هل النوراني مؤمن أم ملحد؟ وهل يدعو لدين جديد؟!

بقلم: نجيب فارس

“النورانية” دعوة يبشر بها الفلسطيني “حسن ميّ النوراني” صاحب الأفكار والأعمال الأدبية التجديدية الجريئة والمثيرة للجدل، التي لم تأخذ حقها من النشر الورقي أو الاهتمام لأكثر من سبب.. قبل 24 عاما نشرت دار الفرقان الأردنية، ذات الاتجاه الإسلامي، للنوراني، الذي كان معروفا حينها باتجاهه الإسلامي، كتابا صغيرا، فريدا في معالجته/ حمل عنوان/ “رؤية دينية للدولة الإسرائيلية”.. بهذا الكتاب، حاز النوراني، وكان يومها يعرف بـ “حسن محمد ميّ”، على لقب : “مفكر إسلامي”.. وربما كانت رؤية حسن مي حول الدولة الإسرائيلية، هي الرؤية التي حملتها “حركة المجاهدين المسلمين” التي سعى الرجل لتأسيسها عام 1967م، عندما كان لا يزال حينها طالبا في كلية الزراعة بجامعة أسيوط المصرية.. كان الغرض من تأسيس “حركة المجاهدين المسلمين” هو “أسلمة القضية الفلسطينية جهاديا، إضافة إلى فلسطنة الحركة الإسلامية”.

بعد كتاب “رؤية دينية ..” لم تقبل أي من دور النشر تبني أيا من أعمال النوراني.. وينقل عنه، أن الناشرين كانوا يتعوذون بالله من الشيطان الرجيم عندما كان يعرض عليهم كتابا له بعنوان “فاعلية المسلم” الذي ينتمي لمرحة النوراني الإسلامية، لكن على أرضية اجتهاد لم يتقيد بالمفاهيم الدينية التقليدية.. ويكفي أن نشير هنا إلى ما قاله النوراني، وهو يعرِّف بكتابه “الصغير الحجم – وهذا ما يميز جميع أعمال النوراني الفكرية، الأمر الذي لا ينطبق على أعماله الأدبية – ” أرادت هذه الرسالة، أن تقول بوضوح وجلاء، أن التزامنا بقضية حرية التفكير، هو شرط نهوضنا الحضاري الذي نتطلع إليه؛ والفكر الذي يفتقر للشجاعة، لا يبدع رؤية طليعية مقدامة”.

هكذا أخذ النوراني على عاتقه، أن يلتزم بحرية التفكير باعتبار أن هذه الحرية، هي شرط للنهوض الحضاري العربي.. وفيما بعد، تعمق إيمان النوراني، بالحرية حتى الدرجة التي دفعته لأن يجعل من “الحرية مادة الله”، كما ذهب في “دعوة النورانية” التي نكرس لها هذه المقالة غير الاستقصائية لفكر النوراني المدون في عدد كبير من الرسائل والمقالات والأعمال الأدبية..

بين “الخطر” الذي تحمله “دعوة النورانية” كما يبشر بها النوراني، وبين الاهتمام بها، مسافة قطيعة ممتدة، قد تعود لصعوبة اللغة التي كتب بها النوراني دعوته، ولكنها تعود في الأساس إلى شعور عام بالخوف الذي قد يصل لحد “الرجفة” أمام دعوة جريئة، يخالها المتعاطي معها كما لو كانت دعوة نبوة جديدة.. وهذا ما سنركز عليه في تعاطينا السريع مع دعوة تقدم صياغة جديدة لمفهوم الألوهية كما يبين عنوان يضعه صاحبه على معالجته هو كالتالي “الله: الحرية المبتهجة بنورانيتها”.. وكل معالجة مخالفة للنظرة السائدة حول مفهوم الألوهية يعكس خطورة تأتي من حساسية قضية الألوهية في الإسلام، الذي ينتمي النوراني لأهله بحكم انتمائه التاريخي والحضاري..

أحد كتاب الشبكة العنكبوتية، قال أنه يجد لديه الحماس للكتابة عن دعوة “حسن مي النوراني” لكنه “يخشى من أن يساهم في نشرها”..

وفي سياق ترشح النوراني لرئاسة السلطة الفلسطينية في انتخابات عام 2005م، كتب عدلي صادق: “يُلقي حسن ميْ بذرتها (يقصد بذرة دعوته) في مجتمع محافظ، يتطير من المذاهب ومن المواويل الفكرية الوافدة“. لكن أديبة شابة اخترقت جدار الخوف والتطير وقالت في وصف النوراني: “هو شموس غير حارقة، فلماذا لا تبحثون عنه”!!

محاولتي هذه، تلبية لدعوة الأديبة الفلسطينية الشابة سماح محمود..

ومع احترامي لما ذكرته سماح، فإن من الواضح جدا أن شموس النوراني “حارقة جدا” لمفاهيم لا يتفق معها النوراني.. الذي وصف دعوته بأنها “علاج انغلاق الفكر وفساد الأخلاق” في مجتمعه وفي العالم كله..

وفي تعريفه بديوانه الذي حمل عنوان “إن الحب فوقن” قال النوراني عنه: “ليس شعرا.. ولكن صيحة تقلق غفلتكم”!

في هذا الديوان، غير الملتزم بالمعايير الفنية الشعرية التقليدية، تناول النوراني، فيما يزيد عن 60 نصا، قضايا فكرية مجتمعية ودينية وعاطفية، بأسلوب مبتكر، وبجرأة عالية الوتيرة تطاولت على المفاهيم وعلى اللغة معا.. وباستثناء الناقد الفلسطيني خليل حسونة، لم يهتم أي من العاملين في الحقل الأدبي بديوان النوراني، الممنوع من النشر ورقيا، المنشور اليكترونيا في عدة مواقع.. كما هو شأن كل أعمال النوراني، الفكرية والأدبية.. سبب المنع والتجاهل محدد.. إنه جرأة أطروحات النوراني وجرأة دعوته..

في صدر ديوانه “إن الحب فوقن” كتب النوراني:

هنـــــــا

“فِسْــــقُنْ”

وبابُنْ

في

كتابِ النبوَّةِ المفتوحِ

أَنــــــــــــــــــا

 

وينقل عنه بعض معارفه، أنه وصف النبوة، في ندوة نظمتها كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة، بأنها “فسق جميل”، فأثار بهذا “الإستفزاز” نقمة الحاضرين من أساتذة الجامعة، لكن أحدهم، حمل وصف النوراني للنبوة بالفسق، على المعنى اللغوي للكلمة، التي تعنى “الخروج على المألوف”، والنبوة في حقيقتها، خروج على مألوف العصر الذي تظهر فيه النبوة..

ربط النوراني في صدر ديوانه بين النبوة والفسق، ووصفه للديوان بأنه “باب في كتاب النبوة المفتوح” مضيفا الوصف إلى ذاته، بقوله “أنا”، يشي أن دعوة النورانية هي دعوة نبوية، لكنها “دعوة نبوة مفتوحة”.. وكثيرا ما ردد النوراني القول بأن دعوته هي دعوة عقل منفتح بالحب.. ويحدد النوراني دعوته بقوله إنها دعوة “العقل الحر المحب المبتهج”. هذا يؤكد أنها دعوة تفتح العقل بالحرية وتقيد الحرية بالحب، وتصبغ العقل بالبهجة.. والركائز الأربعة: العقل والحرية والحب والبهجة، مندمجة معا، تبدع تجربة إنسانية منفتحة.. يسميها صاحبها: “النورانية”.

دعونا نقترب أكثر من المسألة التي تعنيني في هذه المقالة، فأسأل: هل يدعو النوراني لدين جديد؟ وهل يصنف نفسه نبيا جديدا؟

قيل عنه، إنه يرى أن “ميزة النبي الأساسية، هي أنه يملك الجرأة التي تكفي لإعلان نفسه نبيا”. قد لا يكون النقل دقيقا، ولكنه يساعدنا على الاقتراب من شيء ما يعتمل في صدره. ويساعدنا نص واضح في دعوته، على افتراض أنها “دعوة إلى دين جديد”، يقول النوراني: “تحابوا.. ليشرق في الناس دين جديد.. دين من النور يكون لنا بهجة حب..”.. ويتوجه النوراني للناس بقوله: “تحابوا.. إن الحب يبهجكم.. وبهجة الحب تنيركم”، فهو لا يقف عند حدود التنظير، بل يتقدم منه نحو الولوج في دائرة الفعل، وهذه ميزة من مزايا النبوة، التي لا ينفصل فيها التنظير عن الفعل.

نجدد سؤالنا: هل يدعو النوراني إلى دين جديد؟

سوى ما ذكرناه أعلاه، فإني لم أعثر على مؤشرات محددة في نظرية النوراني تثبت أنه يؤسس لدين جديد، وهو وصف نفسه في ديوانه بأنه “باب في كتاب النبوة المفتوح”. لكنه لم يصف نفسه مطلقا بأنه “نبي جديد”، مما يوجهنا نحو فهم ما ورد في صدر ديوانه، بأنه ينتمي لمنهج النبوة، دون أن يعني أنه يصنف نفسه نبيا، من الأنبياء الذين شهدهم تاريخ الإنسانية. ونلحظ في كتاباته غيابا تاما للإشارة الصريحة أو الضمنية بأنه يتلقى وحيا على طريقة الأنبياء، على الضد تماما، فإن منهجه “عقلاني” لكن عقلانيته تتمايز عن العقلانية المعهودة، حيث هي تستند على منهج “العقل المحب” بوصفة، مما يعني أنه يجمع العقلي بالوجداني، وهذه ميزة ينفرد بها النوراني، وتشهد له بالتفرد والأصالة الفكرية.

جدير بنا أن نشير إلى أن “النورانية” تلت مرحلة كان فيها النوراني متطرفا عقليا، كما ينعكس في رسالته “فاعلية المسلم”. وبين “فاعلية المسلم” و”النورانية” كان النوراني يتبنى فلسفة واحدية، وحدت الوجود كله في وحدة واحدة مطلقة. وبين الواحدية والنورانية، طرح النوراني تفسيرا جديدا للوجود، ألغى فيه وجود الفاعل الخالق، كما ألغى القسمة التقليدية بين الفاعل والفعل، وتحدث بدلا عنه عن وجود “الفعل الخالق”، واستبدل مفهوم الله بمفهوم “اليكونية”.

في “دعوة النورانية” عاد النوراني يتحدث عن “الله: الحرية المبتهجة بنورانيتها”. وجاءت دعوة النورانية في نسق كتابي  دعوي مختلف عن النسق الذي تم به كتابة بقية كتابات النوراني الفكرية. دعوة النورانية مكتوبة بأسلوب تقريري، يطرح فيها صاحبها فكرة مقررة ينتقل منها لفكرة أخرى ذات صلة بها، بما يوحي بتوالد المفاهيم بعضها من بعض.. يظهر ذلك في القسم الأول من مقالة الدعوة.. لكن المنحى يختلف في القسم الثاني حيث يتحول التأليف إلى صيغة “الدعوة للفعل”.. مثل: ” فلننطلق..” بما يشير إلى أن الدعوة ليست فكرا نظريا فحسب، ولكنها فكر نظري وعقيدة سلوكية حركية، الأمر الذي يقربها من الدعوات الدينية التي تركز على توجيه السلوك أكثر مما تعنى بمناقشة القضايا نقاشا عقليا.. بوضوح يمكن تلمس أن النوراني في مقالته “دعوة النورانية” يأخذ دور المعلم الموجه المحرض على تبديل السلوك وتبديل المفاهيم في وقت واحد. وتتضمن المقالة عبارات تتحدث عن “الله” وعن “جنة” وعن “نار” وعن “الخير” وعن “مرض الإنسان الفتاك”. وصاحب الدعوة يتحدث عنها باعتبارها “دعوة الحق” و”دعوة الحياة”. والدعوة مكرسة لرسم طريق “الخلاص” للإنسان. كما يرى صاحبها أنها نهوض روحي جديد.. يقول في نهايتها:

“إن الروح تنهض من جديد..

“انهضوا بها.. لها.. لنا..

“وزغردن/ زغردوا..

“إن مجد الإنسان قام”.

هكذا تقترب الدعوة من طبيعة دعوة الأنبياء. يؤيد هذا ما جاء في الدعوة من قول صاحبها: “وإن الكبير في تاريخ الروح (النبي) محمد (صلى الله عليه وسلم)، قال لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا..”.. وبعد ذلك مباشرة، قال النوراني: “أورثنا الكبير في تاريخ الروح (النبي) عيسى (عليه السلام)، أن الله محبة”.. أضاف النوراني مباشرة: “ومن قلب الروح، ومن عقلها، النورانية تنهض”..

إذن، لا لبس في أن النوراني يريد أن يقول أن دعوته تنتمي إلى الظاهرة الدينية التي تنتمي لها كل من الديانتين الكبيرتين: الإسلام والمسيحية.

وبتأكيده في ختام الدعوة أن “مجد الإنسان قام”، يبدو النوراني كما لو أنه يريد أن يقول، إن مجد الإنسان يقوم للمرة الأولى، من خلال دعوته هو وحده. وهو لم يقطع علاقته بالإرث الروحي الإنساني، ولكنه يبدو كما لو أنه يرى أن دعوته، هي أعلى مراحل الظاهرة الروحية الإنسانية، وأن الدعوات الروحية السابقة كانت تمهيدا لها.

وفي تقديره، فإن دعوته تمثل نقطة تحول مفصلي بين تاريخين: تاريخ الغاب، وتاريخ النورانية كما يبشر بها.. يقول: “النورانية دعوة للتحرر من تاريخ الغاب ومن الرضوخ لظلاميتنا..”، إذن، ووفقا له، فالإنسانية لا تزال راضخة للظلامية، وأن النورانية هي وحدها سبيل الخلاص من الظلامية، مثلما أنها الكفيلة بأن توفر للإنسانية السلام المنشود.. يقول: “السلام أن نبتهج بالحرية المبتهجة بنورانيتها: بالحب النوراني الذي يحررنا من ظلاميتنا”..

وكما الأديان، فإن “النورانية رؤية وإرادة وفعل”..

بطبيعة الحال، فإن ما قلته هنا لا يفي بما يجب أن يقال عن دعوة خطيرة وعميقة ولها جذور في تاريخ النوراني الفكري المتميز في طروحاته، وقد اكتفيت بأداء مهمة التنبيه على أهمية وخطورة ما يقدمه النوراني في الفكر وفي الأدب معا.. ومع ذلك فإن لديّ سؤالا لا يزال يبحث عن إجابة: هل النوراني مؤمن أم ملحد؟

وأصارحكم القول أني في موقف من يختلط عليه الأمر.. فالرجل كما يعرفه المقربون وكما يكشف عنه تاريخه الشخصي، على قدر كبير من الالتزام الأخلاقي، وهو مؤسس حركة المجاهدين المسلمين عام 1967م التي سبق بها الحركات الجهادية الفلسطينية بعشرات السنين، وهو الذي ترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية عام 2005 ببرنامج يتمحور حول قضية العدل وهي قضية مركزية في الدين الإسلامي.. وقد وصف مثقف عربي فيما كان يعلق على عمل للنوراني يحمل عنوان: “تجليات الأمل” بأنه عمل ممتاز نجح مؤلفه في تصوير حقيقة الإسلام بأسلوب فلسفي تأملي فريد من نوعه.. كذلك فإن حديث النوراني عن البهجة واعتبارها غاية الغايات يجعل رؤيته متطابقة مع الأديان التي تجعل الجنة بما فيها من بهجة مطلقة هي غاية الغايات الإنسانية.

ويشهد له شيوخ أجلاء من معارفه المقربين بأنه أخذ بأيديهم نحو التحول للتدين، ويشاهد تردده على المساجد، وقد يؤول البعض أن هذا التردد يأتي منه لتفادي وصمه بتهمة الإلحاد، خاصة في مرحلة يعيش فيها قطاع غزة/ الذي يعيش فيه النوراني، تحت هيمنة حركة حماس الإسلامية المتشددة. لكن ما يشهد به مقربيه من أنه يؤدي الصلاة في منزله (المتواضع جدا) بعيدا عن الناس، يدحض تأويل تردده على المساجد خشية من انتقام حركة حماس منه بسبب أفكاره التي تبدو جريئة جدا واستفزازية جدا لمشاعر المتدينين المحافظين.

لكني مع ذلك، لا أستطيع أن أقدم إجابة حاسمة على سؤالي: هل النوراني مؤمن أم ملحد؟.. مثلما لا أستطيع أن أقدم إجابة حاسمة على سؤالي: هل النورانية كما يبشر بها حسن مي النوراني، نبوة جديدة، أم هي تجديد في مفهوم النبوة كما يعتقد بها سواد الناس؟!

 

القاهرة – 23/3/2009

One thought on “هل النوراني مؤمن أم ملحد؟ وهل يدعو لدين جديد؟!

  1. بعض الشعوب أمهاتهم تلد مخترعين جدد يعبرون إلى القرن الواحد و العشرين
    و شعوب أخرى أمهاتهم تلد ” أدعياء نبوات جديدة ” تشد إلى قاع العصور الدنيا

    و أسفاه أن كثيراً من أفراد شعوبنا الشرقية
    ما زالت تحلم بدين يبيح لها هتك المحرمات بداعي الشهوانية الجنسية
    على أن يضمن لها حوريات بلا حساب في جنة بعد ” الفناء من العوالم الحسية ”

    و أسفاه على أدعياء ” النبوات الجديدة ” في أي قاع يهيمون…
    و عن دروب العلم يجنحون…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s