فاعلية المسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

فاعلية المسلم

 

 

الدكتور حسن ميّ النوراني

alnorani@live.com, alnoorani@hotmail.com

 

إن جناح الهلاك لا يطوي رجالا يجاهرون بالحق..

فهم أكبر من أن يفنوا..

هم الماجدون!

 

تحفيز

 

هذه الرسالة تحفيز للفكر العربي المعاصر، على مواجهة واقع المفعولية الذي ترضخ له الأمة؛ منتج التاريخ الطويل، والراهن المرير، معا:

 فبدأت بمقدمة تشير إلى “المفعولية”، نقيض الفاعلية العقلية التي دعت إليها؛

 وبنت وجهة نظرها على قاعدة “واحدية الوجود”؛

 وتكلمت عن “منهاجية التفكير العربي” الإنفعالي؛

 ووصفت “إيمان الأوائل” بأنه كان انفعاليا، ولم تهدف إلى تجريح أسلافنا العظام؛

 وفي فصل “الواسعية إعجاز القرآن” نقدت المفاهيم الشائعة عن الإعجاز القرآني؛

 ثم قالت في “تقويم الفكر” أن القرآن مرقاة الواسعيتين الفعلية والعقلية؛

 وفي تناولها لقضية “الحدوث”، رفضت القول بأن الوجود المدرك بدأ من عدم؛

 وفي “العابد فاعل” قررت أن المسلم فاعل بعبادته التي يحقق بها واسعيته؛

 

أرادت هذه الرسالة، أن تقول بوضوح وجلاء، أن التزامنا بقضية حرية التفكير، هو شرط نهوضنا الحضاري الذي نتطلع إليه؛ والفكر الذي يفتقر للشجاعة، لا يبدع رؤية طليعية مقدامة.

 

شوال ـ مارس / 1414هــ ـ 1994م

 

 

      مقدمة : المفعولية

هزيمة المسلم في الجبهة الفلسطينية، آية سقوط حضاري تأدت إليه الأمة المفعول بها وفيها، صورته المجملة غياب فيما وراء دائرة الفعل، وجمود على هامش الوجود، محكوم بسلطان التقليد للآباء، في زمان مغاير للزمان القديم؛ زمان اقتحمته دعوة العقل، فتهاوت أمام معاوله المنتشية بنصر باهر، حصون تاريخية، كانت فاعلة فيما انقضى؛ ولكنها اليوم، وبمنهاجية تكيفها مع الواقع، معوقات لحركة مواجه التحدي.

إن ذيلية الأمة، والشروخ الغائرة في بنيتها المادية، وترديها الخلقي، وتخلفها التقني، وهزيمتها المنتشرة في ثناياها الجوانية، وانفصاميتها الحضارية الحادة، وتيبس رؤيتها، وظواهر أخرى، هي أعراض مفعوليتها المتناقضة مع الفاعلية المقدامة.

وعندما يهجم الطوفان، فإن الإنغلاق على الذات، واستدبار الحقائق، وتفادي المواجهة، موت، أو يشبه الموت.

وعندما يحدق بالأمة خطر قاتل، فإن حاجتها إلى فضيلة الصدق، وإلى بطل جسور، تعادل حاجتها إلى التشبث بالحياة.

ولكن الطائفة المناط بها حراسة وجود الأمة، تخلفت عن إنجاز مهمتها؛ لأسباب يعود بعضها إلى انتماء غير واع للتراث؛ ويعود بعضها الآخر، إلى خور أخلاقي أصاب أولئك الذين توهموا ان النفاق والكذب منجاة من عذاب الله، وسنن كونه.

وإن هذا لبلاء عظيم!

المفعولية مشكلة المسلمين في العصر الراهن!

وللمفعولية جذورها التاريخية، وما لم يكشف عن هذه الجذور؛ فلن يعرف الداء، ولا الدواء‍!

إن الأزمات التي تستفحل أخطارها إلى الدرجة التي بلغتها أزمة الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، تتطلب ما هو أكبر وأجدى من حركة حانية تلمس برفق عرق الحياة النازف!

فليست مشكلة المسلمين الراهنة من تلك المشكلات التي يكفي لعلاجها التوقف عند مستواها الظاهر، لأن ظاهرها مستوى ولد من آخر له جذور ضاربة في تراث ما قبل الإسلام.

فهم المسلمين للدين، هو أصل مشكلة المفعولية المسئولة عن أزمة الأمة الحضارية في العصر الراهن.

وهو فهم تلقاه اللاحقون عن السابقين، تحت نير سلطة فكرية، دعمتها سلطة السياسة القديمة، فاصبح كل نظر حر خروجا على الدين وعلى الجماعة؛ بينما هو في الحقيقة خروج على أوهام المتدينين، والمصلحة الآنية للمتسلطين.

كانت التعددية أحد خصائص الإدراك العربي الجاهلي للوجود، وتكييفا للفكرة الإسلامية كما نزل بها الوحي من الله تعالى. ولتعددية العربي، برزت في وعي المسلم، تفرقة حادة بين اثنين: الأول فاعل، والآخر مفعول؛ هذه الثنائية، هي معطى تكوين بيئي تراثي صنع النموذج الفكري العربي؛ لم يهيء له ـ للفكر العربي ـ  إمكان الفهم الصحيح للدعوة الجديدة.

ثم ترجمت سلطة السياسة فكرة الثنائية العقيدية، إلى ثنائية الحاكم والمحكوم؛ وفي التطبيق، فقد كان الحاكم فاعلا، والمحكوم مفعولا؛ بيد أن الحاكم ظل يزعم أنه مفعول لفاعل على الحقيقة هو الله؛ فتكرست فكرة المفعولية، وطغت على وعي الأمة.

كانت المفعولية في وعي وسيرة المسلم الأول، تمثلا للأمر الإلهي بحمل الراية والإندفاع بها في حركة، كانت فاعلة الأثر، ونبضت بها قلوب مؤمنة، لم تكن مشغولة بنظر يتغيا الفهم الأصيل للدور الإنساني في الوجود؛ ولكن الغاية التي سعى المسلم الأول لتحقيقها، كانت تجسيد الدور وبلورة نموذج حركي له.

ثم إن منهج العقل لم يكن قد ألح على مسلمي أول الدعوة، مثلما لم يكن قد ألح على الأجيال التالية؛ فلم يواجه التحدي العقلي الأمة كما يواجهها اليوم، ولم تدخل الأمة في ماضيها كله، مأزقا حضاريا يوازي المأزق الراهن، الذي يخلقه تحدي الإنجاز العقلي، والذي دهمها بينما هي في غيبوبة الغفلة والعبث.

العقل هجم على اللاعقل، فانتصر العقل واندحر اللاعقل.

وعقيدة الإسلام كما يدين بها الناس من اللاعقل الذي ورثناه عن أجداد لم يحيوا في زمن سيادة الفاعلية العقلية.

وما من سبيل الآن إلى إنكار دور العقل أو التكيف بغير منهجه؛ وليس من سبيل أمام المسلم المعاصر غير أن يقبل التحدي العقلي لعقيدته، وأن يثبت صدق ما نزل به الوحي.

فإذا لم يستقم أمر عقيدة المسلمين بمعيار العقل، فهل يستقيم الدين ذاته على هدى العقل المتحرر من أوهام الأولين واللاحقين التابعين؟‍

والدين القويم، يصدق أمام كل محك، خاصة المحك الذي يثبت أن الإنسان، من خلال منهاج العقل، فاعل، وشريك في الوجود، مختار بإرادة، صانع غير مقهور، ثم هو رائد حركة، يتحرر بها الفرد وتتحرر بها الأمة من إرهاب الماضي، لتلج بها الأفق الوسيع.

ومثل هذا الدين هو مطلوبنا‍؛ فهل الإسلام هو الدين المطلوب؟ أو؛ هل هو الدين الذي يمكن للعقل فهمه فهما يسترد به المسلم فاعليته؟‍ أجل!

                      حسن ميّ النوراني

 

                                          العين ـ الإمارات العربية المتحدة

                                       17 رمضان 1405هـ ـ 5 يوليو 1985م

واحدية الوجود

الله هو قضية الدين النظرية. وعلى مستوى الفعل، فإن قضية الدين، هي العلاقة بين الخالق والخلق.

والله، في المفهوم الديني، واحد، خالق.

والله، في معتقد المسلمين، خالق، مغاير للخلق؛ هو وجود مستقل، خلق وجودا آخر، ليس هو؛ فبعد أن كان الوجود الأزلي واحدا، أظهر الله وجودا آخر، زمانيا، هو الخلق؛ فصار الوجود وجودين: وجود الله، ووجود العالم.

هذه الثنائية الوجودية، هل يسلم بها العقل؟

وهل ثنائية الوجود مسلمة دينية، أم هي وهم عقيدي؟

فإذا رفض العقل ثنائية الوجود، فلا بد له أن يرفض الدين، إذا كان جوهر الدين، الإيمان بوجودين متغايرين، هما: الله، والعالم.

وبزعم الفكر العقيدي، فإن الله وجود لا يتصور العقل نهايته، فإذا كان الله لانهائيا، فإن خلقه لوجود غيره، تناقض مع ذاته، ولا يزول التناقض إلا بنفي ثنائية الوجود؛ فإن كل وجود آخر، غير الوجود الأول، حد للوجود الأول، وحكم عليه بالتناهي.

نحن نعرف الوجود ابتداء من خبرتنا ـ خبرة الذات بالموضوع ـ والوجود الذي نعرفه بالخبرة، ونتخيله بالعقل، غير محدود؛ إنه ملاء، يملأ مقولة الوجود. وإذا كان الله قبل العالم يملأ الوجود، أو كان هو الوجود الممتلىء بذاته، فلا قدرة له على خلق وجود آخر مغاير له؛ والخلق لا بد أن يكون بـ، ومن، وفي ذاته. ولو كان العالم محدودا، فهو حد للوجود الإلهي. فإذا كان الوجود الإلهي مالئا للوجود من قبل الخلق، فإن القول بخلق مغاير نفي لقضية ملءْ الله للوجود؛ فيكون الله ناقصا، محدودا؛ والدين يرفض نقصان الله.

وإذا صارت مغالطات الأفكار عقائد تحكم الحياة الإنسانية، صار البلاء قاسيا. وقد أفرزت الثنائية سلبيتها، منذ تجرأ سلطان السياسة الإسلامية على الزعم أنه قدر الله الذي لا راد له، ومنذ أن تحولت الإمامة من حاكم يسأل الأمة أن تصلح إعوجاجه، إمام يحمد الله على أن الأمة لن تتردد في تقويم اعوجاج أميرها بالسيف؛ إلى إمامة تكره الأمة على ما تأباه، فيجبر الحاكم الناس على مبايعة إبنه بالخلافة، من غير حق؛ ثم يجيء سلطان فيرى الإرادة الحرة رؤوسا يانعة حان قطافها!

كرس نظام السياسة عقيدة الثنائية؛ فإذا كان الوجود إثنين: الأول مطلق هو الفاعل، والآخر مفعول مسلوب الحول، خلقه الخالق من عدم؛ فما حيلة الإنسان أمام تصاريف الزمان، إن كانت التصاريف حكما مقضيا به ومقدرا من حاكم فوق، يفعل ما يشاء؟! وباسم حاكم التصاريف، يسوس حاكم المسلمين الرعية!

هيمنت فكرة المفعولية على المسلم، وبرزت سلبيتها بما أحدثته من انفصام البنية، وقبول جور الحاكم، ومطاوعة الظلم. وكيف المفكرون الحياة المجتمعية مع القدر السياسي الصارم؛ واحترزوا من خوض غمار معركة يتحدون بها سلطان العقيدة، أو عقيدة السلطة؛ افتقد المفكرون روح التجديد البطولية وهادنوا؛ فعززوا انقسام المسلم إلى ديني، ودنيوي؛ وبالطبيعة، قدم الناس عاجلهم على آجلهم، وهم لا يزالون مشدودين بوجدان مزدحم بقضاء وقدر، يظنونه جار من فوق وجودهم، ومن غيره، لا فيه؛ أو هو قدر واقع عليهم، لا بهم!

***

الدين يوسع فاعلية العقل، وعندما يجيز العقل الدين، يصبح الدين عقلا، ويصيرالعقل دينا بتوسعه إلى مستوى الوجود الديني. تختلف واســـعية العقل الإنساني ـ بلا دين ، الدنيوي ـ عن واسعية العقل لدى الإنسان الديني. وبتفاوت السعتين العقليتين، يتفاوت المدى الوجودي للدنيوي، والديني. ومن ثم، يمتاز الديني بالقدرة المتفوقة على الحركة في الدنيا، حركة تجاوزية، مرتكزة إلى الدنيا، لا مفصولة عنها.

العقل يوسع الحاضر، وخلال تقدمه المتواصل، يكتشف الوحدة التي تختفي في المتفرقات، وبالنظر القريب. والوحدة لا تلغي الفردية؛ إن كائنات الوجود متفرقة، ولكان العقل، وخلال نموه، يتقدم نحو تفسير واحدي لما هو متفرق في العيان، وكان آينشتين يطمح إلي صياغة نظرية المجال الموحد، ليفسر بها ظاهرات الطبيعة، بنظرية موحدة.

يدعم العلم الطبيعي الرؤية الواحدية، لكن الأخيرة غير معوزة للعلماء الأفذاذ للكشف عنها. فهي تنكشف بالوعي بالوجود الواحد الذي لا يتصور العقل التأملي تعدديته؛ والذي يمتنع فيه تصور العدم المحض، أو اللاوجود المطلق. ستكون الواحدية رؤية باطلة، لو كان للاوجود كينونة، بأية صورة، وكان ـ اللاوجود ذو الكينونة ـ غير الوجود، مغايرة تدفع به إلى خارج التصور الوجودي. ولكن، لما كان لا يمكن تصور إلا ما هو وجود، فإن اللاوجود وجود بالتصور، واللاوجود هو صيرورة وجودية، لا إلغاء للوجود البتة. فكرة الوجود لا تقبل اللا، ولا التعدد.

الوجود هو الصفة الأولى، المطلقة، لكل فرد. وتباين الأفراد فيما بعد اتحادهم في الصفة الأولى، هو تبــاين وجــودي، الوجـــوديـــة صفته الأولى، والمطلقة أيضا؛ فهو ـ التباين ـ ينتفي برؤيته بمنظور الصفة الوجودية الأولى، التي تطوي التباينات في معناها، وفي واسعيتها.

الوجود الواحد يسع الكثرة، لكنه لا يلغيها، الكثرة فاعلية الوجود، وإلغاء الكثرة إلغاء للوجود، بإلغاء فاعليته؛ وحقيقة كثرة الوجود، تطابق حقيقة واحديته. وبلغة العلم الطبيعي؛ فإن العالم طاقة، وهو كثر من الأفراد؛ فالفردية حقيقة كونية وجودية تتكون من طاقة، والوجود كله طاقة متحققة في أفراد. والفردية فعل حركي، فالعالم طاقة، والطاقة حركة؛ فالعالم حركة: العالم أفراده؛ والفرد هو فاعلية العالم. الوجود واحدي؛ والفردية فاعلية واحديتـه.

منهاجية التفكير العربي

لم تكن البيئة الثقافية العربية ـ التي تلقت الوحي ـ معنية بتجريدات العقل؛ كان العربي مشغولا بالتكيف العملي مع الحاضر الراهن المباشر، وكان مهموما بتقلبات بيئته الطبيعية والإجتماعية، دفاعا عن كينونته التي تهددها عوامل ظروف شاقة قاهرة. انعكس هذا الهم على مدركاته العقلية، وكانت معتقداته، تجسيدات لانفعالاته بالبيئة الطبيعية والإجتماعية، وتشكلت رؤاه بآنية لم تحظ بالتقدير في سياق شامل لمقولة الوجود المطلق من حدية الآن، أو محدودية الزمان والمكان.

صبغت البيئة العربية التي تلقت الوحي، حياة الإنسان، الذي هو ـ الإنسان ـ صورة زمانه على كل حال. كانت قسوة الحياة، وحركة العربي المكانية السريعة، عوامل أنتجت منهجية تفاعل حيوي، بمواقف انفعالية. والإنفعال استجابة عجلى، وتغير مفاجىء، يباين نشاط العقل المتردد، والمتراخي في مدة أكبر، تسمح بالتفكير البارد، وإجراء عمليات تحليل القضايا وتركيبها.

الانفعال طغيان ذاتي على لحظته، وعلى موضوعه. لا يقدر المنفعل على التفلت من إرادة الحياة المصمتة المركوز عليها وجود الإنسان الإبتدائي؛ فتنغلق على المنفعل فتحات تواصل اللحظة مع السريان، ويسجنه موضوع انفعاله، لتبرز الفردية حادثة متشنجة، تلغي في جوانية المنفعل الدور الفاعل لممكناته الكلية، النظرية والإجرائية.

كان العربي مضطرا للقفز في المكان، دفاعا عن وجود تتهدده عوامل ظرف لا تدعه يسكن في مقام. وقد انعكس أثر خاصية القفز في المكان على النشاط الأدبي العربي؛ فكان قفزات تنتمي للوجدان وترسم صورته، تنفعل بالقضية فجأة، وتنقلب عن أخرى فجأة، من غير تسلسل من مقدمات إلى نتائج بينهما رابطة الوحدة الموضوعية.

ونشاط التجارة الذي مارسته بعض قبائل العرب، لا يند عن خاصة القفز في المكان؛ فلم تكن التجارة العربية  عندهم علما يتطلب غور التفكير؛ ولكنها كانت قوافل تحمل بضاعة في الذهاب والإياب؛ لقد كانت قفزا في الفيافي، وانتقالا ونقلا. ثم إن التجارة في مجملها، عمل فردي الدوافع والغايات، يلعب فيه حب المال دورا مؤثرا وحادا على الذات؛ فيتكثف بالمال، وراء جدران الذات، وجود أنــانـــي مصمت، يناقـض الكليــــة ـ والجمعية ـ فكرا وسلوكا.

وتتشابك الانفعالية مع الأنانية في نظام القبيلة العربية. لقد كانت “أنا” العربي تنتفخ لتملأ الفرد بـ “أنا القبيلة’”. والإنتفاخ بالقبيلة خاصة انفعالية تعكس أثر العلاقات بين الإنسان والإنسان، والإنسان والبيئة؛ وهو منحى مضاد للعقل؛ لأن رؤية العقل تهدي إلى تجاوز حدود القبيلة، إلى حدود أبعد، بغاية التعاون لمواجهة تحد بيئي قاس تفرضه ظروف البيئة العربية. غير أن شعار العربي كان هو : “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”؛ والأخوة في معناها لا تخرج ـ في مفهوم عرب الجاهلية ـ عن حد القبيلة، وهي مدى العربي الجمعي، إضطره إلى الوقوف وراءه، سلوك القفز في المكان، وسوغه له منطق القفز في الأحكام، وهومنطق الإنفعال. ولم تكن جماعية القبيلة تدريبا للعربي يؤهله إلى رؤية كلية أوسع، التي هي سمة العقلانية، ولكنها ـ جماعية القبيلة ـ أصلت الأنانية وأغلقت النوافذ دون الآخر الحقيقي، الآخر المنتمي لقبيلة أخرى.

وكان الشعر والفروسية والكرم من مفاخر العرب. وكانت هذه الخصال، وعلى ما تنطوي عليه من معان إنسانية كلية، كانت ـ في البيئة العربية ـ مغلولة بقيد الـ “أنا” بشكليها الضامر والمنتفخ. كان الشعر صوت القبيلة وإعلامها المنافح عنها بالكلام. وكانت الفروسية دفاعا عن ذاتية القبيلة؛ وكان الكرم مواجهة عربية ضد خطر الهلاك الذي يهجم على مرتحل في مجاهل الصحراء، إذا ضل هلك، وإذا جاع قاتل؛ وإذا لم تكرم القبائل وفادته، تناقلت الألسن مذمتها، وانحط شأنها في الناس بصنيع البخل الوضيع. فالشعر والفروسية والكرم عند العربي انفعالات بالواقع، ودفاعات أنانية في إطار القبيلة، تأصلت بها المنهجية غير العقلية، المختلفة عن رؤية العقل الواسعة المدى، التي تتعامل مع الفردية، لا في عزلتها عن الجمعي المطلق، ولكن، برد الفردية إلى أبعادها ومقوماتها الفاعلة.

إن مدى الانفعال ضيق، وكان العرب الذين زامنوا الوحي انفعاليين؛ وعقيدة الدين عندهم دليل صريح على منهجيتهم الانفعالية  في الفكر والسلوك. فالوثنية لا عقلية، وكان العرب يعبدون الأصنام تزلفا إلى الله، ومن بطلان المنطق جمع الأضداد معا في مقولة تتأبى على القبول، مثل مقولة الشرك التي تجمع بين الله المطلق، الذي له السماوات والأرض، كما كان العرب يعتقدون، برواية القرآن، وبين صنم لا حراك فيه، يراه الوثني مدراجا إلى الله. ولكن نقيضة المنطق ظلت حبيسة الفكر، جردتها الممارسة من مضمونها في الواقع؛ فاكتفى العربي من وجهي معبوده، بالصنم الذي يصنعه بيديه.

ولم يأبه العرب بدعوات كانت تحضهم على التحرر من جهالة الوثنية، بل قاوموها بسلبية الطفولة حينا، وبمكابرة ظلومة حينا آخر، ورغم مشاعر واضحة لديهم، بأن الإله لا تصنعه الأيدي، ثم يأكله الجياع، وتبول عليه الكلاب؛ فلا يحمي نفسه، ولا يرد عدوانا. ولكن عقيدة العربي الوثنية دفاع عن الشخصية العربية المتمثلة في نمط القبيلة؛ فقد كان لكل قبيلة إله تكرس به انفصاليتها، وكان الإيمان بالصنم جمودا فرديا وجمعيا على تراث الأولين، وكان رفض معتقد الجاهلية خروجا على وحدة القبيلة؛ فلا تتردد القبيلة في مقاومة الرافضين لعقيدتها بكل أشكال القمع والإغراء، كما فعلت قريش مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، ومع المسلمين عامة.فقد زعم القريشيون أن محمدا فرق شمل جماعتهم، فقاوموه فلم تثنه مقاومته عن مواصلة الدعوة، فأغروه بالملك عليهم، وأن يتوحدوا تحت لوائه، بشرط تراجعه عن دعوته إلى دين جديد، رأوا أنه يرفض تقاليد الأولين، ويكسر جمودهم، ويعصف بالأساس البنيوي للقبيلة؛ مبشرا بقيم عظمى لا يستوعبها مفهوم العربي الجاهلي؛ فالدعوة الجديدة، انتماء إنساني للكل، يناقض انتماء الإنسان للبعض، بالتصور العربي الجاهلي الضيق.

الوثنية عقيدة ضيقة، انفعل العربي بها، فظل ضيق الفكر، مغلولا في دوائر وجودية، تمثلت في مفهوم استنكر توحيد الآلهة في إله واحد؛ فهو ـ العربي ـ بحكم تعددية سياسية، ورؤية انفصالية، لم يتأهل لمعرفة واحدية للوجود. كانت إرادة الحياة، لدى العربي، تحت ضغط البيئة والتراث، هي إرادة العزلة. والإنسان الذي يشتبك بالحياة، بمواقف انفعالية، تطغى عليه انفعاليته، وتسلب الانفعالية منه، إمكانات التكيف العقلي. لم يكن العربي عقليا في رضوخه لتراث الأجداد، وكان التكيف العقلي بالنسبة للعربي، يمثل ثورة، لم يكن الواقع العربي قد تأهل للقيام بها.

والجمود والانفعال خاصتان للعربي الجاهلي يجمعهما موقفه المناقض للعقل. على أن الانفعال حركة نفسية كانت تحكم تكيفات العربي الوجدانية مع وجود الآخر؛ أي أن الانفعال كان قوالب التكيف؛ وكان الجمود هو الجانب الموضوعي لانفعالية العربي، أي: هو مادة قوالب تكيف العربي مع وجود الآخر.

 كان الانفعال منهاجا عربيا؛ وكان على كل دعوة جديدة أن تعبر إلى دائرته الذاتية من هذا المنهاج. وكان تحول العربي عن جموده لا يعني تحوله عن منهاجه، ولكنه كان إحلال مضمون جديد في وجدان العربي، محل مضمون قديم، في قالب لم يختلف.

ولست أزعم أن العرب لم يكونوا يفكرون، فالفكر سمة إنسانية عامة؛ ولكن العربي لم يكن يفكر بطريقة علمية تحتكم إلى شروط التحرر من الرؤى والمواقف السابقة، والتحرر من سلطان تراث الآباء على المعتقدات.

كان العربي يفكر بطريقة انفعالية. وقد تتقاطع حركتا الانفعال والعقل في نقطة واحدة من مساريهما، ولكن تماثل نقطتين من خطين لا يلغي مابين الخطين من اختلاف، كالاختلاف الواقع ما بين طريقة الانفعال، وطريقة العقل العلمي.

ومن خصائص العقل طابعيته، ومن خصائص الانفعال انطباعيته؛ فلم يكن العربي قبل الإسلام صانع بيئته، لقد كان مصنوعها. فإذا نضب الماء وأجهز الحيوان على المرعى، ارتحل العربي عن مقامه إلى غيره؛ ولم يحترف العربي مهنة مدنية يتكيف بها مع عناصر بيئته، محاولا مغالبتها، لينتزع منها مقومات معاشه، كما هو شأن الحضارة الفاعلة. كان العربي يفر من أرضه إن أجدبت، ويكر إذا جاع أو عطش. وكان أثره العمراني أطلالا يبكيها إذا وقف عليها، وكانت ثقافته شعرا يدون تجربة الوجدان، أو حكمة تبلور تجربة حياته، أو أقاصيص تحكي تاريخ الأولين، أو تتبعا لأنساب الجن والإنس والحيوان؛ وكان في ثقافته هذه كلها، نتاجا مطبوعا غير طابع، يدل على ثقافة تسجيل، لا ثقافة عقل مبدع.

والانطباع انفعال. وعندما دعا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، العرب للإسلام، انفعلوا بدعوته، قبولا ورفضا. فلم يجمد المشرك على شركه، ولم يؤمن المؤمن بالدين الجديد، بتحليل قضية الشرك أو قضية الإيمان، تحليلا يتناول القضية بالطريقة العقلية العلمية التي يمتلك بها الباحث زمام حريته وهو بصدد الحكم على ما بين يديه بصدقه أو كذبه.

ومن الأمثلة الدالة على الأسلوب العربي الجاهلي في تناول قضية الدعوة الإسلامية، ما روته سيرة إبن هشام من أنه اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر موسم الحج، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموســم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا. فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بحنقه ولا تحالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما تقول أنت يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما انتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته.

فالمشركون مطبوعون بانفعال رافض للدعوة، فلم يتناولوا قضيتها بالعقل ليحكم عليها، فقد اجتمعوا ليبحثوا في تسويغ الرفض بوسيلة التمثيل ، ولم يقبلوا تمثيل الدعوة الجديدة إلا بالسحر المنافي لطبيعة العقل؛ السحر الذي يدمر بنية القبيلة، جامعة القيم الجاهلية النفسية والفكرية، ورضوا هذا التشبيه لأن العربي ينفر من دعوة تهدم بنية القبيلة، وغير هين عليه أن  يستبدلها بدعوة تقوم على عقل يضيء ظلمات النفس، فتستنير الحياة الإنسانية بعقيدة تقوم على القيم القائمة على الحقيقة كما جاء بها الوحي، وكما يسلم بها، تسليما عقليا، أولئك القادرون على التحرر من منهاجية الانفعال، ومن هيمنة الآن على الفكر وعلى السلوك.

كان رفض المشركين للدعوة الجديدة انفعالا بمقومات الجمود الطاغية الظللومة؛ فقد شتم محمد ـ بزعمهم ـ الآباء والآلهة وعاب الدين وسفه الأحلام وفرق الجماعة، جماعة الشرك، وما أبقى على أمر قبيح إلا جاء به فيما بينهم وبينه. وهم قد رأوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، بمنظور الجهالة المصمتة المنفعلة بقيم الدنيا الضيقة، فظنوا أنه إنما جاء يطلب المال أو الشرف أو الملك؛ فإن لم يبتغ أيا منها، فما حديثه غير رئي يراه.

كان الفكر العربي زمن الوحي ساذجا لم يألف منهج التحليل والتركيب العقلي الجامع للأبعاض في وحدة. وكانت أحكام العرب عجلى، تتدافع تحت ضغوط المواقف الآنية، ولا تصدر عن روية ورؤية مستقلة مترددة بين تقديرات متعددة ومختلفة، يقلبها الناظر فيها على وجوهها المحتملة وغير المحتملة، ليمايز بينها ويقارن ويختار. في هذه البيئة الفكرية، ظهرت الدعوة الإسلامية، وبمنظور الإنفعالية التجزيئي، غابت واحدية الإسلام.

إيمان الأوائل

دخل العرب الإسلام بمنهاج الانفعال.

ومن الأمثلة الدالة على منهاجية الانفعال عند العربي، قصتا إسلام حمزة عم الرسول وعمر بن الخطاب، رضي الله عنهما. تروي سيرة ابن هشام أن أبا جهل آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره. فلما نما إلى حمزة خبر أبي جهل مع ابن أخيه، “احتمله الغضب”، فخرج يسعى، بحثا عن أبي جهل، ولم يقف على أحد، حتى لقيه، فأقبل نحوه، وقام على رأسه، فضربه بقوسه، فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول؟

فهذا حمزة ـ أسد الله وأسد رسوله ـ قد دخل الإسلام غضبا لابن أخيه، فجأة، ومن غير إعمال للعقل فيما يدعو إليه النبي، ولكنه أعلن إيمانه بدعوة عمه، في لحظة طغى عليه فيها انفعال الغضب لعمه، على عدو من أعداء عمه، وفي هذه اللحظة الخاطفة، خرج حمزة من عقيدة الجاهلية إلى عقيدة الإسلام؛ قفز من قديم إلى جديد؛ خرج من وجدانه القديم، وامتلأ بوجدان جديد!

وقد أسلم عمر بن الخطاب، أحد أعظم رجالات الدعوة الإسلامية، بعد أن ارعوى! روى ابن هشام عن ابن اسحق، أن نعيم بن عبدالله لقي عمر، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: “أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله”. فقال له نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب. فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما. فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها سورة طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها. وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم، ندم على ما كان صنع، فارعوى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا، انظر ما هذا الذي جاء به محمد. ثم قام عمر فاغتسل، وقرأ من الصحيفة صدرا فقال: “ما أحسن هذا الكلام وأكرمه”، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم.

كان ارعواء عمر مما صنع بأخته هو ذروة منحنى خط الحركة في الحادثة المركبة التي روتها سيرة ابن هشام عن إسلام عمر؛ وهي حادثة تناقضت فيها المواقف واختلفت بين طرفين في لحظة انفعال وجداني، كانت لحظة حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية بمكة قبل الهجرة، وعلى امتداد التاريخ الإسلامي كله. وصحيح أن عمر أسلم بعدما قرأ بعض القرآن، فأعجبه؛ ولكن هذا الموقف نشأ ـ فورا  ومباشرة ـ عن موقف وجداني انفعالي، كان بمثابة الظرف الذي هيأ ولادة التحول المفاجىء لعمر، نحو عقيدة لم تكن بعيدة عنه، قبل حادثة إسلامه؛ ثم، هل يصح أن تحاكم دعوة كبيرة، تسع الوجود كله، ولها أهمية لا تحصرها الحياة الدنيا، هل يصح أن نقبلها أو أن نرفضها، في ومض من الزمن، واستنادا إلى نص لا يعدو الكلمات القليلات؟ لا يصح هذا المنهاج بحكم العقل، ولكنه صح بمنهاجية الانفعال!

انفعل عمر بالرفض قبل إيمانه، وانفعل بالإيمان أيضا. وعكس إسلامه انفعال العربي بالوقائع، فصور منهج القفز من حال إلى حال نقيض، وهو قفز انطوت عليه البنية العربية تحت إلحاحات إرادة الحياة في بيئة العرب القاحلة، التي تضطر الناس إلى التخفف من أعباء مقام طويل، ومن أ‘عباء تفكير عميق، وتؤهلهم للحركة السريعة، في الفكر وامتداد المكان، حركة يقفزون بها من نقطة إلى نقطة، بحثا عن مقومات النجاة، منفكي الرابطة بالقديم وبالجديد من المكان،، فالقديم شيء جاوزه الزمن، وخلا من النفع، والجديد مقام غير مأمون، يتهدده مستقبل يقضي ـ إذا كان انفصاليا، كما يعيش العربي الزمان آنا منفصلا عن آن ـ على الحاضر، وعلى أمن االشعور والحياة.

وكما العرب يقفزون من القاحل إلى الخصيب، قفز عمر، ومثله حمزة، من قاحلية الشرك، إلى ملاء الإيمان. لم يكن اعتناق حمزة وعمر للإسلام عقليا؛ ولا نزعم أن ايمان الصحابيين العظيمين فعل يناقض العقل، لكننا نرى أن منهجيتهما كانت منهجية لا عقلية.

كان إيمان المسلمين الأوائل إنقلابا على العقيدة القديمة، يقع فجأة. كان عمر جامدا على عقيدة الآباء، ومغلولا بموقفهم، ولم ترو سيرته أنه أعمل فكره في الدعوةالجديدة، القريبة منه، والمسموعة الصوت بوضوح كان كافيا لأن يوقظ فيه ملكة التفكير في صحتها؛ كان وجدانه مفعما بالكراهية للرسول، صلى الله عليه وسلم، والى الحد الذي دفعه إلى طلب قتله، وكانت كراهية عمر للمسلمين جلية ومروعة، والكراهية سلوك لاعقلي. وقد ظل وقتا طويلا يرفض الدعوة الجديدة ويقاومها بغير عقل، ولكن بانفعال، عكس موقفا عاما تفاقم في ذاتية عمر ، ونفخ أناه، ومنعه من أن يعي الحق، أو أن يصيخ السمع له، أو أن يتأمل الدعوة الجديدة تأملا حرا فيقرر منها موقفا منفك الرابطة بموقف جماعة المشركين، أو جماعة القبيلة بما تنطوي عليه من قيم تتهددها القيم الجديدة التي دعا إليها النبي الكريم.

كان إيمان عمر قفزا كالقفز العربي في المكان.والقفز يحدد الوقائع والقضايا بفواصل تقطع صلة الحادثة الفردة بالسياق الكلي المحيط بها. إن الفردية التي لا تند عن علاقة الفرد بالكل مفهوم عقلي تترجمه الرؤية الواحدية للوجود، والعربي لم يكن يوحد؛ إن تعددية القبائل، وامتلاء الوجدان العربي بهذه التعددية، وما تولد عن ذلك من سلوك وفكر؛ وتعدد المقام، والتباين الحاد بين القاحل والخصيب، الموازي للتباين بين الموت والحياة، هذا التعدد والتباين حفر في الذات العربية، إلى درجة غائرة، عادة الإشتباك مع الوجود في مستوى الحادثة أو القضية الفردة المنفصلة؛ وهذا يفسر إيمان عمر، باعتباره نموذجا للإيمان العربي بمنهجية الانفعال، في موقف غير متصل بالماضي ولا بالمستقبل؛ فأعمل فكره في بعض قليل من الوحي، لا بالدعوة كلها، وبتفاصيلها، أو بأمهات قضاياها. آمن عمر في لحظة فردة غلبته، ولم يعاود النظر فيها، ولم ينطلق فكره بالتحرر من الحاضر، كما لم ينطلق من الماضي الذي حكم موقفه العدائي من المسلمين، والذي حكم موقفه أيضا وهو يتحول من العداء العنيف، إلى الولاء العميق.

 لا شك أن عمر ، في لحظة الانقلاب السريع، وازن بين دعوة النبي وحال المشركين، والموازنة عنصر في منهاج العقل، لكنها أيضا عنصر في منهاج الانفعال الوجداني. وفي حالة الإيمان العمري، فالموازنة أدنى إلى أن تكون انفعالية وجدانية، لحصولها في ظرف وجداني صرف، ولانفلاتها من عقال التسلسل المبني من مقدمات ونتائج منطقية، لا التسلسل كما وقع وعمر ما زال يتوشح سيفا توشحه ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويدلل إيمان علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، كذلك، على المنهجية الإيمانية الانفعالية. فعلي اتبع النبي الذي كان قد ضمه إليه اتباع الولد لأبيه؛ لقد آمن بالنبي وكان عمره عشر سنين، فإيمانه انفعال صبي، وانفعاله لا يشينه، فالناس أبناء أزمانهم، كما قال علي ذاته فيما نقل عنه.

وآمن أبو بكر، رضوان الله عليه، بدعوة الرسول، وما تلبث وما تردد. وكان إيمان أبي بكر انفعالا بشخص الرسول؛ روت السيرة النبوية أن أبا بكر كذب حادثة الإسراء والمعراج لما أخبره المشركون بها، ولكنه عاد وصدقها لما علم أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، رواها؛ فالقضية في تقدير أبي بكر، صادقة أو كاذبة بمعيار الحامل لا المحمول. ولا يخفى الانفعال في موقفي ابي بكر، موقف الإنكار وموقف القبول.

وكان قد ارتد بسبب حادثة الإسراء كثير من المسلمين؛ فما تفسير نتيجة تناقضت صورتاها بين ازدياد إيمان أبي بكر وارتداد الكثيرين عن الإسلام، وهي نتيجة ارتبطت بموضوع واحد؟!

انطـوى أبو بكر الصديق تحت راية الداعي لثقته في صدقه وأمانته، وأسلم أبو بكر ـ السهل ـ للنبي قياد نفسه، مطمئنا إلى أن محمدا نموذج أخلاقي رفيع، وكان أبو بكر ذا خلق ومعروف، لكنه لم يكن يساوي النبي، فالنبي، في تقدير أبي بكر، إمام، وهو مأموم له. إنقاد أبو بكر للداعية الذي عرفه، أكبر مما انقاد للدعوة التي لم يعرفها كلها؛ فلم تكن الدعوة قد اكتملت. وعندما صدق حادثة الإسراء، كان منفعلا بالإمام الذي لا يكذب، ولم يكن متعقلا للحادثة تعقلا يستقل بذاته، عن ارتباط الحادثة بشخص النبي.

والذين كذبوا الإسراء من المسلمين، وارتدوا بسببه، انفعلوا بحادثة قطعوا صلتها بسياق الدعوة،؛ فلم يعقلوا قضية الإسلام الكلية، التي هي انفتاح القدرة الضيقة للإنسان، على إمكانات الوجود الواسعة؛ وأحسب أن حادثة الإسراء برهان على واحدية الإسلام، لم يتبينه المسلمون الأوائل، لوقوعهم في دائرة المنهجية الانفعالية، التي لا ترى الحادثات بعقل غير مغلول بالآنات المنفصلة، هذه الآنات المحكومة بالانفعال.

تأدى موضوع الإسراء ـ الواحد ـ إلى نتيجتين مختلفتين، اعطتهما حركة الانفعال. والانفعال حركة نفسية تقيد المنفعل، وتتقيد به، وتتأدي إلى غايات لا تجمعها الوحدة، وذلك لتباين الذوات الإنسانية، ومن ثم، تباين وجهاتها ومواقفها إزاء واقعة بعينها.

وإذا كان من خصائص العقل أن يجمع، فإن من خصائص الانفعال أن يفرق. والقصة الواحدة التي فرقت المؤمنين، دليل على منهاجية الانفعال عند العرب في عصر تنزل الوحي.

والحق أن قصة الإسراء والمعراج دليل على أن الإسلام ثورة ضد المنهاجية الجامدة، منهاجية الانفعال. والقصة آية من آيات النبوة المحمدية الدالة أن وعي الدين مرهون بالعقل الحر المستنير، المتفلت من قوالب الرؤية القديمة ضاربة الجذور في بيئة العرب القاحلة؛ لقد كان إسراء الرسول انفتاحا على الخصب المطلق الذي يعطي الأمن والحرية والسلام؛ وكانت الصحراء العربية مقبرة للقيم العليا، وكانت فلاة الانفعال المحبوس في مضائق العقول والنفوس.

الواسعية إعجاز القرآن

العقيدة القادرة على مواجهة مشكلة الأنا الظلوم، أهم مشكلات الإنسان، والتي لا تلغي فردية الأنا، ولا تجحد قيمة العقل؛ هي العقيدة التي يعوز البشرية في عصرها الراهن الإيمان بها.

وصلاح الدين المعقود عليه الأمل بالنصر في معركة تتغيا الخروج من مأزق الحضارة المعاصر’’ة، مأزق الدنيوية، هو وجه الإعجاز الذي يثبت به صدق دعوته؛ دعوة الدين.

وبمنهاج العقل المستنير بالحرية، نعالج قضية الإيمان بالدين الإسلامي، باعتبار وحدتها وتمامها؛ فنخالف منهاج الأولين في الإيمان، الذي كان انفعالا وقفزا لا يلتزم الانتقال المعقول من نقطة إلى أخرى، ترتبطان بعلاقة السببية، مثاله إيمان أبي بكر الذي آمن بدعوة محمد لأن محمدا كان صادقا أمينا! فهل الصادق الأمين في ماضي الزمن صادق أمين في حاضر الزمن ومستقبله؟ وهل يكذب الصادق ويخون الأمين بإرادة إذا توهم الحق في قضية باطلة بذاتها؟! وإذا صح قول محمد أن الدعوة متنزلة عليه، فهل يلزم بالضرورة أنها منزلة من الله رب العالمين؟ ولماذا لا يكون محمد قد نسب دعوته إلى الله ليضمن لها القوة الكفيلة بتحرير قومه من خضوعهم المهين لأصنام وأوثان وقيم عبودية لا تليق بالإنسان كما تشوق إليه الداعية الكريم؟

تلك كلها فروض جائزة التقدير، لا يمنعها زعم من احتج بأن محمدا ظل في قومه أربعين عاما، فلم يدعهم إلى ما دعاهم إليه بعد هذا العمر المديد؛ فما العلاقة بين عمر الداعية وصدق دعوته؟ فلو أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، تلقى الوحي قبل أو بعد الأربعين، فهل يصح أن يحسب ذلك نقيصة في الدعوة؟ كلا. وهل يصح أن نكذب دعوة نبي لم تأت في ميقات يوافق عامه الأربعين؟ كلاّ.

تلك الفروض جائزة، لا يلغي جوازها أن تكون دعوة محمد قد نقضت الوثنية العربية الباطلة. فليس دعوة تتنزل من الله هي الحق وحده، إذا كان محك صدقها قوة إبطالها لعقيدة الوثنية العربية. وليس محمد هو أول داعية في عرب الجاهلية دعا إلى رفض عبادة الأوثان.

***

وليست العقيدة الفاعلة في عصر الأزمة الحضارية ـ العربية الإسلامية العالمية ـ هي العقيدة التي يؤمن بها المؤمنون بمنهاجية الانفعال غضبا أو ارعواء أو إعجابا أو اقتداء أو تسليما علي عماء. العقيدة الفاعلة هي الحق في كل ظرف ومن كل وجه، والحق هذا هو معجزتها التي لا يبطلها التغير.

فما وجه إعجاز دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يكشف أنها الحق، وأنها علاج مشكلة الإنسانية في الزمان الراهن، وفي كل زمان؟

ترتكز القضية الدينية على دعوى تنزلها من الله رب العالمين. فإذا صح أن القرآن وحي الله نزل به جبريل الأمين على قلب محمد الرسول الكريم، فلا مسوغ بعد لجدل يدور في مستوى العقل أو دون مستواه، حول صدق الدعوة الإسلامية في ذاتها، وصلاحها لمواجهة تحديات الوجود الإنساني. فإذا كان الدين متنزلا من رب العالمين، خالق الأكوان، لا يند عنه كون؛ فإن كلام الله خلق لله يهدي به خلائق الإنس؛ على تقدير سابق، وآخر لاحق، تبرز بينهما أزمة الوجود بمعنييها الديني والحضاري الدنيوي على السواء. فإذا اجتاز الإنسان أزمة الوجود بهدى وحي الله بمقالة الدين، ثبت أن القرآن كتاب الله لا ريب فيه، وأنه الحق الصراح في ميزاني العقل والفعل.

فهل القرآن كتاب منزل من لدن الله؟ الجواب على صورتيه، فرض تعوزه الحجة.

أم أن القرآن كتاب من عند محمد، ثم زعم أنه منزل من لدن الله؟

ينفي القرآن عن نفسه كل نسبة لغيرالله، ولن يأتي الجن ولا الإنس ـ يقول القرآن ـ بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وقد تحدى القرآن العرب على أن يأتوا بسورة من مثله؛ فلما عجزوا، ثبت ـ بمنطق القرآن ـ صدق دعوى تنزل القرآن من لدن الله.

ومن حق العقل إذا تناول قضية الدين أن يسأل عما إذا كان عجز العرب عن الإتيان بسورة من مثل القرآن، دليلا حاسما على صدق دعوى تنزل القرآن من لدن الله؟

فإذا كان الفعل القرآني فائقا ولا يرقى العرب إلى محاكاته، فهل العجز العربي عن الإتيان بشيء من مثله، دليل كاف على أن القرآن وحي الله نزل به جبريل على قلب نبي الله محمد؟

وعلى صحة افتراض أن يكون القرآن فعل غير محمد، فهل هذا الغير هو الله لا سواه؟

فمن ذا الذي يزعم، زعما يؤيده الدليل، أن الوجود ابتداء من مرتبة الإنسان، محصور بين الله والإنسان؟‍

ومن ذا الذي يزعم، زعما مؤيدا بالدليل، خلو الوجود من أكوان لا يمتنع في العقل أن يتنزل منها على محمد كلام، ويقال أنه كلام الله؟

إن العقل المستنير بالحرية يتغيا الحق لذاته، فيقتحم كل بحر، ولا يتهيب افتراض الفروض، إلى أن يثبت عنده صحة فرض بحجة يخالها لا تنقض؛ ولا يغفل عن الوعي بأن الحجة أيضا، حكم غير معصوم.

وقد رد المفكرون المسلمون المعجزة القرآنية إلى نظم القرآن البليغ، وإلى ما اشتمل عليه من أمور الغيب، وقصص السابقين، ونبوءات المستقبل، ودعوته إلى خير الإنسان، وسبقه لمكتشفات العلوم التجريبية، في نسق لا تتعارض فيه أجزاؤه.

ولا يزعم مفكر مسلم، أن مقدار ما تحدى الله به العرب، من القرآن، يشمل أوجه الإعجاز التي عمد الدارسون المسلمون لذكرها كلما ناضلوا المنكرين لقضية الدين، أو أثبتوا صدق نزول القرآن من لدن رب العالمين.

فلما تحدى الله العرب أن يأتوا بسورة واحدة من مثل ما نزل على الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، فأعجز التحدي العرب؛ دل العجز العربي على أن إعجاز القرآن صفة له كله، وصفة لكل سورة من سوره. وليس كل سورة من سور القرآن فيها أوجه الإعجاز المتعددة التي ذكرها الدارسون المسلمون للوحي.

ولم يكن العرب، زمن تنزل الوحي، أهل علم واف بما سبق من أخبار الأمم، ولا أصحاب كشف عن مخبوء الزمان مما تنبأ به القرآن أو أضمره من معان؛ فيردوا دعاوى القرآن إلى ما يعلمون أو يكشفون، ليتبينوا حقيقتها من زيفها. ولكن الدين الجديد كان يسحر العربي فيؤمن به، ولا يكون ـ العربي ـ قد وقف إلا على القليل من آياته، أو أن يكتفي بأن يخبر ناحية من أخلاق الدعي به.

كان للعربي وجدانا منفعلا، لا عقلا محللا ومركبا ومتريثا يتريث قبل أن يصدر الحكم. ولو تريث المؤمنون الأوائل بالوحي قبل الإيمان به على ما انتهى إليه لحظة إيمان كل منهم، إلى أن يتم تنزل الوحي كله، لكان إيمانهم أقرب إلى منهاج العقل الذي يحدد موقفه من القضية التامة وليس من أبعاض معلومة لكل مجهول؛ لكن قضية القرآن التامة قائمة في كل بعض من القرآن، بتقدير للإعجاز القرآني، لا يطابق المفاهيم الشائعة حول قضية الإعجاز القرآني.

كان للإيملن الذي كان يقدح وجدان العربي الصحراوي القاسي المنفصل المتعنت، كان له فاعليته الخاصة التي مكنت الوحي من أن يقلب وجهة النفس العربية من صورة إلى نقيضها. ولا تنفعل نفس بدعوة ، إن لم تكن عوامل النفس مواتية لنمو بذور الفكرة الجديدة. ولم يكن العلم بالسابق أو اللاحق من عوامل تكوين النفس العربية التي ملكت دعوة الإسلام نواصيها.

كان العربي يقفز من الشرك إلى الإيمان في لحظة انقلاب لا ينكفىء عليها، بأداة التحليل؛ بل كان يندفع بها، بقوة تكمن في دعوة الوحي، لها ـ للقوة ـ صداها في وجدان المؤمن ـ الإنسان ـ بها.

فالإيمان الذي يطفر من أعماق نفس مظلمة، في برهة قصيرة، وبآيات قليلة، لا ينبني على أساس ما في القرآن من وجوه إعجاز درج المسلمون على ذكرها، وحض الناس على الإيمان بالوحي من بابها.

لم يتوجه التحدي القرآني للعربي القديم وحده، ولكنه تحد للإنسان ـ ومعه الجان ـ في كل زمان. فلا بد أن وجه الإعجاز القرآني هو واحد بعينه، يغلب العربي إذا  تحداه، ويغلب سواه في كل مصر وعصر، خاصة وأن محمدا رسول الله للناس كافة.

فإذا قيل يكمن في البيان وجه إعجاز القرآن، بدلالة كل آية من أياته، فهذا قول تنقضه عمومية الرسالة وعمومية التحدي. فإن كان العربي بليغ اللسان، تحداه القرآن بالبلاغة ذاتها التي يتقن صنعها؛ فأين وجه التحدي القرآني لغير العربي؟ أو للعربي في عصور انحطاطه البياني؟ فلو أن البيان هو وجه الإعجاز القرآني، فإن من الحق الزعم أن القرآن تنزل للعربي في عصر بلاغته البيانية ولا غير؛ طالما أن  القرآن معجزة بلاغية، لا تكون معجزة إلا إذا تحدت البليغ فأعجزته، ولا تكون معجزة ربانية إذا تحدت غير بليغ البيان، فنكص عن تحديها.

ولم يكن العرب يؤمنون بالقرآن لبلاغته البيانية. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو العرب للإسلام بأفكار القرآن. ولم تكن دعوته للقرآن  بصورته البلاغية في كل حال. ولم يذكر من أخبار الإيمان أن المؤمنين الأوائل جربوا الرد على التحدي القرآني البياني، فإذا أعجزهم التحدي استسلموا للدعوة النبوية المحمدية. ولم يكن الأعجمي يؤمن بسبب بيان القرآن، فأعجمي اللسان لا يدرك ما في لغة العرب من بيان! وأعجمي اللسان ليس مكلفا الإيمان بالقرآن إن كان باب الإيمان هو البيان!

والتفاوت في البلاغة بين متكلمين بلسان واحد، مسلمة في كل العصور والأمم. وكان العرب يمايزون بين بلغائهم ويجعلونهم مراتب يعلو بعضها بعضا؛ فإذا ادعى محمد النبوة لعلو مرتبته البلاغية، جاز أن يدعي النبوة كل بليغ ارتقى سدة البيان في أمته وعصره.

البيان البليغ صفة للقرآن، غير أنه ليس وجه إعجازه اللازم عنه أيمان الناس به في كل زمان، الناطقين بكل لسان. البيان صفة للغة، لكن اللغة ترجمة للإفكار، من ترجمات متعددة؛ فلا تستغرق كل أنماط الفكر؛ والإسلام أفكار؛ فإن كان الإسلام معجزا، فإن إعجازه في فكره، لا في شكل من أشكال الترجمة الفكرية. وقد يلتقي الناس كافة، في كل الأزمان والبلدان، على فكر واحد، لكنهم لن يلتقوا على صورة واحدة من الترجمات المتعددة لفكرة واحدة؛ فالفكر المنتج عقليا، واحدي بذاتيته، لكن تجليات ما هو واحد بذاته، متعددة؛ واللغة، عربية أو غير، بليغة أو غير، لها تجلياتها المتباينة المتفرعة عن أصل واحد، غير الشاملة عليه كله. ولا بد أن إعجاز القرآن يكمن في الأصل الواحد الشامل غير المشمول.

ولا ينماز القرآن عما سواه بالوجوه الأخرى التي رأى المفكرون المسلمون فيها إعجاز القرآن غير ما فيه من إعجاز البيان. فإذا احتجوا باجتماع ما ذكروا من أوجه الإعجاز القرآني على تفرد القرآن، لزمهم إثبات اجتماع الناس عليها في كل زمان وعلى كل حال. غير أن اختلاف الناس في فهم القرآن واقع، فالتفاسير متعددة، والتأويلات متعارضة، وظلت بعض الحقائق القرآنية مطوية في النصوص، تنكشف على كر الزمن. فالإعجاز القرآني على الوجه الذي يظنه الرأي الشائع، لم يظهر من القرآن ظهوره التام في أية حقبة من الزمان. ولا بد أن يظهر إعجاز القرآن كله، وفي كل زمان، لكل من يعي سر الإعجاز، ووعي سر الإعجاز القرآني ميسور لكل نظر عقلي واحدي، وليس للنظر المشروط بالكشف عن الوجوه التي عددها الدارسون التقليديون لقضية الإعجاز القرآني.

إن ما ذكره الباحثون التقليديون من أوجه الإعجاز القرآني لا تنفي عن القرآن، نفيا قاطعا، احتمال نسبته لغير الله.

فبلاغة القرآن، وانتظامه في النسق الخاص به، ليس من المسائل التي لا يستطيع الإنسان فعلها.

وتاريخ الأمم السابقة مدون في الكتب، فٌإذا زعم أن قصص القرآن رواية جديدة لأخبار حفظتها آثار اليهود والنصارى، فهو زعم لا يدل دلالة قاطعة على أن النبوة المحمدية ربانية. ولا يضعف فرض النقل المباشر أو غير المباشر عما سبق، بالقول أن رواية القرآن بينة، وأنها أجلى معنى من روايات التوراة والإنجيل؛ فكل تجديد يمتلك إمكانات التقوية والتجلية. وقد يجوز أن يكون محمد قد وضع يده على الروايات الأصلية للكتب السابقة، على اعتبار أن الروايات المتداولة لا تطابق الحقيقة.

وهل نبوءات محمد دليل على أن رسالته متنزلة من لدن الله؟ فهل يحق لكل نبيء أن يزعم أن وحي الله قد تنزل عليه؟ ثم إن انتماء النبوءة للمستقبل أمر يحيل الحكم عليها إلى زمان وقوعها، الذي لم يقع في زمان التنبؤ، وهو الزمان الذي يرجو المتنبيء من الناس أن يصدقوا فيه دعوته. فالنبوءة قبل وقوعها، تقبل أن يفترض فيها الصدق والكذب، وإن قبول الدعوة يتطلب التسليم بصدقها تسليما عاجلا، لا تسليما مؤجلا.

وأخبار الغيب قضية لا تستقل عن قاعدتها، ولا تصدق إلا بردها إلى مقدمات ثابتة. فإذا صدق الزعم بتنزل القرآن من الله، وصح الفرض بأن الله منزه عن الكذب، لزم التسليم بقضة الغيب، وفق منطق ارتباط النتائج بمقدماتها الصحيحة.

وحكم إشارات القرآن العلمية هو حكم النبوءة والغيب. وقد تكون هذه الإشارات أمارة نبوغ بشري، وقد تكون سبقا للزمان، أو موافقات عفوية. والقول بها، وفي كثير من الأحيان، شيء مفتعل، يقصد به المتأخرون الدفاع عن الدين، وفي مواجهة العلم المعاصر، بلغة العلم، على ما في هذا الدفاع من مجافاة لمنطق العلم، المبني على قاعدة أساسية، هي قاعدة التخلي ـ ابتداء ـ من التسليم لكل معتقد، غير معتقد التحرر من الأحكام السابقة. وأظن ـ وليس كل الظن إثم ـ أن المدافعين عن الإسلام بالتقاط الموافقات بين نصوص القرآن، وتقريرات العلم، لا يتحلون بالتخلي المطلوب في منطق العلم، فهم مؤمنون من قبل، مؤمنون من بعد؛ وهم لا يتحلون كذلك بالوعي بقضية تغير مقررات العلم، مع تغير العصور، ولا يعون أن تغير العلم يجر إلى تغير الحكم على الدين؛ فلو أن العلم قرر أن الأرض مسطحة، وأنها ثابتة لا تدور، فزعم القائلون أن القرآن كشف هذا من قبل؛ ثم قرر العلم غير ما قرر من قبل، فقال أن الأرض تدور وأنها كروية، فماذا سيكون موقفنا نحن معشر المؤمنين بصدق القرآن؟ وبأي مقررات العلم ندافع عن صحة معتقدنا؟ هل الدين صادق في كل زمان، أم صادق في زمان، كاذب في زمان؟ أما ربطه بمقررات يكذب اللاحق منها السابق، فهو فك ارتباط ما بينه وبين عقل لا تجتمع فيه المقررات المتخالفة، عن قضية واحدة، عن واقعة واحدة.

وليست قيم الإسلام الأخلاقية، أو نظمه التعبدية والتشريعية، ليست جديدة على الإطلاق، ولم تنسج على منوال لم يسبق. ففي التراث الإنساني عامة، والعربي خاصة، قيم أخلاقية كريمة، كما في الإسلام. وعرف الناس قبل محمد عقائد وشرائع مثل تلك التي دعا إليها النبي؛ وعرف العرب خاصة، أغلب ما تبناه الإسلام من العقائد والشرائع والأخلاق. وبفرض أن لا يكون محمد نبيا مبعوثا من رب العالمين، فهو مصلح عظيم، لم يخرج عن سنة المصلحين، الذين دعوا أجمعين إلى الخير، وبطرائق تتأدى إليه.

أوجه الإعجاز التي يبرزها المفكرون الإسلاميون التقليديون ـ غير الواحديين ـ لا تنفي عن القرآن تهمة نسبته لغير الله؛ فهي لا تقوم حجة على معجزة القرآن الربانية، ولا تتجاوز مدى التدليل على أن القرآن فعل فائق، ولكنه يحتمل أكثر من تفسير، ويمنح الباحث العقلي حرية افتراض كل ما يجوز افتراضه.

وقد يستند الخصم إلى ما ثبت من إخلاص الداعية لوجه رسالته، وطلبها منه لذاتها، وللخير الذي تحض عليه؛ لا للملك ولا للمال. بيد أني أسأل: هل رفض الحياة الدنيا من محمد إذا دانت له، دليل على صدق دعواه؟ يكون الرد بالإيجاب، إذا كان الإخلاص للدعوة هو صدقها عينه! لكن الإخلاص أخلاق تحكم الموقف الذاتي للإنسان؛ والصدق صفة تتعلق بالفكرة،  مستقلة عن الإيمان بها أو الإخلاص في تطبيقها.

ولو أن الإخلاص لدعوة هو صدق الدعوة، إذن لاستوى على صراط مستقيم، أهل العقائد أجمعين، بميزان حق واحد، يثبت بمعياره صدق كل عقيدة. وهو غلط ينقضه المنطق السليم، الذي يحكم بأن الحق في حلبة صراع أو خصومة، موقف واحد لا يتعدد مع تعدد مواقف المتصارعين أو المتخاصمين.

فلماذا لا يكون وفاء محمد لدعوته، دليلا على التزامه بدعوته، لا دليل صدق دعوته بذاتها؟ فالالتزام بالدعوة كما التزم بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، خاصة بطولية، ومحمد، ومن كل زاوية، بطل فذ! وهذا فرض يجيزه العقل، ويسوغه منهاج التحليل المستنير بالحرية.

وقالوا: كان الرسول أميا، فهل يجمع الأمي ـ القول لهم ـ علمي السابق واللاحق؟ وإن كنا لا نبالي في هذا المقام بالخلاف حول معنى أمية الرسول صلى الله عليه وسلم،؛ فإني لا أسلم بأن الخلو من دربة القراءة والكتابة في الجزيرة العربية زمن حياة الرسول، حائل يقوم جدارا عاليا كثيفا، بين طلاب العلم، وإرادة التعلم وحصول المعرفة. فالبصر ليس أداة التعلم وحده؛ وليست اليد الكاتبة هي الدالة وحدها على حصول المعرفة؛ خاصة في بلاد العرب أيام جاهليتهم، التي لم يغلب فيها عليهم العلم قراءة وكتابة؛ لكن ذلك لم يمنع من أن يكون للعرب علوما، وأن يمتلكوا أساليب التعبير عنها. وليست جهالة العرب أنهم لم يكونوا يعلمون، أو يتناقلون فيما بينهم ما يعلمون؛ كانت الجهالة العربية جهالة منهجية عامة؛ ولا يستحيل في العقل خروج نفر من المصلحين عليها، أداتهم العلمية أداة زمانهم، ومنهاجهم ثورة فكرية، وقاعدة للتغيير.

***

فإذا كان القرآن وحي الله المتنزل على رسوله هداية للناس أجمعين، فلا بد أن ينكشف الإعجاز الدال على إلهية القرآن للناظر من كل جهة. لم تعتبر الرؤية التقليدية لإعجاز القرآن هذا الشرط لفهم سر القرآن الذي تحدى الله بمعجزته ـ التي هي سره ومعناه ومبتغاه ـ العرب والإنس كلهم والجن.

الإسلام الذي امتد عالمه، وتطاول في تقدمه، منذ أربعة عشر قرنا، إنما هو دعوة واحدة، على مرتكز واحد، يتبلور في مفهوم أساسي، ويتجلى في تفصيلات لا يند منها شيء عن الأساس. ومفهوم القرآن الأساسي هو إعجازه، وهو إعجاز لم يتخلف منذ بدأ تنزل الوحي، ولا ينقضي إلى آخر الأزمان.

الإعجاز القرآني متعضون بتجربة الوحي ، معرفة وتاريخا. وهومنبث في الإيمان، انفعالا وتعقلا. الإعجاز القرآني هو الفاعلية القرآنية؛ فاعلية القرآن كله، وفاعليته سورة سورة، وآية آية.

بدأ تنزل الوحي والرسول مجاور في غار حراء. وورد عنه، صلى الله عليه وسلم، قوله: “فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: إقرأ، قلت: ما أنا بقاريء ـ وفي رواية أخرى: ما أقرأ ـ قال (الرسول): فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني. فقال: إقرأ، قلت: ما أنا بقاريء، فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال: إقرأ، فقلت: ماذا أقرأ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: “إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرا وربك الأكرم،الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم”. قال الرسول: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني. وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا؛ فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل؛ فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل.

وهكذا وقع انفتاح الإنسان محمد على ربه الذي خلق الإنسان من علق؛ الأكرم، الذي علم الإنسان بالقلم، ما لم يكن يعلم؛ ودلالات هذا النص القرآني الافتتاحي دلالات واسعية: الربوبية، والخلق، والعلقية ( = العلاقية )، والأكرمية، والعلم القلمي. فتبين منذ أول تنزل الوحي، أن فاعلية الدعوة الإسلامية هي الواسعية؛ يوكد ذلك، ظرفية واقعة افتتاح الإتصال الإنساني يالربوبية؛ فالمتلقي كان في عزلة الغار والنوم، لكنه كان موصولا بعمق الوجود، فجاء جبريل ليحمل محمدا، بالقراءة، من عزلة الغار والنوم، إلى واسعية الوجود؛ وليفتح العمق الذي كان المعتزل للناس موصولا به، على العمق الموصول به الوجود كله: الله رب العالمين.

رسم الوحي وجهته منذ ابتدائه، وتحددت بالبداية معنى القرآن؛ ومن ثم، كشف القرآن إعجازه وفاعليته؛

والوحي متنزل على محمد الأهل له؛

فالقرآن، أو الوحي، واقعة حادثة متقومة بأسبابها العاملة، شأن كل واقعة حادثة أخرى. والقرآن دعوة الله دعا بها النبي محمد بأمر الله؛ فالله الآمر بالدعوة، والرسول الداعي بالدعوة، عاملان سببيان داخلان في فعل تكوين بنية الدعوة الإسلامية. وعامل الفعل، كل عامل لكل فعل، لا بد وأن يكون مؤهلا لدوره، وقيامه الفعلي بالمشاركة دليل حاسم على أهليته لدوره. لقد تمت الدعوة الإسلامية بالرسول، وهذه حقيقة يترتب عليها، بالضرورة، أن الرسول مؤهل للدخول في بنية الدعوة التي دخل فيها الأمر الإلهي كذلك.

والواقعة فعل مركب من عوامل لها قابلية التوحد معا في كل واحد. فإذا تكونت واقعة ما من عوامل متعددة، دل هذا على مثلية العوامل المتحدة من جهة توحدها.

فإذا كان الوحي الإلهي واقعا دخل الأمر الإلهي في بنيتها، فإن الله من جهة آمريته عامل مكون لواقعة الوحي؛ والله واسع؛ فالوساعة الإلهية عامل تكويني في الأمر الإلهي الذي هو في الوحي؛ وأمر الله الواسع المتنزل على قلب محمد، يتطلب أن يلقى وساعة قلب محمد، أو: وساعة أفقه الوجودي المؤهل للدخول في تكوين فعل واحد، من عوامله وساعة الله الوجودية بالمفهوم القرآني.

لقد كان محمد واسعا. ومن آيات واسعيته ـ التي ترويها كتب السيرة النبوية ـ مجاورته في غار حراء، شهرا من كل عام؛ فيتفلت في الغار من أغلال الاستغراق في دائرة الفعل المعاشي الضيق، منطلقا بالتأمل باحثا عن معنى وراء حياة ينسلب فيها  من الإنسان قيمة الكرامة ، كما تمثل ذلك في عبادة الأوثان وشيوع الحرمان من الحق بالعدالة التي تساوي بين الناس كافة. كان محمد يعيش في مجاورته حالة من الرفض الفردي لمعايير حياة قومه. كان يوجه نظره للكعبة، وكأنه كان يسائل نفسه عن مصداقية توظيف القرشيين والعرب لهذا الرمز الموصول بأبي الأنبياء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام. ولم يكن رفض محمد جوانيا وحسب، فقد كان يصلح من سلوكه باطراح الآثام، وكان يعبر عن تعلقه بالمثل العليا، بإطعام المسكين إذا جاءه وهو في اعتكافه.

وقد أحب محمد قبل مبعثه الخلوة، فلم يكن ـ برواية عائشة، رضي الله عنها ـ شيء أحب إليه من أن يخلو وحده. وللخلوة في البيئة الجاهلية العربية دلالة الرفض السلبي لمعايير الحياة التي كانت سائدة في مجتمع النبي قبل تنزل الوحي. إن الجمود في الرؤية الضيقة هو أحد أبرز صفات الجاهلية العربية، التي كانت منغلقة على ذاتها في دائرة منفصلة عن وساعة الوجود، ومناقضة لرؤية العقل الواحدية التي تتجلى فيها الكلية الوجودية بتعيناتها الفردية.

انفلت محمد من دائرة عصره الضيقة، إلى دائرة الوجود المطلق الواسعة، وتمثل انفلاته في مجاوزته للأنا الظلومة خلال حركة دخول تحت مظلة الوجود الواحد مع المسكين الذي كان يجيئه في خلوته في حراء، فيطعمه. فلم يكن محمد يملك، وهو في مرحلة الرفض السلبي لمفاهيم وممارسات الوجود الضيق المظلم، غير أن يعبر عن وساعته بحرية النظر؛ وفتح أناه على الآخر.

وقد روى عبد الله بن عبيد الله، أن الرسول قبل مبعثه كان إذا خرج لحاجته، أبعد حتى إذا تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال الحجر أو الشجر: السلام عليك يا رسول الله. ومكث كذلك يرى ويسمع حتى جاءه جبريل عليه السلام.

وقد يعجل مدعو العقل ـ الدنيوي ـ فينفوا صدق الرواية هذه، لما فيها من خبر حديث الحجر والشجر، زعما بأنه مسألة لا تخضع للتجريب، ولم تشهد لها خبرة الإنسان العامة بالصدق. ولست أعجل فأنفي حكم التجريب ومصداق شهادة الخبرة العامة للإنسان؛ ولكن نفي ما لم نعلم، بناء على ما نعلم، غلط لا يتفق ومنهاج التفكير الرشيد الذي يأبى التوقف بحدود المعرفة في دائرة ما حصل منها، أو ما يمكن أن يحصل بالمماثلة مع الحاصل. فالعلم يتنامى، وتفيد تجربة الماضي ذاتها، أن الحاضر ليس سقف العلم؛ العلم متجاوز لذاته، مترام في المستقبل. وقد تخلو معرفة الإنسان الماضية من كلام الحجر والشجر؛ وقد يقال أن الكلام بلغة الإنسان هو مفردة إنسانية خاصة به، لا تسع غير الإنسان؛ وقد يقال أن رواية تسليم الحجر والشجر علي النبي قبل مبعثه خبر كاذب؛ كل هذه افتراضات ، لكنها ليست أحكاما قاطعة. فخلو الماضي من واقعة ما، ليس دليلا قاطعا على عدم إمكان وقوع تلك الواقعة في غير الماضي، وقد يكون الخالي هو معرفتنا؛ فقد تقع الواقعة ولا نعلم وقوعها؛ وخبرة الإنسانية العامة ليست جسدا مصمتا يأبى التشكل الجديد، الخبرة الإنسانية مرنة تقبل الإستثناءات؛ وقصر خاصة الكلام بطريقة الإنسان، على الإنسان وحده، لا يغلق الأبواب على تأويل آخر لرواية عبدالله بن عبيدالله؛ وتكذيب خبر لا يسوغه التفكير الشائع، ليس حجة تنفي احتمال وقوع حادثة فذة، تجري في سياق فعل كبير، فذ كله، وغير عقلي بزعم عقل لا يستنير بالحرية.

ويظل لخبر تسليم الحجر والشجر على النبي قبل مبعثه، قيمة يستمدها من مصدره، فهو مما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق في كتابهما المشترك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي صدر في وضوح التاريخ الإسلامي، ويعكس فهما إسلاميا عاما يقبل مثل فكرة حديث الحجر والشجر مع النبي. فالخبر يستمد قيمته من المكانة العلمية الممتازة لسيرة ابن هشام؛ ومن القبول العام في الفكر الإسلامي للوقائع الإستثنائية ذات الدلالة على انفتاح محمد الذي جاوز الدائرة الإنسانية ـ ولم ينفك عنها ـ إلى دائرتي الأحياء والجمادات.

فإذا صح خبر الحجر والشجر فهو دليل على وساعة وجودية محمد قبل تنزل الوحي عليه؛ فإذا لم يصح، فهو إشارة إلى الوساعة المميزة للدعوة الإسلامية التي لا يرفض مناخها الفكري العام التسليم بوقوع حوادث كثيرة من نوع حادثة تسليم الحجر والشجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثه، في التجربة الدينية الإسلامية خاصة والتجربة الدينية عامة. وامتياز الدعوة الإسلامية بالواسعية، دليل على وساعة الداعية لها، الذي هو أحد عواملها التكوينية.

كانت نوافذ محمد منفتحة على الوجود الواسع في صحوه ونومه. روت عائشة رضي الله عنها، أن أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح. والرؤيا الصادقة استباق علمي بالحادثة قبل وقوعها، فهي امتداد وجودي في المستقبل، تدل على تجاوز وجودية الرسول قبل مبعثه لحدود الماضي والحاضر. وهذا التجاوز أخذ شكله الواضح عندما بدأ تنزل جبريل بالوحي على محمد بينما كان نائما. فالرؤية الصادقة، وتنزل الوحي على محمد بينما كان نائما، يدلان على أن الصلة بين محمد والواسع لا تبدأ من طرف محمد الفرد المحدود، ولكنها تبدأ من “قلبه” الوجودي؛ أي: من المحض الوجودي لمحمد. ليس وجود محمد متطابقا مع الوجود الكلي؛ لكن مركز دائرته الوجودية الفردية هو مركز دائرته الوجودية، “القلبية”، التي تمتد حدودها لتسع بعدا وجوديا، دل عليه الرؤيا الصادقة وتنزل جبريل من لدن الله، على الرسول في نومه بغار حراء، عندما كان مجاورا متفلتا من أغلال دائرة الحياة الجاهلية المغلقة الظلومة؛ ومنطلقا من حركة تصاعد طالب للحق توخاه في رؤية أخرى للوجود، نقيضة لرؤية المشركين العرب؛ فالتقت حركة الصاعد بحركة الوحي المتنزل في نقطة انبثق منها داعية يحمل للناس دعوة الله الهادية المبشرة بحياة أخرى تمد أفق الوجود الدنيوي إلى مدى متطاول يجاوز به الإنسان المؤمن حدود السلب الوجودي؛ متحققا بعبادة الله، ومحققا الله به أمره.

كان نزول جبريل الأول على محمد وهو نائم، دليلا على أن محمد واسعي الوجود على كل حال؛ فنومه لا يغلق عليه نوافذ التفتح على الوجود الواسع، بل إن اتصاله الفاعل بالوجود الواسع، وقع في نومه؛ ولكنه اتصال لم يخضع لحالة النوم، إنما كان صحوة كبرى، عينت وظيفة محمد الوجودية، وتجلت بها، ابتداء، وظيفة الوحي؛ أو: فاعليته وإعجازه.

كان محمد واسعيا قل مبعثه، وأهلته واسعيته لتلقي الوحي، الأكبر وساعة. وعندما كاشف محمد زوجته العظيمة خديجة بما خطر له من أن تنزل الوحي عليه قد يكون شيئا عرض له؛ بشرته وثبتته، راجية أن يكون نبيا؛ وكانت حجتها التي استندت إليها  هي أن الله لن يخزيه أبدا؛ فهو يصل الرحم، ويصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ويحمل الكلّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فخديجة العظيمة تعرف لمحمد العظيم، أخلاقه الواسعية ـ الواحدية ـ التي تؤهله لأداء دور وجودي واسع يجاوز أقصى حدود الوساعة الدنيوية.ّ

لم تكن لوساعة محمد قبل مبعثه، مدى وساعة الدعوة التي حمل لواءها، لكن وساعته كانت البذرة الحية التي تنزلت عليها بركات الله الواسع من غير حد، فنمت واسعية محمد وترعرعت. إن للفعل الإلهي قانون نصه في قوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”؛ ففعل التغيير الإلهي، اللاإنساني يبدأ من قلب فعل التغيير الجاري في النفس الإنسانية؛ بلغة واضحة: يبدأ الفعل الإلهي بالفعل الإنساني المكتمل؛ أي: الأصيل الصادق. الفعل الإلهي التغييري توسيع للفعل الإنساني التغييري، الواسعي. كان محمد واسعيا، فنزل الوحي يعزز واسعيته، ويمدها في أفق لم يكن العقل قادرا على اختراق غيبها، وإن كان قادرا على استيعاب صورته، والتكيف بها، إذا انحسرت له. إعجاز القرآن هو واسعيته، وفاعلية المؤمن بالقرآن هي واحديته؛ فالواحدية هي التي تفتح ما هو ضيق على ما هو واسع، كما انفتح محمد على درجات الواسع، بمنهج تعمقي للوجود، يكشف عن الحقيقة الواحدية للكل، ذي الفعل الفردي. والإيمان فعل يتعمق الوجود، يجاوز به المؤمن محدودية الدنيوي.

كانت وساعة محمد الدنيوية دليلا على وساعته ما فوق الدنيوية؛ على أن الأخيرة كانت إمكانا خرج إلى التحقق على يدي جبريل، عليه السلام، الذي غت محمد غتا، ظنه محمد الموت؛ غت جبريل محمد مرتين، كلما أمره أن يقرأ كتابا في يده، فلا يقرأ محمد لأن القراءة في غير مقدوره الواقعي. ولما خشي محمد حبس النفس أو عصر جبريل الشديد له مرة ثالثة، قرر اقتحام ما وراء دائرة خبرته، فقال: ماذا أقرأ؟ فانفتح بقراره القحام على دائرة الإمكان التي فض الغت مغاليقها، وترامت وساعة محمد في فيض الله الزاخر، أوله ووجهته قول الله تعالى: “إقرأ باسم ربك ….” إلى آخر ما تنزل من الوحي الأول.

صورت أيات القرآن الأولى المتنزلة على الرسول صلى الله عله وسلم، العلاقة بين طرفي الدعوة،؛ فبينت ارتكازها إلى القراءة، وحددت نوعيتها الخلقية، بلام ساكنة، التي تربط بين الرب الخالق، والإنسان الخلق، والرب الأكرم، والإنسان الذي علمه الرب الأكرم بالقلم ما لم يعلم.

فأول ما بدأ انفتاح الرسول بواسعية الوحي، بدأ ـ الانفتاح ـ بصفة الربوبية عليها. والمعاني اللغوية لمادة “رب” ومشتقاتها تدور حول: العلو، والإصلاح، والجمعية، والملك، والزيادة، والحذر، والتقوى، والمراقبة، والحراسة، والعهد، والدنو، والطليعية، والإدراك، والسياسة، والكثرة، والإحسان، والنعمة، والحاجة، والعقدة المحكمة، والضخامة. وكلها معان تفسر فعل الوحي في ابتدائه واستمراره على السواء، بوجهيه الآمر والمكلف بالأمر؛ فكانت علاقة الربوبية حركة الصعود من الإنسان، والتنزل من أمر الله، في نقطة التقاء جامعة، هي عقدة محكمة تتداخل في بنيتها عوامل إلهية وعوامل إنسانية، ليصبح الفعل الإنساني في مثاله المسلم، فعلا إلاهيا واسعا؛ تنامى من علق، ثم بعلم، علمه الرب الأكرم، فكرم به الإنسان.

لقد عززت أول آيات القرآن حركية الإنسان الخلقية ـ الخاء بفتحة ـ والعلمية منذ أن كان علقة إلى أن بلغ مرتبة النبوة، والانفتاح على الوجود الواسع بأقصى مداه. ولا شك أن العلم منهاج تفتح الإنسان، ونماء عقله. والعلم خاصة إنسانية فريدة، تنطلق بالإنسان إلى آفاق الوجود الرحبة؛ وليس ثمة انطلاق أوسع مدى من انطلاقة محمد بتنزل الوحي عليه، يأمره أن يقرأ باسم ربه؛ فيعقل الوجود، لا المحدود منه، ولكن الوجود الذي يحيط به علم الله، ويعجز علم الإنسان المحدود عن كشف غيبه، وتلك كانت واسعية النبي الفذة، وواسعية الدعوة الإسلامية، وفاعليتها، وإعجازها.

ثم إن تحدي الله للعرب ومعهم من يدعون من دون الله، بأن يأتوا بسورة مما زعموا أن محمدا افتراه، يراد به معنى السورة مع مبناها، إذا صح أن الله أراد مبناها فيما أراد. فالقرآن دعوة حركية قوامها الفكر، وهو منهاج تغيير ليس لعصر من العصور أو مصر من الأمصار؛ فالقرآن فاعلية عقلية، وفاعلية وجدانية؛ ولو كان تحدى القرآن بالمبنى الفني البليغ، لكان معجزة بيانية لها فاعليتها الوجدانية الجمالية في عصر البلاغة العربية، ولكان وقفا على العرب ذوي البلاغة، فلا يجاوزهم إلى الناس كافة، ولكان وقفا على حاسة الجمال فلا يعدوها إلى فاعلية العقل.

والسورة ـ بسين بفتحة وبواو ساكنة، المشتقة من “سار” المشتق منها: “السورة”، التي سينها بضمة ـ في اللغةهي: المنزلة، والشرف، وما طال من البناء إلى جهة السماء وحسن. وقد سميت القطعة المستقلة من القرآن بالسورة، على قول بعض الأسبقين، لأن القرآن بسوره كلها، يمثل منزلة بعد منزلة، يرتفع بها القارىء ـ أضيف: المؤمن أولى ـ واحدة بعد الأخرى.

ومن معاني السورة أيضا: الصعود، والوثب، والثورة، والأمر بمعالي الأمور. ومن المعنى الأخير نشأت تسمية أبعاض القرآن بالسورة؛ لأن كلام الله هو الأمور العاليات، أي: الأمور الواسعة؛ فالله واسع ومتعال بوصف القرآن، ومن كان كلامه عاليا لتعاليه، كان لكلامه وساعة لواسعيته.

ومن معاني السورة: الإحاطة؛ والإحاطة والوساعة معنيان يحضران معا. السورة كلمة يدل معناها على مبناها دلالة تامة. وتطابق أوجهها اللغوية معاني الدعوة الإسلامية منذ باكورتها، ساعة تنزل جبريل عليه السلام على النبي الكريم في غار حراء؛ فالقرآن يحقق للإنسانية المؤمنة به منزلة شريفة تحسن بها مكانتها، ويتطاول بنيانها في المدى الواسع للوجود. السورة القرآنية مرقاة تصاعد حركة الوثبة، أو الثورة الإنسانية على جمود الجهالة وظلمة الأنا إلى معالي الأمور.

وليس ثمة أمر أعلى من أمر الواحد، ثم أمر يتمثله المؤمن، فيطلب التحقق بالأمر الأعلى. والأمر الأعلى هذا، وطلب التحقق به، هو إعجاز القرآن وفاعليته؛ للقرآن كله، وله سورة سورة.

العلو الإنساني حركة وساعة، تتجاوز انغلاقية الأنا، وتنفتح على الوجود بأوسع معانيه وتحققاته. والإعجاز في السورة القرآنية هو قوة دافعيتها الفاعلة في الحركة الإنسانية المنطلقة إلى أقصى ممكنات الوجود الإنساني. وإذا تحدى الله الناس أن يأتوا بسورة لها قوة الإنطلاق بالإنسان إلى ما وراء حده المدرك، فهو تحد يعجز قبالته العرب والعجم في كل عصر؛ فالناس، بعقل لا يجاوز مداه حد المدرك أو المقاس على المدرك، لا يكشفون وساعة الوجود كما كشف عنها وحي الله المتنزل على الرسول محمد صلى الله عليه سلم، الذي اكتملت به النبوة.

تقويم الفكر

محمد فعل اخترق جدار الأنا الظلومة التي كانت مستبدة بعرب الجاهلية، منطلقا في الواسعية الواحدية؛ تنزل عليه جبريل من الواسع ذاته، يهدي ضلال خطى الباحث عن دين يعزز القيم العليا للحياة، ويناضل اللامعنى في فناء الآن السلبي الوجود.

والقرآن مستقلا بموضوعه، دعوة واسعية إلى ما فوق واسعية محمد قبل النبوة. القرآن بالنسبة إلى محمد قبل ابتعاثه مرتبة فائقة عليه من كل وجه. وهو مرتبة فائقة على عصره كله، وعلى العصور كلها بعده.

فالقرآن حادثة، ليس محمد ومقومات عصره، أو مقومات الإنسانية المحدودة بقدرتها الذاتية، هي الأسباب العاملة وحدها على إيجادها. فواسعية القرآن المتفوقة على كل واسعية إنسانية محضة، دليل  على أن ثمة عاملا آخر، به تفسر واسعية القرآن؛ وبه يدل على واسعيته المتفوقة على واسعية الوجود الإنساني القاصر على ذات الإنسان.

فما هو العامل الواسع الذي انعكست واسعيته في تفوق القرآن على التجربة الإنسانية المنفصلة بذاتيتها؟

يزعم المفكرون الدينيون التقليديون أن الله المفارق للعالم هو العامل الواسع، أو هو مصدر الوحي المتنزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا تأبى العقل على التسليم بالثنائية الوجودية؛ بطلت فكرة الله المفارق للعالم، وبطلت النتائج المترتبة عليها، ومنها أن الله المفارق للعالم مفارقة وجودية، هو مصدر الوحي.

القرآن واقعة وجودية، تضعها الرؤية العقلية الواحدية المنهج، في السياق الكلي للوجود، كأية واقعة وجودية أخرى. القرآن بعض الوجود الواحد، يمتاز بوساعة يجاوز مداها وساعة العقل المستقل بذاته؛ ولكنه ـ القرآن ـ لا يند عن مفهوم العقل الرئيس، المفهوم الواحدي للوجود؛ قاعدة كل فهم ومظلته.

والفرض الذي يزعم أن الله المفارق للعالم مفارقة وجودية هو مصدر الوحي، مساو للفرض الذي يجيز أن يكون مصدر الوحي غير آخر، غير الله، وغير محمد.

أما بالمفهوم الواحدي للوجود، فالله هو الوجود، وكل مصدر للوحي يفترضه العقل هو الله؛ ومنه أن يكون محمد مصدرا للوحي؛ ليس محمد الإنسان المحدود بإنسانيته، إنما محمد الرسول الذي تعين به أمر الله المتنزل وحيا، المتحقق فعلا؛ أو محمد الرسول واسع الوجود بوساعته الأولى، وبتفوقه عليها.

محمد قبل النبوة وبعدها مستويان وجوديان لهما بؤرة واحدة، تلتقي في نقطتها أقطار دائرتيهما. وهما دائرتان متباينتا الأبعاد، متماثلتا المعني، تربطهما علاقة البعض والكل التي تربط ظواهر الوجود المتعددة بالوجود الواحد. فكل ظاهرة فعل تعين، تنفرد ولا تنفصل عن الكل بفواصل العدم.

ومحمد والوحي تعينا فعل الواحد، إتصلا بالمناسبة، فتفتح في محمد الإنسان محمد الرسول الداعية بأمر الله له.

والقرآن فعل عوامله السببية هي هو، نبدأ منه لمعرفتها؛ فإذا كان دعوة واسعة، دل على واسعية مصدره، أو واسعية عوامله التكوينية؛ أما كل افتراض آخر، ليس له تسويغ كاف من الواقعة كما هي، وهي القرآن الذي بين أيدينا الآن، فهو ـ أي افتراض آخر ـ رياضة عقلية، لا تدعو إليها الحاجة الحركية للمسلم، ولا ترقى إلى مرتبة الحق الملزم.

فإذا كان الله هو الوجود الواسع، فالوحي فعل إلهي، وهو دعوة توسيع الوجود الإنساني المحدود في دائرة الوجه المفعول لحركة الخلق المحدث. وقد تنزل أمر الله، مكلفا المؤمن، الخروج من مفعوليته، واستئناف الحركة الفاعلة الممتدة جذورها إلى عواملها السببية المكونة لحادثة الخلق الإنساني.

ولما كان الوجود الواسع حقا، فلا يصدر عنه باطل، ولا يلتقي في مركز واحد مع نقيض له. وتكون الصور التي عددها المفكرون المسلمون السابقون، وهم بصدد إبراز أوجه الإعجاز القرآني، تكون هذه الصور حقا لا يند عن حقية الوحي كله؛ وتكون أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، الرفيعة المستوى، هي أهليته لتلقي الوحي، والإلتقاء مع الدعوة المتنزلة في بؤرة فاعليتها، وأصل إعجازها الإلهي.

الإسلام في مجمله ومفصله، دعوة لمجاوزة الذاتية الضيقة الظلومة للإنسان. ومصداق الدعوة الإسلامية، بالمفهوم الواحدي الواسعي، هو التحدي الذي أعجز العرب؛ ويعجز الناس أجمعين عن ابتداع دعوة تناظر دعوة الوحي المتنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالحق المبين، الذي أزهق باطل المشركين.

وغاية الدعوة الإسلامية الفكرية تصحيح المفهوم الإنساني عن الوجود، برؤية واحدية له، تجاوز تصورات الشرك التي وقع فيها الفكر المغلول، على تفاوت درجاته. فأول حقائق الإسلام وأساسها وحدانية الله وقدمه الذي لم يشاركه فيهما وجود آخر. فإذا قرر الإسلام أن الله كان ولاشيء معه، فهو، متسقا مع حكم العقل المستنير بالحرية، يقرر أنه لم يزل على ما كان. فلا وجود غيره، قبله، أو معه، أو بعده. هذا هو الحق عينه، والله هو الحق بنص القرآن الكريم.

إن القرآن مرقاة الواسعية الفعلية مثلما هو دعوة الواسعية العقلية. ورحلة إسراء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم، آية واسعية المسلم الوجودية في المثال النبوي له. لقد علا الرسول سماء بعد سماء مبتدئا من بيت المقدس، وبعدما كان قد وسع المدى من مكة إلي المسجد الأقصى في مستوى الدنيا؛ إلى أن بلغ سدرة المنتهى، آخر ما يبلغه وجود له أول.

والصلاة التي يؤديها المسلمون عبادة تتمثل رحلة الرسول إلى سدرة المنتهى، المتعمقة في أقطار الوجود. والصلاة عماد الدين، تاركها عن عمد كافر، إن صلحت، صلحت بها أفعال الإنسان بميزان الحساب يوم الآخرة. وهي صلة بالله وكل ما طوى، ينفتح بها الفرد على الوجود كله، منطلقا من أناه الظلومة، حرا يستغرقه فعل عبادة الله، وطلب الدنو منه، بوساعة القلب المؤمن لله، وتدفقه به، سالكا طريق الخلود في جنة عالية، هي دار السلام، والمقام الكريم.

والصلاة رابطة تشد وثاق الجماعة بعبادة موحدة النية والأداء والمطلب، شأن عبادات إسلامية أخرى، تعزز في الفرد الفاعلية الجماعية، بتفتح الأنا على الأنا، على قاعدة الحب، وعلى هدى عدالة تبني صرح وحدة الأمة، ولا تلغي حق الإنسان في الوجود المتساوي للناس أجمعين.

الحج عبادة واحدية أيضا، على مستوى الوجود بين الخلق والخالق، وعلى مستوى الجماعة بين المسلم والأمة الإسلامية. فالحاج المتجرد عن شهوات الحياة الدنيا والرفث والفسوق، مرتق إلى الله، فإذ برقيه عن ذاته الضيقة بعض من كل؛ فلا تصده عن الأخوة الفاضلة، أنانية عمياء لا يعدو فعلها أدنى حدودها.

والصوم مقاومة للشهوة، آلة الأنا الضيقة الحادة؛ وهو إمساك عن كل ما يؤذي الآخر لكيلا يفت ـ الأذى ـ من عضد الجماعة المسلمة. وهو فعل كريم كله جعله الله له، لتنزه الإنسان به عن ذاته، وترقيه به في طلب الواسع، الله تعالى.

والتصدق بالمال تحرر من سلطانه على النفوس. فإذا تحرر الناس من هيمنة المال، أو الملك، غدا المال قيمة اجتماعية، لها وظيفتها العامة، فيتم تجاوزه كأداة استبداد به من الحائز بالمحروم، ولا يبقى وسيلة افتئات على حق الآخرين في الوجود الكريم. فإذا أصبح المال دعامة الإجتماع، كانت غاية الصدقة هي تحقيق واسعية دائرة الأنا، بانفتاح الأنا على وجود موحد بالجهد المشترك، بأداة مشتركة، هي أحد أهم أدوات المعاش الإنساني على غير وجه؛ تلك هي المال العامل بالخير؛ الصدقة انفتاح على الواسع، أي: انفتاح الأنا، بالجماعة، على الله رب العالمين.

وأخلاق الإسلام كلها واسعية الفاعلية. وقيمتها الجماعية بارزة في صغير أثرها وكبيره. تشترك عبادات الإسلام وأخلاقه وتشريعاته التنظيمية في هدف واحد، تتغيا الأمة الإسلامية، بأفرادها، تحقيقه في مستوى الحياة الدنيا، وهو تحقيق جماعية المسلم، وحماية وحدة الأمة المسلمة. وقد ذكر الحديث الشريف أن الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، تتراوح ما بين الإيمان بالله، وإماطة الأذى عن الطريق؛ ولا يخفي ما يشير إليه حديث النبي من تقرير للوحدة الموضوعية بين شعب الإيمان كلها، وتقرير للغاية الجماعية للإيمان؛ الغاية الواحدية التي نبلغها بالواسعية الربانية. وقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وأوضح صلى الله عليه وسلم أن أقرب المؤمنين منه في الجنة أحسنهم أخلاقا. ووازي بين كمال الإيمان وكمال الأخلاق.

والدين الذي يعزز القيم الأخلاقية في جماعة المؤمنين به، هو مطلب حركي يساوي مطلب وحدة بنية الأمة، ووحدة وظيفتها. ووظيفة الأمة الإسلامية عبادة الله الواحد؛ وأخلاقها أخلاق الأمة المتعبدة لله، المكلفة بالخلافة في الأرض بدستور الإسلام المتنزل وحيا على رسول الله الكريم، الواسع قبل مبعثه، المتقوقة وساعته بعد مبعثه.

الحدوث

في الوجود المدرك، تلد الحاثات من اتساق أسباب عاملة في بنية واحدة، تعادل فعل الإتساق؛ أو هي فعل الإتساق ذاته، بتقدير تكونه. والحادثة المتولدة فعل ينبض بحركة مؤهلة للإتصال بالآخر، تنفي جذرية انفصال الفردية عن الكلية، بحكم تداخل الفردي مع الكلي معا، بعلاقات حميمة يتبادلان بها التأثر والتأثير. كل حادثة فعل يتكون بعوامل سببية، وكل فعل يتحول ليدخل بنية حادثة أخرى، كعامل سببي.

نوضح ذلك بفعل الكتابة الجاري الآن: هذا الفعل واقعة يتوحد فيها، وبها، عوامل كثيرة اتسقت معا في بنية متمايزة بتفردها، ترتد بالتحليل إلىعوامل سببية بسيطة بنسبتها إلى بنيتها المركبة. ولكل عامل سببي تاريخه الخاص الذي تحرك فيه بين الفعلية والعاملية دون انقطاع.

يتكون فعـل الكتابـة من عوامـل الإنسان والقلم والورق والضوء وسوى ذلك، ومن ـ أيضا ـ قابلية العوامل كلها للتوحد معا في نسق له بنية مستقلة بدرجة توكد فرديتها، لا إنفصاليتها. والإنسان الذي دخل عاملا في فعل الكتابة، شأنه شأن العوامل الأخرى، له تاريخ من الحركة، يكشف تحليله عن تداخلات كثيرة ومتباينة المستويات، انتقل بها ـ الإنسان ـ من فعلية إلى عاملية إلى فعلية؛ وهكذا دواليك، إلى اللحظة التي أنتجت أهليته التاريخية عاملية دخوله في بنية فعل الكتابة الجاري هنا.

لست أزعم أن للإنسان بنية واحدة جامدة منذ أول حادثة وقوعه؛ فالرجل الراشد ليس هو الطفل الرضيع. الراشد بنية وجودية لها عوامل تكوين مختلفة عن عوامل تكوين الرضيع. ورغم أن الصلة قائمة بين حالتي الرشد والرضاعة من جهة ما، إلا أن لكل حالة منهما فرديتها المتمايزة بها.

فإذا وقعت حادثة الكتابة فعلا متفردا، تأهلت ـ الكتابة الواقعة ـ على الفور للدخول في حادثة تالية هي حادثة القراءة ممكنة الوقوع لأسباب تعمل في اتساق، فيتكون من توحدها معا فعل جديد، لا يكون ما لم تكن عوامله السببية.

والكتابة ليست عاملا تتأدى عنه القراءة بالضرورة، فلا يقال: إذا وقعت الكتابة لا بد أن يلحقها وقوع القراءة؛ فالأسباب لا تصير إلى مسبباتها بضرورة وجودها؛ تصير الأسباب بالضرورة إلى المسببات إذا صار السبب أولا عاملا مؤهلا للدخول في بنية حادثة جديدة مع عوامل أخرى مؤهلة للدور ذاته، في زمان بعينه، يولد بتوحدها فعل أو واقعة مساوية في التكوين وفي الفاعلية للعوامل السببية في حال تلاحمها الأصيل الذي يتجاوز به كل عامل منها حده الفردي إلى حد جمعي يشملها معا في فردية جديدة. فالجماعة التي تتكون من عشرة رجال، بنيتها عشرة رجال مجتمعين، لا عشرة رجال فقط؛ فالجماعة نسق متباين عن النسق الفردي، والإتساق عامل أصيل في كل بنية. ولهذه الجماعة فاعليتها، وهي فاعلية عشرة رجال يكونون جماعة واحدة؛ وليست فاعليتها فاعلية عشرة أنساق فردية غير متصلة معا في بنية موحدة. فالواقعة مساوية لعواملها، وعواملها، في مثال الجماعة التي تضم عشرة رجال، ليست الرجال العشرة أفرادا لا تربطهم علاقة الجماعة؛ عواملها هي رجال عشرة بينهم رابطة جمعية؛ أي: رجال عشرة كل رجل منهم عضو جمعي، يشارك في بنية الجماعة بعامل جمعيته؛ وباتساق عشرة عوامل جمعية، تولدت واقعة جمعية عشرية لا تزيد في التكوين والفاعلية عن العوامل الجمعية العشرة المتسقة معا.

ولا ينفصل الفعل بالزمان عن اتساق عوامله السببية معا؛ الفعل هو الإتساق ذاته. والحدث الذي يقع يريد زمانا، فالزمان أحد عوامل الفعل التكوينية، وهو ـ الفعل ـ يتم في آن يمثل الوحدة الزمانية المميزة لسريان الزمان في فرديته التي لا تلغي كليته. والآن الزماني هو مقدار ما يفي بحاجة الحدوث الفردية. والحدوث حركة تجاوز كل سكون يحد الحادثة ويعزز ميلها الإنعزالي بحكم فرديتها. ففي كل آن يحدث فعل جديد باتساق جديد لعوامل ليست هي هي فيما هو زمان ممتد. وكما أن الآنات متفلتة دوما من الساكنية؛ فالحادثات ـ برؤية جذرية ـ متفلتة كذلك من جمود فرديتها، لأنها بعض كل لا يتيح لأفراده الاستغراق النهائي في عزلة تفصل الواحد عن الآخر؛ وأيضا، فإن كل استغراق في الساكنية يعني الموت للحادثة كواقعة.

فإذا كان الزمان عاملا يدخل في بنية الفعل، فإن الزمان لا يمتد من بنية الواقعة إلى خارجها، بالنسبة لواقعة بعينها. إن زمان الواقعة هو بعض نسيجها، لا غير. فلا تتراخى الحوادث في الوقوع عند تمام فعل اتساق العوامل المكونة للحادثة؛ لأن تخلف عامل منها عن الدخول في بنية حادثة ما، يتأدى إلى لاالحادثة هذه؛ أي: يتأدى إلى حادثة أخرى؛ فإذا كان ثمة زمان يسمح بالتراخي، فهذا الزمان لا علاقة له بالحادثة المعنية، على فرض ـ يفرضه الخيال ـ وجود زمان مستقل بذاته عن الحادثات.

الوجود المدرك حادثات متباينات؛ فإذا أمكن لحادثتين أن تتماثلا، فالأصل تماثل العوامل السببية التي اتسقت معا في بنية كل حادثة منهما. إن تساوي تلاميذ فصلين عدديا، يساوي بين واقعتي الفصلين العدديتين؛ لكن الفصلين واقعتان متباينتان من زاوية أخرى، مثل زاوية الذكاء الإجمالي لكليهما. فالذكاء الإجمالي واقعة يدخل في إحداثها عوامل زائدة على عامل العدد؛ وبحصول الإختلاف في عامل واحد، نتج تباين الحادثتين، ويزداد التباين كلما زاد عدد العوامل المختلفة في تكوين الحادثتين.

منشأ تباين الحادثات، ومن ثم، تفرد كل حادثة، هو اختلاف العوامل السببية المكونة لكل حادثة على حدة. فتباين الحادثات حكم دال على مسئولية العوامل السببية عن وقوعها بعدما لم تكن.

لكل حادثة جذور في الواقع العام. ولا تعدو الحادثة فعل اتساق عواملها السببية. ولا يكشف تحليل الحادثات عن غير عامل سببي من العوامل المنتمية كلها للوجود المدرك بما فيه حركية كل عامل، وأهليته للدخول في بنية الحادثة الجديدة.

وكان الغزالي قد أنكر، جريا على رأي الأشاعرة، التلازم الضروري بين الأسباب ومسبباتها، الذي قاله الفلاسفة المسلمون؛ دفاعا ـ من الغزالي ـ عن حرية الفعل الإلهي ومطلقية قدرته كما تتجلى في المعجزات، التي لا تفسرها مقولة السببية، بزعم الغزالي. وصف الغزالي في “تهافت الفلاسفة” العلاقة بين “ما يعتقد في العادة سببا، وبين ما يعتقد مسببا، بأنها اقتران ليس ضروريا”، وقال: “بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا اثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشراب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشراب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرا، إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه وتعالى بخلقها على التساوق لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وهلم جرا إلى جميع المقترنات”.

يقول الأشاعرة ـ وهم من نفاة السببية ـ أن المقدور الواحد لا تقع عليه قدرتان. يعنون أن الحادثة لا تقع بقدرة الله وقدرة الأسباب. ورفض الوقوع مشاركة، رفض لاستقلال الأسباب بالأحداث؛ وعندهم: ليس لغير الله قدرة على الحقيقة، وما ليس له قدرة حقيقية لا يفعل، فإذا قيل: غير الله يفعل، ففعل غير الله ـ المزعوم، الرأي للأشاعرة ـ نفي لفاعلية الله المطلقة. الثنائية هي أساس مذهب الأشاعرة، وعندما تتعارض فكرة الثنائية الأشعرية مع قولهم بالوجود الإلهي المطلق، يخرج الأشاعرة من هذا المأزق، بنفي حقيقة وجود وفاعلية العالم للإبقاء على وجود وفاعلية الله المطلق، والذي هو الحقيقة التامة.

لكن العالم ذو وجود حقيقي، وله فاعلية حقيقية. وتصور وجود آخر غير العالم، هو تصور ممتد من التسليم ببديهية وجود العالم وفاعليته. والفاعلية الحقيقية للوجود المدرك، لا تنفي الفاعلية الحقيقية لوجود غير مدرك، ولا تنفي مطلقية القدرة والوجود معا، شرط أن لا يتناقض الوجودان في العقل، وهما لا يتناقضان إلا باعتبارهما اثنين متغايرين؛ ومع غياب التناقض، فالوجودان، في الأصل، وجود واحد.

وباعتبار الوجود واحدا، بعضه مدرك، وكله مطلق، فإن الفاعلية في الوجود المدرك، هي فاعلية الوجود المطلق ـ والأخير شامل للمدرك ـ فلا يقع على مقدور واحد قدرتان، لعدم وجود اثنين، قادرين؛ فالمقدور الواحد، هو فعل قادر واحد. وفاعلية العوامل السببية هي فاعلية الوجود الواحد، وهو الله في المصطلح الديني.

فالحدوث يتكون بعلاقة ضرورية بين الأسباب العاملة ومسبباتها؛ فالكل وجود إلهي مترايط بالضرورة، ولا انفكاك لبعض عن ارتباط ضروري بالكل. الحادثة بعض يرتبط بالضرورة بالكل، بروابط سببية.

لا مسببات بلا أسباب، لا بحكم التجربة الماضية؛ فقد يوجد السبب الذي دخل بنية حادثة ما، ولا توجد الحادثة التي دخل السبب ـ المعين ـ بنيتها في واقعة سابقة؛ لكن، وبحكم أن كل حادثة تتقوم بوجود، وهذا الوجود الذي تتقوم به هو سببها العامل، ولا نتصور حادثة مفرغة من الوجود؛ الفراغ الوجودي عدم يحد الوجود، ولا نتصور أن للوجود حدا؛ ولو تصورنا أن وراء الوجود عدم، فلا بد أن نتصوره في زمان ومكان، أي شيئا، وكل ما تشيأ، فهو وجود، لكون الشيئية مقولة وجودية حقيقيةلا ينفيها العقل.

والمعجزات لا تنفي الإرتباط الضروري بين الأسباب ومسبباتها، الداخلين معا في بنية واحدة. حدوث المعجزة على غير معهود التجريب لا يدل إلا على أن التجربة الماضية بعض التجربة الكلية التي تترامى في المستقبل. فالتجربة المكتسبة لا تستغرق إمكانات التجريب كلها.

ويجوز في التصور حدوث الري بغير الشراب، لكن الري هذا ليس هو الري الذي يحدثه الشراب؛ هاتان حادثتان متغايرتان، لكل منهما أسبابها العاملة، وقد تتمايزان بأن أحداهما معهودة للخبرة الماضية، والأخرى مستحدثة لم يسبق العلم بها. وقد يوجد الشراب ولا يكون سببا للري، أو لا يحدث من وجوده المجرد ريا، يحدث هذا عندما لا يعمل الشراب في نسق فعل الري؛ أما إذا وقع الري بالشراب، فالشراب سبب ضروري لواقعة الري هذه.

وقد خالف مذهب المعتزلة المذهب الأشعري في قضية السببية، فأثبت المعتزلة علاقة ضرورية بين الأسباب ومسبباتها، ورأوا أن الفاعلية في الوجود المدرك حقيقة، ولا تنفي ـ هذه الحقيقة ـ حقيقة الفاعلية الإلهية.

كان المعتزلة يقدمون العقل على النقل. وليس يمكن في حكم العقل نفي الفاعلية في الوجود المدرك، الثابتة بالعيان الصريح. لكن مذهب الاعتزال لم يسلك طريق العقل إلى نهاية مداه، ، فظل العقل المعتزلي حبيس تصور ديني موهوم، يسلم بثنائية الله والعالم، ثنائية يفارق بها الأول الآخر، مفارقة تزعم أن الله وجود بلا حد، وأن العالم حادث من لاشيء؛ غافلة عن أن حدوث العالم، بزعمها، حد لله، أي: نقض لمقولة الوجود الإلهي بلا حد.

الثنائية منطق مغلوط. فالحدوث من لاشيء قضية لا يجيزها العقل، ولا الدين. كل حادثة، في العقل، متقومة بوجود، وما تقوم بوجود ليس من عدم. الوجود ضد العدم، والضد لا يلد ضده. والعدم نفي مطلق، وتصوره سابقا للحدوث، متناف مع فكرة العدمية، أو هو تصور موهوم. والحدوث حق لا يجيء من موهوم. كل حادثة هي فعل وجودي ممتد فيما قبل الحادثة، والماقبل وجود، وليس ليسا. الوجود يشمل في مقولته الماقبل والحادث، فهو واحد وجوديا، لا ينقسم إلى اثنين أو أكثر.

وفي الدين، العالم خلق لله؛ والخلق فعل لم يوجد من عدم. وتؤكد النصوص القرآنية الصريحة أن الخلق كان من شيء، مثاله قوله تعالى: “أم خلقوا من غير شيء”، (الطور:35). فالخلق في المفهوم الديني فاعلية لم تبدأ من عدم. والفاعلية من الفاعل، أو هي هو بوساعة الفعل.

العالم محدث، فهو وجود، متقوم بوجود قبله، ما قبله متماد فيه بالفاعلية لا بالإمتداد، لأن الوجود غير منته إلى فراغ وجودي يحيط به، فيمكنه التمدد فيه.

ويرفض الفكر الإسلامي عامة فكرة التناهي الوجودي لله؛ والقول بالثنائية يناقض فكرة لانهائية الله الوجودية. فالله يشغل الوجود كله؛ الله ملاء الوجود. وإذا كان العالم وجودا، وهو كذلك، فهو من الوجود كله، لا زيادة وجودية على الله؛ إن تصور الله قابلا للزيادة الوجودية، تحديد له، ودعوى شرك بالله يأباها إيمان المسلم الموحد لله.

فكر الإعتزال السببي حق إلى المدى الذي احتكم فيه إلى العقل. لكن المعتزلة فرقة دينية ابتدأت من مسلمات المعتقد الديني غير العقلي؛ وكان يمكن للفكر المعتزلي أن يتمثل الدين كله بالعقل، لو تحرر المعتزلة من قبليتهم العقدية، وواجهوا خصمهم في فيحاء العقل الواسعي الواحدي المطلق. لكن إيمانهم القبلي بثنائية الوجود، لجم حركتهم العقلية عند حد الوجود المعاين، وتوهموا أن الحد المعاين للوجود، هو الحد الذي ينبغي على العقل التوقف دونه.

والقول أن الوجود المدرك ابتدأ من العدم، قول ينفي حقيقة الوجود المدرك، وينفي فاعليته أيضا. فالواقعة بجذورها، فإن كانت جذور الواقعة عدما، فلا واقعة. والواقعة وجود، والعدم ليس أصلا للوجود؛ قول ما عدا ذلك تناقض لا يرفعه إلا إثبات ما هو ثابت ـ بالإدراك ـ ونفي ما ينقضه الثابت بالمعاينة أو بالخبرة. إن القول بالثنائية، على مذهب المعتزلة، يناقض قولهم بفاعلية الوجود المدرك بالمعاينة. فإذا كانت فاعلية الوجود المدرك حقا، بضرورة سببية، فإن الثنائية زعم باطل.

ليس الحدوث دليلا على أن الوجود المدرك مغاير للوجود المطلق كما يتوهم التفكير الديني التقليدي؛ الحدوث دلالة على تكون الحادثة من أسباب عاملة، صارت من نسق وجودي إلى آخر، في سياق الوجود الواحد؛ وهو دلالة أيضا على تساوي الفعل الحادث مع فعل التكوين للحادثة. الحادثات لا تزيد عن عوامل فعلها، العوامل الداخلة في تكوينها. من الحادثات نستدل على المحدثات ـ بكسرة على الدال ـ بتحليل للأوليات يقودنا للأخريات؛ فالحادثة قضية مركبة، تمثل نتيجة لازمة عن مقدمات صارت نسقا جديدا لا يغاير مقدماته في تمام التئامها الفاعلي.

الحدوث فعل وجودي دال على فاعلية الوجود. والحادثة مفعول عوامل فاعلة؛ فإذا انتقلت الحادثة إلى الإحداث، فقد انتقلت من المفعولية إلى الفاعلية.

الفاعلية صفة الوجود الواحد الأساسية، وكل فاعل يشارك الوجود الواحد صفته الأساسية؛ وبالفاعل يتحقق الوجود الواحد، وبالوجود الواحد يتحقق فاعل مؤهل لتمثل حقيقة الواحدية الوجودية.

العابد فاعل

العبادة فعل قوامه عوامل سببية لها جذورها في الوجود. وفاعلية العبادة هي فاعلية عواملها السببية، شأن كل حادثة أخرى.

والعبادة بالمفهوم الإسلامي تحقق بالأمر الإلهي المتنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يتجاوز به المؤمن حد المفعولية إلى دائرة الفاعلية التي تجري بها، ومن خلال مشاركة المؤمن، الفاعلية الإلهية، مستهدفة بلوغ المراد الإلهي المتضمن في قوله تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، (الذاريات:56).

والأمر الإلهي، والإنسان، وأهلية الإنسان لقبول الأمر الإلهي، وطاعة الإنسان للأمر الإلهي، هي عوامل سببية يتقوم بها ويساويها، فعل العبادة.

والإنسان فعل لله له ـ في انفراديته ـ نهاية؛ إذا استغرق الوجود الإنساني في نهايته، يفنى بالمفعولية. غير أن الأمر الإلهي دعوة ترمي إلى أن يتجاوز بها الإنسان فناءه بالمفعولية، إلى البقاء بالفاعلية؛ فالفاعلية متصفة بالإستمرارية؛ والإستمرارية صفة للوجود الواحد الباقي من غير بدء إلى غير نهاية.

بالفاعلية تتسع حدود الإنسان الوجودية، وإلى المدى الذي يمكن له بلوغه، متقوما بعاملية دعوة الوحي المتنزل على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ الوحي دعوة وجود واسع إلى وجود ضيق، ليخرج الضيق من دائرة أناه الظلومة ، إلى النور المشع على صفحة، وفي ثنايا وحنايا الوجود الكبير.

الوجود الواسع مكون من مكونات فعل العبادة، الذي يتمثل به ـ العابد بالوجود الواسع ـ الواسعية، فيتحقق بها، ويحققها بذاته؛ بالقــدر الذي يؤهله له خلقه ـ بلام ساكنة ـ وفاعلية طاعته لأمر الله.

وبرؤية واحدية، فالحياة الدنيا بعض أصيل من الوجود بإطلاقه؛ الوجود الواسع. والدنيا مركز الدائرة الوجودية الإنسانية على تفاوت واسعيتها. والفعل الإنساني المجاوز لدائرة الحياة الدنيا، يرتكز إليها ـ للدنيا ـ وينطلق منها؛ وهي تبقى جزءا منه، بشرط أن يستغرقها ولا تستغرقه، أي: يهيمن عليها، لا تهيمن عليه.

الدنيا المحكومة للمسلم، هي قاعدة ومحور واسعيته الوجودية المجاوزة للحياة الراهنة، لا المنفكة عنها.

والمسلم فاعل إلاهي بعبادته التي يحقق بها واسعيته الوجودية، التي تنبني، من ضمن ما تنبني منه وبه، من وبمقدرات الحياة الدنيا، باعتبار الأخيرة بعضا أصليا من الوجــــود المطلـــق الواحـــد. وكل ما في الدنيا، عدا المسلم الكامل، مفعول لله؛ لجموده ـ الماعدا ـ في دائرة وجود ضيقة، بميزان الوحي؛ ومن ثم، فإن كل ما في الدنيا، عدا المسلم الفاعل بالعبادة، مفعول للمسلم الفاعل بالعبادة، المستخلف في الأرض؛ لتحققه بالفاعلية الإلهية التي هي الله الواسع.

الواسعية مفهوم تقدمي عقلي تتقهقر أمامه جهالة العقل الدنيوي وجنود الظلمة النفسية. حقق الإنسان صورة واسعية، وطوى تحت رايته مقومات الحياة الدنيا بنشاطه العلمي، فعزز فكرة الخلافة الإنسانية المرتكزة للعلم. وبين القرآن أن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها؛ فسجدت له الملائكة وهي التي لم يؤهلها التسبيح لله بحمده، وتقديسها لله، للخلافة في الأرض. أما آدم فقد تأهل للخلافة بالعلم، رغم الإفساد وسفك الدم. ويلح القرآن الكريم على أهمية العلم، فاستفتح الله وحيه المتنزل على النبي محمد، صلوات الله عليه وسلامه، بدعوة الله لمحمد للقراءة، باسم ربه الأكرم، الذي كان من أكرميته، أنه علم الإنسان بالقلم ما لم يعلم.

لا مندوحة للمسلم من علم يتعبد به الله. وعبادة الله تفتح الوجود الإنساني الضيق على الوجود الواسع الواحد، وبه ـ بالعلم التعبدي ـ تتسق عوامل فعل الخلق ـ بلام ساكنة ـ الإنساني المؤمن؛ فيولد الإنسان الرباني المكافىء للعوامل السببية الداخلة في تكوين بنيته.

والعبادة هي تحرير فعل الخلق الإنساني من نهاية المفعولية، ويحصل ذلك باستئناف فاعلية بداية الفعل، وهي البداية الإلهية المتصفة بالواسعية التي كشف عنها قوله تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا لعبدون”؛ تبين هذه الآية الكريمة غاية الخلق الإنساني، وما يراد منه لله، مما قبل بدايته؛ فهي تبين النية والقصد معا. وما بين النية والقصد، تتسق الأهلية الإنسانية مع دعوة الوحي، مع القبول الإنساني، في بنية واحدة تتكافأ مع عواملها السببية.

وفاعلية الإيمان هي القبول ـ المتحقق ـ بدور المشاركة في فعل تحقيق المراد الإلهي. أو: هي فاعلية السبب الذي يتأدى منه المراد الإلهي إلى واقعة فعل واحدي تتعين به واحدية الله كصفة أساسية أولى له، من غير إغفال حقيقة أن القبول ذاته فعل يلد لأسباب عاملة تنتمي إلى الماقبل الوجودي؛ فكل فعل إنساني هو فعل وجودي كلي متعين في صورة فردية. فالفاعلية الإنسانية فاعلية وجودية. وفاعلية الإيمان فاعلية واحدية الوجود.

وقد اختلفت آراء المفكرين المسلمين الذين تناولوا قضية الفعل الإنساني؛ فقال فريق أن الفاعل على الحقيقة هو الله، لا الإنسان؛ وقال فريق آخر أن الإنسان فاعل على الحقيقة. واحتج الفريق الأول بأن القدرة لله وحده؛ واحتج الفريق الآخر بعدالة الله التي تبني الحساب على فعل الإنسان ذاته.

وتصدر آراء الأشاعرة والمعتزلة، ومن دار في فلكيهما، أو قريبا منهما، عن معتقدهم الرئيس الذي يذهبون به إلى تصور ثنائية الوجود؛ وهو الذي يترتب عليه أن الله فاعل، والإنسان مفعول لله؛ وأن الوجود المدرك كله مفعول لله، بحكم إحداثه من بداية، وانتهائه إلى نهاية له؛ ولو كان ذا فاعلية؛ ففاعلية المحدث ـ بدال عليها فتحة ـ المفعول لله، الذي لا يتجاوز حده، هي، في الحقيقة، مفعولية للمحدث ـ بدال مكسورة.

نشأ الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة، من رؤية الفعل الإنساني عند الأشاعرة، بمنظور الوجود الإلهي، المفارق للوجود الإنساني، وابتداء منه؛ ومن رؤيته، عند المعتزلة، ابتداء من الفعل الإنساني؛ فأثبت المعتزلة فاعلية الإنسان المقررة عيانا، ولم يثبتها الأشلعرة.

وكان قفز الأشاعرة، وأهل الجبر عامة، عن الواقع الثابت عيانا، هو أصل الضعف في مذهبهم في الفعل الإنساني. وإلغاء الثابت عيانا بالنظر القافز على الواقع، غلط منطقي تكذب به القضية، ولا يستقيم به حكم العقل.

ومع أن المعتزلة قالوا أن الإنسان فاعل؛ لكن مذهبهم يلزم بالقول أن الإنسان مفعول؛ فقد قالوا أن الإنسان مفعول لله، وقالوا أن الفاعلية والمفعولية الإنسانيتين حقيقتان، ليسا مجازين؛ فجمعوا في مقالة واحدة، اثباتا ونفيا لقضية واحدة؛ فلم يصح حكمهم. وكل حكم عقلي يبدأ من ثابت الواقع، فهو حكم يسلك المنهاج القويم؛ فإذا ناقض حكم تال ما قرره الثابت، في دائرة قضية واحدة، فالحكم التالي إنحراف عن المنهاج القويم.

إن العبادة طاعة أمر، هي فعل للعابد، والعابد بها فاعل. ثم أن الإنسان فاعل على أوجه حياته الأخرى؛ وفاعلية الإنسان المعاصر متعاظمة، فلا يمكن تجاهل حقيقتها؛ كما لا يمكن مواصلة، ومواجهة تحديات الوجود ـ الدنيوي، مرتكز الوجودية المطلقة في مذهبنا الواحدي ـ بغير منهاجها. والمعتقد الذي ينفي فاعلية الإنسان على الحقيقة، وهم لا يقدر أن يقاوم طغيان العقل ـ الفاعل بطبيعته ـ ولا أن يواجه تحدياته الحضارية.

المسلم، إذا ما أراد التمسك بالوجود، الدنيوي الكريم، والأخروي، فلا بد له من أن يكون فاعلا لا مفعولا به، أو فيه، أو مفعولا مطلقا. ولا تقوم فاعلية المسلم إلا بالفاعلية الإلهية، بالصدور عن فهم واحدي للوجود؛ الإنسان فيه بعض حقيقي، وممتاز بخاصة الوعي التي تؤهله لتجاوز دائرة الوجود الإنفعالي الضيقة، إلى الوجود الواسع.

إن الله تام القدرة، والإنسان فاعل بقدرة حقيقية له، ولا تتناقض قدرة الله مع قدرة الإنسان؛ فالقدرة الإنسانية قدرة إلاهية، والإنسان بعض حقيقي تتعين به القدرة الإلهية، مثلما يتعين به الوجود الإلهي الواحدي. في إطار حركة الإنسان الوجودية، فإن الفعل الإلهي والفعل الإنساني فعل واحد. الفعل الإنساني محدث ـ بفتحة على الدال ـ يتقوم بأسباب عاملة هي أسباب إلاهية. والوجود الإنساني ليس زيادة على الوجود الإلهي؛ الزيادة حكم بالمحدودية على المزيد عليه، والوجود الإلهي يملأ الوجود كله، هو وجود لا يحد ـ بضمة على الأول، وتشديد الأخير ـ فلا يقبل زيادة عليه.

العبادة فاعلية تترامى بها حدود الفعل الإنساني إلى ما بعد حد المفعولية، ليسع الوجود الإنساني ـ الفاعل ـ الوجود ـ بفتحة ـ الإلهي الواحد، كما أشار حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه أن الله الذي لم تسعه أرضه وسماواته، وسعه قلب عبده المؤمن.

وتجاوز حد المفعولية أمانة أنيطت بالإنسان لأهليته المنماز بها؛ فحملها الإنسان بتكوينه الذي فاق السماوات والأرض والجبال، كما صور القرآن. وميزة التكوين الإنساني الفارقة ما بينه وبين الخلائق كلها، حركية واسعية تجاوزية إلى ما وراء حده الآني بشهادة الوقائع التي لا ترد لها شهادة.

وقد قرر القرآن بنص واضح وحدة المشيئتين الإلهية والإنسانية، فدل على واحدية وجودية: الله كلها، والإنسان بعضها؛ قال تعالى: “وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين”، (التكوير:29). وقوله تعالى هذا تعقيب على آيتين سبقتا الآية هذه من غير فاصل؛ وصفت الآية الأولى منهما القرآن الكريم بأنه “ذكر للعالمين”، وقال جل جلاله في الآية الثانية: “لمن شاء منكم أن يستقيم”. أثبت القرآن المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية، ووحدهما. فالقرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم في تصوره وحركته؛ هذه المشيئة الإنسانية هي مشيئة إلاهية، كما تقرر الآية (29)، التي يدل نصها على كل مشيئة، سواء كانت مشيئة استقامة، أو غير. الإنسان لا يشاء ما لم يشأه الله؛ فإذا كان من الإنسان مشيئة، فهي مشيئة شاءها الإنسان وشاءها الله؛ ومن المشيئة الإنسانية نعرف مشيئة الله، التي ـ الأخيرة ـ تتبدى لنا بالمشيئة الإنسانية، هذه ـ الأخيرة ـ ليست خالية، هي ملاء بالمشيئة الإلهية المكونة لها تكوينا عامليا سببيا، وتملأ ـ هي ـ المشيئة الإلهية؛ نستدل على المشيئة الإلهية بالمشيئة الإنسانية، كما نستدل على عوامل تكوين حادثة من إدراك الحادثة ذاتها.

وبالمفهوم الثنائي للفكر الإسلامي، تبدو نصوص “التكوير” الثلاثة متناقضة. تبدو الآيتان (27)، (28) منحازتين لحرية المشيئة الإنسانية؛ وتبدو الآية (29) حجة لصالح نفاة الحرية الحقيقية للإنسان. أما كلام الله فمتنزه عن التناقض، الذي ـ التناقض ـ يترتب على القول بتجزيء الوجود. وقد توارث الفكر الإسلامي الثنائي مفهومه التجزيئي من المنهجية العربية القديمة التي أعوزتها الرؤية الواحدية الكفيلة برؤية الأبعاض في كليتها، المنتجة ـ المعني: الرؤية الواحدية ـ لمعرفة بالكل بتعيناته الحادثة في الواقع. الآية الثالثة من النصوص السابقة، تدور على موضوع المشيئة الكلية التي تتعين في المشيئة البعضية الإنسانية؛ والكلي لا يتناقض مع البعضي؛ فإذا قرر القرآن حرية المشيئة الإنسانية في نصوص أخرى، فلن يتناقض تقريره هذا مع الآية (29) من سورة “التكوير” التي قررت حرية كل من المشيئة الإلهية والإنسانية، حرية واحدية.

وقد جرت عادة المفكرين المسلمين التقليديين على مواجهة النصوص القرآنية التي يتوهمون تناقضها، لثنائية نظريتهم، بالتهرب منها، أو بافتراض حاجتها للتأويل. مثال ذلك ما صنعه الألوسي؛ قال في معرض تفسيره في “روح المعاني” لقوله تعالى: “وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كل من عند الله، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك”، (النساء: 78، 79): ” إعلم أنه لا حجة لنا، (يعني الأشاعرة)، ولا للمعتزلة في مسألة الخير والشر بهاتين الآيتين لأن إحداهما بظاهرها لنا، والأخرى لهم، فلا بد من التأويل”.

يرى الألوسي تناقض القرآن في نص واحد من آيتين. والتناقض لا يرفعه التأويل، فالتأويل سبر للمعنى، وليس ليا لعنق النص واستنطاقه بما ليس فيه، لاغتصاب اعتراف منه بسلامة المذهب. النص هذا صريح الحكم على أن الحسنة والسيئة من الله، وتغلق صراحته كل باب أمام دعوى تزعم أن أحدهما من غير الله؛ ومن ثم، فلا بد من العدول عن التفسير الذي لا حجة له إلا أنه انتصار لمذهب، إلى تفسير يعالج النصوص برؤية عقلية مستنيرة لا قيد عليها، إلا قيد طلب المعرفة الحقة الملزمة.

لقد نصت الآية الأولى على أن الحسنة والسيئة من الله. ونصت الثانية على أن الحسنة من الله والسيئة من النفس الإنسانية.

ونشأت المشكلة الموهومة من رد السيئة في الآية الأولى لله، وردها في الآية الثانية للإنسان.

لكن، لو قلنا أن الله هو الكل، وأن فعله فعل كلي؛ وأن الإنسان بعض الكل، وفعله هو فعل بعض الكل؛ لأمكن القول أن السيئة فعل كلي بنص الآية الأولى، وفعل بعض الكل بنص الآية الثانية؛ وما تصح نسبته للبعض تصح نسبته للكل؛ فإذا كان المنسوب إليه هو الكل، صحت نسبة السيئة إليه؛ وإذا كان المنسوب إليه هو البعض، صحت نسبة السيئة إليه؛ ولا يقع تناقض ، فقول العليم منزه عنه.

ومن جهة أخرى، فإن رد حادثة السوء إلى عواملها السببية، هو رد لها لأصلها الإلهي، باعتبار ارتداد الفعل الإنساني، باعتبار وجوده كله، لأصله الإلهي.

وكان الفيلسوف الإسلامي ابن رشد قد أخطأ إذ زعم في “مناهج الأدلة” أنه لاحظ ظهور جانبي الحرية والجبر في آن واحد، في قول الله تعالى: “أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير. وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله”، (آل عمران: 165، 166).

ابن رشد، الفيلسوف العقلي صاحب “تهافت التهافت” الذي ينقض به “تهافت الفلاسفة” للغزالى الأشعري، لم يكن فارس الفكر المقدام، فيجاوز عقلانية المتكلمين مجاوزة جذرية، بعقلانية مستنيرة؛ لو اقتحم بها حصن الموروث مما قبل نزول الوحي، ما استمرت حركة تقهقر الأمة الإسلامية، إلى أن وصلنا إلى حالة المفعولية الحضارية، لحضارة تنامت من قراءة لابن رشد، مستقلة عن تراثه. كان يمكن لابن رشد أن يجذر ثورته العقلية على الفكر الأشعري، بالتحرر الكامل بالعقلية المستنيرة المستقلة عن التراث التعددي العربي؛ ولو فعل ذلك، لكان قد غذا العقل الإسلامي بدم حار،  به يستعيد المسلم فاعليته الإيمانية، فيتحقق بالعقل لا بالوجدان، فلا يبقى شطرين: مسلما بالوجدان؛ وشطرا مقسوما على ذاته، بين اثنين موهومين، فلا هو بهذا، ولا بذاك؛ فالحق أن الوجود ـ نسبة لله والإنسان ـ واحد؛ هو الله بالكلية المطلقة، والعابد بفاعلية البعضية.

ولآيات “النساء” و “آل عمران” المذكورة آنفا، دلالة واحدية الفعلين الإلهي والإنساني. وهي تكشف أيضا عن دور الفاعلية الإنسانية في الفعل الإلهي الكلي. فالنصوص القرآنية تثبت فاعلية وفردية حقيقيتين للإنسان؛ فالسيئة والمصيبة فعلان للنفس الإنسانية المفردة، تستقل بالفعل في حدود بعضيتها، وتتحمل نتائج فعلها في مداها البعضي. توكد هذا الآية (165) من “آل عمران”، بنصها على أن المصيبة التي وقعت بالمسلمين، جاءتهم من عند أنفسهم؛ المسلمون إذن فاعلون، وفاعليتهم ذات أثر يقع، بهم، عليهم.

وكان الوجود الفاعل للمسلمين في معركة أحد، قد انحسر من الدائرة الإلهية الواسعة، دائرة الفعل الإيماني، إلى دائرة الإنسانية الضيقة، لمخالفة المقاتلين لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحصل تراجع لفاعليتهم من مداها الإلهي الواسعي،إلى مدى الأنا المصمتة، الساكنة في نقطة المفعولية، السالبة لحركية العابد.

ورد الحسنة إلى الله في آيات “النساء” آنفة الذكر، لا يعني استئثار الله بالحسن وقصر القبح على الإنسان؛ المعني، بدلالة النص، هو أن فعل الإنسان الحسن، هو فعل كلي يوسع الوجودية الإنسانية بعوامل إلاهية يتقوم بها الوحي؛ وهي العوامل التي تدخل بنية الفعل الإيماني، فتحرره من قيود التعين في واقعة مفعولة لله، وتنطلق به في الأفق المترامي لفاعلية الله الواسع، الواسعة. ويعني رد الحسنة لله أن فعل الحسنة فعل واسعي، وبفعله، يصير الإنسان واسعيا؛ وبغير فعله، يبقى الوجود الإنساني حبيس ظلمات النفس السيئة بمحدوديتها، أي: بمفعوليتها.

الفعل الحسن فعل حركة إنسانية تجاوز دائرة المفعولية، ويتعين بها فاعلية الله الواسعة. وفاعلية الله تتعين في خلق الله على تفاوت: أعلاها مرتبة مؤمن بواحديته، وعاملا  عملا صالحا، يصير كل ما يحده الفناء به، عبدا له؛ صبورا على المكروه، إلى أن يفوز، بفاعليته، بثواب مقيم في دار السلام.

المسلم فاعل فاعلية تسع الوجود المدرك، وما هو أوسع.

والفاعل لامفعول.

والمسلم، برفض المفعولية، يتأهل للنهوض من ضمير الأمة، بطلا فاعلا مقداما؛ فيرد العدوان، وينتصر للحق المبين، ويعبد الله عبادة يبلغ الله، جلت قدرته، وتعالى، بها مراده الإنساني.

فاعلية المسلم تحققه رائدا للحركة الإنسانية، بترجمة واقعية، جماعية، أداتها إرادة العدل وحضوره البهي القوي.

وعلى الله قصد السبيل.

والحمد لله رب العالمين على ما هدانا إليه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s