذا استمسك بها أهلوها أشد مما استمسكوا؛ فالإصرار عليها بمكابرة الجهالة المنغلقة، باب إلى تقهقر تتردى به الأمة أضعاف تردِّيها؛ وهذا وجه محتمل يسع احتمالا ثانيا واحتمالا ثالثا: التطور سنة كونية لن يوقف مدّها مكابرة المنغلقين، وستضرم نارها في الأرض لتأكل أعداءها وستمضي قدما؛ أو إنها ستضرم نارها وتأكل الأخضر واليابس، والأخضر هويتنا وتراثنا، واليابس أطراف جافة نضبت فيها الحياة بعدما تقادمت عليها الأزمان.

نرى الحداثة الشعرية بمنظور قرآني ونتبنى الدعوة إليها على هدى النبوة الراشدة. ولكننا لا نزعم للتحديث الشعري دورا لا تطيقه طبيعة الشعر بينما الأمة تطمح إلى نهوض ترقى به إلى مقدمة المستقبل لتجدد نهضة قديمة بدأها نزول القرآن الكريم.

وظيفة التحديث الشعري، المحددة بطبيعة الشعر، هي تحرير الانفعالية بتحرير الإنسان من هيمنة تكيف فني قديم كان يفي بمتطلبات زمانه، ولا يفي بحاجات العصر الراهن. إن تحديث الشعر ضرورة نهضوية، وقضاء وجودي وأداة حياتية، وكل زعم غير هذا إجحاف بالحق ودعوة إلى الموات.

وإذا جاز لانفعال الأقدمين أن ينبني في معمار فني يتكون من أبيات منفصلة، منقسمة إلى شطرين؛ وإذا صح أن يقاس شعر الأوائل على مقياس “الكلام الموزون المقفى”؛ فلا يجوز أن يظل المعمار المنفصل المشطور هو معمار الشعر في عصر (عربي) يعاني أشد ما يعاني، من مشكلة الانشطار، بينما الرؤية الواحدية هي رؤية العصر، ولا يجوز أن يظل الشعر قوالب من “الكلام الموزون المقفى” بينما العصر هو عصر الحرية والانطلاق في فضاءات الوجود الوسيع.. الواحدي..

هل تمتلك القصيدة العمودية شروط الإبداع؟!*

الشعر فعل تصويري يدون تشكل الفاعلية الإنسانية في لحظة تقاطع وجودي مع عوامل الظرف المزامن. ولا يقصد هذا الاستهلال إلى طرح تعريف للشعر، ولكنه تنويه إلى صفة عامة تشارك فيها مجموعة الأفعال المتحقق بها فاعلية الإنسان؛ هذه الفاعلية المتغيرة خلال تكيفات متتابعة ومستمرة بين الأنا والموضوع منذ أول الولادة وإلى نهاية الحياة.

والتكيف الحيوي الإنساني ذو مستويين: طبيعي، وثقافي. وهذه الثنائية لا تقرر ثنائية إنسانية وجودية؛ فالإنسان حالة نموذجية للوجود الواحدي، والطبيعية والثقافية الإنسانيتان وجها وجود واحد لا ينفك عن طبيعيته وثقافيته معا، ولا ينفك عن إحداهما إلا إذا انفك عن الوعي، أو تفككت وحدته الوجودية الفردية بالموت.

وانفكاك الوعي أو التفكك الفردي، هما مرحلتان مختلفتا الدرجة لفعل الانسحاب من الوجود؛ فبينما الثاني غياب كامل للوجود الفردي المباشر، يعادل الأول غيابا إنسانيا [ثقافيا] عن حلبة جدل البقاء والفناء [الاجتماع والتفكك] طبقا لمعايير الخصوصية البشرية.

ليست الخصوصية البشرية اختيارا إنسانيا حرا، وليست فرضا لازم الأداء بحكم محتوم؛ إنما هي إمكان وجودي يتحقق بالفعل الواعي المجادل أو المتكيف مع تجددات الظرف الحيوي.

والشعر تحقق للفعل الواعي باستخدام أدوات فنية تؤهله للتمايز عن تحققات الفعل الواعي الأخرى. وتحققات الوعي، ومنها الشعر، لا تقع في جزر منفصلة تحت مظلة الفاعلية الإنسانية الوجودية الواحدية؛ فالانفصال وهمْ رؤية مسطحة لا تستوعب الأصل الواحدي للكثر الوجودي، رغم أن المعنى الشامل للوجود المتكثر، هو المعنى الذي يثبت بتوكيد الأصل الواحدي لحقيقته في إعلاناته عن فاعليته.

فالشعر إعلان متصل بالإعلانات الإنسانية الأخرى، ليس فيما يخص الفردية الإنسانية وحسب، ولكنه يخص الجماعة أو الجماعات البشرية كلها.

الفاعلية الإنسانية تكيفات متجددة تنمو من حدّ متصور بالعقل يفصل ما بين مفهومي الماضي والمستقبل لتحقيق الفاعلية بالتكيفات المتجددة تحقيقا يترجمه الحضور الوجودي الواقعي في الزمان الحيّ. فإذا لم يحقق التكيف حضورا في الزمان الحي، يحقق انتكاسا زمانيا يقلب حركة الفاعلية من الاتجاه نحو المستقبل إلى الوقوع في غياهب الماضي؛ أو من حركة التفتح في أفق وجودي مطلق إلى حركة السقوط في قوالب أبدعها الأجداد تعبيرا عن فاعليتهم المستجيبة لعوامل ثقافة قديمة، ليس من طبيعتها أن تواصل إشعاعها في زمن مغاير، أو في زمان متجدد.

فالشكل الفني الثنائي ـ أعني الشعر العمودي ـ تحقق أبدعه حضور الأقدمين بتكيفات الوعي الإنساني مع عوامل الثقافة المزامنة له. وهو، أي الشكل الثنائي، تعبير فني عن تمثل ثنائي للوجود، لم يعكسه الشعر وحسب، ولكنه تمثل يعبر عن ذاته في التحقق الواسع للوعي القديم. والتمثل الثنائي، العام، أو الشعري، ولادة مسبوقة، ومن ثم مشروعة، ولكنها زمانية، شأن كل فعل إنساني آخر، أو شأن كل فعل وجودي.

والزمانية، مثلما تمنح الولادة الجديدة مشروعيتها، فهي تفرض عليها قيودها: فليس يحق للولادة الجديدة الطغيان على تحقق وجودي مغاير، مجاورا، أو سابقا، أو لاحقا؛ وليس يحق للولادة الجديدة ـ التزاما بشرط الزمانية ـ الانقلاب على الحياة بالسقوط في أغلال الزمان الميت، القديم؛ والولادة الجديدة فريدة، لا تكرار لها.

كان البناء الثنائي للشعر فعلا مشروعا في زمان إبداعه. وكان ترجمة انفعالية للعلاقة بين العربي القديم والبيئة المزامنة له، أو المزامن هو لها.

كان جدب الأرض يفصل بين الإنسان والبيئة. وقد أسس العربي من هذا الجدب الفاصل موقفا نافرا تجاه بحار الضياع الشاسعة من حوله، واقتضى هذا التهديد المباشر للحياة بروزا حادا للفردية الإنسانية؛ فلم تندمج الشخصية العربية في نسق وجودي واحدي مع بيئة الحياة، ومجالها المعيشي؛ ولم يرتبط الإنسان بالأرض بوشائج حضارية تنبني بالاستقرار في المكان، فأكثر العربُ من الترحال، مدافعة للفناء الداهم كلما نضب معين الرزق من ماء وعشب.

وصبغت علاقة النفور من البيئة الطبيعية، العلاقات الإنسانية أيضا. وتكيفا مع قساوة الحياة في بيئة جدباء، سيطرت سلوكية النفور على ارتباطات الناس الاجتماعية، وظل العرب قبائل متنافرة، ومتقاتلة، تعيش في جزر اجتماعية منفصلة، لم تتوحد تحت سلطة واحدة، لا دنيوية ولا دينية: فلكل قبيلة شيخها وصنمها؛ ولكل قبيلة شاعرها المدافع عنها وعن قيمها الانفصالية.

كان الشعر هو الصورة العقلية للحياة العربية، وهو الوعي الذي تَمثَّل مكونات الواقع، هذا الواقع المتنافر، أو المتعدد. وتجلّى الواقع المعاشي المتنافر في البناء الفني للقصيدة: فهي تتكون من موضوعات متعددة؛ والموضوع الواحد يصاغ في أبيات، كل بيت منها مستقل معماريا عما سواه، ومنقسم على نفسه في شطرين؛ ثم هو منقسم، انقساما أعمق، إلى وحدات موسيقية متعدد. والقصيدة بهذا كله، ترجمة لعلاقات النفور الطاغية على موقف العربي من العالمين الطبيعي والإنساني:

فالوحدة الزمنية للقصيدة الواحدة صورة يتمثل بها وعي العربي ـ القديم ـ الوحدة الزمنية للقبيلة، المواجهة لوحدة زمنية لقبيلة أخرى؛

والمعمار الثنائي للقصيدة، وعي يتمثل العلاقات النديّة بين الإنسان والبيئة الطبيعية من جهة، وبين قبيلة وقبيلة أخرى من جهة ثانية؛ وبين فرد وفرد آخر في قبيلة بعينها، من جهة ثالثة؛

والتعددية الموضوعية في القصيدة الواحدة، وعي كان الشاعر القديم يتمثل به تعددية الانتقال في المكان، أو استمرارية الترحال، في إطار تكيفات تقتضيها تغيرات البيئة الطبيعية المناخية المفاجئة في الجزيرة العربية، ومن ثم تعددية أحوال النفس البشرية وتقلباتها الانفعالية المفاجئة النافرة من الالتزام بقانون جماعي موحَـِد؛

واستقلالية الأبيات المعمارية بناء شكلي يتمثل به وعي الشاعر ـ القديم ـ النسق المغلق في زمن السكون القصير المنتزع خلسة من زمن مديد غير مأمون، ينذر، كل آن، بانقلاب يهدد الحياة بعدوان طبيعي أو عدوان بشري مباغت؛

واستقلالية الأبيات المعمارية، صورة تمثل بها وعي الشاعر انقسام القبيلة إلى وحدات عائلية منفصلة، تجهد كل منها على حدة، لمعالجة متطلباتها المعاشية اليومية؛

وانقسام البيت الشعري على نفسه، يعادل، في صفحة الوعي، انقسام البيت الإنساني ـ القبيلة، والعائلة ـ بين نزوع الاستقرار، كمطلب فطري، وبين ترقب لحظة تنذر بالهلاك، وتستنفر آليات النفور؛

وتكرارية الموسيقى في القصيدة، انعكاس تصويري [فوتوغرافي] لنمطية الحياة العربية، الراكدة حضاريا، التي لم يكن غدها يحمل وليدا سيباين أمه وأبيه، فالماضي يتكرر في الحاضر، والأبناء على عقيدة الآباء، والفردية دائرة منغلقة، وفاعلية الإنسان فاعلية منغلق نافر تجاه الآخر وتجاه الطبيعة أيضا؛

وحياة تجري على وتيرة واحدة، تصير في وعي الشاعر موسيقى وتر واحد، متكررة، توكد الفردية، المنفصلة، ولا توكد اختلافات الفردية المبدعة. وإبداع الفرد فعل يناهض الانغلاق والانفصال في دوائر التكرار التي تكرس القديم، وتعيق تجددات الحياة.

ظلت الحياة العربية قبل الإسلام، رهن التقليد، جامدة المفاصل!

وإذا كانت البيئة العربية القديمة سلطانا يعيق الإبداع، فما السلطان المعاصر الذي يربط الحاضر بوعي الأجداد الفني بالوجود المتغير؟ ما هي الضرورة ـ الحتمية ـ التي تلزم الشاعر العربي المعاصر بالارتداد إلى وعي أبدعه زمان ولّى وأدبر؟!

ثم، هل يبقى الشعر إبداعا إذا ظل الوعي الانفعالي المعاصر يتكيف بالوجود المتغير تكيف الشاعر القدم المتمثل في المعمار البنائي العمودي للقصيدة.. بيد أن المعمار القديم تكيف طواه الزمان مع ما انتهى من الأزمان؟!

فهل تمتلك القصيدة العمودية في العصر الراهن شروطا تجيز اعتبارها إبداعا؟[1]

إن الإبداع فعل الانفعال المتجدد، في نسق كامل، لا تنقسم بنيته إلى شكل ومضمون. هو نسق يجسد الوعي الفني بوجود إنساني خرج من دوائر الفردية المنغلقة إلى واسعية الواحدية الوجودية المبدعة بالتدفق المتواصل ذي الوجهة المستقبلية، طلبا للسلام المبني على الحرية الجمالية، وتأسيسا لعالم مجدول بقانون الحب الأصلي والمنشود.

الإنسان والكون جاوزا علاقة النفور. ووظيفة الشعر ومشروعيته تقاسان بقدرته على تمثل هذه المجاوزة المبدعة. فإذا لم يخرج الوعي من المعمار القديم، فسيظل تعبيرا عن موات الإنسان، وعن غيابه في أجساد تحتويها قبور.. والواقع أن القبور قد أفنت من كان فيها!

وسلاما، سلاما… سلاما!![2]

تطلعا إلى مذهب أدبي عربي جديد..

لا يســقط في الماضي ولا في الحاضر..*

اللواذ بالذاتي فعل دفاعي تبادر إليه الأمم كلما داهمتها خطوب تهدد وجودها. على أن هذا اللواذ بالذاتي قد يأتي بخطر لا يقل شأنه عن أخطار هجمات خارجية، وقد يكون الخطر الكامن في اللواذ بالذاتي أشد نكالا من الخطر الزاحف من الخارج، وذلك عندما يصير رجوع الأمة إلى ذاتيتها سقوطا في الماضي، لا نهوضا بالماضي في الحاضر  ونحو المستقبل.

وإذا ما غزا عدوان أمة من الأمم، فلن يعدو هذا العدوان، مع ضراوته وسعته وتعدد جبهاته، مرحلة الخطر الممكن إلى مرحلة تحقق الخطر بالمعنى الماهوي للأمم، طالما ظل خارجيا لم ينفذ بعد إلى البنية الوجودية، أو لم ينقل بعد جبهة الصراع إلى جوانية الأمة.

ويصير الخطر الأجنبي هزيمة نكراء إذا ما سقطت الأمة في الماضي، أو إذا ما سقطت في الحاضر.

وإن الأدب مرايا العصور والأمصار. وأدب كل أمة هو سجل أمزجتها وصور خلجات الأنفس ومناحي الأفكار. الأدب يعكس دون تكلف أحوال الناس على الكيف الذي يعكسه الانفعال بفعل مؤثر يبدأ من الخارج، فيثير كوامن الداخل على صورة هي البينة الصريحة على مشكلات الحاضر. وللأدب العربي المعاصر دلالة لا تخطىء الحكم بأن الأمة تعيش واقعها مشطورة نصفين: نصف رجع القهقهرى فسقط في الماضي، ونصف بهرته ثقافة الغزاة فأنكره الحاضر بعدما سقط فيه. وليس المشطور كمّ الأمة، فالأمة لا تقبل قسمة عددية بين فئتين من الأفراد، تصنف واحدة تحت عنوان الساقطين في الماضي، وتصنف الأخرى تحت عنوان الساقطين في الحاضر. ولكن الانشطار حالة متكررة في كل فرد، وهي حالة للأمة ممثلة في كل نموذج من نماذجها الفردية.

وهذا جوهر مشكلة الحاضر العربي المشطور اثنين لم يعرفا بعد سبيل التوحد. وما التوحد إلا فعل مجاوزة المشكلة الحضارية الراهنة؛ بتواجد في الحاضر، ينهض من أصل ذاتي، ويتنامى في المستقبل بقوة الأمة النابعة من فعلها، والمغززة بانفعالها.

ويغلب على الأدب العربي المعاصر محاكاة طرائق التعبير للأدب الغربي المنتمي لحضارة أجنبية غازية. ولا تنفك صلة غلبة الأجنبي على الذاتي في مجال الانتاج الأدبي عن غلبة الأجنبي في شتى مجالات الحياة. وليس خطرا على أمة من الأمم أن تأخذ عن الغير شيئا مما لديه؛ وقد فعل العرب ذلك في عصر ازدهارهم الحضاري، فازدادوا بالأخذ عن الأمم الأخرى قوة، ولكنهم كانوا قد أخذوا عن الغير أخذ القوي الواثق، لا أخذ الضعف والضعة تحت ضغوط هزيمة تحيط بوجود الأمة من كل ناحية.

على أن تمادي العدوان يستحيل إلى بواعث نهضة عندما تتيقن الأمة المهزومة أن أصل ما حل بها من هزيمة ليس هو قوة الغزو ولكن وهن الداخل وقابليته للسقوط في الماضي أو في الحاضر؛ ثم عندما تجتهد الأمة للكشف عن أصل كنز ثروتها الثقافية، أساس كل قوة جديدة، في زمان متغير.

ولم يزل الفكر العربي المعاصر يجتهد للكشف عن قاعدة نهضوية يبدأ منها مشروع نهوض عربي جديد. وطوال القرنين الأخيرين، تعددت الرؤى والطروحات وتباينت. وكان بعضها نقلا أو شبه نقل عن مثيلات لها أنتجتها الحضارة الغربية، وكان البعض الآخر منها هروبا إلى الماضي، أو لواذا بالذاتي لواذا لا يدفع الخطر الماثل.

ونُعنى في هذا المقال بمحاولة فكرية ترمي إلى مواجهة الهزيمة الثقافة بعودة إلى الذات، يرجى منها ـ على مذهب صاحبها ـ صياغة مناحي الثقافة العربية المعاصرة، ومنها المنحى الأدبي، موضع عنايتنا هنا.

ونعني بالمحاولة التي ننظر فيها في هذا المقام، المحالة المعنوة بـ”الوسطية العربية” التي خصّ فيها صاحبها الأدبَ بقسم منها، دعا فيه الأدباء العرب المعاصرين إلى العدول عن الوحدة العضوية الوافدة من حضارة أجنبية، وإلى الأخذ من جديد بالوحدة التركيبية المأثورة عن السلف القدامى وتابعيهم على امتداد عصور العرب قبل وبعد الإسلام.

ولا يقلل مذهب “الوسطية العربية” الذي يحمل رايته الدكتور عبد الحميد إبراهيم، من قيمة الوحدة العضوية؛ “فهي مقياس نقدي صادق”، ولكنه ـ يقول ـ صادق من وجهة نظر أصحابه حسب، “لأنهم اكتشفوه من واقع نصوصهم الأدبية ونتيجة لأفكارهم الفلسفية، ولا يتصادم مع تركيبهم الطبيعي أو التاريخي”[3].

فالوحدة العضوية، كما يخيل لصاحب “الوسطية العربية”، هي صورة للفكر الإغريقي الذي “يميل ـ بوجه عام إلى اختلاط الأشياء وامتزاجها، بحيث تضيع خصائص الأشياء في وحدة عامة، تقوم على التناسب والنظام والتنسيق،وتهدف إلى غاية واحدة، تصبح هي الشيء الرئيسي، الذي تخدمه كل الأجزاء المختلطة”[4] .

والحضارة الأوربية الحديثة والمعاصرة، فعل بدأ من لحظة استكشاف جديد للحضارة الإغريقية. ولن تنشأ حضارة عربية جديدة، إلا ابتداء من لحظة استكشاف جديد للحضارة العربية الأولى أيضا.

فإذا صح مفهوم الوحدة العضوية مقياسا نقديا للإنتاج الأدبي الغربي، القديم والمحدث، فهو لا يصح، باعتباره النقدي هذا، مقياسا للإنتاج الأدبي العربي المحدث، إذا ما كان ينبغي أن يجيء هذا الإنتاج ـ العربي ـ تعبيرا عن الذاتية، لا تقليدا لأدب غريب.

أما مقياس الأدب العربي النقدي فهو الوحدة التركيبية على مذهب صاحب الوسطية العربية.

فالطبيعة العربية، في تصوره، لا تعرف تداخل ولا تعقيد الألوان ولا فناء بعض الأشياء في بعض، كما تعرفه الطبيعة الإغريقية.

ومثل التركيب العربي الاجتماعي ـ يواصل إبراهيم ـ كمثل حبات الرمل: قد تتضام فيما بينها وتشكل كثيبا عاليا، ولكنها لا تندمج ولا تفنى، فلكل حبة استقلالها، فكان الحتم أن يعرف العرب وحدة منتزعة من طبيعتهم ومن تركيبهم الاجتماعي، وتعبر عنها النصوص الأدبية والنشاط الفني.

ومذهب ينقد الأدب العربي بميزان “الوحدة التركيبية”، لن تعوزه الأدلة المستخرجة من التراث الأدبي العربي القديم، فلم يشق على عبد الحميد إبراهيم استخراج الشواهد والاستدلال بها من أنواع الأدب العربي القديم ممثلة في الشعر الجاهلي ثم في القرآن الكريم ثم في التأليف الأدبي اللاحق على بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ثم في الأدعية المأثورة[5].

وقد خلص صاحب “الوسطية العربية” بعد وقفته “عند القرآن الكريم، وعند أنواع أدبية ثلاثة، ذات طابع عربي “أصيل”، إلى أن الأجزاء في الأدب العربي تتجاور في وحدة تركيبية، يسمح لها بالاستقلال الذي تتمايز به كل وحدة داخل التركيب العام. “ومن هنا بدت الأعمال الأدبية ذات وضوح وتميز، كوضوح الطبيعة العربية، وتميز سعف النخيل”. وعلاوة على تجاور الأجزاء، فهي مفعمة بالحركة فـ”إن الثبات على حالة واحدة ليس من طبيعة العربي”: وحركتها انتقال من قمة إلى قمة، “وقد تبدو في تنقلاتها ذات قفزات فجائية”، وهي “حركة تتطلع نحو المطلق” بشهادة تسوقها الأدعية المأثورة التي تعبر عن “الإحساس الكوني تمام التعبير، وتخلص الأدب العربي من الأمور الفردية والأشياء العارضة وتوجهه إلى جوهر الأشياء”. ثم إن من سمات الأدب العربي تصويره لفعالية الإنسان، فـ”الإنسان المنتصرهو نموذج الشعر الجاهلي… وهذا الإنسان لا يضيع في طريقه… (و) الفارس العربي ينطلق في الصحراء لا ليفر من الحياة أو ينسى نفسه”. بيد أن عناية الأدب العربي بالسمات الشكلية لا تأخذ هذا الأدب “بعيدا عن العنصر الآخر المكمل له، والذي يتشوف نحو المطلق في حركة متضرعة خاشعة”[6].

ولا نماري في أن الحكم على الأدب في ثقافة ما، لا يصح بإخضاعه لمقاييس نقدية منقولة عن ثقافة أخرى، فلا يصح أن نقيس جودة الأدب العربي القديم، بمقياس نقدي أوربي، إذ أن لكل ثقافة خصائصها المستمدة من بيئتها؛ فالبيئة الاجتماعية والطبيعية هي مناخ ولادة وتنامي الثقافات. وما اختلاف الثقافات إلا اختلاف البيئات الاجتماعية ، إذ الإنسان على إطلاقه إنسان واحد، فهو عامل ثابت بهذا الاعتبار، لكن الناس تتباين فيما بينها وفقا لتباين العوامل المتغيرة للبيئة الاجتماعية ـ متضمنة التراث القومي ـ وللبيئة الطبيعية. فإذا خلا الأدب العربي القديم من الوحدة العضوية فهو خلو لا يعيبه؛ فلا يعيب ثقافة ما، أن يغيب عنها مقتضى ثقافي تستوجبه ثقافة أخرى، ولكن المعيب المرفوض هو أن تنقل ثقافة ما، صورا أو مضامين من مولدات ثقافة أخرى، نقلا لا مسوغ له غير دافع محاكاة ما لدى الغير، دون أن يكون لهذا الدافع قيمة في المنقول تغني الناقل وتؤصله.

النقل مسوغ إذا كانت قيمة المنقول إنسانية تضيق عن استيعابها الخصوصية القومية. أما كل خاصة تسع الناس أجمعين، فهي حق للناس أجمعين لا يقبل أن يحتكره قوم دون قوم بأية حجة، اللهم إلا أن تكون حجة غشوما.

فهل الحكم على الأدب العربي الجديد بمعيار الوحدة العضوية حكم لا مسوغ له بدعوى أن الوحدة العضوية معيار نقدي أوربي المنشأ والتطور، وبدعوى أن الثقافة العربية التراثية لم تعرف هذا المعيار ولم تُخضع إنتاج أدبائها له؟

والحق أن صاحب “الوسطية العربية” لم يحتم العدول التام عن الحكم على الإنتاج الأدبي العربي بمعيار الوحدة العضوية، ولكنه أبى أن يحكم بهذا المعيار وحده، “فقد يجوز أن نضيف إليه مقياسا آخر”، هو “الوحدة التركيبية”[7]. على أنه بما تفصح عنه النصوص لا يأخذ هذا الموقف إلا من الأدب العربي القديم وحده[8]. وهو يعود فيبدي انحيازا واضحا إلى إخضاع الأدب العربي لحكم معيار “الوحدة التركيبية” بقوله: “ليست مهمة النقد هي البحث عن وحدة عضوية، أو تطويع النصوص لهذه الوحدة، ولكن مهمته الحقيقية ـ يقول ـ هي تعميق الوحدة التركيبية، والمساعدة على إدراكها”[9].

وليس جليا من النص السابق إذا ما كان هذا الانحياز للوحدة التركيبية وقف على الأدب العربي القديم أو هو يشمل الأدب العربي كله، بما فيه الأدب العربي المعاصر.

على أن صاحب الدعوة إلى العودة إلى التراث الأدبي العربي لا يلبث طويلا دون الكشف عن انحياز تام إلى مبدأ “الوحدة التركيبية” الشامل للأدب العربي كله ومنه الأدب العربي المعاصر. فقد عاد باللائمة الشديدة على الأدباء العرب المعاصرين لخروجهم عن مناهج الأجداد، ومخالفتهم لهم “كل المخالفة، فلو بعث ـ يقول ـ رجل من أهل الكهف لارتدّ فزعا وفضّل العودة، لا بسبب البعد التاريخي الزمني، بل بسبب أنه سيلتقي بأقوام غرباء لا تجري في عروقهم قطرة من دمائه”[10].

فقد اصبح ـ يقول ـ أدب العرب المعاصرين “صدى للأشكال والتيارات والمذاهب الأوربية”[11].

وقد أدى هذا، أضاف، إلى “تشكل الذوق (العربي) المعاصر بطريقة خارجية.. وهذا أمر خطير، لأن استيراد الذوق لا يعني استيراد سيارة أو مصنع، بل يعني ـ الرأي له ـ تشكيل إنسان بصورة غربية، فيصير مسخا من القرود”[12].

ويوكد عبد الحميد إبراهيم موقف الانحياز إلى أدب عربي معاصر يؤسَس على “الوحدة التركيبية” بما يقترحه من شكل عربي “يقوم على مفهوم الوحدة التركيبية”[13]. وقد خيل له أن “قصة” “ملكة الصباح وسليمان أمير الجن”، تصلح مثالا تقريبيا لهذا الشكل المقترح”؛ فهذه القصة “لا تعتمد على العقدة… (و) لا يمكنها أن تقدم للقارىء انتظام الحركة والعقدة والخاتمة التي يمنحها الهيكل الروائي (الأوربي).. ومع ذلك، فإن هذه القصة وبمواصفاتها السلبية هذه بمعيار النقد الأدبي الأوربي ـ يقول ـ هي “أقرب إلى طبيعة الشكل العربي المقترح”؛ فهي، لديه، تقوم على “الوحدة التركيبية”[14].

فلا ريب إذن أن دعوة “الوسطية العربية” هي دعوة للواذ بالذاتي ولا يخفي المتبني لها هذا الموقف، وهو يزعم أنه ليس غير “ناقل أمين ومخلص (وأنه) قد عبّر عن مذهب كان قائما بالفعل ويؤثر على سلوك الناس في القديم”[15].

فهل يحق لمذهب قام وأثر في الناس قديما، أن يقوم ويحكم الناس في الزمن الحاضر؟

نقول أجل، على شرط أن يتولد هذا المذهب من الأصل الثقافي الذي يسري من الماضي إلى الحاضر، ويقدر على أن يواصل تدفقه في المستقبل!

فهل يفي مذهب صاحب “الوسطية العربية” بهذا الشرط؟ نقول: كلا، رغم ظنه أن مذهبه يستوفيه!

فالمذهب الذي يتبناه صاحب “صاحب الوسطية العربية” ينتمي إلى الماضي ويغيب عن الحاضر، انتماء وغيبة غير مشروعيتين؛ فإن المذاهب الأدبية لا تأتي على غير مقتضى الواقع، فإذا اقتضى الواقع العربي القديم ـ طبيعيا واجتماعيا ـ أن يجيء التعبير الأدبي على صورة الرابطة بين حبة رمل وحبة أخرى من كثيب، فلا ضرورة ـ من طبيعة أو اجتماع ـ أن يجيء التعبير الأدبي العربي الجديد على صورة التعبير القديم؛ فليست بيئة العرب اليوم بيئة الكثبان الرملية، والكثبان الرملية العربية لا تستقر على حال بطبيعة تكوينها، فلماذا يتوجب على الأدب العربي أن يستقر على صورة تعبيرية واحدة لا تتغير على مدار الزمان، أو مع تغاير الأزمان؟!

إن نقل صورة من الماضي، والأدق أن نقول إن نقل الحاضر إلى صورة الماضي، إسقاط للحاضر في الماضي لا ينفع الماضي ولا الحاضر، فهو يمنع الحاضر من تحصيل فائدة الماضي، بتجميد الحاضر في الماضي، ثم بتجميدهما معا.

على أن الماضي العربي يقدر على أن يبعث الحاضر إذا ما اهتدت الرؤية العربية المعاصرة إلى المعنى الواحد الجامع [الأصل] للثقافة العربية. وهذا المعنى [الأصل] لا بد أن يظل ثابتا لا يقبل التغير بمقتضيات العصور والأمصار، وهذا المعنى ليس صورة تعبيرية، ولكنه الجوهر المحض أو الأصل الذي يخلق الصور التعبيرية للحياة، ومنها الصور الأدبية.

وقد قرر صاحب “الوسطية العربية” أن التراث العربي الخاص هو الإسلام[16]، ولكنه فيما يبدو لم يف هذا التقرير حقه، ولا يستوفي تقريره هذا حقه إلا أن يؤسس عليه رؤيته [العربية المعاصرة] التي تطلب غاية النهوض.

والإسلام ليس تراث العرب فيما بعد نزول القرآن الكريم، ولكنه تراث العرب قبل النزول وبعده. فالوحي جاوز بالحياة العربية مستوى ما قبل البعثة المحمدية، والمجاوزة إعادة صياغة للقديم، لا نفيا له؛ فالقرآن الكريم لم ينفِ القديم العربي ولكنه كشف عن “أصله” ونفح في هذا الأصل بقوة الحياة، فتقدم العرب من الماضي إلى الحاضر ـ حاضر البعثة النبوية ـ تقدما حضاريا فاعلا واسعا على أرض إيمان عميق بالله الواحد، تمثل في التطبيق بوحدة الأمة المؤسسة على عقيدة الإسلام الجماعية التي لا تلغي وجود الفرد ولكنها توسع هذا الوجود، ليتعادل، في الحقية الوجودية، مع وجود الأمة كلها.

وقد ذكر صاحب “الوسطية العربية” بين ما ذكر من سمات الأدب العربي القديم، سمة الحركة  التي “تتطلع نحو المطلق” التي عبرت عنها الأدعية المأثورة، بقوله، “تمام التعبير”[17]. ولم يجىء التعبير عن هذا التطلع نحو المطلق في الأدعية المأثورة ابتداء، ولكنه مبثوث في صور التعبير الأدبية العربية القديمة كلها، وهو جوهر الرسالة المحمدية، ومعناها وأصلها الذي يميزها. ولكن هذا التمييز لا يحصل دون أن يفسر بأن التطلع إلى المطلق يساوي عقيدة جماعية توحد الأمة وحدة عضوية ـ لا وحدة خلط ـ فلا تلغي الكيان الفردي، ولكنها تعيد صياغة هذا الكيان صياغة جماعية فاعلة؛ فاعلة بفاعلية فردية، لكنها فاعلية الفرد الجماعي.

ونحن نحسب أن القرآن الكريم لم ينصب للأدب غير ميزان الجماعية. فالله تعالى أطلق سهام نقده من أصل الإسلام إلى الشعراء الذين يتبعهم الغاوون. والذين يهيمون في كل واد، والذين يقولون ما لا يفعلون. فالقرآن أنكر على الشعراء وظيفة التفريق الذي نزل الوحي منكرا لها على كل أصعدة الحياة الإنسانية ومنها صعيد الإنتاج الأدبي.

والقرآن الكريم لم يلتفت إلى الشعر بوصفه تعبيرا فنيا له خصائصه وأدواته المستقله، ولكنه عني بالشاعر باعتباره عضوا في جماعة له دوره المتميز البارز. فلم يوجه القرآن عنايته إلى صور التعبير وأدواتها الفنية، فظلت صور التعبير والأدوات الفنية الشعرية محررة من مذهب قرآني في النقد تقديرا من الله الحكيم العليم أن الصور التعبيرية والأدوات الفنية أشكال يطرأ عليها التغيير، ولا يقيدها شكل بعينه، إذ التقييد تجميد للحياة الإنسانية التي تتأبى على الجمود في شكل أو لحظة زمانية.

ولكن الحياة التي تختلف صور التعبير عنها، تظل هي الحياة التي لا تنفك عن معناها الأصلي. ونحسب أن معنى الحياة الإنساني الأصلي هو فعل مجاوزة الفردية المنغلقة إلى الفردية الجماعية، وهو ما يعادل الانفتاح العقلي الواحدي، على عالم ينبع من أصل وجودي واحد، وهذا هو معنى الإسلام أيضا، وخاصته المنماز بها.

إغذا كانت “الوحدة التركيبية” هي الصورة الفنية للأدب العربي القديم، فليس يقتضي هذا أن يظل الأدب العربي على هذه الصورة في كل العصور.

وإنما الانبعاث الحضاري استقراء جديد للتراث، وليس غيبة فيه. وكل قراءة جديدة، محكومة عن اضطرار، بعوامل البيئة الطبيعية والاجتماعية [الثقافية]. وهذه المحكومية لا تعني إلا أنها بعث ما في التراث من عوامل القوة التي تؤهل الأمم إلى مواجهة العدوان الذي يهدد وجودها.

وإذا كانت ثمة أولوية في العمل العربي النهضوي المعاصر، فإنما هي مجاوزة الفردية المنغلقة إلى الجماعية الفاعلة. وتلك مهمة الأدب، ومهمة كل مذهب أدبي عربي جديد.

وعلى هذه القاعدة، نتطلع إلى مذهب عربي في النقد الأدبي، لا يسقط في الماضي، بالغيبة في لحظة تجاوزها الزمن؛ ولا يسقط في الحاضر، بالغيبة في تصورات لا تنتمي للأصل الثقافي العربي. ولا قيمة لهذا المذهب المرتجى، إلا قيمة الوفاء بمتطلبات الحقبة الزمنية العربية الراهنة، أو بمتطلبات مشروع النهوض العربي المرتجى. وإن من هذه المتطلبات، أدب يتمثل الطموح ويرقى به على مدارج الجمال إلى الذرا العالية، وليس يقدر على تصوير الطموح العالي في هيئته الجمالية غير عمالقة أفذاذ، تمتد جذورهم في الماضي، وتشمخ هاماتهم في أفق المستقبل البديع.

موقف نقدي واحدي*

الفعل الأدبي نبض منحاز بذاته، متواصل مع نسيج واحد تتوالد منه الأبعاض ولا ينفصل تولد منها عن تولد.

فالفعل الأدبي، كل فعل أدبي، نص مفتوح البداية والنهاية. وبالبداية المفتوحة يتوحد أديب مع الحادثة موضوع العمل؛ ويالنهاية المفتوحة يتوحد العمل مع الواسع المطلق.

والتوحد، سواء توحد البداية أو نوحد النهاية، ليس فعلا مضافا إلى ما هو كائن، ولكنه فعل توكيد الكون بأبعاده الزمانية المكانية. فالأدب، من وجهة نظر الواحدية، كما نتبناها، هو الفعل الذي يوكد الرؤية للوجود بوصفه نسيجا واحدا كثير الفعليات [الفرديات]، دون أن تلغي رؤيتنا الواحدية القول إن للفعفليات [الفرديات] مشروعية وجودية أصيلة، وإنها ـ وحدها ـ الحقيقة التي تجسد، في معرفتنا حقيقة النسيج الوجودي الواحد.

الفعل الأدبي ابتكار مستحدث، لا يكرر الماضي، ولا يتكرر في المستقبل، فهو إبداع، وشرط الإبداع أن يكون منحازا بذاته.

(النقد الواحدي) يواجه كل نص إبداعي برؤية إبداعية أيضا. وبحكم إبداعية (الرؤية النقدية الواحدية)، وبحكم أن النص الأدبي، هو مادة الفعل النقدي، وأن النص سابق وأن النقد لاحق، فلا بد أن يكون النقد إبداعا يجاوز إبداع النص.

الواحدية رؤية ـ عقلية ـ تتقدم بالسابق من خلال فعل تولدي، فهي لا تلغي ما فات، هي ابن الفائت وأمه في وقت واحد. هي ابنه باعتبار تولدها منه، وهي أمه التي ترضع الإبن الذي صار إليه الماضي، من صدر يسع الكائن ويسع الأحلام معا.

الواحدية، لا تقيس نصا أدبيا بمقياس أدبي ينتمي للفائت، الفائت ذائب في الراهن، ولا ينحاز بذاته انحيازا وجوديا؛ واستخدام منهج ينتمي للفائت لنقد فعل ينحاز بذاته في الحاضر، هو حكم على وجود مجسد بمقياس كان قائما في الماضي وهو ميت فعلا في الحاضر.

الماضي مات بذاته. والماضي هو كل سابق على لحظة الصيرورة التي يتفلت بها الزمان من الموت ليؤكد وجوده المستمر في الحاضر. وكل مدارس النقد، وكل الأدوات التي استخدمتها مدارس النقد، ماض تفلت منه الزمان. و(النقد الواحدي)، يسع الماضي، ولكن الماضي لا يسعه.

مثال توضيحي: إن تذكير لفظة مؤنثة، في سياق يقتضي ـ وفق أحكام اللغة القديمة ـ  التذكير، ليس خطأ بحجة أنه مخالفة لغوية اتفق أهل اللغة ـ في الماضي ـ على تخطئتها، ونحسب أن الحق هو أن نتعامل مع الاستعمال الجديد، كما هو، وفي سياقه.

ونحن ـ برؤية نقدية واحدية ـ نقبل التجديد، لا باعتباره خيارا بين قبول الجديد أو قبول القديم، ولكن باعتبار التجديد هو وظيفة كل فعل إبداعي، وباعتبار الإبداع فعل تجديد، يصور نبض الوجود المتجدد في كل نقطة من نقاط تقاطعات نسيجه، وهذا النسيج متجدد خلال تجدد كل فعلي [فردي] من فعلياته [فردياته].

و(النقد الواحدي) ـ نقول ذلك مرة أخرى ـ يواجه النص الأدبي كما هو، لا كما بفرض الماضي أن يكون؛ فالماضي لحظة مطوية، ولا نقول ملغاة، ما دام الحاضر هو ابن الماضي، وهو أمه أيضا!

السؤال المشكلة*

ينفي فريق من المعنيين بالأدب الوجوب الذي يقرره الدعاة إلى ابتداع مدرسة نقدية عربية تتميز معاييرها عن معايير النقد التي أبدعتها البيئات الثقافية الأخرى، بحجة الوحدة الأصلية للفعل الإبداعي الفني التي يجليها كل إنتاج إنساني ينتمي إلى قيمة الجمال، هذه القيمة التي لا تحيط بها ثقافة قومية، ولكنها تحيط بالثقافات القومية كلها، باعتبارها عطاءات للإنسان الواحد، الذي يجوز له التعبير عن فردية مباينة في أوجه من نشاطات لا تبلغ المستوى العميق الذي ينشد فعل الإبداع الجمالي بلوغه.

فما الضرورة إلى مدرسة نقدية عربية تنبني على أسس غير الأسس التي أنبنت عليها مدارس النقد الأدبي في أوساط ثقافية أخرى؟

وهل تصح دعوى التمايز النقدي التي يؤمن بها الفريق الذي لا يؤمن بوحدة معايير النقد الإنسانية؛ بيد أن الدعوى ذاتها تبع لموضوع ينتمي بالمنشأ والتطور إلى ثقافة أخرى غير الثقافة العربية؟! فالتاريخ الثقافي العربي لم يبدع أجناس الفنون الجميلة التي يعالج بها الإنسان المعاصر مسائل وجوده؛ فالثقافة العربية لم تبدع فنون الشعر المحدث والرواية والقصة والمسرحية والرسم والنحت. وأما ما أثبتته الذاكرة الثقافية العربيةمن فنون الشعر ـ المقفى الموزون المصفوف في عمودين ـ والمقامة والخطابة والرسالة، على النسق الفني القديم، فهي فنون طواها الزمن المنصرم وحملتها الأيام إلى حيث يحمل كل ماض بحكم قدر لا مرد له!

وقد يراوغ أصحاب دعوى التمايز بالزعم أن الموضوع الفني شكل ومضمون، فيجوز، في مذهبهم، الإفادة بالشكل وحده تحت شروط بيئات أخرى غير بيئة المنشأ المتميزة بمضامينها المختلفة عن مضامين البيئة العربية اختلاف الثقافة العربية عن الثقافات الأخرى؟!

فهل يقبل “الواحد” قسمة أبعاضه، ثم نقل أبعاض منه لتزرع في بيئة مخالفة للبيئة التي أبدعت هذا “الواحد” المبتلى بفعل قسري لا يراعي الحق الوجودي “الواحدي” المتميز لكل خلق؟!

ثم إذا جاز نقل بعض “الواحد” وهو هنا الشكل، فهل تنقل معه مدارس النقد التي تعنى بالشكل دون المضمون؛ فإذا صحت قسمة الموضوع الواحد إلى شكل ومضمون ـ صحة مفترضة لا مسلمة ـ فهل الدعوى بوجوب ابتداع مدرسة نقدية عربية متميزة، هي دعوى محدودة بالمضمون وحده؟! فهل يلزم عن هذه الدعوى عند تناول فعل مبتدع، أن يبدأ هذا التناول بنفي حق المبدع “الواحد” بواحديته الوجودية التي هي ـ وحدها ـ فعل التجلي، أو موضوع النقد؟! هل يشرع للناقد ـ والنقد قضاء ـ أن يستهل النظر في الخلق “الواحد” بتقطيع أوصاله؟!

وهل الخلق “الواحد” هو الخلق ذاته بعدما يقسم أبعاضا؟!

فهل الدعوة إلى مدرسة نقدية عربية متميزة دعوة مشروعة؟! هذا السؤال ـ المشكلة ـ يندُّ عن الأدب؟!

النقد الجاهز يناقض الإبداع*

الشعر فعل يتفلت به جماع الكل الذي يتفلت من وضعية الحلول في كائن راكد تصدأ الأنا في ظلماته. وهو ـ بمعناه هذا ـ فاعلية تفضُّ بكارة الصبح بخيال جمح به القلق المبدع، فتفتّح إشراقة وجودية تنمحي بها بثرة عفونة تخلّفت عن أنوية منغلقة مقيتة. الشعر خلق جديد متفرد من كلام تنبض أنساقه الفنية صورا مبدعَـِة منتزعة من الوضعية الكائنة للشاعر، الوضعية المتنامية من تجربة ماضوية تعبر لحظة الحاضر، عبورا يُعَضْوِن الماضي والحاضر في وحدة تقتحم المستقبل. وليس المستقبل، كما الماضي والحاضر، في تجربة الإبداع، ليس هو الزمان المقيس بحركة كونية طبيعية مردودة إلى حركة كونية طبيعية أخرى، ولكنه الزمان الكوني الوجودي الذي يلد الفعل المبدع ويلده الفعل المبدع؛ أو هو الزمان في الرؤية الواحدية للفعل المبدع (بفتح الدال)، المبدع (بكسر الدال)، في سيرورة لحظتين نمايز بينهما لغرض إجرائي، ولا يتمايزان بطبعهما الواحدي الذي يطبع تجربة الإبداع الفني مثلما يطبع كل حوادث الوجود على الإطلاق.

الشعر خلق فرداني واحدي يتعين في أحوال، كل حال منها هي عَضْوَنة عوامل كثر في مبدَع يتلقاها المتلقي كلا واحدا؛ فتنضاف إلى تجربته عاملا يَتَعَضْوَن في شعوره المزامن لتخلق تجددا انفعاليا متعاليا على الحاضر مقتحما المستقبل. وهو في مراحل سيرورته لا ينفك عن الجرثومة الفنية التي يشرع للتحليل النقدي الإجرائي أن يحددها بذاتها وأن يعزلها ـ لغاية إجرائية ـ عما يَتَعَضْوَن معها من عوامل الفعل البديع الأخرى.

ولا أحسب أن في إمكان هذه الوقفة العجلى أن تقبض على المعنى الدقيق للجرثومة الفنية الشعرية التي سوغنا للناقد أن يعزلها لغرض إجرائي، فما زالت هذه المسألة مشكلة يحوم حولها الدارسون، ولا يجرؤ أحد على الزعم بأنه فضحها؛ ولكن العجز عن فضح حقيقتها لا ينفي شرعية محاولات النمو منها، بل هو، أعني العجز هذا، مانح الشرعية للدراسة المتواصلة التي تتغيا اختراق القلب المحض للتجربة الشعرية ولكل تجربة جمالية أخرى، ولكل فعل خلق وجودي.

وقد نشأت مدارس النقد للشعر عن الشرعية الناشئة عن حق الدارسين، وعن واجبهم أيضا، تجاه التقدم نحو محض الفعل البديع بغاية فضحه، إذا جاز أن هذا المحض ذو كينونة متعينة تترقب فارسا يقتحم الستور والحصون، حجابا بعد حجاب، لينتهك كل حجاب.

وطالما كانت جرثومة الشعر فرضا لم يعيِّنه الكشف، فهو فرض قد لا يقبل التعين لكنه يقبل النفي؛ فالجرثومة التي هي محض الشعر، ذات وجود لم يعين بعد، تكشف عنه التجربة الشعرية، كشفا عاما لا محددا، يطابق المدى الذي ينتجه الفعل الإبداعي، الذي يسجل تباينا مشروعا في تفصيلاته، ويسجل في الوقت ذاته، وحدة فاردة للشعر عما سواه من أشكال الفعل الإنساني.

كيف نقارب فهما معياريا نهائيا للشعر؟ هل يصح افتراض قبول الشعر لفهم معياري نهائي إذا كان الشعر تفلّتا من كل كائن، وانطلاقا في المستقبل المفتوح؟ وفعل من طبعه التفلت لا يقبل الحجر عليه تفرضه مذاهب نقدية جاهزة تنتمي إلى زمان ماضٍ، لا إلى سيرورة الزمان المتفلتة دوما من أسر الماضي.

إن محاكمة أي نص شعري مبدع بأي معيار نقدي جاهز يعني أن النقد قيد على الفعل الإبداعي ترفضه الطبيعة الإبداعية المتفلّتة من الماضي؛ إذ النقد المحكوم بمعايير الماضي هو فرض للماضي ولهيمنته السلطوية على ما هو خارج من الماضي وخارج عنه. فالنقد، وفقا لمدارس تنتمي للماضي، سلب للخاصة الحميمة للإبداع، وهي خاصة التفلّت من الكائن بكل أوجهه.

وافتراض أن للشعر جرثومة فنية مميزة له، لا يمنح الناقد الحق في رد الشعر إلى معيار جامد، فإذا كان للجرثومة الشعرية خصائصها، فلن يكون من خصائصها أنها كينونة جامدة؛ إذ الجمود نقيضة من نقائض الإبداع، ونقيصة من نقائصه التي تأتي عليه كله فتنفيه.

كل نص شعري بديع ذات مستقلة، وخلق جديد، ولا بدّ أن يكون كل نقد للشعر تساوقا جديدا وخلقا مستقلا مع حالة إبداع قوامها التفلّت من القديم والتحرر من قيوده.

ومثلما الشعر انفعال متجدد، فالنقد انفعال متجدد بانفعال الشعر المتجدد. والانفعال في الشعر والنقد على السواء لا يقابل العقل ولا يلغيه؛ فالعقلانية انفعال، وهي انفعال فاعل، أو هي الفعل الذي يتخلق ويخلق؛ والإبداع، شعرا ونقدا، فعل يتخلق ويخلق.

الأنوثة وفزعها*

هل ينفرد أدب النسوة بخصائص يمتاز بها عن أدب الرجال؟

هذا سؤال يثير فزع الكثير، وهو يثير فزعا أشد عندما يستحيل من صورة السؤال إلى صورة التقرير!

ولكن الفزع ليس هو الرد النافي للسؤال، أي سؤال، ولا هو الرد الناقض للتقرير، أي تقرير!

وقد يكون الفزع دليلا ـ من بين أدلة أخرى ـ على إثبات القضية المعنية وتوكيد موضوعها. فإن الفزع الذي يتفجر كلما برزت دعوى خصوصية الأدب الأنثوي إن هو إلا انكشاف المطويّ في لفائف أدمغة تتفاعل مع الأفكار دون مستواها، ومن ثم، تتعامل مع السؤال ـ الذي هو حق مشروع على كل حال ـ بمنهاج يوشي بالخصوصية الأنثوية التي تجمع إنتاج النسوة الأديبات ـ أو المستأدبات ـ وتجمع خصوصية الأنوثة أيضا ـ على كل وجه من وجوه المرأة.

تفزع النسوة من الدعوة إلى أدب نسائي منماز بخصائص الأنوثة، لدوافع مختلفة، ولكنها كلها نسج على مغزل واحد، هو مغزل الأنوثة المغاير لمغزل الذكورة.

 وتصخب النسوة في مواجهة نقد يشترط، أول ما يشترط، في أدب الأنوثة أن ينبع من خاصة الأنوثة التي تتجلى في أصدق تجلياتها في فعل الإبداع الحيوي الوجودي الذي لا يدانيه إبداع إنساني سواه، وهو فعل التوالد الذي ترتقي به المرأة درجة لم يؤهل غيرها لارتقائها.

وفزع المرأة وصخبها من الدعوة إلى تمايز أدب الأنوثة عن أدب الذكورة، يحمل ـ فيما يحمل ـ معنى الأنوثة ذاتها؛ نقصد ذلك المعنى الذي يعطي الأنوثة قيمتها المطلقة مقابل المعنى الذي يعطي الذكورة قيمتها المطلقة.

والقيمة المطلقة للأنوثة هي قيمة المفعولية[18] ؛

والقيمة المطلقة للذكورة هي قيمة الفاعلية؛

خاصة المرأة في الدائرة التي توحدها مع الرجل هي خاصة المفعولية وهي خاصة لا تتدنى بالمرأة، كما لا تترقى بالرجل خاصة الفاعلية التي تميزه بالوظيفة ـ لا بالشرف ـ في دوره الوجودي. بينما تنماز المرأة بخاصة المفعولية بالوظيفة والشرف معا، بيما هي تؤدي على وجه التمام دورها المحكومة به بحكم أنثوي لا ينفيه الفزع ولا يلغيه الصخب.

ولكن مفعولية الأنوثة ذات شذى، ومن هذا الشذى أن تجيب بالنفي الظاهر على كل دعوة تستقي ماء من بئر الأنوثة وتفتح أفق المرأة إلى أقصى مداه؛ ومن طبائع النسوة أن يقلن لا، ولكنهن يقلنها من طرف لسان نهايته الجوانية مزروعة في قلب ينبض بالشوق الأثير، وبرجاء وصال يحقق معنى الأنوثة الكامل، المعنى الموحِّد لشطري الإنسان، معنى المفعولية الفاعلة، وهو معنى يزيد على معنى الفاعلية الذكرية تفضل النسوةُ به الرجالَ كما يفضل الكلُ الجزءَ.

…وكانت امرأة أديبة قد أعربت ذات مرة عن فزع النسوة من تقسيم الأدب إلى أدب رجال وأدب نساء.. وكان ذلك في مقابلة صحفية أدارتها معها امرأة أديبة أيضا، ولم تخالف الأخرى فزع الأولى.. وكان أني التقيت مع الأديبة الأولى، وحين أنكرت ـ أنا ـ هذا الفزع الأنثوي من حقيقة تدعو إلى ما ينبغي أن يكون عليه أدب النساء، وبعد أن بينت موقفي الذي أعلن عنه هنا، قالت محدثتي: “إذا كان في الرجال رجل على هذا الرأي، فإنني في مقابلة أخرى سأعلن اعتزازي بأني أديبة يصدر إنتاجها عن خاصة الأنوثة التي تنماز بها المرأة عن الرجال”.

فإذا حققت النسوة في أدبهن خاصة الأنوثة، يكنّ قد أعطين إبداعا منمازا؛ وإن المرأة هي الشطر الذي يهب الوجود إبداعه المنماز، بحكم وظيفتها الكلية: وظيفة الأنوثة!

الإبداع فعل جماعي المدخلات والمخرجات والمعنى*

انفك الرابط بين الفعل الإبداعي والغلاف الضبابي الداكن من حوله في السنوات الأخيرة؛ بما أولاه الباحثون النفسانيون من عناية علمية بظاهرة الإبداع، وبالدرجة اللائقة بها؛ تأدت إلى تبديد قسط كبير من الغموض الذي حجب، لمدة طويلة، حقيقة الفعل الإنساني التجديدي المعروف بالإبداع؛ الفني والعلمي.

كان الرأي التقليدي في الإبداع يذهب إلى أن الإبداع ظاهرة ترتد إلى أصول تقوم خارج الدائرة الإنسانية؛ لا تقبل ضبطا ولا تقويما. ثم جاء عالم النفس “جيلفورد”، الأمريكي الموطن، عام 1950م، فدشن ببحوثه عصرا جديدا من النظر إلى ظاهرة الإبداع، التي غدت، من منظوره، سلوكا إنسانيا يقبل الدرس، وممكن التعلم؛ فاستعاد المبدع “إنسانيته” التي تجمعه مع الناس كافة؛ فإذا كان ثمة تمايز ما بين المبدع وغيره، فهو التمايز الناشىء عما يحوزه المبدع من كم وافر من أفكار جديدة، لم يسبقه إليها غيره؛ حازها بالجهد المتواصل الذي يقتضيه منه دوره الإبداعي، المتضمن عنصر الاستمرارية؛ وما يقتضيه مطلب التنامي الإبداعي. إن الإبداع ظاهرة لا تندّ عن ظواهر الحياة الإنسانية الأخرى، وتتقد شرارتها بما يغذوها، وتخمد بالغفلة والتراخي.

وبرزت فكرة الإطار في بحوث الإبداع، وقرر الباحثون أن مضمون الإطار مكتسب وليس فطريا[19]. ودلل علي عبد المعطي محمد على الفكرة التي تقول إن الإطار مكتسب، بشهادات سجلها مبدعون[20]؛ منهم “ليوناردو دافيتشي”، الذي قال: “تعمل العبقريات قليلا، وتفكر كثيرا”، وقال هذا الفنان العظيم، يخاطب المصور الناشىء: “إذا أردت الحصول على درجة مرموقة في الفنون، فاعمل على دراسة المجسمات والأشكال في الطبيعة، والأعمال الفنية، مبتدئا بدراسة تفاصيلها، ولا تحاول الانتقال إلى الخطوة الثانية، قبل أن تتم استيعابك للخطوة الأولى، وتسجيلها في ذاكرتك، والتدرب عليها عمليا في مذكراتك؛ فإذا ما حِدْت عن هذا الطريق، فقد أضعت وقتك سدى”. ويرى “دافينشي”، أن من الخير للمبدع، أن يدرس القديم، ليستوعب منه منهجا له[21]، بدل أن يقفز إلى التجديد قفز الطفرة.

وذكر مبدع ثان، هو “جون كيتس”، أنه كان يقضي ثماني ساعات يوميا بين القراءة والكتابة، وكان لا يخفي وقوعه في دائرة تأثير “شكسبير” عليه. وقرر صراحة أن “شكسبير” يسيطر عليه ويوجهه. وانتشرت عبارات شكسبيرية كثيرة فيما كان يكتب من خطابات، بدون جهد ولا تكلف. ولاحظ “ريدلي” أن ذهن “كيتس” زاخر بتراث شكسبيري، أكبر مما هو زاخر بأي تراث آخر.

وأشار المبدع “بايرون” إلى اكتسابه إطارا إبداعيا، فقال في خطاب له” :لقد اشتريت عدة كتب.. من بينها أعمال “فولتير” كاملة في اثنين وتسعين مجلدا، وجعلت أقرؤها”. وكان يحرص على اقتناء الكتب لقراءتها، “ولا يحسب للنفقات حسابا”. وكانت مطالعاته متعددة الموضوعات؛ قال في أحد خطاباته: “إني مشغول الآن بالقراءة عن الإغريق والفرس”.

وكان توفيق الحكيم يقرأ مائة صفحة، أو أكثر، كل يوم، وفي شتى الاتجاهات المعرفية؛ قال في رسالة له: “لم يكن الحب في باريس بالقوة التي تخرجني عن التوازن، إنما الذي أخرجني عن طوري هو حب الأدب، وحلّت المطامع الأدبية محل المطامع العاطفية”. وكان يعتني، بينما كان يقرأ، بالفن، وسر الصنعة، وأسلوب البناء، وخلق الأشخاص، ونسج الأجواء، وإحداث التأثير؛ قال: “إني أعيد أحيانا قراءة الفصل الواحد، بل الصفحة الواحدة، مرات… كم أعدت قراءة موليير لا لشيء غير دراسة طريقته في تقديم الأشخاص ورسم أخلاقهم”.

توضح الأمثلة السابقة ما يوليه المبدعون من أهمية لعملية اكتساب إطار ثقافي نوعي، وفقا لجنس الإبداع الذي ينتمي إليه كل منهم. كان “دافينشي” رساما، فاتجه إلى تكوين إطار في فن الرسم؛ وكان “كيتس” شاعرا، فشغله الاهتمام بالشعر؛ ونحا “بيرون” نحوا خاصا به؛ ونحا الحكيم نحوه الخاص به أيضا.

والإطار، إضافة إلى كونه مكتسبا، هو “شرط ضروري للإبداع”[22]. فـ”إن لم يكن الشاعر أو الأديب أو الفنان ذا ثقافة واسعة، أجهد عقله في اكتسابها، لما أتيح له أن يصوغ الآيات الفنية الخالدة التي تطوي الدهور طيا بدون أن تفقد روعتها، بل تزداد جمالا كلما اتسعت آفاقه الإنسانية الثقافية، وأصبح أوسع فهما..”[23].

ويعمد كثير من المبدعين إلى إخفاء ما بذلوا من جهود سابقة على لحظات الإلهام، “حرصا منهم على الاحتفاظ لإلهاماتهم ببريق خلاب”[24]. بات هذا العمد ـ غير العلمي ـ من رؤى الماضي التي تفندها تجاريب النفسانيين في حقل الإبداع، خاصة تلك التي تعنى بتنشئة المبدعين.

وبينت الجهود التي بذلها علماء نفسانيون[25]، أن من الممكن زيادة القدرة الإنسانية على الخلق والابتكار؛ بالتدريب المباشر لبعض المتغيرات النوعية في الإبداع، أو من خلال التربية الحاضنة للشخصية الإبداعية، بإثارة مناخ اجتماعي مبكر، مناسب. وأمكن عزل العوامل الفعالة إبداعيا، وتحديد فاعليتها؛ فأمكن وضع البرامج التدريبية، التي تساعد على تنشيط قدرات التفكير الابتكاري، والتقليل من الظروف والآثار المحبطة له.

وإذا كان من الجائز أن يكون للعامل الوراثي دور فاعل في الإبداع، فإن هذا العامل يظل إمكانا صرفا لا سييل إلى تحققه من غير تنشيط؛ ولا يعطي التنشيط ثماره المرجوة في غير مناخ اجتماعي يغذو الإبداع ولا يعيقه، أو يصادره. فالإبداع، شأنه شأن كل حدوث، هو نتيجة مقدمات، لها ترتيبها: فالاستعداد مرتبة أولى؛ والتمكن من الوجود مرتبة تالية، نسبة إلى المرتبة الأولى، ولا يحدث التمكن من الوجود إلا في مناخ عام سابق على بروز المرتبة الأولى الفردية، يستقبل ـ المناخ السابق ـ هذه المرتبة فور ظهورها، فيغذوها بقوة النمو؛ فإن لم يعط المجتمع ما يغذو الإبداع، ارتدت إرهاصات الأخير، إلى مستويات العدمية.

على أن الفعل الإبداعي قادر على مناهضة حالة اجتماعية ترفضه؛ إذ أن من جوهر الإبداع أنه حادثة مغايرة للواقع المهيمن على لحظة اجتماعية، لها مفاهيمها وآلياتها؛ يستهدفها الفعل الإبداعي، ليجددها، أو ليرفضها. وبهذه الجوهرية، يشتبك الفعل الإبداعي مع واقع، يقدر فيه الفعل الإبداعي على إلحاق الهزيمة به ـ بالواقع ـ بامتلاك مفاهيم أصدق وأدوات أمضى مما يمتلك المجتمع الذي ينتمي إليه المبدع؛ ويتقوى الفعل الإبداعي بقابليته وإجرائيته التكيفية اللتين توفران له إمكانات تجاوز معوقات المجتمع المتراصة أمامه.

وتفشل كثير من المشاريع الإبداعية من التمكن من الوجود، والتي يرجع فشلها، كما يقول القول الشائع؛ إلى أنها ظهرت في غير زمانها؛ فالزمان القاتل للإبداع، هو المناخ الاجتماعي الرافض له؛ والمبدع الذي يظهر في غير زمانه، هو مبدع لم ينجز مشروعه الإبداعي، الذي لا بد وأن يستلمة منه مجتمع يركع للإبداع، ويشارك في فعله.

إن وصف من لا ينجز مشروعه الإبداعي بالمبدع، هو وصف لا يتحرى الدقة التامة؛ إذ أن الإبداع فعل جماعي، بمعنى أنه فاعلية تمتد بالإبداع إلى ما هو أوسع من دائرة الوجود الفردي لنقطة بروز الفاعلية الفردية؛ الإبداع فعل يشترط حيازة البعد الجمعي، باعتبار الأخير مناخه وموضوعه وهدفه. ولا معنى للإبداع إذا ما ظل فكرة أو خاطرة محبوسة في معتقل الفردية؛ إن سجون الفرديات عاجّة بالخواطر والأفكار المغايرة للواقع الكائن المغاير لها؛ فإذا لم تكبر الخاطرة، أو الفكرة، لتسع ما هو أكبر من الفردية؛ أي لتصير مقولة جمعية، فهي مشروع إبداعي قابل للموت، لم يطلب الحياة بإرادتها الفاعلة؛ ومن لا يطلب الحياة، تعصفه القواصم، وترتشف دمه؛ وقد تهبّ العواصف بينما لوح من صفيح ملقى مهملا، فيصد اللوح هوجاء العواصف عن بادرة ضعيفة شاءت الأقدار أن تنمو في كنفه؛ تقوى الحياة الطرية على التمكن من الوجود بمواصلة الحياة، بما تقوّت به على عتوٍّ مميت، بحماية من آخر مدّ وجوده بساطَ عطاءٍ لحياة، تواصل الحياة، وتهزم العدمية!

لا يجوز وصف “مبدع” لم يستكمل إبداعه بالجماعة، بالمبدع، وصفا تاما دقيقا؛ وإن جاز هذا الوصف على سبيل المجاز، ومن باب التمني؛ فالوصف الأخير موسوم برغبة الجماعة التي تود لو تتحقق الصفة بموصوف كائن، وبهذه الرغبة، يحوز المشروع الإبداعي ـ غير التام ـ على قوة تستنقذ وجوده من الحالة الفردية إلى حالة جمية؛ أو تستنقذ محضه الوجودي الباطن في جرثومته الوجودية ذات الأصل الجمعي المتمكن في كل حالة فردية.

لقد قرر دارسو الإبداع من علماء النفس، تقريرا واضحا، “أن خلق مفكر إبداعي يحتاج لمجتمع إبداعي”[26].وبينت الدراسات الاجتماعية أن المجتمعات الإبداعية، هي المجتمعات القادرة على تبني المواهب وتشجيعها، وإعطائها بذور نمائها؛ وأن لها خصائص التشجيع على حرية النمو وحرية اكتشاف البيئة، وأنها تضع الضمانات لإشاعة قيم ومثل تقبل التغير وتشجعه، وأنها تشيع جوا من الاطمئنان للنقد وتقبله في كافة المنظمات، ليس للنقد الذي ينتجه الإحساس بالاغتراب والعداوة، ولكنه النقد الذي تشعه روح البناء والحكمة والعبقرية.

ثم إن من خصائص المجتمعات الإبداعية تعاطفها مع الحقيقة وتقديمها لها. وقد تبدو هذه الخصائص بعيدة المنال، “لكن، ألا يحتاج خلق مجتمع إبداعي لجهد خارق؟”[27].

الإبداع سلوك له معناه وله خصائص ينماز بها المبدعون. وإذا كان الإبداع فعلا يصنعه فرد، فإن هذا لا ينفي أن جماعية الفعل الإبداعي، هي الخاصة الأولى التي يتوجب على السلوك الإبداعي أن يتغياها ويتمثلها؛ فالقيمة الفاعلة للإبداع، ومن ثم الحقيقية، هي قوته على خلق تغيير فيما هو كائن، نحو ما هو أجمل، بالمعنى العميق الواسع للجمال؛ أي بالمعنى الجمعي الإنساني، والمعنى الوجودي الواحدي. إني لا أحصر الجمالية فيما شاع من معناها، فما شاع هو بعض معناها؛ الإبداع خروج على ما هو شائع، أي على ما هو قارّ، لخلق حركة تجديد تشيع مفاهيم، تحوز أهلية أكبر مما يحوزه ما هو كائن، قار، آسن الماء؛ لتدنو بالفاعلية الإنسانية، من حالة الصفاء الأولى، السابقة على مرحلة اختلاق ضمير الأنوية، وبئرها، الممنوع على الرعي المشاع ارتشاف قطرة من مائه؛ الماء الذي أساله الفاعل الخالق الواحد، للوجود الواحد.

الإبداع الناجز فعل ذو مدخلات جماعية، ومخرجات جماعية؛ دخلت الفرد الجماعي بالتكوين والإمكان؛ فأعطى دخولها في الحالة الفردية صورة متفوقة للوجود المتحقق، أو الوجود المطلوب.

وثمة فارق يمتاز به الإبداع الوجداني من شعر ورواية ورسم وموسيقى ـ الرقص، مع خصوصيته، مُضَمَّن في الأجناس الفنية الأربعة المذكورة هنا ـ عن الإبداع العلمي النظري والتطبيقي؛ فارق يجعل من الإبداع الأول مثالا للمعنى الإنساني، المحدد بالنوعية الإنسانية؛ والمثال، على كل حال، وجود مطلوب، لم يتحقق بعد، ويظل مطلوبا مع كل خطوة نتقدم بها في اتجاه تحقيقه.

ومن خصائص المبدعين، التي لا تتخلف عن كل إبداع، خاصة استقلالية المبدع، التي هي الشرط اللازم الحاسم لتحقيق الفعل الإبداعي، إنجازا، وعطاء جماعيا، جماليا. ومع توكيد استقلالية المبدع، نوكد، بالقوة ذاتها، جماعية الإبداع الجمالي؛ فاستقلالية الفرد، ليست مغايرة للجماعة؛ الاستقلالية الفردية مغايرة للقيم الجماعية التي لا تتسق والمصلحة الأصلية للجماعة، بما فيها الفرد المبدع، عضو الجماعة، التي أعطته، ولا بد له أن يعطيها: أعطته من الحقيقة؛ والإبداع إعطاء من الحقيقة، لتتوسع الحقيقة بذاتها، وبتحققاتها؛ الإبداع أجلى تحققات الحق.

وما قد ينزلق إليه المبدعون من الانصياع لقيم الجماعة المتفشية، غير الجماعية أصلا وحقيقة، إنما هو تناقض يخلخل الدور المنوط بالفعل الإبداعي ويدمره. وقد ينافق المبدعون، أو يضطرون للنفاق، وينصاعون لإغرائه، ويحسبونه تقية، يبلغون تحت ستارها غاية يحسبونها، أو يتوهمون أنها غاية إبداعية. هذه تقية تطرد المبدع من جلالية الإبداع إلى ركود الوجود، وتؤصل قيما، لا معنى للإبداع إن لم يخلخل قواعدها، ويعيد تأسيس الحياة من جديد على قواعد أخرى، ينسجها الفعل المبدع من الدم الغض المتدفق في عروق لم تتصلب بعد: دم الغانيات الفارهات الفاهمات، الراقصات على إشراقات الصباحة، وعلى وضاءة العتمات.

والشر الأنكى من شر هذه التقية، هو أن يصير المبدع نموذجا عينيا للنفاق الاجتماعي؛ فالمبدع المنافق فعل قبيح ينقض جمالية القول أو اللحن أو الرسم، التي تنبلج عنها الفاعلية الجمالية المنسربة في لحظة، لا ينتمي مثلها إلى قبيح، قبح النفاق؛ فما النفاق إلا انشطار ذات، بين الحق والباطل؛ وما الجمال إلا وحدة ذات من الجمال الراقص رقص الصوفية؛ صوفية أولئك الذين هم أرض يطؤها البر والفاجر؛ ثم يقف داعيهم، “يوم الحشر الأكبر”، وظهره إلى السعير المتلظي، يناشد الجبار: “ربِّ اجعلني فداء”؛ ياأيها الجميل ارحم! فأين من هذا الجمال، قبح المنافقين، وتقية المرتجفين؟! هذه التقية، وما تطويه من نفاق، سبب يعلل الاستهجان الذي يلقى الناس به الفعل الإبداعي المفرغ من روح الشهادة في سبيل الحق؛ وهو استهجان له من الإبداعية حظ أكبر مما لفعل المبدع المنافق؛ هو إعراب عن استعدادية إبداعية قابلة، في انتظار فاعلية إبداعية رسالية، تتشوق لها جماعة تتململ من روائح ماء حياتها الآسن، وتشكو من مرض انفصامها بين التمني والتطبيق.

إن المكاسب التي يجنيها الإبداع من الدراسة العلمية له، ومنها الدراسات النفسية التجريبية، هي، في الحقيقة، مكاسب للجماعة؛ صانعة الإبداع؛ بما توليه ـ الجماعة ـ للإبداع، من رعاية يعود خيرها عليها، من خلال أبنائها المبدعين، المحظيين بالمحبة والتقدير. ولا تحب الجماعة ولا تقدر، تقديرا كريما، من أبنائها، إلا إبنا يرد لها جميلها، ولا يعقها.

وأهم ما كشفت عنه بحوث النفسانيين عن التنشئة الاجتماعية للإبداع، هو التوكيد على جماعية الإبداع: الجماعية التي لا تلغي الفردية، ولكنها تؤصل فاعليتها؛ فتوجه حركتها نحو الجمال الحر للكل؛ والفردية الفاعلة بالجمعية الجميلة، هي مطلب الفعل الإبداعي الجمالي الأصيل، وهي هي الجمال ذاته!!

لا ينمو إبداع من غير نقد..*

قد تقرر في المعقولات بحكم لا يتخلف، أن كل بذرة إنما تنو ، إذا نمت، أو نُميَّت، في بيئة تلائمها لا غير. ففعل النمو كون جديد يجمع في وحدة عضوية متفردة، عوامل من الذات وعوامل مما سوى الذات، في حركة تخرج بها الذات من ذاتيتها، وبها، إلى ذوات أخرى كثيرة، هي مجال الحياة للحالة الفردية النازعة للحياة خارج إطار دائرة الكينونة الضيقة.

والخروج من دائرة ضيقة إلى أخرى واسعة، في الحالة الإنسانية، ينماز عما يقابله في التشيؤات الوجودية اللا إنسانية، بالأهلية التي تملك زمام القدرة على اختراع حضارة، هي نتاج الفعل الجماعي، مثلما هي الدليل الوكيد على الأهمية المتزايدة للرابطة الإنسانية الجماعية. فالنمو في الحياة الإنسانية ليس حركة الضرورة الطبيعية من ذات إلى ذوات فحسب، ولكنه حركة الطبيعة في مرتبتها الاجتماعية الحضارية، أو هي الحركة الأعقد الأعمق.

أما الإبداع الفني فهو فعل التعالي عن مستوى الوجود الإنساني؛ إذ هو الخيال الجامح إلى جمالية إنسانية تجاوز المحدودية وتدفع أسوار الأنا إلى ما وراء الآخر، ابتغاء جماعية لم تنشأ بضرورة الاجتماع الحضاري، وإنما جماعية تتقوم بالحب وبالحرية على السواء. فالإبداع الفني فعل ينمو من ذات إلى ذوات، أي في بيئة تلائمه كما يقرر حكم الضرورة الطبيعي، وهو فعل اجتماعي حضاري بحكم أنه فعل إنساني؛ ثم هو، وبخاصته الفريدة، فعل التنامي من بؤرة تَوَحُّدِ الحب والحرية الحية في غور الوجود الإنساني، نحو البؤرة ذاتها، في كينونة إنسانية أخرى، الذي يعلو ـ هذا الفعل ـ بخيال الجمال الجامح، على افتراق الناس ودواعيه؛ فهو، والأمر كذلك، أحوج إلى الذوات الأخرى، من فعل النمو المحكوم بالضرورة الطبيعية، أو المحكوم بالضرورة الطبيعية الحضارية. فالحب المتوحد مع الحرية في البؤرة الحية العميقة مطلب عزيز يواجه من المغالبة ما يساوي القوة المغروزة في الموجود الطبيعي ابتداء من أول بروز للوجود في صورة فردية يتهددها الهلاك، فكان عليها أن تصارع خطر الفناء، من وراء حصون أناها المحكمة، لعل التراجع إلى مبتدى الوجود، شريعة لا تنكر استخدام أشرس السلاح؛ فما قوة ريحانة طرية تشق في لين، طبقة السطح من أرض تشهد صباح مساء، المعارك المحتدمة، من غير معنى، ومن غير غرض، إلا مدافعة الفناء بالفناء؟! ما قوة نمو جمالي على مواصلة الحياة، إن لم يحظ بأياد حانية ترعاه؟!

فالعمل الفني أو الإبداع الجمالي حركة تنمو من ذات فنان إلى حضن الموت، إن لم يلق هذا النمو الاحتفال به بما يلائم خاصته الفريده. والاحتفال بالجمال أو تلقيه بما يلائمه، جزء من العملية الجمالية المتكاملة. فالإبداع وحده ليس الجمال كله؛ إذ أن الإبدداع فعل يتوجه إلى المتلقي، ليحدث فيه الأثر المبتغى، فإذا حدث هذا الأثر، دخل المتلقي في الحالة الجمالية، دخول المكون ـ المشارك ـ لها، من باطنها لا من خارجها. وإذا كان الإبداع فعلا تعجز عنه الأكثرية، فإن التلقي المتذوق له، إمكان عام لدى الناس يقبل التحقق بالتربية الجمالية، القاصدة إلى تكوين بيئة جمالية ينطلق فيها فعل الإبداع، فيفلت من خطر الموت المبكر من حصره في دائرة منتجه. نقول هذا، وليس يخفى علينا أن التربية الجمالية ممكنة في حدود تضيق عن اشتمال الناس كافة في رحابها، ولكنها تظل مطلبا ملحاحا، بقدر ما هي ضرورة لرعاية الفعل المبدع وإنمائه.

وحركة النقد هي الكفيلة برعاية الفعل المنتج للإبداع، بتمييز الإبداع عن ادعائه؛ وبتهيئة بيئة جمالية بالحوار النقدي الرصين المقدام. فإذا تميز الأصيل عن المدَّعى، وإذا نما الفعل المبدع في بيئة نقدية جمالية، فإنه يكون قد أعطى النشاط الجمالي حظه الوافر الكافي لأن يحلِّق بالحياة الاجتماعية إلى مستواها الرائق.

ويكون النقد قد وفّى بالمطلوب منه إذا ساهم إلى غاية النجاح في إنشاء جمهور الجمال، وفي تأصيل حاسة التذوق الجمالي بين الناس. ولكن إفادة الشهادة الصادرة عن حالة الضمور الكمي والنوعي الذي يعاني منه جمهور الإبداع الفني ـ على المستوى العربي ـ تقول إن النقد المطلوب  لم يوجد بعد؛ أو إن ما وجد منه قاصر عن بلوغ الهدف.

المناخ العام هو البعد الخارجي لكل عمل جديد. والنقد بالنسبة للعمل الإبداعي، هو بعده الخارجي قياسا إلى ذاتية الأديب. ولكن النقد بذاته ليس خارجا عن العمل الإبداعي بذاته، إنما هو مجال نموه؛ فإذا لم يكن للعمل الإبداعي مجال نمو، فلا نمو له.

النقد يفتح الأفق للمنتج الأدبي. ولا ينمو الإبداع الفني في بيئات مغلقة؛ فالإبداع طبيعته الحرية، والحرية طبيعة العقل، والنقد عقلنة نزيهة للتجربة الفنية، تتغيا تعميق مفهوم الجمال لدى المبدع المنتج ولدى المبدع المتذوق على السواء، وذلك بتغور بنية التجربة الإبداعية، للكشف عن أبعادها الذاتية والجماعية، بتحليل عناصرها، مع الحفاظ على وحدتها العضوية، كبنية واحدة، تعطي مُتَخَـيَّلا جميلا بصور متعددة.

العمل المبدع تعيين جمالي للوجود البهيم. والنقد يتقصى التجربة الإبداعية في غورها الضارب في بهيمية الوجود؛ ولا نقول إن من شأنه أن يفض سر التجربة الإبداعية فضا لا يخطىء الهدف؛ فالنقد تجربة ذاتية، كما عملية الإنتاج الفني. وتعكس تجربةُ النقد، تجربةَ الإنتاج، على مرآتها النقدية الذاتية، لا على مرآة أخرى. النقد من وجهه المقابل للتجربة المنتجة للإبداع ذو طبيعة هي ذاتها طبيعة التجربة المنتجة؛ وبهذه الطبيعة الواحدة يتوحد إنتاج الأدب مع تذوقه؛ فالتذوق المعمق هو مجال الإبداع الحيوي الذي لا تنمو حركة إبداع فني في (و بـ) سواه!

إذا قال الشاعر ما لا يفعل…*

{ولمّا عصى أبوانا وعى الإنسان الجمال!}

الشعر فعل الجمال المنطوق المصنوع من روح جماعية ديدنها التفلت من الوجود على حالته الكائنة ما كان الوجود الكائن ظلامة الجهالة تلك التي تغلق أبواب الأنا تجاه الغير فيقوم الناس فرادى في بطن حصون راسخة في الطين، فلا يكون للشعر من معنى والحال كذلك، إلا أنه الدعوة الناعمة للالتقاء فوق السكون المُخْشَوْشِن القبيح. وتزداد أهمية الشعر بمعناه هذا في زماننا الراهن لتفاقم مشكلة الانشطار التي تتهدد وجود الأمة من داخلها تحت ضغوط تحديات خارجية لا خطر منها إذا ما واجهت الأمة مشكلات وجودها كلها بالجماعية النابعة من التراث الحي ومن ضرورات الحاضر؛ وهي جماعية لا تلغي الفردية وإنما تعمقها؛ فالجماعية النابعة من التراث الحي، كما نتصور، والقادرة على مواجهة تحديات المرحلة الراهنة تُوَسِّع الفردية لا من وراء حصونها الفاصلة بين الناس، ولكنها تُوسع الوجودَ الفردي بالتلاقي مع الغير علىأرض الحب وفي ظلال السلام المرفوع على عُمد العدالة. والحب والسلام والعدالة مقومات الجمال الأصيل الذي يرنو إليه خيال الشعراء مثلما ترنو إليه القلوب كلها.

الشعر فعل فرد عميق الوجود، وهو نسج من الجمال لحياة الإنسان في بحور الاجتماع. وقبل صوغ الشعر في أنساقه المعهودة، فهو أفكار لا تتمايز عن الأفكار التي تتوارد على الخاطرات مطلقة.. ثم يغدو الشعر فكرة منمازة بعدما يصير دعوة ناعمة جميلة تتعالى بالوجود عن واقعة الخشن القبيح. أي إن الشعر فعل التخارج من الذات إلى الذوات الأخرى في لغة جميلة تتغيا الحياة الجميلة التي تتقوم بعلاقات اتصال تفتح الوجود المحدود على الأفق الواسع لوجود واحد يجمع الكثرة لا جمع الأرقام، وإنما جمع العضو إلى العضو في كل لا يتفرق.

الشعر كلام جميل الفاعلية.. فإذا قال الشاعر:

“ليت الفتى حجر

“يا ليتني حجر….”[28]

أو قال:

“يا أيها المحتسي عرق العامل

“انتظر

“الزرقة اجتهدت

“زرقة البحر تبتكر اللافتات المشاكسة….”[29]

فقد قالا كلاما إذا تلقاه المتلقي حلّق بأجنحة الشعر في وجود متخيل جميل؛ هو بقول الأول الحرية في الوطن، والمعنيّ حرية الفلسطينيين في وطنهم الذي اغتصبته الصهيونية، اغتصابا لم يسلم لها؛ فقاومه الأطفال بالحجارة؛ فكان الحجر في النص المذكور رمز الحرية التي يحلق إليها الشاعر بخياله، تحليقا يتردد صداه في مخيلة المتلقي. وهو بالقول الثاني رفض الظلم الذي يشيع بين الناس، وقد خص الشاعر هذا الظلم الواقع على طبيعة الحال الذي صُوِّر باحتساء عرقهم.

والكلام هذا، شأنه شأن الشعر الجيد كله، جميل طالما هو ينشر بين الناس دعوة الجمال. والدعوات لا تنتشر إلا بالقبول الحسن لها. ولا يقبل الناس قولا لا يداوي جراحهم، أو يداعبها، أو يهديهم إذا ضلّوا أو إذا عاقت أمانيهم العوائق.

والأمة التي يصدها عن تحقيق أمانيها انشطار يقسم الذات إلى ذاتين أو أكثر، لا تتلقى تلقيا جميلا، فاعلا، قولا لا يحمل في جوفه وعلى ظهره دعوة التوحد، أو دعوة القوة القادرة على مجابهة تحديات الحياة.

وإن النفاق أقبح الخصال. فإذا أخفى القائل الحقَ بالباطل، فهو مشطور مُعْدٍ ينقل المرض وينشر آفته في الناس. ويوكد واقع الحال أن النفاق مرض مستشر يجري في دماء الأمة ويسكن في مفاصلها. ومواجهة هذا الواقع القبيح واجب على الشعر بمقتضى طبيعته ووظيفته. والشعر مطلب جماعي بمقدار ما يحقق ماهيته الجمالية. فهل تتحقق ماهية الشعر الجمالية ذات الغاية الجماعية إذا ما كان ناظم الشعر عينه مشطورا بمرض النفاق القبيح؟! هل الراكد أسفل مراتب الوجود الإنساني، في مرتبة النفاق، يقدر على أن يحلق في رحاب الخيال الجميل؟! وإذا كان مثل هذا التحليق ممكنا، فهل هو تحليق الشاعر الجميل الفاعلية؟!

وكانت العرب قد أنزلت الشعر المكانة الأولى؛ فلمّا تكسّب به الشعراء، تراجع الشعر عن مكانته، التي احتلتها الخطابة؛ فالعرب رأوا الشعر على هذا التقدير فعلا جميلا لا بمعنى أنه جميل الشكل، ولكنه جميل جمال الرسالة المنقولة من الشاعر إلى المتلقي، أو من الشاعر الفرد إلى الجماعة الشاعرية. والتكسّب بالشعر نفاق لا تتحقق به ماهية الجمال وإنما يتحقق به تضخم القبح الإنساني وتفاقم مشكلة الانشطار التي لم تزل تتهدد الإنسانية منذ اكتشاف القدرة على الكذب كوسيلة تتحصن وراءها الأنا الجهول بظن زائف لا تلبث الحقيقة أن تبدده.

وكان العرب قد اشترطوا على الشاعر أن يتماهى بشعره فيكون الشعر تعبيرا أصيلا عن أخلاق الشاعر، وتكون اخلاق الشاعر تعبيرا أصيلا عن حاجات الحياة الاجتماعية. هذا الموقف العربي النقدي القديم، هل له من الجدارة ما يؤهله إلى أن يُبعث من جديد بمقتضى ضرورات العصر العربي الراهن، المُعْوَز بالدرجة الأولى إلى جماعية تمتح من التراث الحي، وتواجه به الأمة مشكلة انشطارها على المستوى الفردي وعلى مستواها كله؟

فإذا تمنى شاعر أن يكون حجرا، يقذف به أطفال الشعب الفلسطيني الأعزل، عدوا جاثما على الأرض وعلى صدور أهلها الشرعيين؛ ثم إذا شاء الله لهذا الشاعر، فكان عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي التي تمثل نضال الفلسطينيين ضد الصهيونية في أعلى الدرجات على ماهو الرجاء، فهل يحق للناقد أن يحاكم أقوال الشاعر بأفعاله فما يتعلق بمسألة بعينها؟!

وإذا توعد شاعر بالويل أولئك الذين يحتسون عرق العمال، ثم شاء قدر الله وحده، أن يُبتلى هذا الشاعر بالامتحان؛ فإذا أحتسى الشاعر عينه عرق العمال؛ فهل تقع على النقد مهمة تقويم القول الشعري بالموقف الفعلي للشاعر الذي عكس مشكلة الانشطار الحادة الأليمة، بكلام جميل تأدى إلى توكيد واقع قبيح؟!

وليس من شأن هذا المقال أن يتقصى آراء نقادنا المدونة في الكتب. ولكن الرأي الذي يتبين للناظر فيما ذهب إليه غير قليل من دارسي الشعر  ينحاز إلى تقرير أن المقابلة بين قول الشاعر وفعله مسألة لا يحفل با النقد. ويمثل محمد غنيمي هلال هذا المذهب بقوله: “ويجب التفريق بين شطري شخصية الشاعر: الشعري والعملي. فالشطر الأول مثالي، يحكي فيه ذات نفسه كما هي، ويصف مثله وأهدافه وآماله وآلامه. والثاني عملي يتقيد فيه بقيود الحياة كما هي من حوله”[30].

ومن الواضح الخالص من اللبس أن رأي هلال هذا يصدر من موقف معرفي ثنائي تبلور في الفصل بين القول والعمل، إذ أجاز شطر شخصية الشاعر إلى اثنين: واحد يقول القول الجميل، وآخر يفعل لا كما يقول؛ واحد له مُثلٌ وأهداف عليا، وآمال وآلام جميلة؛ وله، هو ذاته، عمل يرسف في قيود الواقع، المختلف عن القيم العليا، وكما هو!

برزت الثنائية في نقد هلال هذا بروزا يوكد على عمق جذورها لديه، إذ ربط الصدق الشعري بالروح، وحصر فاعلية الروح في الجانب المثالي كموضوع للخيال، وفصل الروح الفاعلة عن الجانب العملي[31]؛ ليشطر الحياة في نموذج الإنسان الشاعر شطرين، يحلق أحدهما بالخيال، ويواصل الثاني استغراقه في الواقع المناقض للمثل التي يعبر الشعر عنها، بينما وظيفة الشعر كما تقتضيها ضرورات الاجتماع، هي حث الواقع على التحرك تجاه المثالي؛ وليس يستقيم حث، ما لم يكن الشعر عامل مشروع موحد، يتحقق في الخطوة الأولى، بفعل الشاعر المتطابق مع قوله الجميل.

وأصل العلة في الرأي الذي يقسم حياة الشاعر إلى شطرين لا تشترط تطابقهما، إنما هي الثنائية التي تشطر الأمة ببنيتها الفردية وبنيتها الكلية؛ تلك الثنائية ذات الجذر التاريخي، المغذوة بانشطار معاصر بين الثقافة القومية والثقافة الأجنبية.

على أن رأي الفصل بين تجربة الشاعر وشعره، ليس هو الرأي الأوحد في الساحة العربية المعاصرة، فقد رفضه نزار قباني؛ فالبنسبة له “لا انفصام بين التجربة والتعبير عنها”؛ وكانت تفاصيل حياته كلها، يقول، معجونة بالشعر. ولدىجبرا ابراهيم جبرا، فإن “أعظم القصائد تأتي لصيقة بالفعل”[32]. ولم يكن أحد من شعراء الجاهلية “يرضى بالكذب فيصف ما ليس عنده، كما يفعل المحدثون”[33].

إن الشاعر إذا فعل ما لم يقل، فإنما هو يعمق مشكلة الانشطار، بأداة جمالية، لا تلبث أن تنقلب، لدى المتلقي، إلى منعكس قبيح؛ فيتناقض الفعل الجمالي، بين عملية انتاجه وعملية تلقيه؛ فينعكس هذا التناقض، بسلبيته، على فاعلية الجمال الملازمة للإنتاج البديع، وعلى وظيفة الفعل الجمالي الاجتماعية.

وإذا كان ثمة سمات فارقة لهذا الزمان، فإني أحسب أن من أبرز هذا السمات، سمة فقدان الكلمة لقيمتها. وهذه السمة مظهر ضعف اجتماعي، وعلة تخلف. وإذا كان انعدام الثقة بالكلمة، على العموم، أحد أهم العراقيل في وجه حركة نهوض تجاوز فيها الأمة واقعها الراهن الراكد؛ فإن انعدام الثقة بالكلمة الجميلة، مشكلة مضاعفة، إذ هي إضافة مؤلمة للحياة كما تجري؛ وهي كذلك، تجميد لفاعلية الجمال، في مجتمع يرنو الجميلون فيه إلى تغيير يعلو على قبح الوجود.

النقد معيار ضابط للشعر؛ فالشعر المجرد فعل وجدان متحرر.. أما الحرية فتنقلب إلى الضد منها إذا انطلقت على الهوى الفردي.. ففي وجود يشارك الناس جميعا فيه، ويصنعونه معا، فالحرية ليس هوى فرد، وإنما هي مقتضيات اجتماع.  وتطابق هذه الرؤية النقدية حكم القرآن الكريم، المنصوص عليه في الآيات الأربع الأخيرة من سورة الشعراء؛ فكان النقد الذي وجهه الله تعالى للشعراء هو هيامهم في كل واد؛ و”أنهم يقولون ما لا يفعلون”.

ويوحي القرآن، بأن الحياة الإنسانية المكلفة والمسئولة عن فعلها، ابتدأت بلحظة وعي جمالي. فمعصية أبوينا آدم وحواء لربهما، بأكلهما من الشجرة التي حرمها الله عليهما، فخرجا لهذه المعصية من الجنة وهبطا إلى حياة أرضية ما يزال أبناؤهما يتشوقون إلى الخلاص منها، ويرنون إلى وجود أرقى؛ تلك اللحظة من المعصية، كانت لحظة تكشُّف الوعي الجمالي الإنساني للمرة الأولى.. لحظة انكشاف سوآتيهما لهما.. فرؤية السوآت تعادل [سلبيا] الوعي الجمالي؛ فالسوآت لا ترى بغير الوعي الجمالي؛ وقبل المعصية لم يكن وعي جمالي إنساني، فلم ترَ الإنسانية ـ أبوانا آدم وحواء ـ سوآتها!

والحياة، حياتنا على الأرض، التي بدأت بلحظة وعي جمالي، لم تنفك، [ليس لها أن تنفك]، منذ بدايتها، وعلى مداها المترامي، عن القيمة الجمالية. الحياة الإنسانية ليس لها أن تقبل قسمة وجودية؛ إن الحياة الإنسانية شوق متواصل إلى مثال الجنة؛ ولا يستقيم للإنسان طلب الجنة هنا في الدنيا، أو هناك بعد الممات كما يقرر الدين، إلا بشوق يتوحد فيه القول والعمل.

إن الشعر دعوة للجمال.. بالجمال..

توفيق الحكيم.. رؤية ثنائية*

الحفاوة بالمبرزين من أهل الفكر والأدب الراحلين دلالة لا تخطىء على رقي الأمم مراتب الحضارة العالية. فالفكر والأدب إبداع للحياة الإنسانية على صورة تُجاوزُ حالة الأزمة التي يتأدى إليها الوجود تحت ضغط نهايات السلوك في النقاط الجامدة. إن الفكر والأدب فعلان للخيال الجامح النامي من ضمير الأمة، المقدام نحو الحرية المبدعة، انطلاقا منها. فإذا ترجمت الأمة، بموقف ملموس، استجابتها للحرية النابضة للخيال الفكري الأدبي الخلاق، فإنها تكون قد أثبتت بالدليل النّاد عن الشك، أن لديها قوة الحياة المطلوبة في الموجهة الحامية مع عوامل الفناء. وأدنى صور الاستجابة للفكر والأدب النابضين بالحرية الخلاقة، هي صورة الحفاوة بالمبرزين من مفكري الأمة وأدبائها، حفاوة تؤصل القيمة الرئيسية للفعل المبدع؛ وفي الوقت ذاته، تمد هذا الفعل المبدع، بزاد الاستمرار، بعدما تمنعه من الذوبان بالإهمال أو النسيان، أو بهما معا. ونحسب أن الاحتفاء بالفقيد الكبير توفيق الحكيم، حق له، يتوجب علينا بالدور المتميز له الذي قام به في الحقل المزدوج للفكر والأدب، بطول ستين عاما، عاشت فيها الأمة تجربة مخاض، عكسها فكر وأدب الحكيم، لا بالتصوير فحسب؛ ولكنه قرن تصوير التجربة في واقعها، بتصورها في مستقبلها.

حاول توفيق الحكيم ـ رحمه الله ـ في أعماله الكثيرة الفكرية والأدبية على السواء، فهم الإنسان في وضعية الكائن الوجودي، وفي وضعيته الاجتماعية. ولكن الحكيم لم يكن قد صدر، بينما كان يحاول فهم الإنسان، عن مذهب محدد من قبل، فهو في المقام الأول فنان، والفن بطبيعته الأصلية، فعل يتأبى على الخضوع لقيد المذهبية، وعلى الرغم من أن الفن المذهبي حقيقة واقعية صنعها اتجاه عريض، وبألوان متعددة ومتباينة في عصور التاريخ المتوالية، إلا أن أديبنا توفيق الحكيم، كره الفن الذي يُبنى على مذهب. على أن تفلت الفنان من المذهبية القبلية لا يقابلها عنده ذاته، انفكاك المذهب عن الفن، بششرط احد، هو أن يُبنى المذهب على الفن. وفي هذه الحالة، لا يضير توفيق الحكيم، ولا يقيده المذهب الذي يمكن أن يُستخلص من أعماله المختلفة. وقد قام الحكيم بنفسه، باستخلاص المذهب اللاّم لجوانب فكره وأدبه، فحدد أسسه وقواعده في كتابه “التعادلية” الذي وضعه جوابا على سؤال قارىء وصفه الكاتب بأنه “جادّ”.

يمهد الحكيم الطريق إلى “التعادلية” التي يصف بها مذهبه في الحياة والفن بالسؤال عما هو الإنسان؟ هذا السؤالالغامض في اعتبار صاحبه، لا يؤمل منه الانتقال منه إلى إجابات قاطعة، أو حلول نهائية.. إنما المطلوب هو “الاجتهاد في الملاحظة والتفسير.. كل من زاويته.. وكل بوسيلته.. وكل بأسلوبه”. فالحكيم يعي بدرجة واضحة المدى الذي يتوجب على العقل الفردي المجتهد التوقف عنده؛ فالحرية هي الخاصة الأولى للنشاط العقلي مثلما هي المطلب الأول له. ومن حرية العقل يلزم التسليم بعموم الحرية للفكر الإنساني، الذي يعني أن الحرية حق للناس جميعا، لا حكرا على نفر منهم؛ فالحقية مشاع، مشاعية الوجود من حيث أنه حق لكل موجود. فكما أن الحياة حق للناس على السواء، فالتفكير الحر الخلاق حق للناس على السواء أيضا. ولو كان من حق فرد ما أن يحتكر التفكير وأن يفرض الرأي الذي يظن صوابه فرضا نهائيا وجوابا قاطعا عن الأسئلة الوجودية الجوهرية، فإن من حق فرد يحتكر الرأي ويفرضه، بالاتساق لا بوجه آخر مشروع من وجوه الحق، أن يحتكر حق الحياة دون الناس أجمعين؛ على تقدير أن حياة الناس خلواً من ميزة التفكير، ردة من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الحيوان أو أذل!

وأول صفات الإنسان التي لفت الحكيم النظر إليها، والتي لا تقبل الشك، هو أنه يعيش على هذه الأرض التي أهم صفاتها أنها كرة تعيش بالتوازن أو التعادل بينها وبين الشمس الأضخم منها. فإذا فرضنا وقوع خلل في علاقة التعادل بين الأرض والشمس، بلعت الشمسُ الأرضَ، أو ضاعت الأرض في الفضاء. فالتعادل ـ يقول الحكيم ـ قانون يحفظ الأرض على حالتها الراهنة الصالحة للحياة عامة، ومنها حياة الإنسان. فهل تصبغ التعادلية علاقات الإنسان، مثلما تحكم علاقات الأكوان، ومنها علاقة الكون الأم بالكون الشمس؟ بعبارة الحكيم: “التعادل إذن هو الحقيقة الأولى لحياة الأرض. فهل صفة التعادل هي أيضا الحقيقة الأولى في كيان الإنسان؟”.

ولا يلتفت الحكيم إلى ناحية الإنسان التي يصفها بالمادية، “فما يهم رجال الأدب والفن هي الناحية ـ يقول ـ الروحية في الإنسان”؛ على رغم أنه بات من الصعب، وخاصة في نظر المعرفة الحديثة، بتصريحه، في الموضع ذاته، “فصل ما هو مادي عما هو روحي”. ولكن الحكيم يغض الطرف عن النزوع الواحدي لنظرية المعرفة الحديثة، ويعتمد أساسا ثنائيا لرؤيته الخاصة، استنادا إلى المعنى الشائع في الأدب والفن لكلمة الروح… “المعنى الذي يراد به الإشارة إلى حياة الإنسان الفكرية والشعورية”.

ها قد خالف الحكيم اجتهادا عقليا نازعا إلى الواحدية، وهذا حق مشروع له، فهل حق مشروع له، أو للنشاط الفكري أن يعتمد المعاني الشائعة أسسا يُبنى عليها مذاهب في الحياة وفي الفن؟ قد يصح الجواب بالإثبات إذا صحت الدعوى بجواز تصوير الفكر الخلاق للفكر الشائع المنقول بالميراث أو بالمعاصرة الموهومة المشوهة، تصوير محاكاة، لا تصويرا يسبق خطوة التجاوز أو التصويب.

على أن الحكيم يحدد مهمة الأديب أو الفنان بأنها “بناء الإنسان من جديد، بناء حرا ينبع وحيه من صميم موهبته الخاصة في الخلق والملاحظة والمحاكاة”، ولا يقصد بالمحاكاة تقليد المظاهر السطحية، وإنما يقصد بها “محاكاة الطبيعة في قوانينها الخفية التي يستطيع الفنان اقتناصها بشبكة إحساساته الدقيقة”.

إذن ينفي الحكيم أن يكون مذهبه تصويرا للواقع أو محاكاة تقليد للمظاهر السطحية فيه.. ولكن هذه دعوى لا تسلم من الغلط إلا بمقدار ما تصدق الدعوى التي تتأدى فيها المقدمات إلى غير نتائجها المنطقية الضرورية.

لقد تغيا الحكيم بالتعادلية اقتناص قانون الحياة، وظن أنه أصاب مرماه بتصوير الحقيقة في نموذج فكري يرسم معالم مذهبه في الحياة والفن، مذهبا يساهم به في الإجابة عن سؤال عما هو الإنسان؛ وقد نسي أو تناسى أن بناء الجواب على معنى شائع للحياة الإنسانية لن يكون إلا بناء لا يغاير الشائع من الأفكار، ولن يجيء إلا تكرارا للحياة لا تجديدا لها!

تبرز في تعادلية الحكيم عقيدة الثنائية التي تمايز بين نشاط التفكير ونشاط الإيمان. هذه الثنائية عقيدة دينية يؤمن بها الحكيم، ويؤمن بها عامة الناس. وهو يعلن أن التعادل بين التفكير والإيمان، أو بين قوة التعقل والقلب، ظل صورة للعلاقة الصحيحة بين الإنسان، وبين وجود آخر يؤمن به الإنسان، وينفي وحدانية الإنسان، في الكون؛ هذا الإيمان بوجود آخر هو ـ لديه ـ الإيمان الذي يعادل العقل.

وإيمان الحكيم الديني هو إيمان السلف من علماء الكلام: يلد الإيمان بالله أولا، ثم يرعى العقلُ الإيمانَ بالدفاع عنه، شريطة أن يظل كيان الإيمان إلى جوار كيان العقل، ليس خشية أن يمتد الإيمان ليغزو العقل، ولكن خشية أن يطغى العقل على الإيمان، فيختل ميزان الحياة الإنسانية، مثلما وقع في العصر الحديث، على ما يذهب الحكيم، بغلبة الظن بالوهية الإنسان الحر تمام الحرية، الخاضع للنزعة المادية، الرافضة للروح.

تبرز ثنائية العقل والقلب مرة أخرى في تعادلية الحكيم، لدى إجابته عن سؤال: هل الإنسان حر في هذا الكون؟ وهو يقر بالحرية الإنسانية التي تبلغ نهايتها ببداية تدخل قوى خارجية في أمرها.

“وقد يقتنع العقل”، والعقل يقتنع بالأدلة، “وحتى إذا لم يقتنع فهو سيمضي بتصيد الأدلة..

“أما القلب فهو مقتنع بغير دليل، ولا حاجة إلى الأدلة في عالم القلب والإيمان”.

(……….)[34]

يرى الحكيم أن إرادة الإنسان في كفة تعادلها الإرادة الإلهية في كفة أخرى، والعقل البشري في كفة يعادلها الإيمان في كفة.. بهذا التعادل ـ يقول الحكيم ـ يعيش الإنسان ويعمل”.

جائزة نوبل لأديب عربي!

نجيب محفوظ ذو موقف فلسفي*

فاز الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب هذا العام (1988م). ولا شك أن نجيب محفوظ أهل للتقدير العالمي لما أبدعه خلال رحلة أدبية أبتدأت بأول أعماله: “مصر القديمة” سنة 1932م، ولم تزل مستمرة حتى الآن رغم بلوغ محفوظ عامه السابع والسبعين.

ونجيب محفوظ روائي تشغله هموم بلده مصر، فأدبه محلي؛ ولكن فوزه بجائزة نوبل العالمية أثبتت أن المحلي، إذا كان بعمق محلية أدب محفوظ، لا يناقض العالمي. فرغم أن القضايا التي تتناولها قصص وروايات محفوظ قضايا مصرية، إلا أن معالجته لها، كانت معالجة إنسانية عميقة، ذات واسعية عالمية.

كان نجيب محفوظ دارسا للفلسفة وكاتبا فيها في مستهل حياته الثقافية. وظل أثر هذا الاهتمام المبكر واضحا في أعماله الأدبيه من بعد.

والفلسفة موقف عام من المشكلات الإنسانية التي لا يحصرها مجتمع محلي من المجتمعات البشرية. ثم إن الأدب أيضا موقف عام من المشكلات الاجتماعية والإنسانية عامة؛ بهذا الموقف المزدوج ـ الفلسفي الأدبي ـ استطاع محفوظ أن يجعل من الأدب المحلي أدبا عالميا.

وقد نزع نجيب محفوظ نحو التوفيق بين المطلق (الفلسفي) والقيم الاجتماعية. وتمثل هذا النزعة المحور الأساسي لأدبه في مرحلة متطورة أخذت تتضح معالمها مع رواية “أولاد حارتنا”.

يرى نجيب محفوظ أن الفلسفة تدخل الأدب من سبل عدة: فـ”قد تدخل إلى العمل الأدبي أولا عن طريق مضمونه، بمعنى أن تكون للعمل الأدبي فكرة فلسفية، فيكون عملا فلسفيا قبل كل شيء، ومثال ذلك روايتا كامي: “الغريب” و”الطاعون”، ومسرحيات سارتر من الأدب الوجودي الماصر، وفاوست من الأدب القديم؛ وقد تدخل إلى العمل الأدبي دون أن تكون فكرته فلسفية، أي بأن يتضمن العمل شخصيات فلسفية أو متفلسفة بالفعل، ويتضح ذلك من خلال الحوار والمواقف.. مثال ذلك الـ Point Countr Point لألدوس هكسلي؛ وقد تدخل عن طرق أخرى ـ ليس عن طريق الفكرة أو الشخصيات ـ وإنما عن طريق انعكاسها على النظام الذي يقوم عليه العمل الأدبي.. أي في الحبكة نفسها.. ويتضح لنا هذا عندما نتتبع الأحداث ومصائر الأشخاص مثلا، فيتكشف لنا أن الموقف يريد أن يقول إن الشخصية تتكون وتتلقى مصيرها نتيجة للبيئة، فهنا إذن، إيمان بالفلسفة المادية التي ترى أن الإنسان نتيجة للبيئة والمحيط.. وقد نجد في العمل الأدبي مجموعة من المصادفات المقصودة وهي غير تلك التي تجري عن سهو من المؤلف ـ مثل مصادفة توماس هاردي التي تعكس فلسفته في أن الإنسان لعبة في يد القدر، فالفلسفة هنا إنما تسللت إلى العمل الأدبي في نظامه؛ والمدخل الرابع للفلسفة إلى العمل الأدبي هو أن الأديب أو خالق العمل الفني يتأثر بالثقافة الفلسفية، وهنا تُؤثر الفلسفة في العمل تأثيرا غير مباشر ولكنها تعطيه ثراء محسوسا”[35].

كان نجيب محفوظ ومنذ بداية حياته، مهموما بمشكلتين في وقت واحد، هما المشكلة الاجتماعية والمشكلة الميتافيزيقية. كان في “المجلة الجديدة” يناقش قضايا العقائد، وفي الوقت نفسه كان يعرض في قصصه للقضايا الاجتماعية.

ثم ظهر التحام أشد بين القضيتين، مع بروز أوضح للقضية الاجتماعية، كما يبدو في روايتيه: “القاهرة الجديدة”، و”خان الخليلي”. ففي هاتين الرواتين، كان الهمّ الميتافيزيقي حاضرا. وعبّر الأخير عن نفسه تعبيرا أقوى في صرخة كمال في “الثلاثية”.

على أن “أولاد حارتنا” هي الرواية التي لا مجال فيها إلى الحديث عن المسشكلة الاجتماعية بدون ربطها بالمشكلة الميتافيزيقية. “ولا يخفى على قارىء هذه الرواية هذا الملمح الخاص، فإذا كان برناردشو في “العودة إلى ميتو شالج” قد جعل التجريد أساسا، موضوعا وشكلا، فإن استخدام محفوظ للحارة إنما يمثل محاولة موفقة لصهر المشكلتين في بوتقة واحدة”[36].

فقد اهتمت “أولاد حارتنا” بتاريخ البشرية، وتتبعته منذ القدم وحتى وصل بنا الراوي إلى الواقع الراهن، واقع القلق والضياع؛ فالجبلاوي ـ أحد أشخاص الرواية ـ يُقتل، وبقتله تنتهي الفكرة الدينية الصافية؛ ثم يُقتل عرفة، ممثل العلم. فالأول، في رؤية نجيب محفوظ، ينهي جانب الروح، والآخر يرمز إلى فكرة العلم الخيرة، التي تحولت بقتله إلى قوة تدمير تستغلها جهات قتلت عرفة لتقتل فيه رمز جوهر العلم.

ثم يرسم الراوي شخصية صابر، الإنسان الباحث عن المعاني التي تبحث عنها الحارة، وتتشوق إليها، هذا البحث الذي لا ينفصل عن القضية الاجتماعية، وهو ما صوره الراوي من خلال أسرة محجوب وإحسان وحسنين وحميدة وعيسى الدباغ. ومن هذه الأسرة خرج البطل يبحث عن المطلق: ” فهو إذ يبحث عن المشكلة الاجتماعية، يلتقي بالمشكلة الاجتماعية والميتافيزيقية”[37].

نجيب محفوظ في “أولاد حارتنا”، لم يفارق الواقع، ولكنه جنح إلى الفكر بالإضافة إلى الواقع. فاتخذت روايته هذه واقعا رمزيا. كان نجيب محفوظ قبل سن الخمسين، يهتم بالحياة، ليكتشف كل يوم جديدا.. أما بعد الخمسين، فقد اهتم بالأفكار التي تفسر له الحياة[38].

“أولاد حارتنا” التي كُتبت بعد الخمسين، تعبير عن الفكر في مظهر واقعي؛ “فالتطلعات الميتافيزيقية لا تعني انفصالا مطلقا عن الواقع، ولكن هذا الأصل يتخذ في ذهن الكاتب شكلا أو تصورا جديدا على المستوى الفكري يطرحه من خلال هذه الجزئيات الواقعية”[39].

دراسة أدب نجيب محفوظ في مجمله، الذي بلغ 49 عملا حتى الآن، تكشف عن موقف فلسفي عبّر عنه هذا الأديب في شكل أدبي. قال نجيب محفوظ عن الفلسفة إنها موقف “يلتزمه الإنسان من الناس والحياة والقيم. وبهذا المعنى لا يخلو إنسان من فلسفة”. وأضاف: “وعلى أية حال أنا أرجح أن تمثل سلسلة كتبي في النهاية فلسفة ما، تكونت خطوة خطوة على أساس التجربة والثقافة. ولعلها لم تقل كلمتها النهائية، وربما لن نصل إلى هذه الكلمة على الإطلاق”[40].

فإذا كان هذا هو رأي نجيب محفوظ (عام 1962م)، فإن رأي لجنة التحكيم لجائزة نوبل يسير في الاتجاه ذاته الذي سار فيه نجيب محفوظ، لكنه قطع شوطا أطول.

إن جائزة نوبل تمنح لمن يستحقها من المبدعين في شتى مجالات الإبداع الإنسانية. ولكنها لا تمنح لكل من يستحقها من هؤلاء المبدعين. ونجيب محفوظ أحد الذين يستحقونها على إبداعهم الأدبي من بين أدباء عرب كثيرين. وهنا يبرز التساؤل الذي يشكك في موضوعية قرارات لجنة تحكيم الجائزة، كما يبرز الشك في نزاهة أغراض هذه الجائزة.

وكان نجيب محفوظ يستحق الجائزة منذ زمن طويل. فلماذا تأخر منحها له حتى هذا العام؟

ولماذا منح نجيب محفوظ الجائزة دون غيره من المبدعين العرب؟

سؤالان جديران بالبحث عن جواب مقنع عنهما، مع الأخذ بالاعتبار التشككات التي تحيط بالجائزة، والتي نبه عليها المفكر العربي الكبير عباس محمود العقاد، منذ وقت طويل، في كتاب حمل عنوان: “جائزة نوبل”. كثيرون يربطون بين مواقف نجيب محفوظ من اتفاق “كامب ديفيد” بين مصر، والدولة الصهيونية مغتصبة فلسطين، من جهة، وبيم فوزه بجائزة نوبل، من جهة أخرى.

وكثيرون لم ينتبهوا إلى أن جائزة نوبل تمنح لعربي، للمرة الثانية خلال العقد الأخير. فقد منحت الجائزة أول مرة للرئيس المصري أنور السادات، مناصفة بينه وبين رئيس وزراء الدولة الصهيونية مناحيم بيغن، لتوقيعهما اتفاق “كامب ديفيد” الذي اعترفت فيه الزعامة المصرية السياسية الرسمية بالدولة الصهيونية، وأنهت بهذا الاعتراف حالة الحرب بينها وبين الكيان الصهيوني العدواني.

فإذا صحت التقديرات التي تقول إن منح جائزة نوبل هذا العام، لنجيب محفوظ، هي جائزة له على موقفه السياسي المؤيد لاتفاق “كامب ديفيد”، فإن هذا لا ينفي أنه يستحق “أدبيا” هذه الجائزة؛ ثم جاء “استحقاقه السياسي” لها عامل تعزيز لاستحقاقه الأدبي، ففاز بها عن “جدارة تامة” بمعايير الجائزة المشكوك في نزاهتها، أو المتهمة في نزاهتها!

وقد تكون التهنئة التي بادر وزير خارجية الدولة الصهيونية شمعون بيريز، التي أرسلها لنجيب محفوظ، فور إعلان فوزه بالجائزة، وإشادة سفير الدولة الصهيونية في القاهرة بنجيب محفوظ، قد يكون هذا محاولة ماكرة من العدو الصهيوني لكي يبرز من جديد، موقف نجيب محفوظ من اتفاقات “كامب ديفيد” لصالح الدولة الصهيونية.

ولكن، يبدو أن الروائي نجيب محفوظ، قد تنبه إلى ضرورة تفريغ فوزه بجائزة نوبل من مغزاها السياسي، فأعلن أن فوزه بجائزة نوبل، هو فوز للأدب العربي كله بهذه الجائزة.. فأكد نجيب بموقفه هذا، ومرة أخرى، على أن اهتمامه بالهموم المصرية المحلية، التي نال به جائزة الأدب الكبرى، إنما ينبع من رؤية فلسفية عامة، تدافع عن حقوق الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها، حقوق شعب عربي، هو الشعب الفلسطيني الذي اغتصبت الدولة الصهيونية وطنه، في الحياة الكريمة التي ما زال الأدب العربي يتبنى قضيته، ويناضل في اتجاه رفض العدوان

هنيئا لنجيب محفوظ.. أراده العدوان دمية يحركها.. لكن عمق مصريته، يعادل أفق عروبته، وإنسانيته.. وعندما نتغور أعماق ما هو محلي، فإنما نكون قد حلقنا في أفق المطلق الإنساني.. تلك عبقرية الأديب نجيب محفوظ.. وهذا استحقاقه، بجدارة أصلية، لتقدير عالمي إنساني لإبداعه الروائي ذي الطابع المحلي.. وتلك الفلسفة: أن تُكتشف الإنسانية في أغوار المحلي!

جائزة صهيونية لأديب فلسطيني!*

إميل حبيبي أديب أينعه الوجدان الوطني الفلسطيني وتنامى فيه!!

إميل حبيبي أديب فلسطيني قررت حكومة العدو الإسرائيلي منحه جائزة ثقافية!!

هل يقبل أديب أينعه وجدان شعبه، جائزة ممنوحة من عدو شعبه؟!

الرسالة التي شكر فيها حبيبي وزير ثقافة العدو على منح حكومته جائزة له، توحي بأن حبيبي يميل للقبول.. والردود التي صدرت عنه في مواجهة الانتقادات الكثيرة التي وجهها عدد كبير ضده، توحي أيضا، بتأكيد ميل حبيبي لقبول جائزة العدو، هذا رغم أنه ما زال يصرخ أنه لم يقرر بعد هل يقبلها أم يرفضها!

الموقف الذي وجد حبيبي نفسه فيه موقف شاق.. فيه ينشطر بين الأديب والسياسي؛ الأديب الذي تفجر بركان وجدان شعبه ضد عدو نهب أرضه، وسلبه حقوقه المشروعة في سلام حقيقي.. والسياسي الذي يعالج الواقع بمعاييره، ومن معاييره أن الجائزة ذات دلالة في اتجاه التطبيع الذي تتجه إليه المسالة الفلسطينية العربية الإسرائيلية برمتها.. القادة العرب، وفي المقدمة منهم الفلسطيني، جادون في توجههم إلى تطبيع مسألة الصراع ضد الكيان العدواني الإسرائيلي، وجادون إلى منحه الموافقة على قبوله كـ”حقيقة” واقعية على الأرض!

ثم حبيبي ذاته عضو سياسي في الكنيست الصهيوني، وفي حزب راكاح الإسرائيلي.. أي: هو عضو في الكيان الإسرائيلي السياسي. ووجدانه، لا شك، يرفض هذه العضوية، ويرفض الكيان الإسرائلي العدواني كله.. ووجدانه الذي يبدع منه أدبه المصور لطموحات شعبه، أو لبعضها، هو ـ وجدانه ـ غيرموقفه السياسي الذي يميل به إلى قبول الجائزة الإسرائيلية الثقافية.

هنا المشكلة.. مشكلة التصدع بين الطموح النابع من الوجدان، والرضوخ للواقع الذي لا يملك الوجدان القدرة على قهره، إلا في مملكة الحلم.

المشكلة هي تصدع البنية الكيانية الفردية والوطنية والقومية العربية التي يعبر عنها الموقف المتردد لإميل حبيبي بين قبول الجائزة الإسرائيلية ورفضها.. وهو تردد يعكس الموقف الوطني والقومي كله تجاه الأصل الناشئة عنه هذه المشكلة الخاصة بالجائزة الإسرائيلية للأديب الفلسطيني، وهي مشكلة احتلال الوطن الفلسطيني من قبل عدوان يشمل الأرض ويجاوزها ليشمل الإنسان بحضارته وقيمه وأمانيه وتطلعاته.

أما إذا رفض حبيبي جائزة العدو، فإنه يكون قد سجل من جديد، أن الوجدان الوطني الفردي والقومي لديه، لم يزل حيا وقادرا على مواصلة النضال، بالرفض للعدوان،  وبالأدب، ضد العدوان.

وإذا وافق حبيبي على استلام جائزة إسرائيلية[41] فسيكون قراره جريرة وإثما في حق الوجدان القومي.. سيكون خطيئة في صفحة الوجدان المناضل.. ولكن، من تحت الرماد، سيكون الوجدان الوطني والقومي، ماثلا أبدا للتوقد من جديد!

شحناء الأدباء*

قد لا يستهجن المراقب للحركة الأدبية المحلية [في دولة الإمارات العربية المتحدة] الظهور المتكرر لعلاقات الشحناء التي تصبغ المشاعر المتبادلة أحيانا بين أفراد هذه الحركة، على الرغم من أن الوظيفة الجامعة للاشتغال بالأدب هي الوظيفة المعقود عليها أمل الإنسانية القديم المتجدد في عالم واحدي يرتفع بناؤه على قواعد الحب، وتترامى أطرافه في مطلق السلام.

قد لا نستهجن خلق التشاحن بين الأدباء ومعهم المنتمون للأدب طالما أن مثل هذا الخلق واقع من إفرازات خـَلْق من خـَلْق الأرض تحكمهم الطبيعة بدوافع وحاجات تطلب الإشباع بكل وسيلة أقرها مبدأ الحياة النابض في مراتب الأحياء ابتداء من أدنى مستوياتها إلى مستوى الإنسان.

على أن موقفنا ـ هنا ـ تعوزه الدقة المطلوبة للمراقب إذا ظل موقف التسليم بواقعية الظاهرة دون تحليل نقدي يمايز بين عوامل التكوين، ومن ثم، تقرر أو لا تقرر، مشروعية العلاقات المبنية على الشحناء بين الأدباء ومعهم المنتمون ـ بحق وبغير حق ـ للأدب.

والتدقيق في هذه الظاهرة يقتضي التمييز بين الأدب وبين المشتغلين أو المعنيين به والمتحلقين حوله. فالأدب ليس صفة ذات طبيعة استغراقية للمنتِج الأدبي أو أشباه منتجي الأدب والمتعلقين بحباله. وإطلاق صفة الأديب، إطلاقا تاما، على الواحد من أهل الأدب، هو إطلاق من باب التجاوز الذي لا تبيحه نظرة مدققة؛ وحياة الناس في جلها، تقوم على التجاوزات التي تبيحها عادة المجاملة، أو عادة ارتداء الثياب الفضفاضة، من غير تدقيق.

فإذا كانت الجمالية، وهي حب وسلام، هي الطبيعة الوظيفية للأدب، فالجمالية ليست طبيعة وظيفية، استغراقية، للإنسان معنيا بالأدب أو غير معني.

إنما الجمال إشراق إنساني، ونموذج إنساني لا يستغرق الإشراقُ وجودَه كله.. هو حلم تحجبه السحب الداكنة إلا ومضات تغري به وتشدّ إليه..

الفعل الأدبي ـ الجمالي بطبيعته ـ حالة استثناء من مجرى الحياة المتدافع في قنوات على وجه أرض من طين. والعمل الأدبي خلق متميز بذاته، ونسبة العمل الأدبي إلى مبدعه تماثل نسبة الوليد إلى أمه وأبيه. لكن الوليد خلْق غير أمه وأبيه. غير أن استقلال الوليد أو العمل الأدبي عن الوجود السابق الفاعل له، لا يلغي خاصة الكشف عن طبيعة الفاعل التي لا تنفك عن الفعل؛ فالفعل، كل فعل، هو حالة تَكَشُّفٍ للفاعل، أيا كان الفاعل. فاستقلال الفعل عن فاعله، أو ما بينهما من تغاير، لا يقطع الصلة الوجودية بينهما، ولا ينفي إمكان التعرف على الفاعل بفعله؛ إذ لا سبيل للتعرف على الفاعل غير فعله. والفاعل يظل وجودا مغلقا على الفهم إلى أن ينخرط في الفعل؛ فالفعل إعلان عن الوجود، أو عن طبيعة الوجود.

الأفعال تكشف الفاعل، وخُلُق التشاحن التي تظهر بين المشتغلين بالأدب، هي إعلان عن طبيعة، تعلن عن ذاتها ـ أعني الطبيعة ـ بالعمل الأدبي أيضا. فهل ثمة علاقة بين إعلان عن خُلُق مذموم، وإعلان جمالي حالم، وهما إعلانا فاعل واحد؟

ولن أغامر باقتراح جواب على هذا السؤال الذي أحسب أنه يتطلب بحثا أشد عمقا وأوسع مما يتيحه مقال يتوقف عند حد إثارة المشكلة ولا يتعداه إلى حد أبعد يشترط جهودا مشتركة لبلوغ الدقة القريبة من التمام الممكن.

وما أفصحت عنه من تمييز بين الفعل الأدبي باعتباره إشراقا لا يستغرق حياة الأديب كلها، وبين المنتِج للفعل الأدبي، لا يُحسب رأيا تقريريا في المسألة المبحوثة، ولكنه إجراء تحليلي تمهيدي يؤسس لإجراءات أخرى تتغور البحث وتنمو به نحو الغاية منه.

قراءة في هموم الشاعرة عطاف جانم*

“يرقص ما تبقى من دمائي في الوريد”

أول ما يبين لقارىء أشعار عطاف جانم المنشورة في ديوانها “لزمان سيجيء”، ترنيمة روح الأسى الحالمة التي تنبعث من معاناة امتزجت بالأنثوية الحاسّة المنفعلة بحادثات زمنها الراهن.. وتلك حادثات الظلمة.. ولكن الشعر رؤيا للأمل يجاوز بالإنسان المكدود في مواجهة حياة عصيبة إلى سباحة في أفق التسامي والانطلاق في اللانهائية الإنسانية!

وعطاف جانم مهمومة فلسطينية، يكبلها قيد.. ويسلب حريتها عدوان على الحياة بكل معانيها.. ففي قصيدتها “وتجندل قانون الحجر”.. ترسم صورة المعاناة الفلسطنية الخاصة، رامزة لفكرتها بعصفور صدته دبابير الثكنات طويلا.. وهراوات العسس الليلي تلقته في كل مدار.. أما هو.. فتفلّت منها في نزق.. وتجاوز طقسا شتويا في القلب.

ماذا تعني الشاعرة بتجاوز العصفور لطقس شتوي في القلب.. والقلب إشارة ممتلئة بعاطفة الوجود الكبرى؟ هنا تبرز أنوثة الشاعرة فتتلون معاناتها بنبض قلب يرفض قانون الحجر، لا لأنه قانون حجر بمدلوله المادي الذي يمارسه الاحتلال، ولكن، لأنه قانون حجر يحاول اغتيال المعنى العظيم للحياة.. وهكذا يتجندل قانون الحجر الذي تتغيا قوى العدوان في نموذجها الإسرائيلي فرضه في الأداء الراقي للحياة الإنسانية..

“فتجندل قانون الحجر

“هذا العصفور الآن طليق

“ويسير وئيدا نحو الشمس، تصادفه

“في الدرب قصيدة تحنان

“وجه كقصيدة تحنان”..

القلب الرافض لقانون الحجر يلتقي بعد انطلاقه وفي عالم الحرية بوجه كقصيدة تحنان..

“يمضي الاثنان بنفس الدرب..

“يترامى الدرب

“فيناغي عصفور الأضلاع قصيدته”.

فهل أفلح العدوان في حجره على حرية الفلسطيني؟ كلا.. والدليل أنه قد اهتز القلب.. فانتصر الحب على كراهية المعتدين للإنسان بمعناه الراقي.

والشاعرة، إذ تعقد المقابلة بين عصفور ودبابير، فإنما تعني أن لسعات الدبابير لا تسلب عصفورا، بما يرمز إليه، حرية الصادح المحلق؛ فالحرية، وهي من المعاني الكبرى، لن يقتلها أولئك الذين يعشعشون في شقوق صفحة الوجود!

وفي “اغتيال مدينة حلم”، يعكس الواقع الخارجي صورته على مرآة نفس الشاعرة، فيبدو من مطلع القصيدة أنها تسجل انفعالا بالقضايا الوطنية، خاصة وهي تحكي قصة حوار طرفه الآخر “حارس الباب المضيء” الذي ردّ الطفلة ونصحها ألا تعود بغير أختام وتصريح يجيز لها المرور.. فأول المعاني التي تبرز في ذهن القارىء، معاناة الفلسطيني من العدو المحتل لوطنه..

وكثير من المحللين للقصيدة أخطأوا لدى محاولاتهم تفهم موضوع القصيدة، وتعجلوا بإصدار أحكام عاجزة عن تفسير مكنون الشاعرة المنتشر في بنية القصيدة كلها.. قال بعضهم إن الشاعرة تسجل موقفها من العادات الاجتماعية السائدة تجاه الفتاة.. وقال آخرون إن الشاعرة تتطلع إلى العودة إلى وطنها المغتصب.. لكن القراءة الكاملة التي تربط أجزاء القصيدة كلها بمعنى واحد تكشف عن تجربة حب فاشلة ، رغم كل ما بذلت المحُبة في سبيل ولوج العالم الفسيح، عالم المحبين.. أليس للحب مدينة ذات باب مضيء؟! أليست مدينة الحب مغرية؟!

“وجبينها الوضاء يجذب من بعيد

“والأقحوان المستجيب لوشوشات الريح يجذب من بعيد..

“وما تسلل من هواء مدينة الأحلام، يُرقص، ما تبقى من دمائي في الوريد”..

ولكن.. ورغم كل الطقوس التي قدمتها المحبة لتلج باب المدينة إلا أن سارية الليل المأفون ـ وهي ترمز بسارية الليل المأفون لموقف المحبوب.. خرق خصر المدينة..

“ومضى يقوس جذعها،

“ليلفها بردائه.. يمتصها، ولسوف يرحل بالمدينة للبعيد”..

ففلسطينية عطاف جانم، صبغة لا تستطيع التفلت منها وهي تصور تجربة حب اغتالها سار مأفون مظلم كالليل.. وكم من تجارب حب اغتالها سالب الوطن؟ ثم إن الحب الإنساني، وحب الوطن، لغة واحدة، ذات صور.. عطاف، ترسم الحب كله في فنية شاعرة وطنية أسيانة!

والعدو يغتال براعم الحب في قلوب الكبار، ويسحق كذلك أحلام الصغار.. في قصيدة “عنقود الذرة”، في موقف ينفجر فيه حزن شاعرتنا من أعماق نفس تمكَّن منها الأسى.. وسط صاحبات منتشيات بليل العيد، ترتد عطاف إلى ذاتها مخاطبة طفلتها:

“وبماذا يحلم الأطفال يا شيرين

“والخفاش يجتاح الشوارع والمساجد والمدى..

“هل رأيت الغار في القدس يبوسا

“بعدما غار الندى!

“هل تراءت في ثنايا الأفق أعواد المشانق والمِدى؟!

“وبماذا يحلم الأطفال ما دام الترمل  قدرا يطوي السنين..”

فلماذا انبثق هذا الحزن من طبقات دفينة في النفس، وفي لحظة نشوة؟!

القصيدة ترسم صورة للطفلة شيرين وهي تحاول إعادة تثبيت حبات ذرة تناثرت من كوزها..

“حاولت تصفيفها في الكوز،

“لكن الحبيبات العنيدة

“رفضت إلا ائتلاف الخصام..”

هذه المحاولة الفاشلة للطفلة شيرين، نقلت الشاعرة إلى عالمها العربي الذي لم تفلح كل مشاريع الإئتلاف فيه.. وهنا، يبرز في نفس الفلسطيني(ة) إلحاح شديد لفكرة الوحدة، وما تحمله من إمكانات كفيلة بإنجاز مشروع استعادة وطنه السليب:

“ذا صلاح الدين في الشام مسجّى..”

وصلاح الدين رمز الوحدة وتحرير فلسطين في آن واحد.

وتتسع دائرة هموم الفلسطيني(ة) في أشعار عطاف جانم، فتعكس على صفحتها الإحساس الأليم بالوقت الرديء:

“أيها الصادي أيا باحث

“عن ماء فرات

” لن يكون الآن فالوقت رديء

“ومياه الكون ملح وأجاج”..

أجل، الوقت رديء.. ففيه..

“بسوق المدينة شاع القرار

“لتبقى جميع الرؤوس

لتبقى جميع الرؤوس مغيبة، في ثنايا التراب

“ويُمنع تحت التراب الهسيس..”

ومثل كل فلسطينية وفلسطيني، لا تنقطع الصلة الوجدانية بين عطاف وبين أولئك الذين يسكنون هناك في سجون الاحتلال، فتهدي ديوانها “للذي كان له الطوق الحديدي رداء وإزار.. حينما غاب ليأتي بالنهار”.. وتهدي إلى محمود في سجون الاحتلال قصيدتها: “وعلمت سر ضحكات الشموع”.. وفي مطلعها تصفه بأنه:

“شامخ مثل الصنوبر

“فوق ربوات الجليل..”

وتردد آهات كثيرة في قصيدتها، فأحزانها جرح عميق نازف:

“آه يا محمود من مد الصحارى

“وانحسار الماء في كل بلاد الفقراء

“آه يا محمود من ذرذرة الريح

“لأحلام الصبايا

“كلما حلّ المساء

“آه يا مح…”

حبس اشتداد الحزن بقية المنادى!!

وفي “تجاوزات للدوائر المغلقة”، يبرز من الشاعرة جانبها الوطني ـ الإنساني الحالم:

“وأحلم.. أحلم

“بأني تجاوزت كل السلاسل..

“حلقت في أفق باهر

“تموج به الأغنيات الوديعة

“والحب شيخ جليل يقوم بعقد قران الشموس، بزخ المطر

“ويمضى الجميع إلى الأرض حيث يعيشون شهر العسل

“وأطمع في الحلم: أن لا انتهاء لشهر العسل!”..

وكيف لفتاة ألا تحلم؟! وهل يصدها عن الحلم، عدوان غشوم، أو خيبة أمل في تجربة أو أكثر؟!

عطاف الأنثى، الإنسانة، الشاعرة لم تزل تحلم:

“حسبت بأني وأنت سنحرث أي فلاة

” بأي بلاد

“ونشربها من نزيز الجلود

“فتنبت فلاّ ليمتد ظلاّ به نستجير”..

فإذا اكتشفت أنها واهمة، لا ترتد عن مواصلة الحلم.. فترى الحبيب بعين الخيال وتسمع نداءه، فتقول “في جسور التواصل”:

“هنيهة

“وأركض نحوك

“فهذا نداؤك

“يذكي التوهج في خافقيا

“سآتيك حالا

“لنمضي

“كما الوعد بيني وبينك نحو الثريا”..

تصدمها وتصفع خطوها متاريس كالهول. وتواصل سيرها.. وتبقى جسور التواصل بينها وبين محبوب تراه، لم تصله بعد!

تُسكن في مقلتيها طيفه، وإلى أن يكون (الملتقى):

“إذن سوف أُسكن طيفك في مقلتيا

“فلن يئدوك ولو سحقوني..”

القوة الغاشمة تقتل المحبوب.. ولا يتسلل القنوط إلى قلي صادق في رؤياه.. تقول عطاف:
“سأبرق

“لبعضي.. لصحبي

“لحشد جيوش من الحقد والحب.. والغيث والجدب

“فيُبعث فينا (بروسيوس) من جديد

“بيمناه تبرق

“سيوف التحدي”..

وبروسيوس شخصية بطل أسطوري يقتل مدوزا، الكائن الأسطوري، الذي تكسو الحيات جسده، وكلما قطعت واحدة، نمت مئات الحيات بدلا منها!

والشاعرة في مقطعها الأخير تتطلع إلى معركة طاحنة بين حشود الحب والحقد.. والغيث والجدب..

هل أمكنني في هذه القراءة العجلى لديوان عطاف جانم الأول.. “لزمان سيجيء”.. أن أرسم صورة وجدان شاعرة فلسطينية، تحمل هموم وطنها بقلب الأنوثة الأسيان الحالم؟ قد أكون دنوت.. ولكن الحب أكبر، وبحر الشوق أغور!!

محاولة لتلمس مطولة “يا ترى” لمحمد صيهود النايف*

في واسعية الواحدية.. يتلاقى الشعر والفلسفة

السؤال موضوع فلسفي صار في مطولة محمد صيهود النايف “يا ترى” موضوعا شعريا. وبهذه الصيرورة فإن النايف يطرح مسألة العلاقة بين الفلسفة والشعر طرحا تجريبيا يختبر  إمكانات الشعر في معالجة الهم الإنساني العام التي هي ـ المعالجة ـ وظيفة الفلسفة منذ بدأ الإنسان يبحث في معاني الوجود ويتساءل عما وراء الظواهر من كوامن، وعما تعنيه الظواهر والكوامن في الحياة وفي الكون عامة.

ولا شك أن الفلسفة غير الشعر؛ فالفلسفة خطاب العقل، والشعر خطاب الحاسة. ولكن هذا التباين الأداتي لا يلغي الصلة بينهما، تلك الصلة التي قامت منذ عهود قديمة، على ما يروي تاريخ الفلسفة. فقد كان فلاسفة اليونان الأوائل يصوغون آراءهم في عبارات شبه شعرية، مثال ذلك أنكسمندريس، وزعيم المدرسة الإيلية برمنيدس؛ ومنهم من كان يلتمس في الشعر تأييد مذهبه كما كان يفعل السوفسطائيون الذين كانوا يقتبسون من هوميروس أشعارا تؤيد مذهبهم في التغير الدائم لأشياء الوجود.

ومن المسلمين كان ثمة فلاسفة أدباء، مثال ذلك أبو حيان التوحيدي الذي مزج الأدب بالحكمة مزجا استحق عليه وصف ياقوت له في معجم الأدباء بأنه “فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة”.

ودعا الفيلسوف الإنجليزي المعاصر هوايتهد إلى الاستعانة بالشعراء للتعبير عن المعاني التي تبحث فيها الفلسفة؛ فالشعر، يقول، قادر على هذا التعبير بدليل خلوده. وهذا الخلود دليل حاسم على أن الشعراء “يعبرون عن حدس إنساني عميق، استطاعت الإنسانية بمقتضاه أن تنفذ إلى ما في الواقعة الفردية من طابع كلي شامل”.

وازداد اقتراب الفلسفة من الأدب في العصر الراهن، باقتراب الفلسفة من الإنسان الذي هو الموضوع المباشر للأدب. وقد كان الإنسان موضوعا للفلسفة في كل الأزمان، ولكن العصر الراهن يتميز بتفلسف ُيعنى بأمل الإنسان، كما يُعنى بألمه.

ثمة قرابة حقيقية، كما يقول زكريا إبراهيم في كتابه “مشكلة الفلسفة” ـ تجمع بين الفلسفة والأدب، تتمثل في اهتمام كل من الفيلسوف والأديب بمصير الإنسان، ومواقفه البشرية، وقيمه الأخلاقية، وصراعه ضد شتى القوى اللاإنسانية”.

هكذا.. مطولة النايف “يا ترى” نموذج لقرابة الفلسفة والأدب. ولكنها قرابة التزاوج التي لا تنفي الفنية ولا تغيِّب الشعر في بطن الفلسفة؛ وإنما هو توحيد تظل الأولوية فيه للشعر، وتبقى الشاعرية تقنية وتصويرا ظاهرة بارزة في رحلة التطواف التي تواصل فيها السؤال ما بين ذاتية الشاعر الإنسانية وذاتيته المنتشرة في الأشياء المستنطقة بمهارة تحمل الدليل على صدق التجربة الشعرية عند النايف، وعلى كثافة المعاناة وعمق الإنفعال، وهو ما مدّ الشاعر بالنفس الطويل المشخص في قصيدة تستقل، وحدها، بديوان.

المطولة سؤال يهجس به الشاعر ابتداء من عنوانها، وانتهاء بالمقطع الأخير منها. وهو سؤال شاكّ؛ سؤال يعلن حضور السائل.. سؤال واحدي تلتقي فيه الأبعاض ولا تغيب. وهذا كله يؤيد المزاوجة التي توثقت صلتها في مطولة النايف فيما بين الشعر والفلسفة.

العنوان “يا ترى” سؤال، وهو سؤال مفتوح، فلا جواب عليه في الديوان الذي ينتهي بانفتاح واسع للسؤال ليؤكد جوهر العنوان السؤال:

“هل لذلك الكون بُعْد

“أو صفات.. مسلّمات

“وحَدُّ

“أم سيبقى..

“طبع الخليقة سراً؟”.

فالتساؤل عن بُعْد للكون، يجيء تفلّتا من فكرة المحدودية؛ ولكن طبيعة التساؤل التفتحية تفترض صحة فكرة المحدودية، فيتقدم السؤال في أفق جديد، هو أفق: “أو صفات..مسلّمات وحدّ”، لا لينغلق فيها، ولكن ليعمق المنهجية الشاكّة في شكل فني ومضمون فلسفي، وهو ما يدل عليه الشاعر بسؤال أخير: “أم سيبقى.. طبع الخليقة سراّ؟”. ولا يخفى المعنى المتفتح للسؤال المملوءة به علامة الاستفهام التي يُنهي بها نص الديوان ولا ينتهي عندها غرض الشاعر الذي هو تحريض للمتلقين على التساؤل العقلي عن سر الوجود، بصيغة جمالية تتعاظم جماليتها بوحدة الحرية والشعر؛ والحرية هي التفلّت من المحدودية كما تفلّت منها الشاعر بتساؤله!

والعنوان بذاته، مجردا من نسيج الديوان، صيغة شك. ونحن نعبرِّ بهذه الصيغة اللغوية عما يعترينا من تردد إزاء مواقف ننقسم فيها بين اتجاهات لا ندري أي اتجاه منها هو الاتجاه االذي ينبغي علينا الذهاب فيه، حيث تعوزنا البينة الهادية للخطى؛ لكن هذا العوز يكون نصف عوز، الأمر الذي يضاعف الشك ويفاقم المشكلة. وكأن الشاعر أراد أن يضاعف الشك ويفاقم المشكلة كما تفعل الفلسفة التي ولدت سؤالا ولم تزل سؤالا زاد تعاظما وتوغل، مع تطاول الزمن، في المدى اللا محدود توغلا أشدّ.

وإذا كان السؤال متحركا، كان واسع الأبعاد. و”يا ترى” الشعرية واسعة بدلالتها الفنية مثلما هي واسعة بدلالتها اللغوية. فوزنها (فاعلن) وهو وزن المتدارك. وبحر المتدارك “يصلح لحركة أو نغمة أو زحف جيش أو وقع مطر أو سلاح” [الدكتور عمر الأسعد: معالم العروض والقافية]. فالشاعر نجح في توحيد الدلالات اللغوية والفنية في دال واحد، هو عنوان الديوان الذي يتكثف فيه الديوان كله. فالديوان سؤال ظل مفتوحا، والعنوان دال مفتوح متحرك لغويا وفنيا.

العنوان دال على الحضور، فالشك المتعاظم فعل يجري في الحاضر، والسمات التي تكِّون المتدارك الذي يتكون في صورته المثالية من وحدات (فاعلن) هي سمات الحركة، والحركة حضور، وهي في هذا البحر الشعري حضور متنوع غني بحركات عديدة تنتمي لفاعلين إنسيين وطبيعيين. وهي حركة تتفاوت في إيقاعاتها تفاوت النغمة عن زحف الجيش. ومثل هذه الحركة المتنوعة والمتفاوتة الدرجات، تعبير عن عاطفة ترقّ مرة رقة اللحن العذب، وتجيش مرة جيشان القوة المسلحة؛ وهي حركة الجمال والعنفوان. فالنغم جمال، وزحف الجيش عنفوان؛ وهي حركة الحياة والموت، فوقع المطر هو وقع الحياة. ولكن السلاح حامل للموت وأداة الإفناء؛ وهو آلة الدفاع عن الحق ضد أداة فناء، وضد موت يزحف في عتمة غشوم!

فإذا أحلّ الشاعر نفسه في خضم مثل هذه الحركة المتعددة الصور، والمتباينة إلى حد التناقض، فإن شكه يجيء أعمق بما يوازي عمق السؤال وتشعبه. وقد جاء سؤال النايف عميقا ذا شعب. والقارىء تلفح وجهه حرارة انفعال الشعور بالانشطار الذي يرسمه الشاعر في “الإهداء” بما فيه من حركة الزمان: “هكذا الأيام تجري”؛ وهي تجري لا على نسق واحد، ولكنها “مرة.. تهدي وصالا، ومرة “تهدي بعادا”. ووصف جريان الأيام بالوصال مرة، وبالبعاد أخرى، توسيع للأفق الشعري، بإطلاق الذاتية من منغلق اللحظة، أيا كانت طبيعة هذه اللحظة. وهو إطلاق للذاتية في مجرى الزمان الذي لا حدّ له ولا حصر. والإطلاق هذا مقترن بحالة التية التي يعيشها الشاعر: “وأنا التائه.. لا أعرف أمري”.

ما المعنى في حركة جريان الزمان؟ هل هو في الوصال أم في البعاد، وكلاهما: “يشعل النار بصدري”، أي بصدر الشاعر؟ هل هو بين النور والنار؟ هل هو النور والنار معا؟ هل هو معنى وراء وفوق النور والنار؟ الشاعر لا يعرف: “وأنا التائه لا أعرف أمري”؛ فالسؤال مفتوح!

وكما السؤال مفتوح، فإن المحَاور أيضا مفتوحة؛ فالذات غير منغلقة في الزمان، والزمان غير مغلق على الذات. فالعلاقة بين المحاور علاقة تواد.. الأيام تهدي الوصال مثلما تهدي البعاد؛ والهدية فعل التواد، لا فعل بغضاء. وفعل التواد فعل انفتاح الأنا على الآخر. وفي هذا الانفتاح تحرر من انغلاق الأنا على الآخر. وهذا الانفتاح ليس بين الأنا والآخر الإنسانيين؛ إنه بين بين الأنا والآخر الوجوديين.. بين ذات الشاعر الذي يتلقى الهدية، وصالا وبعادا، وبين الزمان، وبين البدر الذي يغري، والنار المشتعلة في الصدر. والانفتاح قائم أيضا بين النار وبين البدر؛ ففي الكون المادي، نور البدر، ومنبع جماله وإغرائه، امتداد لنار الشمس.. وفي الكون الإنساني، نار الصدر، أو نار القلب هي نار الشوق للجمال، وهو هنا جمال لون البدر بوصفه رمزا مفعما بالدلالات.

فالإهداء الذي يشي بمعاني المطولة، أفق مفتوح، تتواصل أطرافه، ولا ينغلق، اللهم إلا أن يكون الوجود كله منغلقا، وليس الوجود كله منغلقا.

والشعر الذي يتموضع بالحرية، هو الأقدر دائما على ان يبتعث فكرة الحرية من بين ظواهر إنسانية وطبيعية يخالها الناس منغلقة في دوائر لا تتواصل. والشعر وهو يبعث الحرية الجمالية، وهو يبعثها من أنقاض الدوائر المنغلقة، يعلن إعلانا بقوة نور النار، قوة الشعر الجوهرية، أن الوجود واحد واحدية تترجم الحرية وترسم الجمال.

وفي رحاب التفتح الواحدي، تنهار الجدران الفاصلة بين الشعر والفلسفة كتعبيرين من تعبيرات الإبداع الإنساني عامة، وهذا ما تؤصله مطولة النايف، وتؤصل معه الحرية الجمالية التي ينشدها الشعر، وينشدها الإنسان والوجود كله.. ولكنها حرية الفردية في المطلق الواسع.

وتقصِّي مطولة “يا ترى”، يزيد من ترسيخ مقولة تفتح الشاعر والسؤال المترامي في النص بأكمله. ولكنني أعتقد أن مهمة القراءة التي أباشرها هنا، هي تلمّس مفتاح النص، لا حصره كله؛ ففي الحصر تقييد يناقض روح السؤال. ولا أود الوقوع في دائرة الحصر المغلقة، فأترك للقارىء أن يمارس فعل الحرية، طائفا مع رحلة البحث عن اليقين في صحبة النايف.

الأرواح تسكن المدينة لأنور الخطيب*

دراسة في المضمون

دراسة مضمون عمل أدبي ما، ذات أهمية توازي أهمية دراسة معماره. وإذا كان تقدير الأعمال الإبداعية مؤسسا على ما تخلقه من صور مباينة للوقائع الطبيعية (ومنها الاجتماعية)، فإن صور ابداع تقول شيئا، أو هي شيء مقول قولا فنيا.

ولا تأتي الحاجة إلى تأمل الشيء المقول فنيا من اعتبار المقول معاني يتغيا الأديب توصيلها إلى جمهوره، إذ تلك غاية قد تتحقق بوسائط أخرى من وسائط النقل أدني للقراء وأيسر للفهم من واسطة الأدب، أو الإبداع عامة، خاصة مع تجدد التشكلات الفنية المستمر، وتغيراتها المتسارعة المتساوقة مع مفاهيم متطورة، يتبناها المبدعون، ويطبقونها فيما يقدمون من إنجازاتهم الفنية؛ إذ الإبداع ليس محاكاة ما هو جار في الواقع، ومن هذا الواقع الجاري تجارب الأدب الماضية قياسا لكل عمل ينجز في الحاضر أو سينجز في المستقبل.

وإنما تأتي الحاجة إلى دراسة مضمون عمل أديب من اعتبار أنه عمل مبدع، أي من اعتبار حميمية العلاقة ما بين الشكل والمضمون في العمل البديع؛ فالإبداع ليس إبداع شكل حسب، وإنما هو إبداع شكلِ مضمون، أو مضنونِ شكلٍ فني. الإبداع يوحد الشكل والمضمون، وحدة لا يتفاوت فيها بعض منها عن بعض، ولا تُدرك من جهة دون جهة؛ الإبداع واحدي الوجود في جوهره  بمعنى اكتشاف وحدة الكثر الظاهر، لا يتساوق مع ذاتيته إلا بتحقيق وحدة عناصره العضوية لا المتراكمة جنبا إلى جنب.

قصة “الأرواح تسكن المدينة” الطويلة [القريبة من الرواية] للزميل أنور الخطيب (من منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، 1988م)، نموذج لعمل إبداعي لا يحصره الشكل الفني، هو محاولة أبداع للعمل كله، شكلا ومضمونا. وأخشى وأنا أفرد هذه المقالة لدراسة المضمون وحده في قصة [رواية!] أنور أن أقع فيما أحذر منه، الذي هو تقسيم العمل الفني إلى شكل ومضمون. على أن مثل هذا التقسيم لا مندوحة عنه، كأداة إجرائية، وبهدف الكشف عن مستوى آخر للإبداع المرهون بإبداع في المضمون، من خلال إبداع كلي في الشكل والمضمون معا، على حد سواء.

الصورة التي يرسمها أنور للعالم في قصته [روايته!] مبتدعة كلها. وباستخدام واع للرمز.. ينفرنا القاص [الراوائي!] من الواقع الذي يعيش فيه الراوي، أو بطل القصة، فالقاضي الذي أصدر حكما بالإعدام على الراوي، الرمز الخارج على الواقع، هذا القاضي له “أذنان طويلتان مجوفتان.. له فتحتا أنف كثقوب الثعابين الغليظة، حين يستنشق منهما الهواء، يشفط من أمامه الأوراق، حين يزفر، تتحرك أمامه الأقلام وتهتز الطاولة”. فأول انطباع تتركه القصة [الرواية!] لدى القارىء هو أن المجتمع المصوَّر فيها، لا إنساني العلاقات والممارسات، وإنه سجين الجحور كالثعابين، وسجين الجهالات كالحيوانات ذات الإذان الطويلة.

قاضي أنور ليس نشازا في الواقع (الفني) الذي تعالجه القصة [الرواية!].. القاضي يمثل، على الإجمال، ما تمثله القوى الاجتماعية المؤثرة على التفصيل. فللقاضي طريقة عجيبة، “ولكنها لم تثر دهشة الحاضرين”، والمألوف من السلوك لا يثير دهشة الناس، والإنسانية التي ينفيها القاص [الراوائي!] عن القاضي، ينفيها عن الحارسين اللذين يتوليان تنفيذ الخطوة التالية المترتبة على الحكم الذي أصدره القاضي بإعدام البطل. فأصابع الحارسين ملتصقة كأنها “قطعة لحم مسطحة حمراء”. الحارسان على هذا الحال، لا يمتلكان أداة الفعل الإنساني الحضاري على مذهب يقول إن يدي الإنسان هما العامل الرئيس في نشوء الحضارة الإنسانية، وإنهما هما العامل المسئول عن نمو الجهاز العصبي في الإنسان إلى المستوى العقلي الحضاري. وتسطح اليد دلالة على تسطح التجربة. وإذا أضيف الاحمرار إلى التسطح، ارتدت الممارسة الإنسانية إلى بدايتها الأولى عندما قتل أحد أبناء الجدّ آدم أخاه. فالإنسانية إذن، عند أنور، لم تزل غارقة في اللحظة الوجودية الأولى التي غمرها دم الأخ المراق بيد أخيه!

ويعمق أنور الصورة التي يرسمها للحارسَين فيتساءل: “ترى كيف يكتبان، كيف يلتقطان الأشياء، كيف ينتزع أحدهما شوكة غرزت في ساقه، ثم كيف يتكلمان، كيف يأكلان، وكيف يقبل أحدهما زوجته، كيف، كيف، كيف؟”. وباختصار، كيف يمارسان حياتهما الإنسانية؟ والسؤال استنكاري، قصد به أنور نفي الإنسانية عن مثل هذه الحالة. وهو ما قصده مرة أخرى، وهو يصف الحارسين اللذين صحبا المحكوم عليه من الزنزانة إلى المقصلة: فهما متماثلان، بفرق واحد، هو أن الحارس من جهة اليمين له عين واحدة من جهة الشمال، والحارس من جهة الشمال له عين واحدة من جهة اليمين. “ومكان العين الأخرى لكل منهما ممسوح الخد، لا أثر لعملية استئصال أو تشويه”. فإذا تماثلا هذا التماثل، فقد زالت عنهما خاصة التفرد المميزة للإنسان المتحضر، أو المميزة ـ بدقة أكبر ـ للإنسان العاقل، وللإنسان المبدع. أما الخلاف الذي ذكره القاص [الراوائي!]، فهو تأكيد إضافي على نفيه خاصة التفرد الإنساني عن حرّاس عالم “الأرواح تسكن المدينة”.

القاص [الراوائي!] ينفي الإنسانية عن شخصي قصته [روايته!] هذين المكرسين لدور الحراسة، بتركيب جسدي فطري، أهّلهما لتركيز رؤيتهما في دائرة ضيقة، تنتهي إلى نقطة محبوسة في حدودها. فوجهة رؤية الحارس من جهة اليمين نحو الشمال، ووجهة رؤيةالحارس من جهة الشمال نحو اليمين، ونقطة التقاء الوجهتين، هي نقطة حكم الإعدام الذي أصدره القاضي، والحكم بإعدام حي، انحباس في أضيق الدوائر وأظلمها. وتصويرا لأضيق الدوائر وأظلمها، رسم أنور للحارسين أنفين بأربعة ثقوب واسعة، تصلح سكنى للفئران، وجعل لكل منهما فما صغيرا جدا، “يتسع لمرور نملة فقط من الحجم المتوسط”. هكذا يصير رأسا الحارسين جحورا مظلمة، وليسا مركزي العقل الواعي الحر. وسعة ثقوب الأنفين هنا تعادل ضعف القدرة على شم ما هو جميل، إذ هي مكرسة هنا لشم ما هو قبيح، القبح المرتبط بسكن للفئران، والمرتبط بسلب الإنسانية عنهما، المؤكد، في الصورة، بفمين صغيرين لا يتحرك فيهما لسان ناطق. ثم هما بلا آذان أيضا، فلا يسمعان، “وإن جلودهما سميكة، ولم ينبت عليها الشعر وتلمع لمعانا غريبا”. وسماكة الجلود تعني فقدان الحساسية، ثم هما ليسا بشرا البتة، فالقاص [الراوائي!] لا يسلبهما خصائص البشرية الحضارية حسب، ولكنه ينفي عنهما أيضا خصائص البشرية الحيوانية؛ هما آلتان، فالجلود لا ينمو عليهما شعر، وتلمع لمعانا غريبا.. جلود معدنية، لآلتين لا تمتلكان أدنى قدر من الحرية.

فإذا كان القاضي والحرّاس على هذا الحال البشع، فإن البشاعة تتمادى بالسلبية التي تميز موقف الجمهور تجاه ضحية اللاإنسانية. فالجمهور الذي حضر تنفيذ حكم الإعدام، كان فرحا، لا مباليا، لقد صفّق، لا إعجابا بالبطولة، صفق تصفيق الوعي الغائب.. “أما النساء، فكان لهن حضور مكثف، كأنهن ذاهبات إلى حفلة مسائية… لمحت امرأة ـ يحكي الراوي، بطل القصة، الماثل لتنفيذ حكم الإعدام فيه ـ تلفت انتباه ابنها البالغ من العمر عشر سنوات لحضوري، [المكان هو المقصلة]، وتقدم له توجيهاتها لكي ينتبه ويرى بأم عينيه، وعيني أمه…”. وتوجيهات الأم لطفلها ـ الصغير، لكنه القابل للاستيعاب والقادر على التساؤل ـ ليست ذات منحى تحريضي ضد الظلم، إنها تحذير للولد من أن ينساق في تيار يؤدي إلى هذه النهاية التي انتهى إليها البطل لرفضه الواقع البشع؛ فالأم تطلب من ابنها أن يرى المشهد الماثل أمامه “بأم عينيه”، أن يراه بكل قوته على الرؤية، أن يرى جذوره، ويرى أبعاده. ولما كانت رؤية الجذور والأبعاد قد تؤدي إلى رؤية الرفض وحتمية تغيير الواقع، تؤكد الأم على الاتجاه الذي تريد لرؤية الإبن أن تنحو إليه، نحو التخاذل، فتحدد الرؤية بأم العين، بالرؤية بعين الأم، الأم اللامبالية بما يجري، الأم التي تخشى على ابنها من الهلاك! والقاص [الراوائي!]، تعميقا لصورة تخاذل الجمهور، لجأ إلى عاطفة الأمومة، التي تكشف عن التصاق أشد بالحياة، على أية صورة كانت، ولا يهم مع ذلك، أن تكون هذه الحياة، حيوانية الطابع، أو إنسانية المعنى!

والنساء يصورن الحياة أصدق مما يصوره الرجال، وهن جئن لحضور تنفيذ حكم الإعدام “حضورا مكثفا”، فإن هذا الحضور “القصصي” [الروائي!]، يُبرز، بشدة، صورة حال الواقع الذي يشارك كله في إعدام الخارج على المسار الأفقي للمجتمع. وحضور النساء “المكثف” وهنّ في زينتهن المبالغ فيها، تصوير بليغ لعكس المعنى الجمالي المبدع؛ فالزينة الأنثوية الجسدية ليست جمالا مبدعا، ولكنها تزيين واقع غير جميل، وتزييف له، وتقييد له عن انطلاقة حرة نحو جمال حقيقي.

القاص [الراوائي!]، بلسان الراوي، وهو يتغيا الجمال الحقيقي، البديع، يرفض عالم التجسد الضيق، ويرسم مدينته في عالم روحي من صنع الخيال.

ولكن المرور من سجن الواقع، إلى طلاقة الروح، يعبر مرحلة وسطى، يمثلها القاص [الراوائي!] بحالة الدخول في الذات، ومعالجة مشكلاتها، أو مشكلات البطل في دائرة الانفصال عما يجري. والكوابيس التي يعاني منها، هي ضغوط المجتمع، والحلول التي يضطر إليها، وهو في حالة النوم، حالة الانكفاء على الذات، والتقوقع الشخصي، هي حلول مقاوم لا يملك قدرة الفعل على مواجهة تحديات الخارج على أرض الواقع. الأحلام تراود الراوي، البطل، القاص [الراوائي!]، على قهر القوى القاهرة، ولكن القوى القاهرة غالبة، وهو عندما يريد مقاومتها، فإن إرادته تتحقق فقط، وهو حر في مملكته، المتربع على عرشها وهو نائم.

المشكلة هنا، البارزة بحدة، وبقسوة، هي مشكلة انفصام فردي وانفصام اجتماعي. الفرد لا يفلح في التوحد، والمجتمع غير متوحد، القوة المسلحة في تناقض مع القوة العاقلة النازعة للجمال.

القاص [الراوائي!] حل المشكلة بالخروج من عالم التعدد المتصارع إلى عالم الروح، خرج هو أولا، ببطله، ثم خلق له مجتمعه الذي يتخيله، ويطلبه، وصارت المدينة، مدينته، حلمه، مدينة أرواح!

منازلة الواقع فكرة غير واردة في القصة [الرواية!]، حتى الآن؛ فجرعة الياس كانت كافية لأن تحدث أثرها كما أرادته قوى السيطرة، فاجتر البطل كأس الهزيمة حتى الثمالة، وسبح في عالمه الخاص، ينسج منه المستقبل.

شرعت الروح في الانطلاق منذ وقع البطل في إسار حجرة ذات “طبقة سميكة من البلاط والاسمنت”، هذا القاع الصلب، صدم البطل الذي اشتم رائحة الحناء وأخذ يبحث عن مصدرها، فتكشَّف له أنها غير مادية؛ إنها رائحة، والرائحة ـ خاصة الرائحة الزكية ـ والروح على علاقة وثيقة في المصطلح اللغوي، وفي المفهوم الشائع، والغرفة / السجن، سجن لما هو مادي، أما ما هو روحي، فهو لا يسجن، لذلك، كانت الغرفة / السجن، أول الغيث لهارب من الحياة، أقول هارب، رغم أن القاص [الراوائي!] ينحو إلى تصوير البطل مقهورا على الخروج من الواقع؛ فهو هارب طالما لم يواجه الواقع بأدواته.. “رائحة شجرة الحناء كانت طاغية”، فماذا يفعل سجين في بحر طغيان الرائحة / الروح؟! وإمعانا في الروحانية، يحرق القاص [الراوائي!] غابة الحناء، يحرقها، وهو يخلق ـ من خلال شخصيته الرئيسة ـ  القاع السميك والصلب الذي يحول دون النفاذ منه، ولا يسمح بتجاوزه..”احترقت غابة الحناء وبقيت رائحتها”، وهذا يعادل إعدام الجسد، وبقاء الروح..

القاص [الراوائي!] يجيد تصوير ما يريد، ويحبكه حبكة مقتدر، مع أنه لم يزل في بداية العطاء الأدبي،  وهو يبشر بعطاء أشد جمالا. وهو يقدر أيضا على تعميق الموقف، لتوكيد وجهته. ولكي يحرضنا على ولوج طريق الحل الروحاني، بمفهوم خاص، هو طريق مجاوزة الواقع، ورسم واقع جديد. وبينما هو يطلب ذلك، لا يبرز الدور المقاوم، هو لم يحاول، من خلال بطله، وبإصرار، على أن يحفر أرض سجنه، حين جوبه بطبقة البلاط والإسمنت السميكة: “ولكني تراجعت بعد الحركة الأولى”. وحينما أعرب عن المطلب الأخير للبطل قبل الإعدام، أعرب القاص [الراوائي!] عن رغبة تَعجُّل الموت، وأن لا يتيح له الجلاد فكرة المقاومة، هذه الرغبة السلبية يفصح عنها بقوله: “وأن لا يضربني الجلاد سوى ضربة واحدة”.

ولم يغب عن القاص [الراوائي!] أن يتوقف عند ما نسميه “حلاوة الروح”، وهي قوة التشبث بالحياة في آخر لحظاتها: “لا أريد أن أموت، أرفض الرحيل والشتات، لا.. لا.. لا”. وقد جاء هذا التعبير صرخة فجائية، وهذا معناه أنه لم يكن أمرا مدبرا، ولا مطلوبا طلبا عقليا؛ كان حالة انفعال تفجرت لما تجسدت له أوراق الزعتر، وتجسد معها رجل ذو شارب طويل، وأنثى جميلة وأطفال.

لغة القاص [الراوائي!]، جملا ومفردات، حبلى بالدلالات. فالانتقال من الحناء إلى الزعتر، هو انتقال من الفردي إلى الجمعي. وهذا ما يسوغ الانفعال الماثل في صرخة التشبث بالحياة؛ فهو تشبث بالجمعي، العميق في البنية الفردية، الذي لا ينتظر منطق العقل البارد المتأني المتردد. فعندما يواجه الموتُ الجماعةَ لا الفرد، يفور الدم في الفرد ليدفع الموت عن الجماعة، بروح استشهادية بارزة في قصة [رواية!] أنور الخطيب. واستدعاء رمز الحناء لرمز الزعتر هو استدعاء الفردي للجمعي في موقف انتظار الموت: الحناء زينة العروس في ليلة زفافها، العروس موضوع فردي، [هذا لا ينفي استبطان فرديته لمعاني جمعية عميقة، ولكن الفردية فيه أبرز]، وهي غاية المنى، لفرد، ومطلب ضروري للحياة الفردية. العروس ذات الحناء، شق آخر لبنية مؤسسة للجماعية؛ فالحناء، بدلالتها الزواجية، رمز يدخل منه القاص [الراوائي!] إلى “شعب الزعتر” [الشعب الفلسطيني]. والحناء بدلالتها الروحانية، رمز للمطلق، يصير تجسيدا واقعيا عندما يستدعي الزعتر، الذي نأكله، فكأنما أراد القاص [الراوائي!] أن يقيد انطلاقته الروحانية باستدعاء الزعتر بعد الحناء، ليعمق لحظة التشبث الأخير بالحياة، باعتبار الرمزية الجمعية للزعتر، وما تستبطنه هذا الرمزية من آلية الجمعية كقوة غاذية للوجود الفردي.

على أن القاص [الراوائي!] وأد، وعلى عجل، العودة للواقع: “ضحكت من نفسي، وبختها، شتمتها، ووجهت إلى شخصي الكلام: كأنك تملك القرار”. فنكص من الجمعية إلى الفردية، على أن الفردية عنده هي فردية الظاهر لا فردية الباطن؛ فالراوي، الذي لا يحمل إسما، أشار إليه القاص [الراوائي!] بالحرف (ك)، الذي ربما يعني: كنعان (القبيلة العربية القديمة التي استوطنت فلسطين)؛ كون؛ كل؛ كنانة (أرض مصر)؛ كمال؛ كفاح؛ كرم (تضحية بالذات في سبيل نهوض الجماعة)؛ كبير (لا يقضي عليه الموت لأنه أكبر منه، والشعوب لا تموت)… الخ. وكل هذه دلالات ربما عمد القاص [الراوائي!] إلى الإيحاء بها ليوكد أن حكم الإعدام لا يعادل النهاية.

وتصير دلالة الـ (ك) أشد وضوحا وأدق تحديدا باستخدامها إشارة إلى الجار الطيب للراوي، وهو روح، الجار زوج المرأة الجميلة، والأطفال الثلاثة، الذين رآهم الراوي ـ قبل الموت ـ على أوراق الزعتر. هنا، تبدو (ك) رمزا لفلسطين، ولشعبها، وتتحدد هوية المقتول منذ الآن، بأنها هوية جماعية، لا فردية، أو فردية ذات عمق جماعي بارز فاعل. ويكاد القاص [الروائي!] أن يصرح بما يبطنه من معنى رمز (ك)، لولا ضرورة فنية حكمت القصة [الرواية!] التي أخفت مضمونها تحت غلالة الرمزية المغلف بها الموضوع، ولولا ما يقتضيه الحل الروحي ـ برؤية خاصة ـ الذي يؤججه القاص [الروائي!] في كل مراحل عمله.

فوجه الرجل “بستان برتقال ناضج…”، وهذا اقتراب من التصريح بأن الرجل المشار إليه بـ (ك) هو الشعب الفلسطيني [فلسطين مشهورة بإنتاج أفضل برتقال في العالم]. ثم يقترب القاص [الروائي] من التصريح عن هوية (ك)، اقترابا يكاد يلغي المسافة الفاصلة بين الرمز والمرموز إليه، بما يحكيه على لسان (ك) مما جرى في مؤتمر كان قد عقد له، وقرر “أكل الذي عقد المؤتمر لأجله على أن يحافظ على هيكله العظمي سليما..”.

قصة [رواية!] أنور الخطيب، قصة روح تتأبى على الموت الذي يظن واقع ظلوم جهول أنه يقدر عليه، وهو يستلهم التراث الديني الإسلامي الذي يربط بين فلسطين من جهة، وبين إسراء ومعراج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ارتبد بفلسطين، والجنة التي تذهب بعض التفسيرات الدينية إلى أنها ستكون في فلسطين، من جهة أخرى. علاوة على ما تمثله فلسطين في التراث الديني كله.

وقد صبغ التراث الديني الروحاني القصة [الرواية!] كلها، ووجّه تصورات القاص [الروائي!] للعالم الحقيقي، المؤهِل للدوام، لا عالم القهر والقوة الظالمة الجهلاء، الذي حبسه أنور في غياهب الوجود: “انطلق القاضي هاربا، راكضا على رأسه ويديه [حيوان يمشى على أربع؛ ليس إنسانا]، التحق به الجلاد والحراس ورؤساء السجون، لجأوا إلى ثقوب وأبواب نصف المدينة الآخر [النصف القبيح]… وأطبقت عليهم”، كما سوف تطبق جهنم على الكافرين، عندما يصير العالم ـ الأخروي، وفقا للدين ـ عالما روحانيا، أي: مدينة أرواح، كمدينة أنور!

على أن توظيف التراث الديني الروحاني في القصة [الرواية!] لم يجر وفق تصور تجزيئي يفصل الأبعاض ويفرق بينها. ولكنه يخضع لعملية تجديدية تستكشف الجوهر الجماعي للدين. فالراوي الذي ليس فردا محضا، بل الذي هو فرد رامز للجماعة، هو الذي أنجز النصر [الروحاني في عالم روحاني متخيَّل] ضد فردية عناصر الهيمنة الظلومة في الحياة. فالراوي المنتصر هو رمز الوجود المتواصل ـ بمفهوم ديني ـ الذي لا يفنى بصدور حكم إعدام عليه ومع إنفاذ هذا الحكم؛ فالإنفاذ لم يقع إلا على التجسيد الفردي الضيق، مرة في صورة الراوي قبل أن يكشف القاص [الراوائي!] عن جوهر عمله الجماعي، ومرة أخرى في صورة القاضي والجلاد والحراس ورؤساء السجون. وهو في سبيله إلى تعميق فكرته هذه، سلب ـ القاص [الروائي!] ـ كلا من العقل والجسد والقلب، وهنّ منفصلات، أهلية القدرة على مغالبة العدوان، ثم أوكل هذه المهمة للراوي الروحاني (الجماعي)، مرتكزا إلى الدلالة التي توحد بين معنيي الروحي والجماعي لحساب الجماعي ذي الديمومة مقابل الفردي الهالك.

وإذا كان الفردي مثال القبح، فالجماعي أم الجمال. وأول تبلورات الجماعية هو توحد عناصر الوجود الفردي: “وعلى البعد.. لاحظت قدوم جسدي، قدوم أجساد عديدة تقترب، تدنو من رؤوسها… احتضنت الأجساد الرؤوس، بكت من أثدائها، من مسامات جلودها، فأمطرت الدنيا دمعا وعرقا ودما”.

ثم “أمطرت الأرض من جوفها على نصف المدينة الجميلة… وفي الصباح كانت الأرض قد ثملت من الدم والدمع والعرق، فتفجرت فقاقيع وردية، صغيرة وكبيرة، تتفتح ببطء، ثم تزفر مستريحة”.

فالراوي، وبعد أن تكشفت جماعيته، تجاوز مستواه الأول.. كان مقهورا، يمارس الفعل في أحلام نائم، لم يواجه الواقع بالكيف الذي يؤهله لغلبته؛ كان منقسما على نفسه، تحت ضغوط قوى الظلمة، كان منفك الصلة بالغير اللاهي بتوافه الأمور، كان محبوسا في دائرة المفعولية.

أما الراوي بعدما كبر بالروح الجماعية، فقد غدا ذاتا موحدة.. عاد رأسه [عقله] إلى جسده [أداة حضوره المادي].. توحد العقل مع الحضور المادي، مع الجسدي، مع اليد العاملة، في وجود متسق، متكامل، [واحدي]، يخلق الجمال، ويهنأ بالراحة،.. غدا وردا، كبيرا وصغيرا، يتفتح على مهل، لا يلحقه اضطهاد ولا تُحصى عليه أنفاسة!

الجماعي صنع الحرية ففاز بنصف المدينة الجمبل!

والجماعية الإنسانية المؤسسة على الحرية، والتي تتغيا الجمال فكرة يلدها مفهوم أعمق للوجود؛ فإذا كانت الجماعية كشف لوحدة الإنسان مع ذاته، ومع الناس عامة؛ فهذه الوحدة تمثيل لواحدية الكون الجميلة، عبّر عنها أنور الخطيب بالاحتضان والبكاء من الأثداء والمطر الذي لم يأت من السماء حسب، وإنما أتى من جوف الأرض أيضا؛ فالوحدة تحققت في الشكل الإنساني المرموز إليه بعلاقات التوحد الذكري الأنثوي (بالاحتضان)، وبالتوحد الأمومي (بالأثداء)، المعمق بانفعال قوي (: الأثداء التي تطعم الأولاد تبكي)؛ وانخرط التوحد الإنساني في التوحد الوجودي.. مع المطر من فوق وتحت.. الإنسان يتوحد مع السماء والأرض.. وكانت نتيجة هذا التوحد الوجودي العام تفجرٌ وردي يرسم بلوغ غاية الجمال المساوقة لغاية الحرية، دون إلغاء للفردية.. لكن فردية حرة جميلة لا تجهل ولا تقهر ولا تقتل.. أنور حبس عوامل الجهل والقهر، لكنه لم يقتلهم!!

قصة “العودة” لشهيرة أحمد*

الوطن جسر الحب (؟!)

تتباين آراء القراء، أو القراء النقّاد، حول عمل أدبي ما، وفقا لاختلاف المعايير التي يحتكمون إليها، كل على حدة. ولكن اختلاف التقدير ليس يعني غير أن العمل موضوع الجدل يملك من الأهلية ما يقدر بها على أن يقدم نفسه، أو يقدم صاحبه، على أنه ينطوي على فاعلية لا تستوعبها نظرة واحدة، فتحتاج إلى نظرة أخرى، لتنكشف بها أغوار لم يدركها فريق، ويدركها فريق.

ونحسب أن قصة “العودة” لشهيرة أحمد، التي قرأتها في أمسية ثقافية بأبو ظبي، نموذج للإبداع الأصيل الذي تكشفه رؤية واحدية للأدب. فهذه القصة هي قصة “وردة” اغتال الغاشمون جمالها. أو هي قصة تفتّح روحٍ قاومت ظلامة الإنسان، أو هي قصة حب متسام عن قيود الجاري في الزمان والمكان، إلى فضاء يسري في الدم، واسع طليق..

“يقال إنه في تلك الليلة المريعة.. لم يتوقف نحيب الكون.. ظل يبكي وأشجاره تنوح..

“وقيل… إن نقطتين من الدم المسفوح انسربتا في لحم التربة المبتل بالندى الليلي فأينعت وردة”.

بهذه الخاتمة التي أنهت بها شهيرة نص القصة، فتحت مغاليق الوجود، لتعلن عن نفسها مبدعة واحدية تأبى أن يتوقف العمل المبدع عند نهاية المكتوب؛ فإن النهاية المكتوبة، في منظور الواحدية، بداية جديدة، ومن هذه البداية الجديدة، ولدت وردة مرة أخرى، بعد اغتيالها كبطلة كانت محور القصة منذ بدايتها المكتوبة.

وقد يثير هذا الرأي  استغراب كل الذين سمعوا قصة “العودة” حين قراءة شهيرة لها.. ربما أثير بتفسيري للقصة الاستغراب أو الإنكار؛ إذ أن ظاهر القصة يستدعي تقديرا يباين تقديري ولا يتفق معه. ولا شك أن المعطى المباشر للقصة يوجه التفسير نحو ما يباين رؤيتي لها، ولكن هذه المباينة سر من أسرار الإبداع الذي تمتلك شهيرة نواصيه.

المعطى المباشر لـ “ألعودة”، هو قصة امرأة تعيش بعيدة عن وطنها ـ فلسطين ـ وتنهشها الغربة وتُقلق أيامها، فيتفاقم في نفسها صراع ينتهي بقرار العودة إلى وطنها، فتعود.. ولكن العودة تحملها إلى معتقل تلقى فيه أبشع صور العذاب الموغل في الهمجية إلى حد انتهاك العرض الذي لم تطقه “وردة” فماتت!

القصة بهذا المعطى المباشر تصوير مألوف لمعاناة الشعب الفلسطيني الذي تعكسه حساسية امرأة أشد مما تعكسه حساســـية رجل.

شهيرة سيطرت على أدوات الخلق الفني في “العودة”؛ إذ تنوع فيها أسلوب العرض، وتعمقت المشاعر الإنسانية ووظفت ثقافتها الفلسفية واستخدمت الرموز على نحو كشف مدلولاتها المترامية، وأمكنتها قدراتها على تحويل الزمكاني الفيزيقي إلى معادله الفني، وكان ذلك كله مصورا بلغة شاعرية لم تسقط في المباشرة إلا في مواضع لا محيد لها فيها عن النقل الخبري للمحادثات. وهذا كله يزكي قصة شهيرة لتكون شهادة على تفوق صاحبتها في التعبير عن معاناة صادقة تعيشها في حالة التمزق التي يعيشها شعب ـ شعب فلسطين، شعب القاصة ـ موزع بين الاغتراب عن الوطن، والموت فيه.

ولكن التفوق الإبداعي يجيء أقوى عندما تعالج القصة قضية أبعد غورا في النفس وفي الحياة الاجتماعية من خلال قضية وطنية تحظى بعطف ما كان سيزيد بقصة شهيرة التي ما هي في حقيقتها ـ لدينا ـ إلا توظيف للمألوف المقبول كجسر يعبر منه المتلقي إلى حلم لا تسعه حياة الناس الجارية على المألوف:

“خرج إليها البحر، يرتمي عند قدميها، تفزع إليها حيواناته، تقيم حولها طقوس عرس لم يئن أوانه بعد!”.

وردة تحلم بعرس، عرس تُزفّ فيه إلى بحر يخرج إليها، ويرتمي عند قدميها، البحر بكل دلالالته المعنوية والمادية.

بحر وردة يخرج إليها، ويرتمي عند قدميها، ونيته التي أفصحت عنها حيواناته، نية طالب الشوق الذي أذاب صخرة تسند وردة ظهرها إلى حافتها: “تسند ظهرها إلى حافة صخرة أذابها الشوق، يخرج إليها البحر…”، وهذا الشوق الذي يذيب مسند ظهر المرأة، هو الحلم الذي ترنو إليه وردة، وهو حلم العودة الذي سلبته الأيام: “سلبتك الأيام حلم العودة”. ولكن خروج البحر وارتماءه عند قدميها، جدد فيها الحلم من جديد: “الآن حان وقت العودة، دقت طبولها، حان موعد العرس، فلم أنت حزينة على هذا النحو؟”. إلا أن جذورها في أرض غربتها ـ التي تعيشها في عالم المألوف، الذي لا تقنع به ـ تقاوم انطلاقتها نحو الحلم: “.. صارت تشد جذورك إلى هذه الأرض”؛ فهي على وجه من وجوهها جزء من المكان الذي تعيش فيه حالة اغتراب، مقاومتها لم تفلح في تحريرها: “تقاومين زمنا…تسقطين… تنهضين… تسقطين… إلى أن نبت لك في أعماقك واحة تظلك”.

وردة لم تستجب، في المبتدى، للبحر: “قالها البحر وتسلل مبتعدا”؛ لديها الرغبة، ولا تملك القدرة على تحقيق رغبتها، فمزقها التناقض بين الرغبة والضعف: “تركها للحيرة تأكل عقلها.. وللأسئلة كالدود تنخر في جسد ميت”.. “أنت مأفونة يا وردة.. بل ومتناقضة إلى أبعد حد، منذ أتيت إلى هنا وأنت تتمنين العودة إلى ذلك المرفأ الجميل”. ولدى مغترب، فالمرفأ الجميل هو الوطن، والوطن عند وردة هو الحبيب: “في ليلة مثل هذه عرفت فاطمة… كم تشتاق إليها… ترى هل أراها.. أجلس معها… أحكي لها عن مغامرة الخطر الأولى باتجاه الوطن… عن الحبيب الذي انتظر طويلا ثم أخذته دوامة الحياة… عن الفرح الذي يداعب القلب…..”.

وردة لها ماض ذابل من الحب الفاشل، يحد من حرية الحلم: “وهل بقي مجال للأحلام يا وردة.. هل بقي ثمة حلم لم يتكسر منذ تكسرت أبواب مدينتك والأشياء كل الأشياء في أعماقك تتكسر”.

قالت هذا بعد تساؤلها: “ألا تحلمين؟”. فهي تود لو تحلم، ولكنها تخشى الرحيل؛ فالبحر الذي خرج إليها، فلم تقبله، رحل أيضا، ولكن رحيله “أشعل ذاكرتها، وزرع هذا الرعب كله في حناياها”؛ هي تخشى البحر، فتظل على الساحل: “سارت وخواطرها على خط الساحل”. بقيت أمام البحر لأنها مصلوبة: “مصلوبة أنت بلا ذنب يا وردة، صلبوك على بوابة عهد عتيق لم يدخل بعد سفر التاريخ ولا تسلل إلى مجد الحضارة”؛ [المدلول واضح: روح نافرة من المألوف: العهد العتيق…..].

تواصل شهيرة رسم صورة التناقض بين الرغبة في الانطلاق نحو الحلم، حلم العودة إلى حب جديد تحب به البحر هذه المرة، وبين قوة الجاريات العتيقة التي لا تملك قدرة الوقوف في وجهها: “أتعبتها الأسئلة ودوار البحر”. وهي تتخوف من العودة (للحب): “عودتك تحمل في ثناياها رياحا وعواصف وصباحات لم تتثاءب بعد، عودة مقرورة تحتاج إلى زمن آخر لتصبح وردة أو حقل قمح”.

تتمزق وردة، قبالة (مشروع حبيب آخر) وتود لو تقدر على الإفصاح عن حبها الجديد: “يحنو البحر على تمزقاتها… تسافر الهموم في دروب قلبها…”؛ تود لو تعود (للحب)، “لكن العودة تبدو متعبة وخاسرة كفارس يراهن على حصان عجوز”. فالبحر عجوز(؟!)؛ والعودة إلى الذكرى القديمة، ذكرى الحب، بتلبية دعوة البحر، عودة “للشوارع والناس فيجدهم قد رتبوا أمورهم على عدم عودته”؛ إذ البحر مأهول.. البحر لم يغرِ وردة ولكنه استنفر كوامنها نصف استنفار.. قمعت حبه وبها نصف ميل إليه.. وبما بها من نصف خضوع للمألوف الجاري.. قررت العودة للوطن التراب، هروبا من الوطن الحبيب: “سأعود..

“حزمت أمتعتها ويممت شطر الوطن، وصلت إلى الجسر”. تركت البحر ومضت. يفهم من المعطى المباشر للنص أن عودتها هي عودة الرجوع من أرض الغربة إلى أرض الوطن، فلسطين.. ولكن النص الأدبي لمبدع أصيل ليس مسطحا ليمنح نفسه للمتلقي بأول قراءة. إن وردة في قصة “العودة” رمز أبحرت به شهيرة في التجريد، والبسته رداء صلابتها فكان تجسيدا لها: “أنت عنيدة”، “لا أعرف شيئا”، “.. صمتها أثاره… فصممت على المضيّ…” [: على الهرب من البحر = الحبيب]..

ظهرت شخصية فاطمة للمرة الأولى في القصة بعدما أدركت وردة “أن الغربة إحساس يقيم داخل النفس لا علاقة له بالزمان أو المكان”، وبعد أن “همست لنفسها… الغربة في الوطن أقسى وأشد مرارة”.

وظهرت شخصية فاطمة للمرة الأخيرة في الفقرة الأخيرة من “العودة”: “كان لفاطمة وجه الوطن ورائحة الأرض”. وهذا الوصف في السياق الذي جاء فيه، هو وصف لوردة، إذ كان الحديث في النص يجري عنها، ويصور لحظة ما بعد موتها، لحظة انسرابها “في لحم التربة المبتل”. وردة هي فاطمة، هي وجه الوطن ورائحة الأرض، هي نموذج المرأة التي لم تنفك علائقها بجذور ضاربة في الواقع، هي التي عادت للوطن “الحبيب الذي انتظر طويلا ثم أخذته دوامة الحياة”، هي التي رفضت في نزق قول “أبو العبد”: “كلنا عبيد يا ابنتي.. لا.. لا… لست عبدة… ولن أكون”، قالتها بعد ما عادت للوطن، وفق ظاهر النص.. للحبيب الذي لا يندّ عن المألوف، فكان هذا الحبيب معتقلا يغتال الإنسانية فيطلب الجسد ويغتصبه بقوة الذكورة ووحشيتها، وهي الذكورة ذاتها التي تريد من المرأة أن تكون عبدة.

وردة عادت لوطن الذكورة القاهرة، وفيها ثورة غذاها بها البحر الذي قمعت دعوته إلى عرس.. فأدبر البحر وبقيت جذوة ناره في نقطتين من دم سالتا فأينعتا وردة الجديدة لتعود العودة التي تليق بوردة الأولى التي كانت تختلط بفاطمة، وفاطمة التي تختلط بجليلة.. ففي قصة شهيرة اختلطت النماذج النسائية وتبادلت الظهور من غير حصر في شخصية بعينها. ولكن الشخصية الأوسع كانت شخصية جليلة التي يوحي اسمها بمعناها ومدلولها، خاصة وأنها ظرت تحمل كتابا، فهي جنس النسوة المثفات اللاتي يرفضن معتقل الذكورة ولكنهن يرفضنه إلى الحد الممكن. أما رفض هذا المعتقل كله، فهو رفض وردة الجديدة بنت نقطتي الدم المنسرب في التربة المبتلة بالندى الليلي.. هذا الندى الليلي هو البحر الذي رقى بالحب بعدما عادت إليه وردة حرة من كوابح الاجتماع ومن موانع المألوف.. والندى الليلي بحر من غير وحوشه.. ومن غير ملوحته..

في الظاهر، كانت عودة “وردة” للوطن التراب.. لكن العودة الحقيقية كانت للبحر مرموزا له بالندى الليلي، وبهذه الرمزية، تعود “وردة” للبحر الحبيب، البحر الرقيق رقة الندى.. الوطن، كان لدى القاصة، جسرا إلى وطنها القريب القاصي، الحبيب.. أفق الوجود الواسع.. الحرية الجميلة.. عادت روحا.. لطيفة خلصتها الشهادة من كثافة الظلمة..

وقد ذهب كثير من المعلقين على قصة شهيرة مذاهب متعددة اتفقت على التهوين من شأنها بدعوى أن معمارها غير متسق، وأن فيها أحداثا مقحمة أو أنها مترهلة وإلى غير ذلك. ولكننا نحسب أن تلك التقديرات كان يمكن أن تنعكس لو أنه تم لأصحابها القبض على مفتاح القصة الذي هو علاقة الوردة بالبحر. فإن الابتداء من هذا المفتاح يكشف، كما حاولنا هنا، أن شهيرة أحمد، تمتلك ناصية إبداع حقيقي لا شك فيه، وهو إبداع أصّلته قصة “العودة” ببناء أدبي قام على حوار داخلي وتداعيات يضع القاصة على طريق تأهيلها لمستقبل مشرق. ونحسب أن من المفيد أن نشير إلى أن أسلوب الحوار الداخلي والتداعيات، كان أسلوبا مميزا للروائي العالمي فوكنر الحائز على جائزة نوبل لعام 1953م، صاحب رواية “الضخب والعنف” التي سماها النقاد “رواية الروائيين”؛ لا نستشهد بفوكنر لنربط إبداعا جديدا بمعايير إبداع قديم، لكن لنستأنس برأي لا لنتقيد به..

نقد مسنون… رمتني زوجتي بحجارته!*

أحسب أنني لا أغالي إن زعمت أن مشكلة النقد تمثل أخطر مشكلة تواجهنا، بينا نحن نتطلع إلى مجاوزة الأزمة الحضارية المصاحبة للمرحلة الراهنة ذات الطبيعة التحولية في مفاهيمها، وفي منجزاتها. وإذ أزعم أن مشكلة النقد هي المشكلة الأخطر من بين مشاكلنا الحضارية التي تتجمع أطرافها كلها في مشكلة النقد؛ فإني أعتقد ذلك لاعتبارها أسّ مشكلتنا الحضارية الراهنة.

النقد مطلب من مطالب الحضارة وضرورة من ضروراتها. وحضارات الإنسانية كلها، الزائل منها والمستمر، لم تقم إلا من نقطة بداية واحدة، ومن غير استثناء وعلى وجه الإطلاق، هي البداية النقدية.

ونحن تحدونا الآمال العراض في تحول حضاري تقدمي، بمعاييرنا التقدمية الخاصة؛ لكن الأمل إذا ضل الطريق، لا يصنع تقدما؛ وإذا أخطأ نقطة البدء، لن يحقق إنجازا، ولن يصير حقيقة واقعة. نحن نخشى النقد على كل وجه، نخشى ممارسته ونخشى من أن يطالنا. والذين يخشون النقد يستدبرون الحقيقة ويخافون مواجهتها. وخشية النقد وجه للضعف أو هو سره المكنون؛ والضعفاء لا يصنعون حضارة ولا ينجزون تقدما!

وتتفاقم مشكلة النقد عندنا أكبر عندما يعمق جذورها مثقفو الأمة وطلائع حركتها. وهذا واقع لا يخفى على المتابع أو شبه المتابع لجاريات حياتنا الثقافية.. فأدباؤنا، مثلا، لا يرحبون بنقد يهز أعمالهم ويكشف عن قصور فيما ينتجون؛ بيد أن كل عمل إنساني ليس الكمال شرطا له؛ ونقادنا، ليس كلهم، مجاملة أو خوفا أو عجزا، سلبيون يواربون ويدارون تحاشيا من إغضاب هذا من “الأدباء” أو ذاك..

لست هنا في مقام البحث عن أسباب المشكلة النقدية وعن طرق علاجها. ولكني أرغب في اختراق الحصار النفسي الذي يحجب شمس الحقيقة المشرقة من سماء الحرية المبنية على القواعد النقدية؛ لعل في هذ المحاولة دعوة عملية لممارسة نقدية لا يخشاها المنقود ولا يجفل منها الناقد.

فقد كنت قد ملكت الجرأة ـ غير مرة ـ على تقديم مقطوعتين[42] لهما طابع أدبي للنشر في الصحف المحلية، وربما أكون قد حظيت بفرصة قد لا يحظى بها غيري؛ فتكرم الزملاء المشرفون على الصفحات الثقافية في صحيفتين من صحف الإمارات فنشروا لي ما كتبته تحت إشارة توحي بأنهما من الشعر..

السيدة عطاف جانم، زوجتي الشاعرة، لم تغفر لي هذه الجرأة، فواجهتني بنقد أشد جرأة.. والنسوة في العادة يهللن لأزواجهن، على وجه الحق وعلى وجه الباطل معا، إذا ما حشر الأزواج أسماء زوجاتهم حشرا جميلا في أي كلام، دون شرط أن يكون هذا الكلام في موقعه أو على حال الافتال. وفي إحدى المقطوعتين وصفت عطافَ بـ”السماء”، ورغم ذلك فقد رمتني عطاف، ومن السماء التي رفعتها إليها بحجارة مسنونة… ولم يغضبني صنيع زوجي.. لقد أثلجني وأود أن يصبح هذا المسلك النقدي، ممارسة عامة، تؤسس مشروعنا الحضاري التقدمي..

سجلت الشاعرة عطاف جانم نقدها “القاسي” في رسالة بعثت بها إليّ؛ ومع أن مراسلات الأزواج ذات خصوصية، وهي خصوصية زائدة بيني وبينها، ولكنني رأيت أن هذه الخصوصية تقبل أن تغدو مسألة عامة، طالما هي تخص قضية أحسبها تمثل أخطر مشاكلنا الحضارية الراهنة. وعلى هذا التقدير، فإني أسمح لنفسي أن أقدم للقراء عامة، وللأدباء خاصة، رسالة امرأة إل زوجها، لم تتردد فيها عن إبداء الرأي في محاولتين لهذا الزوج الذي ربما خالجه إحساس أنه بنشرهما قد يتحول عن وجتهه الثقافية الخاصة به، إلى وجهة الشعراء..

قالت رسالة زوجتي:

“أيها النابغة الغزّي (نسبة إلى مدينة غزة الفلسطينية) أوَ تدري لماذا لقِّب النابغة الذبياني والنابغة الجعدي بهذا اللقب؟ لأنهما كما يقال نبغا في قول الشعر بعد سن الأربعين، وأنت يا عزيزي تريد أن تكون النابغة الغزِّيّ لهذا العصر.. ولكن ذلك لن يحصل..

“أية قصيدة هذه التي تبدأ بفعل يبتعد عن الشعر آلاف الأميال، أعني قولك: “غاظ”..وانظر إلى هذه الصورة المخلخلة في قولك: “وعلى شمس الوداد تسدلن الشعور المديدة”. الشمس، شمس الوداد الذي يحاول أن يطمسها يا عزيزي لن يكون إسدال الشعور المديدة.. الجمال لن يمحو الجمال، إن لم يعززه. وانظر إلى تقلقل الصورة في “الباسمات المحيا في عبوس الضواري”، ما معنى هذا؟! وهذه الصورة التي لا تطاق: “والأقلام أغصان فيكن مزروعة”. ثم ليس جميلا أن تصف نفسك بـ”البحر”، بل لا يحق لك هذا، دع الآخرين يروك هكذا. أما أنت، فلا، لأن هذا ليس أكثر من غرور. وقد تكرر هذا الغرور في قولك: “مثلما هم الكبار”. لكن للحق، العبارة النثرية الجميلة هي: “ما ظنكن في البحر إذا جدّف أهلوه فيه.. ما ظنكن في البحر إذا راد شطآنه من يهواه؟!”… أضف إلى هذا أن كتابتك تخلو من مقومات الشعر كالموسيقى والخيط النفسي الذي يجمع بين الصور المتناثرة.. نعم، لقد حاولت حشو “القصيدة” بالصور لتصنع منها قصيدة… ولا تتوقع مني غير “التعليقات القاسية” التي تستحقها حتى ولو جاء إسمي في “القصيدة”..

“وتظل هذه، أعني: “يا نسوة كل الأزمان.. البحر يحببكن” ومع كل ما قلت أهون شرا من “عذراء تبني” التي تعج بالسرقات الأدبية الواضحة. وحسن النية في زج أسماء الأحبة فيها لن يغير من الأمر شيئا، وحسن النوايا لا يكفي. وللحق أقول إنك أفلحت في المحاولتين في استعمال ألفاظ شعرية، أي ألفاظ كثيرا ما تستعمل في الشعر. لكنك لم تكوِّن قصيدة، ولن تكوِّن، لأن استعداداتك النفسية والعقلية غير ذلك”.

انتهت رسالة عطاف التي نقلتها كما هي.. لن أضيف تعليقا، ولن أدافع [مع أن لديّ ما أقوله]، ولكنني أشير إلى أن عطاف، لا أحد سواها، هي التي أسمتني في أشعارها بـ”البحر”[43]؛ ورغم أنني استخدمت إسما تحب هي أن تسميني به، فهي لم تغفر لي هذا “الغرور”..

أما هي فلم تأت بخطيئة وهي تنتقد زوجها هذا “النقد القاسي”.. هي امرأة تدعو إلى حرية الفكر.. وما حرية الفكر غير النقد.. وما هي غير بداية تحول جاد نحو ارتقاء مدارج التقدم!

على هامش الأمسية الشعرية بالنادي السوداني في أبوظبي*

الشعر لا يكتب للمجاملات ولا لتلبية دعوات عجلى!

القيمة الجماعية للإبداع الجمالي أيقظت الحركة الأدبية في أبوظبي من رقادها الصيفي الذي يستغرقها كلما اشتد الهجير. وقد لعب الشعر في الحياة العربية الماضية دوره البارز في التحريض على مقاومة عوامل الفناء بغناء يتغور الكون الفردي ليزج به في معترك الفعل البنّاء. ولم يزل أداء هذا الواجب مطلبا ملحّا يتعين على الشاعرية العربية المعاصرة التزامه في ظروف يتفاقم فيها خطر التحديات التي تجابه الأمة.

ولا شك أن طغيان السيول في السودان الشقيق هو خطر يتحدى الوجود العربي الراهن، ويحرك دواعي النهوض لتواجه طوفان الدمار. ومن هذا المنطلق انتظمت في أبوظبي مساء الثلاثاء الماضي أول ملتقيات الشعر للموسم الثقافي الجديد، بدعوة من النادي السوداني إفساحا في المجال أمام الشعراء ليشاركوا بالأداة الجمالية في فعل التصدي للكارثة الواقعة في السودان، بلد العرب أجمعين.

على أن أول ما يثير الانتباه في هذا الملتقى غياب شعراء يحسبون أنفسهم، ونحسبهم  نحن أيضا، من أهل الطبقة الأولى بين أدباء أبوظبي، ولا ندري هل يرجع ذلك إلى عزوف بعض أهل الطبقة الأولى عن الزج بأدائهم البديع في خضم الحادثات الجارية المتسارعة، أم هو يرجع إلى سبب تنظيمي عجول، لم يتح الفرصة لتعميق الحضور الشعري في مواجهة تقلبات الزمان والتصدي لأخطارها؟! وهذان قضيتان يثيرهما ملتقىالشعر هذا مثلما يثير قضايا أخرى غرضنا هنا أن نشير إلى بعض منها ابتغاء لأداء جمالي أفضل، ليس محدودا بدور المشاركة الشعرية في “المناسبات”، ولكنه أداء يرعى حق الفعل الجمالي بخاصته التي يمتاز بها.

وقد يرى كثير من الشعراء والنقاد أن لا التزام على شاعر يلزمه بنظم قصيدة يشارك بها في “مناسبة”، إلا بدافع غير دافع الـ”الحضور”!

وإن الصدق الفني مطلب جوهري محسوم. ولا شعر من غير صدق. وكل نظم فني منزوع منه الصدق، هو كلام من الكلام، لا قيمة له بميزان الجمال، ولا حاجة له، بميزان مطالب “الجماعية”. إلا أنه لا يُعفى شاعر من المشاركة في المناسبات الجماعية بشعر بديع؛ إذ أن الشعر كله شعر مناسبات [انفعال بجاريات]؛ فالشاعر المبدع لا يحيا من فراغ الوجود، وإنما الشعر استجابة جمالية يبعثها من غور الشاعر انفعال الشاعر بالحياة الزاخرة بالجاريات المتتابعة. فإذا لم ينفعل شاعر بالجاريات الضخام في حياة الأمة، فهو شاعر مدان بتهمة الغياب عن مسرح حياة الجماعة، لا بتهمة الغياب عن قراءة تنظم في “مناسبة”.

والغائبون عن، والحاضرون أيضا في، ملتقى “سيول السودان” الذي انعقد في أبوظبي، كانوا، باستثناء واحد، بعيدين شعريا عن الخطر الجسيم العارض للأهل في السودان. فما قرىء من نظم في هذا الملتقى، باستثناء ما قرأه واحد، لم يكشف عن الانفعال العميق بالحدث.. فالكلام المنظوم الذي قرأه طه عبد الغني مصطفى ومحمد راجح الأبرش كلام كُتِب، فيما يبدو، لتلبية دعوة، ولإثبات “حضور”؛ وهو كلام نُظِم على عجل، لم ينبعث من “القلب” الشعري، رغم أنه مصبوب في قالب “الشعر”. لقد جاءت الدعوة للمشاركة متأخرة، فلبّى “شاعرانا” الدعوة مجاملة! والشعر لا يكتب للمجاملات ولا لتلبية دعوات عجلى. الشعر دواع تسكن منطقة الهم؛ ولو أن الشعر سكن منطقتي الهم منهما لجاء “شعرهما” أصدق وأبلغ!

أما الاستثناء الوحيد، فهو ما قرأه محمد سبيل، القادم لتوه من السودان؛ فقد كان شاعرا بالكلمة وبالإلقاء وبالعلائم الظاهرة عليه؛ لقد أثبت انفعالا أصيلا بالحدث، فكانت مشاركته في المناسبة مشاركة شعرية أصيلة. وقد طغى انفعال الشعر على محمد سبيل، فألجمه عن مواصلة القراءة لقصيدته التي خص بها الملتقى؛ ولما سألناه عما منعه من إتمام قراءة قصيدته، اعتذر بقوله: “توقفت عن الغوص في أعماق انفعالي، ليس إرادة مني، ولكن عجزا عن أن أواصل”. هنيئا لشاعرنا الشاب محمد سبيل، وهنيئا للساحة الأدبية في الإمارات، لوفود سبيل إليها، فإنه يبشر بإبداع شعري ملتحم بالجاريات الضخام في الحياة العربية المعاصرة.

من عيني سبيل كان يخرج الشعر، فالشعر نور.. نار تخرج من القلب ومن العينين أيضا. ولم أر الشعر يخرج من عيون غير عيون سبيل من المشاركين في ملتقى النادي السوداني؛ أجل، فالدرجات النفاذة التي خرج بها الشعر من عيني سبيل، لم تتوقد في عيون غيره بالوهج الأسير للجمال.

على أنني وأنا أراوح النظر بين عيني الشاعرة وفاء عبد الرازق، وبين شفتيها يخرج منهما الكلام، رأيت شيئا من نور نار الشعر الأخاذ، رأيت هذا وهي تقرأ قصيدة كتبتها لطفاتها الصغيرة “نهار”، عندما سألتها الطفلة عن معنى الوطن. وهذه قصيدة من جيد ما قرأته وفاء، ولعل إجادة الشاعرة في نظم قصيدة عن الوطن، بمناسبة سؤال ابنتها الصغيرة عن معناه، لعل هذا يعزز الرأي الذي يذهب إلى تأكيد خصوصية الأدب النسائي. فالشعر تعبير عن المشاعر، ولا شك أن الأم أعمق انفعالا بالمشاعر تجاه الأبناء، وفي موقفها تجاه صغيرتها، هذه الصغيرة التي لم تُعْـفِها طفولتها من معاناة همّ الوطن، ومن إحساسها بضياعه منها، أو ضياعها فيه؛ وإن نحن إلا بين ضائع في وطنه، وضائع منه وطنه! وفي ظل هذا الموقف، يقوى انفعال الأم ويتفاقم؛ وعندما يقوى الانفعال ويتفاقم، يلد الشعراء قصائد جميلة، تخرج من العيون مثلما تخرج من القلوب.

وإذا كان من وظيفة الشعر أن يحرض الجماهير على النهوض ومواجهة تقلبات الزمان، فالشعر لا يستقل بهذه الوظيفة وحده؛ ففن الخطابة ذو قدرة أيضا على استثارة الهمم. والشعر غير الخطابة وبعض شعرائنا يقعون في دائرة الخلط بين الشعر والخطابة، فيقفون على المنابر باسم الشعر ثم يلقون خطبا؛ وهذا ما فعله فيما أحسب، عبد القادر كتيابي، وقد طوت خطابيته إمكانات جيدة لأداء فني جميل، ومع إلقاء غير شعري، كانت تبرز من بين أعطاف “القصيد” صور جمالية دمجت الرمز التراثي بالوضعية الراهنة.

وقد شارك في الملتقى نبيل أبو زرقتين بقصائد منظومة بالعامية المصرية. والنظم بالعامية لا يقلل من قيمة الشعر الفنية، ولكن حقن النص الشعري العامي بمقاطع فصيحة كما يفعل أبو زرقتين، يخل في بعض الأحيان بالموسيقى التي يعزفها الشاعر، خاصة وهو يقرأ شعره، خللا يسيء إلى حالة السماع، ويصدم أذن المتلقي بمقطع ناشز عن اللحن المنساب، فيخرج المتلقي من حالة التذوق الفني، ومن ثم يخرج الشاعر على دور المؤثر الجمالي في جمهوره المستمع.

ولم يتقيد كل الشعراء المشاركين بالملتقى تقيدا مباشرا بموضوع المناسبة. فمن الواضح أنهم لم ينظموا شعرا عن أحداث الفيضانات الخطيرة في السودان، لم ينظموا مثل هذا الشعر بدوافع ذاتية، رغم مرور الوقت الكافي لذلك. وعندما دُعُوا للقراءة، قرأوا ما سبق لهم أن نظموه انفعالا بمواقف أخرى. ولكن ما قرأوه من “شعر” كانوا  نظموه انفعالا بهموم وطنية أخرى، ليس منفك الصلة بموضوع المناسبة. فالقضية الوطنية العامة قضية واحدة، والهم الوطني العام همٌّ واحد.

حول ما أثاره رأينا  في أمسية النادي السوداني بأبو ظبي*

لماذا نحط من منازل الشعراء ونحن نعلق عليهم الآمال الكبار؟!

يؤدي الرأي أول واجباته عندما يفلح في إثارة الناس حول القضية موضوع التناول. وليس يهم بعد ذلك أن تأتي الردود متباينة، إذ شرط الرأي ـ الحر ـ أن لا تُلزمه سلطة، وأن لا يلتزم هو بسلطة؛ فالإلزام، والالتزام بقيود تفرضها سلطة ما، مصادرة للرأي الحر، الذي يأبى الخضوع لغير مبدأ الحرية، الذي هو أساس بناء الحياة الإنسانية الكريمة.

والرأي الذي طرحناه في معرض تعليقنا على الأمسية الشعرية التي نظمها النادي السوداني في “أبوظبي”، تضامنا مع أهلنا في بلدنا السودان، ذلك الرأي، أثار ردودا متباينة كشفت عن قدرة الكلمة على أن تدفع بحركة الحياة من دائرة المفعولية إلى دائرة الفعل؛ وإنما الحياة إرادة التحول من المفعولية إلى الفاعلية. والحياة الإنسانية على وجه الخصوص، تعادل، معادلة دقيقة، فعل الخروج من حالة المفعولية إلى مستوى المشاركة الصانعة. والحركة الفكرية، ومنها الحركة الأدبية، على وجه الخصوص، هي قلب الفعل الخارج على حالة الموات التي تترجمها حالة المفعولية.

ولقد جاءت الردود على رأينا المعني ـ الذي شارك فيه إلى حد ما، مشاركة معلنة، زميلنا عثمان حسين، المشرف على الملحق الثقافي في صحيفة “الوحدة” الظبيانية ـ جاءت من مصادر بعضها “الشعراء” الذين أسهموا في الملتقى الشعري التضامني مع أهلنا في بلدنا السودان، وبعضها من جمور الشعر الذي قرأ ما رأيناه، وما رآه زميلنا عثمان.

وتباينت الردود علينا إلى ما وافق وما خالف. وقد سرني ما خالف أكثر مما وافق، فالرأي عندما يخالف بالرأي يقوى بالحرية التي يشترطها الخلاف ـ المعقلن ـ والذين ينادون بحرية الرأي للناس على قدم المساواة، هم الذين لا تسرهم الحياة إلا في كنف الحرية.

ولكن المخالفة في الرأي لا تشترط الحرية المنشودة إذا شذت عن طور المعقول ومارست دور القاهر وأدت وظيفة القمع.

ولو خالف أهل الأدب المخالفة التي تشترط العبودية، فإنهم يخالفون الطبع الأدبي في جوهره مخالفة تناقض لا يرفعه ـ بلغة المناطقة ـ وساطة ولا يحل إشكاليته عقل ولا وجدان. فالأدب في جوهره تحرر من قبح العبودية التي يصورها قمع يجيء من غالب، ويصورها صورة أبلغ، إرادة قمع تستعدي مغلوبا ضد مغلوب.

وقد لاح في أفق الردود علينا شيء يكاد يكون مخالفة ترتد إلى قمع مغلوب لمغلوب؛ فالاختلاف النادّ عن العقل لون قهري إذا هو صدر عن رغبة في الثأر، لا من عقيدة تؤمن بأن الله خلق كل الناس أحرارا، وأن الأمهات ولدن كل الناس ومعهم حق كامل في الإعراب عما يرونه صوابا؛ وأنهن ولدنهم، وعليهم، فرادى، واجب المشاركة بالرأي القويم على ما يُـقِّدرون قوامه.

ولكنا إذا قلنا جاء زيد فوقف وخطب وهو يظن أنه يتلو على الحضور شعرا؛ أو إذا قلنا جاء عمرو وقعد وتمتم بكلام منظوم؛ ثم قلنا إن الشعر ليس خطابة ولا الشعر يكون شعرا ما لم يكن نظما مبدعا؛ أو إذا خال لنا أننا رأينا نور نار الشعر تخرج من عيني محمد ولم نلحظ خروجها من عيون أخرى؛ فهل يسوغ ما قلناه وما خلناه الردود التي لاح في أفقها شيء من الرغبة في الثأر؟!

وهل يشرف الأدب، والشعر على سنامه، إذا ولج به المبدعون طرائق الصراع ضد الرأي؟!

وهل يرقى الأدب إذا صدع الخلاف غير المعقول وحدة الإبداع والنقد؟!

ثم هل بلغ إخواننا “الشعراء” المشاركون في أمسية التضامن مع أهلنا في السودان مرتبة الثريا فلا يطالهم النقد؟!

كلا، وكلهم معوزون إلى رأي صريح لا يجامل، وكلهم لم يزالوا في دور النهوض الإبداعي لا في مرتبة الفحول، لا أستثني من جاوز الخمسين، ولا من طبع الدوواين.. كل منهم له علينا حق قول نُصْدِقه فيه، وكل منهم له علينا واجب الحكم بما نحسب أنه الصواب؛ فإذا كان حكمنا صوابا، أدينا وظيفة الرأي، ودفعنا، على قدر جهدنا، الحركة الأدبية نحو الأمام. أما إذا أخطأنا الحكم، فإن ردنا عن الخطأ واجب على الذين يحسبون أنهم ممسكون بنواصي الحقيقة. ولكنْ أسفنا لموقف بعض الذين نخال أنهم يمسكون بنواصي الحقيقة، لكنهم يكتمون رأيهم في بطونهم، مجاملة أو مهادنة أو عطفا أو لرعدة خوف!

والرأي الناقد لا يجامل ولا يهادن ولا يرتعد رعدة خوف، وهو لا عطف فيه إلا عطف يكشف مواضع الوهن ويعزز مناطق الجودة في العمل المبدع ويحرض على توسعها وتأصلها.

ولا يعيب شاعر أن ينزلق إلى موضع وهن. ويشين الحركة الأدبية ويعيق تقدمها ضعف النقد وتبعيته للرغائب الكامنة في الذات البشرية، التي يلذ لها المديح، ويطربها الثناء، وإن كانا على وجه الاستغفال والنفاق.

والرغائب تحكم انفعالات الناس؛ فإذا انطلقت الرغائب من ضوابط العقل كان انطلاقها ضار العواقب بمقدار ضرر وقوع الصدع بين صفوف أهل الحركة الواحدة، التي هي ـ فيما نعني هنا ـ حركة الإبداع الجامعة للمبدع والناقد والجمهور معا.

وقد أدهشني بالغ الدهشة، أن يوجّه الخلاف من خلاف في الرأي ما بين تقدير “شاعر” لذاته، وتقدير ناقد له، وجهة صراعية الطابع، لا جدوى تعود منها على “الشاعر”، ولا على الأمة جمعاء.

وإذا لم يضبط العقلُ الانفعالَ، لن ندرك الحكم الصواب. وقد يكون مرد غضبة إخواننا “الشعراء” أنهم قرأوا نصف ما كتبناه، وسهوا عن نصفه الآخر؛ فنحن لم ننف الشاعرية عن أحد إذ قلنا إن بعضهم قرأ في الأمسية كلاما منظوما كتبه مجاملة وعلى عجل؛ أو إذا قلنا إن بعضهم ألقى الشعر إلقاء خطابيا، وللشعر إلقاؤه الخاص الذي لا ينفك عنه مكتوبا؛ ولم نجرد أحدا من عباءة الشعر إذ رأينا ـ في الأمسية ـ بعضا يتجمل بها، وبعضا جاء ـ إلى الأمسية ـ خالعها؛ وإذ شددنا على يد شاعر حسبنا أنه أجاد، فلا نقصد وراء ذلك إلى الحط من من منزلة شاعر غيره؛ ولماذا نحط من منازل الشعراء ونحن نعلق عليهم الآمال الكبار في رقي الأمة إلى منازل الجمال. على أن الحرية هي المنزل الأم لكل منازل الرقي الإنساني، فإذا صادر “الشعر” حق الرأي الحر، فقد صادر في الوقت ذاته، حقه في البقاء.

وعلى كل حال، فقد كان الحوار، ورغم قساوته، منزلا جماليا رقت بنا إليه نية خالصة لا يبطنها قصد السوء. وكان من مظاهر الرقي ـ بالحوار في الجمال ـ اللقاء الذي حدث (الثلاثاء الماضي) من غير ترتيب مسبق، بين شعراء وأصحاب رأي في القضية التي ثار حولها جدل امتد أسبوعين. كان هذا اللقاء في النادي السوداني، وكان ثريا، ومبشرا، وتواجه المشاركون فيه تواجه الصراحة؛ وأحسب أننا خرجنا منه راضين عن حق الرأي وعن واجبه. وسوف يزداد الرضا عندما يمارس الرأي ـ المعقلن ـ دوره بقدر أكبر، نكبر معه، ويكبر معنا أدباؤنا، ونقادنا، وتُختصر به المسافات ما بيننا وبين تحقيق أحلامنا الجميلة.

رحماكم أيها المتشاعرون!*

يسود بين الناس قول يقول: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.. وهو قول قد يصح في أحوال كثيرة، أو هو إذا صح في كل الأحوال، فإنه لا يصح إذا ما قمنا شهودا على مذبحة يغتال فيها الشعر.. تتكرر كثيرا، وكان آخر تكراراتها أمسية أحياها المركز السوداني بأبو ظبي تحت دعوى الشعر وكان أحرى به أن يدعو إلى لقاء مأتمي يجيئه الحضور في لباس الحداد على فقيد الجمال الذي نحبه ونعشقه!

ولأني أحب الشعر وأعشقه، فإني أقول لكم أيها “المتشاعرون”: إرفعوا أيديكم عن حبيبة نعشقها.. عن الشعر الذي تقتله جرأتكم على ارتداء عباءته.. إن عباءة الشعر ليست لكم!

أمسية أقامها المركز السوداني بأبو ظبي مؤخرا، احتفالا بأربع مناسبات عظيمة: مناسبة الاحتفال بذكرى إقامة دولة اتحاد الإمارات العربية؛ ومناسبة الاحتفال باستقلال السودان؛ ومناسبة الاحتفال بانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة؛ ومناسبة الاحتفاء باستمرار الانتفاضة الشعبية الفلسطينية للعام الثاني..

مناسبات كبيرة نحتفل بها، وحق علينا أن نحتفي بها، ولكن ليس مما يوفيها حقها أن نخلي منابر الكلام، ليعلوها نفر تسامعوا بالشعر وانتحلوا صفته، وامتلكوا زمام الجرأة فادعوا الشاعرية!

جمهرة من أهل الجرأة على ادعاء الشاعرية يتوالى واحد منهم بعد واحد، يفتحون أوراقا، يطلبون صمتنا، فنصغي إليهم، ونلهث في الهواء نبحث في الصوت المحمول على أكتاف الريح، نبحث عن شعر، نكثف جهد التفتيش عن صورة تعبث بالمخيلة، عن موسيقى تطلق النفس من إسارها، عن قصيدة تفك أغلال الموت الضاربة من حولنا، ثم لا نجد مما نتوقع شيئا.. فها أضحية قد انتهى “شاعر” من إهراق دمها.. والآن، إليكم الشاعر الكبير.. فننزع النفس من بحر الأسى، ونترقب أن ينزل من السماء ما يرحم ضعفنا، وما يشفي غليلنا، وترى أمامك “شاعرا” كبيرا، على رأسه هالة الشيخ الجليل.. وبعد السلام يبدأ الكلام.. وياليت السلام كان هو الكلام كله، ياليت الكبير هذا الذي تحامل على نفسه، رغم الشيخوخة المقعدة، ياليته ظل كبيرا، ليته لم يصغر وهو يصر على أنه شاعر، وأن “الكلام الموزون المقفى” شعر من الشعر، لا لشيء  إلا لأنه موزون مقفى!

رحماكم أيها المتشاعرون.. الزمان تغير، والمعايير تبدلت، وما عاد كل نظم يجمع بين دفتيه كلاما مضبوطا على قواعد النحو والعروض، ما عاد مثل هذا شعرا بدعوى انضباطه على القواعد المحفوظة!

الشعر يا من تذبحون الشعر، عاصفة تقلع الشاعر أولا، ثم يقلعنا بها الشاعر ثانيا..

الشعر انفلات من الموات، وانطلاق في فضاء الوجود الواحد الرحب، هو انطلاقة الحرية من كل الأصفاد، هو انبلاجة الصبح بعد ليل مديد، هو الخوض في العتمة للإمساك بخيط النور وتسلق صعابه إلى مجلس الشمس إو إلى ما يعلوها.. فاين أنتم أيها المتشاعرون من مثل هذا الشعر؟ فإذا كان الشعر فيكم طبعا، فإن أول طبائع الشعر هو الحب له؛ فإن كان فيكم حب للشعر، أو قليل من حبه، فباسم حب الشعر الذي فيكم، أناشدكم أن ترحموه وترحمونا.. أن تريحوا وتستريحوا..

أمسية يجزر فيها الشعر لا يكون السكوت عنها من ذهب، وإنما الذهب الصافي أن نقول: أيها المركز السواداني في ابوظبي، يا…، يا…، يا…، يا…، يا،…، يا…، يا…، يا…[44]؛ نشكر لكم مشاعركم الوطنية، ونقدر لكم العناء الذي تكبدتموه، ونعترف بحسن نواياكم.. ولكن، لنا عندكم مطلب واحد.. اعترفوا مثلنا أن زمان الشعر الذي هو “كلام موزون مقفى” قد ولّى وأدبر.. والزمان الأول لا يعود!

ويا صديقنا.. يا محمد سبيل، لا يغرينّك أن ترى اسمك مشاركا في أمسية شعرية منشورا على الناس.. حبنا لك، وحبنا للشعر الجميل، الذي تقدر عليه، وتمسك بنواصيه، يدعونا إلى أن نناشدك أن لا تقع مرة أخرى في خطأ المشاركة في أمسية تضحية بالشعر، تحت اسم الاحتفال بأمجادنا الوطنية والقومية..

فهل بلّغت ـ أيها الصحاب ـ اللهم فاشهد!

ردّ على ردين*

مهمة الشعر تحرير الانفعال من قوالبه الجامدة

كشف الرد الذي تكرم به الأستاذ محمد نوراني[45] على مقالتنا “رحماكم أيها المتشاعرون!” عن الخطر الحقيقي الناجم عن الجرأة التي يمتلكها كثيرون على ادعاء الشاعرية وهم من الشعر براء، أو الشعر منهم براء. فإن رد أخي نوراني يفصح عن واقع ذوقي متجمد في قوالب فنية جاوزها الزمان، ما زال يسكنها ويتحصن فيها المتشاعرون الغافلون عن تطورات الحياة والغائبون عن مستحدثات الرؤى.

ونوراني كشف في رده عن وجه ثان للخطر الحقيقي يتمثل في منهجية فكرية تهمل المعطاة التي هي موضوع الكلام، وتعنى بمعطاة مستدعاة من غير مناسبة وفي غير مكانها. فقد ظن، بناء على ما سبق وكوَّنه من رأي عن الساحة الثقافية (في الإمارات) وما يجري في دواخلها، ظن أننا استثنينا من الحكم الذي أصدرناه، ولم نزل عنده، على أدعياء الشعر، صديقنا محمد سبيل، لا لسبب، إلا بسبب ما تربطنا به من صداقة.. فنوراني لم يشتغل بالمعطاة التي هي موضوع الكلام، ولكنه اشتغل برأي سابق يجوز أن يكون صحيحا، بالمعطيات التي بنى عليها رأيه المسبق، ولكن صحته لا تجوز على المعطى المطروح في الموضوع الراهن. فإن الصداقة لو كانت شفيعا لأحد عندنا، لشفعت أول ما شفعت لصديقنا…[46] الذي تربطنا به علاقات صداقة أبعد غورا مما يربطنا مع سبيل.

ولست أنفي أن الصداقة لها أثرها غير المحمود في الساحة الأدبية هنا، وفي غير هذا المكان. ولكن هذا الأثر غير المحمود لا ينسحب على الساحة كلها. وفي بداية عهد صديقنا سبيل في الإمارات، وقبل أن يتم أي اتصال بيننا، وبعد أن سمعت شعرا له وللمرة الأولى، هنأت بحضوره الساحة الأدبية في الإمارات، وكان هذا في مقال لنا نشرناه في حينه[47]؛ اندهش سبيل من هذا الصنيع، وكتب لي رسالة أهدي نصها للأستاذ نوراني، لا دفاعا عن نفسي، فلست متهما لأدافع عن نفسي، ولكن دفاعا عن منهجية في التفكير، غير المنهجية التي كشف عنها نوراني، التي هي ـ منهجيته ـ منهجية التعامل مع الواقع، بالأوهام أو بالأحكام المسبقة.

تقول رسالة سبيل: “أستاذنا حسن مي، أشكر لك الإشادة وتقديمي للوسط الثقافي بالإمارات، وهذا إنما ينم عن أصالتكم، في زمن السطوع فيه لمن له طبّال يعرفه، أعطيتني انطباعا عظيما عن هذه البلاد”. وأضيف هنا، أنني إذ أنشر رسالة سبيل القديمة لي، فذلك بناء على طلب شخصي منه، طلبه مني قبل ساعات قلائل من كتابة هذا الرد.

وكشف رد نوراني فيما كشف، عن وجه ثالث للخطر الحقيقي الداهم عندما افترض أن كل صاحب رأي لا بد وقبل أن يبدي رأيه في قضية من القضايا، أن يعود للناس، فيطلب تفويضا منهم يحق له به الكلام! هل لا بد أن يصدر كل كلام، أو كل رأي، بتفويض من الناس كافة؟! هل ثمة خطر على أمة تعاني من عجزها عن المبادرة الفردية الفاعلة، أنكى من هذا الخطر؟!

إن معنى الإلزام بصدور الكلام باسم الكافة هو تغييب الرأي الفردي. وليس ثمة مشكلة أخطر من مشكلة تغييب الرأي الفردي أو غيابه.

خلاصة ما يفيده رد نوراني على مقالتنا”رحماكم..” هو أن مشكلتنا مشكلة رؤيوية أكد عليها رد طه عبد الغني مصطفى[48] على مقالتنا ذاتها: الذي تعامل مع وهم، وأسس على الوهم الجميل الذي يعيشه مقالته التي تجرأ فيها.. على ادعاء الشاعرية، بحجة أنه ينظم “الكلام الموزون المقفى”، وأن له ستة إصدارات من هذا الكلام الموزون المقفى.

لقد طرحنا في مقالتنا “رحماكم..” مقياسنا النقدي الذي نرى به الشعر صورا تعبث بالمخيلة، وموسيقى تطلق من الأسر، وتحريرا من أغلال الموت.. رأينا الشعر عاصفة وانفلاتا من العدم، وانطلاقا من الأصفاد، في فضاء الحرية، أو في فضاء الوجود الواسع الرحب.. رأيناه انبلاجا للصبح بعد ليل مديد، وخوضا في العتمة للإمساك بخيط النور، وتسلقا شعب الصعاب إلى مجلس الشمس إو إلى ما يعلوها..

هذا ميزاننا الذي أقمناه، فإذا جاء زيد أو عمرو وأراد أن يجادلنا في رؤيتنا النقدية، فليجادل على هذه الأرضية: هل الكلام الموزون المقفى يثبت بهذه الرؤية بصفته شعرا من الشعر؟ ولأن المشكلة عند طه غبد الغني، والذين يظاهرونه، هي مشكلة حضارية (رؤيوية) قبل أن تكون مشكلة فنية، فإنه يدير ظهره للمعطاة موضوع الجدل، ويؤسس مقالته على الوهم الجميل، الذي يعيش عليه، وَهْم أنه شاعر؛ ثم يكشف عن “تقهقهر” رؤيوي أفدح، وهو يقدم بنفسه دليل اتهامه، والحكم بإدانتة معا. فقد استشهد ببعض مما قيل في الأمسية التي ذبح فيها الشعر، وردد في مقالته بيتا من ذلك “الشعر” الذي نرفضه بمعيارنا، وقال إن صاحب هذا البيت متأثر فيه بقصيدة لأبي تمام.. فيا للعجب العجاب، ندعو طه ومن معه، إل أن ينازلونا بمقياس نطرحه، ورؤية مستحدثة، فإذا هم يرتدّون بنا إلى قوالب الزمن القديم، وإذا هم يعلنون إعلانا صارخا أن الجمود هو مقياس الشاعرية عندهم؛ فإذا كان الجمود هو المقياس، فيكفي أن يستقيم الكلام على قواعد الأقدمين ليكون شعرا من الشعر(؟!).

وعندما يجمد المتكلم في مقياس فني، فهو يجمد بكل مقياس. ومن مظاهر الجمود الكلي الذي هو مظهر للتخلف الرؤيوي، ظاهرة الخلط بين الموضوعات. فما العلاقة التي لا تنفك بين أن يكون أحدنا وطني التاريخ وضرورة توجب أن يكون شاعرا؟ هل من الممنوع على الوطني أن يكون وطنيا إذا لم يُشهد له بطول الباع في مجال الشعر؟ هذا نموذج أيضا من نماذج التخلف المتمثل في الخروج من الموضوع المطروح للجدل، إلى موضوع يستدعيه الوهم.

وإن رؤية تتأسس على الوهم، رؤية مرفوضة، ومتخاذلة، متخلفة. وإن أول مهمات الإبداع الشعري الأصيل، هي أن تحررنا من تخاذلنا، ومن تخلفنا.. مهمة الشعر في عصرنا الراهن، هي تحرير انفعالنا من القوالب الجامدة، لنستطيع بانفعال متحرر من قيود الجمود، مواكبة العصر.

ولأننا نعالج الشعر برؤية نقدية نهضوية، فلن نتخاذل عن مواجهة حركة الدعوة للموت في قوالب فنية كانت صالحة في عصور الأجداد، لكنها الآن أحفورة من أحافير التاريخ.

وقال طه عبد الغني كلاما كثيرا، كله خارج الموضوع، وكله لا يستحق التوقف عنده، وكله يؤيد ما نذهب إليه من أن مشكلة أدعياء الشعر، هي مشكلة الذين يعيشون على الوهم، في عصر لا بد فيه من التعامل مع الحقائق، وأهم هذه الحقائق حقيقة تغير هذا الزمان عما سبق من أزمان.

وإذا صحا البعض من الوهم الذي يعيش فيه، فإننا سنسأله يومها: قل لنا بربك، ما الجديد الذي أتيت به، والذي يحتاج إلى معالجة نقدية[49]؟![50].

تعقيب على قراءة في قصيدة*

الإيقاع المنتظم السليم المتواتر شرط ولّى وأدبر

خطر لي، وبعدما فرغت من قراءة مقالة طه عبد الغني مصطفى: “قراءة في قصيدة دمي تفلا يصير” المنشورة في صحيفة “الاتحاد بتاريخ 23 من شباط (فبراير) الماضي، أن المقالة هذه حيلة استنطقت كاتبا من كتبة الزمان الأول الذي ولّى وأدبر، بغرض التفكّه أو لغرض لست أدركه، وإن كنت أدرك عن يقين أن أغراض مثل هذا الاستنطاق، ولو تفرقت وجهاتها، فلن يخالف هذا التفرق، في تقديري، كونه فكاهة تثير بحور الأسى العارم كما يثيرها جمود أهل الزمن الحاضر في أحافير التاريخ.

وكان يمكن لهذا الخاطر أن يذوي ويصير إلى النسيان لولا أنني عاودت النظر إلى المقالة المعنية فوقع بصري على اسم الكاتب، فإذا هو حيّ من الأحياء بين أظهرنا، ولكن، كيف يتقمص الحي أشخاص الفانين؟ ربما يحل المسألة أن نفترض أن هذا الكاتب من أجدادنا السابقين حدث بالصدفة أن كان له سميّ من أهلنا المعاصرين؟! وكنت أود أن يصح افتراضي مثلما أود أن نُجمع على إرادة واحدة للنهوض من رقاد النيام الذي طال واشتد بينما معركة تستهدف مستقبل الأمة تستعر يوما بعد يوم بوقود التخلف الذي يتفاقم شره كلما زاد الإصرار على إحكام دائرة المفعولية المغلقة، بحسن النوايا مرة، وبالجهالة المرادة ألف مرة!

وددت لو أن الذي أفتى أن “التجاوزات اللغوية والعروضية جعلت القصيدة ـ يعني قصيد “دمي تفلا يصير” للشاعر محمد عبدالقادر سبيل ـ مبهمة ونثرية”، وددت لو أنه جدٌّ جاوزه الأحفاد الذين جاوزوا ـ أو يجب أن يفعلوا ـ عروض الخليل كما يجاوز لاحق الزمان سابق الأيام والأحكام!

ولكن فجيعتنا هي أننا نتنفس في الصباحات هواء أفسده رقاد كثيف في كهف رطب مظلم!

ومن فجيعتنا أن نحفظ كلاما قيل منذ قرون، فنسلط سيفه المثلوم على أزاهير واعدة بالنهوض الأصيل!

ومن نماذج هذه الفجيعة أن يقف قارىء معاصر، أمام إبداع شعري فيصير هذا الإبداع في نظره إبهاما واستغلاقا. فلماذا؟ لسبب واحد لا ثاني له، وهو أن مثل هذا القارىء يعيش في غير عصره، وبهذه الغيبوبة ظل حبيس مميزات للشعر وضعها الأجداد لزمانهم، لا لزماننا، وإن لزماننا شعرا آخر، بشروط أخرى؛ فإنما ينماز الشعر في العصر الراهن عما سواه من أجناس الكلام بخصائص عدة ليس منها الانتظام الإيقاعي السليم المتواتر، ولكن منها طلاقة الحركة وتفلت الموسيقى والمعنى من القوالب الجامدة الأحفورية التي كانت أداة إبداعية لدى الأولين بفعل عوامل “زمكانية” ليست هي عوامل “الزمكان” العربي الراهن. فالقصيدة صنعة ميتة الولادة إذا حبستها تفاعيل الزمان الذي ولّى وأدبر. وهي صنعة ميتة الولادة إذا جاءت علاقاتها اللغوية تصوير محاكاة لا مغامرة فيها ولا إبحار التحليق. وهي جثة بلا حراك إذا كانت تقريرية تمنح معناها بالسهولة التي تمنح بها تقارير الأخبار الصحافية مضامينها لقارىء عجول.

فإذا تفلتت قصيدة من شروط الجمود في رؤى الأولين، حق لنا أن نقول تلك قصيدة لشاعر يملك زمام الإبداع، كما تشهد قصيدة “دمي تفلا يصير” للشاعر محمد عبد القادر سبيل، التي تكشف عن جمالها في عنوانها وفي بنيتها كلها.

فالدم لا شك قدسي عزيز غال، نقدمه في مواقف البطولة وندفعه سخيا دفاعا عن عقيدة وعن وطن وعن شرف وعن كل معنى كريم. لكن هذا الرمز الكريم يصير لدى شاعر مبدع “تفلا”؛ والتفل في القواميس اللغوية هو البصاق أو البزق أو أقل منه أو هو الزبد وترك التطيب وتغير الرائحة (والعامة تسمي البقايا والفضلات تفلا). فالشاعر بهذا العنوان يؤسس لقصيدة تريد أن تصور كيف يصير الدم الذي هو رمز للمعاني الكريمة، تفلا؟ هذه الصورة المنفرة، تصوير عميق لمأساة واقعية، وهل الإبداع إلا القدرة على إنبات الجمال في نظم تتناقض لبناته في لوحة يدركها ذو بصيرة نافذة تتغور المبنى وتصيب المعنى؟!

وتتكشف القصيدة عن الإبداع بقول الشاعر في بدايتها: “كلّي لبعضك أم دمي فوقي يبهرجني”. فالعلاقة المبدعة ما بين متناقضين في جملة العنوان، يؤكدها أو يعمقها السطر الأول من القصيدة. فالدم في العنوان تفل، وفي السطر الأول هو “كل”، الشاعر يقدم كل دمه، أي يقدم كل ما يملك فداء بعض الموضوع المخاطَب ، فهو ملك للمخاطَب. أما فداء المخاطَب فلن يتم بتضحية يقدمها صاحب دم واحد، الفداء يتطلب دماء كثيرة، أما دم فرد واحد فهو يتعادل مع بعض لا مع كل الموضوع المخاطَب. فإذا لم يكن “كلي لبعضك”، فالدم بهرجة وليس روحا، إذا لم نقدم دماءنا دفاعا عن القيم العليا، فإن الدم لون لا روح فيه؛ فإذا كان الدم بلا روح، صار “تفلا”، صار بصاقا أو بزقا، صار رائحة نتنة فلم يتطيب حامل الدم بطيب الدفاع عن شريف المعاني ومكارم الأخلاق.

فأين الغموض أو عدم الوضوح في السطر الأول من قصيدة “دمي تفلا يصير”؟ ليس في هذا النص غموض، إنما فيه إبداع لن يتكشف بقراءة ساذجة انحازت منذ البداية لموقف عداء من غير وعي بمتطلبات الإبداع الشعري في العصر الراهن .

والقراءة الساذجة ذاتها لا بد وأن تتساءل تساؤل استنكار عن علاقة الكهنوت بالدم في قول الشاعر: “تهجّاني دمي.. الكهنوت حملني وأطّ”، وهي علاقة تفصح عن مضمون الرسالة التي يريد الشاعر أن يعلنها: فالدم هذا يتهجى صاحبه، الدم الذي يصير تفلا إذا ظل بهرجا. ولكن الروح السارية في الدم، أي دم، أقوى من أن تقهرها عوامل تريد للمعنى الكريم أن يصير بصاقا أو رائحة كريهة.. تنهض الروح في الدم من “جديد” رغم ما تقاسيه من قسوة، استخدام الشاعر للتعبير عنها كلمة “تهجاني” التي تحمل من المعنى معنى البداية، وخاصة بداية التعلم، فالروح تعاود الحركة الفاعلة من جديد، أو هي تبتعث الوجود “الفردي” من جديد كما يومىء إليها الشاعر باستخدام ضمير عائد إلى المتكلم (:ني)؛ هنا تشديد على الفردية الفاعلة، وبالتالي تشديد على وظيفة الفاعلية الشعرية التي لا يحددها التزام بقوالب جامدة. فالفاعلية ضد للجمود بكل صوره، ولذلك لا نبالي بالبحث عما إذا خرج النص على قواعد الوزن أو لم يخرج؛ إن الذي يهمنا أن النص يمتاز بالفاعلية الجمالية، هذه الميزة التي تتكشف عن إبداع الشاعر في نقلته من “تهجّاني دمي” إلى “الكهنوت حملني وأطّ”؛ إذ الروح في انبعاثها المعرفي، كما يومىء استخدام “تهجّاني”، وفي انبعاثها الفردي الفاعل، ضد للكهانة بما تنطوي عليه الكهانة من جمود على القديم وجهالة تأبى التجدد والانفلات من قيود قوالب كانت تصلح لزمن ولّى وأدبر، والزمن الأول لا يعود! فإذا كانت بداية الانبعاث ثقيلة على الكهنوت، فكيف يكون انبعاث معاني العزة والكرم؟! سؤال موجه للذي تساءل مستنكرا: “كيف حملني دمي وشكا ثقل حمله؟”.

ولما كنت لست على مذهب الذين يرون أن وظيفة النقد هي تفسير العمل الإبداعي بتحويله من الشعر إلى النثر، وإنما أنا على مذهب الذين يحترمون حق القراء في التعامل المباشر مع النص المبدع، والنقد عندي بحث عن مفاتيح النص الإبداعي، وهو بحث نحتاج إليه حاجة مرحلية ستنتهي عندما يصير في مقدور القارىء أن يفهم النص دون مساعدة ناقد؛ لما كان هذا موقفي، فلن أتتبع أماكن الإبداع وشواهده في قصيدة “دمي..”، هذا الإبداع الذي تتكشف عنه بنية القصيدة كلها بشرط واحد، هو أن نتعامل معها بكيفية تسمح لنا برؤيتها وهي في مستواها، لا بكيفية تسلبنا القدرة على الانطلاق في بحار الجمال التي هي بحار التفتح على الوجود الواسع، بتوظيف للغة يعيد رسم العلاقات في الخيال، دعوة إلى تجديد رؤيتنا للواقع في نسق مغاير لما هو كائن.

وكان بودي، وفاء بحق إبداع أصيل تتكشف عنه قصيدة “دمي..”، أن أتتبع القراءة التي نعقب هنا عليها، في جميع نقاطها، فأنقضها نقضا يتغيا نقض المنهجية المدرسية الساذجة التي تمثلها. ولكن حسبي أنني قدمت أدلة على فساد ذاك المنهج وقصوره عن موازاة الإبداع الأصيل في الشعر المعاصر. غير أني أضيف ملاحظة يقتضيها الموضوع هي أن صاحب القراءة السابقة يملك جرأة على إصدار أحكام لا سند لها. ولو أن أخانا الذي يصر على أنه من أسرة نقاد الشعر، لو أنه كلّف نفسه عناء هيّنا هو أقل ما ينبغي  للباحث فعله، وإن كان على الباحث أن يبذل أقصى جهد، فلو أنه صرف دقيقة واحدة من وقته في الكشف عن معنى لفظة، لكان قد أعفانا من الاضطرار إلى الحكم عليه بأنه لا ينتمي إلى منهجية قديمة لا تصلح للزمان الراهن فحسب، ولكنه لا يملك أيضا أهلية الانتماء إلى أسرة الباحثين!

غابة الأبنوس.. والتعميم المرفوض*

الشعر فعل إبداعي يكتمل بالتلقي. وعندما يخفق الشاعر في اقتحام أفق المتلقي الوجداني، سامعا أو قارئا، فهو يخفق في إيصال تجربته إلى مداها الأخير المفتوح. ولكن التلقي مسألة لا يحكمها معيار موضوعي؛ فالشاعر، في عمل واحد، قد يلقى انفعالا ذوقيا موجبا لدى قارىء أو سامع، وقد يلقى صدودا ذوقيا لدى قارىء أو سامع غيره. وهذا خلاف مشروع منبثق من الخاصة الذاتية للفعل الإبداعي الذي يتنامى بوحدة التجربة الذاتية للشاعر، والتجربة الذاتية للمتلقي. والذاتي لا ينضبط بمعيار الموضوعية.

كتب الروائي الطيب صالح، في تقديمه لديوان “غابة الأبنوس” للشاعر صلاح أحمد إبراهيم الصادر في آب (أغسطس) من العام الماضي (1989م)، يقول: “فهذا إذا شعر، يفعل ما يفعله الشعر العظيم دائما”؛ وهو يشير بـ”هذا” إلى قصائد ديوان “غابة الأبنوس”، أو إلى بعضها على أقل تقدير. ثم هو، أعني الطيب، يؤكد شهادته السابقة بقوله في التقديم ذاته، إن “هذا الشاعر ـ يعني صلاح ـ كبير ومتميز، بين شعراء العربية في هذا العصر”، ويضيف في الموضع ذاته: “وأنا لا أقول ذلك جزافا، فهذا رأي اقتنع به الناس جميعا الآن”.

وإذا كان لا يحق للمتلقي أن يصادر حق متلق آخر، سواء كان من عامة المتلقين أو من خاصتهم، فإن رأي الطيب في “غابة الأبنوس” وفي صاحبه، حق خالص له، ولكنه حق لا يخوله الارتكاز إلى سلطة مطلقة هي “رأي الناس جميعا”؛ إذ هو ارتكاز إلى الانفعال ـ فيما أحسب ـ وليس ارتكازا إلى معيار موضوعي، رغم أن الرأي الذي قرره الطيب صالح يزعم أنه حكم موضوعي طالما أنه “رأي اقتنع به الناس جميعا”. فالفرق بين المعيار الذاتي والمعيار الموضوعي هو أن المعيار الذاتي هو المعيار العائد لشخص واحد، بينما المعيار الموضوعي معيار يقبل الإثبات أو النفي بحكم واقع خارجي يشترك الناس جميعا، أو يمكن أن يشتركوا في إخضاعه لتجربة لا يداخلها الهوى، ولا توجهها المشاعر.

أن نقول عن شعر إنه “يفعل ما يفعله الشعر العظيم دائما”، فهذا قول نفهم منه أنه رأي خاص لمتلقٍ بعينه، وهو رأي صائب في حدود عملية التلقي الفردية للقائل، وقد يكون صائبا في حدود دائرة المتلقين جميعا. واحتمال الصواب يقل كلما اتسعت دائرة التلقي؛ فإذا بلغت الدائرة مداها الأوسع، فإن هذا يستوجب حذرا أشد قبل تعميم الحكم تعميما يصل حد الزعم بأن جميع الناس على رأي واحد.

إن مواقف المتلقين للعمل الفني، مواقف لا بد أن تجيء متباينة تباين الاختلاف المشروع بين الناس. أما القول بالاتفاق التام في الرأي تجاه عمل واحد، فهو زعم لا يستند إلى حقيقة طالما أنه لم ينتج من مقدمات تجريبية. وأعتقد أن رأي الطيب، وتقريره بأن “الناس جميعا” يشاركونه هذا الرأي، هو رأي لم يستند إلى المقدمات التجريبية المطلوبة، والدليل هو أني، وأنا واحد من “الناس جميعا”، أذهب إلى غير ما ذهب إليه من أن شعر ديوان “غابة..” يفعل ما يفعله الشعر العظيم دائما أو أن صلاح أحمد إبراهيم شاعر كبير ومتميز بين شعراء العربية في هذا العصر!

وإذا لم يقدر شاعر على اقتحامي والتوحد بي، ثم تفجير أفق حر بالوحدة الجديدة بيني وبينه، فهو شاعر، لديّ، لم يملك أهلية تسوغ وصفه بأنه كبير ومتميز؛ أو أنه يفعل بشعره ما يفعله الشعر العظيم دائما.

وحدة الشاعر والمتلقي، وحدة فاعلة، تتولد من وحدة الشاعر مع موضوعه، أي لا بد أن تجيء من تجربة شعرية “واحدية”. هذه الواحدية بين الشاعر والموضوع، هي التي تلد واحدية الشاعر والمتلقي؛ ما كان واحديا، يعطي من ذاته الواحدية، على مستويات فاعليته كلها. ولكن شعر “غابة الأبنوس” يعكس تجربة تعامل خارجي (انفصالي) مع الموضوع، هو شعر “ثنائي” لا يتوحد فيه الشاعر وموضوعه؛ فلم يخرج عن البنية الفنية القديمة للشعر العربي التقليدي المبنية في معمار ثنائي لا يرقى إلى مستوى الانفعال الواحدي الجديد.

فصلاح إبراهيم يرسم صور الفنية باستخدام “ألـ التشبيه”:

“أنا من أفريقيا.. صحرائها الكبرى وخط الاستواءْ

شحنتني بالحرارات والشموسْ

وشوتني كالقرابين على نار المجوسْ

لفحتني فأنا منها كعود الأبنوس”.

والشاعر يبدأ بضمير “أنا” الانفصالي، لا “أنا” الاتصالي. و”أنا” الانفصالي تلغي مشروع توحد الشاعر بالموضوع؛ إذ لا يتوحد الشاعر في تجربته الفنية مع الموضوع، بل يظل الإثنان قائمين معا، كل منهما يواجه الآخر. أي يظل الانفعال ثنائي البنية، تماما كما كان حال الانفعال الفني العربي القديم بالموضوع. لكن الانفعال العربي القديم كان مشروعا جائزا أو نقول: كان هو الجائز الممكن تحت شروط بيئية حضارية تاريخية؛ أما تحت شروط متغيرة، فإن أول ما نتوقع من الانفعال الفني هو الاستجابة للتغيرات، الانفعال هو الأسبق للاستجابة للتغيرات. هذه هي فلسفة التجديد الفني، هذا التجديد ليس تغيير الشكل الفني تغييرا مفرغا من المضمون. ووحدة العمل الفني لا تقبل تغير الشكل وجمود الروح أو المضمون. فالشكل جزء من الروح الفنية، وهو لا يكون جزءا ما لم ينطلق مع المضمون أو مع الروح؛ إن لم يكن عاملا في الفعل الواحدي الفني.

ومعمار “غابة الأبنوس” الخارجي أو الهيكلي معمار محدث، ولكن حداثته زائفة. فالحداثة، في مفهومي، تجاوز دائرة الثنائية إلى دائرة الواحدية المتفتحة؛ أي: خروج من الزمان المنغلق إلى الزمان المنفتح. ولا تتحقق واحدية الشعر، مستجيبة لواحدية الوجود، إذا تخلف عامل من عوامل بناء التجربة الشعرية عن مواكبة الفهم الوجودي المتجدد أو المتفتح.

ويبدو لي أن صالح إبراهيم لبس ثوب الحداثة ولم يتمثلها في تجربته. وظلت تجربته ذات نمط تقليدي راكد، وظل يصدر عن تمثل ثنائي للتجربة الفنية؛ فهو يكثر في تكوين صوره الفنية من البناءات التشبيهية باستخدام كاف التشبيه، كما في النص السابق، كما في قوله: “وشوتني كالقرابين”.. “فأنا منها كعود الأبنوس”.. فالكاف فاصلة تجريبية، ترسخ التمثل الثنائي القديم، حيث يبقى المشبه غير المشبه به، تبقى بينهما فاصلة. وتعليق الطيب صالح على هذا النص يؤكد على التمثل الثنائي في تجربة صلاح إبراهيم الفنية، يقول الطيب:

“نحن في السودان نحتفي بهذه الأبيات بصفة خاصة، ونرددها ونشدو بها، لأننا نحس بأنها “تخلصنا” وتعرب عما نظن أنه “هويتنا” ـ كما يقال هذه الأيام”. أنا أضيف: إنها تعرب عما أظن أنه هويتنا العربية المعاصرة؛ فالهوية العربية المعاصرة هوية ثنائية، دخلت العصر دخول روح قديمة في هيكل جديد، وهذا بالضبط ما فعله صلاح إبراهيم في ديوانه”غابة الأبنوس”.

والدكتور إحسان عباس، يصف صلاح إبراهيم، تلميذه وصديقه القديم، بأنه “شاب وديع وهادىء”؛ وهو وصف ينطبق على شعر ديوان”غابة..”؛ ووصف دقيق لتجربة شعرية لم تقتحم موضوع تجربتها، ومن ثم لم تقدر على اقتحام المتلقي ـ أنا على الأقل ـ وقد التزم صلاح بهذا الهدوء وبالوداعة حتى وهو ينفعل فنيا بموضوع ليس هادئا ولا وديعا وهو موضوع حرب التحرير الجزائرية. ففي قصيدته “أغنية التروبادور للجزائر” أول قصائد ديوانه يقول:

“حتى إذا لاح له معسكر الثوار

يلقي على فيالق التحرير

تحية مملوءة حنان

يحرك العيدان تحت النارْ

ويصنع الشاي لديدبانْ”.

فالشاعر ينفعل بحدث ضروس أشعل الأرض والتاريخ والصدور انفعالا مملوءا بالحنان، وانفعالا يكتفي بتحريك النار تحت موقد الشاي. هذه الذروة الدرامية في قصيدة عن ذروة نضال الإنسان الوجودي تكشف عن “هدوء ووداعة”؛ وهذه الذروة الدرامية تمتص فورة الانفعال السابقة عليها بأسطر قليلة من القصيدة ذاتها:

“قلب بلا دثار

يجري على الأنياب في الصخور”

الحنان ودور صانع الشاي لجام يكبح انفلات الانفعال الذي يجري بصاحبه “على الأنياب في الصخور”. ورغم أن هذه صورة فنية قحّامة، وهي حالة لم تتكرر كثيرا في الديوان، إلا أن الهدوء الانفعالي يسيطر، بعدها، ومن جديد على التجربة الفنية للشاعر، هدوءا يؤكد مرة أخرى أن هذه التجربة قائمة على تمثل ثنائي للموضوع، تمثل لم يوحد الشاعر بالعالم الذي يمنح الفنان المادة الروحية لإبداع تجربته الشعرية، توحدا يخول للمتلقي أن يقول إن صلاح إبراهيم “شاعر كبير ومتميز”.

والشعر في جوهره صورة مبدعة. ولكن ديوان “غابة الأبنوس” يبدو وكأنه ديوان الصور الشعرية المستهلكة والتقليدية:

“بلادنا اللهثى وعشبنا اليبس”؛

“يا خصرها، يا عودها الفارع، يا لثغتها الظريفة”؛

“لو أنهم…

حزمة جرجير يُعدّ كي يباعْ”؛

“الليل بحار من أحزان”…

والصور المكرورة المستهلكة دليل على ركود حركة التخيل، أو على جمودها في القديم ووهنها الذي يعيقها عن التدفق في الحاضر تجاه المتجدد المبدع.

ديوان “غابة الأبنوس”، تجربة فنية راكدة، هذا تقديري، ولي الحق أن يكون لي تقديري الخاص باعتباري متلقيا، ولا يحق لمتلق آخر، أن يعلن باسمي، باعتباري واحدا “من الناس جميعا”، أن هذا الشعر “يفعل ما يفعله الشعر العظيم دائما”، أو أن يقول، لا باسمه هو وحده، إن هذا الشاعر “كبير ومتميز”!

فهرس الموضوعات

ليس شاعرا من لا يفقس النخيل في قصائده بيضا!                                                    3

الحداثة الشعرية تستلهم هداية الله                                                                    5

هل تمتلك القصيدة العمودية شروط الإبداع؟!                                                        8

تطلعا إلى مذهب عربي جديد.. لا يسقط في الماضي ولا في الحاضر                                12

موقف نقدي واحدي                                                                                 19

السؤال المشكلة                                                                                     21

النقد الجاهز يناقض الإبداع                                                                         23

الأنوثة وفزعها                                                                                     25

الإبداع فعل جماعي المدخلات والمخرجات والمعنى                                                 27

لا ينمو إبداع من غير نقد                                                                           33

إذا قال الشاعر ما لا يفعل .. ولمّا عصا أبوانا وعى الإنسان الجمال!                                 36

توفيق الحكيم… رؤية ثنائية                                                                         41

جائزة نوبل لأديب عربي.. نجيب محفوظ ذو موقف فلسفي                                           44

جائزة صهيونية لأديب فلسطيني!                                                                    48

شحناء الأدباء                                                                                      50

قراءة في هموم الشاعرة عطاف جانم.. “يرقص ما تبقى من دمائي في الوريد”                        52

محاولة لتلمس مطولة “يا ترى” لمحمد صيهود النايف.. في واسعية الواحدية يتلاقى الشعر والفلسفة    57

الأرواح تسكن المدينة لأنور الخطيب.. دراسة في المضمون                                         61

قصة “العودة” لشهيرة أحمد.. الوطن جسر الحب(؟!)                                                 69

نقد مسنون.. رمتني زوجتي بحجارته!                                                      74

الشعر لا يكتب للمجاملات ولا لتلبية دعوات عجلى                                                  80

لماذا نحط من منازل الشعراء ونحن نعلق عليهم الآمال الكبار؟!                                      83

رحماكم أيها المتشاعرون!                                                                          86

مهمة الشعر تحرير الانفعال من قوالبه الجامدة                                                       88

الإيقاع المنتظم السليم المتواتر شرط ولّى وأدبر                                                      92

غابة الأبنوس… والتعميم المرفوض                                                                 95


* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 27/11/1988م.

* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 28/4/1989م.

* صحيفة الثورة، صنعاء، 13/1/1992م.

[1] في أصل المقال، كان الجواب: “كلا..”، وعدلت عنه لاعتراض الشاعرة عطاف جانم عليه.

[2] كتب في: الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة في 14/9/1990م.

* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 12/6/1988م.

[3] ص 450 من الكتاب الذي أفرده عبد الحميد إبراهيم لطرح مذهبه المسمى “الوسطية العربية”، وهو مسمى الكتاب ذاته. وستكون اقتباساتنا عن هذا المذهب من الكتاب المذكور.

[4] ص 451.

[5] أنظر فصل “الأدب” من المصدر ذاته.

[6] أنظر: ص 501 – ص 507.

[7] ص 451.

[8] انظر: الصفحة ذاتها.

[9] ص 461.

[10] ص 509.

[11] ص 508.

[12] ص 509.

[13] انظر: ص 509 وما بعدها.

[14] ص 515.

[15] ص 21.

[16] ص 514.

[17] ص 502.

* صحيفة البيان، دبي، 4/3/1990م.

* صحيفة الخليج، الشارقة، 19/8/1990م.

* صحيفة الثورة، صنعاء، 1/10/1991م.

* صحيفة البيان، دبي، 26/4/1990م.

[18] لا يخرج هذا التعيين عن دائرة العلاقة التكاملية [الواحدية] بين شطري الإنسان الواحد: أنوثة + ذكورة. وقد يكون من الأدق أن نسمي القيمة المطلقة للأنوثة بـ”الانفعالية الحبلى بالفاعلية”، وفي مكان لاحق من المقالة ذاتها اقتراب من هذا الرأي ـ ح.م (10/5/1995م).

* صحيفة الخليج، الشارقة، 16/11/1987م.

[19] مصطفى سويف: الأسس النفسية للإبداع الفني (في الشعر خاصة)، ص 160.

[20] علي عبد المعطي محمد: مشكلة الإبداع الفني ـ رؤية جديدة، ص 255 وما بعدها.

[21] لأ أوافق على هذا بالضبط، إنما يُدرس القديم بغرض تأسيس مشروع ذاتي مستقل!

[22] المصدر السابق، ص 271.

[23] يوسف مراد، مبادىء علم النفس العام، ص 243.

[24] علي عبد المعطي محمد، مصدر سابق، ص 271.

[25] عبد الستار إبراهيم” آفاق جديدة في دراسة الإبداع، ص 145 وما بعدها.

[26] المصدر السابق، ص 207.

[27] المصدر ذاته.

* صحيفة الخليج، الشارقة، 28/9/1987م. والأصل يناقش حالة النقد في الساحة الأدبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، في زمن كتابة المقال؛ ونظرا لخصوصية الموضوع، فقد اكتفي هنا بإثبات ما هو عام.

* صحيفة الخليج، الشارقة، 14/12/1987م. ونشرت تحت عنوان: (“أنهم يقولون ما لا يفعلون” ـ قضية هامة للحوار).

[28] محمود درويش: حصار المدائح والبحر.

[29] حبيب الصايغ: الملامح.

[30] النقد الأدبي الحديث، القاهرة، د.ت، ص 365.

[31] انظر: المصدر السابق، الصفحة ذاتها.

[32] جبرا ابراهيم جبرا: النار والجوهر، ط3، بيروت، 1983م، ص ص 136، 164.

[33] هلال، مصدر سابق، ص 179.

* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 20/9/1987م. وكان عنوان المقال: توفيق الحكيم.. هل نزع إلى الواحدية؟

[34] هنا سقط كلام من المخطوط الأصل، الذي كانت الصحيفة قد استلمته، فلم يمكن تحديد ما حذفه “المقص”.

* مجلة الظفرة، أبو ظبي، 24/10/1988م.

[35] أدبنا المعاصر في ضوء التيارات الفلسفية، مجلة لآداب، مارس 1962م.

[36] سليمان الشطي: الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ، ص 17.

[37] أحمد عباس صالح: قراءة جديدة لنجيب محفوظ، مجلة الكاتب، فبراير 1966م.

[38] مجلة آخر ساعة، القاهرة، 12/12/1964م.

[39] سليمان الشطي، مصدر سابق، ص 184.

[40] صحيفة المساء، القاهرة، 21/10/1962م.

* صحيفة النبأ، صنعاء، 23/4/1992م.

[41]  وافق ـ فيما بعد ـ واستلمها!

* صحيفة الخليج، الشارقة، 3/9/1990مز

* صحيفة الخليج، الشارقة، 23/4/1984م.

* صحيفة البيان، دبي، 10/11/1988م. والمطولة صدرت في تاريخ مقارب، سابق، على نشر هذا المقال، والشاعر قام بنشر شخصي لها.

* صحيفة الخليج، الشارقة، 10/5/1989م.

* ملحق صحيفة الوحدة الثقافي، أبو ظبي، 28/2/1989م. وكانت بنوان: قصة “العودة” لشهيرة أحمد.. قصة لها واسعية الوجود وطلاقة الخلود.

* صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 18/12/1988م.

[42] هما، وكما نشرتا حينها:

(1) عذراء تبني

عذراء تبني والبحر يهدم

محا الدجا الحلما

ما اسمها؟ نضرة، سمر، قبّرة، حناء، عنبر؟!

حاسرة

بين الماء والرمل تتكىءُ

وعيناي ساهدة تذرع المدى

وتزرع في السما شوقي

تحصد الوجد في أمسية حضنت نجومها.. أشعلت عجزي

قد كنت أهون من قشة

وفي غمرة اليمّ تاه عقلي

في جوف حية عجماء تكورت فوق صدري

خمس عشرة دورة

لففت بها ضعفين.. عبرتْ فيهما شطآن عمري

والغيد يلبسهن المنى

فإذا تناعس الزهر مطبوعا على أكمامها

مادت بنا زحل والمشتري ونورسة ومرمر

ريح الشمال واهنة..

الصبا في مخيلتي جاثم

تلملم المدى

وغاص الليل في ومضة

غيبتني الصحارى

غارت الدنيا في المنايا

وماجن ليس يدري..

يا غفوة الصبح تباعدي .. الليل يهوي ويغوي

طفلتي لما استدارت، غصن بان نازل شيب رأسي

يرمي الياسمين جماره في مقلتي

ينشرني العيّ فوق حباله

يبعثرني البحر بين جباله

وتغرز أسيافها في مهجتي

يا شتات هات وحدتي

البر والبحر في محضنا اجتمعا

اليوم ماض والقيد جهالة

والعذراء تبني والبحر يهدم

كأس الصبابة أثملت لبّي

جمحت بي الخيلّ

تنامت مياه الدم طوفانا

وأينعت في الظلماء السنابل

رقصنا وفي علاء تلاقينا

رنا النمر والقرش.. تعانقنا

والدجى يوقد الحلما

وعذراء تبني والردى يُسلم

يا دفقة الوصل ازرعي اثنين في الواحد

الكُثْر أبعاض والكل واحد

رنيم طفلتي أنشودة تسري من الشرق للغرب.. ومن تحتي إلى فوقي..

وغنّى السر والجهر

المجد للبر المجد للبحر المجد للسرمد

والعذراء تبني والموج لا يهدم…

(صحيفة الخليج، الشارقة، 19/10/1988م).

(2) يا نسوة كل الأزمان.. البحر يحببكن..

غاظ امراةً رجلٌ لمّا تروّى!

زوبعة هبّت.. وانهمر الجمرُ

فيا ويح صدر تينع الأزهار من شواهقه.. كيف تلظّى؟!

كيف يرشق بالنار ويعجل؟!

شقائقَنا.. العطاءَ.. هل يردي النور في النار؟!

اليافعات مثلما قمر.. بدر في الدجى الصمّاء..

يصحن النزالَ النزالَ..

فواخيبتاه.. يا أمهات يا جميلات.. تعكِّرن الصفو

وعلى شمس الوداد تسدلن الشعور المديدة. وتدسسن في الخبايا المُدى.. لنغتال المَدى؟!

يا نواعس الضحى.. أوانس الحِلّ والسفر

الراخيات أوتار العصاب إذا شدهن الزمن العضال..

الباسمات المُحيّا في عبوس الضواري

يا شِعْرنا المغنّى وخمرنا المعتّق..

يا غيث يا ظهر يا جوهر..

يا صويحبة كنت أحسب بحر البهجة عيناها.. ما هوى بالبهجة في الغور.. والبحر يهوى ولا يهوي؟!

يا روق الصبح كلما بطشت بنا حالكات..

تؤججن الكره وأنتن ريحانة الصحرا؟!

وتعبثن بالأقلام والأقلام أغصان فيكن مزروعة؟!

وتخضن اليّم من غير اشرعة.. والولوج علم وفنُّ؟!

يا نسوة كل الأزمان.. إن فارسة منكن ركبت متْنا.. ناضرة..كأن الورد يُرويها والعشق يحيويها ويملكها.. في بحر.. رجل سكن الشيبَ والشيبُ سكنه.. دلقت كأسا.. فما ظنكن فيه؟

ماظنكن في البحر إذا جدّف أهلوه فيه؟

ما ظنكن في البحر إذا راد شطآنَه من يهواه؟!

يا منابت المنى.. البحر يحببكن.. ففي البحر أول النبت كانَ..

وأخيّة هاجت علينا فعفونا.. مثلما هم الكبارُ.. ومثلما الأبوة شعلة الأبناء..

البحر يهفو ويحضن. البحر يهديكن الحرية..

ومرحى بكنّ .. في عطاف السما.. ألف مرحى!!

(صحيفة الوحدة، أبو ظبي، 25/10/1988م).

[43] “وجاء، هو السيد البحر جاء…”؛(من ديوانها: بيادر للحلم يا سنابل).

*صحيفة البيان، دبي، 18/9/1988م.

* صحيفة البيان، دبي، 4/10/1988م.

* صحيفة البيان، دبي، 9/1/1989م.

[44] في المقال المنشور في الصحيفة، عمدنا إلى ذكر  الأسماء، بقصد إثارة الساحة الأدبية، وهذا تحقق في حينه.

* صحيفة البيان، دبي، 21/1/1989م.

[45] صحيفة البيان، دبي، 12/1/1989م.

[46] لا أريد ذكر اسمه، فهو أحد المذكورين في مقالتنا”رحماكم..”، الذين عدلت عن ذكرهم هنا.

[47] منشور هنا سابقا.

[48] صحيفة البيان، دبي، 14/1/1989م.

[49] إشارة إلى ما قاله طه ـ في رده ـ من أنه أصدر ستة دوواوين لم تحظ مني بالاهتمام النقدي.

[50] فضلا عن الردين المشار إليهما أعلاه، نشر عدد آخر من الردود  والتعليقات على مقالتنا “رحماكم..”، منها:

ـ رد عبد الرحمن العبادي، قال فيه: دعوى “زمان الشعر الموزون المقفى ولّى وأدبر، تحتاج إلى دليل. (البيان، 22/1/1989م).

ـ رد جاك صبري شماس، قال فيه: ماذا تقول عن جرير في وصفه للعيون، وعنترة في وصفه للحصان..؟ إن “اعوجاج الظل لا يلغي الاستقامة”. (البيان، 26/1/1989م).

ـ مروان المصري، في صحيفة الوحدة الظبيانية، كتب: معركة الحداثة والتقليد، التي تشهدها الساحة الثقافية، جاوزت مرحلة الحديث بالكلام المزوق المنمق، والتهديد المبطن المعطر، على صفحات الصحف، تعبيرا عن الخوف من الانفضاح والانكشاف، إلى التعبير (المباشر) بواسطة النميمة والتهديد، والطعن من الظهور، عن طريق إرسال الرسائل الشفوية، واستيقاف الزملاء في الطريق العام، لتحميلهم ما هب ودب من الإبداعات الترهيبية، وخلافه! (28/1/1989م).

ـ أحمد الريفي، في البيان، كتب: نجدد الدعوة للأقلام الجادة الواعية المسئولة الحريصة على سلامة العملية الإبداعية، لتؤدي دورها السامي بإخلاص وتجرد وشجاعة .(البيان، 29/1/1989م).

ـ كتب محمد نوراني تعلقيا آخر،  قال: ولقد برهن حسن مي أنه فرعون، وخرج برده الثاني على ردي ورد الشاعر طه عبد الغني مصطفى مختالا في ثوب النقد، وهو لا يدري أنه عار من الدثار، غير شعر كثيف مجعد فوق رأسه، وشعر شوكي فوق لسانه.. ويبقى أن أقول: إنني أرفض المناداة بسقوط الشعر الموزون المقفى، وأعتبر دعوة حسن مي بذلك، صرخة لن يكون لها صدى، لأنها صرخة في بئر سطحي ماؤه آسن.. (البيان، (31/1/1989م).

ـ د. محمد رشاد محمد صالح، قال: أعذر الأستاذ حسن، لسببين اثنين:

أولا: لأن العاشق الولهان لا يتحمل رؤية غير الحبيب، والأستاذ مي من عشاق الشعر المتيمين به.. وكم يعصف به الغضب حين يرى محاولة لإنصاف الشعر الموزون على الشعر الحر.

ثانيا: وأعذر الأستاذ مي ثانيا لأنه يتميز بالفتوة الأدبية التي أخذت منه كل مأخذ، وأخذ هو منها حتى النخاع، فمن كان على هذا الاتصاف يتسم بالصدق الجسور، ولا يعرف المداورة ولا المداراة، صريح لحد الإفراط حاد الغضب، هش الرضاء، جموح الهوى.. فله عذره إذن. (البيان، 2/2/1989).

ـ نعيم محمد نعيم، المسئول الثقافي بالمركز الثقافي السوداني بابوظبي قال: ومما لا شك فيه أن ما أثاره الأخ حسن مي لا يتصل من بعيد أو قريب بالنقد الأدبي، وكل الذي أثاره هو رأي انطباعي عما قيل، وأخطر ما فيه هو “إن زمان الشعر الذي هو كلام موزون ومقفى زمان قد ولىوأدبر، والزمان الأول لا يعود”(البيان، 9/2)1989م).

ـ زين الجعبري دعا إلى تحديد بداية سليمة للحوار، للتوصل إلى تصنيف للشعر وتعريفه (البيان، 11/2/1989م).

* صحيفة الاتحاد، أبوظبي، 2/3/1989م.

* صحيفة الاتحاد أبوظبي، 28/1/1990م.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s