نهوض الأصل

الدكتور حسن ميّ النوراني

(دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس)

alnorani@live.com, alnoorani@hotmail.com

 

توضيح:

(1) كتبت هذه الدراسة في المرحلة التي كان فيها تفلسفي مؤطرا بنظريتي “الواحدية” التي تقدمت منها فيما بعد إلى مستوى تفلسفي لم يلغها، ولكنه يعمقها وهو الذي يحمل اسم “النورانية” أو “النورانية الواحدية” وبمفهومي الخاص والمتميز عن المفاهيم الفلسفية الواحدية أو النورانية التي عرفها تاريخ الفكر الإنساني الذي كان ينبوع أفكاري لكنني لم أقم بتكرار أي من تجلياته ولكنني أنتجت ما يصطبغ بلوني الفردي.

(2) أعتذر عن عدم توسيع دراساتي النقدية التي يتضمنها اجتهادي المقدم هنا ليشمل كل ما أنتجه الأفاضل الثلاثة الذين تناولت كتاباتهم حتى تاريخ إعدادي للدراسة الراهنة. وهذا وجه يوهن من قوة رأيي فيهم، لكن ظروف الترحال المستمر وإقامتي الراهنة وغير المستقرة في غزة، التي لا يتوفر فيها للباحث الفلسفي وغير الفلسفي ما يحتاج إليه؛ ظروفي هذه، وقد يضاف إليها أن شهوة البحث باتت ضعيفة عندي كما ضعفت شهوات كثيرة جميلة ومشروعة تحت ضغوط القهر المتخلف التي يحياها المتطلعون لمستقبل أجمل.. ذلك كله، قد يجعل من اعتذاري مقبولا.. وهو اعتذار آمل أن يكون مشفوعا لي بما لا يزال يتحرك في كياني من إرادة الانتصار على ظلاميتنا وعلى تخلفنا.. لذا، أدفع بهذا الاجتهاد للنور..

 

 

 

 

 

***************************************************************

الموضوعات

استهلال

الجنة.. من الآن، ومن هنا

القسم الأول

إرادة الجهاد المنفتح

(1) غياب الفاعل الفرد

(2) العقل المطلوب

القسم الثاني

شرط الواحدية

زكي نجيب محمود: ثنائية العلوي والسفلي

حسن حنفي: الضيق يحاصر الواسع

محمد عابد الجابري: استدعاء لحظة بلا آفاق

فاتحة النهضة الواحدية

من “المخلوق” إلى “الخلق”

****************************************************************

استهلال

الجنة.. من الآن، ومن هنا

الفكر المرتجف لا يبدع الحب والسلام. يرنو العقل الواحدي ـ الذي ينتظم فيه هذا الاجتهاد ـ إلى استنهاض جماعية الكثر بمشروع يؤصل القيمة الفردية الأولى: قيمة الحرية الفاعلة، لا الحرية القاهرة. والحرية الفاعلة، في الرؤية الواحدية، تنهض من “أصل” الوجود، وتنطلق في كل أفق ينطلق فيه الوجود؛ ولا أفق للوجود إلا أفق الحرية التي تفتح مغاليق الدوائر المظلمة، دوائر المفعولية التي تحاصر تطلعات المشروع النهضوي العربي إلى تحقق جديد للأمة، لا يكرر قديمها، ولا يذوب في الراهن الإنساني الغربي العدواني.

وسوف تبقى مشكلة التراث والمعاصرة ـ التي تشغل العقل العربي المعاصر ـ عصيّة على الحلّ، ما بقي المشروع النهضوي العربي المعاصر هيّابا لا يمضي، واضحا، وحازما، مستقيما، وبلا التواءات، ليقتحم “القلب المحض” للنسيج الحضاري العربي الإسلامي الذي ما زال موروثنا منه يهيمن على واقعنا المعاصر.. من هذا القلب البعيد الحاضر، يبدأ مشروع نهضوي جديد؛ لن يبدأ من نصف حيّ أو ما شابه الحياة، ونصف ميّت، أو ما زعم له الموات، ولكنه يبدأ من “واحد” عميق واسع، عمق الوجود المطلق وسعته. فإذا ولد مشروع نهضوي من هذا الواحد المنفتح على ذاته المطلقة (الحرة)، المنفتح بفاعليته الخالقة بـ وعلى، خلقه التاريخي والزماني؛ فسيلد نهوضا متواليا، غضا، لكنه صلب الإرادة، ماض في عزم، يجتاز عوائق القهر التي تسلب الفردية طاقة الوجود السيّال، وتستبد بالحق الأصيل لكل ذات في حياة كريمة، تحوز، بالعدل، حظها الكامل في الوجود.

وإذا حازت كل ذات حقها الكامل في الوجود، فلا بدّ أن تشرع، ودفاعا عن حقها الأصيل، في أداء واجبها الكامل ـ أيضا ـ تجاه الوجود، الذي هو وجودها، الوجود الذي تساوي قيمته درجة رفيعة، كما الجنّة، مرتبة الحب والسلام، في أعلى صفاء، جنة نغرسها هنا والآن، وننطلق في رحابها، من الآن ومن هنا، على صهوة زمان نبدعه نحن، لنا نحن، تبدعه نحنُ كالبلّور، لا عتمة فيها ولا جوْر ولا قهر ولا استبداد.. مثل هذه النحن التي تينع بها، وفيها، كل أنا، حلم يستولد إشراقة إنسانية جديدة تبدو قريبة المنال، في كنف حال أنهكه العدوان، ويستحث عقلا واحديا، هو الآن يغذو الخطى نحو تواصل أعمق، ليخلق عالما أوسع، سبق الوحيُ إليه، بدعوة فتحت الخلق على الخالق، والشهادة على الغيب، والزمان على المطلق؛ فتح الدين، ويفتح العقل، وجودا واحدا، ذروته إنسانية واحدة، ذروتها السلام.

صنعاء في 18 شوال 1413هـ/10 نيسان (إبريل) 1993م

القسم الأول

إرادة الجهاد المنفتح

(1)  غياب الفاعل الفرد

إذا عجزت قوى التنامي عن مواصلة فاعليتها الحيوية في مواجة عوامل الهلاك، صارت الحياة فعلا مختنقا. التنامي خاصة حيوية يتحقق بها الكيان الوجودي الحيوي في مستوياته الفعلية كلها، وفي ذروتها مستوى الإنسانية؛ هذا المستوى الذي امتاز عمّا عداه من مستويات التحقق الحيوي بالقدرة على جمع مفردات خبرته، وصياغتها في تاريخ، حقق بدوره، فاعلية التنامي الحيوية، بصورتها الإنسانية. والتاريخ الإنساني ليس تجميع خبرات مفردة مغلقة، هو جمع تشارك فيه الخبرة المفردة بفعل يتعضون به الجزئي في الكلي، أي: ينفتح به الجزئي، بالكلي، على الكلي الممتد إلى ما بعد حدود الجزئي المكانية والزمانية. التاريخ هو فاعلية تفتّح الفردي على الجمعي، أو تفتّح الفردي، بالفردي، ليصنعا معا جمعيا واحدا، عوامله الفاعلة هم الأفراد الصانعون للتاريخ؛ الأفراد المبدعون لتحققاتهم الحيوية الوجودية، وهي تحققات لا يبدعها أفراد معزولون، كل في دائرة وجودية مغلقة؛ الإبداع الحيوي الوجودي هو فعل التنامي في الأفق الواسع للوجود، هو فعل تعميق الوجود الأنوي في الوجود العام. وبالتنامي المعمق يصير الوجود الأنوي فعلا تاريخيا، خلال صيرورته إلى فعل جمعي، يخلق بطبيعته تاريخا فاتحا، كل لحظة، عالما متجددا، يشتبك مع عوامل الهلاك، ويتجاوزها، أو يحيلها إلى شروط جدارة حضوره وشدة درجة فعل مشاركته في إعادة صياغة الوجود. ولكن شعلة الحياة تخبو في اللحظة التي تتجمد فيها فاعلية الحضور، وفي هذه اللحظة، تسقط الحياة في شراك الأزمة.

الأزمة حضور حيوي متجمد تاريخيا يضيق فيه الوجود الفردي وينغلق على ذاته، ويفقد قدرته على التنامي الجمعي، ومن ثم، تفقد الجماعة، أو الأمة، قدرتها على إبداع حضورها التاريخي الفاعل في التاريخ الإنساني العام. والحياة لا تتوقف عن تحققاتها إذا فقدت قدرتها على إبداع حضورها التاريخي الفاعل، ولكن ، تتجه تحققاتها إلى الأداء الحيوي في وضعية المفعولية.

وضعية المفعولية حالة استلاب وجودي لكيان يعجز عن التواصل الفاعل مع المعطيات الوجودية، ثم ينقلب عجزه، أو يتفاقم، فيصير هو، نعني الكيان، معطى، مسلوبا، للموضوعات الوجودية الأخرى؛ أي: يصير معطى يمارس الغير فيه فاعليته، ويمارس عليه حصاره الخانق. المفعولية وضعية ذاتية، لا يخلقها الغير، ولكنها تغري الغير ليمارس عليها فاعليته. فالذات، كل ذات حية، مجبولة على الحركة التوسعية، فإذا تعطلت مكنة التوسع لدى ذات، فإن هذه العطالة مقدمة لحركة توسعية تنجزها ذات أخرى تمتلك عوامل الفعل، الفاعل، امتلاكا ذاتيا، ومنهاعامل شهوة الحيازة على الآخر، وهي شهوة تتفاقم، إذا صار الآخر أرضا سهلة وقابلة للاجتياح؛ أي: إذا صار الآخر في وضعية المفعولية، وهي حالة يتقهقر إليها الكيان، بعد أن تكون عوامله قد ألجمت فعله المبادر بتلقائيته الوجودية. ومن ينكص عن المبادرة الفاعلة، يهوي في ظلامة التاريخ، وتهرسه عجلات زمان يتحرك بالذي يحركه، ولا يجمد مع الجوامد. الحركة طبيعة الوجود، والوجود لم يزل، فالحركة لم تزل، وهي اتجاهات، إما نحو الأمام، وإما نحو الخلف؛ والفاعلون هم الذين يبدعون زمانا يتحرك للأمام. بينما تشتد وضعية المفعولية كلما ضاقت المساحة الوجودية بالحركة المنكفئة على ذاتها، المقلوبة الاتجاه.

المفعولية وضعية لا تستجيب للتحديات الخارجية بكيف يجعل منها عوامل بناء للذات. الآخر نسبة إلى الذات المأزومة بوضعية المفعولية، مخرج استهلاكي؛ هي تستهلكه، وهو يستهلكها. لكن استهلاكها له، تدمير لها، وتدمير له في ذاتيتها؛ أي: إعدام له كعامل استفزاز لها ودافع للتنامي بتوظيف فاعل يقلب تحديه لها إلى تحديها له. واستهلاكه لها، تدمير لها بمحاصرتها في دائرتها، دائرة وضعية المفعولية، لا تدميرا مطلقا، ولكن تدمير فاعليتها، لتظل سهلا مفتوحا لأداء فاعليته العدوانية.

الأزمة، كما الحياة، ذاتية. كما لا يقدر أحد على الحياة نيابة عن غيره، لا تخرج أمة من أزمتها، ما لم يكن الخروج مطلبا ذاتيا لها. ومن الجرثومة التي يبدأ منها مشروع الحياة، منها يبدأ مشروع النهوض الجمعي، متحديا حالة المفعولية، ومتحديا في الوقت ذاته، عدوانية التحدي الخارجي.

وكما جرثومة الحياة، أساس المشروع الحيوي للكيان، أساس عميق، فإن أزمة الكيان الجمعي، ذات أساس عميق أيضا، يضرب جذوره في التراث، ويفترش مركب عقل ووجدان الفرد والأمة في الحاضر المحكوم بالماضي، محكومية تغلق أفق المستقبل.

لماذا حشرت الأمة ـ أمتنا العربية أو الإسلامية ـ رأسها في صدع جدار كثيف سلبها الحضور في التاريخ، بينما لم يغب الجدار عن التاريخ، وظل يضغط على الرأس المحشور في صدعه المتفاقم؟! لماذا فشل مشروع الأمة النهضوي الحديث رغم انبلاج تباشيره منذ قرنين، ورغم تنوع طروحاته وتكرار تجاريبه؟ لماذا عجز العقل العربي المعاصر عن إنقاذ جمجمته المحاصرة بظلمات الصدع التاريخي المتكاثفة عهدا بعد عهد؟!

لماذا بددت السياسة العربية ـ أو الإسلامية ـ إمكانات قوتها، فانتهت بالأمة إلى وضعية المفعولية المزرية المسلوبة حق التعبير عن احتياجاتها الطبيعية وعن طموحاتها السامية؟ لماذا تراجعت الأمة من دور الحاضر الفاعل إلى دور الحاضر المنفي؛ من دور “الرسول” إلى دور المستباح؟!

ودعوة السلام التي تصعّدت من ذرا وجودنا، ومن ذرا فلسطيننا، لماذا تهاوت إلى دعوة انهزام واستسلام في مواجهة طوفان العدوان؟!

الهزيمة في فلسطين، ابتداء من الاحتلال الصهيوني لها، وانتهاء ـ حتى الآن ـ بالاعتراف بمشروعية العدوان، والتسليم بـ”حقه” ـ ولا حق لعدوان في البقاء ـ في وجود آمن، وبضمانة نشارك فيها، هذه الهزيمة تمثل ذروة وضعية المفعولية للحضور العربي ـ الإسلامي ـ المعاصر، وتجسد الخلاصة المكثفة للأداء الحيوي العربي ـ الإسلامي ـ المقلوب الاتجاه، والمدمر لذاته، المستباح للآخر. الموقف العربي (الإسلامي) من العدوان الصهيوني، دليل الأزمة التي يعانيها الحضور الراهن للأمة، فهو دليل فقدان السيطرة على زمام إرادة فعلها الجامع لإمكاناتها الذاتية الوفيرة، الموجه نحو مقاومة تحدي العدون الخارجي لها، الذي تجسد العدوانية الصهيونية مراميه وأهدافه وخطورته على الدور الكياني الفاعل للأمة العربية (الإسلامية).

ليست الهزيمة في فلسطين، هزيمة عسكر في مواجهة عسكر؛ إنما هي هزيمة حضور في وضعية المفعولية، قبالة حضور في وضعية الفاعلية. والحضور في كل وضعية له، أداء حيوي شامل، تنتجه طريقة معينة لتكييف إمكانات الوجود المتعددة وعلى صُعُد كُثْر، ولكن، في نسق واحدي، تتعضون فيه الأجزاء، وتنتج كليا عاما يسجل حضوره النوعي في التاريخ والجغرافيا. واالحضور العربي، أو الإسلامي، قبالة الحضور العدواني الصهيوني الفاعل، حضور يكيف قدراته الذاتية في نسق مهزوم، بكفاية متدنية، وبإرادة مسلوبة، وحركة متدهورة تتقهقر إلى مضائق أشد، أو إلى أزمة أعنف.

ما الذي يوثق رباط رزوح الأمة تحت نير الوجود الضيق المأزوم في دائرة ظلامية وضعية المفعولية؟! ما الذي يُقْعِد إرادتها عن الانقلاب على حالة المفعولية النافية لفاعلية مقومات وجودها التاريخي والمعاصر، إنقلابا يفجر مكنونات الحياة المقدامة، التي لم يبخل بها الخالق عن تشيؤ له، الذي أودع في كل ما خلق من أحياء قوة مغالبة عوامل الفناء؛ التي منها، ومن أشرشها، فيما يخص الحياة الجمعية، عامل الرضوخ للوجود في دائرة المفعولية الضيقة النافية للتحققات الذاتية، للفرد والأمة، تحققات تبدع حضورا فاعلا، وإشراقا ناهضا للحياة؟!

لم تزل الأمة، ورغم محاولات متعددة، أسيرة كوابح تكبل إرادة الفعل المقدام الرابض في كينونتها الحيوية والذاتية، وهو قوة يطويها كل كيان حيوي بضرورة التكوين الخَلقي، النازع إلى الفاعلية، بصدوره عن فاعل أو عن “الفاعل (=الخالق)”، الذي ابتعث من لدنه “روحا” تحققت تارخيا في الأمة العربية الإسلامية حاملة رسالة الهداية للناس أجمعين في حركة عميقة أخرجت الناس من ظلمات الوجود المغلول بالجهالات والمحاصر في مضائق الأنوية، إلى نور الوجود المتحرر من الباطل الزاهق، الموسوم بالحق والمرسوم بالجهادين الأكبر والأصغر. والمتحرر من رؤى السلف، برؤية متجددة، تساوق تغيرات الزمن، تساوقا يشترطه كل نهوض جديد للإرادة الفاعلة المقدامة.

والتجديد الذي وقع مع ابتعاث النبوة المحمدية، انبثق عن رؤية مقدامة، وحّدت بإبداع منهجي شتات الكيانية العربية الثقافية والجسمية، وأخرجت الطاقات الحيوية من كمونها الوجودي في محابس الماضي تحت هيمنة سلطان الأبوية المتجمدة بمفاهيم خاطئة عن الوجود عامة، وعن الوجود الإنساني خاصة، والمرهونة بضلالات معتقدات كانت سائدة تحت شروطها الظرفية، لا تحت كل الشروط، ولا كل الظروف. كشفت منهجية النبوة المحمدية عن الروح الفاعلة في الكيانية العربية الفردية،، وأزاحت عنها حجاب الكفر، فانطلقت من كيانية الفرد كيانية الجماعة، وعمّقت الكيانية الجمعية كيانية الفرد، بتحرير الأنوات من مضائق الآنات المنفصلة، أو من مضائق الأزمة التاريخية التي غيبت العربي في عصر ما قبل الإسلام عن الحضور الفاعل في التاريخ، وهي، الأزمة ذاتها التي عاودت تغيييب العربي، والمسلم، عن الأداء التاريخي الفاعل في العصر الراهن.

وعلى الرغم من تغاير العصور، تظل الغيبوبة التاريخية نتيجة سبب لا يتغير جوهره، كما لم يتغير جوهر سبب الهلاك، فإن جوهر سبب الغيبوبة وسبب الهلاك، هو جمود الكياني في ذاته المنغلقة المنفصلة المتجسد في فردية “كافرة” واقعة في النهايات العدمية للوجود. حرر الإسلامُ الفردَ الكافر من حصار النهايات العدمية المنغلقة، وفتح وجوده على أفق مطلق يبدأ من لحظة “الإيمان” ويتدفق في فاعلية تاريخية وحّدت الأفراد، ووحّدت الأزمان المرئي منها والمُتَخَـيَّل، بمنهاج صادر عن الخالق الواحد، رب العالمين؛ أي: بمنهاج واحدي يعمق وجودية الفرد، باعتباره واحدا فاعلا مسلما للواحد المطلق: الله؛ وفاعلا بنسق جمعي واحد، لا يجور على واحديته الفردية، ولكنه ينبثق من فرديته الواحدة المسلمة لرب العالمين أجمعين، إسلاما يصح على وجهته إذا صحّ الإيمان؛ ولا يصح الإيمان إلا على معنى أخوة المؤمنين التي يقررها كتاب الإسلام، القرآن الكريم، وعلى معنى الحديث النبوي الشريف: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه”. هذه الروح الإيمانية، الواحدية، التي أشرقت بها الذاتية الفردية الجمعية، هذه الروح، هي روح الأصل الذي انبثقت منه النهضة العربية الأولى، وهو الأصل الذي نحسب أنه لا بد أن تنهض منه النهضة العربية المطلوبة. فهل كشف مشروع العقل النهضوي العربي المعاصر القيمة الإبداية للأصل النهضوي العربي الذي أنتج الدور الرسالي للعربي المسلم في عصور الإسلام الزاهية؟!

إن زعمنا بوحدة الأصل النهضوي العربي في نموذجها الذي تحقق تاريخيا، وفي صورتها المطلوبة حاليا، ليس زعما يدّعي التوحيد بين مشكلات النهضة العربية الأولى والنهضة المبتغاة. ثم هو ليس يزعم للأصل النهضوي خاصة الجمود؛ فالصفة النهضوية تنفي جمود موصوفها، فالنهضة حدث مغاير للراهن، ومغايرتها محمول يجدد صياغة الموضوع، فالموضوع مقيد بالمحمول من جهة محمولية المحمول. النهضة فعل محكوم بالظرفية، وما من شك، أن الظرفية العربية المعاصرة مغايرة للظرفية العربية زمن البعثة المحمدية. والأصل الذي نزعم أنه واحد لكل نهضة عربية يسع التغاير الظرفي بواسعيته التي لا تضيق عن استيعاب التشيؤات الوجودية كلها، والتشيؤات متغايرة، والأصل النهضوي الواحدي هو أصل التغاير، والتغاير هو صورة فاعلية الأصل الواحدي التي لا تجري إلا في حركة تغاير، فالأصل الواحدي للنهوض العربي الرسالي، هو ذاته، المانح لمشروعية تغاير صور النهضة العربية الأولى عن النهضة العربية المرتجاة، وهو لن يمنح المشروعية لصورة تكرارية للماضي، فالتكرارية الصورية في الوجود وَهْم الرؤى الضيقة التي تحبس إمكانات التفتح في النهايات المغلقة للتاريخ.

الانغلاق الذاتي في دائرة وجودية ضيقة منفصلة ومعزولة هو الجامع المشترك للوضعيتين العربيتين ما قبل الإسلام، والعصر الراهن. ومع هذا الجامع المشترك، فإن الانغلاق العربي المعاصر يباين الانغلاق العربي ما قبل الإسلام، تباين ما يعاني العربي الأول والعربي الراهن من مشكلات، أنتجت في حالة الأول قضاياها الخاصة، وصاغت تكيفات مشروعها النهضوي بها؛ وهي غير القضايا الراهنة المعطاة للواقع المعاصر، الذاتي والموضوعي، والقومي والعالمي. كان طغيان العزلة في ضراوة المكان وظلامة الكيان الوجودي هي السمة الغالبة على وضعية العربي ما قبل الإسلام، وهي وضعية الجاهلية في حكم الإسلام، أو بالقياس إلى الدعوة المحمدية المنفتحة بالنور الإلهي على تحققات الوجود المطلق (الحر) والمتعين في وقت واحد. واجه الإسلام مشكلة علاقة الخالق بالخلق، التي تجسدت صورتها في عبادة الأوثان، وكانت هذه العبادة معنى يجسد العزلة الاجتماعية داخل إطار قبلي تعصبي، فكان لكل قبيلة وثنها المعبود، ومن ثمّ، كان لكل قبيلة دائرتها الوجودية الضيقة المنفصلة عن الدوائر القبلية الأخرى، والمنفصلة المنعزلة بوثنيتها عن المطلق الوجودي الإلهي، الذي تمحورت حول تجلياته دعوة النبوة المحمدية. وبهذه التجلية لواحدية المعبود للناس أجمعين، عالج الإسلام مشكلة التنافر البنيوي العربي، التي كانت المشكلة المعيقة لخروج العربي من دائرة الأزمة المنفصلة المنعزلة عن مجرى التاريخ الفاعل، إلى الصفحة المشعة للحضور التاريخي الرسالي.

وما زال التنافر البنيوي مشكلة عربية معاصرة، تمثل حالة تقهقر إلى ما قبل الدور الرسالي، ولكن مدى المشكلة المعاصرة يترامى إلى أبعاد أوسع من أبعاد المشكلة القديمة، وهي ـ المشكلة المعاصرة ـ تستعيد المشكلة القديمة، وتتمدد، ومن المشكلة القديمة، لتضيف مشكلات جديدة أخرى، تعكس جميعها، المشكلة الأم، مشكلة أزمة وضعية المفعولية، والتي لن تعالجها الرؤية السائدة ـ في الفكر الإسلامي التقليدي ـ لعلاقة الخالق بالخلق، ما لم يتم إبداع جديد لهذه الرؤية، بلا نفي لمفهومها الوجودي الأصلي، وبالتوكيد على تغيرات الظروف التاريخية، التي توجب على العقل العربي المعاصر استحداث نظرية زمانية تهدي المشروع النهضوي العربي المطلوب، وتستهدي بالأصل النهضوي العربي الأول الواحدي. فما زال الأصل الواحدي قادرا على إشعاع نور هداية للذات العربية الفردية والجمعية الراضخة لعبودية الانفصال والعزلة عن العالم الراهن، وعن التكوين التاريخي الخاص.

العربي المعاصر غائب عن الحاضر العالمي، وغائب عن زمانه الذاتي ، وغائب في وطنه، وهو مقهور قبالة ذاته، وقبالة تراثه، وقبالة غيره. لا يقبض على زمام وجوده، ولا تتقدم إرادته تجاه الغد، مطبوع للزمان غير فاعل فيه، تتفاقم وضعية مفعوليته بالاستسلام لحالة الهزيمة المتفشية في مفاصله الحركية، والتي هيأته لحالة استسلام موازية للعدوان الأجنبي الطامع عليه. والبنية الجمعية العربية المعاصرة مفككة، تعكس تفكك البنية الفردية لها. ويضاعف هذا التفكك المزدوج من تعقيدات مشكلة الوجود العربي المعاصر، ويضاعف، بالتالي، المسافة التي تعزل هذا الوجود عن دور رسالي عصري يبدع حضورا عربيا متميزا بالروح التي أبدعت الحضارة العربية الإسلامية الأولى، روح السلام في عالم واحدي يصنعه المحبون العادلون؛ وسيظل هذا العالم حلما يتغياه مشروع نهضوي جماعي يخلق من الإمكانات الذاتية والموضوعية أداة فاعلة تخترق حصار المفعولية، وتتقدم بالكل الذي لا ينفي ولا يستلب أبعاضه، ولكن، الكل المتقوم بأبعاضه، المالكة زمام الحرية، المبادرة، لا عن إكراه، بالنهوض الذي تطلبه هي، وتصنعه هي، وتتقدم به كما يتقدم بها. لا تحقق الأمم أحلامها، ولا تواجه الأخطار المحدّقة بها بفعل فردي حبيس آن منفصل عن امتداداته؛ فالنضال العربي تصدٍ واسع لجبهة عدوانية مركبة، وفعل يتغيا الخروج من الأزمة، والفعل الفردي المنفصل المنعزل فعل ضيق له طبيعة الأزمة، أو هو صورة الأزمة.

أما مشروع النهوض العربي الجديد، الذي حاولت تجارب القرنين الأخيرين (السياسية) من التاريخ العربي إنجازه، فلم يقدر على التفلت من دائرة المفعولية الضيقة المحاصرة. وكان بذاته، تعبيرا متجددا عن وضعية المفعولية. وقد أعوزته أداة النهوض، القادرة على إنجاز الفعل المطلوب. كان مشروعا غاب عنه الفاعل الفرد (الحر المبدع) صانع النهضة، الفرد الموحد، العضو الفاعل في الجماعة الموحدة. ظل الفرد حبيس القهر، مسلوب الحرية، بينما النهوض هو فعل الحرية، والجماعة من أفراد مسلوبي الحرية لا تصنع نهضة. النهوض حضور فاعل إبداعي جماعي تلقائي يضاد مفهومه القهر والحجر على حرية الفرد في تحقيق إمكاناته الوجودية، التي لا تتحقق إلا في نسق جمعي حر أيضا.

والمشروع الذي لا يملك أداة فاعلة، يفقد ذاته. وكان المشروع العربي النهضوي الجديد قد فقد ذاته، لا لفقدان الأداة الفاعلة، ولكن لسبب أعمق، كان فقدان الأداة الفاعلة نتيجة له، السبب الأعمق هو عوز المشروع النهضوي العربي المعاصر إلى رؤية فاعلة تبدع الفاعل الناهض. وإذا كانت المشكلة العربية الأولى، والأخطر، هي انشطارية الكيان الوجودي الفردي والجمعي، فالرؤية الفاعلة الناهضة القادرة على تحدي هذه المشكلة، هي الرؤية الواحدية التي تتعمق بنية التكوين العربي الحضاري، وتكشف عن جرثومته الوجودية، التي لا تزال، ولن تزل، تحوز قدرة مواصلة الحياة بشروط وتحت ظروف متغايرة، هي شروطها وظروفها التي تتحقق بها، وبفاعلية استكشاف متنام لآفاق وجود لا ينحبس في حدود، ويستحيل كل حدٍّ لديه نقطة بداية جديدة.

واجه المشروع النهضوي العربي المعاصر مشكلة احتلال الدول الاستعمارية لبلدان الوطن العربي، وأفلح في تبديل ألوان الرايات التي كانت ترفرف على رؤوس مواطنيه، فاستبدل الرايات الوطنية بالرايات الأجنبية على غالبية مساحته، وكان يمكن لهذا التبدل أن يستحداث واقعا جديدا يحرر العربي، فردا وجماعة، من غيابه التاريخي وراء الحجب الكثيفة، ومن هيمنة عدوان خارجي تسلط على مقدرات الوجود العربي وانتهك خصوصياته الثقافية. ولكن الاستقلال العربي (السياسي ؟ الظاهري) لم يحقق هدفه النهضوي بإطلاق حقيقي لإمكانات الفعل؛ وظلت الأمة على وضعية التابع المقهور رغم الاستقلال الظاهر، والذي اشتدت معه التبعية القاهرة فاشتدت مقهورية المواطن والوطن بالقهر المضاعف المُمارس عليهما من الأجنبي والوطني. قهر الوطني للوطن والمواطن تمتد جذوره في الماضي وتتشابك عصيّة، تشابُك عوامل مركب النقص الذي يعاني منه الذين يعانون من التخلف الحضاري ومن مشاعر الدونية التي اكتنفت جوانحهم قبالة مستعمر قاهر جامح أفرغهم من معاني الانتماء الأصيل إلى ذواتهم القومية، وجردهم من عقيدتهم الجمعية وعقيدة الحرية التهضوية التي لا يقوم مشروع إنساني على غير قاعدتها وبدعاماتها؛ فالنهوض فعل بنية واحدة تتقوم كينونتها بالحرية، ولكن، ظلت الذات العربية الفردية والجمعية مشطورة في زمن الاستقلال الظاهري، كما كانت مشطورة في زمن التعبية الباطنة الظاهرة. ولم يعالج الاستقلال الظاهري، بمشروعه النهضوي الخاص، لم يعالج مشكلة الانشطار التي نشأت تحت قهر المستعمر؛ للوطن والمواطن.

لم يعالج مشروع الاستقلال الظاهري مشكلة الانشطار البنيوي العربية لأنه لم يمتلك أهلية المعالجة، فقد كان هو بذاته يحمل الداء ولم يكن يملك الدواء؛ ويعود داء الانشطار إلى ما قبل الاستعمار، وما نشأ منه تحت قهر الاستعمار كان صورة جديدة له، عن صورة قديمة تمتد جذورها في تاريخ التكوين العربي الفردي والجمعي، وتتصل بما قبل الإسلام، لكن الدعوة المحمدية أطاحت بها إلى قعر الوجدان، ثم ما لبثت أن طفت في النصف الأخير  من عصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ تصدعت الوحدة السياسية للأمة المسلمة، وخاض المسلمون وراء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ووراء معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية يرحمه الله، حربا ضروسا غرزت أسافين الشروخ الأولى في بنية النهضة العربية الإسلامية في مرحلتها المبكرة، وأوقدت رمادا قديما كان مدفونا على بقايا نار لم تنطفىء كلها بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

والانشطارية خاصة عربية جاوزت البنية إلى المفهوم. وبوعيه الوجودي المشطور تلقى العربي القديم دعوة النبوة المحمدية على أنها تكريس للتعددية الوجودية التي بلورها النظام القبلي المتعدد والنظام العقيدي الوثني الموازي للتعددية القبلية، والتي بلورتها بيئة قاسية فرضت العزلة على القبائل وعلى فاعلية الأداء الحيوي والتاريخي للعرب ما قبل الإسلام؛ وتلقى العرب مفهوم الخالقية على أرضية ثقافتهم التعددية، التي لم يستأصلها إسلامهم من جذورها، ثم استعادت فاعليتها بعدما تحول المسلمون الأوائل عن صفاء الدعوة النبوية إلى شوائب الحياة الدنيا، فبرزت القبلية مرة أخرى، وظهر الحاكم القاهر المتعالي، المستبد بأمر الجماعة باسم الدين، وانشق الوعي الإسلامي إلى شق دنيوي وشق أخروي، وكثرت الفرق والتشيعات وجمحت الشهوات وتضخمت الأنوات، وتسابق الناس على النهايات؛ ضاقت دوائر الوجود وتكالبت الأمم على الأمة، وغار الدور الرسالي للعربي المسلم، واندحرت دعوات العقل وتفشت الاتكالية، وغاب المواطن في مجاهل الوطن وفي دهاليز قصور الحكام، وصار الحاكم (المستبد القاهر الجائر) حاكما بأمر الله، وانقهر الناس بالحاكم “المستنصر بالله”، وواصل حملة إرث النبوة يرددون قول “لا حول ولا قوة إلا بالله”، بلسان الضعيف المقهور؛ وما زال واقع الأمة المتقهقر يتراجع ويتراجع حتى اقتحم عليها نفوس أبنائها وديارها عدو من الشرق وعدو من الغرب؛ قامت تصد هذا مرة، وتستسلم لذاك مرة حينا، ثم تدحره، ثم جاء الطوفان العارم الذي هزمها وشطرها على أشطارها، وخرج تظاهرا بالخروج لا خروجا حقيقيا، بعدما أخرجها، أو كاد، من ذاتها.

تصدت حركة الاستقلال السياسي العربية المعاصرة للظاهرة الاستعمارية التي كانت قد أنتجت حالة خراب قومي في الوطن العربي، فلم تفلح حركة التصدي في مواجهتها مع حالة الخراب التي أصلتها ممارسات نظم نقلت القهر التاريخي وقهر العدوان الأجنبي إلى الساحة الجوانية للذاتية العربية الفردية، فأنتج هذا النقل فردية مشلولة تاريخيا، ومحصورة في دائرتها الوجودية الضيقة المنعزلة والمنفصلة، لا في البعد القومي لها فحسب، ولكن في البعد العالمي أيضا، الذي صار، في الزمن الحاضر، مكونا رئيسيا للذات المعنية بالحضور التاريخي الفاعل. العالم يتقدم نحو بلورة واحدية وجوده، بينما يواصل العربي أو المسلم إنكفاءه على ذاته المقهورة المغيَّبة، الغائبة، ويكرس عزلته في كينونة التعدد الحيوي والمفاهيمي، وما زال يعمق انشطاريته، بينما يحث العقل المعاصر خطاه الجريئة نحو الكشف عن فاعلية وجودية واحدة، تنتظم بها كثرة الأشياء، في نسق لا يقهر أبعاضه، ولا ينفيهم في نهايات عدمية الوجود، التي ينفذها نظام منعزل، لا عن النسق العالمي الواحدي الفاعل، وإنما منعزل في ذاته الفردية الضيقة عن ذاته الجمعية التاريخية والمعاصرة، والتي ينقلب بها هذا النظام المنعول عن وجهة العالم نحو نسقه الواحدي، إلى وجهة تلغي الحضور الفاعل للذات الوطنية الفردية والجمعية، بتأصيل وضعية المفعولية التي يحياها العرب المعاصرون، والذين قادهم المشروع السياسي إلى حضيض التبعية لقوى العدوانية العالمية، وقادهم إلى حضيض مهانة الاستسلام للعدوان المتبلور في قيام الدولة الصهيونية، ليغلق، بظلماته، الكوة التي كان نبي المسلمين قد نفذ منها، مرتقيا درجات الروح، إلى واسعية الخالق، والتي كان منها، وقبل نبي المسلمين، قد نهض النبي عيسى يدعو إلى السلام، لا للاستسلام كما يتكيف المشروع العربي للاستقلال الظاهري مع عدوان الصهيونية ومع معطيات العالم التي يتحرك في اتجاه الحرية، بينما لم يزل نظامنا يضغط في اتجاه العبودية. الحاكم العربي يفهم النسق الواحدي، أنه هو الواحد الكل، أما الناس في وطنه فهم حشو له؛ هو الواحد (الكل المطلق)!!

 (2) العقل المطلوب

هزيمة النظام السياسي في معركته ضد العدوان وضد التبعية للأجنبي لا تعني هزيمة للأمة لن تقوم لها قائمة بعدها؛ ولكنها تعني أن الأداء النضالي بالطريقة التي جربها مشروع الاستقلال السياسي، لم يكن هو الأداء الصحيح، ولا يقدر على أن يكون صحيحا، لأن الأداء الصحيح لمقاومة التبعية وصد العدوان، هو أداء عقل مستنير، لا أداء الأيادي الباطشة. فالعقل المستنير المنفتح هو أداة معركة الإنسانية الوجودية؛ أما الأيادي الباطشة فهي أدوات ملوك الغاب والغزاة المتوحشين قتلة الروح. وإذا كان ثمة أمل في النهوض، فهو الأمل المرهون بالحرية التي يينع بها عقل الأمة المقدام من جديد، وتتفلّت بها الرؤوس المحشورة في صدع الجدار العازل عن واسعية الوجود، الجدار الذي ينذر بالتهاوي إلى قاع الحياة؛ فإذا تهاوى، تهاوت معه الرؤوس، وتهاوى معه الأمل إلى مدى من الزمان، قد يطول، ولا شك أن الأمة التي لا تفيق على إنذار تهاويها، حقَّ على الزمان أن يفنيها. وقد ذهبت أمم كثيرة، أهلكها الجمود في قواقع ذاتياتها، صارت أحافير تاريخ، بينما ولدت أمم انفتحت على التاريخ وصنعت حركته.

الجمود هلاك، والانفتاح حياة، والإنسان عقل إذا جمد أهلك بجموده صاحبه. وإذا انفتح العقل فانفتاحه يبعث صاحبه. فإذا أمكن للعقل العربي المعاصر أن يبتعث طاقات الحياة في جسد الأمة، تكون الأمة قد استجابت لتحدي الهلاك، بالأداء الفاعل الناهض المقدام.

فما العقل المطلوب؟

ما هو الفعل الذي إذا أنجزه العقل العربي المعاصر، يكون قد أدى مهمته النهضوية القائدة، ويكون قد ابتعث طاقات الحياة العربية المركومة، التي لم تزل في انتظار من يوقد شمسها مرة أخرى؟!

العقل صورة الحق. وردد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يهدم معبودات الوثنيين العرب فور دخوله مكة فاتحا قول الله تعالى في سورة الإسراء: “وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهزقا”. والحق الذي جاء مع النبي الفاتح، هو الإيمان بالله الواحد ربّ العالمين، الذي ينفي عقيدة العرب المشركين الواهمة أن المعبودات كُثْر. بادر النبي إلى محو هذا المعتقد الموهوم، في اللحظة التي تعمق فيها التراث العربي وبلغ مستوى الأب الواحد إبراهيم عليه السلام، الذي كان قد شيّد البيت الحرام بمكة، بيت الله الأول في الأرض. كانت مكة، بالبيت الحرام، الكعبة، رمز وحدة المكان العربي ووحدة التاريخ الإنساني العربي منذ الأب إبراهيم، ووحدة المعبود، التي تعكس، بمفهوم “الله رب العالمين” وحدة الوجود كما يقررها نسق جماعة المسلمين، التي تلقت اسمها هذا ـ المسلمين ـ عن إبراهيم أيضا، جدّ أنبياء الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، والتي يجمعها الإسلام المحمدي في مسماه ومعناه. إبراهيم هو أبو حركة توسع الحياة الدنيا بمفهوم الحياة المطلقة الديني، المتقوم بربوبية الله الواحد للعالمين. العقل بالمفهوم الديني هو العقل المؤمن بواحدية الله رب العالمين، خالق كل شيء، وبالمفهوم الديني (الإسلامي) فإن ربوبية الله الواحد للعالمين، خالق كل شيء، هي الحق الذي جاء فاتحا مكة، الذي زهقت به تعددية الربوبية، غير الخالقة، ولا لذاتها، والتي وصفها النبي محمد بأنها باطل، وقرر، بالنبوة المنفتحة على الألوهية المطلقة، الفاتحة: “إن الباطل كان زهوقا”؛ أي: الباطل زهزق بطبيعته الوجودية، وفي المقابل، فالحق هو ديمومية الوجود التي لا تبطل ولا تزهق، وهي التي جاءت إلى مكة بالنبي المنفتح الفاتح بالله الأول والآخر والظاهر والباطن. والآية التي رددها النبي الفاتح بينما كان يهدم معبودات العرب الوثنية المنصوبة في البيت الحرام، جاءت في النص القرآني بعد آية “وقل ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”، وهذه الآية ـ الأخيرة ـ توجيه للنبي عليه السلام، أتى في سياق دعوته، من الله، بإقامة الصلاة المعمقة، والتهجد المكثف؛ أي: بالانفتاح المعمق على الحضور الإلهي المُستحضر بشدة، وهذا الانفتاح القوي، موثق بحركة دخول وخروج عبر الـ “الصدق” المؤسس بدوره على سلطان رباني من لدن الله، يؤيد حركة الصدق، أو يعطيها معناها. والسلطان هو الحجة، مصدرها الله، يمنحها للنبي الذي يحوزها بطلب صادق لها، وبأداء حركي: مدخل ومخرج؛ والحركية متدفقة، ومتواصلة ونشطة، تقاوم عوارض الجمود: صلاة في الليل الذي يهجع الناس فيه عادة للسكون، وقرآن (= صلاة) في الفجر: بعث مجدد للانفتاح على الربوبية مع مطلع دورة يومية متجددة من الفاعلية التي تنشط في النهار عادة، وتهجد زائد (نافلة) يأمر الله به النبي ليعمق فاعليته الحركية، باعتباره القدوة للمؤمنين، نحو مقام محمود يبعثه الله، ربه، ورب العالمين، وهو بعث منبعث من الفاعلية التعبدية النبوية، المنبعثة بدورها، من فاعلية الربوبية، أو فاعلية الانفتاح على “الحق”، باعتبار ربوبية الله هي “الحق”، الذي جاء بالنبي الفاتح المنفتح، الذي أزهق جهالة الوثنيين العرب، الجهالة التي قيدت فاعلية طاقات الحياة التي أودعها الخالق، رب العالمين، في الكيان الإنساني. الحق، هو معنى إطلاق فاعلية الكيان الإنساني، وبالمفهوم الديني، فهو إطلاق الفاعلية الإنسانية من قيد “الباطل الزهوق”، إلى واسعية رب العالمين الواحد، التي لا تقيدها الحدود.

العقل هو أداة حركية الحق. فالأداء العقلي بحث عن الحق، بمداخل ومخارج الصدق، أو بمعايير الصدق. والصدق واقعي، ما وقع منه وما يقع الآن وفيما بعد. والدخول والخروج بالصدق، هو انفتاح على واقعة، ولكن، مع عدم تجمد فيها، بالتفاعل معها، وبها، باعتبارها دائرة، ينفتح بها ما قبلها على ما بعدها، لا دائرة منفصلة منعزلة عمّا قبلها وما بعدها، ولا منفصلة عما معها، ولا منعزلة عنه. هي دائرة علاقة العقل المنفتح بما حوله، تنشأ بالحجة (العلم / السلطان) الربانية، والحجة الربانية حق، والحق هو ما يصور العقل، أي الذي يكونه، فالعقل الديني صورة للفاعلية المنفتحة بالربوبية الجامعة للعالمين، على هذه الربوبية؛ فهذه الربوبية هي الحق، المطلق، الواحد؛ فالعقل الديني انفتاح، بالمطلق الواحد على هذا المطلق الواحد. العقل الديني النبوي هو الذي أزهق بطلان عبودية العرب الوثنيين، التي كانت لأرباب متفرقين، لا لله رب العالمين، الواحد. وبهذا الإزهاق، فتحت النبوة المحمدية الدائرة الوجودية للمؤمن بها على ذاته التاريخية، بالكشف عن انتمائها لأب واحد، أبوة دينية، وبالكشف عن انتمائها لخالقية رب العالمين، الواحد المطلق، فالنبي كشف، وهو يزهق باطل وثنية العرب، عن المعنى الواحدي لرسالته، الإنساني، والرباني، دونما ثنائية؛ فالمعنى الإنساني هو معنى رباني أيضا، فإبراهيم، أبو العرب، هو نبي، وأقام البيت الحرام، بفاعلية النبوة الإلهية، وهو داع لله الواحد، الذي دعا إليه النبي محمد، وأعلن نبوته بفاعلية هذه الواحدية الإلهية الخالقة.

الواحدية هي صورة الأداء التاريخي الفاعل للنبوة المحمدية التي تحققت في أمة واحدة تعبد ربا واحدا هو الله الخالق، عبودية وحّدت الأمة المؤمنة بالخالق “المؤمن”. واحدية النبوة المحمدية عمقت واحدية المسلم الجمعية الفاعلة، بواحدية المسلم الربانية الوجودية المطلقة الفاعلة.

يغيب المعنى الواحدي الفاعل عن وعي المسلم الراهن الذي يعيش حالة تشطر تأدّى إليها بتطورات تاريخية ذاتية وخارجية ابتدأت من المفارقة الأساسية بين المعنى العقلي الواحدي للإسلام ومن العجز العقلي العربي عن استيعاب هذا المعنى الواحدي للنبوة الفاتحة، التي أنجزت تحققها التاريخي الواحدي بقوة الدفع الذاتي الطبيعي فيها، الذي حجب فاعلية العجز العقلي عن أداء مضاد تحت الفيض المتنامي لحركة المسلمين الجهادية المبكرة الموصولة بالربوبية؛ التي تتنامى فيها ـ في حالة الانشطار ـ الفاعليات العاجزة عن الإشراق الوجودي، لحلولها في الدوائر الضيقة المنغلقة المنفصلة المنعزلة، ومنها فاعلية العجز العقلي، التي ما تلبث أن تنقلب إلى وضعية المفعولية.

كانت تعددية المعبود العربية مظهرا للتكوين التاريخي للوجدان والعقل العربيين تحت مؤثرات النموذج الحيوي الفردي والجمعي الذي صبغته بيئة الصحراء، وحركة الترحال، أو الانفصال المستمر عن المكان، سعيا وراء مصادر الحياة، وطلبا للأمن النفسي والاجتماعي، الذي كانت تتهدده الصراعات الدموية بين القبائل؛ هذا الصراع الذي عمّق تعددية الوجدان العربي، وانغلاقية الحضور العربي التاريخية، فأنتج ـ الصراع والتعددية والانغلاق ـ عقلا غير مؤهل لوعي الوجود وعيا واحديا؛ ومن ثم، لم تتوفر للعقل العربي الذي تلقى الدعوة المحمدية، لم تتوفر له أهلية وعي النبوة المحمدية وعيا واحديا. ولكن الوحي، الذي شدّد على قضية واحدية الربوبية، دفع بالوعي العربي الوجودي خطوة هامة نحو الاقتراب من الواحدية العقلية، بالقدر الذي كان ضروريا لأداء النبوة. وتحول الوعي العقلي العربي التعددي إلى وعي عقلي ثنائي ظل فيه الخالق متميزا عن الخلق، ولم يكن العقل العربي الذي كان يتلقى الوحي، وينفعل ويتحقق به، لحظة بلحظة، معوزا للتغور العميق في معناه الواحدي العقلي، الذي جاءت النبوة ذاتها تحققا تاريخيا له؛ ولم ينتج عن الثنائية العقلية التي تطورت إليها التعددية، خطر يهدد الدعوة، وقد تكون هذه الثنائية، التي أعطت فاعلية إيمانية منقادة لرب له الأمر وحده، فاعلية تحققت في فرد مقدام، قد تكون هذه الثنائية أحد عوامل الاندفاع القوي للجماعة الإسلامية الأولى، في حركة الفتح الواسع، والذي ابتدأ مع فتح مكة الذي سماه الوحي “الفتح”؛ وكان الفتح حركة تحقق تاريخي لواحدية النبوة، التي نجت في بدايتها، من سلبيات الوعي الثنائي للوجود. كانت فاعلية الجماعة الإسلامية الأولى مقدامه، وصانتها عقيدتها الواحدة الجامعة من التصدع لذي قد ينتج من وعي غير واحدي، ولكنه يظل إمكانا قابلا للتحقق. ولا يتحقق ـ التصدع ـ وبصورة مَرَضيَّة، إلا إذا تراجع الفعل الجامع إلى فعل فردية منغلقة منعزلة منفصلة.

خلقت النبوة المحمدية تحققها التاريخي في جماعة واحدية البنية الجسمية والعقلية، على اساس عقيدة جماعية، وأخلاق جماعية أيضا. لكن البنية الواحدة للجماعة المسلمة، أخذت تتخلخل في النصف الثاني من خلافة عثمان رضي الله عنه، واشتد تخلخلها برفض الخليفة الثالث التنحي عن إمامة المسلمين بحجة أنه “لن يخلع ثوبا البسه الله إياه”؛ فصارت الإمامة بهذا المفهوم عزلا للإلهية الخالقة عن عباد رب العالمين. وفي غياب الوعي العقلي الواحدي، فصل المفهوم الجديد للإمامة بين طبقة الوجود الإلهي، وطبقة الوجود الإنساني المؤمن بالله الواحد، والمتحقق تاريخيا، إسلاميا، به، وصار “الإمام” يستمد مشروعيته وسلطانه من الله الذي ـ كما صورته الممارسة الحاكمية المستحدثة ـ لا يشرع الشريعة لمصلحة الناس، ولكن لمصلحة “الإمام” الذي ما زال يحتفظ بلقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما شريعة الإسلام في حقيقتها، ذات مقاصد جماعية، هي مقاصد العقيدة الإيمانية برب واحد للعالمين، التي حققتها النبوة المحمدية في التاريخ. ثم جاء معاوية بن أبي سفيان من تحت ثوب الخليفة عثمان، وصبغ وظيفة الحكم بمعنى تعصبي ضيق خرج عن المفهوم الجماعي الإسلامي، واستغرق الجماعة كلها في بطنه، واستبد بأمر الناس بدعوى “قدرية إلهية” لا يملك الناس غير الانصياع لها إذا ما شاؤوا أن يبقوا ـ بزعمه ـ مؤمنين برب العالمين. لملم معاوية الأفق الوجودي الذي نشرته الدعوة المحمدية الفاتحة المنفتحة، لملمها، بالقسر، في بطنه، وتجسم هذا الفعل بإكراه الأمة على مبايعة ابنه بالخلافة، التي صارت، ابتداء منه، “ملكا عضوضا”؛ أي: أداء أنويا ضيقا منغلقا منفصلا منعزلا، زعم لنفسه أنه قدر إلهي، فصار القدر الإلهي ـ بهذا المفهوم المغلوط ـ أداء ضيقا لا يسع الحركة الإنسانية المنطلقة المتفتحة بالدعوة النبوية الفاتحة، فانكشف بهذا التعارض بين المفهومين الواسع والضيق للإلوهية، تصدع البنية الإسلامية على مستوى التحقق التاريخي، وغار هذا التصدع إلى مستوى الوعي (غير الواحدي)، الذي ظل خطره إمكانا محتملا، صار واقعا فاعلا ضاعف خطر التصدع الجسمي، وصار الوعي (غير الواحدي) بالنبوة المحمدية خطرا، بانزياح الغطاء الذي وفره الأداء التاريخي الواحدي المبكر للجماعة المسلمة، الذي تحول إلى أداء فاعل في دائرة حاصرتها أنوية الحكم الضيقة، التي عزلت طبقة الحاكم، عن طبقة المحكوم، وأفرزت بداية الانشطار في الذات العربية المسلمة، بين الحاكم القاهر بقدر الله، والمحكوم المقهور، بقدر الله أيضا. فولدت ثنائية جديدة في وعي المسلم، بين القدر الإلهي القاهر، والقدر الإلهي المقهور، انضافت إلى، وعمّقت مفهوم الثنائية الأساسي بين الخالق والخلق. وعمّقت ثنائية القاهر والمقهور انشطار الذات العربية المسلمة بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى، وانعكست هذه الثنائية بين الحياتين في ثنائية المالك للدنيا والمحروم منها، وهي صورة أخرى لثنائية القاهر والمقهور، أو الحاكم والمحكوم، أو قدر الله الحاكم القاهر وقدر الله المحكوم المقهور، أو قدر الله الذي يتملك به المالك الحاكم القاهر وقدر الله الذي يحرم المحكوم المقهور.

الانشطار الذي تأدّت إليه الجماعة، هو في حقيقته المعطى التاريخي لغياب الاستيعاب العقلي للمعنى الواحدي للنبوة المحمدية المنفتحة الفاتحة. ففي كنف هذا الغياب، ظل انشطار الذات العربية ما قبل الإسلام قائما، رغم احتجابه، وعاود فاعليته التاريخية عندما وقع خلل ميزان الحياة الجمعية الإسلامية الأولى، ولم يقع في المقابل، استيعاب المرجعية العقلية للذات المسلمة لهذا الخلل وتجاوز خطره، لفقدانها أهلية مواجهة ومجاوزة خطر الثنائية على البنية الجمعية للذات وللأمة، ووقع الضد، عندما أدت المرجعية العقلية الإسلامية دورها التسويغي للتحقق التاريخي للوعي غير الواحدي، الذي هو وعيها هي، والذي أدّاه في الواقع نظام الحكم الجديد، هذا الذي قمع، من فوق الكرسي القاهر، التوجهات العقلية المناهضة للعقل الذي استندت إليه ممارسات الطبقة القاهرة، ضد الطبقة المقهورة. ظل السلاطين المسلمون، على اختلاف مسمياتهم، حريصين، وإلى وقت متأخر من التاريخ الإسلامي، على تأييد سياساتهم بالفتاوى الشرعية، ولم يعدموا أن يجدوا بين “حاملي” الشريعة، من يحملها على الوجه الذي يرضي “مولانا” السلطان؛ وكان “حاملو” الشريعة، وبهذا الدور، يواصلون تعميق الهوة بين طبقة الحاكم القاهر، وطبقة المحكوم المقهور، التي برزت منذ عهد معاوية، وذهبت تتكرر مع كل حاكم، فأصبحت الهوّة إرثا جمعيا، وإرثا فرديا أيضا. فهي تشطر الأمة إلى حاكم قاهر ومحكوم مقهور، وتشطر الفرد أيضا إلى المقهور القاهر، والمقهور المقهور؛ فالفرد يتمثل إرثه الجمعي، ليستعيد توازنه النفسي، فيتمثل الذات الحاكمة القاهرة، ويتماهى معها، وفقا لآليات الدفاع، وصدّا لهجوم خارجي باستخدام أسلحته، فيصير قاهرا، دن أن يقدر، في مواجهة قاهر طاغية، أن يتحرر بالكلية من مقهوريته والتي يحملها في أحشائه باعتبارها إرثا؛ وقاهريته لا تأخذ وجهتها السليمة، ضد القاهر الحاكم المستبد، لدوافع أمنية، ولكنها تصب في قناة مقهور، في قناته هو، وفي قناة فرد أخر مقهور. الفرد القاهر المقهور ينشطر من داخله، وينشطر عن البنية الجمعية المقهورة، التي تعاني من انشطارها بين الحاكم القاهر، والمحكوم المقهور. والحاكم القاهر مقهور أيضا، فما يصدره من فاعلية قاهرة للغير، هو، في حقيقته، إنتاج ذات مقهورة، القهر إنتاج ذات مقهورة، والقاهرية التي يمارسها الحاكم المستبد ضد المحكوم، هي انعكاس مخزون نفسي كثيف من المقهورية، يمثل المحكوم المقهور مصدرا هاما لها. فالقاهر، الظالم، يعيش حالة ترقب قلقة للحظة انفجار بركان غضب المظلومين، الذين وإن طال صبرهم، فهو لن يطول إلى الأبد، فالظلم واقعة منغلقة على ذاتها في نهايات العدم الوجودي، وهي واقعة واهنة لا تصمد أمام عاصفة طلب العدالة عندما تبدأ في اجتياح الظلمات. حالة ترقب القاهر الخائف في كل لحظة، تمثل للقاهر قوة قهر، تحصره بدوره، في مضيق الذات المقهورة، المشطورة، بالتالي، بين وضعية القاهر ووضعية المقهور، وهما وضعيتان تعكسان إرثا جمعيا قهريا، بقدر ما تتغذيان منه.

الذات، الجمعية والفردية، المشطورة، بلغت ذروة أزمتها التاريخية في اللحظة التي أتمّت فيها جاهزيتها للتحول إلى وضعية المفعولية قبالة وضعية فاعلية أجنبية، وتحققت ذروة الأزمة تاريخيا بالسيطرة الغربية على الوطن العربي الذي كان قد خضع لحالة انقسام جغرافي وانقسام زماني بينما كان يعبر طريق الاستعداد الذاتي لقبول الاستعمار الأجنبي الغربي له.

كشفت صدمة الاستعمار، منذ البداية، عن غيبوبة الأمة التاريخية، وعن تخلفها عن ركب الحضارة الذي كان قد هجرها إلى أمم أخرى، في غفلة منها، وبالمقابل، في صحوة الأمم الأوربية الحديثة. وحركت الصدمة الاستعمارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر (عام 1798م)، الإحساس الأولي، البدهي، بأزمة الغيبوبة والتخلف، عبّرت عنه، كلمات قليلة، لكنها دالة، حكاها صاحب “الخطط التوفيقية” عن الشيخ الأزهري حسن العطار (1180-1250هـ الموافق لـ 1766-1835م)، الذي شاهد الفارق الحضاري بين الأمة وبين الغزاة الغربيين، فقال: “إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها”.

والمشكلة التي أدركها الإحساس البدهي لشيخ أزهري، أخطر، وأوسع، وأشد، من وصفه لها. فالتخلف المعرفي عرض لمشكلة المفعولية التي غيبت الأمة عن ذاتها، في ظلمة إرثها، والتي غيبتها عن الحضور التاريخي الفاعل، وعن الغيبة التي تفاقمت إلى أن استدعت حالة الاستعمار الغربي والتي دخلت فيها، في غيبوبة جديدة. بالوضعية الاستعمارية، تراكمت طبقات الغيبوبة على الذات الجمعية والفردية الراضخة لمفعولية القهر والانشطار. وجاء الاستعمار الغربي يحمل المغلولين بمفعوليتهم الذاتية على الرضوخ لأغلال مفعولية جديدة، تُعمِّق الأولى، وتفاقم مشكلتها، بطبيعة نوعية تصدرها حضارة أخرى، مختلفة النوعية، بأصولها ومعانيها، عن الأصول والمعاني الحضارية العربية الإسلامية. بات على الذات العربية الإسلامية، ومنذ بدء التماس مع الحضارة الغربية المتفوقة، أن تتقهقهر مشكلة المفعولية لديها إلى حالة جديدة من الثنائية الشاطرة، مختلفة نوعيا عن الحالات السابقة الذاتية، هي حالة ثنائية حضارية شطرت المشطور قبلا علىمستوى الذات الجمعية والفردية، إلى ذاتي وأجنبي، ومن ثم، إلى ديني هو الصبغة العامة للذاتي، وإلى دنيوي أجنبي، هو الصبغة العامة للغازي بعسكره وبحضارته الثقافية.

انبهرت الذات العربية، تحت وضعية مفعولية مظلمة، بالتقدم الحضاري الغربي، الذي، وبقابلية ذاتية، افترش حيزا كبيرا من الوجود العربي الذي كانت الفاعلية الحضارية قد هجرته، وأحالته إلى كيان خرب يائس يعلق الأمل (بمنطق واهم) على حياة أخرى، يثيبه الله فيها بالجنة عوضا عن خسارة الحياة الدنيا التي أفلتت منه، وصار أثرها عبئا يثقل كاهله المقهور الغائص في أوحال تخلفه والضائع في مجاهل ظلمات ذاته. استبان للذات العربية المسلمة، بعد اتصالها بالحضارة الغربية، أن حيازة المتعة ليست مرهونة بالآخرة فقط، فهي ممكنة في الدنيا، وبالجبلة الخلقية، يحب الإنسانُ العاجلَ، ويذر الآجلَ، والعاجل على هيئته الغربية، حاد، أخّاذ، لا تقاومه نفوس خربة مقسومة بين اشطارها، تنزف من صدوعها دم الحياة المقدامة التي سال إليها من التحقق التاريخي الرسالي الفاتح للنبوة المحمدية. تحولت الطاقة الحيوية السيّالة إلى داء “سيلان” أفسد أداة الفاعلية الحيوية الوجودية للذات العربية المسلمة، الجمعية والفردية، التي رزحت مساحة شاسعة من حضورها تحت عدوانية غازية حضارية.

طغت القسمة الجديدة للذات العربية المسلمة بين الخاص والأجنبي على أوجه القسمة الأخرى، التي لم تتلاشَ، وإنما تراجعت أهميتها، في الظاهر، قبالة أهمية المشكلة الناجمة عن طغيان المدّ الحضاري الغربي العدواني، الذي دفع حدود الوجود التاريخي الضيق للأمة، إلى مساحة تكاد لا تفي بالحاجة الضرورية للهواء الصحي. أطبق المدّ الحضاري الغربي حصاره على ذات تنتمي إلى تراث مغاير للتراث الذي أنتج الحضارة الأوربية، وكاد هذا الحصار المطبق أن يقتلع الذات العربية المسلمة من أصولها التاريخية بتعميق الصراع معها إلى مستواها التكويني التاريخي، ونجح، بفاعلية حادة، من توسيع الشرخ الذي أحدثه في البنية الفردية والجمعية للأمة، وإلى العمق الموازي لمستوى التكوين التاريخي لها. غير أن الذات العربية وتحت شدة وطأة الهجمة، لم تزل تتشبث ببقايا الروح التي بعثتها النبوة المحمدية، الكامنة تحت ركامات زمنية، المتحصنة في بؤرة عميقة، المضغوطة إلى حد القابلية للانفجار. فالحضارة الغربية الغازية تحوز قوة التمدد في مساحة التاريخ العربي الإسلامي، لكن قوتها، الدنيوية، تخذلها عندما تداعب مخيلتها أحلام اقتحام الحصن الأساس للذات العربية الإسلامية، وهو حصن إيماني مفتوح على الربوبية الشاملة للعالمين، بما فيهم الحضارة الغربية المعاصرة الغازية. لن يبلغ الخطر الغربي على الذات العربية المسلمة مستوى الربوبية الشاملة الذي يمثل بالنسبة للعربي المسلم بؤرة وجودية مفتوحة على المطلق، وعلى وجهها الآخر، فهي بؤرة مصمتة قبالة أية محاولة تطمع في تحديها. ورغم أن التحدي الغربي للذات العربية المسلمة يطال المفهوم الديني الأخروي، إلا أن هذه المطاولة تنتج من تفاقم التحدي الغربي للحضور العربي التاريخي الدنيوي، لا عن مواجهة مباشرة مع المفهوم الأخروي المستقل بذاته داخل منظومة المفاهيم الإسلامية، والذي حاز بهذا الاستقلال حصانة تؤدي فاعليتها المطلوبة في اللحظة التي يفلت فيها التحدي ضده من عقال معتد جامح. فالمفهوم الوجودي الأخروي العربي الإسلامي صامد في مواجهة تحدي حضارة الغرب الغازية، وهو صامد وراء جدار قلعة الوجود التي تلجأ إليها الأمم عندما يشتد عليها الخناق، صامد بينما سقطت المساحة الدنيوية التاريخية الوجودية للذات العربية تحت الضربات المكثفة للعدوان الحضاري الغربي، الذي ذهبت عدوانيته إلى ما وراء احتلال الأرض ونهب ثرواتها، إلى اقتحام عقل ووجدان العربي، وانتهاك تراثه وحضوره، فأوجد ذاتية عربية ضامرة تاريخيا، تمارس فاعليتها الوجودية ضد ذاتيتها، المشطورة قبل الاستعمار، والمشطورة اشطارها بعد الاستعمار.

استباحت الحضارة الأوربية الغازية دنيوية الذات العربية المسلمة بإنتاج مادي، هو معطى تاريخي لمنهجية عقلية ترفض التصور التقليدي للعقل العربي المعاصر بتراميه التراثي، الثنائي، والذي أعطى وضعية المفعولية لذات منغلقة منفصلة منعزلة، بينما الذات الأوربية الغازية ذات ناهضة منفتحة متصلة حاضرة، ولكن بخصائص مغايرة لخصائص الذات العربية المسلمة التي أعطتها دعوة النبوة المحمدية؛ فالأخيرة معطى تصور وجودي مطلق غير مقيد بالحياة الدنيا، والأولى معطى تصور وجودي دنيوي. فالمسلم يتكيف مع الحياة الكائنة برؤية تتجاوزها إلى حياة سوف تكون، ليس في الدنيا، سوف تكون في الحياة الأخرى؛ والأوربي الغازي يتكيف مع وقائع حياته برؤية تقيد هذه الوقائع بالكائن الآن، وبما قد يكون في حدود الدنيا. المواجهة بين العربي المسلم والأوربي الغازي ـ وكما هي في حقيقتها العميقة، وكما ينبغي أن تكون واقعيا ـ رؤيوية، وبرؤيتين واحديتين، تنسجان من الوقائع المتعددة والمتباينة تصورا عقليا واحديا، لكنه غير متطابق المدى، فهو، لدى المسلم، نسيج من وقائع تاريخية وأخرى فوق تاريخية، ولدى الأوربي نسيج من وقائع التاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل فحسب. انطلاقا من هذا التصور، تتحدى الحضارةُ الغربية، بتوظيف تاريخي لطاقاتها، الذاتَ العربيةَ المعاصرة، التي تراجعت عن توظيف طاقاتها تاريخيا، وعلقتها على أمل حياة أخرى، لا يعدو، الأمل، أبعد من “حلم”، علقت النبوة المحمدية تحقيقة بالعمل الصالح، وفي الدنيا، فهو، وفي ظل الغياب عن العمل، لا يعدو أن يكون أملا فارغا. الذات العربية المعاصرة، تواجه التحدي الحضاري الغربي، بمفهوم أخروي، فارغ من محتواه التاريخي، لا لفروغه من المحتوى بذاته، فالتاريخ ينفي مثل هذا الاتهام، ولكنه فارغ من المحتوى لفروغ الحاضر العربي الإسلامي من عقل يعيد بعث المفهوم الأخروي، في تحقق تاريخي يتكيف مع متطلبات التحدي الذي يواجهه من حضارة غربية هي منتج انبعاث عقلي أوربي، نهض بالذات الأوربية من وضعية المفعولية التي كانت ترزح تحت نيرها، إلى وضعية فاعلية مقدامة، توسعية، عدوانية.

والفشل الذي انتهى إليه مشروع الاستقلال العربي المعاصر، في مواجهة تحدي الغزو الأوربي للأمة العربية الإسلامية، لا يقضي على إمكان تحقيق فعل نهضوي، وهو إمكان قائم في صورة “قوة” ما زالت قادرة على أن تبعث الذات العربية متجددة، موصولة بذاتها الأولى، غير مقيدة بها. أما تلك “القوة”، فلن تنبعث، أو تتحقق في لتاريخ المعاصر، إلا باعتبارها منتج رؤية عقلية واسعة، توحد الذات العربية المسلمة المعاصرة، مع تحققها التاريخي الماضي، مع التاريخ الإنساني، مع الحاضر على إطلاقه، أي: على إبداعه، مع المستقبل التاريخي وفوق التاريخي. فالرؤية المبتغاة، لا تلغي الحضور التاريخي الأوربي الغازي في الحضور التاريخي العربي الإسلامي المعاصر المهزوم، ولكنها تقلب الحضور الغازي على وجهه الأصيل، وهو الوجه العقلي الإنساني، النهضوي، المقدام، وتتعضون مع أصله، وعلى أرضيتها التاريخية الأصلية، أي بالأصل العقلي الواحدي لها، الذي يصون الذات العربية المسلمة من وضعيات الانشطار المتعددة، معوقات النهوض الجديد؛ وبالأصل العقلي الواحدي للذات العربية المسلمة، لا يظل الأجنبي الأوربي عامل تحد مدمر، بل يصير عامل تحد بناّء، يتمثله عقل عربي إسلامي إنساني واحدي، يفجر الطاقات الوجودية للنوع الإنساني، نحو تحقق إنساني تاريخي رسالي فاتح منفتح بمعنى “السلام” الذي وصف الله، رب العالمين، به نفسه في القرآن الكريم؛ الذي هو وصف الجنة أيضا.

السلام عالم واحدي يبدعه الحب. والحب، المبدع ـ بفتح الدال ـ على مذهب الواحدية، هو الأداء المبدع ـ بكسر الدال ـ لذات منفتحة على الآخر، ضمن علاقة مؤسسة على شريعة العدالة التي تضمن للفردية حرية التحقق، وتكبحها عن فعل استلاب حرية تحقق فرد آخر، له من الوجود باعتباره بعضه، حق مساو لحق أية فردية أخرى. وتحقق الفردية الذي لا يسلب تحقق فردية أخرى، هو فاعلية جمعية، أو هو فاعلية انفتاح فردي يعطي انفتاحا جمعيا بين فردي وفردي، بلا جور على الفردية، بلا جور للفردية على الجماعة. تصنع هذه الفردية عالمها الواحدي النسق الذي تنسجه ذات تحب الآخر، طالما كان الآخر بعض الأفق الجمعي للفرد، الفرد الذي يبلغ ذرا تحققه بالفاعلية الجمعية له ولغيره، أو منه وبه ومن غيره وبه. لكن الذي لا يحوز واحدية ذاته الفردية، لن يشع الواحدية الجمعية، فالبيت الخرب ليس سكنا، والذات المشطورة بيت خرب، والذات المشطورة لن تكون عماد بناء جمعي واحدي فاعل ناهض مقدام. والعقل، بفاعليته الحرة المنفتحة هو طوق نجاة سفينة تخوض غمار المجهول، بينما هي أشطار، لا يجمع أبعاضها إلا ذاكرة لم تفقد بعد قدرتها على استعادة ماضيها المجيد، ولا الأمل الذي ما زال يحدوها، أمل النصر في مواجهة تحدي الفناء الذي يتهددها.

العقل المنقذ، هو الذي وصفناه بأنه صورة الحق، ما تحقق، وما يقبل التحقق، لا في الزمان المنظور، وإنما في كل الأزمان التي ستتوالى، وتوالت، على وجود لم يبدأ ولن ينتهي. والعقل الذي هو صورة الحق المطلق من قيود زمان فان، هو العقل الواحدي، الذي هو معطى معنى وجود واحد يتحقق في كُثْر، كل فرد منه، من الكثر، يعيد توكيد المعنى الواحدي، فالمفرد فردي باعتبار كونه معطى وجوديا متناهيا في ذاته، بذاته؛ وهو، أي المفرد، معطى وجودي للامتناهي بانتمائه إلى وجود يندّ عن قيد الفردية المتناهية في ذاتها وبذاتها. العقل صورة تحقق الوجود المتناهي واللامتناهي، باعتبار فردية المتناهي ومطلقية اللامتناهي من قيد التناهي الفردي؛ العقل بهذه الرؤية الواحدية، يحوز أهلية تأسيس مشروع نهضوي تواجه به الأمة وضعية المفعولية التي وقعت في دائرتها الضيقة المنفصلة المنعزلة؛ فهو يحوز إمكانات إبداع فاعلية ذاتية فردية وجمعية باعتبارها معطى للعقل الذي هو صورة الحق. والحق هو الزمان، والزمان هو فاعلية الوجود، والوجود واحد متكثر، فالعقل صورة للواحد المتكثر، صورة غير منفصلة أو منعزلة عن الوجود، أي غير منغلقة، هي منفتحة، ينفتح بها الفردي على الجمعي، وينفتح بها الذاتي على الغيري، وينفتح بها الآن على الزمان الديمومي، تنفتح بها الدائرة المنغلقة للمفعولية المقهورة وتنبثق بها الفاعلية الناهضة البانية المحبة العادلة السلامية.

يواجه العقل الواحدي المشكلة الأم للواقع العربي الراهن/ مشكلة التبعية للأجنبي، وهي التي لا يمكن مواجهتها بمعزل عن هذا الأجنبي الذي لا ينفك عن التحدي العدواني للوجود العربي الذاتي الفردي والجمعي، بدوافعه الطامعة في تحويل الحضور العربي المعاصر، وعوامله الحيوية، إلى موضوع لحضوره هو، بالجور على ما هو حق وجودي للآخر، وباستلاب حريته في إبداع حضور تاريخي متميز مستقل بذاته، ومساهم، بتميزه، في إبداع حضور إنساني وجودي، يسع المفهوم الوجودي الغربي (الدنيوي) للإنسان، ويتجاوزه بمفهوم الدين الأخروي للفاعلية الإنسانية. أبدع العقل الغربي، الحديث والمعاصر، انفتاحا إنسانيا دنيويا على الوجود المطلق. وتراجع العقل الإسلامي عن مواصلة التقدم الذي أحرزه في عصور الانبثاق والتكوين والتحققات التاريخية الأولى، لكنه ظل يحكم روابطه بالمفهوم الأخروي للوجود الديني للإنسان، في دائرة منغلقة على ما بعد الحياة (الدنيا)، ومن ثم، صارت الحياة الدنيا الإسلامية العربية دائرة منغلقة أيضا، منغلقة على ذاتها، في وضعية المفعولية، الوضعية التي استباحها المفهوم الغربي، الثقافي والتقني، للحياة الدنيا،  وفرغها من قيمة تراثها، وأحال تراثها إلى عبء يثقل كاهل حركتها التاريخي؛ فالتراث الذي لا تستطيع ذاتية إنسانية الانفصال التام عنه، يستحيل إلى قيد يغلّ الإرادة النهضوية، عندما يصير هذا التراث عامل تشطير للذات، لا عامل توحيد. ونجح المفهوم الحضاري الغربي في إيهام العقل العربي الإسلامي المعاصر بأنه لن ينطلق من ظلماته إلا بالخروج على تراثه، أي بالانفصال عن زمانه الماضي. والانفصال عن الماضي وهم لا يجيزه عقل هو صورة الحق. فإذا كان الواقع “حقا”، فالحضور العربي الراهن واقع “حق” لا ينفصل عن ماضيه، أي: عن تراثه الديني، وخاصة الأخروي. فالوهم الذي عشعش في العقل العربي، الذي ظن به أن خروجه من دائرة النفي المظلمة، مشروط بالانفصال عن ماضيه، هذا الوهم كاذب، لفقدانه شرط التعامل العقلي ـ العلمي ـ مع الواقع العربي والإنساني كله. فالواقع العربي الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه التراث حضورا فاعلا واسعا؛ والواقع الإنساني الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه فعل عدواني ناتج عن توظيف إرادة ضيقة أنوية لفاعلية عقلية منفتحة بضرورة انفتاح الطبيعة العقلية المجردة من التوظيفات الأيديولوجية المنغلقة بضرورة طبيعتها. الواقع الإنساني الراهن واقع تحت هيمنة عدوانية إرادة غربية، تقتضي عدوانيتها تجريد الآخر من عوامل القوة المؤهلة للدفاع عن الوجود الذاتي ضد هجوم عدوان مضاد بمفاهيمه الوجودية (الدنيوية) للمفاهيم الوجودية العربية الدينية (الأخروية التي تسع الدنيوية). فالواقع الإنساني العام الذي يفرض هيمنته على الواقع العربي الراهن، هو واقع عدواني أدلج العقل ـ الإنساني المنفتح ـ لتعميق عدوانيته، والعقل الأوربي المؤدلج هو الذي يتحدى الواقع العربي الراهن، يتحداه على وجهيه: وجهه العقلي المجرد، ووجهه العقلي المؤدلج، ومشكلة التحدي تكمن في أن العقل المجرد غير قابل للتحقق التاريخي إلا في صورته المؤدلجة، فالعقل المجرد، المعطى الغربي، دخل الحياة العربية في سياق اقتحام غربي لها، أي: دخلها باعتباره عاملا عضويا في عقل مؤدلج لخدمة مصالح الغرب العدوانية التوسعية؛ أما افتراض إمكان ردّ العقل الغربي إلى العقل المجرد، والتعامل مع الأخير كمعطى إنساني بريء من غرضية الأيديولوجيا، فإنه، أعني هذا الافتراض، وهْم لن تقل خطورته عن التعاطي مع العقل الغربي على ما هو عليه، فهو وهْم لأنه ينافي مفهوم العقل الذي هو صورة الحق، فالعقل الأروربي صورة الواقع الأروبي، الأول معطى للثاني، والأول والثاني عناصر كينونة واحدة تنعكس في الحضارة الأوربية التي صنعت عقلها، وصنعها عقلُها، العقل الأوربي الصوري والتطبيقي عقل حامل للخصوصية الأوربية بقدر ما هو محمول لها، والإشارة إلى عقل تجريدي لا تعني إلا أنه يجوز، لأغراض إجرائية بحثية، تصور وجود هذا العقل، وحقية هذا التصور لا تعدو كيانيته التصورية.

مشكلة تحدي العقل الغربي للعقل العربي الإسلامي أعمق مما خال للفكر العربي المعاصر الذي أعوزته رؤية عقلية واحدية لا تغفل لحظة عن فاعلية ارتباط عوامل تكوين العقل وتكوين الوقائع أيضا، وغياب الوعي بفاعلية ارتباط عوامل التكوين ينتج وهما، ينتج بدوره الوقوع من جديد في منزلق التبعية الحضارية للغير العدواني، فالتبعية لا تحصل إلا للعدواني، والتبعية للعدواني تعميق للشرخ الذي تعاني منه ذاتية راضخة، في دائرة المفعولية، لواقع يسلبها حق التفتح التاريخي، التفتح الذي لا يحصل باستيراد معطيات حضارية أجنبية عن البيئة الذاتية، هي معطيات ستجد فرصتها للنمو، ولكنه نمو يخرب الأرض ويفسد الهواء، وينتج ذرية مشوهة ومعوقة وتائهة في غيبوبتها عن ذاتها وعن الآخر أيضا. والرد على التحدي العقلي الغربي بمنهج تعريبي يمحي المسميات الأجنبية بمسميات محلية، ليس هو التحدي القادر على مواجهة الخطر الداهم القادم مع غزو حضاري قوته الفاعلة العقل الباني للحضارة الغازية، المبني لها، فالسلاح الذي يحارب به مقاتل هو سلاح فاعل طالما بقي سلاحا يحارب به هذا المقاتل، ولكنه سلاح قاتل لمقاتل آخر يحارب بسلاح ليس سلاحه؛ والحضارة الأوربية، بما فيها العقل الأوربي سلاح يقاتل به الأوربي، فالسلاح والمقاتل كينونة وجودية واحدة تترابط عناصرها ترابطا ينتج فاعلية واحدة، هي، بالرد إلى الذات العربية المسلمة، فاعلية عدوانية صادرة عن العقل الغربي الغازي، الذي هو الأداة الأكثر حدّة في معركة الغرب ضد العالم غير الغربي بما فيه العالم العربي.

كل منتج حضاري، ومهما قلّ شأنه، يحمل مفاهيم وخصوصيات ثقافية. وعندما تتعاطى أمة مهزومة حضاريا مع منتج أجنبي، فهي تزيد إلى مشكلة مفعوليتها مشكلة أخرى تتفاقم بها هزيمتها وتتضاعف تبعيتها وغيبوبتها عن ذاتها وعن غيرها وما يصح الحكم به على أمة مهزومة لا يصح الحكم به على أمة حاضرة في التاريخ بفاعلية، فالأمة القوية تتعاطى مع منتج حضاري أجنبي بروح “العزة”. القوي عزيز ممتنع على التبعية للغير، والمهزوم ذليل مستباح لكل عدوان.

النهضة إرادة رافضة للهزيمة الرافضة في دائرة المفعولية، والعزة هي الحالة الشرط للنهضة. النهضة العربية الإسلامية المطلوبة ذات بُعد تقني، فهي لا تتوهم أن بإمكانها مواجهة تحدي الحضارة الغربية المعاصرة بمنتج تقني ينتمي للزمان القديم، هذا التوهم صورة للانفصال عن المعطى العقلي الإنساني المنفتح زمانيا ومكانيا، ورفض العقل النهضوي العربي المفترض للحضاري الغربي ليس رفضا للانفتاح على ما هو منفتح، العقل الناهض انفتاح، هو فتح للمغلق، وفتح المغلق انفتاح، هكذا كل فعل ناهض مناهض للعدوان الذي هو ـ العدوان ـ الحالة المضادة للانفتاح. ولكن الانفتاح على الآخر لا يعادل الانسلاخ عن الذات؛ المنسلخ عن ذاته لا ينفتح على آخر، ينفتح على الآخر موصول بذاته، أو منفتح على ذاته، ومن انفتاحه على ذاته يتأسس انفتاحه على الآخر. النهوض فعل يبدأ من الانفتاح على الذات، ويواصل فاعليته بانفتاح الذات على الآخر، بتنامي انفتاح الذات على ذاتها. فالانفتاح على الآخر هو فعل تنامي الذات المنفتحة على الوجود الذي يبدأ بالنسبة لها من أصلها الذاتي ويتواصل في تحققات أخرى للأصل الذاتي، الذي يكشف تغوره عن أصليته للذاتية الإنسانية كلها. فالفعل الناهض من الأصل الراسخ في الغور الوجودي الإنساني، فعل منفتح على التحققات الإنسانية المنفتحة لا الراضخة لحالة العدوانية. لا يقدر الفعل النهضوي العربي الإسلامي على الانغلاق على المعطى النهضوي الغربي، شرط أن يتعاطى الأول مع الثاني “من فوق”. هذا التعاطي القوقي لا يضمر احتقار المعطى النهضوي الغربي، هو يخلِّص الأخير من حالة الرضوخ للعدوانية، فالفوقية، برؤيتنا الواحدية، شرط انطلاقة الفاعلية الإنسانية من قيود الدوائر الضيقة المحصورة في أغلال الكراهية إلى واسعية الوجود التي يشرق فيها حب يعطي السلام للناس أجمعين. الفوقية التي نشترط على الفعل النهضوي العربي أن يتعاطى بها مع المنتج الغربي، هي ضمانة مشروعة للأول تصون سلامة ذاته الناهضة في معركة تحدي عدوانية الغرب. تحصل هذه السلامة بإعادة صياغة المنتج الحضاري الغربي ليلائم بيئة جديدة تمتد من غور الوجود الإنساني إلى ذروته العليا، التي يحوز التصور الإسلامي إمكانات تجليتها ابتداء من أصله الأعمق، وتناميا، بفاعلية جهادية، إلى درجة “ظهور الإسلام بإرادة رب العالمين على الدين كله”.

العزة، ومعطاها: الفوقية، شرطان للفعل النهضوي العربي الإسلامي المطلوب. والجهاد، بتحققات منفتحة، أداة النهضة المطلوبة. مقولات العزة والفوقية والجهاد تؤطر، مبدئيا، منهاجا نهضويا عربيا عقليا وتنفيذيا، يتوحد به الأخلاقي مع النفعي والذات مع ذاتية الآخر، والحادث مع المطلق، وهذا كله على أساس ذات عامرة بذاتيتها الواقعة في الآن والمترامية في الزمان كله. العزة والفوقية والجهاد مقولات منهج نهضوي أصلي يتنامى من الجرثومة الوجودية للكينونة العربية الإسلامية التي تجلت تاريخيا في فتح النبي محمد عليه الصلاة والسلام لمكة، الذي كان أول الفتح بتجلياته التاريخية، أول انتصار إسلامي لربوبية الواحد، المطلق، الله، نور السموات والأرض، على تعددية الأرباب الميتة التي كان يعبدها العرب المشتتون الضالون. ثم انطلقت الحركة الإسلامية الجهادية، قوامها المجاهدون المأمورون بـ “وجاهدوا في الله حق جهاده”، الذين ساحوا في الأرض ليخرجوا الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ضيق الخلق إلى سعة الخالق. وبالخروج من ضيق الخلق إلى سعة الخالق تتعمق مقولة عزة المؤمن التي أسست فعله الجهادي، والتي ترفعه إلى حالة الفوقية، الواسعية، ليتوحد، بمقولة العزة، بصفة جمعت، في نص قرآني،
بين الله جل جلاله والرسول الفاتح صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. فالمجاهد، حاضر تاريخي فائق، منفتح على الجماعة المؤمنة، وعبر الرسول الفاتح، منفتح على الألوهية المطلقة الوجود، فإذا كان ثمة صفة تطابق الموصوف بالنهضة فلا صفة أدق وأحكم وأشمل من صفة المجاهد، الذي يجاهد نفسه الجهاد الأكبر، الذي يعمل للدنيا كأنه يعيش أبدا، ويعمل للآخرة كأنه يموت غدا.

النهضة فعل جهادي تواجه به الذات مهزوميتها، وتواجه به عدوانية الغير، ووفقا للتراث العربي الإسلامي، الجهاد جهادان: جهاد النفس أو الجهاد الأكبر، وجهاد العدو، وفي الحديث: “عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، فالجهاد الأصغر، ضد عدو، حالة مشمولة بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، الفردي الجماعي، ومعنى الجهاد النفسي التحرر من الرضوخ في مضائق الوجود، والانطلاق في الواسعية التي يعبر إليها المجاهد من ارتباطه مع النبوة، وبها، ومع الألوهية، وبها، في معنى العزة، التي يرقى بها المؤمنون إلى “فوق”: فوقية الإيمان، فوقية الذات الفردية والجمعية على حالة المفعولية، الوضعية الميتة التي تقابلها وضعية حية للمجاهد، ليس فقط قبل الموت الحيوي (الدنيوي)، ولكن بعده أيضا، فالفوقية الإيمانية تعال على ضيق الدنيا، ونفي للموت، ببعده الوجودي. الفوقية صورة لللانفتاح على المطلق، الذي ينفتحه المؤمن بعزة، ويحققه تاريخيا بالجهاد. والانفتاح على المطلق، هو فاعلية المشروع النهضوي العربي الإسلامي المطلوب، الذي ما زال يتعثر لاصطدامه بعقبة الفرد المغلول في أسر دائرة المفعولية الراضخة تحت نير القهر الواقع على الذات الفردية والجمعية. التحرر من القهر هو الخطوة العملية الأساسية للبدء في تحقيق نهضة عربية إسلامية معاصرة. وتلد هذه الخطوة الأساسية من قرار إرادة نهضوية عزيزة منفتحة على ذاتها أولا، وعلى الآخر ثانيا، وعلى ذاتها والآخر معا؛ لتحوز الذات بهذا كله أهلية عقلية واحدية تجمع عوامل تكوينها المعاصر في فعل مقدام لا يتردد عن المُضِّيِّ، بقوة ووضوح، من اللحظة الراهنة، إلى مستقبل لا يلغي الماضي، ولكن، مستقبل يعمق فيه العربي المسلم حضوره في الزمن الراهن، إلى مستوى عمقه التاريخي، وعمقه الوجودي الضارب بجذوره إلى لحظة آدم، باعتبار هذه الأخيرة تحققا تاريخيا للإرادة الإلهية المطلقة؛ باعتبار هذه الأخيرة، الفعل الخالق الدائم للخلق المحدث المستمد لوجوده من إحداث الدائم له، الذي يتجلى تاريخيا في تمثل الخلق للإحداث الدائم بإحداث الطاعة المبدعة للدائم.

النهضة إرادة مقدامة أداتها الفاعلة جهاد يحرر الذات من حالة الانشطار التي استدعت عدوان الأجنبي، واستدعت طيَّه مزيدا من الانشطار الفردي والجمعي. الجهاد هو وحده المؤهل للتفوق على حالة الانشطار، والعزة هي الشرط اللازم لانطلاقة حركة جهادية مبتدعة، مبدعة، توحد الذات الفردية والجمعية في مواجهة هزيمتها قبالة تاريخها، وقبالة العصر الراهن. والعزة هي الشرط الضامن للتعاطي المأمون مع الغير؛ وبالفوقية، ومعطى العزة، لن يتأتى من التعامل مع الغير خطر تعميق التبعية العربية الحضارية الراهنة للغرب العدواني، وإنما يتأتى الانتفاع بالمنجز الحضاري الغربي بشروط أخلاق الحضارة العربية، ولتكريس هذه الأخلاق بإنجاز نهضوي عربي إسلامي جديد، ينفتح على الآخر، انفتاح المؤمن، بالنبوة، على الله رب العالمين. وإرادة نهضة عربية إسلامية جديدة مرهونة بوعي واضح وقوي بالحاجة إلى التمايز الحضاري الرسالي الذي أفرد حركة المسلمين الأوائل بمعانٍ قيمية عليا، استوحتها من مصدر الوحي العالي علوا مطلقا. والدور الرسالي يعطيه فرد كريم على نفسه وعلى جماعته أما المهين، فهو مجلبة للعار والدمار. والكريم متوحد مع ذاته ومع جمعيته، كيانيا حيويا ثقافيا.

التوحد، فيما نحسب، هو منهاجية المشروع النهضوي العربي المعاصر المطلوب والمنوط بالعقل العربي المعاصر مهمة إبداعه. يتحدى الواقعُ العربيُ الراهنُ عقلَه بمشكلات انشطاراته بين اقسام الزمان من جهة، واقسام المكان من جهة أخرى. ويمكن للعقل العربي المعاصر أن يحوز أداة فاعلة يتحدى بها مشكلات واقعه المشطور المعاصر، تحوز بدورها، نعني الأداة، قدرة اختراق الراهن في اتجاهات الذات المتعددة، دون الانفكاك عن الأصل، أو الانفكاك عن الحاضر، وليس بالضياع في مسافة تُباعد بين الأصل والحاضر، إذ مهمة المشروع العقلي العربي المطلوب، إبداع واحدية الأصل والحاضر، أو إبداع الحاضر من الأصل الذي لا يتنافى معه، أي الأصل الأشد واسعية، المؤهل لإبداع لحظة آنية، غير منفصلة ولا منعزلة عن الزمان الساري من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، من الفردي إلى الجماعي، من الذاتي إلى الإنساني، من البعض إلى الكل، ومن الكل إلى البعض. والجهاد أداة تحوز إمكانات تحقيق المنهاجية الواحدية، المؤسسة لمشروع نهضوي عربي مطلوب، يبدعه العقل العربي المعاصر.

الجهاد قرار إرادة، لا يصدر عن حالة قوة حضارية، الأخيرة هي التي تصدر عنه، القوة معطى الإرادة، وحالة الوهن العربي الإسلامي الراهنة معطى غياب الإرادة النهضوية. والإرادة غير الأماني، الإرادة تستوجب أداة فاعلة، الجهاد أداة فاعلة، توحد إمكانات الذات التاريخية والبيئية، على مستويي الفردي والجمعي، بفاعلية مبادرة، متحررة من أسر القهر، منبثقة من الأصل الوجودي الفردي، الجمعي، الكلي، في لحظة واحدية، ومن ثم، مقدامة، تبدع تحققات جميع ممكناتها الحيوية، ليست عدوانية، بل فاتحة، تخرج الناس من الظلمات إلى النور.

الجهاد مفهوم يفيض عن استخدام القوة في معركة يتواجه فيها عسكران. هو مفهوم يسع، ويفيض عن، مشروع نهضوي متكامل، تتطلع إليه أمة، باعتباره معطى حضاريا لها، يبدع حاضرا موصولا بالمستقبل: “الغيب”. هذا الأخير، الذي يحوز إمكانات مفتوحة على المطلق الوجودي، تعطي الراهن (الدنيوي) الأمل المتدفق نحو غد أشد جمالا وسعادة وسلاما من اليوم، غد لن يحمل طيّه نعيّ الحياة، ولكنه يجدد البشارة بحياة لا يغلبها الموت. ونصَّ القرآن الكريم على أن الذين يقتلون في سبيل الله “أحياء يرزقون”. الموت ليس ذروة الجهاد، فالجهاد فعل مفتوح، وجهاد النفس جهاد أكبر، وجهاد النفس فعل يحرر الذات من أغلال قيودها، أو من دائرة مفعوليتها، ويسمو بها، إلى دائرة فاعليتها؛ ومشكلة الواقع العربي الراهن هي مشكلة الرضوخ في دائرة المفعولية، ومهمة المشروع النهضوي العربي المطلوب، هي تحرير الذات، الفردية والجمعية، من دائرة المفعولية والسمو بها إلى دائرة الفاعلية. الجهاد الأكبر مقولة مفتوحة غير جامدة في زمان، هي فعل التكيف مع ما هو واقع، والواقع الراهن غير متطابق مع الواقع القديم، فإذا قام اليوم جهاد أكبر، فلا يجيء قيامه تكرارا لجهاد أكبر جاهده السلف العظيم، ومع أن جهاد اليوم المطلوب، وجهاد الأمس المنصرم، معطيان لأصل واحد، فهما معطيان متمايزان، هما معطيا أصل واحد متمايز بتحققات كُثْر، يغزلها التاريخ المتجدد.

المهمة الأساسية، أو التحدي الحضاري الأشد، الذي يواجه العقل العربي المعاصر، هو، أو هي، إبداع مشروع نهضوي معطى لأصل يغزل التاريخ تحققاته، باعتبار التاريخ فاعلية إنسانية متجددة، وباعتبار الأصل وجودا يحضر حضورا بائنا، ويكمن، ولكنه لا يفنى؛ وباعتبار النهضة إرادة جهاد تصنعها ذات انتصرت على تحديات انشطاراتها، فانتصرت على مفعوليتها؛ وباعتبار العقل فاعلية الانفتاح بالفردي على الكلي، وبالكلي على الفردي، انفتاح الفردي على الفردي، والتاريخي على التاريخي، انفتاح الحب بالحب، والسلام بالسلام، والحب على العدل، (و) على السلام.

[ح‌م‌1] القسم الثاني

شرط الواحدية

تشترط الرؤية الواحدية للمشروع النهضوي العقلي العربي المرجو، التزام هذا المشروع بمنهج عقلي يسع الماضي والحاضر والمستقبل، غير مغلول بالتراث الفاعل في الحاضر، وغير مغلول بالمعاصرة على هيئتها الأجنبية؛ وينتمي إلى الحقيقة الوجودية المطلقة، الواحدية، ويدور في فلكها، الفلك الذي لا يقيد حركة، ويطلق كل حركة، طالما الغاية هي حب وسلام بالعدل لا بالجور؛ فإن هذه الغاية، حلم يتساوق مع الحقيقة الرابضة في الوجود، وفي الزمان، وهي حلم التاريخ الإنساني، جاهدت إرادة النهضة العربية الإسلامية الأولى في سبيلها، وجاهدت الإنسانية، ولم تزل، في سبيلها؛ يتغياها العقل المطلق من دوائر الذات الضيقة الظلوم، وينشدها وجدان الفن وتخلقها صوره. إن العدل الذي يجمع الحب والسلام، إنما يجمع خلقا من الجمال الذي ينبثّ في حنايا الوجود، وفي خبايا العتمات.. هناك، كالعذارى، يرقبن مولد عاشق يفضّ بكارة الليل، لتصدح الجوقات من كل نوع وكل لون، بأهزوجة النماء، ينشدها أطفال جاؤوا لتوهم، من نقطة انبثاق كل مجيء.. من أصل واحد، لوجود واحد.. تحقق في التاريخ وحيا دينيا محمديا..

***

ما علاقة فكرنا العربي المعاصر بالمطلق الوجودي، أصل الوحي الديني العربي الإسلامي؟ هل دنا الفكر العربي النهضوي المعاصر من شرطنا الواحدي؟ لا يزعم واحدي أنه يحتكر الحقيقة؛ ولكنه يعشقها، ويرنو إليها، ومن هذا العشق الراني إليها، نقدنا ثلاثة من الاجتهادات الفكرية العربية النهضوية المعاصرة، على أمل أن نشارك في صياغة للحلم النهضوي، لن تفيض عما أهلتني له قدرة أحسب أنها مقيدة بالفردية التي لا تحوز ذاتٌ إمكانات التفلت منها ولو شاءت. والحق الذي أباح لي نقد ثلاثة من النماذج الفكرية، يبيح نقدي، وأستبق كل نقد، فأزعم أنني لم أبلغ غاية المنى، وقد يكون ما بلغته شيئا من المنىالذي لا يقوى على مواجهة الواقع.. ولكن، إنما يستحق الحياة، أولئك الذين يمتطون موج البحر، وينهضون لمدافعة الهلاك.. فإذا ابتلعتهم ظلمة حوت، نالوا الشهادة.. والجنة.

زكي نجيب محمود

ثنائية العلوي والسفلي!

بدأ زكي نجيب محمود العناية بقضية التراث والمعاصرة بكتابه “الشرق الفنان” الذي صدر عام 1960م، والذي كان، يقول صاحبه، حجر الزاوية في بناء فكر جديد له[1]، شرع في تأسيسه بعدما كان يتبنى، بحرارة، الدعوة إلى الثقافة الغربية، بمنهاج الفلسفة الوضعية.

مايز مؤلف “الشرق الفنان” بين ثلاثة أنماط فكرية، قال إنها ظهرت في تاريخ الإنسان المتحضر، هي: حدس الصوفية التي أبدعها الشرق الأقصى؛ والعقل اليوناني القديم، والغربي كله من بعد؛ ونمط ثالث جمع النمطين السابقين “الضدين”، في كيان واحد فيه حدس المتصوف ومنطق الفيلسوف، هذا النمط الثالث هو الحياة الثقافية العربية، فـ “من ذا الذي يُذكر له التراث العربي، فلا تقفز إلى ذهنه أسماء لوامع كالجاحظ والمعري وابن سينا وابن رشد وابن خلدون، ومعهم رجال من أمثال الحلاج وابن عربي؟”[2].

يرى زكي نجيب التراث العربي نسيجا متآلفا “بين فكر عقلي منطقي ووجدان صوفي وشعري”، وهو ما تعكسه اللغة العربية، كما خُيـِّل لزكي نجيب، بتعقبها، وقد ركبت تركيبا يحمل الجانبين معا، “فهي منطقية إلى حد بعيد، إذا قيست إلى غيرها من اللغات، ثم هي مشحونة بشحنات وجدانية إلى حد بعيد كذلك”[3].

وهذا النسيج الثقافي العربي مركب ازدواجي، بدا لزكي نجيب وكأنه سمة بارزة “يمكن أن تكون أساسا متينا لإقامة ثقافة عربية جديدة، تصون أصالتها، وتساير عصرها في آن واحد”[4].

وعى زكي نحيب ازدواجية الثقافة العربية التراثية، لكنه لم يرَ فيها مشكلة، وإنما رأى أنها الأساس الذي ينبني عليه حل مشكلة المشروع النهضوي العربي المعاصر، رآها “وكأنها قابلية فريدة”[5] لنهوض معاصر يواصل الازدواجية الثقافية العربية التراثية.

يمثل تراجع دور العقل في ثقافة أمة، عاملا أساسيا، ولعله حاسم، في تشطير الذات الفردية والجمعية. والعقل في الثقافة العربية التراثية، لاحظ زكي نجيب، تابع للوجدان ـ الإيمان الديني لدى زكي نجيب من هذا الأخير ـ الذي ، أي الوجدان، يحقق نوازعه بالنشاط العقلي[6].. ويفسر زكي نجيب تبعية العقل للوجدان في الثقافة العربية القديمة، الممتدة بهذه الخاصية، في تقديره ـ وهو صحيح ـ إلى الثقافة العربية المعاصرة، يفسرها بالتفرقة الحاسمة بين الله وخلقه، هذه التفرقة، وصفها بأنها تمثل “صميم الثقافة العربية” كلها[7].

لا تتوقف العلاقة بين الوجدان والعقل في الثقافة العربية عند هيمنة الأول على الآخر، بل تذهب هذه الهيمنة، لطبيعتها، إلى حد أبعد، وبحكم ما يطلبه كل من طرفيها، يقول زكي نجيب: إن “كلا منهما يطلب ما يتنكر له الآخر، فالعقل يطلب أن تقام البراهين على كل فكرة يتقدم بها صاحبها إلى الناس؛ وأما الوجدان، فيقبل ما يقبله، ويرفض ما يرفضه بلا برهان”[8].

النتيجة المباشرة، الصريحة، لعلاقة التناكر ما بين العقلي والوجداني، المعطاة لعلاقة هيمنة الوجدان على العقل، هي أن مركبا ثقافيا من وجدان يهيمن على العقل، ويتنكر له، هو مركب مشطور، وليس نسيجا متآلفا، كما سبق لزكي نجيب وصفه، عندما تحدث عن السمة البارزة في الثقافة العربية التراثية، التي رأى فيها أساسا متينا لإقامة ثقافة عربية جديدة.

ويبالغ زكي نجيب في التفريق بين العقلي والوجداني [لديه: العلمي = العصري، والديني (الوجداني) = التراثي]، ويرى أنهما قابلان للانفصال النهائي، بالتحقق، كل على حدة، في أفراد الأمة، تحققا يغلق على الآخر منافذ له، فيكون هناك فرد عقلاني فقط، وفرد وجداني فقط، يقول: إن اللقاء بين الجانبين لا يشترط له أن يتم في الفرد الواحد، ويكفي أن يتحقق في مجموعة من الناس التي يتكون منها “أمة” ذات ثقافة متميزة، فيكون من أفرادها من هم أصحاب تفكير عقلي، ومن هم أصحاب حالات وجدانية”[9]. ثم يقول، وفي الموضع ذاته: “يؤمن المؤمن أولا، ثم لا عليه أن يتناول بالتحليل العقلي ما آمن به”. يوكد النص الأخير هيمنة وأولية الوجدان على العقل في الثقافة العربية، وهو يعكس تراجعا سريعا، لكنه ظاهري، لدى صاحبه، بالقياس إلى النص السابق مباشرة. فبعدما أجاز للوجدان أن يحتل، بالكامل، ذات فردة، أجاز له، للوجدان أو للوجداني، إمكان دخول العقل إلى دائرته، لا دخول الفاعل بطبيعته، بل دخول المفعول المقهور بفاعلية مفعول قاهر هو الوجدان. فالوجدان، معزولا في ذاته، مفعول، والعقل مقهورا بالمفعول، مفعول. فالوجدان الذي يهيمن على العقلي، حالة مفعولية؛ وإجازة وجدانية بعض من الأمة،ثم إجازة توظيف العقلي للوجداني، هي إجازة للانشطارية التي تعاني منها الأمة، تاريخيا، وفي العصر الراهن. ويعمق زكي نجيب حالة الانشطار المعاصرة، بعزل العقل في بعض الأمة، عزلا مستقلا؛ أو عزله في منفى الوجدان، وتحت هيمنته. وعزل العقل، فصل للحاضر عن الماضي، وللعقلي عن الديني، وللذات عن الغير، هو فصل زماني ومكاني، لا يمثل “قابلية فريدة” تمتاز بها الثقافة العربية ولا تمثل أساس نهوض جديد. ما إجازات زكي نجيب “العزلية الفصلية”، إلا انعكاس حالة المفعولية التراثية التي ما تزال تهيمن على الواقع العربي الراهن، بما فيه العقل العربي المعاصر.

لم يفلت زكي نجيب محمود من مفعوليته الثنائية التي شطرت الوجود، الكلي والفردي، إلى اثنين، يحد كل منهما الآخر. وكان فكره، أو مشروعه العقلي، في مرحلتيه، دليلا على استمرار حضور مشكلة الثنائية التراثية في الواقع العربي المعاصر، التي تولّد عنها، مشكلة التراث والمعاصرة العربية الإسلامية الراهنة.

اعتنق زكي نجيب محمود في مرحلته الفكرية الأولى، فلسفة حددها بأنها “طريقة بغير موضوع”[10]، وصاحبها لن “يقول للناس خبرا جديدا عن العالم، ليس من مهمته أن يحكم على الأشياء”[11]، فليس من غاية فلسفته “أن تبحث عن مسائل لتصل فيها إلى نتائج عن حقائق الكون”[12]. تحصر المدرسة الفكرية التي اعتنق نجيب فلسفتها، رؤية الباحث العلمي في حدود ما هو واقع؛ “أي في حدود ما هو ظاهر لأعضاء الحس وأدوات التجربة”[13]. ولا تتمادى هذه الرؤية في تغور الوقائع الكامنة، ومن ثم، تظل الوقائع الكامنة دوائر مغلقة، ويراها الباحث منفصلة، ويتعامل معها باعتبارها هذا، أي: وقائع منفصلة لا تكشف عن شيء غير تناهيها، فتنتفي بهذه الرؤية ارتباطات الواقعة المفردة بواقعة أو وقائع مفردة أخرى، وتكتسب كل واقعة مفردة، بها، مشروعية وجود مطلق في ذاتها، وفي علاقاتها مع الغير، التي لا تلغي، على أي مستوى، استقلالها التام.

يعود معتنق زكي نجيب الفلسفي، الوضعي المنطقي، أو التجريبي العلمي كما ينعته، إلى الفيلسوف الإنجليزي دافيد هيوم (1711-1776م) الذي كان يرى الواقع مجرى من الانطباعات “أسبابها مجهولة وغير قابلة للمعرفة”، وقد رفض العلية، وحصر موضوع المعرفة الأصلية في الرياضيات، ونفى إمكان معرفة الوجود، وقرر أن جميع الآراء في الموجودات تنطلق من التجربة[14].وأصدر هيوم حكما على كل كتاب ـ كائنا ما كان ـ في اللاهوت أو في الميتافيزيقا، بالحرق، إذا كان لا يحتوي أي تدليل مجرد يدور حول الكمية والعدد، أو لا يحتوي على أي تدليل تجريبي يدور حول الكمية والعدد، أو لا يحتوي على أي تدليل تجريبي يدور حول الوقائع القائمة في الوجود، فإن مثل هذا الكتاب “يستحيل أن يكون مشتملا على شيء غير سفسطة ووهم”[15]. وحاكى زكي نجيب المدرسة التحليلية الجديدة، المنتمية إلى هيوم، فحصر المعرفة العلمية في نوعين “لا ثالث لهما: وهما الرياضة والعلوم الطبيعية”[16].والدين، أهم عوامل التراث العربي، ليس رياضة، ولا علوم طبيعية. هو نشاط وجداني، لا يسعه النشاط العقلي، عماد النهوض المعاصر، الذي لن يلغي، في مشروع زكي نحيب، ثنائية العقل والوجدان في الفكر العربي المعاصر، وسيظل هذا الفكر، يحمل الآفة الثنائية القديمة التي صاحبت العقل العربي منذ بواكيره الأولى، والتي تحققت تاريخيا في انشطارات متعددة ورثها الواقع العربي الإسلامي الراهن.

ضيقت دعوة زكي نجيب فاعلية العقل وأقامت قبالتها فاعلية الوجدان الذي يمثل الدين عنصرا بارزا فيه، فجدد ثنائية المعقول والمنقول، وما يرتبط بها من ثنائيات فكرية أخرى عانى منها التراث العربي الإسلامي العقلي، وفرخت شرورها الثنائية في التاريخ العربي الذي نقلها إلى الواقع الراهن، المبتلى بثنائية مستحدثة، هي ثائية الذاتي والأجنبي، والتي يعكس مشروع زكي نجيب العقلي نموذجا لها؛ إذ هو مشروع محصور في معطى حضاري أجنبي، منقول قسرا إلى بيئة حضارية ذاتية، لم يتوحد بها، فهو ينكر عاملها الأهم، عامل الوجدان أو الدين، باعتباره حقلا ممكنا للنشاط العقلي، أو لاعتباره “سفسطة ووهما”.

الثقافة العربية نسيج محوره الدين. ومشروع عقلي لا يسع الدين، لن يسعها، لن يعالج مشكلاتها، ولن يؤهلها للنهوض المعاصر. الدين أهم عناصر الثقافة العربية، هو حكم تفسيري قيمي لوجودها، ما يحضر منه، وما يغيب عن الشهود، فهو يقول خبرا جديدا، ويصدر أحكاما، هو موضوع. معتنق زكي نجيب، لا يبحث عن حقائق الكون، هذه الأخيرة التي تمثل المرتكز الأقصى للدين، وبهذا الاعتبار، فالدين خارج دائرة مشروع عقلي وضعي.

لم يخلص زكي نجيب لمشروعه الوضعي تمام الإخلاص. ظل يدعو لموقفه الفلسفي الوضعي بعد أن تخلى عن “اغترابه” في الحضارة الغربية، الاغتراب الكامل في الظاهر. كان يستبطن تراثه الذاتي، الذي برز منذ كتابه، “الشرق الفنان”، عنصرا يقابل العنصر العقلي الوضعي الغربي دون توحد، للتناكر الذي قرره زكي نجيب بين الوجداني [العنصر المهيمن في التراث العربي] والعقلي [العنصر المقوِّم للحضارة الغربية]. ويوحي كتاب “التحول” من عنوانه: “الشرق الفنان” إلى توكيد هيمنة الوجدان على التراث العربي [الشرقي]، لكن زكي نجيب لا يستسلم لهذه الهيمنة، فظل يؤمن بالوضعية[17]، رغم تراجعها في نشاطه العقلي، الذي أفسح مجالا للعنصر التراثي الوجداني، بصفتنه المتناكرة مع صفة العقل الوضعي، على حد قوله، فأثبت بهذا التحول، أن مشروعه العقلي صورة مكرورة للواقع العربي الراهن المشطور بين الذاتي والأجنبي، وبين الدنيوي والأخروي، وبين القاهر والمقهور؛ فالوضعي، في مذهب زكي نجيب غربي (قاهر)، والتراثي، في مذهبه أيضا، ذاتي (مقهور). وثنائية القاهر والمقهور خطر يتحدى المشروع النهضوي العربي المطلوب، ويجهضه. وبلور زكي نجيب ثنائيته الفكرية بالدعوة الصريحة إلى “فلسفة عربية قوامها ثنائية السماء والأرض، وثنائية الطبيعة والفن”[18].

انحسرت الوضعية الخالصة في فاعلية زكي نجيب العقلية قبالة إلحاح الحضور الواقعي للتراث الرابض في ذاتية “المغترب في الظاهر”، ولن يجد وضعي عربي غضاضة في الإعلان عن تراجعه نصف خطوة، طالما كانت فلسفة التحليل التي شكلت وضعية زكي نجيب، مصدر تسويغ للتراجع تحت ضغط الوقائع، ففلسفة التحليل تتعامل مع الظواهر كما هي في الواقع، ولا تزيد على أن ترد الواقع إلى عوامل تكوينه. وعوامل تكوين الواقع العربي الراهن، من منظور زكي نجيب العقلي، هي الذاتي [التراث] والأجنبي [الوضعي]. ووفقا لمنهجه، مايز بين عاملي الذاتي والأجنبي، وأبقى عليهما معا، كما هما، ولم يصدر حكما ما عليهما، وهكذا أجاز مشروعية وجودهما معا، متقابلين، يرسمان ثنائية معاصرة، تحت مسمى “ثنائية السماء والأرض”، أو ثنائية الآخرة والدنيا، ثنائية السالب والمسلوب. وقع مشروع زكي نجيب في دائرة الرضوخ لقهر مزدوج: التراث المحصور في الماضي، المنغلق على الحاضر؛ والأجنبي الغريب عن الحاضر الذاتي، المعزول عن التاريخي المنماز بماهيته عن ماهية الحضارة الغربية التي أنتجت الوضعية تحت شروطها، وللوفاء بمتطلباتها. الوضعية المنطقية التي التزم زكي نجيب مذهبها الفلسفي، معطى ثقافي للحضارة الأوربية، بلورتها “جماعة فيينا” التي نشأت لمواجهة مشكلات أفرزها التطور الحضاري الغربي، بخصائصه التي ترسم معايير معطياته، وترسم أدوات علاج منعطفاته المرضية. فالوضعية المنطقية، شأنها شأن كل معطى عقلي غربي، ردة فعل بيئة، تفقد مشروعيتها في بيئات ثقافية أخرى، يحملها إليها المبهورون أو العجولون أو المنهزمون.

الوضعية المنطقية تعبير أمين عن المناخ الثقافي الأروبي الدنيوي، الذي يحصر الوجود في دائرة يمكن للعقل التجريبي الإحاطة بمضمونها، ثم لا يجاوز دائرة “الدنيا” إلى دائرة “أخرى” أعمق وأوسع، تملك المخيلة الإنسانية قدرة تصورها، وهو ما فعله العقل الحضاري العربي الديني، وهو فعل لا يستوعبه عقل تجريبي “دنيوي”، أو عقل الوضعية المنطقية الذي حمل لواء الدعوة إليه زكي نجيب محمود، ولكنها دعوة ظلت عقيمة[19]. احتذى زكي نجيب في المرحلة الأولى من مشروعه العقلي أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، بالمثال الغربي. وأقر فيما بعد، أنه كان ينظر للأمر من جانب واحد، وأنه أهمل الجانب الآخر، جانب الهوية الخاصة ـ العربية ـ وأن دعوته تلك، كانت “على كثير من التطرف”. وقال: “فجاءت نظرتي إلى الثقافة المنشودة نظرة مبتورة”[20].

كان زكي نجيب يبالغ في دعوته إلى تقليد الغرب، وأسرف فيها كما قال في مقدمة كتابه “شروق من الغرب”، [لاحظ دلالة العنوان!!]، فتمنى “أن نأكل كما يأكلون، ونكتب من الشمال إلى اليمين كما يكتبون، وأن نرتدي من الثياب ما يرتدون”. وفي غمرة مشاعره الاغترابية، اعتنق مذهب الوضعية المنطقية. وحكى قصة هذا الاعتناق في الكتاب الذي روى فيه سيرته العقلية، قال: “كنت لم أزل ماضيا في إعداد رسالتي للكتوراه… وبينما أنا ماض في طريقي ذاك، أُعلن عن تعيين الدكتور الفرد آير، (وكان إلى ذلك الحين أستاذا في جامعة اكسفورد)، رئيسا لقسم الفلسفة في الكلية الجامعة بجامعة لندن. [وهي الكلية التي كان قد التحق بها زكي نجيب للحصول على إجازة الدكتوراة في الفلسفة، ولكنه تركها والتحق فيما بعد بكلية الملك]. وجريا على العرف المألوف، كان على الأستاذ الجديد، أن يفتتح عمله بمحاضرة عامة. وأعلن بالفعل عن موعد تلك المحاضرة. لم أكن قرأت شيئا للدكتور آير، فرأيت ضرورة أن أعرف عن الرجل شيئا قبل استماعي لمحاضرته العامة، فكان أول ما قرأته من كتبه، كتابه الذي يلخص به اتجاها فلسفيا ظهر أولا في فيينا خلال العشرينات من هذا القرن، ثم أخذت دائرته تتسع. وهو اتجاه أطلق عليه أصحابه اسم “الوضعية المنطقية”، ثم شاع بعد ذلك اسم آخر لعله أنسب وهو “التجريبية العلمية”. فما أن تلقيت الفكرة الأساسية في هذا الاتجاه، حتى أحسست بقوة أنني خلقت لهذه الوجهة من النظر”[21].وفي موضع آخر من الكتاب ذاته، وصف زكي نجيب ولوجه عالم الوضعية المنطقية بقوله: “كانت لحظة نادرة من ربيع سنة 1946م، تلك التي كنت فيها جالسا كعادتي كل يوم، أطالع وأكتب وأدون المذكرات، في المكتبة العامة، بالمبنى الرئيسي لجامعة لندن، عندما أحسست بما يشبه اللمعة الذهنية تتوقد لتضيء لي طريقي منذ ذلك الحين، وإلى الساعة التي أكتب فيها هذه الصفحات [من عام 1982م]. وكان الموضوع الذي أطالعه عندئذ هو عرض لموقف فلسفي لم يكن قد مضى على ولادته في صورته المعروضة أكثر من ربع قرن، وأسماه أصحابه يومئذ بالوضعية المنطقية، وهو نفسه الذي أطلق عليه فيما بعد “التجريبية العلمية”. وأما اللمعة الذهنية التي أحسست بها في تلك اللحظة، فهي شعوري بأنني أوقع هنا، دون سائر التيارات والمذاهب”[22].

نقلنا رواية زكي نجيب عن تحوله الدرامي للوضعية المنطقية، لتوخي الكشف عن استحالة سلخ ذات عن تراثها، فكما لا تقبل ذاتية الوضعية المنطقية الأوربية الانسلاخ عن تراثها، فإن ذاتية زكي نجيب لا تقبل كذلك، شاء هو أم أبى، الانسلاخ عن التراث المهيمن على وجدانه، وعلى عقله، بالوجدانية المهيمنة عليه، أعني: على التراث العربي الإسلامي الذي لم ينفك عنه زكي نجيب، ولا انفك هو عنه، حتى في ذروة ما ظن زكي نجيب أنه اكتشاف عقلي لموقف عقلي، هو الوضعية المنطقية.

ولج زكي نجيب دائرة الوضعية المنطقية بقفزة تستدعي للخاطر قفزة جندب الصحراء، تحت وهج شمس، تتداخل تحت شدة حرارتها ألوان الجندب مع ألوان الرمال الصفراء الملتهبة القاحلة. صار زكي وضعيا بمنهاجية عربية؛ تكفي اللمعة الخاطفة لإجراء تحول عميق من مذهب إلى مذهب، من غير روية ولا تفكير في احتمالات، ولا تحليل ولا تركيب، ومن غير بحث في الأسباب ومن غير توقع للنتائج، من غير شرط من شروط العقل التجريبي، وعلى غير قاعدة من قواعده، ومن غير شرط من شروط العلمية، وعلى غير قاعدة من قواعدها، على الرغم مما يزعمه زكي نجيب من أنه صار منذ تلك اللحظة “تجريبيا علميا”، وأنه يقع “هنا ـ في التجريبية العلمية، دون سائر التيارات والمذاهب”.[ح‌م‌2]  ولا يعيب التجريبي العلمي أن يبدأ من وقدة لمعة ذهنية، أما ما يعيب منهج العقل العلمي، فهو التعاطي مع قضايا العقل بالإحساس، كما يتعاطى الفنان، بوجدانيته، مع اللحظات اللامعة التي تضيء في ذهنه فجأة، كما أضاءت في ذهن زكي نجيب، وفجأة، لحظة “إحساس شعوري قوي بأنه خلق لهذه الوجهة من النظر”، كأنما هبط عليه الوحي فجأة، فأيقظه من سباته، ليبتعثه “نبيا” يبشر بالخلاص الإنساني، لمَ لا؛ والنبوة خاصة عربية تراثية أصيلة؟! لمَ لا؛ والرسولية دور عربي ثقافي تاريخي، يتمحور التراث العربي الإسلامي، وقبل الإسلامي، حولها؟! وقد ينبه الإحساس إلى قضية، ولكنه لا يفتح أفق العقل فتحا مبينا. ولدى التجريبيين، فإن الإحساس مصدر أوليَ للمعرفة، ولكنه ليس المصدر الذي يسع المعرفة إلى آخر مداها.

تحول “إحســـــــــاس” زكي نجيب إلى موقف فلسفي وضعي “عربي”. كان تحوله “عربيـــا” منذ اللحظة الأولى. يتبدى ذلك من تفحص هذا التحول المفاجىء تحت التأثير المباشــر لـ “الرئيـس” آيـر، الذي ـ التحول ـ جاء بمثابة ولادة عجلى، أو انقلابية، عكست نموذجا  ـ معاصرا ـ لظاهرة عربية تراثية، حاضرة فاعلة، يصورها القول المشهور: “الناس على دين ملوكهم”. وواقعة تحول زكي نجيب للوضعية المنطقية، تترجم تراثا مفعولا لـ “الرئيس”.

لم يكن زكي نجيب منتسبا إلى قسم الفلسفة بالكلية الجامعة بجامعة لندن، حينما أسندت رئاسته إلى آير. كان زكي قد انتقل من الكلية الجامعة إلى كلية الملك ـ اللندنية أيضا ـ في وقت سابق[23]، فما الحجة على صحة ما نزعمه من رضوخ زكي نجيب، بعملية القفز إلى دائرة الوضعية المنطقية، لتراث من المفعولية لـ “الرئيس”؟ كان طالب إجازة الدكتوراة منهمكا في البحث في موضوع أطروحته: “الجبر الذاتي”، وهو “موضوع يمس حرية الإرادة بصفة أساسية وجوهرية”[24]، وخلاصته “أن الإنسان لا تسيره إلا ذاته”[25]. الجبر الذاتي في مفهوم زكي نجيب هو المعادل للحرية الشخصية قبالة الآخر، وكانت الحرية همّا لازمه طوال حياته و”منذ حمل القلم لأول مرة”[26]. الحرية همّ يعوز الطُـلّعة لتحقق بقيمتها العليا ذاتها. وقبل حضوره إلى لندن، عاش زكي حالة شعور بالمرارة مما كان يلقاه من إجحاف في “لجنة الترجمة والتأليف والنشر” بالقاهرة، الذي كان عضوا صغيرا فيها، والتي كان يسودها “علاقة استبدادية عجيبة” بين كبارها وصغارها ، وكان، بتقديره، من صغارها. ونفخ هذا الاستبداد “روح التمرد” في صدره[27]، الذي غذّى مشاعره اللاحقة إثر معايشته لبيئة علمية جديدة في لندن، قوامها تواضع لم يألفه من قبل، وكان يحسبه من قبيل الشائعات[28].

نزعت روح زكي نجيب المتمردة على العلاقة الاستبدادية العجيبة الســـــائدة في لجنة علمية مصرية ـ على حد قوله ـ للتطلع نحو “منزلة مرموقة في دنيا الفكر والأدب”، وعلى تقديره، فإن أستاذية الجامعة، هي السبيل إلى مثل ذلك المركز المرموق[29]. الحرية ـ من جهة طبيعتها ـ مطلب الروح المتمردة، ولدى زكي ـ هنا ـ مركز الأستاذية المرموق يحقق الحرية، التي تتقوم بالمساواة التي اغتالها الكبار في لجنة علمية مصرية، اغتيالا هو صورة اغتيال أكبر يجري في الحياة المصرية المحكومة بتراث عربي قديم حاضر فاعل، التي رأى ـ زكي ـ فيها “كثيرا من الظلم والقهر والاستبداد والتسلط والتنافر والكراهية، مما أدى في نهاية الأمر إلى فقدان الفرد لكرامته وحريته واستقلاله”[30]، وازدادت شدة قتامة هذه الصورة لديه، بما لاحظه من “الرعاية لكرامة الإنسان فردا فردا” في بريطانيا[31]. وكان بحثه في “الجبر الذاتي” تعبيرا عن شوقه للكرامة الفردية، صنو الحرية. كانت أطروحته للدكتوراة تعبيرا عن مطلب الحرية، لم تكن تحققا للمطلب ذاته، كانت تسويغا له، وإلحاحا عليه، وإجلاء لغوامضه. أما هذا التحقق، فقد كان الانقلاب الفكري تحت التأثير المباشر لتعيين رئيس جديد، لقسم الفلسفة، الذي بدأ فيه زكي نجيب الشروع في تجسيد تطلعه إلى أستاذية الجامعة، فكان قسم الفلسفة هذا، بالكلية الجامعة بجامعة لندن، “أرض المشرق”، التي أشرقت منه شمس الحرية التي نزع إلى طلبها، أستاذا مرموقا، وداعية إلى ثقافة الغرب، طلبا للحرية على الطريقة التي لاحظ الناس في بريطانيا يحيونها. في أرض مشرق حريته، كانت شمس الغرب، هي شمس زكي نجيب محمود.

نشدت حرية زكي نجيب رفض التراث العربي القديم المعيوش في الواقع العربي الراهن[32]. والرفض فعل هادم، يخلي لبناء جديد. والحرية التي تنشد رفض تراث قديم، تستدعي تراثا بديلا، وفقا لآلية التوازن الجمعي والفردي الذي عانى زكي نجيب من اختلاله تحت ضغط مركب الماضي / الحاضر المتنازع في كينونته. هذا المركب هو المجال الحيوي لفاعلية آلية التوازن الذاتي ـ فرديا وجمعيا ـ واختلال توازن زكي نجيب ناشىء عن رفضه للماضي المُعطى لتراثه العربي الإسلامي، الرفض الموازي زمانيا للواقعة المعنية. استدعى رفضه موحيات الواقعة المعنية، وهي عنصر ينتمي للماضي قياسا للحظة التي سجل فيها قفزته الاغترابية بالتحول، الحسي، العجول، للوضعية المنطقية. لحظة دخوله، باعتباره أستاذا جامعيا مرموق المركز، الحالة الاغترابية، جرَّت عنصرَ الماضي ـ القريب ـ ليوازي عنصر الحاضر في المركب الذي يخلق مجال فاعلية آلية التوازن الذاتي. لكن الماضي مفتوح على الماضي، الماضي القريب، تراث زكي نجيب الجديد، مفتوح على الماضي العميق، تراث زكي نجيب القديم، العربي، الذي تهيمن عليه مركزية الرئيس بمفهوم: “الناس على دين ملوكهم”. آير هو “الملك”، التراثي المستحدث، استدعته تراثية عميقة لذات نازعة للتحرر من هيمنتها ـ هيمنة التراثية العميقة ـ لكن، نزوع الواهم، فالزمان العميق في ماضويته، لا ينعدم عدمية مطلقة، العدمية المطلقة وَهْم، الماضي يجدد صورة فاعليته في الحاضر، بفاعلية الحاضر، وفقا لضرورة التوازي الحيوي الجمعي.

خلال معاناة زكي نجيب حالة النزاع التراثي، كان هواه يميل ناحية الثقافة الغربية. وكان هواه معوزا إلى عامل تكويني له خاصة تراثه القديم. وبفعل آلية الهوى ذي الطبيعة العائمة على ظهر موج الحركة، فقد طابقت خاصة العامل التكويني اللازم لاستعادة التوازن النفسي والجمعي، طابقت خاصة التحرك العائم على ظهر الموج، فاندفع، مفعولا للهوى، لا بقرار عقلي، إلى حشو فراغه التراثي العربي، بتراثه الجامعي الحديث، المبتدىء بزمان التحاقه بالكلية الجامعة بجامعة لندن، والمنتهي عند اللحظة التي جرّه فيها آير للوضعية المنطقية، وهي اللحظة التي كان لا بدّ لها أن تتجذر  بتراث من طبيعتها، هذا الذي، بدوره، كان لا بد له أن يتبلور في واقعة، كانت هي، اللحظة ذاتها التي قفز فيها زكي نجيب وراء رئيس ـ في الحاضر ـ لتراثه الجديد، الموهوم بطبيعة الحال، لأن التراث لا يتجدد لذات فردية أو جمعية، إلا من ذاته وبذاته. فالتراث الغربي لزكي نجيب، حالة مفتعلة، ورغبة هوى، لا تقتلع تراثه العميق، ولا تتصالح معه، هذا، على الرغم من أن حصولها وقع بمنهجية تراثه العميق، بمنهجيته العاجز عن الانفكاك عنها، والتي يمثل الهوى، أو الحركة العائمة على ظهر موج الشواطىء، أهم أدواتها.

اتبع زكي نجيب مذهب آير الذي تقلد منصب رئاسة قسم الفلسفة الذي ابتدأ زكي حياته الجامعية الغربية فيه، الذي كان قد تركه قبل رئاسة آير له؛ ولكنه لم يتبع مذهب كيلنج الذي كان رئيس القسم حينما كان أحد طلابه. لم يستحوذ كيلنج على إعجاب زكي نجيب رغم أنه كان يحسب أن كل أستاذ بريطاني سيملأه إعجابا، كان كيلنج هو أول أســــتاذ بريطاني لاقاه أول مجيئه إلى لندن[33]. لم يتمدد كيلنج في ماضي ـ تاريخي واقعي ـ زكي نجيب، فلم يدخل تراثه، ولم يتأهل لمزاحمة ـ فعلية ـ لتراثه القديم؛ أي: لم يملك كيلنج آلية إعادة التوازن لزكي نجيب، الذي اختل ـ توازنه ـ بالتمرد الذي خاضته روحه ضد تراثه القديم، الذي نزع إلى الاغتراب في الحضارة الأوربية. كان كيلنج من مشايعي ديكارت، فلم يكن يمثل النموذج الغربي المعاصر، البالغ ذروته الحضارية في الوضعية المنطقية، النموذج الجاذب لروح نازعة للاغتراب عن ذاتيتها، ديكارت نموذج قديم، يلتقي، بتقادمه، مع النموذج التراثي العربي الذي نزع زكي نجيب إلى رفضه، بما فيه من عامل ألوهي، يوجد أيضا في فلسفة ديكارت، هذه الأخيرة، التي تستدعي نموذج الغزالي، الشّاك، الذي شكّ ديكارتُ مثلَه. ثم إن فلسفة ديكارت فلسفة ثنائية، تقول بثنائية الروح والمادة، وتتوافق مع التراث العربي الإسلامي الثنائي، الذي نزع زكي نجيب إلى رفضه، ومن ثم، نزع إلى رفض كيلنج، الذي لم يهبه فرصة الخروج ـ كما يتوهم[34] ـ من تراثه القديم، بينما وهبه آير هذه الفرصة، التي ما أن سنحت له، حتى قفز خارجا ـ كما توهم ـ من تراثه القديم، إلى تراث جديد.

رحل زكي نجيب إلى الغرب وهو منقسم على نفسه. كان بعضه يندفع مع وجدانه ولا يبالي، وبعض ثان يمسك في يده ميزان العقل ويتخذ من فيلسوف اليونان القديم سقراط مثله الأعلى، وبعض ثالث أسلم ذاته لله تعالى وللمجتمع فيما نزل من شريعة يجب أن تراعى، ومن تقاليد وقوانين يجب لها أن تطاع عن قبول ورضا[35]. لم يرحل من أبعاضه الثلاثة إلى لندن إلا بعضه الثاني[36]: “النفس اللوامة.. نقيض الفطرة في بكارتها” ومعارضها ولاجمها[37]. حلت الوضعية المنطقية في الطبقة الفاصلة بين الوجدان المندفع، أو الفردية المنغلقة؛ والشرائع والتقاليد والقوانين، أي: الجمعية. كرست طبقة الفصل ـ العقلية ـ حالة الانشطار لدى زكي نجيب، لطبيعتها الاغترابية، الممتدة من سقراط إلى آير، ولطبيعتها الفكرية المنغلقة في “دنيا” التجريب، بالرد إلى طبيعة فكرية “أخروية” و”غيبية”، ظلت تهيمن على جماعه الذاتي، ويعجز عن التحرر منها، فاضطر إلى مصالحتها،  واستسلم لها، استسلاما مجزوءا، أبقى عليه مشطورا إلى نهاية مشروعه الفكري النهضوي.

تجلت ثنائية زكي نجيب في مشروعه الفكري النهضوي الذي كرَّس ما بعد الستين للدعوة إليه، بعدما خرج من جامعة القاهرة التي كانت مجال دعوته ـ العلمية العقلية ـ للوضعية المنطقية. وعانى في محاضرته الأخيرة على طلابه من اختلاط الأمر عليه بين ظاهر وباطن، كان “ينظر إلى ما يدور حوله مرة، ويغوص إلى باطن نفسه مرة”[38]. عاش في الجامعة الأستاذية ـ المركز المرموق ـ التي تطلع إليها، وحقق حريته فيها على طريقته الخاصة، واحتمى، داخل القاعات المعزولة عن واقع حال المجتمع، وداخل عقله المرهون لحضارة غربية، احتمى من المواجهة الصريحة التي حان، بالخروج من الجامعة، وقت خوض غمارها. استدعت المحاضرة الأخيرة معركة مواجهة عقل مغترب مع واقع قارٍ في غور صاحبه، هو من واقع المجتمع الممتد خلف أسوار قاعات الدرس الجامعية، الممتد تحت أساسات الجدران التي يتوهم الواهمون أنها تفصل العقل الناشط في دوائر العلم المغلقة عن الوجدان الناشط في دوائر  الذوات، بفرديتها وجمعيتها، ومنها ذات دعت للاغتراب، ثم دعاها واقع الحال لمحاكمة اغترابها بوقائع الأحوال التراثية والراهنة. والصورة التي رسمها زكي نجيب لحالته في محاضرته الأخيرة، صورة تولد من عتمة الشرخ الذي يفصل بين العقلي والوجداني، انفصال ثقافة الغرب وتراثهم عن ثقافة العرب وتراثهم، وهي صورة الاختلاط المتنافر بين الحاضر ـ الذي حبسه زكي نجيب في دعوة مغتربه ـ والماضي ـ الذي ظن أنه يقدر على كبحه بحد الحاضر الأجنبي عنه ـ لكن الماضي اختلط بالحاضر، اختلاط الباطن والظاهر في معركة استدعتها لحظة ما قبل المواجهة الصريحة، بين ما تقوقع عليه العقل، وما تقادم عليه الزمن، وغامت الرؤية على عقلية الوضعية المنطقية لدى زكي نجيب، لا تحت ضغط اللحظة فحسب، ولكن تحت ضغوط تاريخ مديد، كانت اللحظة في ذاتها، إحدى تجلياته الكاشفة عن أعماقه، أعماق التاريخ العربي، وأعماق زكي نجيب المقسوم على ذاته، ما بين ماض لم يبرأ منه، وحاضر لم يخلص له، ولانقسامه على ذاته، لا يقدر على أن يبرأ من ماضيه، ولا أن يخلص لحاضره.

رجع زكي نجيب، في المرحلة الأخيرة من مشروعه الفكري، عن صريح دعوته إلى تقليد الغرب في طرائق التفكير وطرائق الحياة أيضا، وتبنى الدعوة إلى نموذج مختلط، ليس موحدا، لاحت صورته في اختلاط الظاهر بالباطن، وفي اختلاط العقل المثلوج ـ بوضعيته المنطقية الغربية ـ بالعاطفة الساخنة، العربية، وذلك كله مقابل حالة تسليم بما “يتعالى” في السماء عن الأرض، وبما يتمايز به الفن عن الطبيعة؛ كما دعا، بصراحة تامة، في كتاب “تجديد الفكر العربي”، الذي محور رؤيته للمشروع الثقافي العربي النهضوي المطلوب على محور الثنائية، غير واع أنه يعيد صوغ المشكلة وتعميق جذورها بالعقل المأمول منه أن يبدع نظرية تواجهها، وتتجاوزها.

مشروع زكي نجيب الفكري، كله، تكثيف لمشكلة الأمة الأم؛ مشكلة الثنائية الشاطرة لذات الأمة الفردية والجمعية، التي تفشى خطرها في مجالات الفكر والاعتقاد والفن والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وأنتجت حالة المفعولية والتبعية الحضارية لثقافة غازية توسعية عدوانية بطبيعتها الدنيوية المباينة للثقافة العربية التراثية الأخروية الغيبية.

ولد تحوله الجديد، من ذاتيته الثنائية، التي عانت، بعد الخروج من جامعة القاهرة، حالة قلق متوتر، تخلص منها بـ “المصادفة اللافتة للأنظار”، التي التقى فيها رأسا سنة هجرية وسنة ميلادية في يوم واحد[39]. استعاد بهذه المصادفة، حالة التوازن التي افتقدها منذ محاضرته الأخيرة بجامعة القاهرة، التي عمقتها فرصة جديدة للعمل في جامعة الكويت[40]، عاود بها الأستاذية الجامعية، لم تكرر الأستاذية التي مارسها في جامعة القاهرة، تكرارا تاما، ولكنها عكست صورة التقاء بداية سنة من التاريخ الهجري ـ العربي الإسلامي ـ مع بداية سنة من التاريخ الميلادي ـ الغربي ـ وهي صورة لحظة يلتقي فيها زكي نجيب العربي الإسلامي مع زكي نجيب المنطقي الوضعي الغربي، لقاء لا يوحد الأبعاض؛ فالتاريخ العربي الإسلامي لا يقبل اللقاء، لقاء الأبعاض، مع التاريخ الغربي المبلور في الحاضر الغربي الذي غزا الواقع العربي المعاصر، وعمّق وضعية المفعولية المنعكسة على مرآة الذات العردية والجمعية العربية، التي لا تنجو منها ذات مفكر، ولا ذات أميّ جهول.

أبقى مشروع زكي نجيب على وضعية الدوائر المنفصلة في الحاضر العربي، بحكم منهجيته المنطقية الوضعية الغربية (العربية)، فأعطى أحقية الوجود المطلقة لعناصر الحاضر، التراثية والاغترابية، فلم يقيد أحقيتها بواقعيتها، ولكنه قيّد الوقائع برؤية ظن أنها الحق وحده، بيد أن الحق يسع كل واقعة، ولا تسعه كل واقعة.  الحق المغلول بقيود الوقائع حالة في وضعية انفصالية لا تبدع تجلياتها الفاعلة إلى أقصى مدى الفاعلية.

حسن حنفي:

الضيق يحاصر الواسع

أبدى حسن حنفي وعيا واضحا بازدواجية الشخصية العربية، التي يعكسها نموذج الشخصية المصرية. وتتمثل هذه الازدواجية في مظاهر متعددة، منها انفصال الفكر عن الواقع؛ فالفكر العربي ينسج ـ بالكلام ـ عالما من التمني والرجاء، ويسقط من حسابه عالم الواقع والفعل. وتأدى عن هذه العزلة الفكرية عن الواقع انقسام الحياة الفردية بعدم الصدق، أو انقسامها بين العزلة والنفاق؛ “نحن نقول ما لا نعتقد، ونعتقد ما لا نقول”. وتنقسم الشخصية العربية بين التفكير والتعبير، فهي تفكر ولا تعبر عن كل ما تفكر فيه، وتعبر عن أشياء لا تفكر فيها. ولا يتوحد القول والعمل لدى الشخصية العربية، فالخطاب ذو وجود مستقل ومنفصل عن مضمونه وتحقيقه. ومن ثنائية “القول والعمل” تنتج “ثنائية “النية والسلوك”، يعني: عندما لا يصدر السلوك تلقائيا عن نيّة، بل بتوسط من الفكر، بدافع من الحيطة والحذر، فإن تطابق القصد مع السلوك، أو النية مع العمل، يصبح “مستحيلا”. ثم هناك الانفصام بين الداخل والخارج… إلخ[41].

ردّ حسن حنفي ازدواجية الشخصية المصرية ـ العربية ـ إلى التفكير الديني التقليدي الذي تسوده ثنائيات: الله والعالم، الدنيا ولآخرة، الثواب والعقاب، الخير والشر، الملاك والشيطان، الحلال والحرام، وغير ذلك[42].

ويقترح توحيد الديني والدنيوي، ويعتبر مثل هذه الخطوة الجريئة، علاجا لمشكلة الثنائية الفكرية، من ناحية المصدر، أو من ناحية الغاية والهدف. ويردد ما كان هيجل قد قاله، من أن “كل مقدس دنيوي، وكل دنيوي مقدس، ليس للمقدس ميدان خاص منعزل عن باقي الحياة اليومية”. وتقديرا لهذا الموقف، فإن هيجل، يرى حنفي، تقدمي، وهو كذلك، لأنه أيضا، يقول حنفي، وحّد، وعلى مستوى الواقع، بين الفكر والوجود، فـ “قضى على الثنائية التقليدية في المسيحية بين الروحي والزمني”[43]. وبالتعلم من هيجل، “فإن بإمكاننا القضاء على المصدر الثنائي للمعرفة، ورؤية الوحي في الواقع، بمعنى الوصول إلى حقائق الوحي عن طريق العقل، والعقل هو الواقع، وهو التاريخ أيضا”[44]. وبالقياس إلى هيجل، ينفي حسن حنفي تهمة الكفر عن الصوفية المسلمين، لقولهم بوحدة الوجود، وإن تاريخ النبوة يطابق تاريخ التطور البشري، وأن الله متحد بالكون ولا يوجد خارجه[45].

يمثل وعي حسن حنفي بالمشكلة الأشد خطورة ، مشكلة الثنائية، خطوة هامة لتقدم الفكر العربي المعاصر نحو تحقيق المشروع النهضوي العربي الجديد. وتتأصل أهمية هذه الخطوة بتوجهها صوب رؤية واحدية. ولكن ما مدى أصالة هذه الخطوة عند حسن حنفي؟

النهوض فعل ينفي التمني. فهل جاء مشروع حسن حنفي النهضوي بريئا من آفة نفي التمني للفعل النهضوي؟ هل جاءت خطوته صوب رؤية واحدية نهضوية أصيلة بالقدر الكافي لمعالجة وتجاوز مشكلة الواقع العربي الراهن؟

يرمي حسن حنفي من مشروعه إلى “إعادة بناء للتراث من داخله”[46]، تتأدى ـ الإعادة ـ إلى “اكتشاف الأنا وتأصيلها وتحريرها من سيطرة الثقافات الغازية، مناهجها، وتصوراتها ومذاهبها، ونظمها الفكرية”[47]. نشأ التراث العربي من مركز عيّنه حسن حنفي بالقرآن الكريم والسنة النبوية، لكنه لا يصف القرآن والسنة والتراث بالقدسية[48]. التراث قضية ليست دينية رغم انطباعه بالصبغة الدينية[49]. التراث حضارة، والحديث عنه “ليس حديثا عن الدين”[50]. ويرى الإسلام معطى تاريخيا، “وليس باعتباره دينا”، هو لا ينكر الوحي، لكنه يرى الإسلام “واقعة حضارية حدثت في التاريخ” يهتم بما نشأ منها كحضارة، دون اهتمام بالمصدر الذي أتى منه الإسلام، “تهمنا حضارته بعد حدوثه بالفعل، تجديد التراث لا يبحث عن النشأة، بل عن التطور”[51].

أغفل حسن حنفي فاعلية الأصل ـ القرآن والسنة ـ الإلهي في التاريخ، مع الإقرار بأن التاريخ الإسلامي معطى له، وهو ينزلق من هذا الإغفال إلى المشاركة في تعميق انشطار الذات العربية (الإسلامية) ما بين الديني والدنيوي. أخرج الوحي من دائرة بحثه، بينما الوحي حاضر فاعل في وعي العربي المعاصر، وتجاهل الحضور الفاعل للوحي في وعي العربي المعاصر، ينفي ـ نظريا ـ نصف الوجود العربي التاريخي الراهن، ولكنه لا ينفي واقعية هذا النصف، أو أكبر من النصف، ومن ثم، ينزلق مشروع حسن حنفي إلى ثنائية النظري والواقعي وغير ذلك من ثنائيات شاطرة للذات العربية المعاصرة، كان قد حذّر منها، ولمس عللها، التي يعاود ترسيخها بالفصل بين الوحي والحضارة الناشئة عنه. حاكى حسن حنفي موقف سبينوزا تجاه الوحي الذي درسه أفقيا “ابتداء من إعلانه على لسان النبي للآخرين.. دون أن يبحث صلة النبي بالله أو بالطبيعة”[52]. وتابع مفهوم هيجل عن الدين، الذي قال فيه: “الدين ليس كتابا أو وحيا أو عقيدة أو إيمانا بل هو تاريخ أو حضارة”[53].انعاكسات الرؤى الأجنبية في موقف حسن حنفي تجاه مركزية الذاتية العربية يؤيد نفي التمني للفعل، الذي رضخ له العقل العربي المعاصر. تمنى حسن حنفي تحرير “الأنا” من سيطرة الثقافات الغازية، ولكنه لم يفعل هذا في الواقع، وحمل شاطورا ثقافيا أجنبيا ليقسم “أنا” الذات العربية إلى أصل وإلى تحققات تاريخية، كما لو شطر دارس ظاهرة ما إلى سبب ومسبب عنه، وهو شطر يلغي واحدية كينونة الظاهرة. وفي الحقيقة، فإن فصل السبب عن المسبب إغفال عقلي للظاهرة كلها. والمنهج الذي يدرس تحققات الدين في التاريخ، مفصولة عن مركز النشأة، هو معطى تاريخي لحضارة دنيوية تضيق عن سعة الحضارة العربية الإسلامية الدينية التي تحتل الدنيا بعض مساحتها. وتطبيق منهج دنيوي على حضارة دينية، تقييد للأخيرة وتعامل معها من خارج ذاتيتها، ومن ثم، نفي لها، بينما هي، لواقعيتها، لا تقبل النفي. والعقل اذذي يحاول نفي ما هو واقع، ينفي ذاته، أو يقيدها في دائرة التمني المنغلقة المنفصلة عن دائرة الفعل المنفتح المتساوق مع الواقع. مشروع حسن حنفي لن يساعدنا ـ وفقا لوعده ـ على مواجهة التحديات الحضارية والغزوات الثقافية التي نحن ضحية لها في هذا القرن، ولن ينقلنا ـ وفقا لوعده أيضا ـ من وضع التحصيل والنقل إل ةوضع النقد والخلق والابتكار[54]. ينقلنا مشروعه من مركزنا الحضاري (الوحي) إلى مركز حضاري أجنبي دنيوي، ليعمق اغتراب الذات العربية، وانقسامها على ذاتها.

يقصد مشروع حسن حنفي إلى تجريد التراث العربي من دينيته، أو من مداه المطلق الواسع وجوديا، وحصره في التاريخية الإنسانية المنفكة عن أصــولها الأبعد غورا، قال:
“التراث والتجديد ـ يعني مشروعه ـ في النهاية، إن هو إلا تحويل للوحي من علوم حضارية إلى أيديولوجية، أو ببساطة تحويل للوحي إلى أيديولوجية”[55]. هذا التحويل يلغي الوحي الإلهي، أي: يلغي واسعية التراث العربي الديني التي تستوعب التواريخ، ليحصر الحاضر العربي في ذاته التاريخية، بإعادة صياغته وفق أيديولوجية لا ترمي إلى ما هو أبعد من لحظة زمانية تبدعها الفاعلية الإنسانية المنفكة عن أصلها التاريخي، ومن ثم، إغلاق اللحظة الراهنة على ذاتيتها في رؤية واهمة تجتث الحاضر من الماضي، ليتعلق الحاضر في فراغ، ثم ليهوي، تحت أثر ضغوط ثقله، إلى أيديولوجية الطبقة العاملة التي يكتب لها حسن حنفي مشروع التراث والتجديد بغاية أساسية هي تحويل الوحي الإلهي الواسع للتواريخ، أي: للأمم والأطوار ـ إلى أيديولوجية لطليعة الطبقة المتوسطة التي تنتسب نفسيا ونضاليا إلى “الطبقة العاملة”، التي “بإمكانها أن تقوم بعملها النظري في “التراث والتجديد” وأن تناضل بالفعل، وأن تجند الجماهير، وأن تمارس السياسة يوميا من أجل تحقيق أيديولوجيتها” لتواجه بها يمين البرجوازية، الجناح الخائن من الطبقة المتوسطة، الذي لا يقل خيانة عن الجناح العميل المباشر، وهو يمين البرجوازية الخائن ـ وريث الإقطاع القديم، الذي يقود العصر[56]. بعد هذا الذي قاله حسن حنفي، لا شك أنه يصدر عن رؤية ماركسية. والأيديولوجية التي تحل في مشروعه محل الوحي، هي الأيديولوجية الماركسية التي وصفتها موسوعة فلسفية ماركسية أنها “علمية حقا” قبالة أخرى زائفة تغذيها مصالح الطبقات الرجعية؛ وهي ـ الأيديولوجية الماركسية ـ تعكس في النهاية العلاقات الاقتصادية[57]. الوحي يصير لديه علاقات اقتصادية، وصراع طبقي على محورها، فيفرغ من معناه الوجودي المطلق، المعنى الإلهي الذي يفرد الذاتية العربية الإسلامية بالتميز الفارق تاريخيا ووجوديا، وهو تفرد يبعث دورا تاريخيا جديدا للفاعلية الإنسانية الفاتحة، يتشوق له الراهن الإنساني، ويلح حاله المتدهور ـ قيميا ـ على طلبه.

نفى حنفي ماركسية مشروعه، وزعم استقلاله الفكري، وسوغ رؤيته الطبقية بقوله إن “فكر الطبقة وثقافتها أمر واقع بيننا، نلمسه، وسلطة الطبقة في مجتمعنا أمر نعاني منه كل يوم، ومصلحة الطبقة هي الموجه لسلوك السلطة…(وأن) هذه وقائع بديهية من واقعنا المعاصر لا تحتاج إلى نقل حضاري”[58]. النفي المزعوم لا يبطل واقعا. ونفي حنفي لماركســـية مشــــروعه وبطلان نفيه يتبت مجددا ثنائيات الشخصية ـ المصرية العربية ـ المرضية التي سبق ذكرها منسوبة إليه، وينفي ـ كذلك ـ أصالة مشروعه الثقافي النهضوي بما يكشف عنه تردده إزاء الإعلان الصريح عما يعتقد أنه الطريق القويم إلى تسوية ناجعة لمشكلات الراهن العربي. والإعلان الصريح إدانه، ولكن لبس “طاقية التخفي” خطيئة تسوغ إدانة أشد. في مجتمع لا يشغل الصراع الطبقي أول اهتماماته، ولا يمثل حل مشكلته حلا لمشكلته النهضوية، فإن إبراز قضية الطبقية موقف غير مفهوم إلا على ضوء ما تمليه النظرية الماركسية. ويؤيد هذه التفسير، ربط قضية الصراع الطبقي لدى حنفي بالغاية من مشروعه، التي يتحقق عنها “المجتمع الواحد الذي لا طبقات فيه، ولا استغلال ولا احتكار”. وهذه غاية ماركسية وغير ماركسية، إلا أن ربطها، منذ البدء، بالصراع الطبقي يسوغ رأيا يعتقد أنها ماركسية المصدر، وهو ما يسوغ أيضا القول إن مشروعه كشف حيازته لذهنية قبلية حكم بها على اللغة التقليدية ـ التراثية الذهنية ـ بالقصور عن تأدية وظيفتها في التعبير عن مراد مشروعه، أو عن إيصال مراده للآخرين، للفرق الزمني الشائع ـ كما يزعم ـ بين اللغة التقليدية وبين الباحث الحديث والقارىء المعاصر، ولما يسود اللغة التقليدية من “عيوب معيقة”؛ فهي ـ يواصل ـ لغة إلاهية تدور الألفاظ فيها حول الله، ولفظ الله، بزعمه، يحتوي على تناقض داخلي في استعماله، ويعبر عن اقتضاء أو مطلب، لا عن معنى معين؛ هو صرخة وجودية أكثر منه معنى يمكن التعبير عنه بلفظ من اللغة أو بتصور من العقل؛ هو ـ ما زال الكلام له ـ صرخة المضطهدين في معظم الحالات، والله هو العلم في مجتمع يخرج من الخرافة، وهو التقدم في مجتمع يخرج من التخلف؛ فإذا كان الله أعز ما لدينا وأغلى ما لدينا، فهو ـ لدى حنفي ـ الأرض والتحرر والتنمية والعدل؛ وإذا كان الله هو ما يقيم أودنا وأساس وجودنا، ويحفظنا، فهو ـ لديه ـ الخبز والرزق والقوت والإرادة والحرية؛ وإذا كان الله هو ما نلجأ إليه حين الضرر، وما نستعيذ به من الشر، فهو ـ عنده ـ القوة والعتاد والعدة والاستعداد. لأن لغة التراث الدينية، أوسع، بمفاهيمها، من مفاهيم الصراع الطبقي، أضحت في ميزان حنفي قديمة وتسودها ألفاظ تشير إلى موضوعات دينية خالصة مثل : دين، رسول، معجزة، نبوة؛ فصارت عاجزة عن إيصال مضمونها للعصر الحاضر، عصر مجتمع يقيمه “المؤمنون، الذين هم، بعبارات حنفي الواضحة: “الحزب الطليعي، أو بمعنى معاصر الحزب البروليتاري الذي يقوم بتحقيق الأيديولوجية في التاريخ”[59]. وسبق أن أيديولوجيته تلغي الوحي السماوي للدين، هذه اللفظة التي صيرها حسن حنفي لفظا “منعرجا”، لا يوصل إلا معنى واحـدا، هو المعنى الغالب، أي: إنه ـ يقول ـ لا يوصل إلا لأحد الجوانب في صورته المتطرفة، هو الجانب الإلهي أو الخارق للعادة، أو الأخرويات، أو ما وراء الطبيعة؛ “ولمّا كان لفظ دين قاصرا عن أداء المعنى، فإن لفظ أيديولوجية أقدر منه على التعبير عن الدين المعنيّ وهو الإسلام، وإيصال معناه”؛ إن ” لفظ التحرر هو اللفظ الجديد الذي يعبر عن مضمون الإسلام أكثر من اللفظ القديم [الدين]… ولفظ السلام أيضا يعبر أكثر عن مضمون الإسلام من اللفظ ذاته، لأن الإسلام هو الذي يحقق السلام الداخلي للإنسان بعد تحرره من كل قيود القهر والاستعباد”. وللتحرر مستويات متعددة، استثنى منها حنفي المستوى الديني الإلهي، لتحوله عن معناه، بتحويل الوحي إلى أيديولوجية أناط مهمة تحقيقها التاريخي للحزب البروليتاري، ولا يستثني “تحرر” حنفي[60] المعنى الطبقي الذي يصدر في مشروعه الفكري النهضوي عنه[61].

التحرر والسلام مضامين دينية لا تتجرد من علاقاتها بالمعاني الدينية الإلهية الأخروية، وتكتسب منها، برابطة حميمة وعضوية قيمة أعلى من تلك القيمة التي تكتسبها من علاقاتها بالطبقية التي تدور الماركسية على محورها. بالوحي، تتسع أو تتعمق مساحات التحرر والسلام على قدر سعة أو عمق المعنى الوجودي للإنسان، وبالصراع الطبقي تضيق مساحات التنفس أمام الحركة الإنسانية الفاعلة على قدر المساحة التي ينحسر إليها هذا الصراع المحدود في زمانيته، وبظروفه الوقتية. المفهوم الواعي العميق للوحي، يستوعب مفاهيم القيم الإنسانية ولا تقتضي هذه القيم إلغاء الوحي؛ الوحي مفهوم طليق (متحرر) من مفاهيم الإنسانية المنغلقة في الأزمنة والأمكنة، وطلاقته تعني مدافعة جمود المفاهيم الإنسانية عند الحدود المغلقة للأزمنة والأمكنة؛ طلاقة الوحي هي حيازة مستمرة لإمكانات كثيرة تتيح للحركة الإنسانية مجالا واسعا للتقدم، لا يتحدد بالواقع الدنيوي، مع أنه ينطلق منه وبه، لكن، ليتجاوزه إلى واقع أعلى (أوسع)، متصل به، ومتطور عنه. ألغى مشروع حسن حنفي ـ أو لم يكتشف ـ واسعية المفاهيم الدينية، ففصلها عن الواقع، وحبسها، مثلما حبس الواقع في دوائر مغلقة سلبتهما معا إمكانات التفتح، كل على الآخر، وإمكانات تفتح الإنسانية على تجددات تندفع للأمام دوما. فصل حنفي العقيدة عن تحققاتها، وزعم أن “ليس للعقائد صدق داخلي في ذاته، بل صدقها هو مدى أثرها في الحياة العملية وتغييرها للواقع”[62]، ففسخ العلاقة بين المعنى ـ العقيدة في ذاتها ـ وبين التطبيق، أو بين العقلي والواقعي؛ فالعقيدة ذات صدق داخلي إذا حازت على صدقها العملي؛ فالصدق معنى وواقع في واحدية تتحقق على المستويين النظري والعملي في وقت واحد. أما فصل المستويين، فهو نتيجة تتأدى إليها الرغبة في تجريد الوقائع من بعدها المطلق (المتحرر)، ما من شأنه التعامل مع الوقائع بتفسيرات لا تتجاوز حدودها الظرفية إلى أبعاد متحررة من ضيق اللحظات والهنات. ألحّ حسن حنفي على تجريد المفاهيم الدينية من قيمها الواقعية ـ الدنيوية ـ وعلى فصلها عن فاعليتها التاريخية وعزلها في دوائر مغلقة، فوصف لفظ الآخرة بالسلبية “لأنه لا يعبر عن شيء محسوس يمكن التحقق منه في الحياة العملية”[63]؛ وزعم أن “كل أسماء الله الحسنى تعني آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها؛ ونفى الحقيقة الذاتية لله، ونسب صفات العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة للإنسان “الكامل”، لا لله المجرد بزعمه من الحقيقة الوجودية؛ ولذلك، ينبغي، في رأيه، الانتقال من الله إلى الإنسان الكامل[64]، وتغيير الألفاظ الدينية التراثية القديمة مثل “الجن والملائكة والشياطين بل الخلق والبعث والقيامة (فهذه) كلها ألفاظ تجاوز الحس والمشاهدة ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع”[65]؛ وكان أحرى به أن يقول إنها لا تحصر الحياة الإنسانية، عقلا وواقعا، في مفهوم وجودي مادي، لا يسع إلا المحسوس، وينفي إمكانات التفتح على “غيب” لم تلجه الفاعلية الإنسانية بعد، ولا دليل على أنها لن تلجه؛ وثمة دليل، أو أكثر، على أن ما لا ندركه بالحواس أو نعيه بالعقل، لم يرسم، منذ بدأت رحلة الإنسان، حدودا نهائية للمعرفة أو الواقع.

الدين ينقل الإنسانية إلى مفهوم ربوبي إلهي، أو يوسع فاعلية الإنسان بالمفهوم الربوبي الإلهي، بتحويل فاعلي للدين، أو للوحي، لا بإلغائه، وبتحويله إلى أيديولوجية لا تنعزل عنه في دائرة دنيوية ضيقة؛ أي لا تحشر واسعيته في ضيقها، ولكن، تؤصل فاعليتها بواسعيته. مشروع حنفي لا يعكس هذه الرؤية، لصدوره عن رؤية دنيوية لا تستجيب لواقعية الذاتية العربية الممتدة دينيا في أعماق التراث، ومن ثم، لا تلبي المطلب النهضوي العربي المعاصر، لنقصان أو عدم كفايتها لـه. ولا يعدو مشــروعه مهمة شــطر الذات العربية المعاصرة، شـطرا جديدا، إلى “دنيا” وحالـة اغتراب عن الذات التاريخية، وإلى ديـن وأخرى، لا يقدر فكر ما على إلغاء حلولها في الواقع العربي المعاصــر؛ إلا أن من الممكن إغلاق بعض مســاحات الذات عليهما، فيكرس ذلك ـ ويفعل هذا مشروع حنفي ـ انشطار الذات العربية القديم، بين الديني والدنيوي، وبين الذاتي والأجنبي، لانتماء أصول مشروع حنفي الفكري إلى بيئة أجنبية أعطت مفاهيم متساوقة معها، لا متساوقة مع البيئة الثقافية العربية.

بان التوجه الماركسي لفكر حسن حنفي قبل إصداره كتاب “التراث والتجديد”. وللطبيعة الأجنبية للماركسية، اقترن توجهه بمحاكاة ومتابعة غير، كشفه مقالان له عرض في الأول منهما فكر داعية ماركسي أوربي، وعرض في الآخر دعوة فكر وعمل للاهوتي ماركسي من أمريكا اللاتينية، وكشف عرضاه عن تشابه دعوته في “التراث والتجديد”، ودعوة صاحبيه، ففند ما زعمه بعد أن مشروعه لا يدل على أثر خارجي من بيئة ثقافية أجنبية.

وصف حسن حنفي في مقال “الأيديولوجية والدين”[66] ماكسيم رودنسون مؤلف كتاب “الإسلام والرأسمالية” بأنه ماركسي التزم ـ في كتابه المذكور ـ بتطبيق روح الماركسية التي “ترتكز أساسا على الالتزام بالواقع وتفسيره بفروض لا تتعدى حدوده”[67]، وقال: “ساعده اعتناقه للماركسية على التحرر من تصور الدين القديم، وفهم الدين كأيديولوجية “بطبيعته”[68]. نقل حنفي عن رودنسون تصنيف الأيديولوجيات إلى ثلاث: وطنية ودينية وإنسانية أو شاملة، واستدرك عليه: “ولكن ينقص هذه الأيديولوجيات الثلاث الأساس الاقتصادي” وبنى على هذا الأساس قبول الاعتراف بالصراع الطبقي، فـ “هو مقياس صدق أيديولوجية عن أخرى”، وأكد الحكم على الأيديولوجية الشاملة بأنها أقرب الثلاث إلى الإقرار بهذا الصراع الطبقي؛ أما الوطنية أو الدينية فتتحول في كثير من الأحيان ـ لدى حنفي ـ إلى رجعية أو فاشية على أيدي الوصوليين وأصحاب الامتيازات باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة أخرى؛ “والأيديولوجية الاشتراكية وحدها، التي تقوم على الصراع بين الطبقات، هي القادرة على الالتزام بقيمها”[69]. تبنى رودنسون التفسير اليساري للدين[70]، ووافق ذلك هوى حنفي فدعا إلى “يسار إسلامي”[71]، زج به في مفهوم طبقي فردد صوت رودنسون: إذا أريد للأيديولوجية الإسلامية أن تقوم بمهمتها، فإن عليها أن “تدخل في الصراع الطبقي، وأن تحرك المسلمين بدافع من هذا الصراع”[72]، وعمّق “التراث والتجديد” هذا الصدى، فهو، يذكر مؤلفه، “تحليل طبقي” للمجتمع، ودفاع عن “الطبقة العاملة”[73]. عرض حنفي دعوة رودنسون إلى “مركسة” الإسلام في كتاب عبّر فيه عن رؤيته لوضعية “الأنا”، مساهمة منه ـ يقول ـ في “حل الأزمة (العربية) المعاصرة، ودرء الأخطار عن الأمة… نقدا للتراث وإصلاحا للذهن”[74]. وهذه عملية شارك فيها رودنسون، بدعوته إلى “مركسة الإسلام”، بحق وهبه له حنفي، مثلما وهبه للاهوتي الماركسي كاميلو توريز.

عرض صاحب “في فكرنا المعاصر” سيرة “القديس الثائر” توريز في فصل طويل ختم به كتابه، وعنونه بـ “الدين والثورة في أمريكا اللاتينية”. ويستدعي هذا الفصلُ الدهشة، فالكتاب ـ في فكرنا المعاصر ـ مفرد لـ “الأنا”، ووفقا لمفهوم “الأنا” المقيد في الكتاب بوظيفة حل الأزمة المعاصرة ودرء الأخطار عن الأمة”؛ ووظيفة نقد “الذات”؛ والأمة والذات والضمير “نا” في “فكرنا المعاصر (عنوان الكتاب)”، توحي كلها بعربية موضوعها؛ بهذا القيد، فـ “الأنا” توحي بعربيتها أيضا، ومطّ هذه “الأنا” لتشمل توريز، كما شملت رودنسون من قبل، أمر يستدعي الدهشة! وكان أحرى بالمؤلف أن يضم فصله عن توريز، وعن رودنسون أيضا، إلى كتابه “في الفكر الغربي المعاصر” حيث تسعهما الدلالة الجغرافية لعنوانه، ويسعهما موضوعه، فهو للحديث عن “الغير”[75]. ولا تلبث الدهشة أن تتبدد، مع تبدد القيد العربي على “الأنا” هذه، ومطِّها على مقاس البلاد النامية[76].فالواضح أن إفراد الفصل الأخير من كتاب عن “الأنا” العربية، لإبراز سيرة لاهوتي ماركسي غير عربي، هو خطوة، عن قصد واعي، لتجريد الذات العربية من هويتها الدينية، بعد تجريد “أناها” من عروبتها الحميمة العلاقة بالدين. جاء فصل توريز ليمثل جسرا إلى كتاب “التراث والتجديد”، بقضيته التي عدّها مؤلفه جزءا من العمل الأيديولوجي للبلاد النامية[77]. ومطّ “الأنا” بعروبتها حميمية العلاقة العضوية بالدين، إلى “أنا” الدول النامية، غير المجتمعة على تاريخ أو دين أو ثقافة أو مكان، يستجيب لمقصد حنفي الذي هو قلع “الأنا العربية” من تراثها الفارق، وزرعها في نظرية أجنبية يحملها لاهوتي ماركسي من أمريكا اللاتينية يقحمه حنفي في فاعلية ثقافية تنقد الذات العربية، وتضم “تحليلات الواقع العربية وحالتنا ـ [لاحظ: حالتنا، والنسبة لا شك أنها تعود، في الظاهر، للعربي] ـ الراهنة”[78]. ومع ذلك، يجيز هذا النص لحنفي ضم أجانب إلى كتاب عن “الأنا” العربية، بحكم الواقع العربي المشروخ المهلهل والمائع، الذي يبيح للغير اقتحامه، بدعوة منا أو بغير دعوة، خاصة وأن الواقع العربي وحالتنا الراهنة هو ـ لا أقول هما، لوحدتهما ـ موضوع الكتاب المنتهَك؛ انتهكه فصل لم يسبق نشره، كما هو شأن فصول الكتاب الأخرى التي سبق نشرها، دون استثناء، في صحف مصرية وعربية، أو سبق إعدادها لغرض النشر الصحفي، إلا الفصل المفرد لـ “الدين والثورة في أمريكا اللاتينية”، الأمر الذي يؤيد دعوى القصدية للتمهيد لمقدم مشروع حسن حنفي: “التراث والتجديد”، الماركسي النية والتوجه، وهو توجه دعمه مقال “الأيديولوجية والدين” عن رودنسون الماركسي الأوربي، هذا الذي يؤكد ضمّه إلى كتاب عن “الأنا”، أن دلالة “الأنا” عند حنفي لا تشير إلى ما هو عربي، ولا تنتمي إلى العالم النامي الذي ينتمي إليه توريز، ولكنها تنتمي إلى رؤية ماركسية، قصدَ حنفي إلى صياغة الواقع العربي الراهن بها، ودعا إليها عبر دعاة أجانب، منسجما بذلك مع الطبيعة الأجنبية للدعوة الماركسية بردها إلى طبيعة الذاتية العربية.

رهن توريز ـ الراهب وعالم الاجتماع ـ التغيير في المجتمعات النامية بتغيير البناء الطبقي للمجتمع[79]. وسعى إلى تفسير الدين المسيحي تفسيرا ثوريا، يعيد بناء عقائده ونظمه ومؤسساته؛ وتوسل، بإعطاء النصوص الدينية مضمونا ثوريا. نشر دعوته الثورية في مجتمع غلب الطابع التقليدي عليه، ودعا إلى ملكوت إلهي “لا يتحقق إلا على الأرض، ولا يتحقق إلا بالثورة”، هذا، وإلا فالدين أمل ورجاء عند المعدمين، و”أفيون شعوب”.. ومن ثم ـ  يضيف توريز أو حنفي ـ فلا خلاف بين الماركسية والمسيحية (؟!)، فكلاهما ثورة، بصرف النظر عن الأساس الفكري لكل منهما(؟!).. “الماركسية والمسيحية شيء واحد”(؟!).. إن تحقيق ثورة يقوم بها المسيحيون، ببرنامج توريز، هي ثورة مواطنين، لا باعتبارهم متدينين بدين خاص[80].

ألغى توريز الفارق الجوهري بين الماركسية والمسيحية، ممهدا لإلغاء الثانية، بخطوة أولى تقيدها بالوطنية، بعد أن قيد “ملكوت الله” بالأرضية، ليصل إلى غاية أبعد:يثور المسيحي باعتباره مواطنا، ولكن قد تنقصه الأساليب التكنيكية للثورة؛ إزاء هذه الفجوة، يستدعي توريز الماركسيين، “فهم تكنيكيون في الاقتصاد والسياسة…”، وليهم نظرية في العمل الثوري، والثورة قدرهم لاتاريخي، والماركسية عقيدة شعبية يمكنها تجنيد الجماهير؛ قال[81]. وجاوز توكيل الماركسيين بالثورة إلى تقييد المسيحي بها، وبصبغتها الماركسية: “ليس أمام المسيحي خيار.. لا يمكنه أن يعارض الثورة.. (إن) الثورة أمر معقد.. والواقع قد يندّ في بعض الأحيان عن أحكام الخير والشر [الدينية]، بل إن المادية الجدلية [الماركسية] قد تكون هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري”[82].

لا توهن “قد” في نص حنفي الأخير من صرامة موقف توريز المتبني دعوة التغيير الاجتماعي بالنظرية الماركسية. صحيح إن “قد” مع الفعل المضارع تفيد التوقع أو التقليل أو التكثير”[83]، بما يعني: من “المتوقع” أن تكون المادية الجدلية هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري؛ أو: “قليلا” ما تكون المادية الجدلية هي الأساس..؛ أو: “كثيرا” ما تكون… لكن “قد” هنا تعمل تحت قيد شرط السياق المستوحى من التوجه العام لدعوة توريز، وتحت قيد عمل “قد” في نص أسبق: “ولكن قد ينقصهم ـ يعني المسيحيين الذين يقومون بالثورة باعتبارهم مواطنين ـ الأساليب التكنيكية لتحقيق ذلك ـ أي: الثورة ـ ..”؛ “قد” في النص الأخير لا عمل لها على الحقيقة، وهو تعطيل لها ينسحب على شقيقتها؛ والمراد منها في كل حالة تزويد صاحب النص، بأداة تنقله إلى غايته، بأسلوب الخطوة خطوة؛ وفيما يخص توريز، فالموقف من المسيحية واضح، وإقحامها في “وحدة” مع الماركسية سلب لفاعلية المسيحية للتغاير الجوهري بينهما، ولاتجاه توريز الواضح نحو ترجيح كفة الماركسية، ولو كانتا قد تساوتا لديه، فما الداعي إلى التحول عما هو غائر الجذور في مجتمعه إلى نظرية أجنبية لا يقبلها مجتمع راسخ في عثيدته الدينية؟ “قد” لها وظيفة الساتر، عند حسن حنفي الذي ننقل نصوصه، وعند توريز الذي نتأمل موقفه عبر صياغة حنفي له، وهي صياغة واعية هادفة: فإذا كان من “المتوقع” أن يندّ الواقع عن أحكام الخير والشر؛ فإن من “المتوقع” أن تكون المادية الجدلية هي الأساس النظري الوحيد من أجل تحقيق العمل الثوري. وأن يندّ الواقع عن أحكام الخير والشر أمر “متوقع”، أو هو أمر واقع، دليل وقوعه أن راهبا يدعو إلى الثورة عليه، بنظرية لا تتعامل مع الواقع برؤية الخير والشر بميزان المسيحية، التي ندّ عنها الواقع، فاقتضى الحال التعامل مع الواقع برؤية تكنيكيين زعم توريز أن “تحليلاتهم للواقع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد النامية مطابقة للواقع ولمتطلبات الجماهير، لذلك كانت الماركسية [عنده] “عقيدة شعبية يمكنها تجنيد الجماهير”[84]. والجزء الأخير من النص الأخير يعادل قول: المسيحية (ليست) عقيدة شعبية (ولا) يمكنها تجنيد الجماهير؛ وإلا ما الذي يدفع “راهبا” لإزاحة عقيدته الدينيه (الراسخة)[؟؟] في أعماقه الفردية والجمعية، واستدعاء الماركسية؟! لم يعد ثمة معنمى للأوجه المختلفة للـ “قد” طالما أن القصد نحو التحول للماركسية واضح ولا تستره السواتر.

لم يكن الحديث عن توريز، غير تمهيد لمشروع صاحب “التراث والتجديد” الذي رفض فيه ـ حنفي ـ التوحيد الديني الإسلامي القديم الحاضر بفاعلية التراث، فدفعه إلى ما وراء حدود الماضي، ليدعو إلى توحيد جديد هو توحيد “لاهوت الأرض، ولاهوت الثورة، ولاهوت التحرر، ولاهوت التنمية، ولاهوت التقدم، كما هو الحال في عديد من الثقافات المعاصرة في البلاد النامية”[85]. هل ثمة شك، بعد، في أن فصلا عن توريز، أحد ذوي الثقافات المعاصرة في البلاد النامية، بطريقة تستجيب لمقاصد حنفي، هل ثمة شك في أن ضمّ فصل عن توريز، غير العربي، في كتاب في الفكر العربي المعاصر، هو إلا إجراء توسل به حنفي إلى تمهيد الأرض العربية الإسلامية لشقها بزراعة الماركسية فيها؟!

ضيّق حسن حنفي الواسع، وعلى سنة توريز، حشرالواسع في الضيق. ورفض العود إلى منبع التراث الذاتي: القرآن الكريم، وزعم أن العود إليه “طريق مسدود محفوف بالمخاطر والصعوبات”، واقترح، بدلا عن ذلك، العود إلى الطبيعة[86]، وقال إن الوحي ذاته كان “عودا إلى الطبيعة”[87]. لم ينكر قيام الوحي كما هو بين أيدينا، لكنه عاب تفسيره على نحو إلهي، أكثر من تفسيره على نحو إنساني[88]؛ أي: عاب توسيع (تعميق) النص، ومن ثم، توسيع (تعميق) الوجود الإنساني، ورجح أهمية تضييقه ـ بالإنساني ـ ليحقق غاية مشروعه الدنيوي الماركسي[89].

لن يستجيب الواقع العربي الراهن، بكثرته، لمشروع فكري لا يستوعب حاضره وتراثه برؤية توحد أبعاضه الوجودية تصدر عن أصل ذاتي لا يتخلف عن تجديد إبداعاته التاريخية، في مناخه، لا في مناخات أجنبية لها أصولها المغايرة. الأصل العربي الذاتي أوسع (أعمق) من المدى الذي يحصر رؤية حسن حنفي التي قصدت إلى خنق إمكاناته النهضوية الفاعلة بنقله من أرضه إلى أراضي الغربة؛ ولا يؤصل هذا النقل مشروع النهوض العربي المعاصر المطلوب.

محمد عابد الجابري

استدعاء لحظة بلا آفاق!

حدد محمد عابد الجابري المشكلة النهضوية العربية الراهنة بالازدواجية التي تطبع كل مراتفق الحياة المادية والفكرية العربية؛ وأخطر ما في هذه المشكلة، في رأيه، ازدواجية موقفنا من هذه الازدواجية: فنحن نقبلها على صعيد الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي، ونبني مخططاتنا التنموية على أساس “تنمية” هذا الواقع المزدوج.. ننفق على القطاعات “العصرية” من أجل تدعيمها وتوسيعها تحت لافتة “التحديث”، كما ننفق على القطاعات “التقليدية” من أجل الإبقاء عليها وإحياء المندثر منها، باسم “الأصالة” والحفاظ على “التقاليد”؛ ونرفض، في الوقت نفسه، هذه الازدواجية على صعيد الحياة الروحية والفكرية: فبينما يدعو فريق إلى تبني قيم الفكر الغربي المعاصر، التي تشكل جزءا لا يتجزأ من نموذج الحضارة الغربية؛ يدعو فريق ثان إلى التمسك بقيمنا التراثية وحدها؛ ثم ينهض فريق ثالث فيلتمس وجها أو وجوها للتوفيق بين الأول والثاني، في محاولة للتخفيف من وقع هذه الازدواجية على الوعي ليس إلا[90].

ركز الجابري مشروعه الفكري النهضوي في “الشرعية التاريخية” ونشد “العودة إلى الأصول” مع الحذر من الانزلاق إلى اغتراب عن العصر الراهن، بالتقوقع في الماضي الذي تنتمي إليه الأصول، وما دعوة “العودة إلى الأصول” التي تبناها إلا “سلاحا” يتقوى به مشروعه، بحيازة عوامل القوة التراثية، أي: باستدعاء عناصر التراث النافعة بمقياس الحاضر ومقياس التراث[91]. وهو لا يشذ ـ على تقديره ـ عما عرف من نهضات، معرفة مفصلة، التي عبّرت، أيديولوجيا، عن بدء انطلاقتها بالدعوة إلى الانتظام في تراث، وبالضبط، للعودة إلى “الأصول”، لا باعتبار “الأصول” أساس نهضة مضت، ويجب بعثها على ما كانت عليه، “بل من أجل الارتكاز عليها في نقد الحاضر، ونقد الماضي القريب، الملتصق به، المنتج له، المسئول عنه، والقفز إلى المستقبل”. لم يتنكر سؤاله النهضوي للماضي كله، ولم يستدعه كله. احتمى بـ”الأصيل”  ووظفه لصالح النهضة، عبر عملية الانطلاق في نقد الحاضر والماضي القريب[92].

النهضة في فكر الجابري مشروع يحتوي الماضي، لا ككل وتفاصيل، بل كـ “أصل”. وساق شهادتين تاريخيتين تدلي بهما تجربتا النهضة العربية الإسلامية القديمة، والنهضة الأوربية الحديثة. انطلقت الدعوة الإسلامية والنهضة العربية الأولى في تراث التوحيد الذي يرجع إلى الأصل الإبراهيمي النقي: دين إبراهيم الأب، جدّ العرب[93]. وجاوزت بهذا الرجوع الموروث العربي، وشيدت تراثا جديدا انطلق، منذ انتصار فتح مكة الحاسم، بالدعوة التوحيدية ـ الحنيفية، ملة إبراهيم ـ إلى “أبعد مداها”. وارتكزت النهضة الأوربية الحديثة على “أصولها”، وانطلقت منها، و”عاد مركز السلطة الفكرية ـ في أوربا ـ إلى تجربة الفرد وعقله”[94]. ما هو الأصل الذي ينبغي على مشروع النهوض العربي المعاصر العودة إليه؟ قبل أن يعطي جوابا عن هذا السؤال، طرح الجابري سؤالا جديدا: لماذا لم تنجح النهضة العربية الحديثة، نهضة القرن الماضي والقرن الحاضر في تحقيق التجاوز النهضوي للماضي؟ أي: لماذا ظل التراث عندنا منذ بداية القرن الماضي إلى اليوم، يوضع بطريقة أو بأخرى، مقابل “تحديات العصر”؟ أو: لماذا بقيت إشكالية الأصالة والمعاصرة تمثل وإلى اليوم، أي: على مدى قرن ونصف، الإشكالية المحورية في الفكر العربي؟ ولماذا لم تعان النهضة العربية الأولى، ولا النهضة الأوربية الحديثة مما نعبر عنه اليوم بـ”إشكالية الأصالة والمعاصرة”، أو بما نسميه التراث وتحديات العصر؟[95]

لاحظ الجابري تباين ظروف النهوض العربي الأول، والأوربي الحديث، عن ظروف نهضة عربية جديدة، فبينما غاب “الآخر المنافس المضايق” في حالة النهوضين الأولين، يحضر “الآخر” في الظرف النهضوي العربي الجديد. غاب “الآخر” في تجربة النهوض العربي الأول بسقوط دولتا الروم والفرس من قبل؛ وغاب “الآخر” في تجربة النهضة الأوربية الحديثة بعدما سقطت النهضة العربية الإسلامية الأولى. غاب “الآخر” وتهديده في حالة التجربتين العربية القديمة والأوربية الحديثة، فأفسح غيابه أمام رجوعهما إلى الأصول، الذي اتخذ شكل الرجوع إلى الماضي لتجاوزه هو والحاضر إلى المستقبل. أما الحالة العربية الجديدة، فـ “الآخر” يهدد ويتحدى وجودها، فيدفعها للاحتماء بالماضي؛ تنتكس إلى الوراء. كان الرجوع إلى الماضي في التجربتين العربية الأولى والأوربية الحديثة آلية نهضة، في التجربة العربية الجديدة، آلية النهضة آلية دفاع أيضا في مواجهة خطر “الآخر”؛ لم يعد الماضي ـ في المشروع النهضوي العربي الجديد ـ ركيزة القفز إلى المستقبل حسب، لكنه غدا، بالدرجة الأولى، مطلوبا لـ”تدعيم الحاضر، ولتأكيد الوجود واثبات الذات”، فقامت ـ هذه الوظيفة المزدوجة لآلية النهضة ـ عائقا نهضويا، نجم منه “مشاكل حضارية وفكرية، وعلى رأسها إشكالية الأصالة والمعاصرة”[96]. حرك “الآخر” عوامل الواقع العربي الحديث الداخلية، بما حمل من عدوانية وغزو استعماري واحتكار وهيمنة.. وبما حمل، أيضا، من قيم الحداثة المادية والمعنوية، كالتقنية والعلم والديمقراطية والحرية.. كان “العدو والنموذج”؛ ازدواجية “الآخر” هذه، أنشأت موقفا نهضويا عربيا مزدوجا قبالة الماضي والمستقبل، فتوترت وقلقت والتبست علاقة الماضي والمستقبل، والتراث والفكر المعاصر، الأنا والآخر.. فلم تقم على الاتصال ولا على الاننفصال، قامت على “التنافر والتدافع”[97].

نتائج العودة للماضي الثنائي لا تبطل صلاحية مبدأ العودة للأصول، فلا نهوض دون هذه العودة، فهي مطلب نهضوي ضروري يقيده شرط حيازته إمكانات الاستجابة للعوامل الظرفية بكيف يتفادى إنتاج مشكلات جديدة، أو مفاقمة مشكلات قديمة. تبنى الجابري دعوة توحيد التراث والفكر المعاصر “على صعيد وعينا”، بإعادة بنية الوعي بالماضي والحاضر والعلاقة بينهما، لتكييف الأصول والمعاصر، في عملية تتطلب “التخطيط في آن واحد لثقافة الماضي وثقافة المستقبلل”، يعني: إعادة كتابة تاريخ ثقافة الماضي، ومن ثم، إعادة تأسيسها في وعينا، وإعادة بنائها كتراث لنا “نحتويه بدل أن يحتوينا”؛ والتخطيط يوفر شروط مواكبة ثقافتنا المستقبلية للفكر المعاصر، وللمشاركة في إغنائه وتوجيهه، بما يحقق المعاصرة التي تُجاوز بنا الماضي إلى المستقبل، بعد علاج مشكلة الأصالة والمعاصرة، الذي يجري مع التحرر من “ماضينا”، ومن التبعية للآخر. والتحرر من التبعية للآخر، أو من الانبهار به، والاستلاب لثقافته ـ الآخر المعني هو الغرب، ويشترط الجابري ـ لا يتم إلا “عبر ـ ومع ـ التحرر من هيمنة التراث”؛ فالتحرر من هيمنة التراث ومن هيمنة الآخر وجهان لعملية واحدة، يجمعهما موقف نقدي واحد منهما على السواء، مع أولوية التحرر من هيمنة التراث، يعيد ـ الموقف النقدي ـ إعادة كتابة تاريخنا الثقافي في كتابة عقلانية مسوغة تاريخيا لـ”تكون هي التربة الصالحة الغنية الخصبة، التي تستطيع حمل مبادىء العلم المعاصر وأسسه”، ليحترز الفعل العربي النهضوي المرجو، بنقل مبادىء وأسس العلم المعاصر، عن نقل نتائجه وثمراته؛ فلا نستورد لنستهلك؛ نستورد “لنغرس ونستنبت”.ونجاح الغرس والإنبات يتوقف على إعداد التربة الصالحة، “والتربة الصالحة لا تستورد”[98].

رفض الجابري هيمنة التراث، وسعى إلى الانطلاق من داخله، وبوسائله وأمكاناته، فـ”لا تجديد ولا تحديث يبدأ من الصفر، بل لا بد فيهما من الانتظام بعمل سابق، (أي:) في تراث”[99]. ومشروعه الثقافي ممتد ـ يقول ـ من مشروع “إعادة التأسيس”، الذي بدأه ابن حزم (384-456هـ) في الأندلس الذي أبرز تناقضات ومحاولات ما انتهى إليه التدوين في المشرق العربي من مذاهب وآراء ونتائج، والذي ضادها بإلحاح وحدَّة وإصرار وثقة، واضعا إصبعه على مظاهر الأزمة ومكانتها؛ ما رآه الجابري مشروعا فكريا فلسفي الأبعاد طمح إلى “إعادة تأسيس البيان، وإعادة ترتيب العلاقات بينه وبين البرهان، مع إقصاء العرفان[100] إقصاء تاما”[101]. تقوم المعرفة البيانية على الإنفصال؛ “فالشيء يكون بيِّنا، ظاهرا مفهوما، إذا تميز عن غيره، لا بل إذا انفصل عن محيطه وأصبح يقدم نفسه كيانا قائما بذاته”[102]. ومع قيامها على الانفصال، تحصر الرؤية البيانية النشاط العقلي “في المقاربة بين الأشياء بعضها مع بعض، لا يتعداها” إلى الاقتران الضروري[103]. اعتمد ابن حزم العقل في الشريعة؛ “وإنما في العقل الفهم عن الله تعالى لأوامره”. وعنده: إذا كان قد نُصّ على الدين كله وجميع أحكامه، فما الحاجة إلى القياس البياني؛ “قياس الفقهاء والنحاة واستدلال المتكلمين” الذي تؤسس الرؤية البيانية منهجه، وتؤطره داخلها، الرؤية المؤسسة ـ بدورها ـ على نظرية الجوهر الفرد التي ينحل فيها كل شيء في العالم إلى أجزاء لا تتجزأ، تقوم العلاقة بينها على التجاور والانفصال؟[104]. رفض ابن حزم الرؤية البيانية للعالم، وتبنى طبيعيات أرسطو ومفاهيمها ونظرياتها البرهانية، ليؤسس البيان على البرهان؛ أراد أن يؤسس البيان عقيدة وشريعة على البرهان”[105]. رأى الجابري في مذهب ابن حزم “نزعة عقلية تتمسك بالنص، وبالنص وحده، فيما ورد فيه نص، وهو قليل ومحصور كما يقول ابن حزم نفسه؛ أما الباقي، وهو غير محصور، فمتروك للعقل”[106].

واصل الفيلسوف ابن رشد مشروع إعادة تأسيس البيان، فاستعاد المحور الرئيسي في مشروع ابن حزم، وفي ميدان العقيدة خاصة، “بالتمسك بظاهر النص أيضا، والتعامل معه تعاملا “برهانيا” كذلك”[107]. بلغ ابن رشد، يقدِّر الجابري، مستوى فكريا فلسفيا ناضجا متمكنا من نفسه، واعيا بنضجه، فطبع بصماته على التأثير الحزمي فيمن جاء بعده؛ الشاطبي ومعاصره ابن خلدون المرتبطين بالحزمية الرشدية، وابن تيمية، الذي عاش قبلهما، الذي وافق آراء ابن رشد الرئيسية في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة”” ومنها اعتقاد ابن رشد “أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات”، أي: إن الله خارج العالم؛ كرر ابن تيمية هذه المقولة الرشدية في تعليقاته على “الكشف..”، ويمكن القول إن “كل ما قرره ابن تيمية في مختلف كتبه من أن العقل والنقل لا يتعارضان، إنما نجد مرجعيته المباشرة عند ابن رشد”[108]، قرر الجابري.

لا يزال مشروع إعادة تأسيس البيان، وفق عرض الجابري له[109]، يعكس الرؤية المعرفية البيانية المؤسسة على علاقات التجاور والانفصال: الله والعالم، العقل والنقل، النص واللانص، العقيدة والفقه، الظاهر والباطن.. وإزاء هذه الثنائيات، يحصر مشروع إعادة تأسيس البيان الذي ينطلق منه مشروع الجابري، يحصر الفعل العقلي في دائرة التسليم بالنقل (النص الديني) من جهة، وفي دائرة اللانص من جهة أخرى، وهما دائرتان منفصلتان لا يوحدهما العقل، في حالته الانفصالية، لفقدانه خاصة جوهرية فيه، خاصة الاجتهاد المفتوح؛ فالعقل، في مشروع إعادة تأسيس البيان، يقبل النقل باعتباره “كيانا قائما بذاته” مصدره الله، والمصدرية الإلهية، لدى الظاهرية التي يمثلها ابن حزم، تسدُّ أبواب الاجتهاد، إلا الباب الذي نتلقى منه الأمر بالقبول بالنص على ما هو عليه. والمساحة التي منحها مشروع إعادة تأسيس البيان لحرية حركة الاجتهاد العقلي تنتهي دون المساحة النصيّة، ذات الحرمة، الممنوع اقتحامها من داخلها، لـ”حصانتها النقلية”، فلا يجتهد العقل اجتهادا مفتوحا إلا خارج أرض النص، ولا يتحرر الفعل العقلي من حصاره في دائرتي النص واللانص؛ إن كل حد يحدّ به الفعل العقلي، هو حدّ تُحدّ به دوائر الثنائية المنغلقة على ذاتها، المنفصلة فيما بينها، انفصال الرؤية البيانية. كان إقصاء العرفان “إقصاء تاما” من مشروع إعادة تأسيس البيان، انسجاما مع ظاهرية ابن حزم، إشارة مبكرة إلى قصور هذا المشروع عن تحقيق إنجاز عقلي كامل يحرر الفكر العربي من ثنائية البيان والبرهان التي انتهى إليها ـ حتى الآن ـ مشروع ابن حزم / الجابري. الرؤية العرفانية لم تبرأ من داء الثنائية لتمييزها بين ظاهر النص وباطنه، ولكن نزوعها لاختراق منهجية العقلية العربية الجاهلية، عقلية مفردات اللغة المنفصلة بانفصال الأشياء كما كانت تبدو للعربي (الإعرابي)، هذا النزوع العرفاني نحو اكتشاف أبعاد أشد عمقا مما يشير إليه ظاهر النص، يمثل أساسا، تستطيع رؤية معرفية عقلية برهانية الانطلاق منه، لتوسيع “الظاهر” باختراق حدوده، لا بفصله عن “الباطن”، بل بتوسيع “الظاهر” باجتهادات مفتوحة، اجتهادات عقلية برهانية، يخضع لها الواقع كله، غير المجزء بين ثنائيات الثقافة العربية التقليدية.

ثم جاء الشاطبي بعد ابن رشد، بنحو قرنين، فكان ، في رأي الجابري “على مستوى واحد من النضج العقلاني، وعلى درجة واحدة في مجال التجديد والإبداع العقليين مع ابن رشد وابن خلدون”[110]. قرر الشاطبي في “مقاصد الشريعة” أن الله وضع الشريعة الإسلامية بالصورة التي يمكن بها للناس فهمها، فقد نزلت بلسان العرب، “وقصد الشارع من وضعها بلسانهم إفهامهم على معهودهم منه، وما هم عليه من الأمية”؛ ولأن العرب أميون، فإن الشريعة أمية كذلك، يقول الشاطبي الذي أراد ـ يقول الجابري ـ أن يخرج من توكيده على أمية العرب وأمية الشريعة أنه “لا بد من التقيد في فهم الشريعة وتفسير القرآن بمستوى هذه الأمية من جهة، والتزام معهودهم في أساليب التعبير من جهة أخرى”[111]. وبدا للشاطبي أن تحكيم العقل في الأحكام الشرعية، خروج على الأمية وعلى المعهود من أساليب العرب في التعبير [التفكير]؛ قال: قَصْدُ الشارع من وضع الشريعة ابتداء هو حفظ مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهي ثلاثة: ضروريات وحاجيات وتحسينات. “كيف ثبت أن هذه الأمور الثلاثة هي مقاصد الشريعة وكلياتها؟ هل بالدليل العقلي أم بالدليل النقلي؟ الجواب (للشاطبي) هو أن العقل لا موقع له هنا لأن ذلك راجع إلى تحكيم العقول في الأحكام الشرعية، وهو غير صحيح، (الكلام ما زال للشاطبي)، فلا بد أن يكون نقليا”. بعدما رفض الشاطبي توسيع فاعلية العقل لتستوعب الشرع (النقل)، حصر هذه الفاعلية في نشاط يستقرىء الشريعة، لتلمس روحها وتحليل عناصرها، “بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه… على حد ما ثبت عند العامة جود حاتم وشجاعة علي”[112]؛
ثبت جود حاتم وشجاعة علي “عند العامة” بالنقل لا بالعقل، أو بالنقل الذي يعاونه عقل العامة لا العقل المتحرر من السماع، والأكبر منه! وصف الجابري منشِىء “مقاصد الشريعة”، الشاطبي،  بأنه يحتل موقعه في أوج مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. لكن هذا الأوج ذروة من ذرا تعميق ثنائية المعقول والمنقول المتفشية في تاريخ الثقافة العربية، جسمها الشاطبي بتقرير “أمية الشريعة” ونفي إمكان فهمها بمنهجية لا تلتزم تقريره المبني على تقرير أمية أهل الشريعة، المؤسسة، وفقا لرؤية مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان، على رؤية بيانية لا برهانية؛ فوقع، لا في “أوج تراث مشروع نهضوي عربي معاصر، يحلم به الجابري، بل في أوج موقف متردد بين الرؤية البيانية والرؤية البرهانية: وقف، هو والمشروع المنتمي إليه على ذمة الجابري، مغلولا عند الخط الدائري الذي يفصل النقل عن العقل، فصلا موهوما، وعند هذا الخط الموهوم، مارس التردد العربي العريق بين العقل وتغييب العقل. مشروع الشاطبي هو مشروع العقل الذي يغيِّب العقل!

تكررت ثنائية العقل والنقل مرة أخرى لدى ابن خلدون، الذي عمل على تحقيق مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. قال الجابري: وضعنا ابن خلدون في “نهاية المطاف أما صنفين من الحقائق[113]: حقائق يؤكدها العقل، وأخرى يقررها الدين”؛ فجدد مشكلة التوفيق بين الدين والفلسفة التي شغلت الفكر الفلسفي في المجتمع الإسلامي منذ بدايته، التي تعادل مشكلة التوفيق بين النقل والعقل؛ التي انتهت، وانتهى إليه معها مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. ما موقف ابن خلدون من هذه المشكلة على وجه الخصوص، الذي ينبسط ليشمل أمّ مشاكل الثقافة العربية على وجه العموم؟ يقول الجابري: استمد ابن خلدون موقفه إزاءها من طبيعة رأيه في المعرفة البشرية وميدانها وحدودها. فما دام العقل مشروطا بالتجربة وميدانه محدود بنطاقها، فإن أية مسألة يقررها في ميدان ما وراء الحس، هي مجرد تخمين. ولذلك “فإذا هدانا الشارع [النص لابن خلدون] إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا، ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما، ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه….. أما شؤون الدنيا وأمور المعاش ومسائل الاجتماع والحكم فهي متروكة للعقل”[114].يعفينا النص الذي نسبه الجابري لابن خلدون عن معاودة التوكيد على وضعية العقل المنعزل في دائرة مغلقة دون مطلق المعرفة البشرية، القائمة قبالة دائرة الوحي، المحكومتان بعلاقة جوار، فيظل كل منهما في حدوده لا يتعداها، فإذا لم يزالا كذلك، انتفى ـ يحكي الجابري ـ التعارض بينهما، فـ “هما لا يتعارضان إلا حين يتعدى أحدهما نطاقه، ويدخل في نطاق اختصاص الآخر”[115]، قال الجابري. هذا التقسيم يعمق شطر الذات المؤمنة إلى ديني ودنيوي، أو إلى ثنائية الخالق والخلق في عقيدة المتكلمين الأشاعرة التي لم يخرج تصور ابن خلدون الديني الأساسي عنها؛ وهو ما لم يخرج ـ أيضا ـ عن الرؤية المعرفية البيانية القائمة على الفصل، التي أنتجت لدى الأشاعرة، أيضا، عقيدة تنكر الضرورة السببية، وتابعهم ابن خلدون على هذا المذهب، فالسببية لدى الأشاعرة، ولدى ابن خلدون، ليست مبدأ عقليا ضروريا وقبليا: “إن الاقتران والارتباط بين الأسباب والمسببات ليس ضروريا، وكل ما هنالك هو أن الله أجرى العادة على أن تحدث حوادث معينة عند اقترانها بحوادث أخرى”[116]؛ والضرورة السببية توجب الاتصال [الطبيعي المنطلق: الانفتاح الحر]، والاتصال لا يجب على الاقتران الجاري بحكم العادة.

ينتظم مشروع الحابري في مشروع إعادة تاسيس البيان على البرهان التراثي، باعتبار ما في الأخير من جوانب عقلية إيجابية هامة عكسها فكر ابن خلدون، ولم ينل من أهميتها، في نظر الجابري “إيمانه بالنبوة والوحي”؛ ألمح الجابري إلى أن مثل هذا الإيمان يُضعف العقل[117]، أو: الإيمان بالنبوة والوحي ليس من مهمات العقل المفكر، فـ”المهمة الحقيقية للفكر، وبالتالي للفلسفة، هي البحث فيما هو موجود وقابل للمشاهدة”، يقول الجابري[118]. فالنبوة والوحي في معيار عقل لا يسع التجربة الدينية، ويقف دون حدودها، ليسا موضوعيّ فكر موضوعاه هما الموجود والقابل للمشاهدة. وكان يمكن توسيع دلالة “الموجود” ليشمل التجربة الدينية بأفقها الكامل، ولكن تجليات مشروع إعادة تأسيس البيان لا تبيح هذا التوسع، فقد ظلت تتعامل مع الديني بعقل مستسلم مقيد، لا بعقل طليق يحاكم المقولات والوقائع بمنهجية نقدية تقتحم عوالمها كلها، وتوحد فاعلية التكيف الإنساني مع ممكنات الوجود المناهضة للانغلاق في دوائر منفصلة، دوائر ترضخ لمفعوليتها ذاتٌ تتكيف مع الديني بالنقل، ومع الدنيوي بالعقل، لتبقى مشطورة بين الضيِّق والواسع، فلا تملك حرية الحياة في الضيِّق ولا في الواسع.

تبددت لحظة ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون التي شهدها تاريخ الثقافة العربية بين أوائل القرن الخامس وأواخر القرن الثامن للهجرة، و”صارت ـ بعبارة الجابري ـ نسيا منسيا”؛ بيد أن لحظة أخرى، زامنتها، “بقيت مستمرة” واستمر معها فكر الغزالي والرازي والإيجي[119]، الفكر الواقف عند الطرف المقابل للفكر الذي أنتج اللحظة الأولى: لحظة مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان. كان مشروع إعادة تأسيس البيان على البرهان ـ وفقا للجابري ـ اتجاها فكريا تجريديا عقلانيا نقديا، تعلق “بلحظة جديدة تماما في تاريخ الفكر العربي الإبيستيمولوجي الدي قام عليه الحقل المعرفي البياني منذ عصر التدوين”. اقترح المشروع التجديدي أساسا جديدا لتوظيف المفاهيم الإيبيستمولوجية المؤسسة لعلم عصره، مفاهيم البرهان كمنطق وطبيعيات بصورة خاصة، “توظيفا يرتفع بالممارسة النظرية في الحقل البياني إلى مستوى الممارسة العلمية البرهانية”[120]؛ لكنه لم يغادر منطقة التمني، بل غادره التاريخ.. كان، يقول الجابري: “بدون قابلة، بدون مستقبل”[121].

تفشّت في التاريخ الثقافي الإسلامي دعوة الغزالي في كتاب “تهافت الفلاسفة” الذي هجم على الفلاسفة المسلمين وكفّرهم، وانزوت دعوة ابن رشد الذي رد على “تهافت الفلاسفة” في كتابه “تهافت التهافت” ودافع فيه عن الفلسفة، وتقهقرت دعوة المشروع العربي الأندلسي العقلانية ـ في إطارها ـ إلى عتمة الخزانات القديمة، بيد أن العقلانية التي بعثها ابن رشد اينعت في أوروبا وأنتجت حضارتها الحديثة والمعاصرة، ولم يزل العالم العربي رهين محبسيه: محبس النقل المنفصل ومحبس العقل المنعزل؛ ما السبب؟ لم يتهدد مشروع إعادة تأسيس البيان الأندلسي من خطر أجنبي يقاوم ولادته ونموه، لكنه عانى قصورا ذاتيا حرم غرسته من استطالة الجذور والأغصان، لم يزرعه الزارعون في تربته الصالحة له، بل لم يزرعوه في أرض، البيئة العربية أرض يستبيحها الدين ولا تبيح للعقل الأجنبي عنها حق دخولها، ولا تبيح هذا الحق لعقل لا يواكب دينها، ويمتد إلى غايته في كل اتجاه. دحر الغزاليُّ الفلاسفةَ، ودحر الأشاعرةُ المعتزلةَ، ودحر نؤومو المشرق العربي أيقاظ المغرب العربي ولم يثمر مشروع العقل الأندلسي نهضة عربية تجدد النهضة الأولى لما حمله مشروع التجديد من فكر غريب لم ينفتح على أصل النهضة الأم، لطبيعة دنيوية منغلقة قبالة طبيعة الوحي، أصل النهضة العربية الأولى، الأصل الذي يغذو عقلا يستجيب لشروطه ويصون جوهره، ويجمع ـ العقلّ ـ بواحديته، واحديتّه. أما مشروع الأندلس، فقد بعثر الواقع العربي الديني، التجلي التاريخي للوحي، وشرخ الأصل النهضوي العربي، وغلّق على العقل دائرة وعلى النقل دائرة، وطفى على ظهر الماء، ثم غاص في غياهب الذاكرة الجمعية. هل يفلح مشروع الجابري المعاصر ويستنهض مشروع أجدادنا الأندلسيين ابن حزم والشاطبي وابن رشد وابن خلدون؟ أم هو استدعاء لحظة محالة للنسيان، ومشروع يلد بدون قابلة وبدون مستقبل، شأن المشروع الذي يجذّر مشروع الجابري، الذي استوهبه التسويغ التاريخي، حماية الأصول؟

يعتقد الجابري أن لحظة ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون “تنتظر اليوم من يعيد الحياة فيها”[122]. لن يطابق مشروع الجابري المشروعَ الأندلسي على كل وجه، هناك مجال للاختلاف في هذه المسألة أو تلك، هذا لا يهم الجابري؛ المهم لديه هو التوافق في “طريقة التفكير والمفاهيم الموظفة وكيفية توظيفها”، تلك التي قامت على المنطلقات المنهجية والتصورية المستمدة “من الحقل العلمي [العقلي] لذلك العصر، بل ولكل عصر”[123]، قال.  يُعنى مشروع الجاري، على منهج أسلافه الأندلسيين، بالمعقول دون المنقول، أو بالدنيوي المنعزل عن الديني. كانت هذه العناية “الشطرية” هي الخطأ الذي انزلق إليه المشروع الأندلسي، وساق معه تاريخ الأمة إلى مهاوي التبعية ومنغلق المفعولية. فالدنيوي (العربي الإسلامي) لا ينفك عن ارتباطه الحميم بالديني، وكل مسعى للفصل بين الديني والدنيوي في بيئة يهيمن عليها الإسلام، هومسعى، لا نقول إنه مضيعة للوقت والجهد فحسب، إنه تضييع للهوية وتطيير للأحلام واغتيال للمستقبل، ثم لنحصد تخلفا أنكى، وشوكا أحدّ، وتبعية أشد وقعا، وانشطارات تضاعف الانشطارات وتفاقم سلبياتها؛ انشطارات تعدد الوجود الواحد الذي تنزل الوحي على النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه ليعمق مفهومه ويحرره من أوهام الجهالة، ويطلق كل ممكناته ليبدع تجليات السلام في تحققات مفتوحة، كل على ذاته، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وكل على كل. ولكن فصل النقل عن العقل على أرض أصلها “واحد” لا يتجزأ، فصل لا يرتكز إلى أصل، هو أصل الأصول في الثقافة العربية الإسلامية. أما لحظة ابن حزم والشاطبي وابن رشد وابن خلدون، فهي لحظة منفكة عن أصلها التراثي، وهي لحظة لا تحوز أهلية التاصيل لمشروع ثقافي جديد، موضوعه الثقافة العربية الدينية. لماذا اندحرت الرشدية الحزمية إلى عتمة التاريخ العربي الإسلامي، ولماذا استطالت الرشدية الأرسطية في التجربة الأوربية النهضوية الحديثة؟ لسبب حاسم: انغلقت حزمية ابن رشد دون المنبع الأصلي الثقافي الذاتي، المنبع الواحدي (الديني العقلي)، انغلقت في دائرة المعقول، بعد فصله، بالوهم، عن المنقول، عطلت فاعلية الأصل الديني الواحدي بإجراء عقلي لا ينسجم مع عقلية واحدية، لا تصلح بغيرها، رؤية الواقع العربي الإسلامي، فلا يصلح، برؤية عقلية دنيوية تضيق عن الديني، تشخيص داء الأمة العربية الإسلامية، فالداء لم يصب عضوها الدنيوي، الداء متفش في جسمها كله، الديني والدنيوي، على أنه لا يصح أن يمايز في جسمها ما بين ديني ودنيوي؛ في الفاعلية الإسلامية، الديني دنيوي، والدنيوي ديني؛ الفاعلية الإسلامية فاعلية واحدية، لصدورها عن الواحد الكل المطلق، ولتوكيدها على الواحد الكل المطلق. والمشروع الذي لا يلتزم بالواحدية منطلقا وغاية، ومنهجا، سيظل مشروعا غريبا عن التربة الثقافية الإسلامية. كان هذا هو مصير المشروع الأندلسي، وسيظل هو مصير كل مشروع فكري يحاكيه ويتمثله. أما الرشدية الأرسطية، فقد زرعت بذرتها في أرضها العطشى لها؛ استردت أوربا، خلال ابن رشد، ذاتيتها الأصلية، بالانفتاح على تراثها العقلي الأصلي الذي كان أرسطو قد بلوره وكثفه وحفظه إلى حين الطلب. نهض الأوربيون انطلاقا من الصفحة الواسعة التي دوّن فيها ابن رشد شروحه للأرسطية، وطوى العرب المسلمون الصفحة ذاتها، بالغوا في انطوائهم التاريخي وبالغ الأوربيون في انتشارهم الحضاري فطوى انتشارهم كل حضارة أخرى جابهتها حركتهم التوسعية، ومنها الحضارة الإسلامية العربية المتقهقرة، التي لم يفلح المشروع الأندلسي في مسعاه لإيقاف تسارع انحطاطها؛ لماذا؟ لسبب حاسم، هو فصل العقل إلى عقلين: عقل دنيوي نقدي، وعقل نقلي استسلامي؛ ومن ثم، فصل الوجود إلى وجودين: وجود مطلق، ووجود انساني [إسلامي] مفعول للمطلق؛ ثم من بعد، فصل الفاعلية الإنسانية [للمسلم] إلى فاعليتين: فاعلية الأجنبي، وفاعلية المفعولية الذاتية.

ما قرره الجابري من أن كل مشروع نهضوي مقترح لا بد له من أصل تراثي، هوتقرير صادق ومسوغ تاريخيا وعقليا. كانت النهضتان العربية الأولى والأوربية الحديثة شهادتي صدقه التاريخيتين، يعمق صدقهما الواقع الذي يجسد تراثه التاريخي، خاصة الواقع الساكن الذي يستحث سكونه ولادات نهضوية تبدأ مشروعا عقليا يستجيب للمعطيات الظرفية للواقع كله، على أن ينقب في الواقع عن المركز الغائر الذي أعطى تجلياته على مدى التاريخ الثقافي الذاتي، أي أن يحفر ـ المشروع العقلي النهضوي ـ أرض الواقع إلى الطبقة التأسيسية التي انبثق منها تاريخ الأمة كله، بكل تنوعاته وكل تلوناته. هناك، بل هنا وهناك، وفي الخيط الواصل بين الحاضر والماضي البعيد، ما زال نبض قلب “الأم” يفعل سحره الجامع للأبعاض، وما زال يخبىء حبا ثرّا، ومن نبع ثرور: “قل: لو كان البحر مدادا لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي”. أما كلام المشروع الأندلسي، فليس من “كلام ربي” (الذي لا ينفد)؛ كلام لم يعيِّن “الأم”. المشروع الأندلسي عقلاني، والعقلاني بعض من كلام “ربي”، إلا أنه كذلك بالمفهوم الديني الإسلامي لـ”ربي”، ولكنه ليس كذلك بالمفهوم الأرسطي للربوبية، المفهوم الدنيوي الذي يحبس الربوبية في دائرة الدنيا الضيقة[124]؛ فإذا نقل مشروع نهضوي هذه الدائرة الضيقة إلى الدائرة الثقافية العربية الدينية، يكون قد نقل غرسا إلى غير أرضه. كان هذا هو خطأ المشروع الأندلسي الذي لم يصدر عن أصل نهضوي عربي إسلامي. وكل مشروع نهضوي عربي جديد يتوسل المشروع الأندلسي، لا بد وأن ينتهي “غريبا كما بدأ غريبا”. المشروع الأندلسي لم ينبعث من النبع الذاتي التراثي الثرّ، بل هو قد غضّ بصره عن تأوهات “الأم” الراقدة تحت تراكمات العقوق الكثيفة، أَوْلَى عنايته لتطبيب مرض الدنيا، وأعرض عن مرض سوء فهم الدين، فأعرض عن واقع الحال كله، وكان لا بد له أن يعرض عن واقع الحال كله، طالما رهن مشروعه برؤية غريبة عن الواقع ومنافية له. لا يمثل المشروع الأندلسي أصلا تراثيا ولا يسوغ تاريخيا أي مشروع نهضوي ثقافي جديد. النهوض مشروع يسع الواقع كله، ممتدا أفقيا ورأسيا، الواقع الراكد الذي يستنهض مشروعا تحريضيا، واقع من صنع التراث، بجميع تفاعلاته، المغزولة على محوره الوجودي الأساسي، غزلا موبوءا بمفاهيم مغلوطة، كشفت تجددات التاريخ الإنساني، أو لا بد أن تكشف قصورها الذاتي عن مواكبة حركة إنسانية متقدمة في أفق أوسع. المشروع النهضوي غزل جديد على محور [أصل] قديم قابل للتكيف مع المستجد إنسانيا. والأصل الوجودي بسيط لا يتجزأ مع شدة تنوعات تكشفاته. تموضع مشروع نهضوي مع بعض تنوعات الأصل ـ الواحد ـ هو افتراض بإمكان تجزئىء واحد بسيط، وهو وهم. والوهم لا يجاوز دائرة التمني، وتتجاوزه حركة التاريخ.

التراث العربي الإسلامي تراث دين يسع الدنيوي، ولن يستجيب إلا لمشروع نهضوي يستوعبه كله. المشروع الأندلسي، ومشروع الجابري استمرار له، محاولة انزلقت إلى نقطة اختناق هوت إليها جراء خطأ في التقدير. نزع المشروع الأندلسي إلى إخراج الديني من مجال اهتمامه، بدعوى خروجه من مجال العقل، بدعوى أن العقل دنيوي، إزاء واقع تراثي ديني صلب ومغلق، كما يتوهم المتوهمون أصحاب الدعوة إلى ترويج فكر دنيوي أجنبي، التي تحمل معها هلاك الدعاة إليها، أو امتصاصهم وإحالتهم إلى الذاكرة، في وضعية هامدة، ومن ثم، تفشل دعوة العقل الدنيوية، لسبب حاسم، هو أنها كانت دعوة انفصالية، انتحرت على مذبح أصل واحدي، لا يغيب عن أداء تجلياته كلما وجد أن عليه التوكيد على هويته، وهذه حالة تتكرر، مع كل هوية، عندما يتهددها خطر أجنبي. الدعوة إلى عقلنة تراث ديني بمنهجية دنيوية عدوان لا تمتلك الهوية الدينية قدرة ضبط مشاعرها المناهضة تجاهها.

دنا الجابري من النجاة من مصير يؤول إليه مشروعه الثقافي النهضوي، عندما كشف، وبحق عن آلية النهضة العربية الأولى، وأصلها الذي رجعت إليه، والذي نص عليه الوحي، في خطابه للمسلمين: “..ملة أبيكم إبراهيم، هو سمّاكم المسلمين من قبل”؛ لكنه يجفو هذه الرؤية عندما يرهن تحديث العقل العربي وتجديد الفكر الإسلامي بالقدرة على استعادة النزوعات العقلية لابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، “التي لا بد منها ـ يقول ـ إذا أردنا أن نعيد ترتيب علاقتنا بتراثنا، بصورة تمكننا من الانتظام فيهانتظاما يفتح المجال للإبداع”[125]. إعادة ترتيب العلاقة بالتراث لا تتم عبر استخدام تراث أجنبي دنيوي ضيق لتكييف تراث ديني ذاتي واسع، مع مستجدات الفاعلية الإنسانية. وتجربة الرباعي الأندلسي الثقافية دلت على خطأ مثل هذاالاستخدام، دلالة تاريخية، وقبول شهادات التاريخ موقف لا يصح العدول عنه، بعدما التزم به الجابري قبالة اثبات صحة نظريته حول ضرورة انتماء المشروع النهضوي لأصل تراثي. واعتماد الجابري للأندلسيين الأربعة أصلا تراثيا، يشكك في مبدأ تاريخية النهضة التراثية فلا يمثل مشروع الأندلس الثقافي العقلي الدنوي أصلا تراثيا،؛ هو نمو هامشي على طرف ناء من جسم الأمة  (الثقافي) المترامي؛ هو يوحي بأن في إمكان الأمة ممارسة فعل نقدي عقلي لواقعها، وأنها تحوز إمكانات الحلم بتجاوز هذا الواقع الراكد؛ إلا أن أجنبية المشروع، وانفصاليته، حالتا دون تحوله إلى حركة تاريخية منتجة حضاريا.

لا شك أن الجابري يلمس الحاجة القوية إلى عقل عربي نقدي؛ لقد دعا إلى “تدشين عصر تدوين جديد”[126]، تكون نقطة البداية فيه نقد السلاح.. نقد العقل العربي”[127]. ولكنه عندما يستدعي مشروع إعادة البيان على البرهان الأندلسي، فإنه يوحي أن موقفه العقلي غير كلي ومتردد إزاء مواجهة عميقة وشاملة للتراث العربي كله، وهي المهمة المنوطة بمشروع عربي نهضوي عقلي يستدرك أخطاء الفاعلية العربية التاريخية والمعاصرة، ومنها فاعلية العقل القديم والمعاصر. ومن أخطاء الفاعلية العقلية العربية المعاصرة، عدم التزامها برؤيتها النظرية للواقع، خلال طرح اجتهادات إصلاح أحوله. فالجابري وعى مشكلات الحاضر العربي، ولم يستجب لها، نقديا، بما يستوعبها كلها، وإلى العمق الذي يواجه عنده أسباب البيات التاريخي العميقة عمق الأصل الواحدي للفاعلية الوجودية الإنسانية والعربية والإسلامية. ولعل هذا يفسر اعتماده للمشروع الأندلسي كغطاء تاريخي لمشروعه المعاصر، فالأندلسيون الأربعة لم يوسعوا مشروعهم النقدي ليتغور أعماق الوجود العربي الديني، وهادنوا المفاهيم الدينية (الجذرية)، عن قصد أو عن غفلة. على الصعيد النظري، كشف الجابري قصور الخطاب العربي النهضوي طوال المائة سنة الأخيرة عن إعطاء مضمون واضح ومحدد ولو مؤقتا لمشروع النهضة التي يبشر بها: “لقد بقي هذا الخطاب يستقي تحديداته لـ “النهضة العربية” المنشودة، لا من الواقع العربي وحركته وآفاق تغييره، أو اتجاه تطوره، بل من “الإحساس بالفارق”، إحساس الوعي العربي بالمسافة الواسعة والهوة العميقة بين واقع السقوط أو الانحطاط في الحياة العربية المعاصرة، وواقع التقدم واضطراده في عالم “آخر”… ولم يستطع نفس الخطاب، وطوال المائة سنة الماضية، التقدم خطوة واحدة على طريق صياغة “مشروع نهضة ثقافية” سواء على مستوى حلم مطابق أو على صعيد التخطيط العلمي، بل قد ظل ينوس بين طرفي معادلة مستحيلة الحل “معادلة الأصالة والماصرة” التي تطمح إلى تحقيق التوافق والتكامل بين سلطتين مرجعيتين مختلفتين تماما، متنافستين ومتصارعتين بحكم انتمائهما إلى زمنين ثقافيين مختلفين، ونمطين حضاريين متباينين: سلطة النموذج العربي الإسلامي الوسيطي، وسلطة النموذج الأوروبي المعاصر”[128]. أكد الجابري، وعيه الواضح، مرة أخرى، بقوله: “فشل العقل العربي [المعاصر] في بناء خطاب متسق حول أية قضية من القضايا التي ظلت تطرح نفسها عليه طوال المائة سنة الماضية، فلم يستطع تشييد أيديولوجية نهضوية يركن إليها على صعيد “الحلم”، ولا بناء نظرية ثورية يسترشد بها على صعيد الممارسة والتغيير”[129].

اقتبسنا نصا طويلا ـ وواضحا ـ يشهد للجابري بحيازة وعي سليم بحالة عجز الفكر العربي المعاصر عن إنجاز مشروع يحقق الحلم النهضوي العربي، واقتبسناه، بطوله، لنبرز المفارقة بين الوعي الصحيح بالمشكلة، والوعي الصحيح بالحل على الصعيد التطبيقي؛ فالجابري ـ باعتباره مثالا فكريا عربيا ـ لم يطور وعيه النظري تجاه موقف عملي يعلن فيه ثورة جذرية تحفر الماضي العربي الثقافي كله، وتؤسس لانقلاب “إصلاحي”، على مفاهيم اغتصبتها السلطات الاجتماعية طوال التاريخ العربي الإسلامي، واضطرتها لخدمة مصالحها الدنيوية الضيقة، على حساب مصالح الأمة العريضة، مناهضة بذلك، الأصل الواحدي لنشوء الأمة، الذي حقق واحديته تاريخيا، برسالة جامعة وباعثة لحضارة واحدية جامعة، تتجلى، في كلِ “واحدٍ”، على حدة، وفي “الواحد الكل” على الاجتماع على العدل وعلى البذل. اغتصاب حق الجماعة، والفرد، في التاريخ الإسلامي، معطى لانحراف فكري ديني، حماه، وسوغه، فاعلية عقلية، لم تترجم وعيها بالمشكلة، إلى حلول جذرية ـ عقلية ـ تقتلع معوقات النهوض من دوائر التبعية والمفعولية والتخلف… استدعى الجابري مشروعا عقليا مارس فاعليته خارج دائرة المنقول، ليسوغ لمشروعه الخاص البقاء خارج هذه الدائرة، رغم ما يلوح منه، من رغبة في اقتحامها؛ لكنه يتردد، وكان إقصاء العرفان من البعد التاريخي لمشروعه الثقافي، صورة لتردده وإحجامه عن خوض منازلة الانغلاق الذي طبع الثقافة العربية؛ فالعرفان حركة تخترق كل سقف يغلق آفاق التفتح العقلي والنفسي.. ولكن، يتوجب عليها الانضباط بالعقل.

وكان يمكن لمشروع الأندلس الثقافي أن ينجز حلمه لو فتح رؤى البيان والبرهان والعرفان على الأصل الحضاري الواحد للأمة العربية المسلمة، تحت شروط تكاملية بين الفاعليات الثلاث، وشروط توافقية [انفتاحية لا تلفيقية]، فلا يترك إحداها تفسد الأخرى، بأن تلتزم جميعها بمبدأ واحدي يعطي لكل فرد حق التعبير عن ذاته الذي لا ينفي حق الآخر في التعبير عن ذاته أيضا.. هذا المبدأ يضمن عدم شطط العرفان، وعدم انفصالية البيان، وإلغاء اعبتار أجنبية البرهان؛ هذا الاعتبار لا يلغيه إلا بتعضونه مع الفاعلية الثقافية الإسلامية التي تحقق أصل التراثي الواحد من جهة إنسانيته؛ والإنسانية حالة واسعة لا تنغلق على ما هو مسلم (بالاعتقاد)، أو من هو غير. لن يتعضون العقلي الأجنبي مع الثقافي الإسلامي طالما ظل الأول يضمر نوايا عدوانية تستهدف هوية الإسلامي، سواء بإلغائها وجوديا، أو بتعطيلها، بدحرها، كليا، أو جزئيا، إلى عتمات الدوائر المنغلقة، دوائر المفعولية والتخلف، والانشطارات القديمة والمستحدثة.

فاتحة النهضة الواحدية

من “المخلوق” إلى “الخلق”

القهر حالة عامة للواقع العربي المعاصر، تمارسه الذات ـ الفردية والجمعية ـ فاعلة ومفعولة؛ أو مفعولة على الإطلاق. فالقهر الفاعل مفعول النشأة والمعنى، فهو إعادة إنتاج حالة من المفعولية الرازحة تحت ضغوط قاهرة، يمارسها “قاهر مقهور” آخر. والقهر الحاالّ في اللحظة العربية الراهنة، موروث تحدّر إليها، لا من تاريخها الخاص، ولكنه تفشّى في تاريخها لعوامل تكوينية فارقة، باعتبار التاريخ العربي أحد صور تحققات الوجود الإنساني؛ فالقهر أعم من التاريخ والواقع العربيين، ولكن ضخامة عموميته في تحققه العربي، التاريخي والمعاصر، جعلت منه أهم مشكلة، وأخطرها، التي يتعين على المشروع النهضوي العربي المرجو، مواجهتها، وتجاوزها. غرز القهرُ الخرابَ في جميع بطون نقاط تلاقي ممارسات الذات الجوانية والبرانية: خربت علاقات الذات بذاتها؛ الذات الفردة مع ذاتها، ومع ذات فردة أخرى، ومع الذات الجمعية، الراهنة والتراثية؛ وخربت علاقات الذات، الفردية والجمعية، مع الغير؛ صاغ القهرُ الحياةَ العربية وأنتج ذاتا مسلوبة إزاء تحديات الخاص والعام والذاتي والأجنبي والماضي والحاضر والمستقبل؛ الواقع والحلم. شطر القهرُ، وما زال يشطر، الوجودَ العربي.

انشطار الذات العربية، الفردية والجمعية، هو البلاء الغشوم الذي لا بد وأن يستنهض العقل العربي المعاصر لإبداع مشروع لا يقف عند حافة الوعي بالمشكلة الأم للواقع العربي الراهن، وإنما ليقتحم حواف الرؤى إلى المحض [القلب] الذاتي العربي؛ فهناك، أو هنا، بؤرة التقاء الداء والدواء، وانطلاقا من بؤرة الغور الوجودي العربي العميق الواسع، بؤرة تَعَضْوُن الواقع مع حلم ينمو من الواقع ويتنامى به الواقع، من هذه البؤرة الدفّاقة الخالقة، لكن، المحجوبة بالكفر أو بالضلال، منها، من صفاء بلّورتها، تلد شمس نهضة عربية جديدة، إنسانية؛ ولن يلد رحم الأم العربية نهضة جديدة لا تسع الإنسانية كلها، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

النهضة العربية المرجوة فعل الحرية الواعية الموحد للأبعاض في علاء. هي فعل يتغور الواقع ولا يجهله أو يتجاهله، ولا يلغي هُوِيَّة الذات ولا يحجر على الهوية الذاتية حقها المشروع في الانفتاح الفاعل على الزمان، زمانها وكل زمان. هي فعل يبدع من إبداعات الإنسانية مشروعه، لا يلملمه، بل يخلقه على سنة الخلق المطلقة [الحرة] التي أبدعته، بإنسانه، خلقا لا مخلوقا؛ أي: فعلاً لا مفعوًلا. الفعل هو الحضور التاريخي للفاعل الذي لا يستوي على الجادة إلا بحضور جمعي له، وهو نقيض المفعولية التي لا تستوي على جاة نهوض، ولا تحضر التاريخ إلا في دوائره المنغلقه المنفصلة للذات المشطورة المسلوبة. يتكون الفعل الناهض من انفلاق البؤرة المحض للذات، ليسري في أبعاضها المفككة، فتستعيد واحديتها الفاعلة؛ واحدية القلب (المحض). والانفلاق النهضوي، وانتظام الفردية في جماعية خالقة، واحدية، مشروع عصري يبسط ذاته الواحدية لتلتقي في مناخها المترع بحب السلام وعشق الجمال أمم الدنيا والآخرة جمعاء. المشروع النهضوي العربي المرجو فعل جماعي يرد اعتبار الفردية للذات، ويوسع أفق الفردية، بقيم الحق والخير والجمال، لتنتشي الإنسانية، وما هو أكبر، في محرابها العريق المتطاول فوق حدود الجغرافيا والعرق واللون واللغة والشهوة وكل الظلمات الوجودية. النهوض فعل واحدي تزرع الجماعة راياته في معين وجودها العريق، وتتقدم بها، لتفلق حصار الأجنبي الغازي، المتنمر بالوهن الذاتي.. تتقدم فاتحة آفاق الحرية إلى أقصى مداها.

المشروع النهضوي العربي فعل حضاري مركب، لا يجتر ماضيا، ولا يحاكي راهنا؛ فعل يبدع ذاته، من أصل ذاته “الأصيل”، الأصل الذي أبدع نماذجه في التاريخ الماضي، القادر على أن يبددع نماذج جديدة في الحاضر والمستقبل. فالمشروع النهضوي العربي المعاصر لا يكرر الحضارة العربية الإسلامية الماضية، في الوقت الذي يوكد هُوِّتَها، على قدر أهمية التواصل الواحدي معها؛ ولا يعني التواصل بين زمان وزمان، هيمنة زمان على زمان؛ فالهيمنة قهر وسلب وحصر، لكن الانفتاح غير الهيمنة، والانفتاح ضد للانفصال: الانفتاح تواصل الأزمنة والأمكنة، تفعله ذات منمازة الهُوِّيَة ومنمازة الرسالة الحضارية من مراكز القوة البريئة من شائبة الظلم والقهر والتضخم الأنوي المذموم بمعيار الأخلاق والمرفوض بمعيار الأحرار. مشروع نهوض عربي جديد، يعني مشروعا لا يبتلعه الماضي التراثي الذاتي ولا يبهره حاضر أجنبي عدواني، ولكنه يبدع تحققــه من الخــالد المطــلق من ظرفيـة الزمانيـة والمكانية، المتكيف ـ أعني: الخالد المطلق ـ مع ظرفية الحضور التاريخي الذاتي. الخالد المطلق واحد منبسط في الزمان الوجودي المار من بؤرة الذات، الواسع لكل ظرف في كل مكان وكل زمان. وإذا لم ينتظم المشروع النهضوي العربي المرجو في الخلود المطلق الواحد، فلا حاجة للعرب وللإنسانية إليه. كانت الحضارة العربية الإسلامية حضارة رسالة فاتحة لظروف الزمان والمكان، وكل تجدد لهذه الحضارة هو تجدد للرسالة الفاتحة التي وسّعت الإنساني بالربوبي الإلهي، أو وسّعت الآن العابر بالزمان العابر للآنات على الإطلاق.

النهوض فعل يستنبت ذاته من أصله، واستجلاب رؤى أجنبية لزرعها في أرضه عدوان على حقه في إبداع تجلياته المتحررة من مصالح الغير الضيقة؛ فالرؤى الأجنبية عن هوية الذات العربية الإسلامية أداء إنساني ضيق يخدم لحظة ضيقة عدوانية بطبيعتها المستجلبة منها، طبيعة النار المبهرة الحارقة. أما الانفتاح على الرؤى الأجنبية بقرار إرادة مستقلة مجاهدة، فهومطلب نهضوي، تخلُّفه عن التحقق تخلُّف للمشروع النهضوي عن الصيرورة من التمني إلى الفعل. صحيح أن النهوض نمو من الداخل، ولكن، تتزاحم على ضفافه معطيات كثيرة، تنازعه وتردفه، ما ينازعه قد يردفه، وإزاء ما هو كائن، وإزاء ما تقتضيه الحاجة، يمثل الغير أفقا للمشروع النهضوي، يأخذ عنه ويعطيه، لا قاهرا ولا مقهورا، بل على قاعدة العدالة الوجودية التي تهب الحق للكل، وتستقضي الواجب على الكل، طالما أن الكل، كل فرد، أو كل كون، وجود له من الوجود ما يرفعه إلى المستوى المكافىء لانفتاحه وواسعيته. كل فرد أو كون هو واحدي الوجود، بمعنى أنه وجود واحد شاهد (على قدر واسعيته)على الوجود الكلي الواحدي، الوجود الفردي واحد يدل على ويمثل الوجود الكلي الواحد. ومن شاهدية ودلالة على وممثلية الوجود الفردي، يحوز هذا الوجود حقه النابع من حقية المطلق في وجوده الكلي الواحدي، ومن لا يملك أن يسلب الوجود كله حقية وجوده الفاعل، لا يملك أن يحجب وجودا فرديا عن حقية وجوده الفاعل الفردي. فكل وجود فردي فاعل (بفاعلية المطلق / الحر) هو وجود حق، وما دام ثمة أكثر من وجود فردي فاعل، فالعالم ملك للجميع، يبدعه الجميع، ويحصده الجميع… “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا”.. فما أبدعته الإنسانية، من خير، هو للناس أجمعين، وما أبدعته حضارة أخرى، من نافع للناس، مشاع لكل مشروع نهضوي يتغيا الخير والنافع؛ لكنه لن يكون شيء نافعا أو خيرا لمشروع نهضوي ما لم يكن النفع أو الخير نفعا وخيرا تحت شروط ذاتية الفعل النهضوي. ليس على المشروع النهضوي العربي المرجو أن يقبل تراثه كله، ولا المنتج الأجنبي كله؛ فقبول التراث كله تكرار لما طواه الزمن، يأباه تجدد الأزمان؛ وقبول المنتج الأجنبي كله طغيان يسلب الذات انميازها، تأباه طبيعة النهوض المنماز ورساليته الحصينتان على الطغي والانسلاب.

يتنازع الحاضر العربي اثنان: تراث ذاتي قديم، ومعطى حضاري غيري جديد. المشروع النهضوي العربي المطلوب يشارك التراث القديم ذاتيته، ويشارك ـ في الآن ذاته ـ المعطى الأجنبي الحضاري جدته. المشكلة التي تتحدى المشروع النهضوي العربي المرجو هي: كيف يبدع تحققه بين سماوات وأرض تتنازع فيهما، وفيما بينهما، ومن داخله ومن حوله، وبسبب عدم التعمق المفاهيمي، الثريا والثرى؟ كيف نبدع ذاتا معاصرة موصولة بالقديم، ونحن مشطورون بين الجديد الغيري والقديم التراثي؟ ولا مناص من القديم، ولا مناص من الجديد؟! شدّنا هذه هي حلبة التحدي الحضاري الذي لا خيار للأمة غير مواجهته أو مواجهة مصير لا ترضاه وتأباه الحيوية الوجودية التي ابتعثت الأمة العربية برسالة فاتحة “تخرج الناس من الظلمات إلى النور”، الحيوية التي لم يأكلها الزمان، وإن كان قد طواها، القادرة، ما زالت، على الانتشار مرة أخرى بإبداع متميز عن الماضي الذاتي وعن الحاضر الأجنبي. إن فعلا مقداما عميقا، يبدأ من فكر جذري غير هيّاب، هو، لا سواه، الناشر للحيوية المبدعة من طيِّها، وهو الباعث للفرد من رقاده، الدافع به للخروج من دائرة المفعولية الضيقة، إلى دائرة الفاعلية الواسعة، رافضا القهر قاهرا أو مقهورا، ليضع حدا للانشطارات، ويُنهي ثنائيات الواقع العربي بين الذاتي والأجنبي، والحاضر والماضي، والزماني التاريخي والخالد الأبدي، والأنوي والأخروي، كيف؟ بالعدول الجريء الحاسم عن مفهوم “المخلوق”، المتفشي في العقل العربي زالوجدان العربي، إلى مفهوم “الخلق”.

العدول عن مفهوم “المخلوق” إلى مفهوم “الخلق” يؤسس لرؤية تصوغ علاقات جديدة بين ثنائيات الفكر الديني وثنائيات الواقع العربي الراهن، والثنائيات الدينية مع ثنائيات الواقع. لم يوجه الوحي الممتنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم خطابه إلى الإنسان “المخلوق”؛ توجه إليه وكلفه برسالته على تقدير أنه “خلق”: خلْق الله لا مخلوقه، خلق لله لا مخلوق له؛ أي: فعل الفاعل المطلق (الله)، لا مفعوله. ولو عدل الوحي عن “الخلق” إلى “المخلوق”، لكان قد انزلق إلى التخالف بين اللفظ ومراد الله. فالله تعالي أراد الإنسان خليفة له، يؤدي فعلا، ويتحقق بعبادة [بفاعلية]، عن إيمان واع فاعل، يسهم به في فعل وجودي أكبر يحرك السكون ويسبح لله رب العالمين؛ فالتسبيح تحريك، والربوبية جمع وإنماء في أحضان الواسعية المطلقة. دلالة “الخلق” القرآنية تفتح الفعل الإنساني على السريان الوجودي الربوبي المطلق، باعتبار الفعل تحقق الفاعل أو بعض الفاعل. فالفعلية خروج للفاعلية من صفتها إلى موصوفها، أي من مفهومها إلى واقعيتها، والفاعل ليس فاعلا إلا بالفعلية، الخالق خالق بالخلق، بين الخالق والخلق علاقة واصلة لا فاصلة، علاقة الصورة والشيء المصوَّر، أو علاقة الكل والبعض.أما مفهوم “المخلوق”، فيرسم علاقة فاعل بمفعول، فلو قامت علاقة الله رب العالمين بالإنسان علاقة فاعل بمفعول، فما معنى التكليف والثواب والعقاب، طالما الإنسان محكوم بإلاهية قاهرة هي “الفاعلة على الحقيقة”[130] كما يعتقد كثير من مفكري المسلمين القدامى والمعاصرين، فيما الإنسان مجبر على الاختيار، أو لا اختيار له على الحقيقة؟! لو كان الإنسان مفعولا لاقتضى أن يوجد (بكيانية مفردة في ذاتها) قبل وجود الفعل الفاعل فيه، فالمفعولية ما يوقعه الفاعل على المفعول به؛ أي هي علاقة بين اثنين، فاعل ومفعول به أو فيه أو غير ذلك من صيغ المفعولية التي لا تنفي أية منها المفهوم الثنائي للوجود؛ مفهوم الخالق والمخلوق، المفهوم الذي يتلاشى بالمفهوم الواحدي للفاعل (الخالق) وفعله (خلقه).

ومع تلاشي المفهوم الثنائي للوجود، مفهوم الخالق والمخلوق، يتهاوى معمار الفكر الثنائي المعاصر والتراثي كله. أول ما يتهاوى منه ثنائي الحاكم والمحكوم، المرتبط بعلاقة حميمة مع ثنائية القهر: قاهر ومقهور؛ وتتهاوى ثنائية الديني والدنيوي، والدنيوي والأخروي؛ والأنا والغير؛ والمعاصر والقديم؛ والزماني والسرمدي.. وغير ذلك من ثنائيات استمدت مشروعيتها، أو نشأت، من ثنائية الفاعل والمفعول، ثم تنوعت وفق الهوى، وفي غيبة عقل مستنير صادق أمين. لا تنفي العلاقة الواحدية بين الخالق (الفاعل) والخلق (الفعل) تنوعات الوجود، ولكنها تصحح مفهومها بنظْمها في العلاقة المعطاة من الواقع الوجودي، لا المعطاة للوهم الفكري أو المستجيبة للقوة القاهرة من جانب، وللقوة المقهورة من جانب آخر؛ فالثنائية التي وظفها القاهر للدفاع عن مصالحه الضيقة، يتعزى بها المقهور ويتوسلها الرضا عن قدر لا رادّ له!

يؤسس مفهوم “الخلق” رؤية جديدة ـ واحدية ـ تفتح أفق حركة الفردي على أفق حركة فردي آخر، وتفتح أفق كل حركة فردية على أفق الفاعل المطلق، من جهة أن الأفق الحركي الفردي فعل للأفق الفاعل الواحد، الذي يحقق واحديته في واحد فرد، وفي واحد فرد ثان… وثالث ورابع… يجتمع كل منهم مع الغير في الربوبية (الجامعة) ليبدعوا، وفي واسعية الربوبية (الإنمائية) فعلا جديدا، نهضويا، لا يكرر الماضي، فالتكرار موات، والله حياة سرمدية. والفعل المستولد من حياة سرمدية فعل حيّ، أي غير مكرور. وبالمقابل، فإن حيوية الفعل مدد يغذو استمرارية الحياة السرمدية، (في القرآن: يسبح كل ما في السموات الأرض لله؛ التسبيح: تحريك)، التي لا تنفك عن استيلاد الأفعال من ذاتها المطلقة من آنات الوقوف، هذه، المحدودة للكيانات الفردية، الواهبة لها مشروعية الاستقلال الذاتي، لكن، لا الانفصال عن الكل، واهب الحياة بإعطائها في هيئة فعل، وواهبها، باستيعاب طاقة الفعل، أو بتوسيعه إلى ما بعد حدوده الفردية.

بالرؤية الواحدية، تغدو الثنائيات تنوعات على أصل واحد يجمعها في كيان موحد، لا تتنافر أبعاضه، فتلتقي عوامله المبدعة للفعل الجماعي، للفعل النهضوي، للفعل السلامي المبني على الحب والعدل؛ تلتقي لقاء أغصان دوحة تنتشر في المدى الواسع تتلقى معا هبة الحياة، بفعلها الحي المبتدىء من أصل (بذرة) واحد تنوع فأعطى ذاته، عطاء كثرا، يدين كل فرد فيه للأصل بجرثومة وجوده، ويدين في الوقت ذاته لعوامل كثيرة، انفتح بعضها على بعض، في نسقه، وتحت شروط أصله، وتكيفا مع علاقات جديدة، ومن ثم، حالة جديدة، استولدت ذاتها المتنامية، فأبدعت فعلا آخر.

العدول عن مفهوم “الخالق والمخلوق” إلى مفهوم “الخالق / الخلق” يصحح الخطأ العريق، والجسيم، الذي انزلق إليه الفكر الديني، وسوغ للثقافة العربية، وحتى عصرنا الحاضر، الارتكاز إلى، وتكريس، المفهوم الثنائي الشاطر للواقع العربي.. تلغي الرؤية الواحدية انغلاقية الثنائيات: تصير ثنائية الحاكم والمحكوم تنوعا وظيفيا تقتضيه مصلحة الجماعة كلها؛ وتصير ثنائية القاهر والمقهور ذكرى تنزوي إلى قاع التاريخ، مع زوال استبدادية الحاكم بمقدرات الأمة، تصير ثنائية القاهر والمقهور تنوعات على مقياس النهوض تُمَيِّـز المقدام عن الخاذل المنهزم؛ وتصير ثنائية الديني والدنيوي، تنوعات ترسم تداخلات الدوائر الوجودية، دائرة ضيقة لها من الإمكانات ما يوسعها من غير حدّ؛ وتصير دائرة الدنيوي والأخروي تنوعات يشير بعضها إلى عالم الشهادة، أو عالم التجريب، ويشير بعضها إلى عالم لم تستوعبه الشهادة بعد، عالم مفتوح أمام الفاعلية الإنسانية المقدامة، المغامرة بجمالية الحرية في آفاق لمّا يحيط بها التجريب؛ وتصير ثنائية الأنا والغير تنوعات للوجود الإنساني تفسح أمام حركة إبداعه مجالات الحب المتسامي الحر، وتصير دلالة على فاعلية الوجود الحية السرمدية؛ وتصير دلالة المعاصر والقديم تنوعات يدونها التاريخ، يدون بها حقيقة التقدم الإنسانية؛ وتصير ثنائية الزماني والسرمدي تنوعات المطلق الذي لا ينكشف كله لبعضه، ولا يحتجب كله عن بعضه…

مشروع الواحدية النهضوي يقوم من الأصل الوجودي الواحدي العريق الحاضر في كل زمان، بتحققات متنوعة، تتباين في الضيق والسعة. تستدعي الواحدية أوسع تحققات الأصل الوجودي للنهضة الإنسانية عامة، الذي هو الأصل الوجودي للأمة العربية الإسلامية المنبعثة بالوحي القرآني القابل للتجدد مع تغاير الأزمان، القابل ما يقبله أصله، وأصله أصل الكل، والكل حر من قيود الأزمنة والأمكنة، فلا يقبل إلا ما كان حرا من قيود الظرفية.. المشروع النهضوي الواحدي يقبل من عطاء الإنسانية كل ما تحرر من قيود الزمان والمكان، قيود الإنغلاق، وأطلق عوامل الإبداع الإنساني لتخلق عالما من السلام المزدان بالحب والعدل والجمال… عالما لا قاهر فيه ولا مقهورا؛ فلا قهر مع الحرية الواعية الواحدية؛ الواحدية رؤية تطلق الإنسانية بدءا من أصل الإنسان الفرد، والإنسان الظاهرة.

الفعلية انفتاح الفاعلية على ذاتها، بتحققاتها لذاتها، بحكم طبيعتها. الفاعلية لا تنفك عن الفعلية، الفاعلية فاعلية بالفعلية، الفعلية تبدع الفاعلية بقدر يساوي خلق الفاعل للفعل. يقول القرآن الكريم: “هو ـ الله ـ بديع السماوات والأرض”؛ البديع في لغة العرب هو: المبتدَع (بفتحة على الدال) والمبتدِع (بكسرة على الدال). الوجه الأول “فعلي إنساني”، والوجه الآخر “فاعلي”، وهما وجهان لا يقسمان الذات العليّة، الفعلية والفاعلية لا تقسمان الواحد إلى اثنين؛ الله، جل جلاله، بنص صريح حاسم “واحد أحد”، وفعليته من موجبات أحديته، فلو لم يكن ذا فعلية، لما كان فاعلا، وبموجب واحديته المطلقة، فإن كل فعلية وجودية هي فعليته هو، كل فعلية هي تحقق فاعليته هو، فإذا لم يكن ثمة غيره، لم يكن فاعل آخر، ولم تكن فعلية إلا هي فعلية فاعليته هو الواحد، ذو الخلق الكثر. تقول العرب: المبتدَع (بفتح الدال) هو ما اختُرع لا على مثال، ومبتدِع (بكسر الدال) السموات والأرض: موجدها، بفاعلية فعلية، أي: خالقها لا على مثال سابق. البديع في لغة العرب فعل وفاعل: فعل يبدع فاعله، وفاعل يخلق فعله.

الفعل إبداع، الفعلية هي أداة النهضة المبدعة، ولا تكون النهضة إلا مبدعة، ولا حاجة إلى نهضة عربية جديدة غير مبدعة، ولا إمكان لقيامها غير إبداعيتها العقلية التي تعدل عن مفهوم “المخلوق: المفعول” إلى مفهوم “الخلق: الفعل”. المفعولية حالة انغلاق، والنهضة إبداع حالة انفتاح. الفعلية انفتاح على الفاعلية؛ فاعلية الواحد المطلق من قيود الجمود في آنات الزمان التي تتخلف عن حركة تقدمه. الفعلية إبداع يتحقق بالفاعلية الواحدية التي تجري في كل فعل، فتفتح كل فعل، على كل فعل آخر، انفتاح الأبعاض على كلٍ واحد، ولكن الأبعاض لا تنفتح على كلٍ واحد إذا كانت هي، وهو، ميتة؛ المفعولية صورة للموات، أو حالة قابلية للموت، لا تحوز إمكانات التفتح على الكلي المطلق، فهي تضاد المطلق، أو هي الآن الذي تخلفه حركة المطلق وراءها، كلما اقتضت فاعليته إرادة التجديد؛ والله حيّ، وكل يوم هو في شأن، حياته تسري في خلقه، وخلقه متجدد؛ فاعليته سارية بفعله الكثر المتجدد؛ وفعله سريان فاعليته في الزمان المتحرك إلى الأمام، غير المنفصل عن الأول: “هوالأول والآخر…”؛

لا إله إلا هو، كان ولا شيء معه..

وهو الآن كما كان؛

الخلق مما كان، كما الفعل من الفاعل..

سبحانه؛

رب السماوات والأرض والعرش العظيم….

تمت في: اليمن – صنعاء بتاريخ: 18 شوال 1413هـ الموافق: 10 نيسان (إبريل) 1993م


[1] زكي نجيب محمود: قصة عقل، بيروت ـ القاهرة، ط1، 1983م، ص 176.

[2] المصدر السابق، ص 177.

[3] المصدر ذاته.

[4] المصدر ذاته.

[5] المصدر ذاته.

[6] المصدر السابق، ص 182.

[7] زكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر، ط2، القاهرة ـ بيروت، 1979م، ص9.

[8] قصة عقل، ص 184.

[9] المصدر ذاته.

[10] زكي نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا، ط2، القاهرة ـ بيروت، 1979م، ص 9. وكان هذا الكتاب يحمل، في طبعته الأولى، عنوان: “خرافة الميتافيزيقا”؛ ورغم أن المؤلف حاول التقليل من شأن تغيير العنوان من “خرافة..” إلى “موقف من..”، إلا أن هدف التغيير واضح تماما، وهو تفادي تجدد الصدام الذي وقع بين الكتاب، في طبعته الأولى، وأصحاب رأي يخالفون زعم زكي حول “خرافة الميتفيزيقا”؛ وواضح أيضا، من تغيير العنوان، تردد المؤلف في موقفه من قضية مركزية في التراث العربي الإسلامي.

[11] المصدر السابق، ص 19.

[12] المصدر السابق، ص 29.

[13] قصة العقل، ص 93.

[14] لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين: الموسوعة الفلسفية، ترجمة عربية، بيروت، ط1، 1974م، مادة “هيوم”، ص 523.

[15] موقف من الميتافيزيقا، ص 25.

[16] المصدر ذاته.

[17] انظر: قصة عقل، ص 92.

[18] تجديد الفكر العربي، ط7، بيروت ـ القاهرة، 1982م، ص 257 وما بعدها.

[19] وصف زكي نجيب محمود نفسه، في معرض حديثه عن الاتجاهات الفلسفية اتحليلية المعاصرة، ومن بينها الوضعية المنطقية، بأنه النصير الوحيد لها في الوطن العربي، وقال: “أكاد أكون في الميدان وحيدا”. وشكك أحمد ماضي في دقة ذلك، ولكنه نقل عن بعض الباحثين ما يؤيد رأي زكي نجيب في أنه النصير الوحيد للوضعية المنطقية في العالم العربي. يقول محمود أمين العالم: “ولسنا نعدو الصواب أو الدقة إذا قلنا أنه [يعني: زكي نجيب محمود] الصوت الوحيد الذي يعبر عن الفلسفة الوضعية المنطقية في شرقنا العربي”. (انظر: محمود أمين العالم: معارك فكرية، القاهرة، دار الهلال، د.ت، ص 14). ويؤكد ابراهيم فتحي أن الوضعية المنطقية “عندنا ليست تيارا فكريا تعتنقه قوى اجتماعية ضيقة أو واسعة، لقد ظلت كما بدأت فئة ذات فرد واحد، هو الدكتور زكي نجيب محمود بمنطقه التحليلي”. (انظر: عاطف أحمد: نقد العقل الوضعي ـ دراسة في الأزمة المنهجية لفكر  زكي نجيب محمود، تقديم: ابراهيم فتحي، بيروت، دار الطليعة، 1980م، ص 18 / نقلا عن: أحمد ماضي: الفلسفة في الوطن العربي المعاصر ـ بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي نظمته الجامعة الأردنية، مركز الدراسات العربية، بيروت، 1985م، ص ص 171-172). وأخبرني علي عبد المعطي محمد، أستاذ الفلسفة بجامعة الاسكندرية ، في لقاء جمعنا في جامعة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين خلال عمله أستاذا للفلسفة فيها، [في العام الدراسي 85-1986م، إن لم تخني الذاكرة]، أن الدكتور زكي نجيب محمود أعرب عن شور عميق من المرارة لاعتقاده بعقم دعوته العقلية، فسر ـ زكي ـ ذلك، بأن ندوة تليفزيونية للداعية الديني [المصري] محمد متولي شعراوي تقضي على جهود سنين طويلة بذلها يبشر فيها بدعوته.

[20] قصة عقل، ص 62.

[21] المصدر السابق، ص ص 56-57..

[22] المصدر السابق، ص 92..

[23] المصدر السابق، ص 34.

[24] المصدر السابق، ص 56.

[25] المصدر السابق، ص 34.  ولم أستند على أطروحة “الجبر لالذاتي” ذاتها للتعريف بها، التي تم ترجمتها للعربية عن أصلها الإنجليزي في كتاب يحمل عنوانها ذاته، ليس لعدم تيسر حصولي على الكتاب في الوقت الحالي فقط؛ ولكن، لأن الاستناد في التعريف به على كتاب “قصة عقل” لزكي نجيب ، يخدم هدف تقصي حالة زكي، بوضعها في سياقها العقلي.

[26] المصدر السابق، ص 27.

[27] زكي نجيب محمود: قصة نفس، بيروت ـ القاهرة، ط2، 1983، ص 151.

[28] المصدر السابق، ص 176.

[29] قصة عقل، ص 16.

[30] قصة نفس، ص 63.

[31] المصدر السابق، ص 185.

[32] سجل ذلك في مواضع كثيرة من كتابيه اللذين روى فيهما قصتي عقله نفسه.

[33] المصدر السابق، ص 184.

[34] انكشاف فكر زكي نجيب في نهاية مطافه عن ثنائية السماء والأرض، بددت هذا التوهم، وأعادته، بوضوح إلى تراثيته العربية الثنائية.التي التي يترجمها مفهوم الخالق المغاير ل “المخلوق” مغايرة فارقة.

[35] المصدر السابق، ص 250.

[36] المصدر السابق، ص 175.

[37] المصدر السابق، ص 252… وقد استعار زكي نجيب تصنيف فرويد المشهور للإنسان: “الهو” و”الأنا” و”الأنا الأعلى”. وقال في وصف الثالثة: تأتي فوق “الهو” و”الأنا”، وفيها يهدأ الصراع، ويسكن القلق. (المصدر ذاته). و”الأنا” تشير لديه، فيما يبدو، إلى العقل، أو إلى عقل وضعي منطقي، لا يسع فكرة الألوهية: “الأنا الأعلى”، التي أسلمت لله.. ووصفه لـ  “الأنا” بالنفس اللوامة (المصدر ذاته)، يمنحها حق إصدار حكم، لدورها النقدي. وعملا بمبدأ استبعاد الألوهية من مجال التحقيق الوضعي المنطقي، باعتبارها “قضية زائفة”، (حسب المنطق الوضعي)، فإن هذه “الأنا”، مغلقة قبالة “الأنا الأعلى”، ومن ثم، فإن “هدوء الصراع وسكون القلق”، هو، في حقيقته، إقرار بانفصالية دائرة العقل عن دائرة الألوهية، أو دائرة التراث الديني، أو، هو توكيد حالة انشطارية.

[38] المصدر ذاته.

[39] المصدر السابق، ص 227.

[40] المصدر ذاته.

[41] حسن حنفي: التفكير الديني وازدواج الشخصية، مجلة الفكر المعاصر، القاهرة، العدد 50، إبريل 1969م.

[42] المصدر ذاته.

[43] المصدر السابق، ص ص 188-189.

[44] المصدر السابق، ص 221.

[45] المصدر السابق، ص 222. وكان الدكتور حسن حنفي قد تبنى رأيا لا يتفق مع تعاطفه الذي يرقى إلى التأييد، الذي يظهره هنا تجاه فكرة وحدة الوجود، وذلك في حوار بيننا جرى صيف 1985م، حينما كان في مدينة العين بالإمارات العربية المتحدة، كان أستاذا زائرا في جامعهتا ـ ودافع عن رأيه غير المنسجم مع “وحدة الوجود” بقوله: إن هذه الفكرة لم تحظ بقبول الفكر الديني الإسلامي؛ وأيّد ـ في المقابل ـ فكرة ثنائية الخالق والمخلوق المقررة في الفكـر الديني التقليـدي، لكنه يحجب هذا التأييد في كتابه “التراث والتجديد” بقوله إن الفصل القديم بين الخالق والمخلوق كان دفاعا عن الخالق ضد ثقافــات المخلوق القديمة، “ولكن الحال قد تغير الآن، وأصبحت مأسـاتنا هي مكاســبنا القديمة، الفصل بين الخالق والمخلوق، ومطلبنا هو ما هاجمناه قديما، الربط بين الله والهالم”. (ط1، القاهرة، 1980م، ص 18).

[46] حسن حنفي: التراث والتجديد، ط1، القاهرة، 1980م، ص 51.

[47] المصدر السابق، ص 18.

[48] المصدر السابق، ص 131.

[49] المصدر السابق، ص 19.

[50] المصدر السابق، ص 20.

[51] المصدر ذاته.

[52] حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ط1، بيروت، ص 166.

[53] المصدر السابق، ص 190.

[54] التراث والتجديد، ص 18. وتكشف كتابات حسن حنفي عن تأثره الواضح بمدارس فكرية غربية متعددة، أخذ عنها، بمنهاج انتقائي، ما يخدم موقفه النظري (الماركسي)، وهو ما سنحاول تأكيده فيما بعد. فعلاوة على ترويجه لفينومينولوجيا هوسرل ـ وضع حنفي الوحي بين قوسين لإخراجه من الميدان، على طريقة “تعليق الحكم” على قضية ما، مثلما ذهب هوسرل ـ ونظرية لسنج في تربية الجنس البشري ـ ترجم له كتابه بهذا العنوان وأولاه اهتماما كبيرا ـ وبعض أفكار هيجل ـ التقدمية حسب تقديره ـ وفكر سبينوزا الديني ـ ترجم له “رسالة في اللاهوت والسياسة”، وخصه بمقال موسع في مجلة “تراث الإنسانية” القاهرية (المجلد السابع، 1، مارس، 1969م) ـ علاوة على هذا كله، وغيره مما لا سبيل إلى حصره هنا، فهو، ورغم انقطاع الصلة التراثية والزمانية، يتطلع بمشروعه الثقافي العربي النهضوي، إلى أن يمثل امتدادا لفلسفة التنوير الأوربية التي قال فيها إنها “من أعظم مكاسب الفلسفة الأوربية الحدجيثة” لأنها جعلت الإنسان مركز الكون(في الفكر الغربي المعاصر، ص 192)، وذلك ـ الكلام له ـ بعد أن عالجت مشكلة التعارض بين الديني والدنيوي “بالقضاء على الديني والإبقاء على الدنيوي” (م.س، ص 162). ويواصل “تنوير” القارىء العربي بفلاسفة التنوير، فيمتدح لهم رفض الدين والعقائد والشعائر والطقوس والمعجزات، واستبدالهم بكل ذلك الإنسان والعقل والحرية والمساواة (م. س، ص 158). وهذا الموقف التنويري الغربي، رددته “مقدماته العامه “لمشروعه الفكري ـ التراث والتجديد ـ وعكسه رأيه الذي يقول إن “الدين مسطور في القلب لا في المصاحف، ويظهر في السلوك الفاضل لا في الشعائر والطقوس” (م. س، ص 143). وهو رأي يشطر الحقيقة؛ فالدين ممتد من المصاحف ـ الوحي ـ إلى القلوب، ومن الشعائر والطقوس إلى السلوك الفاضل (+التحقق التاريخي)، أما فصل الأبعاض والغاء فاعلية واحدية كينونتها، فهو اغتراب في فلسفة دنيوية لا تفي بمتطلبات مشروع حضاري لأمة دينية.

[55] المصدر السابق، ص 148.

[56] المصدر السابق، ص 52.

[57] لجنة من العلماء والأكاديميين السوفباتيين: الموسوعة الفلسفية، مادة “الأيديولوجية”، ص 63.

[58] التراث والتجديد، ص 55.

[59] أوضح مؤسسا الماركسية (ماركس وإنجلز في بيان الحزب الشيوعي، 1848م) المهمة التاريخية للطبقة العاملة (البروليتاريا) باعتبارها المحول التاريخي للمجتمع القديم، وباني المجتمع الجديد، والمدافع عن مصالح كل الجماهير الكادحة، وأوضحا الدور التاريخي لحزب الشيوعيين باعتباره حزب الطبقة العاملة وطليعتها، وحددا الهدف المباشر للشيوعية بأنه “تشكيل البروليتاريا في طبقة وإسقاط السيطرة البورجوازية وغزو السلطة السياسية بواسطة البروليتاريا”. (نقلا عن: الموسوعة الفلسفية، مصدر سبق ذكره، ص 89).

[60] تقول الموسوعة الفلسفية [الماركسية]: تولدت الماركسية “عن النضال التحرري للطبقة العاملة في أربعينات القرن التاسع عشر [الميلادي]، وأصبحت التعبير النظري عن المصالح الأساسية لتلك الطبقة، وبرنامج نضالها من أجل الاشتراكية والشيوعية”؛ أضافت: “والسمة الرئيسية للماركسية هي أنها تجسد الدور التاريخي للطبقة العاملة بوصفها بانية مجتمع شيوعي لا طبقي”. (ص 545).

[61] التراث والتجديد، ص96 وما بعدها.

[62] المصدر السابق، ص 53.

[63] المصدر السابق، ص 107.

[64] المصدر السابق، ص 105.

[65] المصدر السابق، ص 103.

[66] نشره في مجلة الفكر المعاصر القاهرية، أكتوبر 1968م، وتضمنه كتابه “في فكرنا المعاصر” المنشور أول مرة في القاهرة، 1976م.

[67] في فكرنا المعاصر، بيروت، ط1، 1981م، ص 140.

[68] المصدر السابق، ص 151.

[69] المصدر السابق، ص 152.

[70] المصدر ذاته.

[71] في لقائي معه، المشار إليه آنفا، تحدث حنفي عن يساره “الإسلامي”، وكان قد اصدر دورية بالعنوان ذاته: “اليسار الإسلامي”، فقال: إن لهذه الفكرة، أهميتها بين الشباب العربي المنحازين للفكر اليساري، وإنها تقدر على مخاطبتهم بلغة يفهمونها، ولهدف استعادتهم للإسلام؛ لكنه توقف عن مواصلة الدفاع عن دعوته هذ بعدما أعربت عن تحفظي إزاء حجته، بما رأيته من أن اليد التي قد تطول في اتجاه الماركسيين العرب، ستقصر في اتجاه آخر.. اتجاه المسلمين، طالما كان المراد هو التأكيد علي قيمة الإسلام.

[72] المصدر السابق، ص 153.

[73] التراث والتجديد، ص 55.

[74] في فكرنا المعاصر، ص 7.

[75] أنظر: المقدمة الموحدة لكتابيّ: في فكرنا المعاصر، وفي الفكر الغربي المعاصر، بيروت، ط1، 1981م.

[76] انظر: التراث والتجديد، ص 43.

[77] المصدر ذاته.

[78] في فكرنا المعاصر، ص 7.

[79] المصدر السابق، ص 319.

[80] المصدر السابق، ص 322.

[81] المصدر السابق، ص ص 323-324.

[82] المصدر السابق، ص 324.

[83] الأنصاري: مغني اللبيب، القاهرة، ط2، ص 186.

[84] في فكرنا المعاصر، ص 324.

[85] التراث والتجديد، ص 118.

[86] قال: “ولقد كانت حركة “العودة إلى الطبيعة” التي أعطى سبينوزا أساسها النظري في القرن السابع عشر، والتي أعطاها روسو بعدها الاجتماعي والفني في القرن الثامن عشر، والتي أعطاها العلماء بعدها العلمي في القرن التاسع عشر، والتي أعطاها الفلاسفة المعاصرون أساسها الوجودي في القرن العشرين ـ كانت هذه الحركة مصدرا للتمرد الفني من الكلاسيكية، ولنشأة الرومانتيكية والتحرر من الدين اللاهوتي ونشأة الدين الطبيعي، وللتمرد من التربية اقائمة على الثواب والعقاب وإرساء لمبادىء التربية الطبيعية وللتحرر من القانون الإلهي المفروض…” (في فكرنا المعاصر، ص 184),‎. ويعتقد أن العود إلى الطبيعة كفيل برفض الازدواجية والثنائية معا، وما يتبعها من عمليات للتعويض والنفاق والمداراة والتستر. (في فكرنا المعاصر، ص 186). وبيد أنه “عاد” إلى الطبيعة، فلم يزل يتستر؟! والحق أن العود إلى الطبيعة مسعى لمواجهة الازدواجية والثنائية، ولتوحيد الوجود؛ لكنه مشروط بالبيئة الثقافية، فهو مسعى إيجابي في بيئة ثقافية لا تمتد أصولها إلى ما وراء الطبيعة، بيئة دنيوية الجذور (البيئة الأوربية ذات جذور دنيوية، والدين غير أصلي في الثقافة الغربية، وقد تعامل الغربيون مع الدين، بمفاهيمهم الثقافية الطبيعية الدنيوية التراثية)، ولعل هذا ما يفسر القبول الأوربي لمبدأ أو لدعوة العود إلى الطبيعة، للانسجام بين النظرية والواقع. أما هذه الدعوة، في مواجهة تراث ديني أصيل، أبدع بيئته الثقافية الدينية، التي تتجاوز الطبيعي الدنيوي، فستظل محاصرة في دائرة التمني، معزولة عن الواقع الحي، الواقع الذي يخضع لتراث يرفض حصره فيما هو طبيعي دنيوي. وستمثل هذه الدعوة خطرا جديدا يعمق انشطار الأمة بين التمني والواقع، وبين الدنيوي والديني؛ ثم إن تبني أفكار أجنبية يعمق انشطار الذات إلى ما هو تراثي، وما هو أجنبي، وانشطارها الزماني بين الماضي والحاضر، وكل انشطار يعني انغلاقا في دوائر منفصلة، ومن ثم، ازدواجية أعنف سوءا وأغور!

[87] في فكرنا المعاصر، ص 183.

[88] المصدر السابق، ص 181.

[89] طرح حسن حنفي منهجا لتفسير النصوص الدينية يرتكز غلى “محاولة العثور على أساس للوحي داخل الخبرة الإنسانية” (في فكرنا المعاصر، ص 179 وما بعدها). وهذا منهج ماركسي لا يقبل مشروع حسن حنفي النهضوي غيره، فهو يمنحه أداة حصر الوحي في الواقع، داخل الخبرة الإنسانية، أو إلغاء الدور الفاعل للوحي باعتباره مصدر حركة نهضوية عربية منفتحة تناضل انغلاقات الذات المعيقة لتقدمها.

[90] محمد عابد الجابري وآخرون: التراث وتحديات العصر في الوطن العربي ـ ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في أيلول (سبتمبر) 1984 بالقاهرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1985م، ص 34.

[91] المصدر السابق، ص 57.

[92] المصدر السابق، ص 36.

[93] قال تعالى: “ملّة أبيكم إبراهيم، هو سمّاكم المسلمين من قبل”، (الحج: 78).

[94] التراث وتحديات العصر..، ص ص 37-38.

[95] المصدر السابق، ص 39.

[96] المصدر السابق، ص 40.

[97] المصدر السابق، ص 41.

[98] المصدر السابق، ص 55.

[99] محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1986م، ص ص 568-569.

[100] هو “التماس فهم للنص القرآني يخترق حدود اللغة العربية، ويتجاوز عالمها الجاهلي إلى نوع من التأويل يجد تبريره في التمييز في النص القرآني بين الظاهر والباطن” (بنية العقل العربي، ص 248).

[101] المصدر السابق، ص ص 513-514.

[102] المصدر السابق، ص 38.

[103] المصدر السابق، ص 247.

[104] المصدر السابق، ص ص 516-517.

[105] المصدر السابق، ص ص 521-522.

[106] المصدر السابق، ص 528.

[107] المصدر السابق، ص ص 530-531.

[108] المصدر السابق، ص ص 536-537.

[109] لا يهمنا التحقق من عرض الجابري لمشروع إعادة تأسيس البيان، كما قدمه، ولكن ما يعنينا هو  تصويره هو نفسه للمشروع، فهذا التصوير جزء من مشروع الجابري الذي يستهدفه نظرنا الحالي.

[110] المصدر السابق، ص 538.

[111] المصدر السابق، ص ص 544-545.

[112] المصدر السابق، ص 543.

[113] كان أحرى به أن يستبدل بكلمة “الحقائق” كلمة “المعارف”، فالأخيرة، هنا، أدق وأحوط.

[114] محمد عابد الجابري: العصبية والدولـة، بغداد، د.ت، ص ص 112-113؛ (وثمة طبعة أخرى من الكتاب صدرت في بيروت عام 1982م).

[115] المصدر السابق، ص 126.

[116] المصدر السابق، ص 119.

[117] عبارة الجابري الموحية بهذا المعنى هي: “على الرغم من إيمانه بالنبوة والوحي”.

[118] المصدر السابق، ص 126.

[119] بنية العقل العربي، ص 553.

[120] المصدر السابق، ص ص 551-552.

[121] المصدر السابق، ص 548.

[122] المصدر السابق، ص 553.

[123] المصدر السابق، ص 552.

[124] الرب في العقيدة الإسلامية هو الله الفاعل المطلق؛ وفي الفكر الأرسطي، الله علة الحركة المحسوسة في العالم، وهو بذاته، غير متحرك، فالمفهوم الأرسطي عازل لله في تصور عقلي دنيوي ساكن في ذاته، وليس حاضرا إلا فيما هو دنيوي.

[125] بنية العقل العربي، ص 552.

[126] يدعو الجابري إلى عصر تدوين ثان للثقافة العربية، التي شهدت ـ قال ـ في عصر التدوين الأول، أول تخطيط شامل لها، كان قد أعيد فيه بناء العصر الجاهلي، فضلا عن تدوين العلوم الإسلامية، كما تم فيه أيضا يواصل ـ  دمج الموروث الضخم المتعدد المتنوع الذي خلفته الثقافات السابقة على الثقافة العربية.. ثم دمج هذا الموروث في الثقافة العربية الإسلامية الواحدة. (أنظر: الجابري: ندوة التراث وتحديات العصر، ص 53).

[127] محمد عابد الجابري: الخطاب العربي المعاصر، بيروت، ط1، 1982م، الجملة الخاتمة للكتاب.

[128] المصدر السابق، ص 180.

[129] المصدر السابق، ص 181.

[130] مقولة “الإلهية، هي الفاعلة على الحقيقة، صادقة برؤية واحدية لا برؤية ثنائية.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s