تجليّات الأمل – جماعة الواحديين: المبادئ

الدكتور حسن ميّ النوراني

alnorani@live.com

 

*****************************************************

إهداء

إليكن أيتها العيون الناعسات

أيتها الأزاهير الغواني يا سنابل يا نضرة

أيها الموج العاتي والقارب

يا أيها الصدر المفعم بالأمل

يا أمل

يا مناط الشوق وانبعاثه

يا بهجتنا وحريتنا وسعادتنا وجمالنا وسلامنا

يا كينونتنا الواحدية

 

*****************************************************

 

الدكتور حسن ميّ النوراني

(دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس الروحي)

 

أستدراك:

رسمت هنا مبادىء لجماعة حلمت بها ولم أزل.. وتعود هذه “المبادىء” إلى مرحلتي الفلسفية الواحدية التي تقدمت منها نحو مرحلتي الفلسفية النورانية التي لا تتعارض مع فلسفتي الواحدية ولكنها تتقدم بها.. ولتقديري لقانون التطور الذي لا تنجو منه كيانية وجودية فإنني لن أتدخل في النص الذي أبدعَته لحظة مغايرة للحظتي الراهنة للتأكيد على أن لكل كيانية وجودية حق في التجلي. وأحسب أن “مبادئي” وفلسفتي بكل مراحلها هي نضال يتطلع إلى التأكيد على هذا المبدأ..الأمل..

 

اعترافان:

1- حملت الدعوة إلى “جماعة الواحديين” من دار غربتي الطويلة إلى شيء من وطني المسمى غزة عند عودتي إليها قبل ما يزيد عن سبعة أعوام.. لكنني وجدت أن “الشيء من الوطن” ضيق لا يحتمل دعوة لعقا منفتح مستنير.. ولكن إيماني العميق بدور الوجدان العقلي المستنير قاوم “ظلامية الأهل” بحب خالص وواع فدفعتني واقعية غزة إلى تطوير روحانيتي نحو “النورانية”.. كانت هذه مكافأة الحب الذي لا تهزمه الظلامية!!

2- تقف تجربة حب مرت بي سريعا وراء تجلياتي الروحية التي تكشـّـفت خلال شروحي للمبادئ التي كنت قد وضعتها في فترة سابقة وظلت في صيغتها المختصرة الضيقة إلى أن ظهرت في حياتي “أمل” المرأة التي اختفت على عجل ولكنها ظلت روحا تتجلى فيما تتضمنه هذه التفلتات من الضيق الذي كان يحاصرها.. ليبقى المجد لشموس الحرية وأقمارها المتجددة كل صباح وكل مساء!!

واعترافا بفضل الحب فإني أضفت إلى العنوان الأصلي لهذه “الرسالة” والذي هو “جماعة الواحديين – المبادىء”  عنوان “تجليات الأمل” وجعلته عاليا مقدَّما.. إن حقَّ الحب أن يظل عاليا مقدَّما!!

 

دير البلح – غزة – فلسطين

4/1/03

 

جماعة الواحديين – المبادئ

—————————————————————————–

الواحديون جماعة فرشها الحب والعدل قوامها والسلام عقيدتها

*

الفردية وجود ذو مشروعية تامة الحقوق

*

الوجود التام وميض حاضر

*

الوجود مشاع لذاته فردياته تحققاته

*

جور الفردية على الفردية جور على الحقيقة

*

الوجود ينفتح على الوجود بالفرد المنفتح بالحرية

*

حرية الوجود تبدع الجمال

*

الوجود واحد لا ينقسم والكثرة تنوعات الحرية على الأصل الواحد كما الصفر لا ينقسم ولا يزيد

*

التباين حق لا يشطر الواحد

*

الظلم جمود في زمان متدفق

*

الوجود فاعل والفاعلية فعل وفعل وفعل..

*

الواحدية رؤية العقل المتدفق وحلمه.. هي الأمانة والرسالة

*

العقل الواحدي أصلي مطلق يسري في المفاصل ويتنامى في الخلايا وبها

*

تُشعل الصلاة ومضا من ومض وتصْلي الحدود فيستنير بعقل المحبين ظلام الوجود

*

الزكاة إنماء والإنفاق بذل إلى فوق البذل

*

سياحة الروح صمت لا يشوبه تعلق

*

كلما تورّد الحب على الوجنات وفي العيون نما الزرع وتفتحت الأزاهير والسعادة إبحار في المحض

*

صوفي هو الواحدي وعاشق يراقص الشعر

*

واسع هو الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار

*

الواحديون أمة مشرعة الأبواب لشمس لا تغيب وقمر لا يرحل

*

 التعلم فض بكارة ودم يروي ظمأ البادرات

*

التربية تنقية لبن الأصل القديم وتحلية بالعسل

*

الصدق والشجاعة خلق واحدي مطبوع وعقد منقوش من الياقوت والياسمين على جيد الحسان

*

الحقيقة فضيحة الجمال وبراءة العرْي في نغم الصبح

*

الكرم زينة الذين يكنزون الشقاء جهلا

*

القانون نبض الواحد الكبير يواسي المبتلى ويبدد الأباطيل

*

الأسرة جوار محمود والأبوة معطاة جمعية تحنو وتستولد ذاتها

*

الموت حياة في حيوات وعشق سائر

*

الخير واحدي.. الواحدية سلام يبدعه المحبون

*

الواحدي فرس وفارس لا يرده البرد القارس عن نضال الجائر

*

الدين السلام والحرية وثمر الأرض حق الكل وغرسها واجب الكل

*

وإنْ غدت المنازل مشاع الموسيقى فاح الشوق من الحنايا فلا أبواب ولا سِتْرا.. الفضيلة الحرية الفضيلة الحرية.. الفضيلة صدق البراءة البكر وطلاقتها

*

الحب سبع سماوات وسبع أرضين وأكبر والكريم كريم محرابه

*

يبدع كل ومضٍ الواحديةَ واحدا يلج في واحد لتزغرد واحدية غضة زغرودة النصر المتجدد

*

الحقيقة منثورة في الأرض والسماوات محمولة على آنات الزمان

*

الله حق والنبوة حق والحق كائن بكينونة

*

الكل واحد والفاعلية سرمدية

*

إذا انغلقت آن في آن تلاشت

*

إذا انفكت آن عن آن بددتها الريح

*

أيها الواحديون.. رضاً رضاً وازخروا بالشوق واستنبتوه.. قولوا سلاما رددوه وامضوا.. إصنعوا سلاما وغنوا له.. أيها الأماجد الذين يبدعون المطلق وتبدعهم الحرية.. أيها الروح التي لا يستذلها الملك فلا تقبض عليه إلا وميضا..

الواحدية سلام يبدعه المحبون..

 

الحب جمال الكينونات. الحب فعل خالق، يبدع السلام. والواحدية – التي نتبنى هنا الدعوة إليها – سلام يبدعه المحبون؛ يبدعونه بعقل واع بالحقيقة الواسعة العميقة للوجود، المنطلق بالحرية في أفق الفاعلية المتجددة ومضا من ومض، وكينونة من كينونات.. فلا جمود فالجمود هلاك.. والوجود حياة متدفقة منذ الأزل وإلى الأبد.

ومنذ كانت الكينونات، كان الحب هو الأصل وهو المنشود. منذ كان الإنسان، كان الحب مذهبا لأولئك الذين يؤمنون بالسلام للكل، في رحاب الكل النضر الواحد. وجماعة الواحديين، كما نراها، إبداع لمذهب الحب القديم المتجدد، المفتوح على الأصل الواحد، المنطلق بالشوق إلى التحقق التام بالواحدية الخالقة.

الواحدية – في دعوتنا – أزاهير غرسها الحرث العتيق للأرض المفتوحة على السماوات اللامتناهية المدى، بسواعد وأرواح كثيرة ساهم كل منها بعطاء ما زال يجدد ذاته، ويواصل التنامي..

الواحدية، وجماعة الواحديين، حلم عريق.. ما زال غضا.. ومن غير الأحلام العظام، فالحياة عقم.. لكن الحياة ولود..

ها هنا دعوة إلى ولادة جديدة من حلم عريق.. هذه دعوة إلى جماعة الواحديين؛ الحضن الدافىء لبادرة الحب والعدل والسلام.. لنناهض جهالة العدوانية.. وننشد الخلاص من مأزق الوجود.. لنحرر الإنسانية من مأزقها الآسن.. لندفع حدية الهلاك إلى وساعة الحرية المبدعة للجمال..

لنمتلىء بالحياة المزدهرة بالوجدان العاقل.. بحياة لا تنهكها الأبواب والنوافذ المغلقة..

لننطلق.. بالأمل الكبير.. في الوجود الكبير..

لننطلق.. بالمجد.. للخلود..

فلتتجدد.. بالواحدية.. بجماعة الواحديين.. الشمس والأقمار.. فليشرق الحب والبناء والعدل والسلام والحرية والجمال..

وسلاما أيتها الصاحبات أيها الصحاب.. سلاما؛ سلاما لكم.. سلاما منكم لكم..

 

صنعاء: أول أيام عيد الأضحى – 21 مايو / 1414هـ – 1994م

تجليات الأمل (جماعة الواحديين – المبادئ)

 

(1) الواحديون جماعة فرشها الحب.. والعدل قوامها.. والسلام عقيدتها..

فاعلية الإنسان المحضة هي الحرية. والحب أساس الحرية. الحب فاعلية كل كائن، وهو علاقة استمرارية الكائنية؛ فما دام الكائن مستمرا فهو مستمر بالحب. الحب هو علاقة الإمكان بالتحقق،علاقة الأم بالإمكان بالأم بالولادة. الوجود كله إمكانات وتحققات: إمكانات كائنه، وتحققات تجدد الوجود وتبعثه من ذاته وتخلق إمكانات جديدة. ولما كان الوجود هو فاعلية صيرورة الكائنات إلى تحققات؛ فإن الحب هو نسيج الوجود الحيوي [الحركي] كله. إن صيرورة الفاعلية الوجودية هي فعل الحب، هي إبداع الحب. الأم إبداع للحب: حبها للرجل حبا طبيعيا نفسيا، حبها لأن تصير أما بالتحقق، حبها لموضوع أمومتها؛ حبها لاكتمالها الوجودي، لتحقق إمكاناتها الوجودية الأنثوية.. هذا الحب، بتنوعاته، هو الذي بصنع من المرأة أما، ويصنع، بها منها، خلقا جديدا بالتجدد الوجودي: تحققا متجددا من إمكانات كائنة. يبدع الحب من المرأة إمكانات متجددة لتحققات مأمولة.

نحن، فردا فردا، إبداع الحب. الحب يملأ كينونتنا، هو كينونتنا، الحب خالقنا. فكيف يصير هذا الحب، ذو الوجود الصميمي في كل فردية، حبا جماعيا؟ كيف نحقق حرية فاعلية الحب على مستوى الإجتماع الإنساني؟ يكون ذلك ممكنا إذا صار الحب فرشا إجتماعيا.. الواحديون جماعة فرشها الحب.. جماعة الواحديين ليست حزبا؛ الحزبية نسقية منغلقة، بينما الواحدية رؤية منفتحة على بكل كائن، على مطلق الوجود: على كائن. الواحديون جماعة منفتحة على مدى صفحة الزمان والمكان إلى أقصى الوساعة. الواحدية شعار كل الذين يؤمنون بالحرية الفاعلة بالحب. جماعة الواحديين تفترش الحب ولكنها لا تلتحفه؛ الحب قاعدة لكنه ليس سقفا دون السماوات الذرا.. سقف الواحدية هو السلام؛ والسلام سقف من البلّور الصافي اللطيف، السلام ليس حدّا أو نهاية؛ هو، ومع كل آن، بداية متنامية.. وراء السلام لاشيء، هو غاية الغايات؛ أليس الله هو السلام؟! أليست الجنة دار السلام؟! أليست التحية بين الناس سلاما سلاما؟! ولا يقوم سلام أصيل وحقيقي كامل مع التحزب. الواحديون جماعة وليسوا حزبا ، لأن الواحدية رؤية العقل المنفتح بالحب الفاعل؛ المنفتح بالحرية المبدعة للسلام. إنغلاق الفردية على ذاتها مشكلة المشاكل؛ حبس الفاعلية في كيانية مغلقة مضاد لطبيعة الفاعلية المطلقة. وعندما تجابه الفاعلية حالة انغلاق، فإنها تكون قد أكرهت على مضادة طبيعتها المطلقة، وبحكم طبيعتها المطلقة الأصلية، بضرورة لا مهرب منها، فإنها لا تملك إلا أن تفلت من طروء الكراهية فيها؛ فتلغي حالة الإنغلاق [= الموت]، لتستأنف حرية طلاقتها؛ وهي تستأنف طلاقتها بفاعلية الحب: حب الممكنات لتحققاتها. الحرية إمكان وجودي أصيل، هو الفاعلية الوجودية المطلقة. السلام هو تحققات إمكان الحرية. لن يقوم سلام بين اثنين يتصارعان على رغيف خبز واحد؛ يتصارعان ليأكا أحدهما الرغيف كله. لن يقوم سلام إذا كان ثمة صراع على من يرهن نفسه ويسلمها للإذلال من قبل ما هو ملك له؛ أي من قبل ما يطلب إمتلاكه. يقوم السلام بين أولئك الذين يملكون – ملكا جماعيا – رغيفا بقتسمونه بالعدل. السلام لا يقوم بغير العدل بين الناس جميعا. العدل قوام السلام؛ العدل قوام جماعة الواحديين والسلام عقيدتها. يومن الواحديون بالسلام لأن السلام – وحده – هو الذي يحقق إمكانات الوجود الأصلية: الوجود الواحد، الفاعل، الحر.. الوجود الذي هو لنا كلنا، فردا فردا، لنا معا، وعلى قدر سواء. والسلام عقيدة تنبت في أرض الحب. فإذا كان الحب أساس بناء الجماعة، فإننا سنقتسم الرغيف الواحد بعدل تام، سنقتسمه بدوافع أصيلة، بغير صراع.. سأقتسم معك اللقمة لأني أحبك.. أحبك يا ابن أمي وأبي.. أحبك لأنك تحقق وجودي الأصلي الواحد؛ كما أنا أيضا أحقق لك وجودك الأصلي الواحد.. أحبك حبي لنفسي.. فأنا وأنت أبعاض الواحد الحر. بحبي لك أتحرر من شهواتي المهلكة؛ أنت كذلك تتحرر.. بالحرية نتقدم في وساعة وجودنا العميق.. نتحقق بذاتيتنا الأصلية: ذاتية الواحدية الوجودية: فنفتح الأول على الآخر؛ نفتح الحرية على السلام، بقوامية العدل. فإذا قام العدل في الأرض والسماء، فما حاجتنا للصراع؟ إذا رنونا إلى القمر معا، وشربنا كأس الصفاء معا، وترنمت القلوب بموسيقى الشوق معا، وغنينا ورقصنا وصلينا معا؛ فهل للصراع محل؟! فإذا لم يكن صراع كان عالمنا سلاما: إذا لم يكن صراع وكان عدل في الحقوق وفي الواجبات؛ إذا كانت الحرية إبداعا؛ إذا كانت الواحدية – بفاعليتها – منهجا؛ كان العالم سلاما. وعالم السلام مفتوح لا ينغلق: السلام أمان لكل فرد ليحقق ذاتيته الوجودية تحقيقا بريئا من الجهالة والعدوانية: بريئا من انغلاقية البغضاء وانغلاقية الحيازة لما يفيض عن الحاجة، أو انغلاقية الحيازة لما هو حاجة ضرورية للأخوات والإخوة. السلام قيمة وجودية مطلقة ما دام للجميع؛ وهو لا بد أن يكون للجميع بحكم أن الوجود للجميع، والوجود مطلق..

 

(2) الفردية وجود ذو مشروعية تامة الحقوق..

 مطلقية الوجود لا تسلب الفردية مشروعيتها وحقوقها. الوجود المطلق واحد؛ هذه مقولة أساسية في الرؤية الواحدية، وإليها يرجع المفهوم الواحدي كله. وهو مفهوم له كينونته في الفاعلية الوجودية الواحدية. وكينونته واحدية. وفي الواقع، الكينونات كثر: هذه (س) وهذا (ص) وتلك (ن).. وكل كينونة هي وجود واحد. الواحدية المطلقة [= الكلية] هي أصل كل كينونة؛ هي فاعل الفعل [الفعل = الكينونة]. والفعل شيء من ذاتية فاعله؛ الفاعل يكون في فعله، الفاعل يكون فاعلا إذا كان له فعل، وفعل الفاعل لا يخالف صميميته: الفعل من صميمية الفاعل، هو صميمية الفاعل. الواحدية الوجودية هي صميمية الفاعل المطلق؛ هذه الصميمية تخلق كل فعل؛ تخلقه بها، منها، لا من شيء آخر. الواحدية هي صميمية كل فعل منفرد [= الكينونة]. كل فعل فردي ذو وجود عميق في وجود الفاعل المطلق؛ ولهذا الوجود الفردي مشروعية تامة الحقوق: فله كل الحقوق المترتبة على كونه فاعلية للفاعل المطلق؛ له كل الحقوق التي يقتضيها تكوينه الصميمي من قِبَـل الفاعل المطلق الحر الواحد [الأحد] الذي تعشق ممكناته تحققاته؛ بقوامة العدل، ولغاية السلام. لكل فرد حق وجودي تام [مساو لفرديته] مساو لحق الآخر في الوجود؛ بحكم التساوي بين الأفراد من جهة أن صميميتهم هي الفاعل الواحد الحر الحب المطلق السلام..

 

(3) الوجود التام وميض حاضر..

الوجود التام بريء من استطالات الزمان الذاتي. هو – الوجود التام – لا يجاوز وميضا زمانيا. الزمان في التقسيم التقليدي ماض وحاضر ومستقبل. لا تُسلِّم الرؤية الواحدية [لدينا] بهذا المفهوم للزمان. ليس للزمان الثلاثي وجود حقيقي. أين (الماضي)؟ لا يوجد. أين (المستقبل)؟ لا يوجد. (الماضي) كان وجودا؛ و(المستقبل) لم يكن بعد؛ وما كان وما لم يكن بعد هو وجود غير مكتمل. الحاضر هو الوجود المكتمل؛ الحاضر هو ماهو كائن. إننا لا نستطيع أن نشير إشارة حقيقية إلا إلى ما هو كائن. فإذا قيل: الحاضر وليد الماضي؛ وأن الحاضر لم يوجد إلا بعد وجود الماضي؛ فهذا لا ينفي القول بأن الحاضر وحده هو الوجود الحقيقي. نحن نعني بـ (الماضي) شيئا (كان) حاضرا: كان وجودا مكتملا بذاته، كان مكتملا بحاضريته: كان فاعلا بحاضريته، كان كينونة. فلما جاوزته الحركة، صار عاملا في كينونة الحاضر الذي لا يكون هو و(الماضي) شيئين متطابقين. (الماضوية) تسلب الشيء كينونته. والمسلوب الكينونة وجود غير تام: غير مستقل بذاته. المسلوب الكينونة وجود في الذاكرة؛ هو بعض كينونة الذاكرة؛ وهو عامل تكويني في الكينونات الحاضرة؛ فهو [بذاته التي كانت] وجود غير حقيقي: غير تام. ووجود (الماضي) في الحاضر ليس وجودا لـ (الماضي)، هو وجود للحاضر. كان (الماضي) حاضرا. كان (الماضي) حاضرا، فكان كينونة فردية مباينا لغيره. حضوره في الحاضر هو تخلٍّ عن الفردية المباينة للغير؛ فغدا عاملا تكوينيا مشاركا في كينونة حاضرة [= فعل حاضر: وكل فعل حاضر]. لقد مات أبي، هو غير موجود كفرد مباين لأفراد آخرين موجودين وجودا فعليا. غدا وجوده من خلالي، وخلال وجودات أخرى. هو موجود كعامل تكويني في فعلي، وأفعال أخرى؛ وليس موجودا كفعل حاضر. لا بدّ للفعل أن يكون حاضرا؛ فلا كيانية إلا بحضورية. الحضورية هي العامل الحاسم لصيرورة الممكن إلي كيانية عيانية. والعاملية – أيضا – محكومة بالحضورية. فالفعل لا يتكون من عوامل متفاوتة زمانيا. لا بد لعوامل فعل واحد   من أن تحضر معا في زمان واحد [غير منقسم = وميض]. بهذه المعية الزمانية [الحضورية التامة] يلد فعل جديد؛ الفعل هو حضور تام لعوامل التكوين. وهو حضور زماني بمقدار وميض: زمان غير ممتد؛ فلو امتد لصحت قسمة الزمان إلى ماض وحاضر ومستقبل؛ ومن ثمّ، لصحت قسمته إلى وجود عياني ماضوي محله الذاكرة، ووجود عياني فردي كائن في الحاضر، ووجود عياني متخيل. والعيانية الأولى والثالثة ليست عوامل تكوينية للفعل. لا يتكون فعل وجود الفرد من تذكر ولادته بعد وقوعها ولا من تخيلها قبل حدوثها. والتذكر لا ينتمي للـ (ماضي)؛ هو معايشة حاضرة لصورة منطبعة في الذاكرة الحاضرة، وهذه الصورة لكائن حاضر. والتخيل ليس رؤية لحادثة ستقع في (المستقبل)؛ هو وعي بعياني في المخيلة يتكون من عوامل تكوينية حاضرة جميعها في المخيلة. وهو – الخيال – كائن حاضر، ولأنه لم يقـع خـارج المخيلة ننسبه للـ (مستقبل)؛ و(المستقبل) تصور لما ننتظر وقوعه، والتصور جار في الحاضر، وعيانيته هي تصوره لا مزيد. ومكونات التخيل يجب أن تنسب إلى التخيل ذاته؛ ووقوع شيء مطابق للتخيل يلي وقوع حادثة التخيل يمثل عيانية أخرى غير عيانية التخيل؛ مع اعتبار أنه لن يقع شيء مطابق للتخيل؛ باعتبار أنه لا يقع شيئان متطابقان وجوديا لاختلاف عوامل التكوين لكل حادثة. الحاضر شاغل للوجود شغلا تاما، فلا حيز – وجودي – لغير الحاضر؛ وما ليس له حيز وجودي فلا وجود له. الوجود يشغل ذاته دوما، وهو كامل بالنسبة إلى الومض الكائن [الحاضر]، ولا حاجة للوجود إلى غير؛ فلا غير له. ونمو الوجود صيرورة حاضر _ في الحاضر – لحاضر. الحاضر لا يفتقر إلى (الماضي) أو (المستقبل)؛ فلا (ماض) ولا (مستقبل). الحقيقة هي الحاضر: الحيقيقة هي اكتمال الوجود، وهو مكتمل دائما، لا يصح تصوره ناقصا؛ فلو صح تصوره ناقصا لجاز وجود غيره؛ وهو واحد ممتلىء بذاته، فلا إمكان لوجود غيره. فلماذا يكتنز الناس ما يزيد عن حاجتهم للحاضر؟ الكانزون يخالفون – بجهالتهم – الحقيقة الوجودية. نحن لا نملك إلا الحاضر، والاكتناز وهم بامتلاك غير الحاضر، ولا غير للحاضر. الاكتناز إعاقة للنفس من بلوغ كمالها الذي تبلغه بالإنعتاق الواعي من الأوهام وبالتحقق بالحقيقة الوجودية. الواحديون يعتقدون أننا نبلغ كمالنا الاجتماعي – الوجودي الإنساني – بالانعتاق من شهوة امتلاك ما يزيد عن إقامة وجودنا في الوميض الحاضر: وجودنا التام المتجدد التمامية وميضا بعد وميض؛ أي: حاضرا من حاضر. الاكتناز مفهوم لا تقبله الواحدية، كما لم يقبله القرآن الكريم، بدعوته الصريح للمؤمنين، لينفقوا $العفو#. والعفو – لغة – ما زاد عن الحاجة؛ وبمصطلح واحدي، فهو توهم أن الزمان قابل للنفخ ليصير أكبر من وميض، فيقبل القسمة إلى حاضر و(ماض) و (مستقبل)؛ والواحديون يجاهدون للتحرر من الأوهام..

 

(4) الوجود مشاع لذاته فردياته تحققاته..

يرفض مفهومنا الواحدي فكرة الإكتناز لإيمانه بمشاعية الوجود لذاته؛ أي: لكل وجود فردي. فالوجود وجود في الفرديات: فردياته؛ ففردياته هي وجوده. والأم لا تبخل على تحققاتها: بناتها وبنيها؛ فهي تعطي لهم كل ما تمتلك. هذا العطاء هو صميمها، هو وجودها المحض. الوجود هو الأم – المطلقة / الكلية لكل الفرديات. الفردية هي عطاء الوجود. والفردية عيان ذو حاجيات لازمة لمواصلة الوجود الفردي. إعطاء الفرد حاجياته استمرار – لازم – لعطاء الفردية بزوغها الوجودي في البدء. الفردية ولادة مستمرة من ذاتها التي هي عطاء الوجود الكلي الحاضر / الكائن دوما. الفردية تلد، بالتجدد، في كل ومض زماني. والولادة غير متخلفة زمانيا عن الكينونة في كل ومض. الومض الزماني جامع للولادة والكينونة في زمان غير متراخ. الوجود يخلق فردياته: يخلق ذاته خلقا متواصلا في كل ومض. فالخلق المتجدد في كل ومض – كل خلق / كل فرد – له الحق التام في الوجود؛ أي: له الحق التام في الامتلاء الوجودي امتلاء بريئا بالوجود الكلي المشاع لكل فرد هو بعض الكل، وهو من بني الأم الكبري. الوجود مشاع لذاته كما الأم مشاع لبناتها وبنيها. ذات الوجود ليست شيئا آخر غير فردياته: الوجود هو فردياته / تحققاته في الحاضر. الوجود مشاع لتحققاته؛ كما لبن الأم مشاع لبنيها الحاضرين. ولبن الأم لبن الحياة؛ فهو مشاع للحياة. لبن الأم مشاع لبني الحياة المتجددة حاضرا من حاضر. الوجود أم أكبر من أمهاتنا، لبنها والسلام الذي يعمر قلبها بيتنا الكبير وحقنا المشاع لنا..

 

(5) جور الفردية على الفردية جور على الحقيقة..

وفي مشاعية أمنا الكبرى لنا، لا يحق لإبن أن يجور على أخت أو أخ. لن يجور فرد على فرد إذا كانت لنا حقوق متساوية في الحياة بلبن الصدر الحاني الحبيب. ليس للجور من سبب إذا اقتسمنا – بالعدل – وجودا يسعنا جميعا. هو يسعنا لأنه هو خالقنا. ولو أن رزقنا فوق وساعته لكان خلقنا فوق قدرته الخالقة. الخلق ليس فعلا أجوف؛ هو فعل ممتلىء بذاتية الفاعل وقدرته. رزقنا من ذاتية الفاعل وقدرته. الفاعل لا يفعل فعلا ليلقي به في الخواء: فلا خواء. الفاعل المطلق يملأ مقولة الوجود كلها. فأينما وكيفما صار الوجود فهو ملاء ملاء. لا يحق لفرد أن يجور على فرد لأن الجور  منافاة لحقيقة الوجود: حقيقة أن الفاعل المطلق هو الوجود الحق؛ والفاعل المطلق هو ذاتية كل فعل منه؛ فهذا من هذا: هذا هذا. حقيّة الفردية من حقيّة  هي هي حقيّة الواحد المطلق. بالحق كان الوجود الفردي، بفاعلية الفاعل كان ويكون.. المحض الوجودي للواحد المطلق هو كينونة الوجود / الفعل الفردي.. من محض الوجود الكلي بزغ الفردي: محض الفردية من محض الكلية [هي من ذاتها هي]. الجور على الفردية وحقها في الوجود المشاع جور على المحض الكلي الذي هو حقيقة الحقائق. وكل جور نار وقودها الجور. يحرق الجور ذاته ليبقى الفاعل الكلي ممتلئا بالسلام / ذروة التحققات: أمّا نار وسلام فكلاّ.. وكلاّ!..

 

(6) الوجود ينفتح على الوجود بالفرد المنفتح بالحرية..

الجور تهلكة. وانفتاح الفرد على الفرد حياة السلام. الإنفتاح صدور عن الحقيقة التي هي: الوجود ينفتح بالفردي المنفتح على الفردي. انفتاحية الفردي هي الحبل السُـرّي الذي يصل [يفتح] الجنين بالأم. فإذا لم يكن الإنفتاح كان الإنغلاق، والإنغلاق موت. يستمد الفرد وجوده – كل ومض – من اتصاله بالوجود الواسع. وبهذا الإتصال نتحرر – كل ومض – من شرك الهلاك؛ أي: من حد المفعولية. يحدث هذا التحرر بفاعلية الفعل / فاعلية الفاعل المطلق. الفعل ينفتح على الفاعل بتحرر الفعل من كينونة المفعولية التي نسقط فيها بالإمكان؛ ولكننا سرعان ما ننهض بالتحقق الوجودي بالفعلية المحققة للفاعلية. تحررنا من الهلاك بالمفعولية هو انفتاحنا – بالكلي – على الوجود الكلي. بالتحررية يتواصل الوجود: فعل التواصل الحيوي هو فعل – وهو الفعل الأهم – استمرارية الوجود؛ فعل استمرارية الفردية بفردية متجددة. الحرية فعل مضاد للسقوط في المفعولية؛ والذين يسقطون في مفعولية اشتهاء التملك لما يزيد عن حاجة الوميض يقعون في مجرى مضاد لمسار الحقيقة التي تقرر – برؤيتنا الواحدية – أن الوميض الحاضر ذروة الوجود الذي هو حاضر دوما. اشتهاء التملك لما يزيد عن الحاجة الملحة وقوع في مخنق الوهم. والفاعلية تواصل مسارها المنطلق بحرية وعلى رغم المفعولية وعلى عنقها المنكوس. الغوص في طلب التملك بشهوة مفعولية جور على الحقيقة الفردية المنتشرة في فرديات كثر لكل منها حق مشروع وتام في أن ينهل من العطاء الوجودي بحرية الفاعلية المطلقة لا بحرية التملك بشهوة ظلوم لما ليس للفرد حق فيه: ليس للفرد حق اكتناز ما لا يحتاجه الوجود في الوميض. الطلب بشهوة ظلوم انغلاق في محدودية الشهوة؛ انغلاق قبالة الآخرين؛ مجافاة للحقيقة المنثورة بالبراعم الصائرة إلى الإزهار والثمر الجنيّ: الإنغلاق على الذات بطلب الشهوة الجائرة على غير حاجة الوميض جور على الذات التي استمدت – وتستمد – وجودها من الفاعلية المنطلقة بالحرية التي تتواصل وميضا من وميض. من يسقط في شهوة الإكتناز يبني سورا من الظلام يفصله عن الجماعة ويحرقه في مضيقه الوجودي. الإكتناز / سور الظلام اعتداء بتوهم أنه يمكن تقطيع أوصال كل واحد لا يتقطع ولكن التوهم هو الذي يتبدد أمام حقيقة انطلاق الفاعلية بحرية نحو السلام / ذروة التحققات؛ والسلام عطاء انفتاح الفردي على الفردي، بالفردي؛ وانفتاح الكلي على الفردي بالفردي المنطلق بحرية الفاعلية الكلية. هذا المفهوم -الواحدي – حقيقة لا ينفيها توهم أولئك الظانين أن في مقدور الفرد أن يعيش تحت ركام ما يكتنز من مال الوجود الذي هوملك مشاع للوجود كله: قال القرآن الكريم: لقد خلق الله ما في الأرض [كله] للناس جميعا؛ وهذا مفهوم مشاعي قرآني يوكده قول الله تعالى: $ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [= ما زاد عن الحاجة]#. حرية الفعل ملزومة بصميمية الفاعل، وهـي منها. ولأن حرية الفعل صميمية الوجود في الفاعل؛ فإن أي فعل ينافي حرية أي فعل آخر إنما هو ينافي حرية الفاعل الصميمية الوجود؛ وما ينافي صميمية الوجود ينفي ذاته. ومن صميمية الوجود انفتاحه على ذاته: أليست النبتة الغضة بذرة انفتحت على الأرض والسماوات؟! لو حبسنا البذرة الحية في منغلق يفصلها عن ماء الأرض وعناصرها وعن شمس السماء وهوائها، هل تنبت؟ هل تقدر أن تتحرر من ومض الحاضر الكائن إلى ومض يمكن أن يكون؟ كلاّ. وكلا، لن يواصل الوجود  إلى غايته السامقة / الواسعة من يحبس نفسه – بالإشتهاء الظلوم الجائر – وراء جدران القطيعة مع حرية الواحدية المنطلقة بـ / في الكل المطلق / الواسع. الحرية انطلاق في النور على أجنحة النور ذاته.. الحرية أن نسري ونبحر معا.. لنكتب اغنية للحب معا.. لنبدع السلام لنا.. لنتوحد في وصال يبدع الحياة في ومض متجدد.. هذي الحقيقة فلا تزوغوا.. فلنحج إلى بيتنـــا العتيق، إلى زمزم.. زمزم هناك / هنا.. لنستولد أبعاضنا أبعاضا ونزغرد.. لنفضّ البكارات ونزغرد.. سحقا للنفاق سحقا.. بالصدق نجاهر.. فتعالوا نصلي ونزغرد.. تعالوا ننتشي بذوب الوصل والرحيق ونزغرد..

 

(7) حرية الوجود تبدع الجمال..

حرية الوجود تبدع الجمال.. ومن القبح أن تفقأ عيني.. يا أيها الأعور الذي زرع العمى ويحصده، إن العمى قبح وفسق وحضيض أنت فيه سجين قعيد. أما الحرية فهي بصيرة إلى أعماق الوجود نفّاذة؛ نفّاذة إلى الصميم؛ إلى الحقيقة التي تسع الحقائق كلها. والإبداع لا يكون بغير بصيرة. الإبداع خلق متجدد بفاعلية حرة منطلقة من أغلال الآن المظلم الظلوم. إذا قيدنا الزمان صار قيدنا؛ إذا حررنا زماننا إنفتحت لنا أبواب الحرية ونوافذها.. لإشراقات الشموس تفتح الحرية ذواتنا. وما الجمال إلاّ إشراقات الشموس وظلالها وتموجات وبعثرة ضيائها. من خيوط الظل والنور يبدع الفنانون موسيقى الصوت والصورة.. يبدعونها نموا من الغور العميق للمعنى الوجودي الواحدي: الفاعل الحر المتجدد كل آن، مبدع البديع من الواقع والخيال؛ الخالق من الوجود الكائن والوجود الكائن وجودا يكون. في نقطة التلاقي، في وميض هو النور الخالص الصافي، يلد وميض هو النور الخالص الصافي.. لكن العبودية فعل القبح ودنس السواد والانغلاق. الجمال أن لا نستر لنا فعلا.. الجمال ضياء يحرق الثوب وينشر مكنون الصدور. الجمال حقيقة مكشوفة، هي الصدق ولماذا أكذب والكذب عيبة الواهمين المنخورين؛ أما السامقون بالحرية والحقيقة فلا يزورون ولا يخدعون. الكذب قناع يخفي به الضعاف وهنهم.. قناع كريه الرائحة يعافه ذو البصيرة؛ ذو الوساعة الوجودية..

 

(8) الوجود واحد لا ينقسم والكثرة تنوعات الحرية على الأصل الواحد كما الصفر لا ينقسم ولا يزيد..

الواحدي حر لا يكذب، لأن الواحدية مفهوم نابع من الحقيقة الأوسع؛ حقيقة $الوجود واحد بالعقل لا ينقسم#. واحدية الوجود معنوية متكثرة بفاعليته. ولما كان الوجود الواحد مالىء لمقولة الوجود، فلا تصح فرضية عبوديته. العبودية علاقة مع غير، وباعتبار الوجود مالىء لمقولته، فلا غير. ومن كان في الفلاة ولا غير معه، فهو حر لا كما المقيد بعلاقات العمران. إذا كان الوجود واحدا بلا غير، فهو حر حرية مطلقة من العلاقات بالغير، لعدمية الغير. حرية الوجود الواحد صفة ذاتية له فاعلة؛ وليست مفهوما سلبيا؛ هي مقولة صميمية بدليل أن الوجود الواحد يمارس حريته بفاعليته الحرة. فهو، لطبيعته الفاعلة، الصميمية فيه، لا بد أن يكون حرا؛ أي: مبدعا لذاته كل آن. فلو لم يبدع الوجود ذاته كل آن لجمد في حالة ما تلبث أن تصير فناء. لكنه ممتنع على الفناء لامتناعة أن يصير عدما. الوجود لا يصير عدما إلا باعتبار العدمية مقولة وجودية لا ضد وجودية؛ إن الوجود لا يسع ضده، لعدم وجود ضده. وعدم وجود ضده لعدم وجود إمكان وجود غير الوجود. إن كل وجود كائن أو ممكن هو وجود لا غير. حقيقة الوجود هي أنه واحد لا ينقسم. فلو انقسم لتعدد تعددية تعني أنه مختلف إلى نهاية معناه، وهو ليس مختلفا إلى نهاية معناه؛ فالوجودية شاملة موحدة لكل وجود كائن أو متخيَّـل. على هذا الشمول الموحِّد، ترتكز الرؤية الواحدية. لكن الواحدية – لدينا – لا تلغي الكثرة؛ فهي رؤية للكثرة المشمولة بالوحدة. الكثرة وجود حقيقي عياني وتخيلي. ولأن الوجود – بواحديته – حر فهو يخلق ذاتيات متجددة / جديدة. وهي لا تنافي الواحدية؛ الكثرة فاعلية الواحدية. والكثرة لا تقسم الوجود الواحد. الوجود الواحد لا ينقسم، كما الصفر لا ينقسم ولا ينضاف الصفر إلى الصفر فيكون الناتج صفران: الناتج يظل صفرا. ومهما أنتج الصفر، فلن ينتج إلا أصفارا؛ فالشيء ينتج (من) ذاته. ولوطرح من الصفر صفر لكان الناتج صفرا. الوجود (مثل) صفر كبير واحد يلد الأصفار كل حين. الصفر وميض الوجود الذي لا ينقسم.. هو الكينونة المبدعة كل آن فلا تنقسم إلى (ماض وحاضر ومستقبل)؛ هي الآن الحاضر الموحد لـ (الماضي والحاضر والمستقبل). الصفر أسّ التعددية في مفهوم الواحدية..

(الوجود أصفار.. أليس وجودي حياة وموت في كل آن [: 1-1=0]؛ لكن الصفرية الواحدية فاعلة. فكل مقولات الوجود الواحدي فاعلة؛ فهي مقولات وجود فاعل بذاتيته، لا تتخلف فاعليته عن التحقق في كل تحققاته. والصفرية تحقق من تحققات الواحدية الوجودية. وهي – الصفرية – آلية التوازن الذاتي التي تحكم حركية الوجود، فتضبطها؛ فلا يختل الوجود، ولا ينقص ولا يزيد)..

 

(9) التباين حق لا يشطر الواحد..

هل نحن أصفار، لكنها متباينة اللون والمذاق والكثافة والحجم؟ يبدو أن الأمر كذلك. فإن صح أننا أصفار فلماذا ينتفخ بعضنا ورأس دبوس صدىء قادر على أن يبعط البالون المنتفخ؟! أما جماعة ليس من بين أعضائها منتفخ، فهي تحت الراية الواحدية $جسد واحد إذا اشتكي منه عضو تداعت له بقية الأعضاء بالسهر والحمـى#. النـاس كثر هو كثر الواحد. نحن – جميعا – أبناء أم ترضعنا لبنا / ينبوعا حيا متدفقا من وجود حي متدفق.. أبناء الحيّ المتدفق بالحب وبالشوق إلى النمو والتمامية نحن.. بالحب نهضنا من سديمية الوجود.. بالحب كثرنا.. وبالحب فلنقتسم الرغيف إذا ندر الخبز وضاقت المعائش.. بالحب هدهدتنا الأمهات.. بالحب نُزفّ إلى العرائس.. إلى الجمال.. وبالحب نعشق الأزاهير ونرعاها ونسقيها ونحرثها.. الحب جامع الواحديين وعنوانهم. والحب يُسلِّم بالكثرة؛ فلو لم تكن كثرة فما الحب؟! الحب نسق يجمعني معك.. أنا وأنت القادمين من واحدنا القديم.. أنا وانت المتقدمين نحو واحدنا المعقول. الواحدية أولنا الواحدية آخرنا. من أولنا نقصد آخرنا.. بالحب نسعى، بالحب نبقى.. أنا بعض يحب كله.. أنت كلي وأنا كلك.. أنتم كلي ونحن كلك. نحن كثر لكننا غزل فاعلية الحب الوجودي الواحدي؛ الخيوط كثر والغازلة أم واحدة. التباين حق لكنه لا يشطر الواحد.

إن قسمتم – بالحب – رغيفكم بينكم، قويتم وزرعتم أرضكم، فيكون وفرا.. فترقصون وتصلون ويعمكم السلام؛ حينئذ، لن تغلقوا بابا ولا نافذة.. إمّا إن أنشبتم أظفاركم وأنيابكم في لحومكم، فستحرقكم النار، ثم تذرو الرياح رمادكم في القفار. إن زهرة تسقونها حبا، تثمر أقمارا في مدلهمّ الليالي والأيام!

 

(10) الظلم جمود في زمان متدفق..

من لا يزخر فؤاده بالحب فهو جاحد ظالم جامد. هو ظالم لنفسه بجحوده وجموده؛ وظالم نفسه ظالم لغيره؛ فالزمان يتدفق بالتجدد كل آن؛ وكل كيانية هي حالة من القبول للتجدد؛ والتدفق والتجدد يضادان الظلم والجحود والجمود لمضادة الحب لطلب الهلاك. إن ما يبدعه الفاعل الحر هو فاعل حر كذلك؛ الحرية صميمية كل كيانية. الحرية حق وواجب كل كيانية بالتعقل؛ فالحق والواجب هو فاعلية الكيانية: فاعلية الحرية. الكيانية في حقيقتها هي الحرية. أمّا أولئك الذين يسعون لقسر الطبيعي العقلي على التخالف الحركي مع اتجاه الفاعلية الحرة؛ فإنما هم يجدفون ضد الحقيقة وعكس تيار الفاعلية العميق العالي الأمواج الجارف. الذين يعاكسون اتجاه حركة المطلق / الفاعل الحر هم الذين اختاروا مصير الهلاك وراء الأسوار المغلقة على جمود ظلوم. يكون جامدا ظلوما من يغلق على ذاته أبوابه ونوافذه.. من يصم عينيه وأذنيه وعامة حواسه وعقله عما يتدفق من حوله.. من يغلق أناه عليه؛ ينغلق في آن من الزمان، يبلعه بحر الزمان ولا يبالي.. تأكله النار فلا تُبقي له ذكرى.. يرتمي في حضيضية الهلاك ورأسه منكوس وقلبه من عفن.. من لم يُسلِّم نفسه للفاعلية الحرة المنفتحة يبددها في قفار الليل البهيم.. وتُواصل الفاعلية تجددها وتحررها من الآنات ومن الأنانية..

 

(11) الوجود فاعل والفاعلية فعل وفعل وفعل..

لا يتوقف الكل عن حركته. الكل هو الوجود الفاعل. كل وجود هو في الوجود الكلي الفاعل. كل وجود فردي ينعزل عن الفاعلية  [يتجمد] يهلك ويبقى الوجود الكلي فاعلا؛ يبقى كذلك لأن الفاعلية صفة ذاتية صميمية له. وما كان ذاتيا صميميا لا ينفك عن وجود ذاتيته. الوجود والفاعلية ليسا اثنين؛ هما واحد. إذا ذكرنا الوجود عنينا الفاعلية، وإذا ذكرنا الفاعلية عنينا الوجود. ولو تخيلنا شيئا غير فاعل فإننا نتخيل – مع الخيال الأول ومن غير تراخ – شيئا غير موجود وجودا عيانيا [غير متحقق]. ولما كان ليس ثمة شيء إلا وهو وجود في العيان أو الخيال [ وجود الخيال عياني أيضا]؛ فإن كل شيء فاعل. كل شيء هو بعض الكل. والكل فاعل. وكل بعض من الكل الفاعل فاعل أيضا. الكل فاعل والأبعاض فاعلة. لكن فاعلية البعض ليست مطابقة لفاعليـة الكل. الكل واسع [مطلق] وفاعليته واسعة [مطلقة]. الكل يسع الأبعاض كلها. الكل معنى تنتظم به / فيه العيانات. ولا يُعرف الكل إلا بأبعاضه. لا نعي الكل إلا بإدراك أبعاضه، [لا كل أبعاضه]؛ كما نعي الفاعل بأفعاله، [لا كل أفعاله]. يتكون الوعي الواحدي بإدراك هذا الفعل وذاك؛ بإدراك التجدد الوجودي بفعل وفعل وفعل… ونعي من كثرة الفعلية وتجدداتها أن ثمة فاعل. من الفعلية الكثر المتجددة نفترض وجود الفاعل. نعي الفاعلية في باطنية الفعلية. الفعلية والفاعلية معنى واحد؛ وإنما يتباينان بالوساعة الوجودية: الفاعل فعل وفعل وفعل… والفعل فاعل محدود بمقدار الفعلية المتحصلة للفعلية من الفاعل؛ أي: من فاعليتها. الفعلية كثر والفاعل واحد. ولا تستوجب كثرة الأفعال تعدد الفاعل المطلق الحر. فلو تعدد الفاعل فهو ليس مطلقا حرا، وهو لا يملأ مقولة الوجود. أما من كان مطلقا حرا مالئا للوجود فلا غير له؛ فأين يسكن الغير؟ وماذا يفعل الغير إذا كانت الفاعلية مشغولة بكليتها ولا فسحة ثمّ ولا إمكان؟! الفاعل واحد وأفعاله متناهية بذاتها وتناهيها يوجب كثرتها..

 

(12) الواحدية رؤية العقل المتدفق وحلمه.. هي الأمانة والرسالة..

يستمد العقل الواحدي مفهومه الأساسي من العيانية الوجودية؛ أي: مما هو طبيعي. وهو – العقل الواحدي – طبيعي باعتباره فاعلية ذات طبيعة وجودية. وليس بين الطبيعي والوجودي اختلاف. الطبيعية وصف للوجودي. والوجودية طبيعة لكل كائن. وكل كائن طبيعي. العقل الواحدي كائن [طبيعي]. والمتخيل هو من العقل الواحدي أيضا. والمتوهم من المتخيل. المتخيل فاعلية عقلية طبيعية وهي نشاط للمخيلة؛ والمخيلة كائنة [طبيعية]؛ ونشاطها كائن [طبيعي]. المتخيل بعض المتعين وهما وجودان طبيعيان؛ لكن يتباين المتخيل بمكانه. المتخيل نشاط يدور في العقل. غير المتخيل من العياني كائن في الوجود باستثناء العقل. ولمّا كان كل عيان وجودا، فهو واحد واحدية تامة؛ لأن كل وجود هو واحد واحدية تامة. الإدراك يتعامل مع الكثرة؛ ولكن الوعي هو الذي يكشف عن واحدية الكثرة. الوعي نشاط تخيلي يجاوز محدودية المدرك: التخيل يعمق [يوسع] المدرك بنشاطه التخيلي. العلاقة الواحدية بين أخوين ليست مدركة؛ ولكن العقل – التخيل – يعيها بنشاطه التحليلي التركيبي. ووعي العقل التخيلي عيان وجودي منماز بمكانيته؛ أي: بأداتيته الخاصة. العقل يعي واحدية الكثر: كل واحد كثر؛ كل واحد – منا – له أعضاء وأحوال وشهوات وغايات. وتكوّن من عناصر متعددة: من أم ومن أب ومن جغرافيا ومن زمان ومن تراب ومن شمس ومن هواء ومن ماء.. وهذه عوامل مدركة.  كثرة العوامل التكوينية لفرد لا تنفي أنه واحد. الواحدية انتظام كثرة عوامل مدركة في نسق؛ النسق غير مدرك؛ أي: لا يقبل الإشارة إليه بقولنا: هذا الشيء الذي نراه أو نلمسه أو نسمعه أو نشمه أو نتذوقه هو ما نعنيه بقولنا: إنه نسق. النسق مقولة نترجم بها وعينا بوجود علاقة [واحدية] بين عوامل كثيرة، ندرك كل منها على حدة، ولا ندرك [بالحواس] وجود العلاقة؛ ولكننا نعي فاعليتها. ونعي أنها $العامل# المغزول به عوامل كثيرة بمغزل الواحدية. النسقية الواحدية تتجاوز $إنفصالية# العوامل التكوينية الكثر. في $الواحد الغير# الماء ليس هو الماء، والهواء ليس هو الهواء.. الماء والهواء في $الواحد الغير# مباينان للماء والهواء كعيانين لكل منهما وجوده (المستقل)؛ أي: وهما وجودان تامان. في $واحد# غير الماء والهواء هما ليسا وجودين تامين؛ هما عاملان في وجود تام ليس هو الماء أو الهواء. في الإنسان لا يوجد الماء منفصلا عن العوامل اتكوينية الأخرى للإنسان؛ والوجود (المنفصل) غير الوجود غير (المنفصل). فاعلية الماء المنفصل ليست هي فاعلية الماء المرتبط مع عوامل أخرى مكونة لعيان آخر غير الماء. الارتباط ليس موضوعا للحس [الإدراك]؛ هو موضوع للوعي [العقل الواحدي]. الإدراك (عقل) ضيق، والوعي (عقل واسع [عميق]). بالإدراك نتوهم وجود الماء (منفصلا)، وبالوعي يتبدد وهم (الإنفصالية). لا عنصر في الوجود هو منفك عن الإرتباط بالغير. الماء لا يكون ماء إلا تحت ظروف واسعة معينة. إذا تغيرت ظروف المناخ لا يبقى الماء ماء؛ فيتبخر أو يتجمد. الإرتباط بما هو واسع عامل تكويني في كل فعل [كينونة]. لا نحس بهذا العامل لأنه واسع ولا بد من فاعلية واسعة لوعيه؛ والحس فاعلية ضيقة: عقل ضيق. الوعي [العقل الواحدي] لا ينفي النشاط الإدراكي / وجود الكثرة؛ الواحدية تتغور الكثرة إلى مستوى واحديتها. الواحدية تعمق الوجود الفردي بالكشف عن جذوره الضاربة في الطبقة الأصلية / الصميمية للوجود المطلق الفاعل الحر المبدع السلام. العقل الواحدي يكشف للفرد قيمته العليا التي هي موروثه من الأصل الكبير الخالد. العقل بصيرة الوجود؛ والعقل الواحدي يتبصر الطبيعة الوجودية – بكثرتها – ويعي توجه فاعليتها ليستهدي الإنسان بالحقيقة كما هي في الكينونات المتباينة والمتسقة معا، وفي آن واحد: في ومض لا ينقسم. العقل وعي بما هو كائن، وبما يمكن أن يكون: هو وعي بالمتحققات وبالإمكانات. الفردية عيان واحدي مرتبط بالعيانية الوجودية. والعيانية الوجودية هي فعلية الفاعلية الوجودية المطلقة بالحرية. الفردية مرتبطة بالفعلية التي تخلقها الفاعلية المطلقة الحرة. علاقة الإرتباط اكتشاف عقلي. العقل [الواحدي] يوسع وجودية الفردي بالكشف عن ارتباطاته الوجودية بالمطلق الحر. يكشف العقل الواحدي – أيضا – عن الأصل الواحدي للفردي، الذي لم يكن إلا بفعلية وحدت عوامل متعددة. العقل الواحدي يكشف – كذلك – عن أن استمراية الفردي مربوطة باستمرارية وجوده في نسق واحدي يجمعه مع الفرديات الأخرى التي هي فعليات أخرى للفاعل الواحد المطلق الحر الواسع. الفردي يبدأ بفعلية واحدية، ويتواصل وجوديا بفعلية واحدية. لقد جاء كل منا من أم وأب؛ لم يبقيا اثنين بينما كانا يزرعان بذرتنا.. واحدا صارا.. واحديتهما هي وميضنا الذي أبدعنا.. في وميض الوصل بزغ فعل واحدي.. في وميض يلد من وميض يستمر الوصال فنستمر في الوجود.. وعندما لا يصبح في مقدور صدورنا أن تتقبل هواء جديدا تنثرنا الحياة في المدى الوسيع.. تنتهي الحياة الفردية عندما تفشل الفردية في مواصلة فتح المداخل والمخارج بينها وبين الوجود الواسع.

الواحدية حقيقة الوجود الطبيعي / الطبيعي؛ ومطلب الوجود الطبيعي / الإجتماعي. الإتصال المبدع بين أبي وأمي، لم يكن طبيعيا / طبيعيا وحسب؛ كان طبيعيا / اجتماعيا أيضا. تواصلا ليدعما مشروع أسرة تربطها العلاقة الواحدية. وتواصلا بمشروعية اجتماعية تضمن أمن الأسرة التي أسساها ومنذ اللحظة الأولى بفعل اتصالي انفتح [انكشف] به كل منهما على الآخر انكشافا فاضحا [صريحا]. النظام الإجتماعي ينبني على علاقة الإنكشاف الفاضح بين مرأة ورجل؛ انكشاف هو فاعلية الشوق للتمام الوجودي الذي يحصل بالسلام. إن من ينجبا بنات وبنين يرجوَا لهما الأمن والسلام. فعل الإنجاب يتطلب الأمن والسلام. نظام الأسرة مسعى اجتماعي لتوفير متطلب الأمن والسلام للوجود المتجدد. السلام هو الغاية القصوى لفاعلية الوجود . السلام – في الرؤية الواحدية كما نتبناها – حاصل تلقائي لانفتاح الفرد على الفرد بالكلية الأصلية لكل منهما. فعل التواصل – الأنثوي الذكري – انفتاح طبيعي / طبيعي [وطبيعي / اجتماعي] بين فرد وفرد بالكلية الأصلية لكل منهما. السلام الإنساني مطلب يحصل بالوعي بقيمته الوجودية / الإنسانية. بالسلام ينعم الإنسان بالأمان الذي يوفر له متطلبات الوجود الإجتماعي بالعدل. السلام الإجتماعي [الذي يحصل بالإرادة الإنسانية الواعية] يفسح أمام فعل التواصل – الأنثوي الذكري – المدى الواسع للاستمرار الوجودي الذي يكرس وميض الإبداع الأول: لحظة ذوبان الثنائية الأنثوية الذكرية في واحدية زمانية لا تنقسم، وواحدية عيانية أعطت واحدا لا ينقسم.

 

ولا يقوم اجتماع بشري إلا بالواحدية: من وصلة الغرام والشوق بدأنا.. ولولا أنك تحصد الزرع وأنا أشعل نار الفرن ما طعمنا ولا بقينا.. لولا أني أجمع قمامة بيتي وبيتك، وأنت تدير دفة الحكم من فوق الكرسي الكبير، ما استقام لنا شأن ولا تدبرنا أمرنا.. فلا تتوهمن أنك الأشرف الأكرم.. فلولا أني أعفيك من أوساخك لهلكت – أنت وأهلك ومن تعشق – بذبابة أو أوهى.. ولولا شروق البدور ما تبينّا ظلمات الرؤوس والصدور..

 

(13) العقل الواحدي أصلي مطلق يسري في المفاصل ويتنامى في الخلايا وبها..

دور العقل الواحدي هو التنبيه على حقيقة الأصل الواحد والكيانية العلاقية الواحدية للوجود المتكثر؛ ومن ثم، الدعوة إلى واحدية جماعية / إنسانية تتحرر بالشوق إلى السلام لتتسق الحياة الإنسانية مع الحقيقة الطبيعية للوجود. إن من يخالف الطبيعة يودي بحياته إلى التهلكة. دعوة الواحدية هذه، هي رسالة الواحديين وجماعة الواحديين.. هي أمانة في أ‘عناقهم يحملونها إيمانا بها باعتبارها حقا وواجبا وحبا للإنسانية وإيمانا وحبا بالوجود المطلق الحر الواسع. الواحدي ذو رسالة رسالته العقل الواعي بالأصل المشترك وبالكائن المشترك وبالمصير المشترك للإنسانية. هذه الشراكة مصدر إيمان الواحدي بالحب والعدل والسلام. والواحدي بهذا الإيمان مثالي النزعة؛ حالم بتحقق وجودي يتراجع فيه الظلم والجهل والعدوان. مسوغ حلم الواحدية الطبيعةُ الوجودية الفاعلة الحرة المبدعة ذاتها كل حين، إبداعا جماليا ينير زوايا القبح ويفتح جحور الإنغلاق لضياء الشمس؛ فيحرر الذوات من قابلية الهلاك ومن وهم الإنفصالية. الواحدية حلم يصل الأبعاض بالإنفتاح على الأصل الواحد انفتاحا جماعي الفاعلية مبدعا للسلام؛ هي حلم بانفتاح الأبعاض على أزلية وسرمدية الوجود انفتاحا عقليا / عيانيا موازيا للإنفتاح الطبيعي الأصلي للعيني على الوجود الواسع الممتد من الأزلية إلى الأبدية. الإنفتاح الواحدي انفتاح بالشوق (الطبيعي) لحالة متخيلة بالعقل. ليس بين العقلي والطبيعي تضاد؛ العقلي طبيعي [حالة للطبيعي]. العقلي هو جمال الطبيعي ولطافته وأفقه ومقداميته؛ هو المشرّع وهو النبض الحيوي. العقل الواحدي رؤية تنبع من الأصل المتخيل للعقل الجامع للأبعاض، المتغلغل في الكينونات، المتعمق إلى أوسع المدى الوجودي الكائن والممكن؛ بإمكاناته – الضمير للعقل – الحاصلة وإمكاناته القابلة للحصول. وكما الوجود يسري، بذاته، في ذاته، من ينبوع الأصل الواحد، وتتواصل وجوديته في مفاصله وأعضائه الطبيعية / الطبيعية، والطبيعية / الإجتماعية؛ كذا العقل الواحدي يسري – بالتخيل – من الأصل إلى المفاصل والفقرات، ومن الكائن إلى ما يمكن أن يكون؛ من وميض كان إلى وميض كائن إلى وميض سيكون. وكما الوجود واحد كثر؛ فالعقل الواحدي واحد جامع للكثر جمعا عضويا [لا كوميا]؛ جمعا يرى الفاعلية الواحدة في فعل وفعل وفعل.. كل فعل هو فاعلية الفاعل على قدر وساعة الفعل، الذي تتقدم وساعته بتعمق انفتاحيته على الفاعلية المطلقة بالحرية؛ هذا التقدم الذي يحصل – أساسا –  برؤية عقلية واسعية كما الرؤية الواحدية التي نتبنى الدعوة إليها. وكما الوجود واحد متجدد فالعقل الواحدي متجدد بتجددية الوجود بقدر ما يسهم – العقل – في تجديد الوجود، بلزوم العلاقة العضوية الحميمية بين الوجود والعقلي؛ أي: بلزوم بعضية العقلي الوجودية. يتجدد العقل الواحدي بالحرية الوجودية المطلقة التي هي صميم الوجود (الذي منه العقل). العقل الواحدي ليس مغلقا. لا يزعم الواحدي أن الحقيقة [كلها] تنكشف دفعة واحدة وإلى الأبد. لا يسلم الواحدي بدعوى من يدّعي أن الحقيقة مملوكة له دون الناس. العقل الواحدي – في رؤيتنا – يعي أن الفاعل الحر المطلق لا ينحصر بكليته في فعل من أفعاله؛ الفعل لا يحد الفاعل الحر المطلق. الحيقيقة هي وجودية الفاعل الحر المطلق بكاملها؛ هذه الوجودية لا يستوعبها فعل من أفعال الفاعل المطلق الحر. الفاعل يتحقق بأفعاله؛ لكن أيا من أفعاله لا تحققه بالكامل. ولو تحقق الفاعل بالكامل لما كان مطلقا حرا؛ لو تحقق الفاعل بالكامل لتحدد بتحققه ولما صح أنه متجدد متدفق سرمدي. الفعل يضيء خبيء الفاعل، لكنه لا يفضح حقيقته كلها؛ لأن الفعل غير مطابق بالوجود للفاعل. العقل الواحدي – شأن كل عقل آخر – فعل من أفعال الفاعلية الواحدية المطلقة. ولكل كيانية امتيازها، وامتياز الرؤية الواحدية انفتاحها على الحقيقة؛ نوكد: انفتاحها على الحقيقة لا احتكارها للحقيقة. ما نؤمن به عقيدة لنا، عقيدة مفتوحة لا تزعم انها الحق المطلق؛ ولو زعم الواحديون أنهم الجماعة التي تحتكر الحق المطلق، فهم – بهذا الزعم – ينقضون دعوتهم من أساسها. أساس الدعوة الواحدية هو الحرية النابضة من الحب والشوق  إلى التمامية. والحب والشوق للتمامية مقولة واسعة تحتضن كل أولئك المتمتعين بحق الوجود؛ وهو حق يؤمن بأنهم أحرار لا عبيد لغير. ومن كان حرا فهو بعض الحقيقة الوجودية: حقيقة أن الوجود فاعل حر، وأن الفعلية [الفردية] كيانية الحرية. العقل الواحدي فعل من أفعال الفاعلية الواحدية المطلقة، هو تكشف من تكشفاتها،هو تحقق من تحققاتها، يتجدد بها معها، يتفتح ياستمراريتها، يتوسع بدأبها على التنامي بالشوق إلى انسياح ذاتها بذاتها في ذاتها. فاعلية العقل الواحدي من فعليته الواعية بانفتاحها على الواحد المطلق المتدفق، كل آن، خلقا جديدا يتجدد به الواحد الفاعل بالتنامي [الذاتي في الذاتي]. فاعلية العقل الواحدي لا تطابق فاعلية الوجود المطلق بالوساعة؛ ولكنها شوق التلاحم مع الفاعلية الواحدية بفعلية ذات طبيعة وجودية صميمية تُستقى ، بدون كدر، من الطبيعة الصميمية [الجامعة] للأبعاض؛ طبيعة الواحدية المتجددة، لا (الواحدية) المعطاة مرة واحدة وإلى حد النهاية. واحديتنا لا تفرض للوجود حدا ونهاية: واحديتنا رؤية منفتحة بالغير على الغير، ومع الغير على الكل.. الواحدي منفتح على الغير، قابل للتجدد بوعي.. هو دم حر.. حار دفّاق..

 

(14) تُشعل الصلاة ومضا من ومض وتَصْـلي الحدود فيستنير بعقل المحبين ظلام الوجود..

الإنفتاح على الغير صلاة النار والنور.. تحرق النار مغاليق الآنات، فتصير الآنات ومضا هو النور. تحرق الصلوات الهاوياتِ الفاصلةَ فيسيل الزمان ومضا يشعله ومض.. يصير الزمان نورا في السماوات والأرض.. يصير نورا يضيء حدودي وحدودك.. نورا واحدا تصير حدودي وحدودك.. من النور يصير قلبي وقلبك [عقلي وعقلك].. يصير عقلي وعقلك [قلبي وقلبك] ضياء.. نبع ضياء يصير الواحدي.. النور عن النور لا ينفصل.. النور واحد.. الوجود كله نور.. إذا أحببتك كما نفسي وأكبر، نورا كلي أكون.. نورا كلك تكون.. نورا – معا – نكون.. نور الصلاة نكون.. الصلاة انفتاح بالحب.. بالصلاة ننفتح علينا.. على الكل المطلق الحر الفاعل المتشوق لتمامه ننفتح؛ به ننفتح.. النار تحرق قبحنا ونورها يبدد ظلمات الوجود فيبدع جمالنا.. نور النار يضيء جيوب الركود في مستنقعات الوجود.. الماء الآسن يستضيء بالنور ويغدو روحا من العقل فينمو الحب أكبر.. وتزدهر الواحدية..

 

(15) الزكاة إنماء والإنفاق بذل إلى فوق البذل..

إذا نما الحب أكبر، فليس لأحدنا مال يستوجب الزكاة.. زكاتنا – نحن الواحديين – تنامي أرواحنا.. تناميها للروح الواحدة.. زكاتنا من زرع صدورنا، وانطلاق عقولنا من إسار الجهالات فيكون بذلي في سبيلك وبذلك في سبيلي صافيا.. إنا نبذل البذل وفوقه.. نبذل المحض العميق، فيصير بذلنا من ذروة الوجود؛ يصير حرية.. يصير إنفاقا لما سوى الومض..

 

(16) سياحة الروح صمت لا يشوبه تعلق..

فإذا صار البذل حرية سرت الروح في مطلق الوجود، تسري حرة لا تحمل الهوى ولا يحملها على الطلب.. فلا يطلب الطالب إلاّ صمت العمق الأعمق.. البحر الذي لا يبدأ ولا ينتهي.. بحر الحرية من شوائب التعلقات.. في بحر الحرية تغدو الروح وتجيء ولا تغدو ولا تجيء؛ بحر الحرية نور صاف يتألق بالعشق الذي لا يشوبه الهوى ولا يرجو مزيدا.. بعد العشق المتألق بنور الحرية الصافي ينقطع المدد.. يتحرر البعض بالكل.. الكل الغني بذاته.. أنا بك غني.. أنا بك ممتلىء، وأنت بي ممتلىء؛ تلك حريتنا.. هبني محضك أكن محضك؛ فماذا يشوبني بعد؟ لا شيء وقد غدوت أنا أنت وأنت أنا. حريتك تمامك.. وحريتي تمامك..

 

(17) كلما تورّد الحب على الوجنات وفي العيون نما الزرع وتفتحت الأزاهير والسعادة إبحار في المحض..

الحب المتورد على الوجنات وفي العيون هو شموس الحرية وأقمارها وأية التمام.. نبدع التمام بالحب الذي يسقى زرعا وتتفتح به الأزاهير.. بالحب نبدع التمام فتبدعنا الحرية.. الحب لا أن أملكك ولا أن تملكني؛ الحب سعادة إبحار زورقينا في القلب العميق الواسع المتدفق للمحيط الهادر مالىء الوجود.. فإذا ولجت بإبحارك محضي [قلبي] تفجرت ينابيع السعادة في قلبك وقلبي.. ها أنت بسطت الصفحة البكر فرسمت منها بكارة متجددة.. إن فضضت بكارة جددت البكارة؛ إن فضضت بكارة فأنت حامل الشمس، أنت فاتح الزاوية النائية.. أنت حامل شرور النفس على أن ترحل وتبيد.. وهذي هي السعادة.. السعادة نورك يصل نوري، ونوري يصل نورك؛ فلا ظلمات بعد تفصلني عند أو تقصيني عن حبك وتقصيك عن حبي..

 

(18) صوفي هو الواحدي وعاشق يراقص الشعر..

السعادة صوفية الواحدية. الواحدية – في وجه من أوجهها – تصوف عقلي، أو عقل متصوف. وما يبلغه الصوفيون برياضة النفس، يعيه الواحديون بالتغور [=التوسع] العقلي. الحقيقة مشاع لكل طالب، بكل منهاج شرطه الحريه. الصوفية ممارسة المشاعية، ينهجها الصوفيون الذين بلغوا درجة التسامي فوق شهوات الأنا المغلقة الظلوم؛ فلا يملكون إلاّ وميضا. ومن يملك الحقيقة لا يعوزه سوى الوميض. الحقيقة وجود فاعل مطلق لا تقيده الحدود ولا يفنى بفناء اللحظات. الحقيقة وجود واحد: وتر يرقص كل ومض رقصة التحرر من حالات الجمود.. الحقيقة روح يهز الشوقُ خواصرَها بنغم الخلود، بموسيقى الحب العميق للحقيقة ذاتها. الواحدي شاعر يبدع أيات الجمال بوجدان لا يفارق العقل.. بالواحدية تتناغم تحققات الإنسانية: عقل ودين وشعر.. من تحققات الإنسانية تصدح الحقيقة متأوهة جذلى.. في هدأة الليل ومطالع الأصابيح: الروح جذلى بسعادة الحرية.. الحرية أجمل البديع وأعمق غايات الوجود. يعشق الواحدي الجمال؛ فالجمال شوق الإنسانية وشوق الوجود إلى امتلاك حقيقته امتلاكا متحررا من الفناء.. بالتجلي التام لإمكاناته..

 

(19) واسع هو الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار..

الواحدي الذي يتشوق إلى التجلي بالحقيقة التامة ينشد التحقق بالوساعة الوجودية المطلقة التي هي أصل الوجود لكل فرد وأفق الوجود للكل والفرد. هذا المنشد الواحدي يحرر من التورط في معركة تخوضها النفس لحيازة مملوك غير الوميض. كل مملوك غير الوميض عبء على الكاهل يشل الحركة المتجاوبة مع الحقيقة الكلية المطلقة؛ حقيقة أن الفردية فعل وجودي واحدي حر من القيود المفروضة على الفاعلية. الملك – زيادة عن الوميض – قيد على حرية الفردية، أو قسر لها على التعاكس مع الحقيقة الوجودية المطلقة [=الحرة]؛ والذين يجدفون عكس تيار البحر العارم، إنما يجدفون في تعاكس مع تيار الحياة المتطابق مع وجهة الكل المطلق. لا يبذل الواحدي كرامته في طلب رزقه، لا يعطي حريته الأصيلة مقابل عبوديته لظالم جائر على حقوق الغير: ظالم جائر باستحواذه على ما ليس له؛ علي ما يزيد عن الوميض. الواحدي يطلب الحق الذي هو له بقانون الحقيقة المطلقة التي هي أصله ووسيلته ومنشده؛ يطلبها بروح العظيم الذي لا يصغر قبالة الصغار (بكسرة على الصاد) وقبالة الصغار (بفتحة على الصاد). بهذه الروح العظمى، الواحدي أكبر من الطلب بمذلة؛ فهو فوق المطلوب وسيد المواقف.. فلا يهن ولا يجمد ولا تشوب بياض صفحته مشاعر الحسرة. إن يطلب يفعل ذلك بالحق الذي هو له، وبحقه في الوميض. الواحدي لا يكدره طلب ولا إدبار، وعو في عميقه، لا يطلب ولا يدبر. ومن لا يطلب ولا يدبر لا يقعد في وجه تيارات الكدر. وكيف يطلب الواحدي أو يدبر وهو النسائم الهفهافة على أجنحة موج البحر العميق الهدار؟! من أين يأتيه الكدر والكل كله؟! حقيقة الكل محوزة له، كما هو للكل سواء بسواء؟! مطلوب الواحدي لامحدود، مطلوبه المطلق [المتحرر] والمطلق يعطي ذاته كل ذاته، لا يضنّ فلا مضنون به لدى المتحقق بالحرية. الخلق من أصله كرم المطلق، الخلق فاعلية مستمرة وكرم المطلق مستمر باستمرارية الفاعلية الخالقة. الكرم من فاعلية الخالق التي لا تفارق ذاتيته. الكرم طبيعة الحرية الفاعلة المطلقة تعطي كما تشع الشمس ضوءا على المشارقة والمغاربة والدانين والقاصين.. من الثقة والطمأنينة نفس الواحدي مجبولة.. ومملوءة بإيمانه أنه تجلي الحقيقة في أبهى الصور؛ أي: هو الحقيقة في أوسع تجلياتها وأعمقها.. هو الحرية المنشودة.. هو السلام..

 

(20) الواحديون أمة مشرّعة الأبواب لشمس لا تغيب وقمر لا يرحل..

وبوساعة الواحدي، فإن الواحديين أمة لا تتقاسم الحقيقة قسمة ينكفىء بها الفرد على فرديته في منغلق له يقصيه عن حقيقته وحقيقة الكل. الواحديون أمة مفتوحة لا تغلق لها أبواب ولا نوافذ. تستمد الجماعة الواحدية مشروعيتها من استجابتها الأصيلة للحقيقة الأصلية. والحقيقة الأصلية شمس لم تتخلف عن الشروق منذ الأول. كل يوم هو يوم جديد بإشراقته، بأمله، بفاعلية تتقدم نحو وساعة أكبر. أما أولئك الذين يغلقون على ذواتهم أبواب ونوافذ الظلمة، فهم المحجوبون عن تجدد الإشراقات والآمال، الكافرون بالحقيقة. دين الواحدي عقل منفتح متنام. ويوافق الواحدي على أنه ليس بوسع العقل الفردي امتلاك نواصي الحقيقة كلها؛ فالعقل فاعلية للكل، وفاعلية الكل منثورة في فعل وفعل وفعل.. والذين يغلقون على أنفسهم الأبواب والنوافذ، يقترفون خطيئة الجهالة التي توهمهم أنهم ملكوا النواصي.. فلا حقيقة ثمّ أكبر مما اغتصبوا(؟!).. ولا شمس ثمّ غير ما اكتنزوا(؟!).. أما المنغلقات فقبور وإن كان أهلوها في حراك! الواحدي منفتح بالحقيقة، عليها، بالشوق إلى التجلي بها كل يوم وكل ليلة. الواحدية مشاعية الشموس والأقمار.. فلا اسوداد يشوب صفحة الواحدي وصحفته، لا الوسن يكدر ماءه.. تبدد الشموس والأقمار كل ظلمة ووسن.. الحقيقة وضاءة وبراءة.. ووضّاء بريء طالبها..

 

(21) التعلم فضّ بكارة ودم يروي ظمأ البادرات..

التفتح المتنامي هو فاعلية الواحدي العقلية. العقل الواحدي، كل آن، وكما الوجود كله، بكر، والفاعلية تفض بكارة ذاتها كل ومض. نحن، بالتعلم، نقتحم مجهول الوجود؛ نقتحمه بشمس جديدة هي بكر أيضا. الكائن بادرة غضة رواؤها دم يكسبه العقل بتجدده؛ باستجابته للفاعلية الوجودية المتدفقة المتجددة دوما. ولادتنا فعل له نهاية، لكنه فيل يبطن إمكانات الأصل الذي أبدعه؛ إمكانت الفاعلية الحرة المطلقة. الفاعلية ليست كينونة واحدة، إنها كينونات. وللكينونة الوجودية حد. عند هذا الحد تجاهد الفاعلية للخروج من مأزقيته (من مأزقية الحدية)، بقوة طبيعتها الحرة المطلقة الكامنة؛ فتتواصل ديمومتها. وباختراق الفاعلية لحد الفعلية (الكينونة) يفض الكل بكارة جديدة بصيرورته كينونة جديدة. هذه الحركية الوجودية هي حركة العقل أيضا. فما هو أصلي مطلق في الكل، لا يتخلف عن التحقق في الفردي.

العقل كينونة فردية؛ هو أداة التفتح التي تنجلي بها وساعة الوجود الأصلية المطلقة. العقل يخلق من الكائن بالإمكان كائنا مستقلا. الكينونة المستقلة حد، لكن العقل، الذي هو أداة لواسعية الوجود، لا يفنى عند حدية الكينونة المستقلة. العقل متدفق كما الوجود الكلي الذي لا يجمد في حال. العقل الواحدي لا يجمد في حال. الجمود هلاك. والعقل الواحدي ممتنع على الهلاك لارتباطه الحميم بصميمية الوجود المطلق الحر. وكما الوجود الكلي لا ينكشف دفعة واحدة، فالعقل لا يكتشف الحيقيقة العلمية دفعة واحدة. يلد كل منا باستعداد عقلي، لكن التنمية العقلية مهمة تقوم بها الحياة ابتداء من درجة الاستعداد الأولي الفطري. الحياة مجال تنمية العقل؛ والعقل أداة تنمية الحياة. العقلي مرتبط، بحميمية واحدية، مع الحيوي. العقلي أصفى تجليات الحيوي. قد يقوم سبب يعيق فاعلية العقل، فتكون ثمة حياة بلا عقل؛ لكن مثل هذه الحياة لا تصنف كحياة إنسانية. الحياة الإنسانية عقلية. وقد بزغ العقل منذ بزوغ الفجر الإنساني، بموازاة تامة مع بزوغ الفجر الإنساني ببزوغ العقل. العقلي والإنساني كيانية واحدية. واحدية الجسدي والعقلي الإنسانية هي الدرجة التي بلغ بها الوجود – حتى الآن – تمامه. الوجود الإنساني يتنامى بالعقل؛ الوجود الكلي يتنامى بالعقلي الإنساني. العقل ينمو بالتعلم. التعلم فعل توحد العقل بقانونية [حركية] الوجود ذات المجال المطلق. توحد العقلي بمطلقية الوجود هو دم التنامي الوجودي العقلي والوجودي الكلي؛ التنامي الكلي مطلقا..

 

(22) التربية تنقية لبن الأصل القديم وتحلية بالعسل..

والتعلم الذي ينفتح به الفردي على ما وراء حدود الفعلية عملية مجتمعية معطاة للحاجات البشرية وللكينونة التطورية للمجتمع والفرد. التعلم تكيف بشري مع الوجود الأوسع يدافع به الفرد عن كينونته التي تتهددها عوامل حبس الفعلية داخل حدود عازلة عن سريان الفاعلية. التعلم انفتاح الفعلية، بالفاعلية، على الفاعلية. الفعلية الأولى  [الوميض الأول للفاعلية لفعلية ما] هي “لبن الأصل”. الفاعلية الحرة المطلقة هي “الأصل”. فاعلية الأصل لبن يسري من فعل إلى فعل؛ سريانا للفاعلية من وميض إلى وميض. والوميض فعل للفاعلية المطلقة. لبن الأصل قديم، والأصل قديم؛ قديم متجدد. لبن الأصل متجدد. يتجدد الإنسان بالتربية التي هي فعل اجتماعي يتهذب به الحيواني في الإنسان بفاعلية القيم الإجتماعية المتطورة عن الأداء الوجودي الحيواني. الحيوانية لا تغيب في الإنسان؛ الفاعلية الوجودية في الإنسان فاعلية حيوانية أوسع [=أرقى] منها في الحيوان. التربية – بالتعليم – هي أداة صيرورة الفاعلية الوجودية من الحيوانية إلى الإنسانية. “التربية تحلية بالعسل [تهذيب] للبن القديم”. التربية توسيع للحيواني بالعقلي؛ هي تلطيف الفعل الوجودي الكثيف واقتراب من الصفاء المطلق بالحرية التي ينماز بها السلوك العقلي المتحرر من محدوديات المطلوب بالشهوات إلى وساعة المطلوب بالعقل الواحدي: السلام والجمال. العقل الواحدي فعل يناضل للتفلت من المأزق الوجودي الذي يناضل الوجود الكلي، كل وميض، لاستيعابه. هذا العقل الواحدي المناضل قبالة الفناء، اغتذى من لبن الأصل ابتداء؛ ويطلب لبن الأصل مرة أخرى طلبا توحديا يعطي لبن الأصل معنى الحرية المطلقة. اللبن الأمومي والعسل عطاءان خالصان لا يقبض معطياهما ثمنا له، هما عطاءان صافيان وبصفائهما – كما يعي العقل الواحدي – يصفو العاقل (بعقل واحدي). معطيا لبن الأمومة والعسل (وهو لبن أمومي أيضا) يجنيان السعادة القصوى بفعل عطائهما؛ فيتحققان تحققا وجوديا تاما. لبن الأصل هو لبن التحقق الوجودي التام؛ بالتربية الواحدية يكون للبن الأصل فعله الوجودي التام. تحلية لبن الأصل بالعسل هو فعل تربوي واحدي: توحيد النافع بالحلو [=المحبب] والإنساني بالحيواني [العسل منتج حيواني] بالنباتي [غذاء العسل نباتي] بالجماد [وعاء العسل جماد]؛ توحيد عوامل هي معطيات حرة من المقايضة السوقية؛ معطيات الحب الأمومي: الحب الأكبر..

 

(23) الصدق والشجاعة خلق واحدي مطبوع وعقد منقوش من الياقوت والياسمين على جيد الحسان..

التربية الواحدية عقلية أخلاقية. هي انفتاح – بالعقل – على ما هو أكبر من الفردي؛ أي: نسج علاقة حميمية بين الفرد والكل فردا فردا. الصدق لحمة العلاقة التي تربط هذا بهذا. والواحدي صادق بطبيعته الواحدية؛ بطبيعة نشدانه الحقيقة للتحقق بها. الذين يتحلون بالصدق هم الذين يملكون القوة على التجرد من الأقنعة التي تفصل الفرد عن أمه الكل.. هم الذين يملكون شجاعة يقتحمون بها المجهول طلبا للحقيقة.. هم الذين يقتحمون النار المتلظية عرايا ليروا الحقيقة عارية من زيوف الوهن. الأخلاق الفاضلة تبني واحديا فاعلا ليس مدعيا كاذبا مشطورا منافقا وبوقا وأجوفا بلا مضامين اجتماعية. الواحدية رؤية جامعة، فهي أكبر من محيط العقلي، وفاعليتها تترامي من العقلي إلى السلوكي. قد نعي الحقيقة دون أن نتحقق بها. الأخلاق الواحدية مؤسسة على الوعي بالحقيقة، ومزدانة بجمال تطبيقها والتمثل بها. هذا التطابق المنشود بين الوعي والسعي حميمي إلى درجة تصير به الأخلاقية كينونة مطبوعة في العقلي؛ إل درجة ينعجن فيها العقلي بالسلوكي، فلا يتمايزان. وبتوحد العقلي بالسلوكي تصير الواحدية “عقدا منقوشا من الياقوت والياسمين على جيد الحسان”.. ستكون جيد الحسان فوّاحة بالعطر الطبيعي الأصلي؛ فواحة بالجمال، داعية إلى تعميق شوق الوجود بالصيرورة من تمامه إلى تمامه.. دعوة لتعميق فاعلية الفعلية.. وعلى جيدكن أيتها الحسان أبني عشي وأرعى حبي وأنطلق في المدى حرا بالفاعلية الصميمية..

 

(24) الحقيقة فضيحة الجمال وبراءة العرْي في نغم الصبح..

الحقيقة علمية جمالية.. بالعلم نطوي المسافات الفاصلة بيننا وبين الحق.. بالعلم نروح ونغدو بالحق.. نروح ونغدو عرايا من جهالاتنا.. بالأخلاق الواحدية نروح ونغدو عرايا من ظلاماتنا.. بالحقيقة الواحدية نروح ونغدو نرقص في الهواء الطلق على ألحان موسيقي تنبعث ألوانا من عواطف الوجود، آتية من الأعماق والآفاق، بريئة براءة العري القديم.. نرقص في أنغام الصبح المشرق فينا بالأمل المتجدد بالشوق إلى التمام.. نرقص لينفتح التمام على التمام.. عرايا نراقص الحقيقة تحت سماوات الحقيقة.. لماذا نحجب الحقيقة عن الشموس الساطعة وقد غدونا نحن الحقيقة في أوسع مراتبها؟! ماذا يحجب الثوب من عيوبي والثوب لا يستر أنياب الذئاب؟! إن لم يطهرني الثوب من شهوة أكول تحسب الآخرين مأكلي وملبسي ومسكني ومنامي، فالثوب جريمتي وأكذوبة أجدادي وأمهاتي! الحقيقة أنت ناهض وأنا ناهض.. أنت الحقيقة وأنا.. أنت الجمال أنت جمالي وكمالي.. فينا جمالنا وكمالنا.. فينا يرتسم الجمال عاريا.. فاهتكوا أستار الكذب يبعثكم الشوق إبداعا عارما.. عراة من أقنعة الأكذوبة ولدنا.. كنا قادمين من الحقيقة الناصعة للتو.. تعالوا يا ثلة العشق نعانق الحقيقة العارية من ضلالاتنا لينبلج بنا نور في الليالي.. لينبلج بنا حب ترقص له الشموس والأقمار والأزاهير والبحار والجن والطين والحيوان..

 

(25) الكرم زينة الذين يكنزون الشقاء جهلا..

إجمعوا يا ثلة العشق مالكم.. تعالوا ننثره في الأرض لينبت زرعا لنا.. لا تكنزوا عذابا منه تعطون فتحسبون أنكم الكرماء.. إن كنزتم ذهبا وفضة أكلتكم النار.. إصنعوا من الذهب والفضة عقودا زينوا بها صدور الحسان وراقصوهن بشوق الأصابيح.. أجورا لا تعطوا.. إن تعطوا فلن تعطوا إلا من ذهب مكنوز، مسروق.. أعطوا لبن الأصل عسلا ينبع من قلوبكم بشوق التمام إلى التمام.. تمام الحقيقة المطلقة العارية الجميلة.. إن أبقيت في جعبتك ذهبا وفضة أبقيت لك ولنا شقاء وتهلكة.. أنت عاق إن اقترفت إثم التملك لغير الوميض، ستجفوك الحقيقة فقد جفوتها.. تغتصب حق إخوانك ثم تعطيهم ليقال أنت كريم.. بل لئيم أنت.. أنت الظلوم.. فلا يهلكنّك ونحن الفناء.. المملوك فان يفنيك ويفنينا.. أما الشوق، فهو وحده يبقيك ويبقينا.. فلا يخدعنك بريق الزيوف.. تعال، تعالوا إلى حض الواحد النابض بالحب الفياض.. تعلوا لننهض بقانون الحب.. لنمتلىء بالحب..

 

(26) القانون نبض الواحد الكبير يواسي المبتلى ويبدد الأباطيل..

لكل جماعة قانونها. قانون الواحديين غير مسلط على الرقاب. وبه تطاول رقاب المسحوقين الذرا الشاهقات عدلا وسلاما وحبا وجمالا. قانون الحب هو نبض الواحد الكبير. هو نبض يتردد في كل الصدور قلبا مفعما بالفاعلية الحرة الطليقة المبدعة للسعادة المتجددة مع كل إشراقات الأصابيح. لكن البلاء قائم. القصور في كينونتنا بعض كينونتنا. كيف نجبر العظام المكسورة؟ كيف نشق العيون المغمضة لتستنشق نسائم نور الوجود الصميمي؟ ليست الواحدية سراب فكر. بل هي رؤية تسترشد بها جماعة العاشقين للحق والحرية والجمال. ولا تقوم جماعة إلا بقانون يضبط حركتها ويناهض قصور الإنسانية ويقيل عثرات العرج ويعين الواهنين. قلب أمنا الكبرى هو المشرع لقانوننا نحن جماعة الواحديين؛ قلب أمنا ينبض في قلوبنا كلنا.. قلب أمنا الكبرى يد حانية تغسل أوساخنا.. تبدد غشاوة عيوننا..تعالج، بحنان، مواطن الداء ليسلم الكل.. قلب الأم لا يجور ولكن، إذا كان خلل نشطت دقاته بالحب والعدل والسلام ليستقيم من الأمر ما اعوّج.. بحب وعدل وسلام من قلب أمنا الكبير ولدنا.. من قلب أمنا الكبير ولدنا فولدناه..

 

(27) الأسرة جوار محمود والأبوة معطاة جمعية تحنو وتستولد ذاتها..

القلب الكبير جامعة الواحديين التي لا تضيق على غير. في القلب الكبير نغدو ونروح ونفيق وننام يجمعنا البيت الواحد أسرة في جوار محمود. أجل، الأسرة جوار محمود.. لا رأس فيها ولا ذنب.. فيها قلوب وشوق.. الأسرة جوار محمود لا مالك يرهن مملوكا أو صيدا يوقع في الشباك صيادا. قوة الذكورة الغالبة اغتصبت أنوثتنا.. زرعنا.. ثم اغتصبت مالا واغتصبت بالمال أنوثتنا.. المرأة لا تشترى.. المرأة معطاء الأزاهير والثمر.. لا مداس هي.. جمال هي فادنوا منه بحقه.. حق المرأة أن تهبكم حضنا يلد الفاعلية متجددة غضّة بضّة.. بالمرأة تلد الفاعلية حريتها.. وكن أبا للكل الذين من صلبك وصلب أخيك نبتوا.. كن أبا في جماعة مفتوحة للشموس والأقمار.. لا تغلق أبوابك ونوافذك دون البراعم في قريتك.. لا تحمل أبناء تمتد باسمك أسماؤهم، لا تحملهم على كاهلك وتمضي في دروب العتمة.. ليكن قلبك، مرتعا لكل القصائد.. مع أحباب الله ارقص وانشد ترانيم الخلود.. صل النسوة كلهن.. لنجعل من أمومتنا وأبوتنا رسالة واحدية.. فلتستولد أبوتنا وأمومتنا ذاتها حبوا وركضا وفتوة.. ولنتقدم من أفق إلى أفق أروى وأصبح..

 

(28) الموت حياة في حيوات وعشق سائر..

فإذا أبحرنا أسرة واحدة، صار الموت حياة في حيوات وعشقا سائرا.. من أمي وأبي استولدت الفاعلية المطلقة كينونتي.. في كينونتي تحيا أمي وأبي.. في كل أبناء أمهاتنا في مماتي أحيا.. يموت فعلي وأصير فعلا.. وفعلي لا ينتهي.. فعلي مفتوح بالفاعلية المطلقة على الأبدية والأزلية.. أنا فعل عاشق سائر في كل الخلايا.. بحب وشوق للحرية والسلام أنا خالد.. الموت لا ينهيني؛ الموت حيوات يبثها الشوق في كينونات تتجدد بها كينوناتنا.. الموت عشق الفعل للفاعلية فتبذر الفاعلية فعلها في الأرض والسماوات لتنبت غضة بضة مرة أخرى. الواحدي لا يهاب الموت فالموت صيرورة التجدد بالشوق والوصال.. الموت واحدية في ذروتها.. هو تمام التمام.. الموت يزرعني في كل قلب.. الموت ينثرني في بطون إخواني في الثرى، وفي رؤوس إخواني في ذروة الوجود..

 

(29) الخير واحدي.. الواحدية سلام يبدعه المحبون..

الموت سلام يتوج حياة السلام الواحدية. الموت ليس نهاية الكينونة لكنه نهاية حديتها. هو بداية انفتاح الفعل إنفتاحا أبديا على الفاعلية يتلقى به الفعل خير الفاعلية المطلق من غير ضن.. وماذا يبغي السلام غير السلام؟ الفعل المنفتح بالسلام في الحياة، فعل منفتح بالسلام في الموت. وليس بعد السلام خير. الواحدية خير في الحياة خير في الممات. هذا الخير يبدعه الحب؛ يبدعه المحبون لا بالهوى..  المحبون بالعقل المستنير بالحقيقة الحرة الطليقة من حديات الفعلية؛ كما الموت حياة منطلقة من حديات الفعلية. الحب هو أداة الانطلاق من حديات الفعلية. الحب أداة تواصلنا وقانون اشتراكنا في قلب كبير مشاع للكل.. ولكل ما يملأ وميضا.. الواحدي منار وارف..

 

(30) الواحدي فرس وفارس لا يرده البرد القارس عن نضال الجائر..

لكن السلام الواحدي ليس هوانا.. الواحدي شامخ الهامة رحب النفس عظيم الهمة. يأبى الواحدي الجور ويناهض العدوانية والظلامة ويفتدي بقوته كلها بادرة رهيفة إذا ما عرض لها خطر أو أنهكتها النوائب. هو فرس وفارس مقدام في الخطوب معطاء على تقلب الأحوال.. الواحدي ومض هاد هادر بالشوق والسلام. الواحدية ثورة العقل على السلب والنفي والاحتواء، أداتها الحقيقة الصميمية للوجود الكلي الحر الطليق من نهايات الأنوات المنغلقة المتجمدة في بهيميات الليالي الباغيات الهالكات المهلكات. لا يكون سلام وعلى الأرض مسلوب مقهور. سلام الواحدية حب مناضل لكل جائر. الواحدية لا تبغض وتناضل الجائر حبا للمهضوم وحبا لإنسانية الهاضم رجاء أن يهتدي ويحسن وينبعث حرا طليقا من أوهام ظلامات النفوس.. رجاء أن يستقيم بالعدل فنزرع حقلنا الكبير معا.. ونجني البر والأزاهير معا.. ونصلي ونرقص معا.. ونعشق معا.. ويبدعنا الشوق والوصال ونبدعه معا.. إن الذي يبلع الرغيف وأنا والنسوة والبنات والأبناء نحلم بلقمة نلملمها من أكوام مزابله، هذا الذي سرقنا قد ألهب النار في صدور النار دفء لها لكن النار تأكلك أيها الجائر.. أيها البعض من كلٍ نحن بعضه، دعوتنا سلام لك سلام لنا.. لكن لا سلام ونحن في بطنك.. فليكن سلاما.. سلاما بالحرية والعدل فليكن..

 

(31) الدين السلام والحرية وثمر الأرض حق الكل وغرسها واجب الكل..

السلام ديننا نحن الواحديين. والحرية شريعتنا. السلام حرية والحرية سلام. السلام هو القوة في أسمى تجلياتها. ليس القوة أن يقهر هذا هذه أو هذا ولا هذه هذه أو هذا.. القوة أن نتحررمن شهوة القهر ومن نزعة الانقهار.. القوة أن نتحرر من كل شهوة تجاوز الوميض؛ فما جاوز الوميض خالف الحقيقة الصميمية العميقة. القوة فعل تغدوه وساعة الفاعلية المطلقة وإلى مستوى الحقيقة الصميمية العميقة. من يدين بالحقيقة يملك الكل لكن لا بشهوة الأكول الظلوم.. يملك بعقل طاهر وواع بأن الكل للكل، وأن الفردية تقوم بالكلية والكلية بالفردية. من لا يملك شهوة أكبر من الوميض يملك الحرية له ولنا، يملكها ملكا يحرره من ظلامات نفسه ومن حدية الآن وجمود الفعلية. وكل دين لا يكون سلاما وحرية ليس دينا.. إن كل الأرض لنا، لنا سويا.. أما الجائر فمجاف للحقيقة معاد للفاعلية التي أنجبته وأنجبتنا وأنجبت معنا حقوقنا على قدر سواء.. كلما يلد ولد، يلد بحقه التام في الوجود التام.. ولا يتم الوجود لوجود ما بقي فينا جائر يأكل حقه وحق غيره. ما بقي فينا جائر فلا سلام.. ودين يعطي لأيٍ حقا غير حقه، والحق وميض لا أكبر، هو ليس الدين.. دين لا يبدع السلام ليس دينا.. ليس ديننا.. دين لا يأتي بالسلام لن يأتي بالحرية والعدل والحب والجمال..

الأرض حق لنا كلنا. حقنا في الأرض كلها حق من الحق الأصلي العميق الواسع. ومن هذا الحق العميق الواسع حقنا أن نزرع الأرض سويا ونحصد خيرها سويا. إذا كانت الفاعلية المطلقة [= الحرة] للوجود هي الحقيقة العميقة الواسعة، فإن الفعلية هي وجودية الفاعلية المطلقة. نحن فعلية لفاعلية الوجود المطلقة. الفاعلية فاعلية بنا. فينا من الفاعلية بقدر ما تسع فعليتنا. الفاعلية حرة مبدعة إبداعا متجددا؛ فعليتنا إذن، مبدعة إبداعا متجددا. ومن الإبداع أن نحرث ونغرس ونسقي. من لا يفعل ذلك يجافي الحقيقة العميقة الواسعة. من لا يفعل ذلك يحد الفاعلية الحرة المطلقة بجمود فعليته. الفعلية الجامدة لا حق لها في شيء غير جمودها وما يترتب عليه من هلاك. لا حق لهالك في الحياة. الجامد يفقد فرصته في الحياة الفردة، وتأكله نار الفناء وتذرو الرياح رماد جسده في الأرض لتثمر الأرض بفعلية أخرى الثمار والأزاهير والموسيقى والصلاة والرقص والعشق والسلام والحرية والوصال في هدأة الأقمار ومع إشراقات البكارى..

 

(32) وإن غدت المنازل مشاع الموسيقى فاح الشوق من الحنايا فلا أبواب ولا سِتْرا.. الفضيلة الحرية الفضيلة الحرية.. الفضيلة صدق البراءة البكر وطلاقتها..

فإذا كان الدين سلاما والحرية شريعة فما انغلاقكم وراء أبوابكم ونوافذكم؟! الله لا يسرق الله. الله انفتاح لا ينغلق. هو انفتاح من أول بلا بداية إلى آخر بلا نهاية. الأبواب والنوافذ لا تحد مطلقا سرمديا واحديا كل أبعاضه فيه وبه ومنه. ما الذي يقصي الأسود عن الأبيض والناعم عن الخشن والكل أبعاض الواحد الكل؟! ماذا يقصيك عني والسلام دعوتي والحرية شريعتي والحب أرضي والعدل قوامي والجمال مرآي ومسمعي؟! بين أيدي المحبين يتراقص الواحد وتتلولوب خواصره فينتشر فوح الموسيقى في المدى الطليق. فإن غدت الموسيقى مشاعا فلا أبواب ولا نوافذ عازلات فارقات.. ولا يقصيني ستر عنك. وماذا يسترك بعد وقد تحققت؟! الحقيقة عارية.. الحقيقة نور غامر هل يستر النور الغامر؟! جدرانك وهم لا يحجب الشمس. أنت أنا وأنا أنت فانكشف واقترب.. انكشف فالفضيلة انكشاف.. الفضيلة العظمى صدق بريء من  أكاذيب اجتماع القاهر والمقهور وتأويلات الكروش المنفوخة والهراوات الغليظة والجماجم القاتمة. الحرية فضيلتنا نحن الواحديين.. الحرية شريعة فضلى نبتت من بكارة الوجود.. تنبت الحرية من كل بكارة أفنانا مغردة آناء الليل والنهار بموسيقى الشوق للتحقق من تمام إلى تمام..

 

(33) الحب سبع سماوات وسبع أرضين وأكبر والكريم كريم محرابه..

ما يقصيك عني وديننا حب كبير وسع السماوات والأرضين وأكبر. إن أحببتني هذا الحب الكبير فأنت الكريم.. ليس الكريم من يسطو ثم يعطي. ليس الكريم من يسطو على الرقاب ويرغمها على المراغم بشهوة جامحة طاغية سالبة. ليس كبيرا من كان ذا بطن كبير وحاشية كبيرة وذا مهارة في الاختلاس كبيرة. ليس كبيرا من يسطو على أكبر الكراسي بالرغم عنا فلا ينخلع منه إلا بالرغم عنه. كبير الحب هو الكبير هو الكريم هو المفتدى.. كبير السطو كبير اللئام. فداك أبي وأمي وإبني وأخي يا كبير الحب الواسع فلا تقصيك عني ولا تقصيني عنك النوائب والفواجع ولا شهوة أكبر من وميض. أنا بك أنت بي أنا وأنت لنا.. فما إغلاق البيت دوني والبيت بيتي وبيتك.. البيت لنا نحن أبعاض الواحد.. فإذا غدت بيوتنا زجاجا روقا ورَوْحا غدت نفوسنا فضيلة الحرية وغدونا الكرام الكرام.. إذا كان بيتك زجاجا يقيك برد الشتاء فلا شيء تعطيه فأنت الكريم الكريم..

 

(34) يبدع كل ومض الواحديةَ واحدا يلج في واحد لتزغرد واحدية غضة زغرودة النصر المتجدد..

إذا غدت بيوتنا زجاجا صافيا غدا الواحد منا ومضا فردا: واحديا لا ينقسم.. واحديا يلج واحدا فتبدع الفاعلية المطلقة ذاتها من جديد زغرودة انتصار غض، هو ومض واحدي بكر. الفاعلية ومض يبدع ومضا؛ هي فعل يبدع الفاعلية. الفعل [الومض] يبدع الواحدية الفاعلية بواحديته. في ومض الوصل، واحد فرد يدخل واحدا فردا فيكون واحد فرد بكر. تلك الحقيقة نتشوقها، فلماذا نختبىء في عتمة الجدران ونغلق الأبواب والمنافذ؟! الحقيقة لا يحجبها حجاب.. لكن الأحرار هم الذين يفعلونها ويجاهرون بها ويفاخرون ويجاهدون في سبيلها..

 

(35) الحقيقة منثورة في الأرض والسماوات محمولة على آنات الزمان..

الحقيقة أكبر من أن تدفن بين فرش وسقف وجدران.. الحقيقة مشاع.. هي منثورة في الأرض والسماوات.. هي الأرض والسماوات وما بينها وما هو أكبر.. الحقيقة في هذا وذاك على قدر السعة للهذا وللذاك.. الحقيقة منثورة في كل وجود بكينونته.. تتعين الحقيقة في الآنات والأعيان.. فلا تزعم أنك ملكت الحق كله وليس لك من الحق إلا ما يملأ عينك وآنك.. على قدر ما تسع من الوجود تسع من الحقيقة.. وأنت لا تسع الوجود كله.. فأنا حقيقة بوجودي المنماز عن وجودك.. الحقيقة بيني وبينك على قدرنا..

 

(36) الله حق والنبوة حق والحق كائن بكينونته..

إيمان المؤمنين بالله والنبوة يجعل من قضيتي الله والنبوة كينونة. وكل كينونة حق. ولكل حق وساعته الوجودية. ووساعة الكينونة تطابق قوة فعليتها بميزان الفاعلية الحرة المطلقة. الله في عقيدة المتدينين حق سلام عادل لا أول له ولا آخر محب رزاق واحد جميل له الأسماء الحسنى؛ والإيمان بالله إيمان بالقيم العليا التي تجسدها صفات الله وأسماؤه الحسنى. والمؤمن مدعو لتمثل هذه القيم العليا التي هي قيم الواسعية الواحدية التي توسع فعلية المومنين فتوسع كينونتهم ووجودهم، فتقوى فيهم درجة الفاعلية بحقيقتها الصميمية. وبالنبوة انفتح الوجود الإنساني الدنيوي على وجود أخروي خالد، فتعمق الفعل الإنساني بقوة فاعلية منفتحة ومن ذات الفاعلية الواحدية الحرة المطلقة. هذا العمق الوجودي النظري يتبلور في سلوكيات المؤمنين بانفتاح على الخير والديمومة؛ أي: يتبلور في كينونة واسعة مملوءة بقدر أكبر من الفعلية الفاعلية الحرة المطلقة التي هي الحقيقة الوجودية الصميمية..

 

(37) الكل واحد والفاعلية سرمدية..

الوجود بالإطلاق لا يتعدد. الوجود المطلق يملأ مقولة الوجود. والوجود فاعل بطبيعته؛ الوجود والفاعلية مقولة واحدة. الوجود فاعلية سرمدية. الفاعلية حركة متمايزة في ذاتها تمايزا لا يعددها. ولولى تمايزها لكانت جمودا وذات حد، ولخالفت فاعليتها السرمدية؛ لولا التمايز لانكشفت دفعة واحدة ثم آلت إلى الفناء. لكن لا فناء للوجود، فلا بد لها من التمايز؛ هذه طبيعتها كما الواحدية طبيعة لها طالما أن الوجود مملوء بذاته فلا فسحة لغير. والسلام الذي تدعو الواحدية إليه مرتكز إلى مقولة ” الكل واحد..” فنحن أفعال الفاعلية الواحدة؛ أي: نحن أبناء أم واحدة؛ فلماذا يعدو الأخ على أخيه؟! أنا وأخي من ذات واحدة؛ فكيف أعدو على ذاتي؟! العدوان بين الناس عدوان على الحقيقة. السلام هو الحقيقة..

 

(38) إذا انغلقت ذات في آن تلاشت..

من واحدية الكل وسرمدية فاعليته تستمد الذاتية الفردة حيويتها. فإذا تضاد الفعل الحيوي لذات فردة مع حقيقة واحدية الكل وفاعليته المتصلة من الكلي للفردي ومن الفردي للكلي؛ من الجماعة للفرد ومن الفرد للجماعة؛ إذا وقع هذا التضاد فهو يضع المنغلق على ذاته في خنقة وجودية؛ فيها لا بد من التخلص من حالتها المأزقية التي وقعت لها بالجمود وفقدان القدرة على مواصلة الحركة؛ أي: لا بد للمطلقية من التخلص من الذات المنغلقة ليستأنف الوجود حركته السرمدية. تهلك الأحياء إذا انغلقت عليها أبواب التواصل مع الوجود الأكبر. والأمم التي تتكلس في زمان لم يعد واقعا لا تتأهل للبقاء اللائق بالفعل الإنساني المبدع بانفتاحه على الفاعلية الوجودية الحرة المطلقة المبدعة..

 

(39) إذا انفكت آن عن آن بددتها الريح..

إن من يغلق الأبواب والنوافذ دون الشموس المشرقة والأقمار الناعسة والنجوم الشاهقة، يغلق على نفسه بيتا من ذئاب وعقارب وحوض آسن. الفاعلية تتجدد كل آن بانفتاح فعل على فعل، انفتاحا مبدعا. وكل انفتاح إبداع.. ما الإبداع إلا انفتاح.. حياة الآن هي فعلها المنفتح بالفاعلية الحرة المطلقة المبدعة المتجددة. هذا الفعل فعل يتصل بفعل آن أخرى منفتح هو أيضا على صميميته، يغترف منها ويهبها تجددا وسرمدية. ولا ينفك الآن عن الآنات غيره كما لا ينفك الكائن عما كان والنتيجة عن عواملها السببية. انفتاح كينونة على غيرها لا تقوم في فعل انفتاح الكينونة على ذاتيتها التاريخية فحسب. الفعلية ذات ارتباط حميم بما كان وبما هو كائن. الأمة التي تقلع حاضرها من تربته الثقافية، تقلع نفسها من التربة الوجودية؛ ومن تذروه الريح لا يفيد من شيء مما حوله. لا يقوم لأمة مشروع حضاري لا يضرب جذوره في ذاتيته، ضربا لا يعيق الانطلاق في الراهن الحضاري للإنسانية كلها؛ وبمنهج الواحدية المنفتح بالحرية الداعي للحب والعدل والسلام للناس كافة..

 

(40) أيها الواحديون.. رضاً رضاً وازخروا بالشوق واستنبتوه.. قولوا سلاما رددوه وامضوا.. اصنعوا سلاما وغنوا له.. أيها الأماجد الذين يبدعون المطلق وتبدعهم الحرية.. أيها الروح التي لا يستذلها الملك إلا وميضا..

أقبلوا – أيها الواحديون – على الحياة بجماعكم كله.. ببهجة تضيء لكم دروبكم أقبلوا.. من يُقبل على الحياة بجماعه كله.. ببهجة.. تُقبل عليه الحياة بجماعها كله.. ببهجتها كلها.. الذين يُقبلون على الحياة بجماعهم كله.. ببهجة القلوب والعقول.. يفعلون ذلك بمحضهم الوجودي..

المحض الوجودي مفهوم الواحدية: أصل الوجود واحد؛ واحديا كان الوجود.. إثنان أو أكثر لم ولا يكون.. كل فعل يفعله الوجود هو فعل الواحدية الوجودية.. كل كائن هو فعل الوجود الواحدي.. هل يفعل الوجود الواحدي غير فعل واحدي؟ كل فعل لفاعل هو فعل بطبيعة الفاعل.. الفاعل واحد، كل ما يفعله الواحد واحدي بطبيعة الفاعل الواحد.. الواحد يفعل واحدا.. الوجود الواحد فاعل يفعل كيانات واحدية.. كل كيان هو واحدي بطبيعته.. واحدية كل كائن هي محضه [قلبه / أصله] الوجودي. هذا المحض الوجودي لكل كائن هو المحض الوجودي للوجود [الحر المطلق] الواحد.

من يُقبل على الحياة بمحضه الوجودي.. ببهجة.. يكون قد أقبل على الوجود كله بمحضه الوجودي الكلي البهيج؛ أي: واحدية كيانية – هي أصل كل فرد وطبيعته – تُقبل على وجودية كلية واحدية هي أصل الوجود المطلق كله.. هكذا تُقبل طبيعة على طبيعة هما ذات واحدة.. هكذا تنفتح طبيعة على ذاتها.. هكذا تنفتح طبيعة محدودة بكيانيتها على الطبيعة المفتوحة على أبعاضها، بأبعاضها.. الطبيعة [الكلية] تنفتح على أبعاضها بفعلها البعضي..

امرأة ببهجة الفؤاد أينعت وأثمرت.. هذه امرأة أم.. الأم أصل؛ هي أصل فاعل.. الأم واحد.. البنات والبنون أفعال لأصل واحد فاعل.. فعل الولادة / البهجة – في كل مرة – بعض من فاعلية الولادة التي هي المحض الوجودي للمرأة؛ الذي هو فاعلية المرأة (فاعلية المرأة دون ولادة تكون قابلية إنسانية غير تامة مغلقة من جهة ذاتيتها الوجودية كأم).. الوظيفة الوجودية الأصلية للمرأة هي فاعلية الولادة والإبهاج. من لم تلد ليست امرأة [كاملة بالإمكان والتحقق].. الرجل لا يلد البنات والبنين.. الرجل يلقي بذرة ويمضي.. الأم تغذو بدمها – ببهجة بلّورية – هذا الجنين وهذا الجنين.. كل جنين كينونة واضحة بذاتيتها.. وجود كل جنين من أمه.. الأجنة، لأم واحدة، كثر.. تلد الأم الواحدة الأشقاء الكثيرين؛ الشق جانب أو بعض من كل.. تلد الأم في كل مرة شِقّا؛ بعضا.. ومنذ يبدأ شقها في التكون، يبدأ منفتحا عليها ومنفتحة هي عليه.. تبدأ فاعليتها بالانفتاح بفعلها على فعلها.. وتستمر فاعلية الأمومة باستمرار حيوية الجنين.. ويبقى الجنين حيا ما بقي موصولا بحياة أمه؛ والجنين محض حياتها.. وحياة الأم محض حياة الجنين.. حياة – بإقبال الكل وبالبهجة – تنفتح على حياة.. حياة أصل تنفتح على حياة شقٍّ من هذا الأصل. ولو أن الشق قرر أن يرفض أمه، وأن يوقف فاعلية انفتاحه عليها، فهو يكون قد قرر هلاكه.. يهلك هو وتبقى الأم قابلة للانفتاح من جديد، بفعل جديد، وببهجة، على محضها الوجودي.. إذا لم يُقبل الشق على كله.. إقبالا تاما، ببهجة بريئة بكر كل آن، هلك وانتثر..

قبول الفردية على الكلية، وببهجة،  هو الرضا؛ رضا طبيعي [عقلي]. فهو طبيعة يعيها العقل بالكشف عنها؛ والتكيف بها وتنميتها.

تقوم علاقة الرضا – الرضا على قاعدة الشوق البهيج الذي هو العلاقة بين الفاعل وفعله.. الأم زاخرة بالشوق المبتهج المبعج للولادة، وزاخرة بالشوق لأبنائها والبهجة بهم؛ فعل الولادة استنبات مبهج للشوق. الشوق هو منتج النموات من الطبيعة.. الأم طبيعة والولادة فعل طبيعي متنام. الشوق عامل تكويني بهيج في فاعلية الطبيعة النامية. النمو الفاعلي هو فاعلية طبيعية [وجودية].. هذه الفاعلية تتطلب السلام.. إذا قتلنا الأم قتلنا شوقها وقتلنا طبيعتها النامية؛ السلام بيئة نمو الشوق البهيج.. الواحدية دعوة للسلام.. والبهجة.. ليس واحديا من لا يدعو للسلام.. ببهجة.. يدعو الواحدي للسلام.. ببهجة يدعو: “قولوا سلاما رددوه”.. النمو بالشوق المبتهج فعل غير جامد.. دعوة السلام البهيج الواحدية فعل غير جامد.. الواحدي يدعو للسلام البهيج ويمضي.. يمضي قُدما.. “وامضوا..”؛ ودعوة السلام الواحدية مليئة: “اصنعوا سلاما”.. ليكن السلام فعلا واقعا لا زعما.. و”غنوا له”.. ليكن نبعا من بهجة الوجدانات ومن وعي عقلي مبتهج.. ليتعضون بالكينونة الإنسانية الواحدية.. الإنسان عقل ووجدان؛ واحد هما العقل والوجدان..  وجهان متكاملان هما.. فليكن السلام أنشودة البهجة الجماعية.. فليكن جمالا تعشقه العقول.. ليكن منشدا متناغما مع حقائق الكون.. فلنكيف به الحقائق تكييفا جماليا.. السلام البهيج كشف الحقيقة المحضة.. هو أغنية الأماجد.. هو الذي يبدع وجودنا المطلق من الاستعباد.. السلام البهيج يبدع الحرية.. الحرية مفهوم واحدي يبدع الواحديين.. الحرية التي تبدع الواحديين تبدع السلام البهيج الذي أبدعه الشوق المبتهج الذي أبدعه الرضا بالحق.. والحق بهجة.. الحرية هي روح لا يستذلها الملك.. أليس الملك هو العبودية؟ أليس المالك – في الحقيقة – مملوكا لما يملك؟ المملوك ليس حرا.. ليس مطلقا.. ليس متشوقا ببهجة لنمو وجودي يصنع السلام ويغني له.. الواحدية ترفض مبدأ التملك لأنها ترفض مبدأ الاستذلال.. ولكن طلب ما تقتضيه الحاجة لاســـتمرار الحياة مشروع بل هو واجب.. وهذا هو “الوميض” (الومض) [= نور في خطفة].. وما زاد عن الوميض تملك يستذل الروح..

تمت كتابتها في: اليمن – صنعاء – بتاريخ: أول أيام عيد الضحى1414هـ الموافق 21 أيار (مايو) 1994م

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s