يا أبت ؟! _ حسن ميّ النوراني

* ما الشر يا أبتي ؟    ** الزمان سيّال، فإذا قطعته!!         المكان مطلق، فإذا حصرته!!         أنت ما اتسعت، فإن ضيقت هلكت!!         نحن المأزق ـ يا بني ـ ونحن الفرج!! * والموت؟    ** ولوج باب في الدار!! آخر!!         وفي الكل!! يستغرق الفرد!! أكبر!!    ** وهل تكره أي بني!! رجوعك إليّ!! بعد فراق         طويل!! أليم مرير؟ * فما صراخهم!! ما العويل؟    ** جهالة الظلمة!!         وضحالة الفكرة!!  والحقيقة؟    ** أنا قبل ولادتي!! أنا قبل ولادتك!!         أنا أنت في الزمان!! وفوق الزمان!! * أبتاه!! العمر محدود؟    ** في الدنيا!! لا في الوجود!! * ما انقطاعك عني يا أبت؟    ** يا ولدي!! أنفاسك صلتي!! * أفٍّ أفٍّ!! تغدو وتروح!!؟    ** منك إليك يا فتى!! * قال المثل: الدنيا يوم لك ويوم عليك؟    ** الأمثل أن نقول: اليومان يومنا!! ما كان لي كان لأخي!! * ودَّ عصفور لو كان سجانه!!؟    ** ودَّ إنسان لو كان طليقا مغردا!! * حكمة تقول يا أبت؟    ** من فيك أنهل!! حكمتي فيك!! * ما تأويل قول شيخ قال: أنا هو؟    ** أسكرته الحرية!! فأنشد أغنيتها!!    ** الصوفية ـ يا ولدي ـ تفلت من الحد!!    ** والدين حرية الفاني بالباقي!!    ** والعدد تكرار الواحد!!    ** والفردية ـ يا بعضي وكلي ـ حال السرمدية!! * والأزلية والأبدية؟    ** أطراف الآن!! وخيال الزمان!! * قد تمددت السوأة واستدارت؟    ** فقد تطاولت الأسوار!! طمست الأبواب     والنوافذ!! ليل حالك يتمدد في العقل!!    ** لكن الشوق ينبض!! * أبي، إني أشتهي أن!!    ** يا ولدي!! قضاء شهوتك خروجك من إنِّيتك!! * والضرورة المغروزة؟    ** طلب الفناء سياج من شوك ودوس تداسه!! * عشقك بحر من غير شطآن؟    ** أحصى النسوة كلهن!! من رأتها العين ومن   سمعها السمع!! ومن أنجبتها أم!! ومن أبدعها خيالي!! وأنت ـ يا فلذة الكبد ـ ابنهن مجتمعات وفرادى!! * عفوا أبي، أود اللهو قليلا؟    ** أو كثيرا!! سليل امرأة أنت!!  * أتعيرني؟    ** خانك فهمك، المرأة مرآة يا ولدي!! المرأة فينا!! المرأة أصل وورود وثمر!! أنا وأنت عطاء امرأة أعطيناها كينونة الخلد!! * أين مأتاك؟    ** ثغر استقبلني!! وداء حط على سفوحي!! من بلد الدواء أنا يا عمادي وامتداد جهادي!!    ** تدثرت الشمس بثوب الحداد وغار القمر في ضروس الذئاب!! * فاسدا يسفك الدم جعل الله الإنسان؟    ** عقلا عبدا خلقه!! * !!!!!!    ** لا تسلبني وصفي!! لا تنزع من لحمي عظمه!! * !!!!!    ** يا ولدي يا حتفي!! الحبل مشدود واللسان معقود!! * لا يُسأل عما يفعل؟    ** يُسأل عما يفعل الذي يفعل الأبيض والأسود!! * ما السعادة؟    ** في السلام!! * والصراط؟    ** حب اللئام والكرام!! * وقانون الجماعة؟    ** العدالة!! والصناعة!! * ما الألم؟    **  ماء وصابون!! ونار الفيافي!! * ما الصداقة؟    ** بصر وسمع وشريان للمعروف والمجهول من إخوانك!! ليس هذا أخي وذاك لا!! الكل واحد والواحد أبعاض!! * وما الغدر؟    ** نكوص المنكوس!! وانتحار المختار!! * ويفترس الناس زغاريد البلابل؟ * تفيض النشوة من عينيك؟    ** طاب الثمر!! وتلك قبلة حبلى!! واثنان ينتشران في واحد!! وعقلي أهازيج النصر!! ها قد ولدت يا ولدي، ها قد أينعت !!    ** قل رب املأ قلبي فلسفة واملأ عقلي شوقا!!    ** قل رب أعوذ بك من ظلم يسكن بيتي الجواني والبراني!!    ** قل رب احفظ لي زينتي، حسن معشري!! * ليلك ويومك جدائل من صمت وموسيقى؟    ** شوق حفيف الحور العين !!    ** الله يا بني أوسع من ثقوب الزوايا!! الله يا بني أكبر من أن يحبسه مضيق أو يصد طوفانه آن!! * ما الجمال يا عبده؟    ** نبضي فيك!! وابتسامتي على محياك!!    ** وإذا استقبلت نومك، فاعف عما سلف!! لا تضاجع ضغينة، ارسم غدا لم يولد من قبل!! فإذا أشرق النهار، احمل حبك في صدرك وازرعه في كل الحقول، في المجدب منها والخصيب!! * والحرية؟    ** هذا الملتقى بعضها!! * أخ عبوس!!؟    ** وكان في رأسه غمام!! رحبا كن، مسرورا سارا تكن!! * روت الأنيسة عنك زعمك أنك طموح الوجود؟    ** أجل أجل!! سألتني يومها: وماذا تعني؟ فتلمست عقلي فافتقدته!! إذا ارتقينا السما ولجنا الحرية وأبدعنا شيئا يرفرف فوقنا!! اعذرني فاللسان بالجموح ينقطع!! * وبك شطط فتزعم أن الرقص تصوف؟    ** وإذا تمايلت العذارى قلتُ للصحاب قوموا نرتقي بهجة الأصابيح !! * من أنا؟    ** أنا خطوة إليك، وأنت صلة الصلة!! وأنا وأنت رقص الواحد!! * أوصني يا أبي؟    ** يموت اللئيم والكريم!! الكاذب بغيض ملعون، والبخل جيفة، وإذا كذب الرائد أهله فالويل الويل!!    ** وأمس هلك جاران، لقد ناما في الليلة السابقة!! كان أحدهما جائعا والآخر شبعانا!! * الناس غني وفقير؟    ** هم آكل ومأكول!! * قصورا بعضهم يسكن، والبعض بلا مأوى؟    ** بعض سارق والبعض مسروق!! * هذا السبع العجاف وذاك سبع سمان؟    ** إذا اكتنزت الثروة قلة، فالثورة حق الكثرة!! ولكل عدوان ردع!! * !! وإنك في العيون تديم النظر؟    ** كانت عيناي قد لبست عيني هندية!! رباه، أين التقينا!!؟ ومتى!!؟ * وتديمه في الكتب أيضا؟    ** عقل يسعى إلى قرار!! ولا قرار!! * هذان خصمان!! هذان هابيل وقابيل؟    ** علام، وهم واحد واحد؟ * هذان اثنان تباينا؟    ** زبد الموج يفنى على الشطآن، ويدفع البحر العميق موجا آخر!! الغور كل مدلهم!! والعقل  نور!!    ** إن العماء تحاسد الناس، والحقد غوص في الوحل!!    ** وإني أكره أن أكره!!    ** والشيطان كلُ أصم كسيح!! * شهدت عرسا في حينا؟    ** وأنا شهدته في السماوات العلى!!    ولا تغلق بابا يا ولدي!! لا تمتلكنك شهوة فتهلكك وتهلكني!! * بادرة تشق وجه الأرض!!    ** وإني بالغرام أنتشي!! * غادة تهدهد التأوهات!!    ** وبالمجد أنا أنتشي!! * يا أبت، قد شق على أمي حملي وولادتي؟    ** تلك حصتها في الشراكة أي بني!! * أمفعول؟    ** أكنت قبل؟    ** فعل فاعل!! فاعل!! * وأزواجا خلقنا؟    ** كثرة إلى واحديتها تعود!! * والله والوحي والحق والخير والجمال؟    ** آمنت!! أنا واحدي!! * ما المرأة؟    ** زرعنا وحصاد!! يرسمها شاعر!!    هي السفينة في بحر نسجته الظلمة والنور!! * والذكورة؟    ** مجداف بين الماء واليابس!! * والبنوة؟    ** شراع!! * فما البحر؟    ** لا شيء!! * ووجهة الرحلة؟    ** سر لا أطيق كشفه ولا كتمانه!! * بلايا الكون لا ترحم؟    ** السهم مستقيم ويهرق دما!! الكل أولى، الكل أولا!! * والفردية؟    ** آية الواحدية، وجسر الأبدية!! * يا أبت، ما الوحي؟ ما النار؟ ما الجنة؟    ** المطلق ينمو في كون!! تأكل النار حطبها، النار تأكل الباطل!! أما الجوهر الصافي فلا يفنى!! وفي دار السلام  نقوم كلنا بالفوز المبين!! * في بلاد بحر المال الأسود، رجل من حطام، مد يدا للرائح والغادي؟    ** وا لوعتاه!! ليس كريما من يهب مما لا يملك!! الكريم لا يملك ما يهب!! ولا كريم في الأرض ما كان واهب!! لا كريم إن عدا جائر على حق!! وحق الحق وجود مشاع!! * أأحصيت الوجود عدا؟    ** أجل، الواحد هنا!! والواحد هناك وهنا!! * أفصح يا أبت؟    ** أنا هنا!!        وهو!! هنا وهناك!!    ** والغنى ـ يا ولدي ـ شوقه وشوقي!!    ** ووراء الباب المغلق عتمة قلب يحتضر!!    ** أما البر، فهو هوى من لم تهو!! فإذا كان مال، فلينبع من نهر صدر وسيع!! * قـُطعت يد سرقت؟    ** كانت أحقر مما سلبت!! *  والحسنة مضاعفة؟    ** المحسن ـ لا مما ليس له ـ أكبر مما يعطي!!    ** وفي الأثر: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا!!    ** والمجد  يا بني، “قول الحق، ولو كان مرا”، في يوم الباطل!! * أبي، أيها الوطاء!!أنت فان وأنت البقاء!! أنت الشيء واللا شيء!! أنت السبب الفاعل وأنا العلة الغائية!! وأنا معك لا بعدك!! فهل يبسم الليث؟    ** أجل، إن مضغنا أنيابه!! في لحظة عشق ولدنا!! كان ألما وانشقاقا، وكانت حياة!! ** وكشفَ يومُ ميلادك المخبوءَ، فكان ميلادي!!    ** يا بني، من وسع الكل كله، وسع أبعاضه!! فكن سمحا!! لقد كان جدك ذوبا ثم بلورا ثم ذوبا!! فاعرج بنضرة إلى علاء، يا علي!!    ** المرضعة ـ يا بني ـ أميز من منفق، فك العقد!! عماء هو الجمود عماء!! العلاء سنابل العشق!!    ** فلا رب في السماوات والأرض غير الواحد!! ديني الواحدية!! الشر حال تتلبس اللحظة، الحب ديني والواحدي أزاهير الأرض وشموس تنير كل المدى!! الواحدية نضرة ترويها أجاعيد الوجوه المتعبة!! كل قلب موات ـ يا ولدي ـ إلا قلبا تسقيه الواحدية عذب الوصال!! فلتثكلني أمي إن صممت إذنا، أو أغمضت عينا!!    ** أحناني الدهر!! وأقامني حب سنبلة مصمصها الموت!!    ** وزرعت في بئر قلما، فتزلزل الكل وانكشف الظلام عن بدور افترشت رأسي!!    ** أشحت وجهي عن ضغينة!! فأمطرت السماء حجارة!!    ** أشحت وجهي عن ضغينة!! فتفجرت الأرض أنهارا وعسلا!!    ** أشحت وجهي عن ضغينة!! فتزينت الوحوش بأكاليل العرائس!! * بيوتكم من زجاج رائق  أيها الواحديون!! سقوفها نغم، وأرضها الياسمين!!    ** لا أبواب لها ولا نوافذ!!    ** مساكننا أغصان سامقة العمد!!    ** ومخازن الغلال في قريتنا لا ينضب لها معين!! لا يخفرها حارس، ولا تنخر!! يحملها النهر!! تورق كل إصباح!! تقطف الصبايا سنابلها!! يطحنها الغلمان!! ويعجنها ويخبزها النسوة والرجال!!    ** وحول موائدنا، يجتمع السود والبيضان!! والوحش والجان!! * غرست في جوف الليل بذرة حب؟    ** وقبل مطلع الفجر كنت أمرح في دفء رياضها!!    ** إسقوا الحب تنهلوا حبا!!    ** إسقوا الشر تأكلكم النار!! * يا ضاربا في الأرض!!    ** كل قلب يحبني هو موطني!!    ** وقلبي كل البلاد وكل السما!!    ** والكينونة صائرة إلى لطافتها!! يا غور أسراري، وإبحاري!! يا امرأة أحببتها فأطلقتني وأطلقتها!! يا صومي وصلاتي!! ———————————————————————————————————————————————–دير البلح – غزة -فلسطين

 

صفرية الوجود حسن ميّ النوراني دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس الروحي

يعتقد التصور الإدراكي أن الوجود يتغير باستمرار، وأن المسمى، أي مسمى، يبقى هو ذاته في زمان ممتد. ومنذ يلد أحدنا، يحمل إسما يظل طوال حياته إشارة إلى مجموعة من الأحداث التي نعتقد أنها تتمحور على أصل واحد لا يتباين، ونعتقد أن المسمى، بالتصور الإدراكي، يقطع رحلته فيما نسميه “زمانا يتكون من ماض وحاضر ومستقبل”. تصورنا للأشياء، بالعقل الإدراكي، يرتبط بما نعتقد أنه الحادثة الأولى من سلسلة حوادث تُكوِّن فردا مستقلا عن الغير. لأن الحادثة، أية حادثة، منفلتة بطبيعتها، فقد اخترع العقل حيلة للإبقاء عليها، فأحلَّها فيما سماه حافظة الماضي. وربط الصورة المنطبعة في ذهنة للحادثة، مع مقولة الماضي. ثم اخترع مقولة الحاضر، ليميز بين انطباع جديد وانطباع قديم بالعالم المباين له. ربط الإنسان علاقته مع الوجود بما سماه الزمان، وعندما أيقن أن الماضي، والحاضر، متفلت ولا يُقبض عليه، اخترع مقولة زمانية جديدة، سماها المستقبل؛ والمستقبل غير متفلت، لأنه غير موجود. لكن الإنسان الذي يتوهم أن الوجود متفلت منه، ولأن حقيقة الوجود أنه لا يصير عدما، فقد اضطر العقل، بين حدَّيِّ الحقيقة والتوهم، إلى اختراع مقولة المستقبل، لإقناع الإنسان لنفسه بأن ثمة إمكانات بقاء أخرى له قائمة، غير تلك التي أفلتت منه والتي سماها الماضي والحاضر. في عقيدتي: الزمان المنقسم إلى ماض وحاضر ومستقبل وهم لا حقيقة له. الإدراك الانفصالي للمسميات، الذي يشكل مفهومنا عن الموت، وتجربتنا المريرة معه، (باعتباره أحد صور الإدراك الانفصالي)، جعل المقولة الانفصالية مفهوما أساسيا في فهمنا للوجود. وربْط الوجود المتحرك بمقولات الزمان الثلاثية، كرَّس لدينا فكرنا الانفصالي، بقدر ما كان الفكر الانفصالي دافعا لاختراع مقولات الماضي والحاضر والمستقبل. فلو قلنا إن الوجود لا يتكون من مسميات (فاطمة، حجر، زهرة، بحر، سماء..)، ولكن هذه المسميات إشارات عقل إدراكي لنسق كلي (في حقيقته هو متفلت من ذاته كل ومض [الومض غير ممتد، والومض ليس زمانا، هو فعل]) مكوناته الأساسية وحدات وجودية بسيطة لا تقبل القسمة، ومن ثم لا يجوز وجودها في حال انفصالي، لو قلنا ذلك، فسيكون هذا القول نفيا لمقولة الزمان المنقسم المرتبطة مع مقولاتنا الانفصالية. ثم إذا صار إيماننا بالوجود منبنيا على عقيدة “تفتح الوجود ذاته على ذاته”؛ وإذا تحررنا من عقيدة “الموت فناء، وانفصال مطلق عن الوجود”؛ وإذا تحررنا من عقيدة “الفناء التي بُني عليها عقيدة الخلق من العدم”؛ فلن يكون من الشاق على التفكير الإنساني قبول فكرة جديدة تلغي المفهوم الزماني المدرَك بتصور غير دقيق. كل حادثة هي كينونة واحدة لا يمكن فصل أي جزء منها، إنها بسيطة غير مركبة، ولا يمكن أن تكون مركبة؛ لأن الحادثة فعل فاعل واحد بسيط غير مركب هو الذي يجوز تصور أنه أصل (هويّة) الوجود، وبالتالي أصل (هويّة) كل الحادثات الوجودية. وما كان واحدا لا يخلق إلا واحدا مثله. الواحدية طبيعة الخالق المستغرقة لوجوده، ولو كان الخالق مركبا لكان الوجود الأصلي  متعددا، ولن يكون كله منتميا للوجود، فانتماء كل ما هو وجود للوجود يقضي على احتمال صحة أية فرضية بأن الوجود متعدد.. في الوجود، لا محل لغير الوجود. . لا محل للقول إن الوجود (بطبيعته الوجودية الواحدية) يقبل التعدد. وفعْل الخلْق، أو فعْل الفاعلية الواحدية، يتم في ومْض [هو الفعل ذاته وهو ليس زمنا متعددا]. ليس الومْض شيئا آخر غير فعل الحدوث؛ ليس في الوجود زمان، في الوجود فعل. وإذا كان ليس في الوجود زمان، فما نتوهمه بأن الأشياء ذات وجوهر (أصل)، هو محل لأعراض تحل فيه في زمان متعدد لا يستند إلى حقيقة الوجود الخالي من الزمان. تصورنا لزمان متعدد مسئول عن وهمنا بأن الوجود متعدد. واعتقادنا الواهم بأن للحادثة، كل حادثة، جوهر ثابت وأعراض متغيرة، هو المسئول عن مفهومنا الخاطىء الذي نخلط به بين مفهوم التعددية الوجودية ومفهوم تكثرّ الوجود. الأخير حق، لا بمعنى أن الوجود متعدد. ولكن لأن الوجود الواحد، وجود فاعل فاعلية مستمرة، وفاعليته من طبيعته الواحدية، وفاعليته الواحدية لا تفعل غير أفعال (حادثات) كل منها متقوم بالطبيعية الواحدية. الكثر دليل على استمرارية الفاعلية الواحدية، التي لا تني عن تحقيق ذاتها، في ذاتها، لا في غير، لعدم وجود الغير. والفاعلية لا تفسير لها، لأن كل تفسير تحليل، والتحليل رد المركب إلى مكوناته، والقول بكائن مركب يقتضي القول بأزمان سابقة عليه كانت إطارا للتركيب، أو شرطا له؛ فلو كانت الفاعلية المطلقة (الأصل المطلق) مركبة، فإنه يلزم عن ذلك أنها مسبوقة بتعدد وجودي، أو وجودي وغير وجودي، الأخير غير جائز لأن الوجود كله وجودي، والأول لا يصح اعتباره تعددا لأنه كله ذو طبيعة وجودية واحدة، بالارتقاء إلى مقولة الوجود مطلقة التجريد، وبالتعمق في الوقت نفسه، إلى مقولة الوجود مطلقة التجسيد. الفاعلية، لواحديتها، تنتج موضوعها منها؛ ولاستمراريتها، فهي تنتج في كل لحظة موضوعا جديدا؛ ولظهورها، فإن كل موضوع جديد يلد مباينا للموضوع القديم، مباينة نسقية.. لكن، لا التجدد، ولا المباينة ينفيان جوهرية الفاعلية التي تفعلهما. وجوهر الفاعلية هو أنها فاعلية واحدية: فاعلية واحد يفعل واحدا. القول، الذي نقوله، إن الفعل (الفرد، الكينونة) واحد، يساوى قولنا: الحادثة (الفعل:الفرد، الكيونة) لا تعيش أزمانا تتكون من ماض وحاضر ومستقبل. نفينا تعددية الأزمان، لأن مقولة الزمان المتعدد بين ماض وحاضر ومستقبل، وهم صدر من التفرقة الموهومة بين جوهر وعرض [أساسه تربيتنا الانفصالية]، وما ترتب عليها من التوهم بأن الجوهر ثابت، والأعراض تتغير، وتغيرها هو الزمان، أو يحدث ـ تغيرها ـ في الزمان، المتعدد. نفي الزمانية الثلاثية يختصر المسافة الزمانية بين الفاعل (الخالق) والفعل (الخلق) إلى مقدار يساوي صفرا. بين الفاعل وفعله (الخالق وخلقه) لا فاصلة (:كن يكون) . قد يؤدي نفي الفاصلة الوجودية بين الفاعل والفعل إلى الاعتقاد بأزلية الفعل (الخلق، الحادثة). لو كانت الحادثات أزلية، فستكون كذلك يما تمنحه لها طبيعة أزلية للفاعل. الفاعل يمنح طبيعته للفعل. لكن الحادثات، كل حادثة بذاتها، محدودة الوجود، بقياسها بوجودها المباين لوجودات حادثات أخرى. ليس هناك فعل أزلي، فالفاعل ليس أزليا: العقل يعي الفاعل بفعله. مقولة الأزلية أنتجها الوهم الذي قال يالزمان المستقل المتعدد، الذي نتج من وهم تصور أن الوجود، مدركا في الموجودات، يتكون من جواهر وأعراض متغيرة بذاتها. وُسحب هذا التصور على مجمل الوجود، ولما لوحظ التغير، توهم العقل أن الوجود المدرَك في الموجودات كلها، عرض لجوهر ثابت لا يتغير، ومفارق للتغير، كصفة أساسية أولى للموجودات (الزمانية)، فهو ثابت، وهو غير زماني (أي: أزلي). الفاعل المطلق سرمدي، وليس أزليا. السرمدي هو المتصل الذي لم يبدأ من بداية، ولا ينتهي إلى نهاية . السرمدية مقولة تملأ الوجود كله؛ والفاعل يملأ الوجود كله :يملأ ذاته). وأفعال الفاعل ليست وجودا زائدا عليه. الفعل يوجد بالفاعل. والفاعل فاعل بفعليته. نظريتنا لن تتفق مع مفهوم يعتقد أن قدرة الفاعل (المطلقة) [مطلقية الفاعلية في عقيدتي: حريته واستمرارية تفلته من نهايات الفاعلية: من الصيروة إلى الفناء؛ حريتة الفاعلة يمفهونا طبيعة من طبيعة استغراق الوجود لذاته: عدم العدم]، تخلق الخلق من عدم. ولنقبل مفهوم الخلق من عدم، فلن نقبله إلا بالعقل؛ لن نقبله بالسماع إذا لم يُجِز العقل صحة ما يسمعه. العقل ينطلق من الخبرة؛ وخبرتنا ـ حتى الآن ـ لا تقبل فكرة خروج الوجود من عدم: كل وجود يأتي من وجود. وتصور خلق من عدم، نشأ من معرفة “سماعية”؛ العقلية تسلم بمحدودية العقل، ولا تزعم أنه أحاط بالمعرفة كلها.  ولكنها تعتقد أن المعرفة الممكنة للإنسان، ليست شيئا آخر غير ما يمكن أن يستوعبه العقل الذي ينبني بتجارب تشكل خبرته، وأساسه المعرفي لقبول تصديق، أو ترجيح، ما لم يدخل دائرته المعرفية. ما نسمعه لا بد أن نتعقله، إننا نسمع كثيرا، ولو كانت المسموعات كلها صادقة، لكان للعقائد كلها أساس زائف، هو تضاداتها. ما يميز العقائد، بين صادقة وغير، هو العقل المؤسس بالخبرة بالعالم الواقعي، بالحقيقة المحاط بها. لن تصح مقولة الخلق من عدم، إلا إذا كان العدم وجودا، وبذلك ستكون المقولة: الخلق فعل من وجود. وأصحاب نظرية: الخلق من عدم، لن يتفقوا معنا على اعتبار العدم وجودا. ليست الخبرة العقلية هي وحدها التي تنقض مفهوم: الخلق من عدم؛ الدين الإسلامي، الذي يتوهم أصحاب نظرية “الخلق من عدم” أنه يسند دعواهم، لا يقبل دعواهم. الخلق في القرآن الكريم، لا يحدث من عدم: “أم خُلقوا من غير شيء؟” وأيات كثيرة تقرر أن الخلق الحادث يكون من خلق، أي من وجود لا من عدم. ويتوهم مفهوم الخلق من عدم أنه يستند إلى مفهوم قرآني يصف الخالق بـ”القدرة على خلق كل شيء”. والمقولة المُستند إليها صحيحة، لا بمفهوم أصحاب نظرية الخلق من عدم؛ صحيحة بمفهوم القرآن الواضح القاطع: الله قادر على كل شيء، والعدم ليس شيئا؛ كل شيء وجود كائن؛ القدرة الإلهية قدرة على ما هو موجود، القدرة الإلهية قدرة على الشيء (:الوجود)؛ الشيء ليس عدما؛ القدرة لا تجوز على عدم. كل شيء من (و بـ) قدرة الله، وقدرة الله ليست عدما؛ قدرة الله وجود. فالشيء، كل شيء (كل وجود) هو من قدرة الله التي هي وجود. هكذا المفهوم الديني السليم هو ذاته ما يستوعبه العقل  بخبرتة (:الوجود ـ الحادث ـ ليس من عدم(. الوجود الحادث من الوجود (القديم بلغة الذين يقسمون الوجود إلى قديم [الله] وحادث [الخلق (أو المخلوقات في مصطلحهم)فيقررون ثنائيته] المطلق، طبيعة الحادث هي هي طبيعة المطلق (الكلي) ولا يصح تصور أن الوجود المطلق عدم. الآية التي تقرر قول إن الله على كل شيء قدير، لا تقرر أن قدرته مطلقة بمفهوم المطلقية اللامرتبطة بالشيئية [المشيئة الإلهية القرآنية مرتبطة بالشيئية أيضا] الذي يحاول اتجاه فكري أن يدافع به عن إمكانية الخلق من عدم خلافا لما يعتقده العقل العلمي. مطلقية الله المفهومة من قدرته على خلق كل شيء مرتبطة بكل شيء، أي: بالشيء لا بالعدم. القرآن يقرر وحدة الخالق (الفاعل) والخلق (الفعل) الوجودية: وحدة القدرة (الفاعلية) والشيء (الفعلية) [المرتبطان بالمشيئة الإلهية (الشيئية)]؛ فالقدرة (الفاعلية المطلقة) والشيء (فعل الفاعلية المطلقة) متوحدان وجوديا. وما كان واحدا، فهو غير منفصل بعضه عن بعض بفواصل زمانية. الوجود هو فاعل وأفعاله (خالق وخلقه)، وهما ليسا اثنين برؤية وجودية مطلقة (متحررة من نهايات الفاعلية: الفعلية المنغلقة). هما واحد وجوديا؛ هما واحد لوحدة الصفة (الوجود الواحدي الفاعل) الأعمق لكل منهما، أو لهما معا. لا مكان للزمانية في معتقد لا يقول بفاصل وجودي بين الفاعل وفعله. ولا نقول العالم قديم، كما لا نقول إنه غير قديم. مثل هذا القول ناتج عن الإقرار بوجود زمان، القديم وغير القديم مفاهيم زمانية، غير صحيحة، في نظريتنا. الاحتكام إلى العقل التجريبي يثير مشكلة التعامل التجريبي مع الزمان المتعدد باعتباره واقعا. ويثير مشكلة التعددية الوجودية باعتباها واقعا أيضا. ويثير مشكلة صدور الكثرة عن واحد. تُجابه نظرية “الوجود فاعل بأفعال لا انفصال بينها وبينه، لعدم صحة مفهوم الزمانية”؛ بما يتعاطاه التجريب من وجود موجودات متغايرة تغايرا حقيقيا. ولا شك أن العقل التجريبي يصدر عن هذه المغايرة، والاحتكام إليه يشكك في صحة المفهوم الوجودي الواحدي، ويشكك في مقولاته الناجمة عنه. العقل التجريبي لا يستغرق العقلية، ولكته يؤسس لها؛ لكن أفق العقلية أكبر من فعل التجريب. إن الرياضيات علم غير تجريبي، والمنطق كذلك، والنظريات العلمية جميعها نظريات غير تجريبية؛ لكن البداية لكل هذه العلوم بدايات تجريبية. العلوم تنمو في أفق العالم القابل للتجريب. النظرية العلمية (القانون) ليس تجريبيا، ولكنه لا يتنافي مع الواقع التجريبي (بحقيقته). التجريب الحاصل لا يستغرق الواقع (بحقيقته، بكليته العميقة الواسعة). العقل (العلمي) أعمق (أوسع) من التجريب الحاصل ويخلق تجريبيته الخاصة غير الحاصلة في الواقع (غير العقلي العلمي). العقل العلمي يبدع مفاهيمه التي لا تختلف مع تجريب من مستوى أعمق مما هو معطى للعيان، أو مما هو معطى مباشر. والعقل العلمي لا ينفي مقررات المعطيات المباشرة في مستواها، ولكنه لا يلتزم بالتوقف عند مستواها المدرَك لكل مدرِك. ومع ذلك كله، يبقى العقل تجريبيا، لأنه يبدأ من التجريب، ويتأكد به. التجريب الإدراكي المباشر يسَلِّم بتعددية الزمان، وبتعددية الوجود، ولا يستوعب مقولة الواحدية الوجودية. التجريب العلمي لا يتوقف عند حد المدرَك المباشر. إنه يذهب إلى العمق، ينطلق في الوساعة، ويتفحص المفاهيم المباشرة العامية، ليعطيها دقة. التجريب العلمي يضع فرضية أوسع (أعمق) من معطيات التجريب الإدراكي المباشر، ويبحت عن أدلة صحة فرضيته بعقل علمي أكبر من التجريبي الإدراكي. الفرضيات العقلية العلمية تأتي بالتجريد العقلي لمعارف إدراكية. تجريد المدركات الوجودية إلى أقصى التجريد، ينتهي إلى صفة الوجود التي هي ، قال القدماء، أعم الصفات. تتوحد المدركات الوجودية، فردا فردا، في وجوديتها. أعم الصفات هو الصفة “الجوهرية” [بلغتي: هي الصفة الأعمق (الأوسع)]. الموجودات المدرَك تعدديتها حادثات، أي أفعال؛ وخبرتنا التجريبية تمنحنا تصور أن الفعل إنما هو فعل فاعل. العقل لا يجد إشكالا في التسليم بالفاعل، وتاريخ العقل الإنساني، المؤله، وغير المؤله، أقر بالفاعل [هو الله عند فريق، والطبيعة (المادة بما فيها الروح الإنسانية) عند فريق آخر]. الشرعية التاريخية غير كافية عقليا، ولكنها، هنا، موثوق بصحتها: فالأفعال غير منفصلة، لا يوجد فعل واحد منفصل عن الوجود الآخر بالنسبة له. الحادثات مرتبطة معا، وكل حادثة نسق يوحد عوامل وجودية (حادثات على صورة ما) في نسق هو حادثة واحدة. توحد العوامل في نسق واحد (حادثة واحدة) اضطراري لطبيعة ذاتية تعبر عن ذاتها بتحقيق ذاتها، تكشف عن طبيعتها (:الفعل يكشف عن الفاعلية التي تخلقه). القابلية للاتصال، لدى مفردات الوجود كلها مع آخرين، قابلية أصلية، نابعة من طبيعة الوجود، إنها تكشف عن طبيعة الوجود الاتصالية. الاتصالية الوجودية لا تسمح أن يكون فعل (فرد، حادثة) ما مستقل بذاته استقلالا نهائيا. الاتصالية تكشف حقيقة أن في بطن كل فعل فعلية أكبر منه: هذه الفعلية الأكبر هي التي نسميها الفاعلية، ونجسدها بفاعل (خالق) يفعل (يخلق) أفعالا (خلقا، أفرادا، حادثات). قررنا هذا المفهوم ابتداء من المعرفة الإدراكية التي نفذنا منها إلى ما هو أكبر (أعمق، أوسع) منها. ولارتباط مفهوم تعددية الزمان، بتعددية الحادثات، فإن مفهوم الاتصال الوجودي يسع مفهوم الزمان، فيقرر اتصاليته. إنا لا نكتفي بتقرير الاتصالية الزمانية، فلا أحد ينكرها؛ الزمان، بالمفهوم الشائع: الماضي والحاضر والمستقبل، متصل بمعرفة إدراكية؛ نظريتنا تلغي مفهوم الزمان تماما. نحن ندرك الوجود إدراكا معرفيا مباشرا في لحظة اتُفِق على تسميتها بالحاضر. هكذا يعتقد المفهوم المعرفي الرائج. الحاضر لا وجود حقيقي له، هو تصور لحد مفترض يقع بين الماضي والمستقبل، وفي اللحظة المتخيلة لوقوعه يتلاشى، فهو بلا امتداد؛ هو دخول المستقبل في الماضي؛ إذا سلمنا بأن هناك ماضيا ومستقبلا. والواقع (الحقيقي لدينا) أنه لا وجود للمستقبل ولا للماضي، لا وجود لهما بذاتيهما؛ الوجود بذاتية وجود كوني، وجود واقعي (بريء من الوهم)، قائم فيما اصطلح على تسميته بالحاضر، والحاضر، إذا سلمنا بمفهوم حقيقة الزمان، هو الشرط الزمني لوجود كون ما بذاتيته. وشرط الوجود الكوني المادي يجب، أيضا، ليكون فاعلا على الحقيقة أن يكون ماديا، أي ليس مجرد تصور عقلي (موهوم) مجرد عن المادية. الحاضر ليس إلا حدا تصوريا ليس ماديا بين مفهومي الماضي والمستقبل، إذا سلمنا بالزمان وتعدديته الثلاثية. ولكن، أين الماضي، ليس كائنا، ولا يمكن الإشارة إليه بذاته، طواه الحاضر، المفهوم غير المادي، غير الكائن بذاتية؛ أين المستقبل؟ ليس كائنا، هو تصور مستبطن في حاضر ليس ماديا، المستقبل لا يمكن الإشارة إليه ككون مادي؛ هو لم يأت بعد، وما لم يأت بعد ليس وجودا كونيا بذاته. الزمان في المفهوم الذي يعتقد حقيقة وجوده، لا كيانية ذاتية له: ليس له وجود حقيقي خارج فاعلية الوهم. وتكوين تصور عقلي عن العالم، لا يحتاج إلى مقولة الزمان. كان الزمان دائما مفهوما يتطلبه تصور عن انفصالية الفاعلية بين حادثة وأخرى. كان المعتقد أن صيرورة الفاعلية من الأب والأم إلى الإبن تحتاج إلى زمن، حيث المسبِب لحادثة جديدة يسبق زمانيا هذه الحادثة (وفقا لـ:يوجد السبب أولا ثم يوجد المسبَب عنه). يرجع هذا المفهوم إلى مفهوم غير دقيق عن السببية. السببية فاعلية لا تنفصل فيها الأسباب عن نتائجها؛ النتيجة هي عين السببية: السببية نسق جديد يتكون من عوامل، مجرد ترابطها في النسق الجديد، يلد، فورا، بدون فاصل زمني، المسبَب الذي هو النسق الجديد. عندما تتحول الفاعلية الخالقة من الأبوين إلى الإبن، فإن الإبن هو العاملين الأبويين في ومض (بلا امتداد) دخول العاملين معا في نسق جديد نسميه الإبن [هو الومض ذاته الذي تكوَّن في ظرفه؛ هو الظرف وعوامله (ما يملأه)]. يجب التدقيق في مسميات الأب والأم والإبن ونحن نتحدث عن فاعلية السببية. الأب ليس هو الذي يبقى قائما بهذا الدور بالمعنى الاجتماعي، ولا الأم كذلك، ولا الإبن هو الذي يبقى لسنوات طويلة يقول عن نفسه أنا فلان ابن فلان وفلانة. العوامل السببية (عامل الأبوة وعامل الأمومة) التي أنتجت (ضمن عوامل أخرى) حدثا جديدا نسميه الجنين، هما كينونتان كانتا قائمتين بذاتيهما، في لحظة (بلا امتداد: محض) دخولهما معا في ترابط أعطى على الفور، دون تراخ، أو انفصال، بلا زمان، كينونة جديدة، هي النسق الذي خلقه التقاء الأبوة والأمومة، مع وجود روابط مواتية، ليخلق هذا الالتقاء، فورا، من غير تراخ، بلا حاجة لزمان، بلا انفصال، الإبن الجديد، أبن تلك اللحظة (الومض، واومض هو) الذي ليس هو (بقول دقيق) الإنسان الذي سيستمر لسنوات طويلة يحمل الإسم نفسه. هذا الإبن الجديد (بمسماه الاجتماعي) سلسلة طويلة من الحادثات ابتدأت بحادثة التقاء أبويه المؤسسة لحادثات طويلة نجمعها معا، بحكم عادة عقلية لا تدقق، تحت مسمى واحد، لسنوات طويلة. (بمفهوم واحدي، لم يبدأ الابن بحادثة أولى، ما نسميه حادثة أولى هي حادثة مفتوحة على حادثات سبقتها). فاعلية الخلق، الفاعلية الوجودية، لا تخلق (لا تفعل) حادثات ممتدة. خلق الفاعلية هو خلق لحادثة بلا امتداد، حادثة لا تنقسم. الفاعلية ذات طبيعة واحدية، والانقسام مفهوم مناقض للواحدية. لو كانت فاعلية الخلق منقسمة لتوجب أن تكون الفاعلية منقسمة. ولكن الفاعلية غير منقسمة، فهي هوية وجود هو واحد، لا ينقسم؛ هي معنى الوجود: قولنا “وجود”، يطابق بالتمام قولنا “فاعلية”، الفاعلية هي الوجود ذاته. الوجود لا ينقسم لامتناع الزيادة أو النقصان فيه. لو قبل الزيادة أو النقصان، فلن يكون مالئا لذاته، وسيجوز تصور فراغ (عدم) وجودي لتحل فيه الزيادة أو النقصان. ولا وجود للعدم بالمعنى التام للعدمية التي هي ليست وجودا بأي حال من أحوال الوجود. العدمية مقولة يصح الإشارة بها إلى عدمية كيان وجودي فردي بذاته، وبتجاوز: نقول تم إعدام فلان، والتدقيق في هذه الإشارة لا يسمح بأن نتحدث عن سلب وجودي تام لفلان إلا باعتباره كيانا قائما بذاتية منعزلة، [ولا ذاتية منعزلة؛ فالذاتية (الفردية) ذاتية وجودية واحدية منفتحة على ذاتها المطلقة بالفاعلية الوجودية المطلقة الواحدية]؛ لكنه لم يتم “مطلقا” إخراج فلان “المعدوم” من الوجود الكلي المطلق [لا وجود حقيقي لما نشير إليه بقولنا: فلان]؛ الإعدام هنا ليس إلا صيرورة الفاعلية الوجودية، والصيرورة لا تحدث نقصا في الوجود الكلي، إنها تحدث تجددا نسقيا وجوديا. فاعلية الخلق هي إستحداث نسقيات وجودية، لا استحداث لإضافات وجودية كمية. إنني لا أستطيع، بتجريبية المعطيات المباشرة، نفي أن استحداثي أضاف رقما جديدا لعدد أفراد أسرتي؛ مع ذلك، يجب أن أتحلى بالدقة في تعاملي مع المسألة: الرقم الجديد الذي أضيف لأسرتي، أضيف إليها من داخلها، فلا يصح أن يقال إن عدد أسرتي أصبح: عدد أفراد أسرتي (قبل استحداثي) + 1؛ الدقة تستوجب القول أن زيادة أفراد أسرتي زيادة من داخلها لا من خارجها. استحداثات الفاعلية الوجودية (الممتلئة بذاتها) هي كذلك، زيادة من داخلها، زيادة لا كمية، بمعنى أن الوجود لا يصبح مع كل استحداث هو: الوجود قبل أي أستحداث + 1. الوجود مقولة ممتلئة منذ أوله الذي لا أول له، وسيظل ممتلئا إلى آخره الذي لا آخر له. الوجود لا يقبل أية زيادة عليه. الوجود “صفر” لا يزيد ولا ينقص. واستحداثات الوجود “أصفار” لا تزيده كما لا ينقصه غيابها في داخل الوجود. نظرية “الصفرية” ليست نظرية عدمية. إنها توصيف لما هو واقع (وقوعا عقليا علميا تجريديا)، وما هو واقع (وقوعا عقليا علميا تجريديا) وجود كامل المعنى. كل منا “صفر”، وكل منا نسق للفاعلية الخالقة الحرة. هذه الفاعلية الخالقة الحرة هي هوية وجودنا الفردي الواحد الخالق الحر. الفاعلية الوجودية المطلقة محيطة بالفاعلية الفردية من ظهرها ومن باطنها. الأولى تتحقق بالثانية. العلاقة بين الفاعلية المطلقة (بتحققاتها) والفرد (الفعل، بفاعليته)، علاقة تواصل، لا علاقة انفصالية. والنظرية الواحدية تعمق الاتصال بين الخالق والخلق (الله والإنسان)، بمفهوم يفتح الفاعلية (الإلهية الخالقة)، عبر تحققها في الفرد، على الفاعلية (الإلهية) الأكبر من تحققها في فرد. بهذا الانفتاح تكون العلاقة بين الخالق (الله) والإنسان، أشد غورا، أشد حميمية؛ وتنفتح أمام الإنسانية، الفاعلة (بفاعلية الخالق) آفاق الوجود المطلق الحر. النظرية الواحدية تأسيس عقلي لمشروع نهضوي إنساني يبدعه الإنسان الذي صار الفاعل المطلق (الله) هو عقله (سمعه وبصره)،  ولسانه ويده ورجله [يقوله حديث نبوي]؛ الإنسان الذي  الفاعل الخالق (الله) أقرب إليه من حبل الوريد [يقوله القرآن الكريم]؛ المؤمن بـالفاعل المطلق (الله) “المؤمن”؛ وهي الصفة التي تصف الخالق (الله) والخلق (الإنسان) في القرآن. وفي اللغة، هي من “أمنه”: ومدلولها اللغوي: الاطمئنان والثقة في.. والركون إلى..؛ وهي ضد الخوف والخيانة. مدلولها اتصالي وضد الإنفصالية: فالاطمئنان والثقة في الآخر والركون إلية علاقات انفتاح بين الفرد والآخر، وهي ضد علاقات النفور ـ الانفصال ـ التي تنتج من الخوف والخيانة. القرآن وصف الله والإنسان بصفة “المؤمن ” ليقرر العلاقة الاتصالية الانفتاحية بينهما، التي توكد عليها عبادة الصلاة؛ العبادة التي فرضها الله على المسلم في ذروة فعل اتصالي بين الله والنبي محمد عليه الصلاة والسلام (:لاحظ مدلولات الصلاة والسلام الاتصالية الانفتاحية الواحدية).

صنعاء 3/6/1995م

شريعة الحب الدكتور حسن ميّ النوراني *مؤسس جماعة حق البهجة   (ح ب) ******************************************************************************** “الواحدية (النورانية) سلام يبدعه المحبون” هذا شعار الدعوة الواحدية (النورانية) في رؤيتنا. والواحدية (النورانية) لدينا هي دعوة العقل المنفتح بالحب. والعقل الذي لا يلتحم بالواقع، ترف زائد عن حاجة مرحلة تشهد تحولات جذرية على مستويات حياتنا الجمعية الراهنة والمقبلة، وعلى مفاهيمنا التراثية التي لا تنفك عن ممارسة تأثيراتها على الحاضر. العقل هو الوعي الشخصي بالعالم. وفي خطوة تالية، هو تصور فردي مقترح للعالم. يبدأ تكوين العقل من التحامه المباشر، عن طريق القوى الإدراكية، بالعالم الواقع فينا وحولنا. ويستمر تكوين العقل بوحدة معطيات الواقع المدركة مع أداة التعقل ينتج تصور مقترح للعالم الذي يقع الفرد داخله. إن العقل الملتحم مع الواقع لا يقع في فرد هو خارج العالم. العقل الذي يوجد داخلي هو جزء من العالم الذي يقع خارجي. وتصوري للعالم ينقل العالم إلى داخلي. الفرد يتعامل مع العالم الذي يعرفه، الذي يعاني تجربة التوحد معه. العقل لا يستطيع أن يتعامل مع عالم غير واقعي، حتى ولا في الحالات التي لا يمكن العثور فيها على المعادل الموضوعي للصورة التي يتخيلها العقل. إن قصة عروس البحر، مثلاً، لا يمكن أن نعثر على معادلها الموضوعي ككائن يتحرك خارجياً وله وجوده الكامل. المعادل الموضوعي لهذه القصة موجود في قوة التخيل المحددة مادياً بدماغنا. أما في العالم الخارجي، فإنها موجودة في الأحداث التي رسمتها والتي صدرت من آخرين قاموا بإدخالها في عقولنا. باستنتاجات محددة… 1-التعامل مع العالم الخارجي هو تعامل عقلي بكل مستويات العقل. 2-تعقل العالم لا يتم إلا بي، بحضوري فيه، أي بحضوري في الواقع، كما هو الواقع. 3-تعقل العالم، أو الحضور فيه، هو أداء وجودي واحدي. 4-الواحدية العقلية التي نحاول الاقتراب منها هنا، هى واحدية الفرد مع العالم بأداة العقل، وهى تفاعل الفرد مع وقائع العالم بأداة العالم 5-إن التحام الفرد بالواقع، التحاماً عقلياً واحدياً، هو الأساس النظري لإلتحام الفرد، بكل قواه الوجودية، مع العالم بكل حقائقه الواقعية. وذلك، لأن منطق العقل الواحدي، لا يقبل قسمة الوجود الفردي إلى عقل وإلى ممارسة حركية(ما يسمى بالمادية مقابل الروحية) لأن العقل في تكوينه العضوي وفي تكوينه التصوري لم يكن، ولن يكون، منفصلاً عما يعرف بالعالم المادي الذي يعتقد كثيرون منا أنه يقف مستقلاً إزاء العقل. 6-هذه الرؤية التي توحد العقلي بـ”الواقعي” أو الفردي بالعالم كما هو واقع، تنتقد رؤية أخرى لا تسلم بهذا التوحد وتنتقد ما ينبني على الرؤية غير الواحدية التي تسمح بتكوين عقائد ثنائية أو أكثر. 7-العقل كما نتصوره، هو أداة التعاطي مع العالم. وكل ما لا يستوعبه العقل، لا نملك أن نتحدث عن وجوده، وبالتالي،لا يجب أن ننشغل به. أو يجب أن لا نسمح له بأن يعيق انشغالنا بالحياة كما هي ثابتة لدينا. 8-العقل هو الأرض المشتركة التي يجب أن نتحاور على قاعدتها لنحل مشاكلنا الجمعية والفردية. وأنا أميل إلى أن العقل بصورته الواحدية(النورانية: نورانية الحرية) هو القاعدة الأنسب لحل مشاكلنا الفردية والجمعية. 9-إن مشاكلنا، على المستوى الفردي، والمستوى الجمعي، هي نتائج، أو وقائع، مصاحبة لحالة انشطار يصيب بناء الفرد وبناء الجماعة، لدينا.  إن من يتردد عن الإعلان عن موقف يعتقد أنه ألحق، خوفاً أو نفاقاً، هو، في الواقع، يصور مشكلة الانشطار تصويراً دقيقاً. إنه انشطار الذات بين الأداء؛ بين الداخل بالنسبة للشخص، وبين الخارجي؛ بين الفردي وبين الجمعي؛ بين الحق والباطل. ومن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة، يصور أيضاً مشكلة الإنشطار تصويراً دقيقاً. الحقيقة الكاملة لا توجد في فرد. الحقيقة الكاملة توجد في كل مفردات الوجود. وأنا عندما أعيش  بعقيدة أنني أمتلك الحقيقة الكاملة، فإن هذا حكم أصدره على الآخرين بأنهم غير موجودين، والحقيقة غير ذلك. العقل الذي لا يتكون إلا بالعلاقة مع الآخرين، أناساً، أو أية كائنات حية أو غير حية، هذا العقل يقدم دليلاً منافياً لحكمي على الآخرين بعدم الوجود. وعندما أعيش في العالم بعقيدة أنني أنا الموجود الحقيقي فيه، فإن أول خروج من إطار عقيدتي إلى إطار العالم الحي المتحرك الصاخب بحقائقه، سيشكل لي صدمة، سيسبب لي صدعاً، سيجعل مني أشلاءا. إعتقادي أنني أملك الحقيقة وحدي هو سجن لي وحدي لكن العالم سيمضي.. يتركني ويمضي.. الحقيقة موجودة داخلي وخارجي. والحقيقة تنمو؛ إنها تنمو بعلاقة حميمة داخلي وخارجي. إن الحياة تنمو مع نمو الحقيقة، أو، تنمو بها. إن نمو الحياة هو نمو الحقيقة. هذا النمو للحياة، للحقيقة، لا يكون، كما أتصور، إلا على قاعدة رؤية واحدية (نورانية) تمنحني سلاحاً نظرياً لمعالجة مشكلة الإنشطار التي هي، لديّ، أهم وأبرز مشكلات واقعنا العربي، على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجمعي. أشد مستوياتنا تخلفاً تستخدم أرقى مبتكرات العقل البشري: تستخدم الكمبيوتر، لكن بعقلية تنتجها قيم حضارية جرى تشكيلها في الماضي، وفي مناخ حضاري مباين للمناخ الحضاري الذي ابتكر وسائل التمدن المعاصر. إن الآلة لا تنفصل عن القيم السلوكية لشخص يستعملها. إذا كان الكمبيوتر يصلح لحل مشاكلنا المادية بكفاءة عالية، فإن تمثل الفرد لقيم سلوكية ما زالت دون مستوى القيم التي يتطلبها مستوى المدينة التي أبدعت الكمبيوتر، هذا التمثل، سيعطي نموذجاً إنسانياً مقسوماً على ذاته بين الحاضر، وبين الماضي، الحاضر الذي تهيمن عليه قيم أخرى أنتجتها ثقافة أخرى، والماضي الذي لا يزال محكوماً بقيم تراث تكون بعوامل زمانية ومكانية مختلفة. لكل ثقافة، أو حضارة، معاييرها السلوكية الحاكمة. من معاييرنا التحكمية معيار القبيلة الذي ما زال ينحاز للقريب لمجرد علاقة القرابة. وليس شرطاً أن تكون  القرابة عصبية. فقد تل القرابة الظرفية العابرة محل القرابة العصبية. هذه القرابة تتدخل لعرقلة توجه صحيح في التعامل مع مسالة تتعلق بمصلحة الجماعة، فتسند مثلاً، وظيفة إدارة مؤسسة كمبيوتر إلى شخص تنحصر أهليته في أنه “قريب”. هذا القريب، عليه أن يرد “جميل” أقربائه. تعيين هذا القريب، وتفضيله لأقربائه في إطار وظيفته، يحدث تعميقاً لمفهوم القبلية المبنى على القرابة العصبية، أو الظرفية، أو المصلحية، وهو مفهوم قديم سابق تطورياً على مفهوم الأمة، أو الدولة التي يستوي فيها المواطنون جميعاً في الحقوق والواجبات. عودتنا إلى مفهوم القبيلة يشطر الفرد الحاضر بين حاضره المتمثل في الدولة ككيان جمعي، والقبيلة ككيان تراثي نشأ في ظرف، أو ظروف مغايرة لتلك التي انتجت الكمبيوتر. الظروف التي انتجت الكمبيوتر، انتجته في معيّة زمانية مع تنامي قيم سلوكية حضارية تصاحب، مصاحبة عضوية، مصاحبة واحدية، عمليات التنامي التقني في اتجاه انتاج الكميوتر. نحن منقسمون بين تراثنا وبين الحاضر. ولدينا، في بعض البلاد، تشريعات تمنع استخدام أطباق استقبال البث التلفزيوني التي تسمح للمشاهد أن يتابع برامج تلفزيونات أخرى غير تلفزيون بلاده. ومع وجود هذه التشريعات، فإن انتشار اطباق استقبال البث التلفزيوني الخارجي في هذه الدولة (القبلية) أكبر من انتشارها في الدول التي تنتجها. وأستطيع أن أخمن، أن الذي أصدر هذا التشريع، “يتمتع” بجهاز استقبال عالي الكفاءة. واستطيع أن أخمن أيضاً، أنه يحارب على جبهته الداخلية، في دائرته العائلية، ليمنع بناته من متابعة عروض تتنافى مع القيم الحضارية العربية التراثية. والصراع ليس بين أب وبناته، إنه مشتعل بينه وبين نفسه إنه منشق على ذاته، بعضه محكوم بالتراث، وبعضه منساق للتمتع بالمنتجات التقنية المعاصرة. صوت فيه يصرخ بعنف يقول هذا “عيب”؛ ولديه رغبة ملحة لأن يقتنص لحظة متعة غير بريئة بمفاهيم تترك له مجالاً للتوبة، واداء الحج الذي سيمحو كل الخطايا. الانشطار أصبح ظاهرة واضحة منذ الاتصال المبكر بين العالم العربي والعالم الغربي في إطار حركة الاستعمار التي كشفت عن انحباس الذات العربية الجمعية في تاريخها المنتمي للماضي، وانحباسها دون حقائق العالم التي تنامت في أوروبا. وقد تطلع العرب، ومنذ قرنين لإنجاز مشروع نهوضي قومي. ولم يتم ذلك حتى الآن. وما زلنا نبحث عن مشروع نحقق به نهوضنا المدني. أثبتت معركتنا مع الاستعمار الغربي أن أسلحتنا لم تعد صالحة إنها صدئة. لقد أصاب الصدأ عقولنا، أصاب إرادتنا. أن الصدأ علامة رحلة في اتجاه الموت. والموت هو انفكاك الارتباط على المستوى الخارجي، أي بين الكائن وبين عالمه؛ وعلى المستوى الشخصي، فينفك الجسد بعضه عن بعض. الموت هو جمود الكائن عن ممارسة فاعليته وصيرورته موضوعاً مفعولاً به. حضارياً، نحن نعيش في حالة المفعولية. المنهج النهضوي هو المنهج القادر على أن ينقلنا من حالة الفاعلية. الفاعلية نشاط كائن حي مقدام. الحياة نسق من عوامل كثيرة، لكنه نسق واحد. حياة الكائن الحي هي فاعليته ككائن واحد، وهي فاعليته ككائن متوحد، أيضا، مع عالمه، على المستويين القومي والإنساني. كلما اشتدت فاعلية الإنسان، كلما تقدمنا نحو واحدية أكبر وأعمق. الإنسان الغربي، اعني المتقدم تقنياً، يمارس فاعليته بشدة اكبر، وجوده يتوسع أكبر واعمق، وإشارتنا إلى العالم ذي القطب الواحد، هو دليل على أن شدة الفاعلية تساوي تقدم العالم نحو الواحدية. الولايات المتحدة الأمريكية هي الشد فاعلية الآن، وهي التي تفرض، أو تسعى لأن تفرض على العالم نظاماً واحدياً، لكنه واحدي على طريقتها. الفاعلية هي شرط إنجاز النهضة. النهضة فعل قيام مقدام. ورياح الفاعلية لا تنتقل من حضارة إلى اخرى إلا وفق شروط معينة، أهم هذه الشروط أن تكون طبيعة الفاعلية طبيعة سلامية، أن تكون مؤسسة على قيم الحب والعدل والسلام. القيم التي صاحبت تنامي الفاعلية التي تهب رياحها من الغرب، قيم لم تؤسس على الحب والعدل والسلام. لقد كانت أداتها روح تنافس بصورة تسمح بتضخيم الأنوات الإنسانية الفردية والجمعية. هذه طبيعة لها نتجت عن جذور حضارية فردية، جذورنا الحضارية التي أعطت المدينة الراهنة المسطرة. علاقتنا بالحضارة الراهنة علامة نفور على مستوى الأعماق، ولكنها علاقة اندهاش، أو انفعال، على مستوى السطح. المنتج الحضاري الغربي يتحدى أعماقنا، هو إنتاج حركة الفاعلية العقلية. نحن الآن نعيش دائرة المفعولية للفاعلية التي تهب رياحها من الغرب، وللفاعلية التي تمتد من تراثنا.  فاعليتان تبث الآن بنا. الفاعليتان، بالطريقة التي نتعامل بهما تشطراننا. المشطور مفعول، المفعول لا ينجز مشروعاً نهضوياً. الواحد، المتوحد، المتصالح مع ذاته، مع زمانه، المتصالح المتوحد هو القادر على أن يفعل. لقد ورثنا مفاهيم تعرقل التطلع إلى إنجاز مشروع نهضوي. ورثنا مفهوم المخلوقية {=المفعولية}،وهو مفهوم ينتج من قراءة دقيقة لكتاب تأسيس الوجود الحضاري العربي، الذي هو أهم مكونات التراث العربي. القراءة الدقيقة له تقول إن الإنسان فاعل. الإنسان في مفهوم القرآن الكريم عابد، والإسلام رفض رفضاً حاسماً الاقتراب من فكرة الإنسان المعبود {أي المفعول}. والقرآن الكريم لم يتحدث عن إنسان مخلوق، أي إنسان مفعول، تحدث عن خلق، أي، تحدث عن فعل لفاعل. وفعل الفاعل مشحون بفاعلية خالقيته. والخالق واحد، وفعله مشحون بواحديته. الواحدية {النورانية: نورانية الحرية الواحدية} التي نؤمن بها، لها جذورها العميقة، والمتميزة عن الواحدية التي تحملها لنا الرياح القادمة من الغرب. وفيا تبقى، فإن حديثي سيكون عن الواحدية (النورانية) التي ترس معالم مشروع نهضوي، فاعل، أساسه الحب… فالحب شريعة الواحدية {النورانية =الحرية النورانية}. وكلما تجددت مصافحة الأرض للشمس، فإن الحب، واثقاً صريحاً، يعلن إني أنا القانون، أنا الأساس، أنا أزاهيركم وماؤكم وخبزكم وصلواتكم.. انا فاعل الأم، فاعل بناتها وأبنائها… أنا خالق الهزة أنا الهزات أنا سعيكم في النهار والليل أنا أحلامكم في الصحو والنوم… قال: الشيخ الصوفي الواحدي الكبير ابن عربي في “ترجمان الأشواق” “أدين بدين الحب أنيّ توجهت ركائبه “فالحب ديني وإيماني” الحب يبدع  عالماً واحدياً (حراً نورانياً). لولا الحب ما كان اجتماع. وكل اجتماع هو تحقيق لمبدأ الواحدية. الحب يبدع عالم السلام. ولا يقوم اجتماع إلا في رحاب السلام، والسلام لا ينمو في كنف العدوان.. لنصنع السلام. لنصنعه بالحب.. إن من لا يحب لا يصنع السلام. السلام هو القيمة الجماعية الأعلى. إن الله حب وسلام والجنة داء الحب والسلام ودين الله دين الحب والسلام. الحب يجعل الكثيرين كياناً واحداً (نورانياً)… وفي حرية مداها السماوات والأرض، والأزل والأبد.. ساح أريج الكينونة، فارتشفته أم وأب، وأبدع الخالق خلقاً غضاً طرياً… بالحرية (النورانية) يجئ… بالحب يجئ… أم وأب وشمس وماء وهواء.. في مكان في زمان.. في ثوب عرس نسجت أياد كثيرة خيوط حريره.. على ترانيم الأحلام، وفي ضحى الشوق وفي هدأة الليالي ومع ابتسامات القمر… تتوحد العوامل الكثيرة القديمة فيلد واحداً لا ينقسم.. يتفتح الوجود عن سمر وعن سنابل.. عن قصيدة شعر كلماتها كثيرة، صورها كثيرة… قصيدة بديعة، رقصة طروب… فيها تهتز اعضاء كثيرة هزا، جميلاً، تبعث جماليتها، من سكونها فيلتقي الجمال بالجمال… بالحب والحرية (النورانية) يلتقي الجمال بالجمال، ليبدع واحداً، ليبدع خلقاً واحداً يجدد فاعلية الفاعل المطلق، ليتأكد من جديد، أن الصفة التي تصف الخالق، هي صفة الفاعل. إن صفة الفاعل تأتي من واقعات أفعاله. إن لم يفعل أحدنا أفعالاً، هل يوصف بأنه فاعل؟! الفاعل هو من يفعل  الخالق الواحد. الخالق الواحد يفعل كثيراً، يفعل خلقاً كثيراً. كان يفعل، وهو يفعل، وسيفعل، سوف يواصل الفعل، لن يتوقف، لم يتوقف. لو أن الفاعل الأكبر يتوقف عن الفعل، لأمكن تصوره محدوداً. الفاعل الأكبر يملأ مقولة الوجود ملئ كاملاً. الوجود فاعل، الفاعل الأكبر هو الوجود المطلق الذي لا يسمح لغير ما هو وجود أن يوجد. لا شئ في الوجود غير موجود وصفة الوجود لا تنفك عنه هي صفة الفاعلية. الفاعلية هي الحرية. الفاعلية تخلق وجودنا. الفاعلية تخلقنا بالحرية. نحن إبداع الحرية. ومن يجور على حرية الإنسان، يعتدي على وجوده، يعتدي على حقه الأصيل في الوجود الأصيل. الوجود الأصيل وجود واحد. الكون نور، يقول العلم: المادة ضوء. ويقول القرآن الكريم: الله نور السموات والأرض ولأن الوجود الأصيل وجود واحد فاعل فعلاً متواصلاً، فلا بد أن يحقق ذاته تحقيقاً متواصلاً. إنه يحقق ذاته، من ذاته، وذاته واحدية، وهو يحقق ذاته في كل واحد. كل فرد منا واحد، خلقه الواحد. العوامل الكثيرة التي تشترك في خلق ولادة جديدة، تفقد كثرتها في اللحظة التي تلتقي فيها معاً، وفي كيان واحد لا ينقسم. الولادة الجديدة هي ولادة واحد لا تنقسم كينونته. والوجود كله واحد. صفة الوجود توحد كل الكائنات، عند المستوى الأعمق الوسع لها، الوجود صفة لا تغيب عن أية حالة من حالات الكائنات. تتعدد صفات كائنات ولكنها كله توصف بأنها وجود. الواحدية نظرية ينحاز بها العقل إلى الاعتقاد بأن الوجود واحد، وأن الكثرة التي نعانيها في حياتنا هي كثرة الوجود الواحد. والنظرية الواحدية (النورانية) التي أحمل أمانة التبشير بها، تؤمن بعقيدة تقرر أن الواحدية (النورانية) ليست واحدية الوجود المطلق فحسب، ولكنها واحدية الوجود المتعين أيضاً. أعني، أن كل إنسان هو وجود واحدي، يحقق فكرة واحدية الوجود المطلق الذي يتصوره العقل. النظرية الواحدية (النورانية _نظريتي) ترسم صورة واحدة (موحدة) لما هو عقلي ولما هو واقعي. العقل والواقع مرتبطان بعلاقات تنموية واحدية. الروحي والمادي في الإنسان كيان واحد. الواحدية (النورانية) تحلم بعالم الحب والسلام، عالم ينطلق من أساس الحب، عالم يفترش الحب، وينطلق في آفاق السلام. ولأن الواحدية نظرية يتوحد فيها الواقع والحلم، فإنها تحمل راية الدعوة إلى عالم يقوم بالعدل. لا تترك نارك تحرق زرعي وأرضي ثم تطلب مني أن أعطيك سلاماً… إني لا أعطيك السلام إلا إذا افترشنا الحب معاً. إذا احببتني، قسمت الرغيف بيني وبينك…إذا ناهضنا العدوانية، زرعنا الحب، وصنعنا سموات السلام… أنا وأنت نزرع الحب في الأرض أنا وأنت نحصد ونخبز رغيفاً وأرغفة كثيرة… معاً نأكل… معاً نغني ونصلي. لكننا لن نبقى معاً إذا امتدت شهوتك لتسلبني حريتي الجميلة (النورانية). الحرية ليست عدوناً. الحرية هي أن أمتلئ بالسلام وأن تمتلئ أنت بالسلام. سلامي وسلامك واحد. من حبي لك،  ومن حبك لي يجئ السلام. بالحب ينفتح عالمي على عالمك الحب يوحد عالمي وعالمك. الحب يخلق عالماً واحدياً(نورانياً) عالماً منطلقاً في أفق السلام البهيج. الحب صلاة جامعة. هو اشتعال الوجود بنور الوجود. بالحب، صعد النبي العربي بوجوده الإنساني لينفتح على الوجود الرباني. من قدسنا صعد النبي إلى ربه من قدسنا انفتح الضيق على الواسع المطلق. بالحرية (النورانية) حرية الحب انفتحت الأرض على السموات. ومن قدسنا كانت دعوة السلام قد فاضت وروت الأرض… عيسى المسيح منا، دعوة عيسى للسلام دعوتنا. كانت دعوة عيسى بالحب. كانت دعوة تناهض جمود العقل وجمود الوجدان. دعوة التوحيد التي نقول إنها دعوة إبراهيم، ودعوة موسى، ودعوة الأنبياء كلهم هي دعوة بزغت من روابي عروبتنا. دين التوحيد كله ولد في تاريخنا وفي جغرافية عروبتنا. تراثنا الأصيل العميق تراث واحدي (نوراني). تراث الانفتاح دعوة السلام دعوة أعماقنا. ومن أعماقنا كانت دعوة “الله حب”. لكن سلام الله وحبه عدل نافذ. ليس العدل أن تسلبني حريتي. العدل في الترجمة هو الحرية (النورانية). إذا أنت قهرتني، فإنك تسلب مني حقي في الحرية، حقي في الوجود الجميل.  وجودي لا يكون جميلاً إلا بوجودك أنت. ووجودي لا يكون إلا بوجودك الحر (النوراني) أنت. إذا أنا سلبت حقك في الوجود الحر فإنني أكون قد جرت على الحقيقة. إن الحقيقة هي حرية الوجود. والذين يجورون على الحقيقة، تمضغهم الحقيقة وتواصل حريتها، تواصل انفتاحها. الحرية فعل الانفتاح. حريتي (النورانية) هى الإنفتاح عليك؛ الانفتاح بك عليك. لن أمارس الحرية ما لم تكن أنت وجوداً، وأن تمارس الحرية (النورانية). إذا أنت لا تمارس الحرية (النورانية) فأنت مغلق، سيكون قلبك مغلقاً في وجهي. حريتي (النورانية) انطلاق في حريتك، لا جور عليها. حريتك شرط لحريتي. حريتي (النورانية) هي انفتاحي. الانفتاح لا يتم في العدم، الانفتاح هو انفتاح كائن على كائن. فعل ولادتنا هو فعل انفتاح. باب الوجود الذي نبدأ منه رحلة الكون هو باب الانفتاح.. بالحب ينفتح الشيء على الشيء… بالحب ينطلق شئ من الشهوة ليلتقي بالشهوة الخالقة.. بالحب، بالحرية، يلتقي اثنان في واحد. تأتي أهمية النظريات العقلية من قدرتها على معالجة المشكلات القائمة. وإن نظرية تفجر من ذاتنا العميقة طاقة الحياة الفاعلة الكريمة، وتعطينا ضماداً للجراح، وتوحدنا (بنورانية) معاً، مع ذواتنا، مع تاريخنا، مع عالمنا، مع مستقبلنا… هذه النظرية، نحسب أنها هي النظرية الصلح لبناء مشروعنا النهضوي المأمول.                                     ******************* الحب أساس لبناء جماعية إنسانية تتجه بثبات نحو السلام المطلوب لاستمرار البناء الجماعي الإنساني الفردي. والحب ينمو نحو السلام بالعدل. الحب قانون الوجود الطبيعي، وتحويله لقانون للوجود الإنساني الاجتماعي هو ربط للإنسان وللطبيعة في إطار وجودي واحد، إطار عقلي يكشف لنا من جديد عن واحدية الوجود التي نتصورها بالعقل. الحياة الاجتماعية لن تقوم إلا بقانون الحب، كما الوجود الطبيعي والحيوي {النباتي والحيواني} يقوم، كأنسان بقانون الحب. بقانون الحب نحل مشكلة الجار بالجار، الشعب بالسلطة، الأمة بالأمة، الحاضر بالماضي والمستقبل. بقانون الحب نبدع السلام… السلام الذي يعطي كلاً حقه الوجودي التام.. كما الأرض والشمس والأقمار… قانون الحب هو القانون الأكبر… إنه خالق الإنسان الوجودية. قانون الحب لا يلغي كثرة الأفراد… الحب علاقة بين الأفراد، وبدون الفردية لن يكون حب، لن يكون هناك إمكان لتصور وجود واحد مطلق {يخلق باستمرار}حر. إن ريحاً تصعد من تحتنا،إن ريحاً تزحف من بعيد، ومن قريب، “تتكالب عليكم الأمم، كما الأكلة على قصعتها”… التحدي هو تحدٍ لنسقنا الجمعي الذي يرجع إلى أصل واحدية الخالق، وواحدية الأمة، وواحدية الدنيا والآخرة. فإذا لم يثبت نسقنا في مواجهة العواطف، فإننا سنتفكك مزيداً من التفكك، ستنثرنا الريح الآتية من كل صوب، ستنثرنا في كل صوب…. الحب وحده، الحب المقنن، الحب الفاعل، الحب الذي يتبلور في مشروع حضاري مقدام، هو الذي يستطيع أن يواجه حرب التفكيك التي هي أخطر الحروب. بالحب الجماعي نواجه حرب تفكيك الفرد وتفكيك الأمة وتفكيك الزمان وتفكيك الواقع والحلم، تفكيك وحدتهما. الواحدية (النورانية) كما نتبناها، نظرية حياة، نظرية اجتماع بمنهج واحدي (نوراني). العقلي لا بد أن يتوحد مع السلوكي. والعقلي الذي يفتقر إلى اهلية التوحد مع السلوكي هو عقلي منحبس في ذاته، حقيقة لا تتجاوز دائرة انحباسه، والواحدية (النورانية) التي تعتقد أن الانفتاح مقولة أساسية من مقولاتها، تعتقد بقوة أن العقل لا يكون مطلوباً إلا بقدر انفتاحه على السلوكيات، او بقدر ما يملك من أهلية لإبداع سلوكيات تحققه. المشروع الواحدي (النوراني) في كلمة واحدة هو إبداع حياة المحبين. وشعار الواحديين (النورانيين) هو ” الواحدية (النورانية) سلام يبدعه المحبون”. الرؤية الواحدي توحدنا بالعالم، برباط من الحقيقة، مع الحقيقة، العالم هو الحقيقة، وحقيقته الكبرى هي أنه فاعل فاعلية مستمرة، فاعلية ينفتح بها على ذاته كل لحظة، ليجدد ذاته كل لحظة. والارتباط بهذه الحقيقة هو تجدد بها وتجدد معها، ومشاركة فيها، مشاركة المحب لا المدبر، المقبل لا الكاره، المنبط لا المنقبض. الرؤية الواحدية (النورانية) دعوة إلى الإقبال على الحياة ببهجة. والسلام الذي تتطلع إليه الواحدية (النورانية) هو سلام بهيج، سلام نابض بالحب العميق للحياة، سلام القلب المتدفق، القلب المبدع للأزاهير، سلام العقل القلبي الذي يوحد فرداً حياً نابضاً بالحب، مع الإنسانية ومع الكون كله، في واحدية (نورانية) تتجلى بها واحدية (نورانية) الله السلام. الواحدية (النورانية) دعوة للسلام والبهجة… ليس واحداً (نورانياً) من لا يدعو للسلام ببهجة… “أيها الواحديون (النورانيون) _ يقول المبدأ الأربعون من مبادئ الواحدية (النورانية) _ رضاً رضا، وازخروا بالشوق واستنبتوه… قولوا سلاماً رددوه وامضوا… إمضوا قدماً… إصنعوا سلاماً وغنوا له… أيها الأمجاد الذين يبدعون المطلق وتبدعهم الحرية (النورانية)… أيها الروح التي لا يستذلها الملك إلا وميضاً…” والأقمار… فليشرق  الحب والبناء والعدل والسلام والحرية (النورانية) والجمال… وسلاماً أيتها الصاحبات أيها الصحاب… سلاماً، سلاماً لكم… سلاماً منكم لكم… سؤال…. هل تعتقد أن الواحدية، كخط عالمي واضح، تؤدي إلى وحدة العواطف على اختلاف أمكنتها؟ هل نستطيع النفاذ من هذا الموقف، بعد الالتحاء إلى الأحدية، ومفهومها الديني الواسع، في التوحيد؟ صديقي العزيز الأستاذ قاسم طشطوش المحترم…. التفكير المشترك بين من يسأل، ومن يجتهد لتقديم إجابة، هو أحد صور توحد العواطف. والواحدية (النورانية) لدينا، هي دعوة للتفكير المشترك نحن نقرر الأحكام تقريراً نهائياً، لدينا وجهات نظرنا، لكننا لا نزعم أنها أفكار قطعية. نحن دعاة إلى التفتح الذي هو تجليات لقانون الحب الذي نتبنى الدعوة إلى إشعاته وعلى أوسع نطاق ممكن. الحب هو العاطفة الكبرى، وهو وحده القادر على أن يوحد كثيرين، في اماكن متباعدة زمتقاربة. ووحدة الحب لا تلغي أياً منأطرافها، الحب لا يواصل فاعليته إلا بوجود الأطراف، بوجود الكثرة، بالخروج من الذاتي، بالالتقاء معاً أنا وأنت، الحب علاقة بيني وبينك، الحب ليس علاقتي بنفسي، ليس تضخماً للأنا، هو نمو الأنا فيما بعد حدودها، ليست فاعلية الحب جوراً على الآخر، هي انفتاح على الآخر، بالاخر، هي علاقة نموي ونموك معاً. إن سؤالك يحمل تقريراً بأن في العالم الإنساني تنافر في العواطف، إنني أوافق على ذلك، لو أن عالمنا الإنساني برئ من تنافر العواطف، لما كان هناك حاجة إلى دعوتنا الواحدية (النورانية)، لو كان الناس جميعاً على قلب رجل واحد (امرأة واحدة)، فما الحاجة الإنسانية لنا نحن الذين نرفع شعار “الواحدية (النورانية) سلام يبدعه المحبون”؟! نظرياً، لو التزم الناس بقانون الحب، عن إيمان به، فإن الطريق إلى وحدة العواطف مفتوحة. ولكن حلمنا بأن يسود الحب والعدل والسلام أرجاء الإنسانية، لا يمنعنا من رؤية الواقع بالحلم، ستواصل دعوتها للتحرك الإنساني في اتجاه حلمها. لكنها لا تعد بأن هذا الحلم سيتحقق بالكامل. إن كل الأديان، وكل الدعوات الإصلاحية  لم تفعل ذلك. الداء الإنساني الوجودي ينزع إلى الخير، ونزوعه إلى الخير مناهضة للنزوع إلى الشر. الشرور واقعة، ولكن لا ينبغي أن نستسلم لها. إننا نتطلع إلى كسب مساحة اكبر للحب. واعتقد أنك تستطيع مشاركتنا هذا الحلم.. سؤالك يشي بأن لديك الرغبة في ذلك. وكثيرون جداً هم الذين يشاركونا هذا الحلم ودعوتنا دعوة لوحدة الحالمين بالحب… بعلم الحب… إن الإرادة هي التي تصنع الحب والسلام. وتفعيل الحب بالإرادة المحبة هو وسيلتنا للاقتراب من تحقيق حلمنا في خلق نسق عالمي واحد يرتكز إلى مفهومنا الوجودي الواحدي (النوراني). تمتلك دعوتنا أسباباً لا باس بها تضمن صلاحيتها وقدرتها على تجديد عاطفة الحب، وهي أم العواطف الإنسانية، على تجديدها في زمن انحسرت فيه، وبصورة مقلقة، هذه العاطفة الأم.. نحن ندعو للحب في زمن يستدعي الحب، ونحن ندعو للحب الذي يخلق السلام البهيج. إن السلام المؤسس على الحب هو سلام بهيج، سلام ذو خدود متوردة، متوهجة بالعاطفة الجياشة. هذا السلام البهيج هو الذي يضمن لكل منا أن يمارس حياته بحرية جمالية… دعوتنا لعاطفة الحب مؤسسة على مفهوم عقلي، إنها إنتاج عقل محب. عقل يسبر أغوار العلاقات الإنسانية ليكشف عن أصالة واحديتها(النورانية) الوجودية. وهي دعوة بالعقل لبناء نسق هو _الحب _العدل. إن مشكلة الإنسان في كل الأزمان، المشكلة التي تفاقمت في أيامنا، وستتفاقم، هي مشكلة اعتداء بعض على بعض. العدوانية هي المشكلة. الحب يواجه العدوانية، يواجهها بالعدل. أعتقد أنك تعي، وبصورة عميقة، أننا نعيش في عالم إنساني في بعيد عن العدل. وبمقدار بعد الإنسانية عن العدل، نحتاج إلى رؤية توظف جميع أدوات الفاعلية الإنسانية المقدامة لمواجهة الظلم… أدوات دعوتنا هي العقل، وأم العواطف، عاطفة الحب، والحلم بالسلام البهيج، وقبل ذلك، ومعه، وبعده، الإرادة التي تنقل الإنسان من دائرة المفعولية إلى دائرة الفاعلية… بهذا الانتقال نتحرر من أنواتنا الضيقة… لنغدو رسلا يحملون دعوة حب للناس جميعاً… رسلا يبشرون بدين الحرية (النورانية) والسلام والجمال وإرادة الحياة والعدل والحب… وسلاماً لك أيها الصاحب… سلاماً لك.. وسلاما منك لك…

(*) محاضرة ألقيت في ملتقى إربد الثقافي، في مدينة اربد، بالأردن. (**) رسالة وجهها لي مستمع لمحاضرتي بعد الفراغ منها.

فلسطين – غزة – دير البلح alnoorani@hotmail.com

 

تسألينني ما العدل ما الحرية؟!

الدكتور حسن ميّ النوراني ********************************************* ألست التي دفقها الأحمر كان فجري؟! ألست التي شوقها الأبيض كان جداولي؟! ثم أنت التي كان من تحتنا بحرها مجاديف بحري؟! ما العدل؟ حرثٌ.. وما الحرية؟ حرثنا معا.. أنت التي الأريجَ زرعتني… العدل أن يروي الأريجُ الظمأ… الحب رواء الظمأى… هذي الحرية، نماء هي.. براءة الحب نحن فلا تفقئي العين التي يهديها الحب وتهديه… ألست ينبوعين للعشق أنت؟ أنت الحرية هي.. والعدل يا ابنة أمي.. من ينابيعكِ، ينطلقْ، في المجد.. خلودنا… الحرية أن تنشق أبواب المأتى، ومخازن الروح.. عن خلودك، وخلودي… العدل يا ابنة أمي فرَج وبحر ماء وعذابك العذب ووثبة الروح… وكانت عيونُ جمارِنا نورَنا… والحرية جدائلنا هي.. يا ابنة أمي لا تجعلي كنـزك من ذهب ونقدٍ، ثم تجعلي عنه زكاة وتخايلا.. كنوزنا كرامنا، وزكاتنا نماء الحب بيني وبينك.. الكريم الذي يعطي ذهبَ الروح هو كنـزنا… الذي تشرق الأقمار من حناياه هو الكريم… الذي يسقينا ماء الروح من ينابيع الروح، كريمنا هو.. إذا أطلقنا أشرعة الروح في بحور الروح أبدعتنا الحرية بهجة من ضفائر الأقلام والألحان والصلوات.. تسألينني ما العدل يا ابنة أمي، أصغي إليّ.. رَوَتني ينابيعك، فهذي ينابيع روحي فليطأ ثراها الهائم والجاثم والظامئ والثريا والحجر والشجر… تسألينني ما الحرية؟ فإذا جدلنا أغاريد الصبايا وزغاريد جوقة ربانية تعزف أنشودة المأتى في أطياف الورود صارت نفوسنا أريج النور… إصغي إليّ يا ابنة أمي… إذا أنقلعنا من أكاذيبنا، في طراوة البراءة البكر تغدو أشرعة المجد صهوات جياد من رطيبات القلوب.. بهجة الروح هما العدل والحرية… جمر النار في الحرية العدل نوراً يغدو… نوراً ينمو.. ما العدل ما الحرية؟ أأنت تسألين..؟! أنت التي القبةَ، قبة الحب، كنت.. وأنا كنت الذي تحت القبة.. والحبَ ثم أنا مئذنة غدوت ثم الحب يزرع في حبنا مئذنة… تم القبة العتيقةُ قبةً أخرى تغدو…؟! هذا العدل هو وهذي الحرية … النار التي أشعلتها الأرض والسماء نور يشعلنا… نور نشعله أرضا وسما.. وأنت وأنا الأرض والسماء والمحراث والحرث… ما العدل؟ حرث معاً نحرث!! ما الحرية؟ بالبهجة.. للبهجة… معا نحرث!! وخبزنا لنا.. نحن الذين حصدنا الرياحين معا الخبز لنا والرياحين.. هذا العدل هو وهذي الحرية هي… يا ابن أمي اصغِ إليّ.. أنت تأسر مالي ومالك، في خزائن ظلمات تأسره… لماذا أنت تشعل ناراً تلظي تأكلك وتأكلني؟! إن أنت سلبتني الحرية مارد السعير ينفجر ليس في الأرض قديسون كثيرون إن أنت أغلقت خزائن الظلامات على الماء والخبز والعطر وأبواب المأتي وزكاتنا، قاموا فمضوا.. لماذا توقد نار الفتنة في جهالاتك وجهالاتي؟! اصغِ إليّ.. النور عدلٌ.. النور حرية… اصغِ إليّ… الجمر في قبضتك، نار عذاب… لكن الشموس والأقمار والأزهار وفراشات العسل… عارية تأتي… أنا وهي وأنت من المأتى أبكاراً أتينا… هي وأنا وأنت عرايا الحرية نحن… أألله من حريتي يبدعني.. أألله في الحرية يبدعنا وجهالات البغضاء تجور وتقتل؟! يا ابنة أمي يا ابنة أمي أنا النور الذي هو الله أنا ما قلى أنا النور في النار نور وفي الضيا نور أنا هو… أنا العدل يا ابنة أمي فلا تهني.. أنا الحرية يا ابنة أمي أنتُنَّ كرامة الضيا ما الحرية؟ صلاة الزوايا ما العدل؟ صلاة النار في نور الضيا ما العدل الحرية؟ معزوفة البهجة البكر ونزرع الحقل ونصلي.. صلاةَ الحب الجامعة نصلي.. وأتي الهدى.. من باب مأتانا يشرق الهدى ما العدل ما الحرية؟ نبي أشعل المزامير.. شق ملاك الرحمن صدره، فاشتعل القمر.. وها إلهي… أسامره يسامرني، تسألينني ما الحرية ما العدل؟ رَبُّ عذوبة الوصل هو، ولؤلؤ عين العشق… بهجة قيثارتي والثرى والمطر ودثار ليلنا وعيون أحلام تتلألأ وسلام وجمال وحكمة.. هذا العدل يا ابنة أمي هو، هذي الحرية هي…

*****************************************************

غزة بيت لاهيا 20/11/1996

مجد الحب مجدنا الله فائق يتفوق بتواصل ونحن نمتلئ بالله، بقدر تفوقنا، وتواصلنا يكون الواحد إلهياً كلما كان قادراً على التفوق على آخر اللحظات… كلما كان على الإفلات قادراً … والإلهية لا تنفك عنا ولا ننفك عنها وثمة تمايز بين إلهية لا تتفوق على اللحظة الأخيرة.. وإلهية تتقدم في الفوق.. تقدما أخلاقيا.. الإلهية في إنسانيتها إلهية أخلاقية.. كذا يجب.. هي اجتماع متحرك الإنسان في الاجتماع يحيا، بالاجتماع يحيا الاجتماع نسيج يخلقه الإنسان الأخلاق نسيج الاجتماع الأخلاق تفوّق الاجتماع حياة تتمدد مني إليك الإلهية تملؤك وتملؤني كلما كنت فائقاً أكبر… كنت إلهياً أكبر الإلهية التي تملؤني تتوتر توتر الإلهية وثبة روح جديدة… ثورة نبوة… وثبة الروح وثبة بطل الروح في وثبتها حرية البطولة الروح في وثبتها انفتاح الحب الحب ارتباطنا العميق المضيء بعالمنا البطولة حب.. الحب حرية البطولة – التفوق – انفصال هو حرية، واتصال هو حرية الحرية مطلب الإرادة الإلهية في إنسانيتها هي حرية الإرادة… هي حرية الاجتماع المنفصل عن إلهية الطبيعة، المتصل بها حرية الاجتماع هي ارتباط الإنسان بالعالم، بالله مطلقاً هي عبادتنا هي الصلاة الفائقة… التي بها تكون الفائقة والفائق هي أم كل دين، كذا يجب هي فاعلية كل دين، كذا يجب هي الدين فوق كل ظرف هي الحب… لا العدوان حرية الحب هي النورانية… والحقيقة الحب يذهب بالظلمة فيشرق النور أنا أومن بك أيتها الحرية النور نورانيتي إلهيتي نورانيتي… أنت مجدي أنت في الأرض مجد أنت مجدنا… نحن بنات الأم الواحدة وأبناءها نورانيتي حريتي حرية بنات أمي وأبنائها نورانيتي حرية تستضي بها كل حرية حريتي نور لا نارا شهوة التملك نار شهوة التملك فساد الإنسان وظلاماته حرية النوراني براءة الأجنة في أمهاتها حرية الحب حرية النوراني طهارتنا من كل رجس شهوة التملك هي الرجس كله إني اشتهي الله فائقاً… اشتهي الله الذي لا تغتاله الضوراي ولا تقهره جهالات العتمة إني أحب الله الضياء… ضياء داخلي وخارجي وضياء الله هو النوراني وبي – أنا النوراني- يستوي الله على العرش وينمو الحب على عرشنا يستوي وينمو ويزهر الله – بي أنا النوراني – يوحي ويجاهر.. أنا الواحد وأنا النورانية واحد وبالنورانية العالم بالحب واحد النورانية حرية كل واحد النورانية واحدية مجدنا… مجد الحب مجدنا بركان الروح الإلهية نورانيتي… بركان البهجة هي بركان الطهارة المشاع وأنا النوراني لا أقهر… إن الله إلهي لا يُقهر أنا الديمومة الأجمل أنا الذي بالموت يحيا… إني فيك، بك، أي بنيتي ..أي بني… أي أخيّة، أي أخيّ.. أنا أحيا وأنت أيها الظلام أنت نور وأنت التحدي الظلامية ساحة النضال النوراني أنا النوراني واحديّ… ليس العالم نوراً وظلاماً.. إن كل شئ نور الحرية نور في حرية الظلامية نور يتاهب للحرية الحرية نوراني واسع الظلامية ضائقتنا وعتباتنا أنا النوراني كلمة تضئ قصيدة وتستضئ بها… أنا نور في جماعة هي نوري أنا النوراني معناي فاعليتي.. فاعليتي انفتاح قلبي وعقلي أنا الصانع في الصانعين وبالإيمان نفلت من كثافة الظلمات العبودية انغلاق العبث وإذا صرت إلاهيا تدفقت الحقيقة في أوصالي واستخرجتُ هوية انتمائي الأكبر إني أنا النوراني لذاتي أنتمي إن المجد ذاتي وأنتـُنّ وأنتم هوية مجدي وأنا النوراني عدلٌ “نبي” العدل أنا إلى قوم استخفهم الظلم فأذلهم “نبي” الزمان الذي تأكل فيه الغابةُ الناسَ والأوطانَ أنا إليّ إليّ هاتن .. هاتوا.. لنبني للنور وطنا إليّ إليّ.. لنبي للسلام مجدا.. مجداً لنا.. هنا.. لنا بني الإنسان وعندما رشقتني سواعد الظلامات بحجارتها، أفقـْتُ على عشق كبير، وأضأت السبيل، فاستنار المجد إن الشقاء جهالة فإذا امتلكنا إرادة وبصيرة، تتنزل الحرية نورا إن الله النور يخلق نورا وأبي وأمي في النور اجتمعا… بالنور اجتمعا جمعني النور وأنا اجمعه وذهب الظلام بددا وحينُ ولادتنا، حينُ ولادة الحرية من جديد وكل ولادة جديدة سعادة جديدة ولادة الحرية بهجة النماء الخلق جمال.. الحرية جمال الحرية التجدد… وهذي الحقيقة.. وحرية النوراني جمال يتجدد ويا قوم.. الفضاء مشاع الحب مشاع الخبز والماء مشاع وأنا لكم مشاع أنا الفائق بعدلي فيكم وبعشقي أنا حريتكم أنا حق الحق أنا مجدكم .. كرامتكم، عزتكم.. أنا.. فلا يغويكم الوهم ولا الماضي شمس اليوم بكر وإن فضضتم بكارة الزوايا المظلمة تبدعون النور من جديد… بعلم وعزم أطلقوا أشرعة مجدنا.. حريتنا النورانية حرية الأزهار المتفتحة.. هي العراء في الضياء والسلام طمأنينتنا الكبرى… هو نورانيتنا الأكبر                          غزة بيت لاهيا 15/12/1996

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s