الماركسية تضل الطريق

تنويه: الاجتهاد الذي تتضمنه دراستي التالية، يعود إلى مرحلة فكرية تجاوزتها؛ لكن ذلك، لا يلغي أهميتها كرؤية قابلة للنقاش، وهذا ما يشجعني للدفع بها إلى النور

الدكتور حسن ميّ النوراني

بريد إليكتروني alnoorani@hotmail.com, alnorani@live.com

 

الماركسية تضل الطريق

 

ليس من أغراضنا، ولا في نيتنا، أن ندافع عن النظام الرأسمالي من خلال النقد الذي نوجهه للماركسية، في هذه الدراسة0 ولا صلة لهذا النقد، بالمعركة التي دارت على أرضية التجارب الماركسية، التي حسمت، في مساحة كبيرة، لمصلحة الرأسمالية العالمية، العدو الصريح والقبيح، والتحدي الخطير للمشروع النهضوي العربي المعاصر0 والوعي بهذه الحقيقة، حقيقة التحدي العدواني الرأسمالي للطموح العربي للنهضة، يفرض على الفكر العربي استنفار طاقته الوجودية الإبداعية لمواجهة تحدي الرأسمالية العالمية العدواني، باعتبار هذه المواجهة خطوة تأسيسية لمشروع يتجاوز الراهن العربي الحضاري، ويتجاوز الراهن العالمي الحضاري، برؤية واحدية للذاتي، والغيري، بحكم أن الذاتي والغيري، تحققات للكلي الإنساني،؛ وأن تحقيق هذا الكلي الإنساني الحضاري هو الرسالة التي تعطي المشروع النهضوي العربي معناه وقيمته، وتستدعيه بتقدير أنه احتياج إنساني حقيقي0

الماركسية منتج للنظام الرأسمالي العدواني؛ ونقد الماركسية هو نقد للرأسمالية العدوانية، مفهوما وأداء0 والنقد الموجه هنا، هو نقد للعدوانية التي ينطوي عليها النظام الرأسمالي في تحققه المباشر، أوفي تحققه غير المباشر، عبر الماركسية0 ومن ثم، فإن هذا النقد، إسهام في مواجهة العدوان الحضاري الغربي ضد الطموح القومي العربي المشروع للإستقلال، ولتأسيس رؤية حضارية إنسانية تتجاوز دائرة العدوانية المغلقة، بنظرية مفتوحة على الكل، ومنطلقة في الأفق الوجودي، على منهاج انطلاق النبوات الربانية التي صاغت محاور الرؤية العربية الوجودية0 غاية النبوة الحب والسلام؛ ولكن الماركسية، المنتجة (بفتح التاء) للنظام الرأسمالي العالمي، لن تنتج الحب والسلام، بضرورة تكوينها ومحدوديتها، وانغلاقيتها0

لقد ضلت الماركسية طريق الحب والسلام؛ على أن القيم الحضارية الإنسانية العليا، أقوى على الدوام، وتظل أحلاما تراود الدعاة إلى الخير أجمعين، وستظل الدعوات إليها، شموسا تهدي إلى الطريق القويم000

 

صنعاء 

الجمعة 27 ربيع الثاني ـ 23 تشرين الأول  / 1413 هـ ـ 1992 م

 

****************************************************************

 

التجارب الساقطة تناهض الشاعرية

 

الشيوعية التي أبدعها خيال كارل ماركس صورة جميلة، تبز إنتاجات فنية، أثرى بها عباقرة الأدب والرسم والموسيقى تاريخ الوجدانيات؛ تبزها بجموح المخيلة، وبالتغور في أعماق الحلم الإنساني العريق، الذي لم يفتأ يعكس أمنية السلام المطلق.

لم يكن ماركس شاعرا، ولكن الشيوعية التي خالها نهاية مطاف الجدلية التاريخية، والبداية الحقيقية للتاريخ الإنساني، هي شعر لم يلتزم قواعد الصياغة الفنية؛ ومع ذلك، ومع دعاوى العلمية الماركسية، فإن صيرورة التاريخ الإنساني إلى مجتمع واحد يبذل لكل عضو فيه كل حاجاته المادية والمعنوية، ويبذل كل عضو فيه كل ما يقدر عليه من عطاء، مثل هذا المجتمع صورة تراها المخيلة الشعرية التي لا تحاكم بمعايير الواقع، ولا تحاكم بمعيار من المعايير النقدية، إلا بمعيار يتفلت من كل معيار، ويتفلت من ذاته، كلما بدا لذاته أنه معيار له الحق في إصدار الأحكام علىقاعدة ثابتة، أو بوصف أدق: جامدة.

“تحقق الشيوعية الرسالة التاريخية العظمى: تخلص كل الناس من عدم المساواة الإجتماعية ومن أشكال القهر والإستغلال. ومن كل فظائع الحرب، وتجلب لكل شعوب الأرض السلام والعمل والحرية والمساواة والإخاء والسعادة…

“سيعمل كل فرد في ظل الشيوعية اختياريا.. (و) العمل سيكف عن أن يكون مجرد وسيلة لكسب الرزق، وسيتحول إلى الحاجة الحياتية الأولى، إلى الإبداع الحقيقي ومصدر للسعادة والسرور…

“في ظل الشيوعية سيبرز إنسان جديد يجمع بين الغنى والنقاوة الخلقية والكمال البدني، وسيكون متحليا بصفات الوعي وحب العمل والإنضباط والإخلاص في خدمة المجتمع الشيوعي”(1).

وهذه الصورة التي تنقلب على كل تقارير الوقائع، وتنطلق في أفق لم يحلق فيه خيال النبوة، ليست دعاية يروج بها كاتب ما، كلاما له، أو أمنية رأى بعضها في صحو، وبعضها في منام؛ هذه الصورة، أو الصيرورة إليها، “ضرورة ـ ماركسية ــ  تاريخية”، لا محيد للناس عنها، بحكم قانون جدلي صارم، لا يلوي عن مسار ذي اتجاه ثابت، وتقدمي، قرره الفكر الماركسي منذ بدايته الأولى، وأكد عليه الفكر الماركسي في مراحل متقدمة من تجربة التطبيق الإشتراكي، عن طريق التحول للشيوعية، التي شهدها الإتحاد السوفيتي، تحت قيادة الحزب الشيوعي فيه، والذي نص برنامجه على أن:

“الشــيوعية هي نظــام اجتماعــي لا طبقي تقوم فيه ملكية الشــــعب ـ بأسره ـ الواحدة لوسائل الإنتاج والمساواة الإجتماعية التامة بين جميع أعضاء المجتمع، حيث، إلى جانب تطور الناس من جميع النواحي، ستنمو أيضا القوى المنتجة على أساس العلم والتكنيك المتطورين على الدوام، وستتدفق جميع مصادر الثروة الإجتماعية سيلا كاملا، وسيتحقق المبدأ العظيم: “من كل حسب كفاءاته ولكل حسب حاجاته”. إن الشيوعية إنما هي مجتمع عالي التنظيم لكادحين أحرار وواعين، سترسخ فيه الإدارة الذاتية الإجتماعية، ويغدو فيه العمل لخير المجتمع الحاجة الحيوية الأولى في نظر الجميع، وأمرا يدركون ضرورته، وتطبق فيه كفاءات كل فرد بأفيد وجه في صالح الشعب”.

وتقدير نبوءة الماركسية بالتحول الإنساني إلى الشيوعية، تقديرا شعريا، هو الشافع الوحيد للتعامل من جديد مع النظرية الماركسية بعد انهيار أنظمتها السياسية فيما كان يعرف بالإتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية في القارة الأوروبية؛ وهو انهيار يذهب إلى أبعد من انهيار نظم حكم قامت باسم الماركسية، فيصيب جوهر الفكرة، كما يصيب أعراضها، على تقدير أن ما يصيب العرض يصيب الجوهر، وعلى تقدير أعمق يقرر وحدة الجوهر والعرض التي يعتقدها الفكر الواحدي، كما نتبناه.

إن التدهور الذي لحق بتجارب التطبيق الماركسي، والذي حمل في بطنه وعلى ظهره أدلة تنفي صحة الإيمان الديني عند ماركس وأتباعه، والذي تغلغل في عقائدهم حول حركة التاريخ ومستقبلها، إلى حد الجزم بأنه لا محيص أمام النظام الرأسمالي من مصير الانهيار كمقدمة للتحول إلى النظام الشيوعي، عبر النظام الإشتراكي، هذا التدهور لا يقف عند تجارب بناء النظم الإشتراكية عن طريق إنجاز الحلم الشيوعي، وإنما يخترق حدود التجارب إلى الأفكار التي قامت التجارب عليها ولها. ويصح الزعم أن التجريب لم يتقيد بالنظرية في نقائها، ولكنه لا يصح أن هذا سبب كاف وحاسم لفشل التجريب، ويلغي فاعلية النظرية في نقائها التي ساهمت، بطبيعتها، في إنجاز الفشل. لقد انهزمت التجربة الإشتراكية أمام عدوها اللدود، النظام الرأسمالي، بينما تمركز الفكر الماركسي ـ في نقائه الأول ـ على ما وصفه بقانون التناقض، والذي بنى عليه ماركس، ومعه إنجلز، قولهما أن زوال الماركسية حتمية تاريخية، يقررها الجـدل المادي ـ الماركسي ـ تقريرا قاطعا لا يقبل جدلا. لقد حملت وقائع التاريخ الإثباتات التي لا تقبل النفي وتأبى الخفاء على الأعمى والبصير، وهي الإثباتات التي قدمتها انهيارات التجارب الإشتراكية في بلدان متعددة، وبنسب متفاوتة، وهي إثباتات توكد على خطأ الإعتقاد الجازم بصحة المقولة المركزية في الفكر الماركسي ـ النقي ـ والتي بالغ المؤسس وحواريوه في تقديرها، فقدروها قانونا يصدق على عالم الماديات وعلى عالم الحيوات ومنها عالم الإنسان. وبينما كانت نبوءة الماركسية تبشر بسقوط النظام الرأسمالي لمصلحة قيام النظام الإشتراكي، وفقا لقانون التناقض الجدلي المادي التاريخي الماركسي، يحدث في الواقع قلب وجهة القانون، الذي ادعى الماركسيون أنه ذو وجهة تقدمية، يتحول بها التاريخ من الرأسمالية إلى الإشتراكية والشيوعية، يحدث الإنقلاب على أرض الواقع، وتحت رايات الأحزاب الشيوعية، وفي مناخات الدعاية التبشيرية للماركسية؛ فتنهزم التجارب الإشتراكية، وتنقلب المجتمعات التي حكمتها النظرية الماركسية إلى مجتمعات تلهث وراء النظام الرأسمالي، وتركع تحت أقدامه، وتعلن براءتها من “خطيئة” التجريب الإشتراكي؟!

والحق إن انهيار التجارب الإشتراكية ليس هو أول توكيدات الوقائع على خطأ الإعتقاد بحتمية التحول إلى الشيوعية وفقا لقانون التناقض الجدلي المادي الماركسي، الذي يجري في التاريخ الإنساني على صورة الصراع بين الطبقات. فقد كانت وقائع قيام التجارب الإشتراكية ذاتها، إثباتات سبقت إثباتات وقائع الانهيار؛ إذ لم تقم تجربة إشتراكية واحدة، من بين التجارب الإشتراكية كلها، وفقا لقانون الصراع بين الطبقات، أو نتيجة للقانون المحوري في الفكر الماركسي، قانون التناقض؛ فلم تقم تجربة إشتراكية واحدة، باعتبارها ضرورة حتمها مجرى التاريخ الجدلي، ونتيجة صراع طبقة العمال مع طبقة الرأسماليين،. وإنما قامت التجارب الإشتراكية، كلها، في بلاد لم تكن قد أهلتها ظروفها التاريخية لانفجار ثوري يقوده العمال ضد الرأسماليين، تحت هيمنة نظام رأسمالي، بلغ تطوره مرحلة نهايته، ومرحلة بداية ولادة نقيضه الجدلي: النظام الإشتراكي.

فالتجارب الإشتراكية تجاهلت جوهر النظرية الماركسية عند قيامها، ونفت صحة هذا الجوهر عند انهيارها في مواجهة النظام الرأسمالي. وكانت دليلا مكررا، وثابتا بالوقائع؛ وقائع القيام مرة، ووقائع الانهيار مرة أخرى، على خطأ الجدلية المادية التاريخية الماركسية، التي تنبأت، وفقا لضرورة صارمة، بسقوط النظام الرأسمالي في بلدان محددة؛ لم يسقط فيها، وإنما أسقط هذا النظام، تجارب قامت تحت راية النظرية الماركسية، لا وفق قانونها المركزي؛ فكان هذا القيام المخالف للقانون الماركسي المركزي، إعلانا عن بطلانه؛ ومن ثم، إعلانا مسبقا عن الوهن المتغلغل في عمق بنية النظرية الماركسية، والمنسوجة على محور قانون التناقض الجدلي المادي التاريخي، الذي تأكد بطلانه النهائي مع وقائع الإنهيار الإشتراكي النظامي.

فماذا يتبقى من النظرية الماركسية غير الصورة الشاعرية الأخاذة التي ترسم معالم مجتمع الشيوعية الطليق من القيود التاريخية المكبلة للحرية الإنسانية على امتداد العصور إلى عصر تحقيق الحلم العريق: حلم الحرية والسلام والوحدة، الحلم الذي يحلم به المصلحون جميعا، والعاشقون جميعا؛ لكن المصلحين والعاشقين رأوه بالحدس والمخيلة على عفويتهما، ولم يزعموا أنه ضرورة يحتمها قانون الجدلية المادية الماركسية المركزي، أو تحتمها الجدلية كلها، مثالية أو مادية؟!

فإذا فقد قانون التناقض الجدلي المادي التاريخي ذو الوجهة المتقدمة نحو المجتمع الشيوعي العلمي، إذا فقد مصداقيته، فلا يبقى من ماركس غير شاعر حالم، لم يمتلك أدوات الشاعرية، غير أداة الحلم؛ كان ماركس شاعرا حالما،  ولا يوهن هذا الزعم ما زعمه هو، وأتباعه أجمعون، من دعوى العلمية التي وصفت بها الماركسية؛ فالعلمية منهجية لا تنقضها الوقائع. أما منهجية الماركسية، فقد نفتها وقائع التاريخ، وأبطلت مصداقيتها.

على أن الربط بين فكرة وتجربة تزعم ـ التجربة ـ عن حق أو باطل، إنتماءها إليها، أي للفكرة، ليس يفي بالمطلوب من البحث النقدي لنظرية ما، قد يجار عليها إذا ما حوكمت بجريرة تطبيقات تشوه حقيقتها. فالمحاكمة النزيهة للنظرية تقتضي التعامل المباشر مع مقولاتها المجردة، التي لا تتجلى في التطبيقات على كل حال؛ فالتطبيق مؤشر دلالي غير نهائي، لا يكفي الناقد التوقف عنده، طالما أن التطبيق ذاته لم يسع النظرية التي ينتمي إليها.

فقد يزعم زاعم أن حظ النظرية الماركسية من التطبيق لم يستنفد بعد؛ فما زال النظام الرأسمالي العالمي يتنامى، وقد يحسب سقوط الأنظمة الإشتراكية عاملا من عوامل تنامي الرأسمالية العالمية، ومن ثم، يحسب عاملا من عوامل انتفاخ النظام الرأسمالي، وسيرورته إلى مرحلة الإنفجار وفقا للجدلية المادية التاريخية الماركسية، وبذلك تكون وقائع انهيار التجريب الإشتراكي “إستدراكا” جدليا تاريخيا، لم يقررها ماركس، وإنما أضافها إلى نظريته تطور التاريخ الجدلي، فعززت هذه الإضافة ـ على ما قد يزعم ـ جوهر النظرية الماركسية ولم تبطلها؟!

وقد يكون انهيار الأنظمة الإشتراكية تجربة قاسية تخوضها المجتمعات التي جرى تطبيق الإشتراكية عليها، فتتعلم منها أن الإشتراكية نظام يفضل نظام الرأسمالية الذي تلهث وراءه، فيجيء الدرس تعزيزا للنظرية الماركسية، وإضافة جديدة إليها، لم يتنبأ بها المؤسس لها، وإنما يسعها برؤيته العامة المبنية على الجدلية المادية التاريخية؟!

وما زالت الدعوة الماركسية نظرية تتسلح بها بعض حركات مقاومة الطغيان الرأسمالي العدواني الواقع على شعوب العالم المقهور؛ فالماركسية تمتلك آلية مقاومة للنظام الرأسمالي العالمي بامتلاكها حلما يناقض الطبيعة العدوانية الإحتكارية للنظام الرأسمالي.

ما زال في العالم المعاصر دول تنتمي لنظرية الماركسية، وتناهض بها؛ وما زالت في الزمن الراهن، أحزاب شيوعية لا يخلو منها بلد من بلدان المعمورة كلها، تؤمن بالمنهاج النظري الماركسي، وتبشر بالعالم القادم الذي بشر به ماركس. وهذه الدول والأحزاب التي لم تتحول عن قناعاتها القديمة بصوابية النظرية الماركسية في جوهرها، أو في تجلياتها، ورغم الزلزال الذي نزل في مساحة عريضة من حقل التجريب الماركسي؛ تراجع مواقفها وأساليب عملها، بغرض تكييف النظرية الماركسية مع تحولات الواقع، واستنادا إلى قانون الجدلية المادية الماركسية المركزي، قانون التناقض، بتخريج جديد له، لا يلغيه كله، ولا يسلم به كله؛ على افتراض أنه، هو ذاته، يخضع لمقولته البنيوية الأساسية، مقولة تغاير الشيء ذاته عن ذاته؛ فالماركسيون يمايزون ما بين تناقض الطرفين الذين يتوقف وجود أحدهما على فناء الآخر: (التناقض التناحري)؛ وتناقض الحالات لطرف واحد، يتجدد بذاته، فيتغاير عن ذاته، ليواصل ذاته الأعمق، أو الأرقى: (التناقض غير التناحري)!

لا يفي الإحتكام إلى التجريب بالمطلوب، إذا كان المطلوب نقدا محايدا للنظرية الماركسية؛ والنقد المحايد يقتضي مواجهة مباشرة مع مقوماتها الفكرية البكر، تلك التي توالدت منها وبها. وبهذا الإقتضاء المتحرر من قبلية الرفض أو قبلية القبول، نرى الماركسية فكرة لها مشروعيتها الملازمة لها، من غير تفريق أو جمع، ومن غير أن تتلقى مشروعيتها من غير دائرة وجوديتها.

 

عوامل التكوين الماركسي

 

نشأت الماركسية حوالي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي انفعالا بموقف “ردة الفعل” الذي عكسه رفض العمال في عدد من الدول الأوربية لممارسات النظام الرأسمالي الذي كان قد حقق تقدما ملموسا، وكان يواصل اندفاعه على قاعدة أن غايته هي تحقيق أكبر قدر من الأرباح من غير أن يراعي حقوق العمال المشروعة في ما تجني مشروعات الإنتاج من عوائد كان الرأسماليون يزدادون ثراء بها، ويزدادون قوة على تسخير طاقات العمال ونهب جهودهم.

الإستجابة للواقع:

تمرد عمال فرنسا في ليون، وعمال النسيج في سيليزيا بألمانيا، وشهدت إنجلترا حركة عمالية واسعة، عرفت بالحركة الشارتية، وتطلع العمال إلى تحقيق مطالب تدنيهم من نيل حقوقهم، ومنها أن تتوفر لهم ظروف حياتية أفضل، وأن يتقاضوا أجورا أعلى، وأن يقصر يوم العمل، وغير ذلك من المطالب التي توخوا منها استعادة بعض ثمار كدهم، واستعادة بعض الإحساس بالإنسانية التي كان أصحاب الرأسمال ينتهكون قيمها.

ولكن تطلعات العمال ومطالبهم كانت عفوية لا تستهدي بنظرية توجيهية تحدد الأهداف والوسائل تحديدا برنامجيا وعقيديا، وذلك على عهدة المنظرين والمؤرخين للماركسية. هذه الأخيرة التي ولدت، وفقا لدعوى الماركسية، من الحاجة الملحة إلى نظرية، يصفها الماركسيون بـ “العلمية”، تمكن طبقة العمال المقهورين من امتلاك زمام المعرفة بقوانين التطور الإجتماعي، والتي تفسر، وحدها ـ بزعم الماركسيين ـ حركة التمرد العمالي ضد الهيمنة الرأسمالية، في مجرى صراع تاريخي للطبقات، تحقق فيه طبقة العمال “البروليتاريا”، نصرا حاسما، وبحكم حتمية هلاك الرأسمالية، وتقدم الإشتراكية؛ يقول الماركسيون:

“وكذا، فإن تطور الحركة البروليتارية ذاته، قد واجه العلم بمهمة بالغة الأهمية، وهي مهمة وضع نظرية ثورية، وخلق سلاح أيديولوجي للبروليتاريا في صراعها ضد الرأسمالية، ومن أجل الإشتراكية. وقد لبى العلم، ممثلا في شخصي ماركس وإنجلس، هذا المطلب التاريخي الملح”(2).

استجاب مؤسسا النظرية الماركسية، ماركس وإنجلز، لوقائع التغيرات في العلاقة ما بين العمال وأرباب العمل، والتي صبغها القلق والرفض من جانب العمال، فأصدرا معا، ما يعتبره الأدب الماركسي، الوثيقة البرنامجية الأولى للشيوعية العلمية، والتي حملت عنوان: “بيان الحزب الشيوعي”(3) الذي كرسه مؤلفاه لشرح أسس الماركسية.

حدد البيان الشيوعي قوانين التطور الإجتماعي، وقرر الطبيعة الحتمية والمحكومة بقانون لعملية حلول أسلوب إنتاج محل أسلوب آخر، وذلك كله من وجهة نظر ماركس وإنجلز، الذين صدرا عما بدا لهما أنه حقيقة تطور المجتمعات ـ كلها ـ في الماضي، باستثناء النظام المشاعي البدائي، وهذه “الحقيقة” هي: “صراع الطبقات التاريخي”.

“وأثبتا أن سقوط الرأسمالية حتمي، وبينا الطريق إلى تكوين نظام اجتماعي جديد هو الشيوعية.. (و) أوضحا المهمة التاريخية للطبقة العاملة (البروليتاريا) باعتبارها المحول التاريخي للمجتمع القديم، وباني المجتمع الجديد، والمدافع عن مصالح كل الجماهير الكادحة”(4).

قدمت الماركسية صياغة جديدة للتاريخ الإنساني انطلاقا من وقائع محددة في المكان والزمان، ولدت انعكاسا لتطور تاريخي محدد ـ أيضا ـ بعوامله التكوينية. وارتكازا إلى وقائع الحركة العمالية في أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي. عممت النظرية الماركسية المفهوم المعطى من هذه الوقائع المحددة، وصنعت منه مقولة مركزية وعامة في التاريخ الإجتماعي، هي مقولة الصراع الطبقي، الذي يمثل، من وجهة نظر الماركسية، القوة الدافعة لتطور المجتمع المنقسم إلى طبقات متطاحنة؛ والمجتمعات الإنسانية ـ تزعم الماركسية ـ متطاحنة كلها، باستثناء أولها: المجتمع المشاعي البدائي؛ وباستثناء آخرها: المجتمع الإشتراكي الشيوعي.(5).

ماركس من المثالية إلى المادية:

ولكن الإنطلاق الماركسي من وقائع الحركة العمالية التي عاصرتها ولادة الماركسية، لم يأت مقطوع الصلة بعوامل سابقة على لحظة التحام الإنفعال الماركسي بالحدث الجاري، حدث اضطرابات عمال فرنسا وألمانيا وبريطانيا في أربعينات القرن الماضي؛ فالإلتحام الإنفعالي بين ماركس، المتبوع بإنجلز، وبين الحدث العمالي، والذي صيغ بلغة عقلية، كان نتيجة لتغيرات فكرية عرضت للمؤسس الأول للماركسية: ماركس، تسببت في تغيير موقعه الحركي قبالة متغيرات عصره.

إبتدأ ماركس حياته الفكرية هيغليا، وكان أشد تأثر ماركس بالفلسفة الهيغلية، تأثره بفلسفة التاريخ لدى هيغل (1770 ـ 1831م)، والذي ظل يلازم المؤسس للماركسية، رغم الإنقلاب الحاد الذي انقلبه ماركس على أستاذه والذي أدى إلى تحول ماركس من مثالية هيغل، إلى مادية، قامت، لدى ماركس، على أساس الجدلية الهيغلية ذاتها، مع إخراج مادي لها، أتاح له ـ لماركس ـ أن يقلب هيغل “رأسا على عقب”!

كان ماركس يعتقد أن هيغل اكتشف قانونا تاريخيا عاما، هو “الديالكتيك”، ولكن تطبيق هيغل له – اعتقد ماركس – كان ميتافيزيقيا، وغير علمي. قبل ماركس وإنجلز المنهج الديالكتيكي الهيغلي، بعد تحويله إلى منهج ديالكتيكي مادي، استعاضا فيه عن تاريخ الروح التي تشق طريقها إلى المطلق في الفلسفة الهيغلية، بالأساليب الإنتاجية التي – زعما أنها – تدفع التاريخ الإجتماعي إلى المطلق الشيوعي، من خلال الصراع الطبقي، الذي حل لدى ماركس، محل الصراع بين الأمم.

“كان هيغل هو الأصل الذي استمدت منه نظرة ماركس التاريخية إلى التطور الإجتماعي، فهذه النظرة التطورية ترتبط بالجدل (الديالكتيك)، الذي اقتبسه ماركس بلا تغيير عن هيغل”(6).

وجدلية هيغل، التي تمثل محور فلسفته، تسير في ثلاث مراحل: قضية؛ قضية مناقضـة للقضـية الأولــى؛ ثم قضية مركبــة من القضيتيــن الأولــى والثانيـة، ما تلبث ـ القضية الثالثة ـ أن تصبح قضية جديدة أولى في المسار الجدلي الذي يتواصل إلى بلوغ المطلق الوجودي الذي تتطور إليه الروح عبر التاريخ.

وتحت تأثير مادية فورباخ، تحرر مؤسسا الفلسفة الماركسية من مثالية هيغل. وكان فورباخ (1804 ـ 1872م) أحد أبرز الفلاسفة الماديين في عصره. رفض المثالية والدين، ورفض حصر الفلسفة في إطار الفكر الخالص، ورأى ” أن من واجبها (يعني الفلسفة) دراسة الطبيعة والإنسان. والطبيعة موجودة خارج الإنسان، وهي كائن أول، أولي وغير مشتق. أما الإنسان فهو جزء من الطبيعة ونتاج لتطورها الطويل الأمد. والوعي في رأي فورباخ، لا يسبق الطبيعة بل يعكسها ويستوعبها. وأن المادة، الطبيعة، قابلة للمعرفة”(7).

صار الجدل الهيغلي ذا مضمون مادي فورباخي لدى النظرية الماركسية التي “تولدت عن النضال التحرري للطبقة العاملة في أربعينات القرن التاسع عشر”(8)، من حالة انفعال الفكر الجدلي المادي بوقائع حركة تناقض مصالح العمال مع أرباب العمل. وتضخم الإنفعال الفكري من جانب مؤسسي الماركسية إلى الحد الذي ترك عامل الحركية يطغى على النظرية الناشئة، ويوجهها إلى مذهب يقرر “أن الصراع الطبقي هو القوة المحركة الجبارة لتطور المجتمع المتناحر طبقيا ومصدر هذا التطور”.

وكان للمواقع المتغيرة التي تقلب فيها ماركس أثرها الفاعل على الصياغة النظرية للماركسية. وكان تغير موقعه من الديمقراطية إلى الشيوعية الثورية (عام 1844م) سببا لتغير رؤيته للعالم. نتج هذا الإنتقال بين المواقع “عن تطور الصراع الطبقي في أوربا، وعن اشتراكه في الصراع الثوري في باريس، وعن دراسته للإقتصاد السياسي والإشتراكية الخيالية والتاريخ”(10).

طبقية الماركسية:

ورغم هذا التداخل بين عوامل الفكر والحركة التي ساهمت في بناء نظرية الماركسية، فإن العامل الحركي الثوري، الذي ظهر بنشوء حركة العمال الثورية، واستجابة ومشاركة ماركس لها، هو العامل التكويني المحوري في النظرية التي صاغها ماركس وإنجلز، والتي لم يكن هدفها تفسير العالم، وإنما تغييره أيضا، ولهذا كانت السمة الرئيسية للماركسية – يقول أدبها – هي أنها “تجسد الدور التاريخي للطبقة العاملة، بوصفها بانية مجتمع شيوعي لا طبقي”(11). والفلسفة التي وضعها مؤسسا الماركسية، كان يراد منها أن تمد الحركة العمالية بسلاح روحي في معركتها الطبقية ضد الرأسمالية، وأن تمثل أداة قوية لتغيير الواقع. فهي فلسفة ذات طبيعة طبقية، تعبر عن مصالح العمال، وتتلخص قوتها “في صلتها العضوية بالنشاط العملي، وفي أنها تخدم نضال الطبقة العاملة ضد الرأسمالية ومن أجل الإشتراكية والشيوعية”(12).

الطبيعة الطبقية للنظرية الماركسية، هي القضية المركبة من قضية الجدل الهيغلي المثالي، وقضية المادية الفورباخية غير الجدلية. وعلى أرضية واقع ثوري عمالي مناهض لاستغلال الرأسمال، تولدت نظرية جدلية مادية شكلت الوعي الماركسي بالوقائع المعاصرة لكل من ماركس وإنجلز.

والوعي، لدى الماركسيين، أعلى أشكال انعكاس الواقع الموضوعي. ويرجع أصله، فيما يرون، إلى نشاط الناس الإنتاجي الإجتماعي، وهو نتاج للتطور الإجتماعي، ولا يوجد خارج المجتمع. وهو يوجد بالمعرفة التي هي نتيجة لنشاط الإنسان التاريخي الإجتماعي(13). ويقرر ماركس أن “عالم الأفكار ليس سوى العالم المادي منقولا كما هو ومترجما إلى الروح البشرية”(14). الوعي، بعبارة ماركسية محددة، هو انعكاس للوجود الإجتماعي للناس. والوجود الإجتماعي مقولة فلسفية ماركسية تشير إلى الحياة المادية للمجتمع، التي تتألف من إنتاج السلع المادية، والعلاقات المادية التي تتشكل بين الناس خلال عملية الإنتاج والحياة العملية المحسوسة للمجتمع(15).

وقد كرس غارودي، قبل تحوله عن الماركسية، كتابه حول النظرية المادية في المعرفة لأداء مهمة البرهنة على أن “الفكر يخرج من المادة، لكنه لا يماثلها أبدا”(16). فالمعرفة الماركسية بالعالم خرجت من المادة، أي من واقعة موضوعية اجتماعية وقتية؛ ولكنها لم تتحدد بزمانية ومكانية وقضية هذه الواقعة، أي لم تماثلها، وتجاوزت الوجود اللحظي، إلى الوجود المطلق، المادي والحيوي والإجتماعي، ووسعت من مقولة خرجت من واقعة ثورية عمالية لها أسبابها الظرفية، لتقرر منها مذهبا شموليا في تفسير العالم جملة واحدة، وبقانون محوري هو قانون التناقض؛ وهو صورة مكبرة وممطوطة عن فكرة صراع الطبقات التي عكسها الوعي الماركسي بوقائع حركات العمال في أربعينات القرن الميلادي التاسع عشر: قانون التناقض، أو ما يسميه الأدب الماركسي “قانون وحدة وصراع الأضداد”؛ وهو صورة مكبرة لفكرة صراع الطبقات: فالتناقض مقولة تشمل العالم كله، وقانون صراع الطبقات يشمل الوجود الإجتماعي، المشمول بالعالم كله، أي المشمول بمقولة أو قانون التناقض؛ وهو صورة ممطوطة من فكرة صراع الطبقات، لتفاوت المدى الزماني لكل منهما؛ فالتناقض الماركسي “مقولة في الجدل تعبر عن المصدر الباطني للحركة، وجذر الحيوية ومبدأ التطور جميعا”(17)، لا تستثنى منه حالة من حالات الوجود، لا كمية ولا كيفية، ولا حالة المجتمع الشيوعي كما يتنبأ به الفكر الماركسي؛ أما الصراع الطبقي فهو القوة المحركة لتطور المجتمع “المتناحر طبقيا”، ومصدر هذا التطور(18)، والمجتمعات المتناحرة طبقيا، بالتوصيف الماركسي، هي الواقعة في المدى التاريخي الإنساني ما بين نهاية المجتمع المشاعي البدائي، وبداية المجتمع الإشتراكي الممهد للمجتمع الشيوعي.

التناقض أو وحدة وصراع الأضداد:

قانون وحدة وصراع الأضداد هو “جوهر الجدلية وقلبها” بعبارة لينين(19)، التي أكدت عليها الموسوعة الفلسفية الماركسية بالقول: “إن التناقض هو المقولة الرئيسية في الجدل المادي”(20)؛ فهو يكشف عن القوة الدافعة في حركة التطور المادي العالمي، ويفسر جميع مقولات الماركسية الأخرى الجدلية: “التطور بالإنتقال من التغيرات الكمية إلى التغيرات الكيفية، وانقطاع الإنتقال التدريجي، والطفرات، ونفي اللحظة المبدئية في التطور، ونفي هذا النفي نفسه، والتكرار في مستوى أعلى لبعض ملامح وجوانب الحالة الأصلية”(21)، وغير ذلك من مقولات الماركسية(22).

ينبني قانون التناقض الماركسي على ما يحسبه الفكر الماركسي جوانب متضادة للإشياء والظواهر، التي تتواجد جنبا إلى جنب، ولكن في حالة تناقض دائم، وصراع فيما بينها(23). والأضداد تستبعد بعضها البعض، وتفترض وجود بعضها البعض، وهي تترابط في علاقة لا تنفصم هي علاقة “وحدة الأضداد”(24).

ولتوضيح معنى التناقض، يسوق أفانا سييف صاحب “أسس المعارف الفلسفية” أمثلة عديدة من مستويات الوجود المادي والحيوي والإجتماعي، منها مثال المغناطيس الذي يتناقض قطباه، ولا ينفك عن التناقض مهما وقع له؛ فإذا قطع قطعتين، تناقضت كل قطعة منه إلى قطبين، وهكذا دواليك، لا التناقض ينتفي، ولا نفي القطبين المتناقضين ينعدم، ولا ينفرد قطب من القطبين بالوجود في غياب القطب الآخر. ومن أمثلة التناقض التي يضربها سييف مثال تناقض طبقة العمال مع أرباب العمل في المجتمع الرأسمالي، الذي لا يقوم – في رأيه – إلا مع التناقض، أو بالتناقض بين الطبقتين، مع ما يقتضيه هذا التناقض من “وحدة الأضداد” بين الطبقتين.

وعلى ما تقرره الجدلية، وما تفرضه، فإن متناقضا من المتناقضين المجتمعين في الشيء أو الظاهرة، لا بد وأن يهدم نقيضه، ليصير النقيضان معا حالة جديدة ما تلبث أن تعيد المسار الجدلي ابتداء منها، مرة أخرى، باعتبارها نقيضا يقتضي وجود نقيض آخر له.

وقد يبدو تحقق الجدلية فيما وصف بأنه تناقض بين قطبي المغناطيس غير مفهوم؛ فإذا كان التناقض هو العلاقة بين طرفين لا يتعايشان معا إلا عيشا من غير دوام، فالعلاقة بين قطبي المغناطيس علاقة تعايش مع دوام بالحكم القاطع لتاريخ المغناطيسية إذا جاز القول بأن للمغناطيس تاريخ وهو قول نعتقد أنه لا يجوز إلا أن يكون قولا جزافا تقتضيه الجدلية الهيغلية، والجدلية الماركسية المتطابقة منهجيا مع جدلية هيغل. ثم هو قول يجوز إذا تغيا قائله تعميم فكرة تصور حالة محدودة الزمان والمكان، هي فكرة الصراع الطبقي التي ابتدعتها الماركسية بالإرادة المنفعلة بحركات عمال بعض البلدان الأوربية في أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي؛ فإذا قصد منظرو الماركسية المؤسسون والتابعون إلى استيلاد قانون التناقض الشامل لكل شيء ولكل ظاهرة، من فكرة الصراع الطبقي، إذا قصدوا ذلك، فقد يفهم بعض من لا يفهمون على الإطلاق، أن التناقض، أو صراع الأضداد، وصف صحيح لعلاقة قطب الشمال مع قطب الجنوب في مغناطيس واحد أو مغناطيسين.

ولكنه لن يشق على الفهم أن يقال أن المجتمع الرأسمالي حالة اجتماعية يتواجد فيها نقيضان متضادان متصارعان، يتعايشان زمنا محددا، على طوية رفض أحدهما للآخر بحكم اختلاف الطبائع، أو اختلاف المصالح الطبقية الإقتصادية، كما يؤولها الماركسيون، إلى أن تتفجر هذه الحالة المتناقضة بنضال البرولتاريا، فتصير حالة التناقض ـ التناحري بين العمال وأرباب العمل ـ حالة اجتماع اشتراكي، ثم شيوعي.

لا يشق على الفهم مثل هذا المنطق الجدلي الماركسي، بشرط ضروري هو أن يرتد الفهم في التاريخ إلى أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي، فإن من شأن هذا الإرتداد أن يتلقى الفهم مضمون الجدلية الماركسية هذا تلقي الحالم بزوال كابوس الاستغلال الرأسمالي في مستقبل الزمان، لا تلقي الواثق بوقوعه، فهو على أدنى القول، لم يقع منذ نص عليه الدعاة إليه، وإلى هذا اليوم.

وهو لم يقع، لا بسبب تعثر حظ الجدلية ـ هيغلية أو ماركسية ـ في مسارها التاريخي؛ ولو صادف أن كان هذا السبب هو مانع الوقوع، فهذا المانع يشطب، بلا تردد ولا هوادة، مقولة الضرورة التاريخية التي يدعي الجدليون المثاليون والماديون أنها ترسم خط التقدم التاريخي نحو المطلق، بحركة تكتسح كل الموانع، إذ أن الموانع كلها، بزعمهم، مطايا للمطلق التاريخي: الروح في ذروة تحققها عند هيغل، وهي ما جسدته في تصوره، الدولة الألمانية في عصره؛ والمجتمع الشيوعي ذروة صراع الطبقات أو الغاية الأعلى لتناقض أساليب وعلاقات الإنتاج المادي الإقتصادي، عند ماركس؟!

الصراع لازمة للأنا العدوانية:

لم يقع الحلم الماركسي منذ تراءى لأصحابه، بسببه هو، لابسبب خارج عنه. فهو حلم مفتعل من واقعة مربوطة بظروفها الموضوعية المحدودة في الآن والهنا، تمتثل، شأن كل واقعة وجودية أخرى، لقانون التغير الذي يغير الظرف والمظروف معا، وعلى الدوام. فالواقعة، كل واقعة، ذات وجود محدود له حكمه المحدود. لكن افتعال قانون عام يزعم له الصدق على التاريخ كله، من واقعة ماثلة للتغير في كل آن، ومع تقدير توفر حسن النية، هو افتعال حلم يوهم أن البطون المنتفخة كلها، وعود بولادات تامة ومعافاة، بحجة أن بطنا منفوخا ما، انفرج عن وليد حي كامل الأوصاف. فإذا وعد بطن منفوخ بولد أو بنت، فإن ثمة بطونا تقتل أجنتها، وثمة بطونا ينفخها الوهم الحالم، وتكذب على أصحابها إلى حين يفضحها التحقيق، أو إلى حين ترتخي توترات الكروش، وتتلاشى فقاقيع الغازات.

ليس صراع الطبقات قانونا تاريخيا حاضرا على امتداد الزمـان والمكان المطلقين، ـ باعتبار مطلقية الزمان والمكان إشارة إلى المدى التاريخي المكاني كله، وليس على المعنى الذي تحمله الفكرة الماركسية المبني على رفض فكرة وجود إلاه خلق الزمان والمكان ـ والمجتمعات لا تنقسم إلى طبقات بضرورة لا تتخلف عن التجسد في الواقع في مجتمع واحد على الأقل؛ وقد يتباين المجتمع إلى طبقات، ولا تتمايز الطبقات في غيره؛ وقد توجد طبقات، لكنها طبقات لا تتصارع على المصالح الإقتصاية كما تزعم الماركسية؛ كما توجد طبقات لا تخمد نيران الحرب بينها، لا لأن الحرب قدر محتوم بين طبقتين أو طبقات تتعارض مصالحها الإقتصادية، ولكن، لأن طريق الحرب إرادة لها بدائل أخرى يختارها أولئك الين يعتقدون أن نيران الحرب تأكل مشعلي فتيلها، بينما هي تمتد لتحرق أرضا واحدة، بيد أن الأرض تسع الناس والأحياء عامة، تحت مظلة سلام يبدعه عقل منفتح على إرادة خيرة جسورة.

الصراع ليس لازمة طبقية، ولكنه لازمة للأنوات المتضخمة بالعدوانية التي قد تنشأ من وضعية طبقية، وقد تنشأ منها الوضعية الطبقية ذات العلاقات التصارعية؛ لكنها ـ الأنوات العدوانية، وعلى كل أحوالها ـ لها سبب نشوئي أعمق في الوجود، الإنساني وغير الإنساني، أعمق من الطبقية، ويتوغل في الوجود بكليته إلى ذروته التي تتمدد فيه، وبه، من “الأول” الذي لا يسبقه سابق، إلى “الآخر” الذي لا بعد بعده؛ ذلك السبب الذي تنتج عنه الأسباب والمسببات كلها، هو الفاعلية الوجودية التي لا تنفك عن الوجود، ولا ينفك الوجود عنها، أو التي هي الوجود، والوجود هي.

التفسير الفاعلي للوجود:

وتدنو النظرية الماركسية من الإعتراف بالفاعلية الوجودية سببا نهائيا للحركة التاريخية الإنسانية، بما فيها الصراع الطبقي، عندما تؤكد على أن “التنوع الكبير في أشكال المادة وحركتها ينطلق من أن جميع الظواهر الطبيعية التي لا يحصى عددها، ترجع إلى مظاهر المادة وأشكال حركتها، فلا يوجد أي شيء غير المادة المتحركة”(25).

تكاد الماركسية تقرر التفسير الفاعلي للوجود لكل الحادثات الوجودية، بما فيها حادثات الصراع الطبقي التي تولدت نظريتها منه، فلم يعقها عن هذا التقرير إلا ترددها بين الواحدية والثنائية؛ فهي واحدية لكنها لم تبرأ من الثنائية التي لا حيلة لها للبراءة منها، طالما كان التفسير الطبقي يستدعي حالتين وجوديتين ترفض إحداهن الأخرى، وطالما كان المنهج الجدلي ذاته، يستدعي وجود قضيتين متناقضتين، يصيران قضية ثالثة ما تلبث أن يتولد منها، مقابل اعتبارها قضية أولى، قضية ثانية، وهكذا دواليك إلى غير نهاية يفرضها المنهج، لدى تطبيقه على مسار التاريخ الإنساني، الذي تنتهي جدليته – الماركسية – الثنائية إلى واحدية شيوعية مطلقة، تكرس بدورها ثنائية التاريخ الإنساني، إلى تاريخ مجتمعات طبقية، وآخر لا طبقي. بينما التاريخ الإنساني كله، هو تاريخ تحقق الفاعلية الإنسانية، بأشكال متعددة، لا تنفي واحديته، وتثبت أن الفاعلية الوجودية، قادرة دوما على التفتح المتواصل، وعلى اجتياز الفواصل بين آنات الزمان الوجودي؛ هذه الفواصل التي تستلزمها طبيعة الحركة الفاعلية، طبيعة التكثر؛ فالتكثر لا يقع إلا بفواصل، والتكثر الذي هو صورة الفاعلية الوقائعية، لا يسلب الخاصة الأولى والنهائية للوجود، خاصة الفاعلية، لا يسلبها طبيعتها، وإنما هو يؤكد عليها، فما تكثره إلا برهان على الفاعلية ذاتها، الواحدة في جوهرها وأعراضها، والتي لا يقوم فيها الجوهر مقابل أعراضه، فمثل هذه المقابلة ثنائية زائفة، تزرع بين الشيء وذاته وهما تصوريا لا يصدقه الواقع.

القهر مذبح المجتمعات:

صراع الطبقات ليس تفسيرا جذريا لتاريخ التغير الإجتماعي، أو تاريخ الصراع الإنساني. والناس لا يصارعون الناس لدوافع اقتصادية خالصة كما يفترض الفكر الماركسي الدائر على مقولة صراع الطبقات. على أن ذلك لا ينفي أن بعض الصراع التاريخي هو صراع طبقات على قاعدة الصراع على مصالح اقتصادية، أو هو صراع مصالح اقتصادية، وإن لم يكن صراعا بين طبقات. وقد يكون لصراع ما دوافعه الاقتصادية لدى جانب، ودوافع غير اقتقصادية لدى الجانب الآخر له. ولكن الصراع في كل حالة من حالاته، تعبير عن الفصلية الفاعلية المتجمدة بالوهم القاصر عن تعمق المعنى الوجودي المتحقق في الأشكال الإجتماعية المتكثرة، مادية وروحية، من غير ثنائية، فتستحيل الفصلية الفاعلية – هذه – أداة عدوانية تنتفخ بها الأنوات فتجور على أنوات أخرى، لها حقها المشروع وجوديا في المشاركة المتساوية في عملية تسخير مقدرات الحياة، الممنوحة إمكانا للجميع، والإنتفاع بهذه المقدرات دون قيود يغل بها القاهرون المقهورين.

علاقات الطبقات المتصارعة هي علاقات قاهر بمقهور. ولا ينحصر القهر بين الطبقات، وقد يكون في الطبقة الواحدة، ويكون بغير طبقات، ويكون في ذات فردة. القهر علاقة تنتج استغلالا عدوانيا للطاقة الفاعلية المحرفة بإرادة لا واحدية. أما إرادة الواحدية، البريئة من شوائب الثنائية، فهي إرادة السلام. والسلام مطلب المقهور، ومطلب القاهر أيضا. القاهر والمقهور صورتان للفاعلية الوجودية الواحدة التي تنطلق من إسارها بالحب، عبر العدالة، نحو السلام. أما القهر فهو النار الأكول للقاهر والمقهور.

القهر مذبح المجتمعات الطبقية وغير الطبقية، وهو أصل الصراع بدوافع اقتصادية أو غير اقتصادية. وكما تنبأت الماركسية بسقوط المجتمعات الرأسمالية التي تقهر فيها طبقة أرباب العمل طبقة العمال، أثبتت الممارسة الماركسية الإجتماعية أن القهر يهدم التجارب الماركسية التي لا تقوم على قاعدة الطبقية الاقتصادية، وإن كان هذا لم يمنعها من القيام على قاعدة الطبقية القهرية؛ القهر النظري الذي يرتكز إلى زعم قطعي لا فسحة فيه للحرية العقلية، زعم يزعم أن الكشف الماركسي هو نهاية مطاف تكشف الحقيقة النظري؛ والقهر العملي الذي حجب الكثر عن الإنفتاح على وجود فيه غير، وغير يحقق الفاعلية التي تتحقق في الماركسيين أيضا، من بين من تتحقق بهم وفيهم أكوان الوجود المادية والحيوية، القهر الذي جمد طاقة الإبداع لدى الأفراد، بحجة أن الإبداع مهمة أداها المعلم الملهم بالنيابة عن الناس كافة، فإذا كان ثمة فسحة للإبداع، فهي فسحة لترداد الصدى، تتحرك به الحناجر بالصوت المرهوب بالسوط.

 

انغلاق الماركسية

 

فشلت التجارب الماركسية لأن الفشل كامن فيها. ولا تفشل تجربة إنسانية إلا لسبب واحد هو: انغلاقها. والأداء المغلق الذي ماز التجارب الماركسية، نتيجة طبيعية للنظرية الماركسية ذاتها. فإن صدورها عن واقعة مغلقة، هي واقعة حركة العمال في بعض بلدان أوربا في أربعينات القرن الميلادي الماضي. هذا الصدور عن واقع مغلق، أنتج نظرية انغلقت على ذاتها، بحصر حركة التاريخ الإنسانية المفتوحة على خيارات متعددة، في مسار واحد، هو مسار صراع الطبقات ذي الدوافع الاقتصادية، ومن ثم، بحصر رؤيتها في محبس الصراع الطبقي الاقتصادي؛ بينما للعقل رؤى كثر، أنتجتها وقائع أخرى، غير واقعة عمال محدودة الزمان والمكان والدوافع والتطلعات؛ رؤى للتاريخ الإنساني، تصدق كل منها صدقا نسبيا يعادل الحقيقة التاريخية المتموضعة لها، ولا تكذب بردها إلى حقائق تاريخية أخرى لا تتموضع لها، لأن رد مقولة إلى غير موضوعها تعسف منطقي، لا يقتضيه منهاج العلم القويم.

تفسير التاريخ الإنساني بالنظرية الماركسية حقيقة تصدق على موضوع تاريخي تتوافر فيه عوامل الصراع الطبقي الاقتصادي. أما إذا جاوزت النظرية الماركسية مساحتها التاريخية أو المنطقية، فادعت أنها التفسير الوحيد الصحيح للتاريخ الإنساني كله، فهي بهذه الدعوى تحشر عنقها في مقصلة المنطق ومقصلة التاريخ، وتقدم البرهان على انغلاقها في الوهم القاتل؛ بيد أن الحياة تتجدد بفاعليتها الوجودية التي تتأبى طبيعتها على الجمود في مأزق واهم أكره رأسه على ولوج مقصلة ينتهي عندها تاريخه، لا التاريخ كله.

النظرية الماركسية رؤية منغلقة رغم الصورة الشاعرية ذات الطلاقة الجمالية التي ترسمها للشيوعية؛ فهي منغلقة بمعيار الجدلية ذاتها، التي يزعم الماركسيون أنها لا بد وأن تؤول إلى الشيوعية، بضرورة لا تنازع؛ الجدلية المستنبطة من مقولة التناقض بين القضية والقضية المناقضة لها، على نحو ما صوره البروفسور بارنت سافري بقوله:

“يشرح الماركسيون عقيدتهم في النقائض بالطريقة التالية: تحتوي الأشياء كلها قوتين جوهريتين متناقضتين، أحدهما يسمى “الموضوع” والآخر “نقيض الموضوع”، وتقوم القوتان بتدمير نفسيهما، وينشأ من هذا التدمير وضع جديد يسمى “مركب النقيضين”. وأخيرا، ينهار المركب من النقيضين لينتج نقائضه ـ فتدور الدورة: نقيض يقابل نقيضا، ثم، وصدورا عن هذه القوى المتناقضة التي انهار إليها “مركب النقيضين” الأول، ينتج “مركب نقيضين” جديد ـ وهلم جرا”(26).

الجدلية صحيحة المنطق وهي تقرر أن كل مولود والد، ولو على سبيل الإمكان؛ ولكنها تجافي المعقول إذا حكمت على مولود من مواليدها بالعقم الأبدي الذي لا دواء له. فالشيوعية في النظرية الماركسية مولود لا يصير والدا، ولو على سبيل الإمكان، هذا رغم أن الأدب الماركسي لا يستثني الحالة الشيوعية من قانون التناقض، لكن تناقض الشيوعية “داخلي” ولا يدمرها؛ فهي نهاية الجدلية التاريخية – التدميرية – والتي تتأبى على التفتح على أفق تاريخي مغاير لها؛ عند الشيوعية تتوقف الجدلية التاريخية – بمعناها الكلي – بينما تنفي طبيعتها خاصة التوقف عند مرحلة من مراحلها، فإذا أوقفتها الحالة الشيوعية، فإنما هي ـ الشيوعية ـ حالة منغلقة على أنوية متضخمة بابتلاع التاريخ كله، ما قبلها وما بعدها، كما هي حالة مغلقة لإغلاقها مجرى الزمان عند اللحظة التي يتكشف عنها، إذا كان من جوده التكشف عنها.

منهج الجدل التاريخي، إذا صح اعتباره قانونا عاما شاملا، فلا يصح إلا بشرط انطباقه على التاريخ كله. أما استثناء حالة تاريخية ما منه، فهو إبطال له، أو إبطال للحالة المستثناه؛ وعندما يتواجه المنطق مع مشكلة تحديد بطلان أي من الفكرتين المتنازعتين على شهادة الصدق المستحقة لإحداهما دون الأخرى، فإن المنطق ينحاز إلى تأييد فكرة التفتح المتواصل للفاعلية الوجودية المتحققة في التاريخية الإنسانية، انحيازا منه إلى مبدأ الحرية الإنسانية التي لا يستقيم لها معنى مع معنى نهاية التاريخ الجدلي أو غير الجدلي الذي تدعيه الماركسية وغيرها من القوى المستبدة بالمقهورين من الناس. فإذا رفض منهج الجدلية التاريخية، المتطابق مع منطقه، حالة الاستثناء التي يدعيها الماركسيون، فإن الشيوعية فرضية ميتة، تقتلها انغلاقيتها دون الطلاقة الفكرية والطلاقة التاريخية.

وانغلاقية الفكرة الشيوعية خاصة للنظرية الماركسية أنتجت فكرة انغلاقية أكبر هي فكرة انغلاق التاريخ في مسار دائري؛ من مشاعية أول التاريخ إلى شيوعية نهاية التاريخ، على فهم أن التاريخ تأريخ التغير الملازم للظاهرة الإنسانية، الذي لم ينفك، وليس ثمة إشارة توحي إلى أن التغير قد ينفك، عن الظاهرة الإنسانية أو غيرها من ظواهر الوجود.

انغلاق يلد انغلاقا:

ودائرة التاريخ المتخيلة من مشاعية بدائية إلى شيوعية “علمية”، هي دائرة التاريخ العقيدي اليهودي من جنة أولى خرج منها الأب الأول إلى جنة أخرى يعود إليها اليهود، ولا أحد غير اليهود.. أو هي دائرة التاريخ الذي ابتدأ بالدخول العبراني الأول إلى فلسطين، وينتهي بالرجوع مرة أخرى إلى “أرض الميعاد” التي وعد الله بها “شعبه المختار”..

ماركس، مؤسس الماركسية الأبرز، يذكر من طفولته أنه كان يهوديا، واليهودية عقيدة مغلقة(27). والتحول الذي تحولته عائلته – مضطرة – عن عقيدتها اليهودية إلى العقيدة المسيحية، كان تحت ضغوط بيئية مغلقة أيضا، وكان له دوافعه المعاشية الاقتصادية، ومثل هذا التحول ـ بالإكراه ـ يعزز الميول الإنغلاقية لدى الناس، عن وعي أو غير وعي، بدوافع أمنية وجودية غريزية، وبقدر الحاجة إليها، ويبدو أن القدر الذي كان يحتاج إليه ماركس من انغلاقه على ذاته كان كبيرا، بدلالة أن انعكاسه على فكره وعلى أخلاقه كان كبيرا.

هيمنت انغلاقية التراث اليهودي على رؤية ماركس الفلسفية، فعاير أحداث عصره بمعيار الإنغلاق على وقائع محددة، أغلقها على رؤيته للتاريخ كله، مثلما تغلق اليهودية رؤيتها للتاريخ ولما هو أوسع من التاريخ، على الشعب اليهودي، “شعب الله المختار”، هذا “الله” الذي هو رب اليهود من دون الناس، الذي رفع “شعبه” فوق الشعوب، والذي وعده بأرض تفيض لبنا وعسلا، والذي اصطفاه على العالمين، لا لرسالة عالية يحملها، ويؤديها على وجهها الصحيح، بل له ذاته أيما كانت الرسالة وأيما كان الأداء.

انغلاق اليهودية هذا على ذاتها، وفرضها الإنغلاق على فكرة الله، وعلى فاعليته المطلقة بطبيعتها، انعكست في النظرية الماركسية التي أغلقت على التاريخ الإنساني وعلى الفاعلية الوجودية المطلقة بطبيعتها، دائرة ضيقة الزمان والمكان، ودائرة مفهوم محدود للنشاط الإنساني تحصره في النشاط الاقتصادي، وتفسر، بهذا الأخير، كل نشاط غيره؛ ولكنها في الحقيقة تفسر بهذا التقييد، انعكاس التراث اليهودي على تفكير ماركس، وهو ـ التراث اليهودي ـ يقدس المال، لما للمال من دلالة على انغلاق حائزيه ومانعيه؛ فالمال المحوز الممنوع ـ أو الملك عامة ـ هو الذات المنغلقة على جورها على الآخرين على صورة مجسمة مفضوحة فاضحة.

شيوعية ماركس جنة اليهود:

وقد يعجل عجول فيرد تهمة التأثر الماركسي بتقديس اليهود للمال بما تتصوره الماركسية من حالة شيوعية يختفي فيها المالك والمملوك؛ وهو رد مقبول إذا تأنى العجول وأثبت أن الشيوعية الماركسية براء من علاقة عضوية تربطها بالتاريخ اليهودي مثلما يرتبط التفسير الاقتصادي بالخلق اليهودي الأنوي الجامع المانع للمال. الشيوعية الماركسية هي “جنة الآخرة” أنزلتها النظرية الماركسية إلى الدنيا، فردتها إلى موضهعا الأولي الذي وضعتها فيه ثقافة الأولين اليهود المدونة في العهد القديم، والتي تخلو من أية إشارة إلى جنة ما بعد الموت، وتنص على أن جنة اليهود هي فلسطين، “الأرض التي تفيض لبنا وعسلا”؛ أي جنة في الدنيا؛ جنة دنيوية توفر لكل “قدر حاجته” وهو ما توفره جنة الماركسية، التي لا تعفي، مثل جنة اليهود الأولى، من بذل العمل على قدر الطاقة. ثم إن جنة الماركسية وجنة اليهودية الأولى مكافأة يحصدها العاملون لها: طبقة العمال في الماركسية؛ وأبناء “الشعب المختار” في اليهودية.. وجنة ماركس لأولئك المؤمنين بالتفسير الاقتصادي للتاريخ؛ وجنة اليهود لأولئك الكانزين المال المانعين له ـ بحقة ـ عن “الغوييم”، كما تمنعه الماركسية عن غير العمال، حيث لا تسع جنتها إلا العمال.

إباحة المال:

وقد تكون إباحة المال في المجتمع الشيوعي – الماركسي – المتخيل، إسقاطا يعكس حاجة لدى ماركس، الذي قضى حياة الدعوة الماركسية معوزا لا يجد مالا يكفيه لمعاشه ومعاش أسرته؛ فما الحال الذي ينشده معوز للمال غير إباحة الملكية إذا كانت أقوى القوى العاملة في ذاته قوة التخيل لمجتمع موهوم، مركوزة بقوة التمثل لتاريخ يهودي عاشه أهله، ومنهم ماركس وأهله، وراء “غيتو” ظل يفصلهم عن مجرى الحياة المتدفق، كما عزل ماركس خياله في “غيتو الشيوعية”، فعزله عن الواقع الواسع الذي يهب الخلق أجمعين إمكانات الحياة لمن يطلبها على وجهها، لا للذي يتخيل أنه النهاية التي تصب بين يديها ثمار عمل الناس، دون أن يعمل هو إلا أن يبتدع لهم جنة من الوهم؛ وأراد أن يستبق الزمان، فابتدعها ـ ماركس ـ في العاجل، لنفسه، فطلب زاد المعاش كما يطلبه أهل الجنة؛ جنة خاصة به هو “النبي”: مكافأة خالصة دون عمل؟!

 وقد تكون إباحة المال في المجتمع الشيوعي الذي أبدعته المخيلة الماركسية، إسقاطا لرغبة تراثية يهودية بالإنتقام من المجتمعات التي عاش فيها اليهود أذلة، وليس أفعل من انتقام يشفي غليل الحقد، وفي معيار تراث يقدس المال، من انتقام يسلب المال من مالكيه، خاصة، وأن إسقاط الماركسية يوافق مجتمعات الرأسمالية المتقومة بالمال، والمتكون من جهد العمال المقهورين، وليس أقدر على تحقيق الإسقاط اليهودي التراثي المختزن عند ماركس، من طبقة العمال المكرهة على تحويل جهدها إلى مال يملكه أرباب الأعمال، فكرس ماركس نظريته لتحريض العمال ضد النظام الرأسمالي، وكان هذا التحريض هو التجديد الوحيد في النظرية الماركسية قياسا إلى النظريات الموضوعة من قبل، والمعنية بالمقولات والهموم التي عنيت بها الماركسية.

غيتو ماركس:

 “غيتو الماركسية” صورة من غيتو اليهود، عزل فيه ماركس طبقة العمال في زمان مقطوع ومكان مفصول عن زمان ومكان الحياة الإنسانية الواسعة، ثم نقل ماركس “غيتو طبقة العمال” من بؤس الحياة تحت هيمنة الرأسمالية إلى “نعيم الجنة الشيوعية”، كما ينقل التراث اليهودي “غيتو اليهود” من بؤس الحياة خارج “أرض الميعاد” إلى الأرض التي “تفيض لبنا وعسلا”؛ أرض فلسطين.

شيوعية ماركس مولود شرعي للقهر:

وإذا كان مجتمع الشيوعية، هو الحالة التي تغيب فيها الملكية الفردية بالكلية، ويبذل فيها الفرد غاية طاقاته الإنتاجية، مقابل الحصول على كفايته من الاحتياجات، لا على كل العائد مما يبذل من مجهودات، على فرض أن عائدات إنتاجه تفوق قيمة احتياجاته، فما الدوافع التي تثمر قيمة العائدات الزائدة عن قيمة الاحتياجات المكفولة للعمال؟ المجتمع الرأسمالي يدفع إلى تحقيق القيمة الزائدة بإرادة تحقيق الأرباح الخاصة للأفراد، والمجتمع الشيوعي الذي يقوم على أساس رفض الماركسية لحق الأفراد في تحقيق أرباح من عملية الإنتاج، يجعل هذا التحقيق الزائد حقا مباحا للمجتمع كله، كيف يقنع العامل ببذل جهد يفوق الجهد الذي يكفل له احتياجاته إذا عادت ثمار جهده الإضافي للمجتمع وليس له؟ يقول التصور الماركسي للمجتمع الشيوعي أن كل زيادة في الجهد المنتج، هي زيادة في درجة إشباع الحاجات الفردية، المادية والمعنوية، وزيادة للإنتاج القومي؛ وهذه غايات اقتصادية يحققها منتج واع بالقيمة العميقة للعطاء غير المحدود من جهده، العائد إليه وإلى أفراد مجتمعه. وهذا الوعي المنتج هو وعي شيوعي يلد من قناعة مسبقة بالنظرية الماركسية التي تبشر بمجتمع العدالة المطلقة والسلام الجواني والبراني للفرد والجماعة، مجتمع لا تحكمه سلطة دولة؛ فلا دولة في المجتمع الشيوعي؛ بل تحكمه عقيدة تجعل من العمل، عملا خلاقا حرا، عملا لخير المجتمع بأسره، عملا “يتحول إلى الحاجة الحيوية الأولى، ويحمل إلى الناس فرح الإبداع، وأسمى التمتع”(28). ولا شك أن الشيوعية بهذا المفهوم تمثل “حلم الإنسانية المزمن”(29)، ولكن، هل تملك النظرية الماركسية إمكانات تحقيق الحلم الإنساني بشيوعية تحرر الناس من الإكراه على الحياة في نمط يفرضه القاهر على المقهور؟ الشيوعية تحرر من القهر إذا لم تلد، ولادة شرعية منه. أما شيوعية الماركسية فهي مولود شرعي للقهر، هي حاصل الصراع الطبقي الذي يتنازع فيه القاهر والمقهور، في ظل النظام الرأسمالي، على أساس نظري قاهر، منغلق على ذاته بزعمه أنه الرؤية الصحيحة ـ الوحيدة ـ  للحياة الإنسانية؛ ومنغلق على ذاته، لحصره مفهوم الحياة الإنسانية في دائرة الإقتصاد، بينما الإقتصاد وجه من أوجه النشاط الإنساني، لا كل أوجه هذا النشاط المتعدد بحكم قانون التعدد الوجودي.

النظرية القمعية لا تعطي الحرية:

فالشيوعية التي تبشر بها الماركسية حالة مغلقة، تنتج من نظرية مغلقة، القهر أس خصائصها، لا ينفك عنها بحكم علاقة الولادة من رؤية منغلقة تدعي أنها الرؤية الوحيدة التي تقود حركة التاريخ الإنساني نحو “الحلم المزمن”.

وما الحلم إلا الحرية‍‍‍!!

والصورة الشاعرية التي ترسمها النظرية الماركسية للحالة الشيوعية هي صورة الحرية… ولكن نظرية قمعية لا تعطي الحرية… فالحرية انفتاح يطلق إرادات الناس المتقومة بوعي متحرر لا يقيد حركة الحياة بواقعة محددة، ولا بتصور قطعي ناجم عن واقعة محدودة. الحرية إبداع يجدد الحياة؛ والنظرية المتورطة في واقعة جاوزتها وقائع لاحقة، سلفية تغتال مكنة الإبداع وتنازع الحياة حق التجدد الذي ينطلق من الحاضر وحده.

ماركس منغلق أخلاقيا:

الحالة الشيوعية انفتاح يبتعثه منفتح، وشيوعية ماركس انغلاق نتحه منغلق أخلاقيا. والإنغلاق الأخلاقي خاصة تنشأ من تفاعل مجموعة صفات، أكدت شهادات عدة أدلى بها عارفون بماركس، أنها ـ مجموعة الصفات ـ متوفرة في صاحب نظرية الشيوعية الماركسية، وهي تدور على محور أناني واضح، جعل أباه، هنريك ماركس، يصفه بـ “أن الأنانية غالبة عليه”(29).

وقال الكاتب الماركسي أوتو راهل واصفا ماركس في كتابه عنه، أنه “كان على الدوام متقلبا مبتئسا حقودا”.

ووصفه باكونين بأنه “يحب نفسه أضعاف حبه لأصدقائه ومريديه.. وما من صداقة تصمد لحظة إذا مسته لحظة في غروره وكبريائه، وأيسر من ذلك جدا أن يغفر الإساءة أو الخيانة لدعوته الفلسفية ورسالته الإجتماعية.. فإنه ينظر إلى هذه الخيانة نظرته إلى علامة من علامات القصور العقلي أو علامات امتيازه على صديقه فيرى فيها نوعا من التسلية المرضية، وقد يكون هذا الصديق أحب إليه وأدنى إلى قلبه لأنه يأمن أن يكون مزاحما له في رسالته أو منافسا على القمة العليا في شهرته.. غير أنه لا يغتفر أبدا أصغر الإساءات إلى شخصه، ولا بد لك من أن تعبده وتتخذه وثنا تصلي بين يديه إن أردت أن يحتملك ويصبر عليك”.

أضاف باكونين عن ماركس: إنه “ينطوي على خليقتين ذميمتين: الغرور والغيرة”… وأنه “أناني يفرط في أنانيته لحد الجنون”.

ولم ير كارل شورز قط، على ذمته، “رجلا بلغ سلوكه من البغضة التي لا تطاق ما بلغ سلوك (ماركس).. كان لا يعير التفاتة واحدة لفكرة تخالف فكرته أقل مخالفة، وكان يعامل كل من يخالفه معاملة ملؤها التحقير والإزدراء، ويجيب على كل قول لا يعجبه إجابة قارصة تسخر من الغباء المطبق الذي يرمي به قائله أو تلوح له بالاتهام وسوء النية”.

وقال عنه تيشو: “لو كان قلبه في عظمة فكره، وكان حبه في قوة حقده، لاقتحمت النار معه”.

ودمغه إنجلز، شريكه في تأسيس النظرية الماركسية، بـ “جمود الطبع”.

والربط بين صفات أخلاقية، أو سلوكيات نفسية، ونظرية فكرية، مدعاة لإثارة اعتراضات ضد تعليق أهمية على منهج يحاول التوكيد على انغلاقية فكرة عقلية بانغلاقية مؤسسها الأخلاقية. إلا أن مثل هذه الإعتراضات لها مسوغها المشروع، إذا صح جواز الفصل الوجودي بين العقلي والنفسي ـ الأخلاقي أو السلوكي ـ في فعل واحد يصدر عن فاعل واحد. وإذا صح مثل هذا الفصل الوجودي على مذاهب تجيزه، فهو لا يصح على مذهب الماركسية المادي الذي يصدر عن مفهوم واحدي مادي للعالم، ينبغي له ـ المفهوم الواحدي المادي ـ أن يعلو على مفهوم التناقض، الذي يوحي، بذاته، بانفصال فاعلية عن فاعلية، ولكن إلى الحد الذي لا يلغي مقولة “وحدة الأضداد”. وبإعمال هذه المقولة، فإن فاعلية ماركس، وحدة أضداد: صورة الشيوعية المجردة عن مقدماتها ومتعلقاتها التاريخية: صورة الطلاقة الوجودية؛ والسلوكية الأنانية لماركس، مؤسس النظرية الماركسية المبشرة بالشيوعية، سلوكية المنغلق.

الشيوعية تضاد الأنا المغلقة:

ولكن “وحدة الأضداد” هذه، برهان جديد على انغلاقية الماركسية، فهي “وحدة” مستعصية على الجدلية المادية المتقومة بقانون التناقض؛ أو هي “وحدة” لاغية للقانون الجوهري في جدلية ماركس. فإن إعمال قانون التناقض في حالة هذه “الوحدة” ينتج، وبعد هدم الحالتين معا، حالة جديدة مركبة منهما، فما هي الحالة الممكن تخيلها لمركب عضوي من الإنغلاق وضده، أي: الإنفتاح؟ فإذا استحال تصور هذه الحالة، لطبيعتها الضدية  ـ والقضيتان تكونان متضادتين إذا كان من الممكن أن تكذبا معا، وإن لم يكن من الممكن أن تصدقا معا ـ استحال أيضا إمكان تطبيق قانون التناقض، جوهر الجدلية، عليها؛ وهذه الإستحالة برهان جديد على انغلاقية الشيوعية على المنهجية الجدلية، وبرهان على انغلاقيتها على فاعلية المبشر بها؛ فهي ـ الشيوعية الماركسية ـ  صورة ليس لها جذورها في سلوكية ماركس الأخلاقية. فالإبداع الإنفتاحي للشيوعي المتخيل، سلوك أخلاقي لا يناقض ـ التناقض علاقة بين قضيتين، يستلزم صدق إحداهما كذب الأخرى، والعكس بالعكس ـ الأنانية المغلقة، ولكنه يتضاد معه. والضدان ينغلق كل منهما على الآخر؛ والتضاد علاقة تكريسية للثنائية الإنفصالية وجوديا؛ والأخيرة غير مشروعة على مذهب شيوعي يعزز القيم الواحدية التي تستحيل بها الكثرة قوى بانية للفاعلية الواحدية، ومدافعة عن مقولة انكشاف الفاعلية الواحدية الكلية، في الفاعليات الواحدية الفردية؛ الانكشاف المتحقق بالعطاء الجماعي المطلق للفرد، بدوافع حب متغلغل في الوجدان ومنتش في العقل. لكن الحب، كما تدل شهادات العارفين بماركس، لم يكن متغلغلا في وجدان مؤسس النظرية الماركسية؛ ومن لا يحب، ويخلص للحب، لا تصدق دعواه بأنه المبشر بالجنة: الحلم الإنساني السامق؛ المبشر بالجنة هنا في الأرض، لا هناك في السماوات!

لماذا ينكر الماركسيون الله؟

ولماذا الجنة هنا على الأرض، لا هناك في السماوات المحيطة بالوجود على وساعته، بما فيه الوجود في ضيق الأرض؟ لماذا تنكر النظرية الماركسية جنة الوجود على وساعته، التي يبشر بها الدين الإلهي؟! لماذا ينكر الماركسيون الله، ولم يثبت في تاريخ التفكير الإنساني كله دليل على نكران الله، إلا دليل يخطىء تقدير الألوهية ويتغياها هوى يطابق هواه؟! وما اللازمة اللازبة عن مذهب المادية الذي تعتنقه الماركسية التي توجب إلغاء فكرة الوجود الإلهي، طالما كان الوجود المشروع هو وجود المادة هنا وهناك، والآن وقبل وبعد؟! وما الفرق بين مفهوم الماركسية هذا، ومفهوم بستبدل كلمة “الله” بكلمة “المادية”، فيكون الله هو الوجود المالىء للهنا والهناك، وللآن والقبل والبعد؟! لا فرق إذا ما كانت الطلاقة الفاعلية هي معيار الحكم. ولكن الفرق ناتج طبيعة الإنغلاق في النظرية الماركسية، المتعضونة مع انغلاقية مؤسسسها الأهم السلوكية؛ فإن الإغلاق على الإنسانية بمغلاق الصراع الطبقي الإقتصادي، إغلاق على فكرة الألوهية المنفتحة على كل “هنا” و”آن”، والمنفتح بها الإنسان على خيارات متعددة، يحقق بها كثرته، بكثرة إبداعية، تتأبى على الإنغلاق طالما تواصلت فيها، وبها، فاعلية الوجود؛ فإذا أكرهت على الإنغلاق، فقد أكرهت على الموت: فالموت إيقاع الإنغلاق.

تجربة أوين ـ التعاون لا التنافس (الصراعي):

ولولا خاصة الإنغلاق العامة في النظرية الماركسية، لكان في وسع صاحبها أن يبصر طريقا آخر إلى نفض أعباء الإستغلال عن كاهل العمال، وأن يسلم بأن الصراع الطبقي الدامي، ليس الخيار الوحيد، لا هو، ولا التفسير الإقتصادي للعلاقات الإجتماعية، باعتباره التفسير الوحيد؛ لولا خاصة الإنغلاق التي أغلقت مجال الرؤية الواسع أمام التنظير الماركسي، لكان في وسع الماركسيين أن يقرروا أن الصراع بين الطبقات والمؤسس على التفسير الإقتصادي للحياة الإنسانية، خيار من خيارات كثر، كان منها تجربة روبرت أوين (1771 ـ 1858م) المعاصر لماركس، القريب منه في الزمان والمكان، فلا يفصله عنه إلا الجمود على مذهب اعتقد – ماركس – أنه أصح المذاهب، أو أنه المذهب “الأكبر الأعلى” الذي تذيب شمسه ما دونه من مذاهب!

بنى أوين تجربته على عقيدة تؤمن بالتعاون لا بالتنافس (الصراعي)،  وعلى أن العلاقة السليمة بين العمال وأرباب العمل، هي علاقة التوافق لا علاقة التصارع، وأدرك أوين أن التوافق بين العمال وأرباب العمل مرهون بمراعاة التوازن بين مصالح الجانبين. وأثبت تجربته التي أشرف على تنفيذها، أن حفظ مصالح العمال وضمان حقوقهم المادية والمعنوية يعود بالفائدة على أرباب العمل كما يفيدون من صيانة المكنات وزيادة قدرتها على الإنتاج.

كان أوين يعتقد أن سعادة المجتمع ترتبط بالظروف السائدة فيه، وأن الإنسان لا يصنع شخصيته بذاته، ولكن شخصيته تتحدد بفعل البيئة الإجتماعية التي تحيط به. وقام أوين بتطبيق أفكاره على ألفين من العمال لديه في المصنع الذي كان يديره، وبنى إدارته على خطة قدر بها توقعاته لتحسين الإنتاج، وكانت الخطة التي تحققت بها التوقعات الإقتصادية، منهجا في الأخلاق يدار به العمل بأسلوب الرأفة بالعمال. ولهذه الرأفة مردود إقتصادي لم يسقط من حسابات أوين، ولكنه ـ المردود الإقتصادي ـ لم يكن العامل الأهم، ولم يكن تحقيق أكبر ربح لرب العمل هو الغاية في ذاتها، وكان تحقيق أكبر ربح ممكن غاية مشتركة للعمال ورب العمل على السواء؛ فالربح فائدة مشتركة تتقاسمها عوامل الإنتاج على قاعدة عدالة التوزيع، والعدالة مقولة أخلاقية حكمت أسلوب الإنتاج في تجربة أوين التي لم يلدها الصراع الطبقي، وإنما ولدتها الإرادة الأخلاقية لرب عمل، وعى أن خيرات الوجود حق (مشاع) لكل موجود، وأن الخير تصنعه إرادات متعاونة؛ وأثبت أن إرادة الخير لها وسيلة أخرى غير وسيلة الصراع الطبقي الذي تمركزت حوله النظرية الماركسية، وانغلقت به عليه.

ألغى أوين استخدام الأطفال تحت سن العاشرة في مصنعه، وزود أطفال العمال بما يحتاجونه دون مقابل، ونظم للعمال دورات تعليمية، ووفر لهم مساكن نموذجية، وخفض ساعات العمل اليومي من سبع عشرة ساعة إلى عشر ساعات، وألغى الغرامات المفروضة على الأعمال الفاسدة الناجمة عما يرتكبه العامل من خطأ غير مقصود، وشجع العمال على التدبير وحبب إليهم العناية بصحتهم، ولم يوقف عنهم صرف معاشاتهم عندما توقف مصنعه بسبب كساد عام 1806م لمدة أربعة أشهر.

هذه التغيرات المذهلة التي خالف بها أوين سياسة أرباب العمل في عصره، والتي أثبتت أن زيادة أجر العامل، وتحسين ظروفه المعاشية، وتوفير مناخ إنساني له ولأفراد أسرته؛ استحقت، وعن جدارة، شهادة عصره، أنه “أنجز المحال”، وأبدع نموذجا إجتماعيا مثاليا(30).

ليس يحق للنظرية الماركسية أن تدعي احتكار الحقيقة، بينما الحقيقة معطى مشاع للإنسانية جمعاء. وإذا كانت مزاعم الماركسية صحيحة فليس من أهلية صحتها تجاوز السور الفكري الذي شيدته في باطن العقل، وتحصنت خلفه، وتوهمت، وهي في منغلقها أن المنهاج الذي أخضعت له تاريخ الإنسانية، وعموم الحركة الوجودية، هو منهاج الحق المستعصي على الشكوك أو إحتمالات الشك فيه!

 

نقد الجدلية الماركسية

 

تفند تجربة أوين شمولية الماركسية التي يزعمها الماركسيون لنظريتهم في التاريخ الإنساني. فالعلاقة بين العمال وأرباب العمل ليست جدلية (صراعية) في كل الأحوال؛ فقد تأخذ صورا أخرى، كما دلت تجربة أوين. والتي دللت أيضا، أن الأخلاقية طبقة تفسيرية أعمق من التفسير الإقتصادي للتاريخ؛ فالأخلاق إبداعات تصدر مباشرة عن الكينونة الوجودية لٌلإنسان، بينما الإقتصاد إبداع أداتي دفاعي عن هذه الكينونة، ودون أن يستغرقها كما تستغرقها الأخلاق التي يتبلور فيها العقلي والوجداني والإرادي الإنسانية، والتي تمثل صورة انفتاح الفرد كله على الكل الوجودي كله. أما الأداء الإقتصادي فهو بعض الفرد لا كله، وهو انفتاح بعض الفرد لا كله.

ومحدودية االتفسير الإقتصادي للتاريخ، أو تفسير التاريخ، كما تزعمه النظرية الماركسية، بالصراع الطبقي؛ تستمد بعض سببيتها من محدودية المنهج الجدلي الذي اقتبسه ماركس عن هيغل، فاستخدمه في تفسير التاريخ الإنساني المادي، وهو ما لم يمكن إثبات صدقه “إلا عن طريق تشويه الحقائق: فالإعتراف بنمط للأحداث التاريخية شيء، واستنباط التاريخ من هذا المبدأ شيء مختلف كل الإختلاف”(31).

الصراع محور الجدل الماركسي:

كان هيغل يعول أهمية على دور الحرب في صياغة التاريخ، وزعم أن له قيمة أخلاقية تتفوق على القيمة الأخلاقية للسلم. ويعكس الجدل، عند هيغل وماركس، محورية فكرة الصراع. وهو عند الأول صراع بين أمم، وعند الثاني صراع بين طبقات. وفي كلتا الحالتين، فإن تركيز التاريخ حول محور الصراع، يدفع بالتطلعات الإنسانية نحو السلام إلى مواقع متدنية المشروعية، بحجية دعاوى تاريخية، تزود أنصار الحرب بمدد معنوي، هو في حقيقته سلاح حاد يغتال المعاني العظمى للإنسانية: الحب والعدل والسلام؛ معطيات إرادة الخير الواعية بالجذر الواحدي للوجود المشترك للناس جميعا، ولما هو أكبر من الناس.

الصراع تفسير غير مطلق:

ونشأت عن فكرة الصراع التاريخي مقولة التناقض بن الموضوع ونقيضه، واستعملها هيغل وماركس في وصف العلاقة بين الوقائع، وتجاهلا أن العلاقات بين الوقائع متباينة؛ فإذا كان بعضها تناقضي، فإن بعضها الآخر تعاضدي. فالعلاقات بين عمال أوين، ورب العمل أوين، لم تكن علاقات تناقض، عكس علاقات أخرى بين العمال وأرباب العمل.إن مقولة التناقض، وفكرة الصراع التاريخي، والجدلية برمتها، لا تسع الوقائع جميعها، مما يترك فسحة أمام العقل لطرح مبادىء تفسيرية أخرى للتاريخ والعلاقات الإنسانية؛ أو، بصورة أعم، رؤى فلسفية أخرى يحق لها الزعم أنها تشرف على جانب من الوجود الحيوي وغير الحيوي. والرؤى كلها عطاء عقلي انفتاحي؛ وبهذه الماهية، فهي مشروعة كلها، ولكن إلى الحد الذي تبدأ عنده مشروعية رؤية أخرى، وإذا تم تجاوز هذا الحد، فهو لا يتم إلا بمشروعية فاعلية واحدية، تتوسع بالكينونة الفردة بكينونة فردة أخرى، لا بالجور والشطب، وإنما بالإثراء الذي يأتي من طريق  الإنفتاح الإيجابي، بالغير، على الغير.

الحقيقة لا ينفرد بها فرد:

والرؤى الفلسفية التي تنماز عن الرؤى الفنية، تنماز بالإرادة العقلية. واتجاهات هذه الأخيرة متعددة، وليس منها اتجاه يحق له أن يزعم أنه وحده يمسك بالحقيقة التامة؛ فإن من شأن هذا الزعم أن يمثل حكما على مزعومه بالإنغلاقية. وما تدعيه النظرية الماركسية من انفراد بالحقيقة، هو انغلاق في وهم تبدده الأفكار الأخرى التي لا تسلم للماركسية بأنها تصوير نهائي حاسم للحياة وللوجود عامة، منبثق عن مبدأ الجدلية المستعار من هيغل ذي الفلسفة العقلية الصارمة الجافة؛ فإن الإعتراض الذي تسجله فلسفة كيركغور (1813 – 1855م) – مثلا – ضد فلسفة هيغل، هو في الوقت ذاته، اعتراض فلسفي على الحتمية التاريخية الماركسية – الراجعة أصولها إلى جدلية هيغل – ذات الطابع العقلي الضروري للوجود الإنساني التاريخي التي تنفي المشروعية الوجوية لاستثناءات تبدعها الإرادة في صيغ انفعالية تتمرد على الخط المستقيم للمنطق العقلي الذي لا يرى في مخارج العاطفة إبداعات وجودية لازمة عن الحياة ولها.

يعتقد كيركغور أن الحقيقة ذاتية فردية لا كلية مطلقة كما اعتقد هيغل وماركس عن التزام بالصرامة العقلية للمنهج الجدلي عندهما، المهيمن على فاعلية الإختيار الإنساني، المحددة له الطريق باعتباره كشفا عن مصداقية المبدأ الجدلي فحسب. فالحركة التاريخية لا تملك، وفقا لجدلية هيغل وماركس، حرية الخروج عن المسار الحتمي لها الذي رسمته لها مثالية هيغل أو مادية ماركس. أما كيركغور، فيلسوف الوجودية المؤسس، فقد رفض هذا الإتجاه الذي يخنق حيوية الوجدان، وحيوية الفعل الإنساني بدافع إرادي تلقائي.

“لقد وضع كيركغور الإرادة قبل العقل، وذهب إلى أنه لا يتعين علينا أن نكون علميين أكثر مما ينبغي في كل ما يتعلق بالإنسان. فالعلم، الذي لا يستطيع أن يبحث إلا فيما هو عام، لا يمكنه أن يمس الأشياء إلا من الخارج. وفي مقابل ذلك يعترف كيركغور بطرق التفكير “الوجودية” التي تنفذ إلى باطن الأشياء، وفي حالة الإنسان على وجه التحديد، يرى أننا نغفل ما له أهمية حقيقية إذا ما حاولنا فهمه بطريقة علمية، فالمشاعر النوعية الخاصة لأي فرد لا يمكن أن تفهم إلا وجوديا”(32).

الجدلية لا تفسر جميع وقائع التاريخ:

تتراجع أهمية الفرد في المذاهب التي تولي أهميتها الأولى للنسق الكلي، كما فعل صاحب الجدلية المادية، متابعا هيغل، وكأن النسق أو النظام الاقتصادي “هو الذي ينبغي التصدي له، لا الشرور أو الأضرار الجزئية”(33). فالجدلية – حتى في حال صدقها – استخلاص عام لنتيجة عامة، تكونان نسقا كليا، لا يصدق على كل واقعة بمفردها، ومهما زادت نسبة مطابقة القانون العام على الحالات الفردية، فإن هناك حالات تند عن هذا القانون، وتبطل دعوى وحدانيته كمبدأ تفسيري مطلق. فليست الوقائع الإنسانية جميعها قابلة للتفسير بمبدأ جدلي يحصر الأنشطة الإنسانية كلها في نشاط واحد، هو النشاط الاقتصادي، أو يردها إلى هذا النشاط على اختلاف دوافعها وألوانها. فما هو الدافع الاقتصادي وراء إنفاق أبي بكر الصديق أمواله كلها في سبيل الله؟ وما هو الدافع الاقتصادي وراء دعوة القرآن الكريم إلى “إنفاق العفو (وهو ما زاد عن الحاجة)” من المال؟ هذه وغيرها وقائع تاريخية، وهي، فوق ذلك، ظواهر تاريخية لازمت تغيرا تاريخيا أبدع أمة جديدة، قادت حركة الإنسانية قرون عديدة؛ ولم يحدث هذا الإبداع التاريخي على شروط الجدلية المادية، فلم يحصل عن تغير أساليب الإنتاج، ولم ينجم عن صراع طبقي؛ ولكنه كان إبداعا لفاعلية الاستجابة لدعوة “غيبية”، متنزلة من لدن وجود “ليس كمثله شيء”، وهي دعوة إلى “حياة غيبية” لا يرتكز الإيمان بها، والسعي إليها على برهان مادي، ولا برهان اقتصادي، ولا مبدأ جدلي؛ ومع ذلك، غيرت وجه الحياة، وبعثت حركة تاريخية جديدة مقدامة وواسعة.

الوقائع تصوغ نظرياتها التفسيرية:

والجدلية المادية التي تفسر التاريخ على أنه صراع اقتصادي بين طبقات، ينفجر التناقض بينها مع تغير وسائل الإنتاج، تصطدم – الجدلية المادية – مع وقائع تاريخية لا تتوافق كيفياتها مع المعيار الماركسي الصارم؛ هذه الوقائع المخالفة تسلب الجدلية المادية الاقتصادية مشروعية مطلقيتها، لا مشروعيتها على الإطلاق. فالجدلية الماركسية مشروعة في حدودها الخاصة، التي يتطابق فيها الواقع مع التفكير، باعتبار التفكير عقلنة للواقع؛ فالماركسية صحيحة بشرط توفر عناصر تكوينها، وهي ليست باطلة في غياب توفر عناصرها الموضوعية، ولكنها – في الحالة الأخيرة – ليست في الوارد؛ فالوقائع وحدها تصيغ نظريات تفسيرها، وتقرر مبادئها. الوقائع، التاريخية خاصة، أي ما تم وقوعه، لا تخلقها النظريات؛ فإذا سجل التاريخ وقوع تغيرات اجتماعية ابتدأت من المجتمع المشاعي البدائي، وتقدمت نحو المجتمع الرأسمالي، عبر مجتمعات العبودية والإقطاع، وأن هذه التغيرات نتائج حتمية لتغير وسائل وعلاقات الإنتاج التي فجرت الصراع الطبقي؛ فإن هذا التاريخ محكوم بالجدلية المادية الماركسية. على أن هذا لا يعني أن التاريخ الإنساني سيواصل التقدم، بحتمية جدلية مادية، نحو قيام مجتمع اشتراكي ثم شيوعي على أنقاض المجتمع الرأسمالي الذي لا بد له وأن ينهار نتيجة الصراع الطبقي بين العمال وأرباب العمل، على نحو ما تزعم الماركسية. إن ما يصدق على الماضي، لا يصدق – بالضرورة – على الحاضر والمستقبل. إن وقائع الحاضر، وما سيقع في المستقبل، أحداث متولدة من عواملها التكوينية التي تولدت منها وقائع الماضي. وقائع الحاضر والمستقبل كائنات لها تفردها عن كائنات الماضي، وجدلية الماضي ليست بالضرورة جدلية الحاضر والمستقبل؛ فالماضي ليس له حق الهيمنة – المطلقة – على الحاضر والمستقبل؛ فإن هذه الهيمنة سلب وجودي، وتعميم قانون يرجع نسبه للماضي، على الحاضر والمستقبل؛ هو سلب وجودي لكل من الحاضر والمستقبل لن يتحول – بالطبع – إلى حقيقة واقعية. ولكن قصد تحويله إلى حقيقة واقعية، يمنح جنينه الواعد بتفتح وجودي متجدد للحياة، يمنحه حق رد الهيمنة الفكرية السلفية إلى ما وراء حدودها.

العلم لم يقف عند زمان ماركس:

بيد أن هذه الحدود التي ينبغي على جدلية النظرية الماركسية التوقف عندها، لها بعد أفقي إلى جانب بعدها الرأسي، وعلى فرض صحتها، فإنها تصح في مدة، وفي امتداد؛ أي أنها تصح، ما صحت، بتطبيقها على تاريخ أمة – أو أكثر – من الأمم، لا على تاريخ الأمم كلها. لم تكن قد اجتمعت بين يدي ماركس مجملات التواريخ الإنسانية وتفاصيلها كلها. وأن يزعم ماركس، ومعه إنجلز، ومعهما من شاء، أنهم استوفوا دراسة دقيقة للتواريخ كلها، فإن هذا زعم لا يستقيم مع دعوى العلمية التي تحرص الماركسية على ادعائها. فالعلم، بحقوله كلها، لم يكن زمن ماركس قد استوفاه وأغلق الأبواب أمام تكشفات علوم جديدة، تسوق حقائق جديدة، أو تمنح معطيات أخرى. إن في الكتب تأريخ كثير، وليس كل تأريخ تأريخا؛ أي: ليس كل ما تحفظه الكتب الموضوعة في مادة التاريخ، تاريخا وقع في الواقع؛ فالمادة التاريخية أشد مواد العلوم عرضة للتزوير أو التحوير أو لهما معا. والمؤرخون القدامى كانوا جامعي حكايات تتداولها الأجيال من غير تحقيق لا من الأجيال المتتابعة ولا من المؤرخين لها، فلم يكن الأخيرون مؤهلين بأدوات تحقيق علمي يرجحون بها صدق الخبر من كذبه، والتاريخ ترجيح في أكبر جسمه، وهو ترجيح من المؤرخ المحكوم باعتبارات كثيرة قد لا تكون الأمانة والنزاهة والحيادية أهمها. فلا يؤمن إلى استنتاجات المؤرخين لدواعي بعضها ذاتي وبعضها موضوعي. وما وصل من التأريخ إلى مؤسسي الماركسية لا يبرأ من الشبهات الدائرة حول التأريخ كله، وأهم تلك الشبهات عقيدة المركزية الأوربية التي عكسها الفكر الأوربي، والتي توهم بها الأوربيون أن الحضارة هي حضارتهم، وأن التاريخ تاريخهم، وأن الحاضر لهم والمستقبل لهم، كل ذلك من دون الناس جميعا. وتبرز هذه المركزية الموهومة في النظرية الماركسية المبنية على جدلية خاصة بالتاريخ الأوربي، وبالحاضر والمستقبل الأوربي أيضا. ولدت الماركسية من وقائع تاريخية أوربية، واسترجعت الماضي الأوربي، واستبقت المستقبل الأوربي؛ فالرأسمالية، بصراعها الطبقي وأساليب وعلاقات إنتاجها ظاهرة حضارية أوربية، ومولود شرعي للنظام الأوربي الرأسمالي؛ وهو – المولود الماركسي – فرع عائلي منه؛ إذا صحت دعوى الماركسية فلا تصح إلا تحت سقف عائلة أمها وأبيها. الجدلية الماركسية محدودة الإمتداد الأفقي، صدرت عن تأريخ لبعض الإنسانية، وليس ثمة ضمانات تؤيد صدق المدونات التاريخية التي استندت إليها في صياغة نظريتها التي زعمت أنها تفسير للتاريخ الإنساني كله، هذا الذي لم يكن مطروحا، بمجمله وتفصيلاته على مائدة بحث ماركس وإنجلز، هذا المتباين في معانيه وتجلياته عن معاني وتجليات التاريخ الأوربي، حضن الماركسية وتراثها وأفقها ومصدر مشروعيتها ومقوم إبداعها. تاريخ أوربا تجليات للفاعلية الأوربية لا تجليات للفاعليات الإنسانية الأخرى، ذات الحق وذات الأهلية لتبدع تواريخها، ولتستقل بالنظريات التفسيرية لها، المتطابقة مع وقائعها ومع خصوصياتها وطموحاتها الحبلى بها؛ وكل حضارة حبلى بالطموحات المنمازة بشخصيتها المتفردة بموقعها الوجودي وعناصر تكوينها التاريخي؛ والزعم بأن جدلية الماركسية مبدأ يفسر مسار التاريخ الإنساني كله، هو مصادرة لمعطيات الوقائع التاريخية المتباينة عن معطيات الحضارة الأوربية، وشطب للتراث الإنساني غير الأوربي، وتضخم مرضي للذاتية الأوربية، يعمق العدوانية الملازمة للنظام الرأسمالي الأوربي النسب، ويعمق ، كذلك، حجة من يزعم انغلاقية النظرية الماركسية وجدليتها التاريخية، بحجة أن الماركسية تنغلق، في واقع الحال لا بالدعوى التي تروج لها، على الذاتية الحضارية الأوربية المتضخمة بالوهم وبالعدوانية الرأسمالية معا.

يهودية ماركس تؤهله للمادية:

وأوغلت الجدلية الماركسية في مسار الإنغلاق، بمحاصرة تفسيرها للحركة التاريخية بالدوافع الإقتصادية: “فبينما كان للمادية الجدلية قيمتها في إيضاح أهمية المؤثرات الإقتصادية في تشكيل حياة المجتمع، نجدها تخطىء حين تفرط في تبسيط الأمور على أساس هذه الفكرة الرئيسية”(34).

على أنه لم يكن أمام جدلية ماركس غير التوغل في الإنغلاقية التي عبرت عنها بمقولة التفسير الإقتصادي للتاريخ بضرورة تكوينها البنيوي المنبثق عن عواملها التكوينية الموضوعية والذاتية. فالأهمية المبالغ فيها للدور الإقتصادي في التاريخ، منعكس عن هيمنة العامل الإقتصادي على القيم الحضارية الأوربية المادية، أو على الأقل، عن محوريته المركزية التي تضخمت في عصر ولادة النظرية الماركسية، لتفاقم السلوك الرأسمالي الإستغلالي، وتضخم مشاعر الاستلاب المادي، وما يصحبه من استلاب معنوي لطبقة العمال، مما هيأ مناخ الصراع على المصالح الإقتصادية، الذي تأثر به ماركس وشارك فيه. ولكن ماركس، المؤسس الأبرز للنظرية الماركسية، لم يكن منفك الصلة عن تراثه اليهودي:

“كان ولا شك يهوديا في أعمق أعماقه، وكانت زمرته التي يأوي إليها على الأكثر من شذاذ اليهود، وأصحاب الفضول منهم، كما جاء في كلام “باكونين” عنه، وكان هو يتشبه بالأسلاف والآباء اليهود كما وصفتهم كتب التلمود، فيرسل لحيته ويطلق جمته ويحب أن يتراءى للناس كأنه أب من آباء العبرانيين في أيام إسرائيل الأولى”(35).

صاغت يهودية ماركس أهليته الذهنية المادية على قدر المساحة الكبيرة التي تفترشها الدوافع المادية في التراث اليهودي الذي لا تبرأ الحضارة الأوربية من خطيئة تضخيمها لدى اليهود، بتقويتها لشهوة المال عند اليهودي التي جاءت كرد يهودي دفاعي من خلف حصون العزلة التي عاش فيها اليهود الأوربيون، لأسباب أراد اليهود بعضها، وأكرهتهم المجتمعات الأوربية على بعضها الآخر. هل كانت نظرية ماركس، في جانب منها، إسقاط مشاعر يهودية قديمة تجاه البيئة التي مارست على اليهود سياسة قمع وإذلال؟ هذا فرض له ما يسوغه؛ فالمفكر، شأن كل إنسان، لا ينخلع عن وجدانه الذي يظل يعمل، جهرا أو في الخفاء، فيلون نشاطات صاحبه دون استثناء للفكر مما يتلون من نشاطات؛ وله ما يسوغه أيضا بالدلالة الصريحة على أن ماركس تمثل عنصرا هاما في التراث اليهودي، عنصر النبوءة، والنبوءة بماذا؟ النبوءة بالخلاص! كان الدور الأهم لأنبياء بني إسرائيل هو التبشير بالمستقبل الذي يتخلص فيه اليهود من نقمة الرب، وما زال اليهود ينتظرون المسيح المخلص من نقمة الرب. فهل تمثل ماركس عقيدة شعبه المرهونة بمبعث المسيح المخلص، وتمادى في هذا التمثل فظن أنه المسيح المنتظر، لكن، لا ليخلص اليهود من نقمة الرب، ولكن ليخلص الوجدان اليهودي من عقدة القمع والذل الناتجة مما أوقعته بهم المجتمعات الأوربية؟ وهل أسقط الوجدانية اليهودية المقموعة الذليلة على طبقة العمال التي كانت في عصره مقموعة بما يوقعه عليهم أرباب العمل الرأسماليين؟ أم هو استبطن واقع العمال البائس وحايثه وتماهى معه، فانحاز إليه نيابة عن يهوديته الموتورة ضد طبقة الرأسمالية الأوربية، التي زاحمت المادية اليهودية، وقصدت دحرها من ميدان المال كما دحرتها إلى سجون “الغيتو” الذي ظل اليهود وراء أسواره؛ ولم ينج منه ماركس ذاته، فصنع “غيتوه” المادي الإقتصادي، وجمح به الخيال، تحت وطأة عزلة نفسية تراثية، فتمثل دور النبوة المخلصة (بضمة على الميم وفتحة على الخاء وشدة على اللام المكسورة)، فجاءت بشارته الشيوعية جنة للبروليتاريا، وكأنه أراد أن يبشر بجنة خلاص اليهود؛ فالبلوريتاريا في وجدان ماركس، هم اليهود المقموعون المذلولون، الذين لا وسيلة لهم لمصارعة القمع والذل غير السيطرة على دولاب الإقتصاد، وهي الوسيلة ذاتها التي حرض ماركس العمال على الإستيلاء عليها إذا أرادوا الخلاص من واقع الاستلاب الوجودي الذي يعيشونه.

… ولم يفلت من دائرة اليهودية المنغلقة:

لم ينج ماركس من يهوديته، وقد يكون ذلك حدث رغم مشيئته الواعية. لم يفلت ماركس من اليهودية، ومن ثم، وقع أسير دائرتها المنغلقة، التي انعكست في النظرية الماركسية، وفي صورة المجتمع الذي يحلم الماركسيون ببنائه؛ المجتمع المحكوم بنظرية تدعي الشمول، وتدعي أنها حل الحلول، وتفرض دعاواها بوسائل القمع والإذلال وسلب الوجود؛ وكما اليهود هم “شعب الله المختار”، فإن النظرية الماركسية، لدى الماركسيين، هي “نظرية الله المختارة”؟! أسقط ماركس انغلاقيته، وانغلاقية يهوديته على المجتمع الذي تخيله والذي أغلق عليه الأفق كله  بنظرية زعم أنها معصومة عن الخطأ؛ لكنها انغلقت عليه، وقبل أن تنغلق على سواه. وبعد، هل نقول أن الجدلية الماركسية التي زعم ماركس أنها مبدأ يفسر الوجود كله، إنما هي إسقاط وجداني، تحايل بالعقل، ليصوغ العلاقة اليهودية الأوربية، والعلاقة اليهودية الإنسانية في نسق تناقضي جدلي، ينهار فيه النظام اليهودي المعزول، وينهار معه النظام الأوربي والإنساني، ليلد النظام الإنساني المحكوم بـ “الطبقة اليهودية” التي يسميها ماركس”طبقة العمال”، والتي تنبأ بانتصارها في صراعها ضد طبقة أرباب العمل، أو ضد النظام الأوربي، ومن ثم الإنساني كله؟ هل نقول هذا أم هو قول شطط؟ هو جائز، ولا نقول هو حق على القطع، فالقطعية منهجية انغلاقية؛ وإن أسوأ عيوب الماركسية، قطعيتها التي تعكس اعتقادا دينيا مغلقا، لا يبرأ بدوره، من أثر الديانة اليهودية على منهجية ماركس العقلية؛ لا يبرأ منها ورغم ما قد يقال: كيف هذا، واليهودية ديانة سماوية، والماركسية دعوة ملحدة؟ أقول: لم يبرأ ماركس من يهوديته، وفي هذه المسألة أيضا، فالماركسية لا تخالف اليهودية مخالفة جوهرية في مسألة الألوهية، فالرب في كلاهما هو المال، والوجود في تصوريهما هو الحياة الدنيا المنغلقة على ذاتها، والعقل لديهما رؤية منغلقة مكتفية بذاتها، فلا دين من الله إلا دين اليهود، ولا صح من العقول إلا عقل الماركسية!!

القطعية منهاج منغلق عادم:

المنهجية القطعية مغلاق الأفكار ومقتلها. وبهذه المنهجية المغلقة العادمة، تنبأ ماركس، وبحكم الضرورة التاريخية بزعمه، بسقوط الرأسمالية أمام اكتساح ثورة طبقة العمال لها، لتقوم المجتمعات الإشتراكية مقدمة للمجتمع الإنساني الشيوعي. ضيق ماركس على نفسه النبوءة فحددها في بريطانيا وألمانيا، بحجة نضج البيئة الصراعية بين العمال وأرباب العمل فيهما. لكن وقائع الزمان اللاحقة شددت على نبوءة ماركس قبضة التضييق، فتنامى النظام الرأسمالي في بريطانيا وألمانيا، ثم ابتلعت ألمانيا الرأسمالية سميتها الإشتراكية بعدما كانت – الأخيرة – قد أكرهت على الإشتراكية بالقهر المدجج بسلاح ثاني أكبر القوى العسكرية في التاريخ كله: دولة الإتحاد السوفييتي الماركسية السابقة. وتنامى النظام الرأسمالي العالمي وهزم النظم الإشتراكية الأوربية التي لم يقم نظام منها بنبوءة ماركس، والتي تصدعت بانهيارها النظرية الماركسية، التي رسمت خطا مستقيما ومتقدما لجدلية تاريخية مادية يتوجها المجتمع الشيوعي، فأبطلت الوقائع وهم التقدم نحو الشيوعية الماركسية، وأثبتت واقع تقدم الرأسمالية العالمية.

دونية وسيلة الصراع:

الحياة التي لا تتجدد تفنى. والأفكار تحيا بقدرتهاالتجددية. والتجددية لا تضاف إلى الأفكار، هي خاصة للأفكار المطبوعة على التجدد. وتتباين القدرات التجددية للأفكار على قدر تباين السعة الوجودية لها؛ أي: درجة تعمق الفكرة في الكينونة الوجودية لموضوعها. فالماركسية، المتموضعة بواقعة صراع طبقي محدودة في سعتها الوجودية، حصرت فكرتها في هذه السعة المحدودة، فلم تتعمق في كينونة واقعة الصراع الطبقي، فلم تتجذر فكرتها وجوديا، لذا، ظلت عائمة، في مواجهة حركة تاريخية أشد تعمقا في الكينونة الوجودية للإنسان، تتكشف بها دافعية التملك التي لم تنفك، ولن تنفك، عن إرادة الحياة. ودافعية التملك ليست أعمق أنسجة البنية الوجودية للإنسان، فهي لا تعدو صفة الأداة الحيوية للكينونة الوجودية الإنسانية، ولكن التملك أداة أوسع وجوديا من أداة الصراع التي تموضعت بها النظرية الماركسية، والصراع مستوى أقل عمقا من مستوى التملك في البنية الحيوية للكينونة الوجودية للإنسان، فالتملك لا يقع بالصراع وحده، ولا يبدأ من الصراع، والصراع وسيلة متأخرة لطلب التملك، تلجأ إليه الكينونة الحيوية عندما تنغلق أمامها فرصة تحقيق خاصة التملك بالأساليب الأدنى إلى المعنى الوجودي للتملك؛ فالتملك دفاعية وجودية حيوية، فإذا تيسر حفظ الحياة بدفاعية لا صراعية، كان هذا مدافعة ضد احتمالات الهلاك التي تنطوي وسيلة الصراع عليها. فالصراع تحد لكينونة أخرى تجور على كينونة المصارع، وجور الآخر يحمل إرادة حياة منقلبة على نفسها، فصارت إرادة موت للآخر؛ فإذا انتصرت هذه الإرادة المميتة للآخر، هلك الآخر، المصارع، فيكون طلبه للتملك بالصراع، طلبا للموت، وهذا ضد للحياة، الطالبة الأصلية للتملك بالصراع. إن الصراع وسيلة للدفاع عن الحياة الوطيئة للموت، والحياة ليست وطيئة للموت دوما، فهي أكبر من الموت، ووسائل طلبها أكبر من وسيلة طلب الموت، والموت أداة لها، ولكنه أداة للحياة عندما تشرف على الإنغلاق.

الصراع الطبقي دليل فساد الماركسية:

والصراع الطبقي في التحليل الماركسي قوة دافعة للتاريخ نحو التقدم، أي: وسيلة دفاعية للطبقة المقهورة تتحدى بها قهر الطبقة القاهرة، أو تتحدى عدوانية الطبقة القاهرة السالبة لحق كينونات أخرى في ممارسة تامة للوجود، بالجور على مساحة من الحق الوجودي للآخر وامتصاصها في “الأنا” التي تتضخم بهذا الإمتصاص، ويتفاقم تضخمها، وفقا للتحليل الماركسي، حتى تصل تخوم الإنفجار الذي تغدوه حركة طبقة العمال الثورية، الكاشفة لقانون التقدم التاريخي عبر الصراع الطبقي، تقوم الحركة العمالية بدور تاريخي حتمي، دور قدري، لمواجهة وتدمير العدوانية الإقتصادية، ذات الأبعاد الإنسانية، أو لتحرير “الأنا” من عدوانيتها على “الآخر”، حيث “الأنا” هي الطبقة المهيمنة اقتصاديا، و”الآخر” هو الطبقة المسخرة اقتصاديا لمصلحة الطبقة المهيمنة، ويتواصل الصراع بين الطبقتين إلى أن تنتهي ظاهرة الطبقية الإقتصادية، ويلد المجتمع الشيوعي، الذي تتحرر فيه “الأنا”، وإلى الأبد، من عدوانيتها الإقتصادية، التي تفسر، من وجهة النظر الماركسية، كل الأشكال العدوانية الأخرى.

الصراع الطبقي هو أداة التحرر من عدوانية الرأسمالية، هذا ملخص الجدلية التاريخية الماركسية، وهو دليل فسادها. أما دليل الوقائع فقد أثبتته وقائعة انهيار التجارب الماركسية في السنوات الأخيرة، ورغم كل ما يدعيه أنصار الماركسية من أن وقائع انهيار النظم السياسية للماركسية لا يدل على فساد النظرية التي قامت على أساسها، أو باسمها، النظم السياسية الإشتراكية، رغم هذا الادعاء، فإن الراجح لدينا أن فساد التجريب يعكس فساد النظرية، وأن الفساد داء عضال، حل بالمقولة التي تلخصها، وتفشى منها إلى الجسد كله. لقد خال للماركسيين المؤسسين والتابعين أن نهاية الصراع لا بد وأن تؤول إلى المجتمع الشيوعي الذي تتفجر فيه كل طاقات الحياة الإنسانية، وتتحقق به أقصى درجات الحرية، وترفرف عليه راية سلام تلف أرضه وسماواته. بكلمات قلائل، المجتمع الشيوعي الماركسي كل يملك الفرد ويملكه الفرد. ولكن، ما مأتاه؟ مأتاه حرب ضارية يتغيا مفجروها الحياة بأداة تملكية لا تستغرق الأدوات التملكية كلها، وهي أداة لاغتيال الحياة بمغامرة قد تهلك بها حياة الأطراف المشتبكة بنار وطيس، كلها. وما مأتاه حرب، هل يأتي منه سلام؟!

نظرية محدودة لا تبدع مجتمعا منفتحا:

على وفق ما تنبأت به الماركسية، تنتصر طبقة العمال على طبقة أرباب العمل، بواسطة صراع ينتهي بسيطرة طبقة العمال التامة على المجتمع، وتحكمه بالنظرية الماركسية التي تلغي كل نظرية سواها؛ أي: يؤول الحكم إلى رؤية مغلقة، تمارسها طبقة مغلقة، ويؤول إلى نظام قامع لكل قوة تحاول أن تعبر عن حيويتها الوجودية التي لا تلتزم معايير وحدود الحيوية الوجودية الماركسية، وإنما تلتزم تحقيق إمكانات وجودية لا تحصرها الحدود الزمانية والمكانية التي أنتجت النظرية الماركسية وأنتجت لها أفقها الوجودي الخاص الذي لا تملك تجارب ترجمتها في الواقع أكبر مما تعطيه الإمكانات النظرية أو إمكانات الولادة الفارقة. فالصراعية التي تطلب الماركسية الحياة بها، لا تستغرق الحياة الحياة، والنظرية التي تعطي الصراعية مشروعيتها الوجودية، لا تحوز مشروعية وجودية مطلقة، بحكم محدودية ولادتها، ومحدودية أفقها، ومحدودية أداتها، فكيف لنظرية محدودة كل هذه المحدوديات أن تبدع المجتمع الشيوعي المنفتح إلى غاية الإنفتاح؟‍ كيف يلد من حرب دامية(ضد الظلم) سلام ينهي عصور الظلم وإلى أبد الآبدين؟ هل تلد الحرب السلام، هل يلد الضد ضده؟!

الحرب لا تلد السلام:

لم يثبت في التاريخ أن ثمة سلاما  كان مولود حرب، و‘إذا  كان للحرب مولود فهو الاستسلام لا السلام، والاستسلام حالة ذل يقبلها الناس على كراهية، وتحت سطوة سوط القهر وأداة الهلاك؛ ويقبل الناس ذل الاستسلام عندما تفرضه عليهم قوة غشوم مغلقة، ولا تستطيع حركة منغلقة على ذاتها بنظريتها المنغلقة، لا تستطيع إلا تصدير الطبيعة المنغلقة عندما تملك حرية التعبير عن خاصتها المطبوعة بها عليها. وعندما تمتلك حركة طبقة العمال زمام حكم المجتمع بالصراع، فإنها تمتلك حرية التعبير عن طبيعتها المنغلقة، بأسلوب يغلق على حركة الحياة وسائل التعبير عن إمكانات الحياة الإنسانية، ولن تمتلك حركة طبقة العمال عند سيطرتها على مقاليد المجتمع، لن تمتلك حرية سوى الحرية التي تتكشف بها انغلاقيتها، فلا تمنحها طبيعة تكوينها غير صورة منفردة للتعبير عنها؛ فالإنغلاقية عقيمة إلا من الإنغلاق، والإنغلاق عقيم ولو أنجب ألف ولد وبنت؛ ولن ينجب الحب، ولن ينجب العدل ولا السلام، القيم التي تقيم المجتمع المفتوح إلى أقصى مداه الوجودي لا المحدود بوقائع معينة لها ظروف ولادتها وظروف تناميها الخاصة، ولها إمكاناتها المحدودة عندما تنعكس على صفحة الوعي وتصير نظرية؛ ولكنها لا تصير النظرية الوحيدة التي تصدق على التاريخ الإنساني كله، الماضي والحاضر والمستقبل.

النظرية التي لا ترى الحياة الإنسانية إلا وسائل إنتاج، ولا ترى السلام إلا السلام المفروض بالصراع، نظرية لا يصلح رحمها لنمو جرثومة السلام؛ فالسلام والإنغلاق ضدان، تضاد الحياة والموت: الحياة الزاخرة بالأشكال والألوان، التي تسع كل اجتهاد، الحياة القادرة على اجتياز حدود الدوائر المنغلقة، لأن الدوائر المنغلقة حالات موات، والحياة، بماهيتها، موت الموات، والحياة التي تمنح من ذاتها بعضا لهذا الكائن أو ذاك، تمنح بالعدل، وليس من طبيعة العدل أن يجور فكر على ما سواه من الأفكار، فيزعم أنه الحقيقة كلها، وهو زعم يكذبه الواقع، ويرده إلى حدوده المشروعة له، ولا يشرع لكائن أن يتوسع في الوجود إلى ما وراء ما تؤهله له عوامل تكوينه؛ فلا يشرع للماركسية ادعاء السعة الوجودية بما يفوق عوامل تكوينها التاريخية المقيدة بتاريخ نشوئها، وهو تاريخ مربوط بالمكان والزمان الخاصين بها.

 

 شيوعية ماركس حلم معزول عن الوقائع

 

إن الشيوعية الماركسية صورة أخاذة، غذت أحلاما إنسانية عريقة، وشحذت إرادة مواجهة عدوانية الرأسمالية، بخيال جامح شطب حقيقة التاريخ الإنساني المنقضي، وبشر بالسلام الأبدي، وبالبداية الحقيقية للتاريخ الإنساني؛ هذا الخيال، داعب أملا راقدا في  الطبقة الجوهرية للتكوين الإنساني، ونشط مفهوما للوجود له أنصاره الكثيرون بين محبي الحب ودعاة العدل والمسلمين للسلام. فعلت صورة الشيوعية ذلك، ودفعت إلى تغيير الوقائع، وانتصرت في معارك عديدة، وهيجت مشاعر الثورة لدى المقهورين في أرجاء المعمورة… ومع ذلك كله، فالشيوعية الماركسية صورة شاعرية، لها حق في الوجود المستخال لا في وجود الأعيان. الشيوعية في المساق النظري الماركسي حلم معزول عن الوقائع، أو هي حلقة منغلقة على ذاتها، تعكس انغلاقية الماركسية وتوكدها؛ فالمسار التاريخي الجدلي المفترض أن يتأدى إليها، يفترض أن يتجاوزها أيضا؛ ولكن الجدلية الماركسية تجعل من الشيوعية مغلاقا للجدلية التي تقرر انهيار كل نظام كائن بفاعلية إفرازه لنقيضه، أما الشيوعية الماركسية فلا تلد نقيضها الذي يهدمها، ولكنها تلد، وعلى الدوام، إمكانات تجددها واستمراريتها المطلقة.

شيوعية ماركس صورة شاعرية، ترسم بلغة مخالفة للشعر الفني لوحة راقصة لحالة تهتز لها مشاعر المقهورين أجمعين؛ ولكنها، ومثلما هو الشعر كله، لا تقدر على شيء، غير هز المشاعر، وتحريك الأمل في مرقده… أما تحقيق عالم الحب والعدل والسلام، فيحتاج، مع الشعر، إلى رؤية منفتحة على الوجود كله، لا تنحصر في المضائق التاريخية!!

 

هوامش

 

(1)  أفانا سييف، أسس المعارف الفلسفية، ترجمة عربية، دار التقدم، موسكو، 1979م، ص 234، 235.

(2)  المصدر السابق، ص 21.

(3)  نشر بداية عام 1848م.

(4)  الموسوعة الفلسفية، الترجمة العربية، بيروت، ط 1، 1974م، ص 89. وهي تتناول موادها من وجهة نظر ماركسية صريحة.

(5)  المصدر السابق، ص 250.

(6)  رسل، حكمة الغرب، ج 2، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983م، ص 229، 230.

(7)  سييف، مصدر سابق، ص 23.

(8)  الموسوعة..، مصدر سابق، ص 545.

(9)  سييف، مصدر سابق، ص 255.

(10) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 404.

(11) المصدر السابق، ص 545.

(12) سييف، مصدر سابق، ص 25.

(13) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 538.

(14) روجيه غارودي، النظرية المادية في المعرفة، ترجمة إبراهيم قريط، دار دمشق، دمشق، د. ت.، ص 30، مقتبس عن: ماركس، رأس المال، الجزء الأول، مقدمة الطبعة الثانية، 1872م.

(15) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 529.

(16) غارودي، مصدر سابق، ص 31.

(17) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 130.

(18) سييف، مصدر سابق، ص 255.

(19) المصدر السابق، ص 79.

(20) الموسوعة..، مصدر سابق، ص 147.

(21) المصدر السابق، الصفحة ذاتها.

(22) أنظر: المصدر السابق، والصفحة ذاتها، و: سييف، مصد سابق؛ وهو يتناول قوانين ومقولات الماركسية بالتفصيل.

(23) سييف، مصدر سابق، ص 83.

(24) المصدر السابق، ص 82.

(25) فانا لييف، المادية الديالكتيكية والعلوم الطبيعية، ترجمة: هنري دكر، دار الجاهير، دمشق، بالاشتراك مع: دار الفارابي، بيروت، د. ت.، ص 162.

(26) أوردها: Popkin, Stroll, Philosophy, Made simple books, W.H.Allen,London, 1969, p. 83.

(27) عالجنا انغلاق اليهودية في: رؤية دينية للدولة الإسرائيلية، دار الفرقان، عمان، 1984.

(28) نيكيتين، أسس الاقتصاد السياسي، الترجمة العربية، ط 2، دار التقدم، موسكو، 1974، ص 501.

(29) عباس محمود العقاد، الشـــــيوعية والإنســانية، المكتبة العصرية، بيروت، د. ت. ص 62. ونستند إلى هذا المصدر عند نقل شهادات العارفين بماركس أو كتاب (جمع كاتب) سيرته التي أورها العقاد في فصل “صاحب المذهب”، ص 28 وما بعدها.

(30) H.L. Bhatia, History of economic thought, Vikas Publishing House,New Delhi,  third edition, 1981, p.262.               (31) رسل، مصدر سابق، ص 175.

(32) المصدر السابق، ص 195.

(33) المصدر السابق، ص 229.

(34) المصدر السابق، ص 232.

(35) العقاد، مصدر سابق، ص 64.

 الموضوعات

 

فاتحة                                                                 ص 1

التجارب الساقطة تناهض الشاعرية                                   ص 2

عوامل التكوين الماركسي                                             ص 7

الإستجابة للواقع  (ص7). ماركس من المثالية إلى المادية (ص8). طبقية الماركسية (ص9). التناقض أو وحدة وصراع الأضداد (ص10). الصراع لازمة للأنا العدوانية (ص12). التفسير الفاعلي للوجود (ص13). القهر مذبح المجتمعات (ص13).

انغلاق الماركسية                                                    ص 15

انغلاق يلد انغلاقا (ص16). شيوعية ماركس جنةاليهود (ص 17). إباحة المال؟! (ص17). غيتو ماركس (ص18). شيوعية ماركس مولود شرعي للقهر (ص18). النظرية القمعية لا تعطي الحرية (ص19). ماركس منغلق أخلاقيا (ص19). الشيوعية تضاد الأنا المغلقة (ص20). لماذا ينكر الماركسيون الله؟! (ص21). تجربة أوين ـ التعاون لا التنافس (الصراعي)  (ص21).

نقد الجدلية الماركسية                                               ص 24

الصراع محور الجدل الماركسي (ص24). الصراع تفسير غير مطلق (ص24). الحقيقة لا ينفرد بها فرد (ص25). الجدلية لا تفسر جميع وقائع التاريخ (ص25). الوقائع تصيغ نظرياتها التفسيرية (ص26). العلم لم يقف عند زمن ماركس (ص27). يهودية ماركس تؤهله للمادية (ص28). ..ولم يفلت من دائرة اليهودية المنغلقة (ص29). القطعية منهاج منغلق عادم (ص30). دونية وسيلة الصراع (ص30). الصراع الطبقي دليل فساد الماركسية (ص31). نظرية محدودة لا تبدع مجتمعا مفتوحا (ص32). الحرب لا تلد السلام (ص32).

شيوعية ماركس حلم معزول عن الوقائع                            ص 34

هوامش                                                              ص 35

 

***********************************

 

تمت في: اليمن – صنعاء – بتاريخ: 27 ربيع الثاني 1413هـالموافق 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1992م

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s