نبوة محمد وانجراحه وجنسانيته – مقاربة نفسية

الدكتور حسن ميّ النوراني
تروي الأناجيل المسيحية عن النبي عيسى قوله: طوبى للمضطهدين..
عيسى ولد مضطَهدا. فهو ولدَ لأمه مريم، التي اتهمها ذووها أنها حملت بعيسى حمل زنا. هربت به أمه إلى مصر.
نحن أمام طفل، متهم في نسبه، تهرب به أمه.. مما يخلق له معاناة قلق، واضطهاد.. هذا الطفل يواجه اضطهاد الناس له ولأمه، وفقا للقرآن، بإعلان نسبه لله، وبأنه رسول الله: “ويكلم الناس في المهد..”! أما الأناجيل المسيحية الرسمية، فقد دافعت عن عيسى بالقول إنه ابن الله.
نبي اليهود، موسى، مرّ أيضا، وهو طفل، بتجربة اضطهاد وقلق. وفقا للنصوص الدينية، قامت أمه بإلقائه في البحر، بعد ولادته، فلقفه رجال فرعون.. تربى موسى في قصر فرعون. لكنه ظل يعاني تجربة الاضطهاد، التي تفسر، وبعدما بلغ مرحلة الرجولة، بقاءه على ولائه لقومه اليهود المضطهدين في بلاد غربتهم في مصر، وفقا للنصوص الدينية. الاضطهاد شعور عاشه موسى وهو في قصر فرعون. وتحت ضغط ما يشعر به من اضطهاد يقع عليه من المصريين، انحاز لرجل من أهله، اليهود، لدى عراكه مع مصري. موسى قتل اليهودي، قتله ظلما، وفقا لرواية القرآن. وكاد أن يقتل مصريا آخر في عراك بينه وبين يهودي أيضا. قتل المصري الأول، تعبيرا عن اضطهاد وقلق شعوري، عاد مرة أخرى ليدفعه لمحاولة قتل مصري آخر. قتله لمصري، فاقم اضطهاده وقلقه، فهرب تحت تأثيره، من مصر ولجأ لرجل روحي صالح منحه ابنته زوجة له، وشحذه بطاقة دينية، تطورت إلى نبوة. عاد موسى إلى قومه في مصر، وقادهم، كنبي، للهروب من مصر. كان اليهود، وفقا للروايات الدينية، مضطهدين في مصر.
دخل اليهود في تجربة اضطهاد خلال منفاهم في غربتهم القسرية في بابل. في أجواء الاضطهاد وبمشاعره المقلقة، دون اليهود كتابهم الديني.
يتجسد شعور اليهود بالاضطهاد، برفع نسبهم إلى إبراهيم، الذي تصوره اليهود، وبعدهم محمد، مضطهدا من قومه، اضطره اضطهادهم للهجرة، هربا بنبوة، يعتبرها النبي محمد، نبوة أبوية له.
الاضطهاد لازم إبراهيم، أبو اليهود الأعلى، وابو محمد، المتخيل، في رحلة ساقته إلى مصر، التي دخلها قلقا من قتل يتربص به، بسب زوجته سارّة، الجميلة، التي اعتقد أنها ستغري المصريين، بجمالها، وأن المصريين، رجال فرعون، سيتخلصون من زوجها بقتله، لتخلص هي لاستمتاع فرعون بها. إبراهيم واجه موقف القلق من الموت المضطهِد له، بحيلة تستدعيها غريزة الحياة عندما نواجه خطرا: حيلة الكذب؛ فقال إن سارّة أخته. فنجا.. وكافأ فرعون، إبراهيم وسارة، بأموال، وجارية اسمها هاجر.
سارة العقيمة حتى حينه، سمحت لإبراهيم بمضاجعة جاريته هاجر. ولدت هاجر إسماعيل، من إبراهيم. ولادة إسماعيل، جد النبي محمد، وفقا للتراث الديني الإسلامي، فتحت ينبوع اضطهاد جديد. أمرت سارة زوجها: أبعد عني هاجر الأمة، وابنها إسماعيل. حمل إبراهيم هاجر ووليدها إسماعيل إلى أرض لا زرع فيها ولا ماء، صارت مكة، بلد محمد فيما بعد. غادر إبراهيمُ الأمَّ ووليدها في الصحراء الجرداء، وعاد إلى زوجته سارة. النبي محمد، يرفع نسبه إلى إسماعيل الطريد الذبيح: إبراهيم عاد لزيارة ابنه الطريد، وتنفيذا لحلم رآه، كاد أن يذبح الطريد.
النبي محمد ابن الطريد الذبيح. ومن موطن غربة الجد الطريد الذبيح، اسماعيل.
النبي محمد، هو النبي الذي عاش خبرة نبوية كاملة. هو النبي الذي نجح مشروعه النبوي نجاحا كاملا في حياته. النبي محمد، وصف نفسه، بأنه “ذو العينين”، يقصد أنه يجمع معا تجربتي عيسى وموسى النبويتين. وأنه ابن إبراهيم وإسماعيل.
محمد، ينتمى روحا ونسبا، لأنبياء عانوا خبرات قلق واضطهاد! على أرضية اضطهاد خاص بمحمد، سنتناوله، تماهى محمد، مع اضطهاد رسمه الموروث الديني الحاضر في بيئته. اضطهاده الخاص، تفاعل مع الاضطهاد الكامن في الموروث المنقول عمن يعتقد محمد أنهم أصوله التاريخية، الذي بدوره، كمن في عقل محمد الباطن؛ ما خلق حالة اضطهادية كبيرة، لدى محمد، أنتجت نبوته. في مخزون محمد العقلي، ارتبط اضطهاد من اعتبرهم أجداده، روحا ونسبا، بدورهم الديني. الارتباط بين الاضطهاد والدينية، في المخزون التاريخي الديني لمحمد، ترجمه شعور محمد المضطهَد، إلى استجابة انفعالية دينية، لا واعية في بدايتها، دفعت بخبرة محمد الشخصية، في اتجاه ديني. فأسس تجربة دينية استوعبت تراث محمد الديني التاريخي، وفق معايير ظروف محمد الزمانية والمكانية، ووفق بنائه النفسي الشخصي الاجتماعي المعرفي.
ولد محمد يتيم الأب. هذا يساوي القول: ولد مضطهدا باليتم. لا ينتفي اليتم المضطَـِهد، حتى لو قبلنا المقالة التي تشكك في بنوة محمد لعبدالله، وتزعم أن محمد، وكان اسمه قثم، ولد بعد اربع سنوات من وفاة عبدالله، من زنا عبدالمطلب أبي عبدالله، أب بآمنة!
وعاش محمد اضطهاد غربة وهو طفل، عندما غادر حجر أمه، إلى حجر مرأة أخرى، في بلد بعيد عن موطن ولادته، لإرضاعه. تبين كتابات المؤمنين بنبوة محمد، أن نقل الطفل محمد لمرضعة في البادية، يعود إلى عادة عربية قديمة، لإكساب الطفل خصائص من البادية، لا تتوفر في مكة. وقد تدعم عملية نقل الوليد محمد، إلى منطقة بعيدة عن مكة، الفرضية التي تشكك في صحة أبوة عبد الله لمحمد، فنقل الطفل، قد يفهم، أنه إقصاء لمعالم جريمة زنا بين عبدالمطلب وآمنة، أثمرت قثم، الذي صار محمدا فيما بعد؛ إقصاء إلى حين، لإنقاذ السمعة من تهمة سيعفو الزمن عنها، وينساها الناس؛ أو اقصاء للواقعة من النفس، هربا من ضغطها الأخلاقي، ومن اضطهادها، للفاعلين، اضطهادا أصاب محمد وهو جنين، ثم وهو وليد، يجد نفسه، بعيدا عن أمه!
ولد محمد مضطهدا، سواء عاد اضطهاده ليتم من أب مات، أو يتم من أب أقصى ابنه، عنه، إلى مكان بعيد عن الأم. عاش محمد، اضطهاد اليتم من الأم والأب معا وهو لا يزال طفلا..
وعاش فقيرا في مجتمع تحكمه طبقة تجار. والفقر يضطهد!
وليواجه اضطهاد الفقر له، عمل راعيا للغنم، ثم أجيرا لدى خديجة، التي تنتمي لطبقة تجار مكة.
فيما بعد، كانت خديجة، ملاذه الآمن، وهو يرنو للهروب من اضطهاد اليتم والفقر معا.. وافق على عرض من خديجة ليتزوجها. خديجة الزوجة، كانت بمثابة الأم الغائبة: كان في الخامسة والعشرين، وكانت تكبره بـ 15 عاما؛ منحته مشاعر أم بأنوثتها المتقدمة، ومنحته أمنا ماليا، كان يفتقده؛ ومنحته مكانة اجتماعية من مكانتها الرفيعة؛ وأهم من ذلك كله؛ منحته أفقا روحيا، حثّ تطلعا تولد لديه، منذ تنبأ له الراهب بحيرا، بمستقبل عظيم.. فهل ثمة مستقبل له أعظم من أن يكون نبي قومه، وخاتم النبوة في الناس كلهم؟!
كانت خديجة على صلة وثيقة مع ورقة بن نوفل الحنيفي المسيحي. هذه الصلة، وفرت لمحمد مناخا روحيا، حثه على قضاء خلوة طويلة الأمد في غار حراء، انتهت بإعلان نبوته. توجه محمد للخلوة الطويلة، يكشف عن مشاعر اضطهاد لديه، تدفعه للعزلة، التي يبدو أن زواجه من خديجة كان، من جانب مختلف عما ينعم به في الظاهر من امتيازات، يعززها.
زواج محمد من خديجة، كان فرارا من اضطهاد الفقر واليتم وهامشية وجوده، في مجتمع تحكمه معايير ظلم الضعفاء المضطهَدين. هرب محمد إلى أمن خديجة المادي والاجتماعي والروحي.
ولكنه، بتخميني، وقع ضحية اضطهاد جديد، بزواجه من خديجة. بعد وفاتها، وبعد تجاوزه الخمسين من عمره، سجلت حياة محمد ظهور قوة جنسية عارمة له، يعبر عنها قوله أنه حُبِّب إليه النساء، وربط حبه للعطر بحبه للنساء. وقيل، إن النساء ينجذبن لرجل متعطر. النبي، ربط حبيه الجنسيين، بالصلاة، وقال أنها قرة عينه. هذا يعني أن الجنسانية النبوية المحمدية جسدية روحية.
أخمن أن النبي، عانى من كبت جنسي خلال حياته مع خديجة، كزوجة وحيدة. الكبت الجنسي، عامل اضطهاد. التفريغ الجنسي العميق الواسع الذي نعم به النبي، بزوجاته وخليلاته العديدات المثيرات، في مرحلة المدينة، بعد خديجة، يعني بتقديري، تحررا من الكبت الجنسي القديم، الذي اضطهده، لدى زواجه من مرأة، قامت بدور الأم، لكنها – ربما- لم تمنح رجلها ما يحتاجه كذكر. نعم، الرجل يحتاج أمومة من زوجته؛ لكنه بحاجة إلى أنثى كاملة، تحرره من كبت الدافع الجنسي، المضطهِد.
كبت محمد الجنسي المخمَّن، خلال زواجه من خديجه فقط، كان مصحوبا بروحية وفرتها له زوجته المنتمية لعائلة حنيفية نصرانية. وهاربا من اضطهاد الكبت الجنسي، انتقل محمد من حاجة شاب تغلي الشهوة في عروقه، إلى معتكف في غار حراء، اعتكافا روحيا، انتهى به إلى إعلان نبوته.
تجربة محمد النبوية المتقدمة، ربطت شهوانيته الجنسية بالأفق الروحي. هذا شاهد يؤيد أن ارتباط الجنسي بالروحي، لدى محمد، يعود إلى بداية تجربته الجنسية التي عاشها مع خديجة. فهو لجأ للروحي فرارا من اضطهاد كبته الجنسي، ووظف الروحي فيما بعد، لطرد اضطهاد الكبت الجنسي القديم، من نفسه.
وفي موازاة انتصاراته السياسية العسكرية الباهرة على العرب، فتح مساحة جنسانية واسعة، بشهادة سيرته التي سجلت أنه قام بالزواج وخطبة بما يربو على أربعين مرأة متنوعات الصفات، فضلا عن نساء التسري. زعم مدافعون عنه، أن زواجه من نساء كثيرات، يعود لرغبته في تعزيز علاقاته بالقبائل العربية، أو بأشخاص لهم مكانة أثيرة لديه. لكن وثائق التاريخ، ترجح أن النبي كان يسعى لإشباع نهم جنسي لديه؛ فإذا وُصفت له امرأة جميلة، سعى للزواج منها؛ وإذا اكتشف عيبا جسديا أو أخلاقيا منفرا، في عروسه، أمرها باللحاق بأهلها فورا؛ وعزم مرة على إيقاع الطلاق بزوجة له، فقدت أهليتها الجنسية، لكنه رجع عن عزمه بعدما تنازلت الزوجة غير المرغوب فيها جنسيا، عن حصتها في قسمة النبي الجنسية، لصالح عائشة!
وحدت نبوة محمد، بعد وفاة خديجة، الروحي الديني، بالجنساني. الأول، ممثلا بانتصارات محمد السياسية العسكرية، التي أثمرت دخولا عربيا واسعا تحت راية “لا إلاه إلا الله محمد رسول الله”؛ والثاني، بامتلاك جنساني واسع ونشط، متفوق على امتلاكه الجنساني الخامل في مرحلة خديجة. وينسب للنبي محمد، أنه قال مرة، في مرحلة ما بعد خديجة، إن الله كان يصرفه عن الرغبة في النساء، إلى أن نزل عليه جبريل، بوليمة فجرت رغبته الجنسانية، ومنحته فحولة متميزة، تعادل ما يملكه أربعون رجلا! وتقول سيرته، أنه كان يدور على نسائه التسعة، في الليلة الواحدة.
يروى أن عائشة، خاطبت النبي يوما، بقولها: مالي أرى ربك يعجل لك في هواك! وكانت إشارتها إلى قضية جنسية نبوية، تدخل الوحي فيها، لصالح هوى النبي محمد. فقهاء المسلمين، تحدثوا عما سموه “خصوصيات النبي”. وهي أحكام تنطبق عليه وحده، من دون المسلمين جميعا. هذه الخصوصيات، في أغلبها، تتعلق بحياة النبي الجنسية: يحق له أن يتزوج من يشاء من النساء؛ لا يحق لأي مرأة يطلبها النبي للزواج أن ترفض طلبه؛ لا يحق لأي زوج أن يحتفظ بزوجته إذا بدا أن النبي يرغب في الزواج منها؛ لا يحق لأي رجل أن يخطب امرأة يريد النبي الزواج منها؛ لا يحق لزوجاته بعد مماته الزواج.
معاناة الأنبياء من الاضطهاد، تسمح بطرح فرضية جديدة لفهم ظاهرة النبوة. لا أزعم أن الاضطهاد هو العامل الوحيد الذي يفسر ظاهرة النبوة. ولكن معاناة الاضطهاد، حاضرة في تجارب الأنبياء، حضورا قويا، يسوغ افتراض أن ظهور النبوة يحتاج لتجربة اضطهاد عميقة.
النبي محمد، صاحب تجربة النبوة المكتملة، يقدم نموذجا واضح الدلالة، على مركزية الاضطهاد في التجارب النبوية. عاش النبي محمد مضطهدا منذ مولده، حتى إعلان نبوته. وزادت حدة اضطهاد طبقة مكة الحاكمة للنبي، بعد إعلان نفسه نبيا. وبقدر ما كان اضطهاد رافضي دعوته يزيد، كان ثباته على إيمانه بأنه نبي يزيد أيضا، رد على عمه، الذي حاول إثناءه عن أمره، بعد اشتداد ضغوط قادة قريش واضطهادهم له، فقال: والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته..!!
الاضطهاد خارجي، يتحول في داخل النفس إلى انقهار. اضطهاد النبي خلق لدية انفعالا انقهاريا. كان انفعال النبي الانقهاري سلبيا قبل النبوة. انتقل محمد إلى مرحلة الانقهار الإيجابي، مع بلوغ منحنى الاضطهاد درجة انكسار، انقلب عندها اتجاه المنحنى نحو الصعود. في غار حراء، جاءه جبريل للمرة الأولى في حلم منامي. بعد أن استيقظ محمد من مفاجأة الحلم، رفع رأسه إلى السماء، رأى جبريل وسمعه يقول له: أنت رسول الله. الله القاهر فوق عباده.
النبي محمد، يصعد، متحررا، من انقهاره النفسي، إلى “قاهر فوق عباده”!
الأحلام نشاط للعقل الباطن، المتكون من خبرة شخصية ذاتية واجتماعية. عقل محمد الباطن يختزن تجربته الانقهارية الخاصة، مضافا إليها، إضافة تفاعلية، تجارب الأنبياء الذين عانوا من الاضطهاد، خاصة الحاضرين منهم في الموروث الثقافي العربي: إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى. وأخمن، أن قصة الذبيح إسماعيل، كانت الأشد تأثيرا في بناء عقل محمد الباطن، وتفاعليته. قصة إسماعيل لها تأثيرها التراجيدي على بناء محمد النفسي؛ فما عاناه إسماعيل، يعود لكيد نسائي، واضطهاد امرأة تأكلها الغيرة، من أخرى، كانت عبدة لها، لكنها تفوقت عليها لدى الزوج، بولادتها طفل كان إبراهيم يشتهيه، وجاءه بعد أن طعن في السن. سارة، استغلت وهن إبراهيم، وأمرته بإقصاء هاجر وابنها إلى مكان بعيد. أذعن إبراهيم لإرادة سارة، فهي مصدر الخير الذي عاد عليه من مروره بمصر، حيث أصاب منه كثيرا، عندما وافقته سارة على أن يدعي أنها أخته، ما سمح لفرعون بالتمتع بأنوثتها الجميلة. قد تكون هذه “زلة” استخدمتها سارة لإجبار إبراهيم على الإذعان لإرادتها، في مسألة سببت جرحا داميا لأنوثتها، وهي فشلها في الإنجاب حتى حينه. وقد تكون سارة قد استولت على الثروة التي تلقاها زوجها من فرعون مصر، ما يجرد الزوج المسن من ورقة قوة هامة. رجل طاعن في السن، ولا يملك طاقة جنسية، ولا يملك ثروة، هو رجل مَهين في ميزان النساء. وهو رجل مضطهَد مقهور.
اضطهاد إبراهيم وانقهاره، كما يحكي التراث الديني الذي تلقاه محمد، يدخل في بناء الصورة الموروثة عن إسماعيل، الذي دفع ثمن اضطهاد أبيه، واضطهاد أمه، العبدة قبل انتقالها لملكية إبراهيم، المطرودة مع وليدها، إلى أرض جدباء، لا زرع فيها ولا ضرع ولا ماء!
ترتفع وتيرة تراجيديا قصة إسماعيل، بما تحكيه كتب الدين، عن زيارة إبراهيم لابنه بعدما شبّ، حاملا معه إرادة الله تأمره بذبحه، تقربا لله. قد تكون غيرة سارة القاتلة، وراء إرادة ذبح إسماعيل. ولدى محمد، فالذبيح المضطهَد جده.
النبي محمد، عانى خبرة اضطهاد، منسوجة من تجربته الشخصية، ومن ثقافته الدينية التي تلقاها من بيئته.
محمد نبيل النسب، وذو أخلاق رفيعة: صادق وأمين، يكرم الضيف ويساعد المحتاج، ويتعاطف مع البؤساء، وجواد، وشجاع، وذو طموح اجتماعي ديني وأنفة من عبادة آلهة قومه. بهذه الفضائل، لن يستمر خموله في دائرة الانفعال الانقهاري السلبي، إلى الأبد. في لحظة ينفد فيا الصبر على الاضطهاد، سينقلب، تفاعل محمد السلبي الصابر، إلى انقهار فاعل إيجابي. جاءت هذه اللحظة الانقلابية، عندما نفد صبر محمد، على اضطهاد الجنسانية السلبية لزوجته خديجة، التي كانت قد بلغت سنّ اليأس البيولوجي، وما ينجم عنه من نفور جنسي لديها، يقابله حرمان جنسي شاق، لدى الزوج محمد الذي لا يزال في ذروة رغبته الجنسانية، الظمأى، المقيدة المكبوتة بزوجة وحيدة، ميّتة جنسيا، نشطة روحيا، ثرية معطاءة ماليا.
وتفاعل محمد مع انقهاريته، موجه ذاتيا، بتصور محمد لله، وتخيله له، كأعلى وأسمى وأقوى مراتب الوجود، الحاضر في الوجود، من خلال انبياء يرسلهم للناس، الوهاب وحده للرزق، ومنه الرزق الجنساني.
النبوة تفاعل إيجابي مع واقع ظالم قاهر. يشهد بهذا قصص القرآن عن إبراهيم وموسى وعيسى.. هؤلاء، قبل محمد، هم كبار الأنبياء. كان محمد مطلعا على قصصهم من الثقافة التي تلقاها. مواقف الأنبياء الكبار كما ترسمها ثقافة محمد، كانت مواقف إيجابية مناهضة للظلم والقهر. هذا وقر في عقل محمد الباطن. على صعيد العقل الباطن، تفاعلت خبرة محمد الثقافية التاريخية، بما في ذلك، تصوره المتخيل لله، مع تجربته الجنسانية مع خديجة، وخصائصه الأخلاقية؛ فأثمرت انفعالا إيجابيا، تحول إلى فعل تحت مسمى: وحي إلهي! المسمى، أتى أيضا، من خبرة محمد الثقافية التاريخية الاجتماعية وتجربته الشخصية الدينية.
ساهم زواج محمد من خديجة ببناء تجربته الدينية ؛ فخديجة ابنة عم ورقة بن نوفل، الحنيفي، أو المسيحي الناشط في زمانه. وخديجة وورقة، من أسرة ذات علاقة بالحنيفية أوالمسيحية. كان العرب زمن محمد يسمعون من يهود الجزيرة العربية، تبشيرهم بمقدم نبي جديد. وروي عن الراهب بحيرا، أنه تنبأ لمحمد بأن يكون نبيا. وعشيرة محمد، قامت بدور الراعي الديني للكعبة، ذات الدلالة الدينية المرتبطة بإبراهيم، وإسماعيل؛ والعرب اعتقدوا أن إبراهيم وإسماعيل هم بانيا الكعبة، بأمر إلهي.
النقطة الأخيرة ذات صلة بتخميني عن شدة تأثير قصة إسماعيل على نفسية النبي، وبنائه العقلي الباطني. بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة، أول بيت لله في الأرض، وفقا للقرآن، انفعال إيجابي واجها به الاضطهاد الذي عاناه الاثنان.
وفقا لما رسخ في عقل محمد الباطن؛ أبو الأنبياء إبراهيم، ومعه جد محمد إسماعيل، بنيا لله، أول بيت لله في الأرض. ومحمد، اندفع من عقله الباطن، ليبني لله أمة: هي خير أمة أخرجت للناس؛ بقول القرآن، الذي قضى أيضا، بأن محمد أخر رسل الله للإنسانية.
رد محمد العنيف على منتقديه وعلى اليهود
بدفع مكونات محمد النفسية المعرفية الاجتماعية، دفعا لا واعيا؛ تحول الانقهار الناجم عن الاضطهاد، إلى انفعال إيجابي أنتج بناء دين كبير. صيرورة الانقهار إلى ناتج إيجابي لا يكفي لمسح انطباع النفس بالانقهار وإزالة مشاعر الاضطهاد زوالا تاما. الانقهار يرقد في العقل الباطن ويظل محتفظا بقدرة الحركة في أي وقت يواجه فيه الإنسان تهديدا لوجوده.
الاضطهاد يفتح جرحا للكرامة. وبالنسبة لمحمد، فإن جرح الكرامة، عميق، بعمق ما يتصوره عن ذاته النبيلة، رفيعة الأخلاق، رفيعة النسب، ذات الصلة بالنبي الأب لقريش، قبيلة محمد، ومصدر جرحه.
الشعور بالاضطهاد والانقهار وهدر الكرامة؛ مشاعر نفسية، تنتج عن أسلوب تفاعل الشخص، مع ما يشعر بأنه سلوك عدواني جمعي موجه له. حدث الانجراح النفسي لمحمد منذ ولادته يتيم الأب، وما لبث أن اكتمل يتمه، بفقدان الأم المبكر، بمغادرتها إلى مرضعة، ثم بمغادرتها للحياة، فزاد انجراحه. والنفس النبيلة، تواجه الانجراح، الذاتي أو الاجتماعي، باللجوء إلى حيلة الحساسية النفسية عالية الدرجة. كان محمد نبيلا، يمتلك حساسية نفسية عالية الدرجة، دفعته، في مستوى العقل الباطن، إلى الارتقاء النفسي عالي الدرجة، ما دفعة إلى الاعتكاف في غار حراء، مترفعا عن حالة مجتمع مكة، ومترفعا في الوقت ذاته، عن مشاعر سلبية كانت تنشط في داخله، تعود نشأتها إلى حياته الخاصة، مع زوجته خديجة.
قد يبقى الترفع موقفا سلبيا. لكنه عند محمد، كان موقفا إيجابيا. الدافع وراء إيجابية الترفع لدى محمد، يعود إلى شعوره بالنبل الطامح. محمد كان طموحا، ونبيلا في ميزان نفسه. كان نبيلا أيضا في عيون المجتمع، فكان يُعرف بالصادق الأمين. وكانت قريش قد احتكمت إليه، لدى اختلافها حول نقل الحجر المقدس من مكان إلى مكان. حينها عالج خلاف قبائل قريش بحل أرضى الجميع، وعزز طموحه الاجتماعي.
حاز النبي على احترام قريش، إلى أن فاجأهم بنبوته. رضا قريش عن حكم محمد في قضية رفع الحجر الأسود المقدس، عالجت، مؤقتا، انجراحه بالاضطهاد والانقهار وهدر الكرامة. ورضا قريش، أكد نبله، الذي كانت قريش تسلم به، لنسبه، ولأخلاقه الرفيعة: كان معروفا بـ”الصادق الأمين”. اعتراف قريش بمحمد “صادقا أمينا”، أوقف انهدار كرامته، حتى اللحظة التي نزعت فيه قريش، احترامها لصفته كـ”صادق أمين”.
استندت دعوى نبوة محمد، منذ البدء، على اعتراف قريش به، ما قبل النبوة، “صادقا أمينا”.
لدى جهره الأول بنبوته، جمع محمد أهل قريش، على سفح جبل في مكة، وقال لهم: لو أخبرتكم أن وراء هذا الجبل جيش معاد يزحف نحونا، هل تصدقونني؟! ردوا: أجل، نصدق، فما عهدناك إلا صادقا أمينا!! أضاف: بعثني الله نبيا ورسولا منه، فصدقوني؟! فرد أبو لهب في نزق: تبّا لك، ألهذا جمعتنا. وانصرف عنه الناس هازئين به!
عاد انجراح الكرامة لدى محمد ينزف من جديد، وبشدة أكبر.. الانجراح الآن، لم يعد بسبب مشاعر نفسية شخصية اضطهادية انقهارية فحسب؛ ولكنه صار الآن، انجراحا بما قبل، زاد عليه، انجراح الطموح المصدوم مباشرة من علية قومه، المعول عليهم لنصرته، ممثلين في عمه أبي لهب، وطبقته الاجتماعية، المعروفين حينها بالملأ، أهل الندوة، كبار قريش.. ضربة أبي اللهب لمحمد قوية وحادة الإيلام؛ أبو لهب من قبيلة محمد، مصدر نبله.. وأبو لهب من طبقة مكة القاهره: مصدر اضطهاد البائسين، ومنهم محمد ذاته. خلقت كلمات أبي لهب انفعالا مجروحا بعمق لدى محمد، وعلى درجة العمق ذاته، وأشد، كان رد محمد، المنسوب إلى الله، رب النبي محمد: “تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد”!
أليس الزج بامرأة أبي لهب هنا، إشارة ذات دلالة، تكشف ارهاصيا، ارتباط الروحي بالنسائي، في تجربة محمد النبوية؟! هنا، امرأة ابي لهب، صورة مقلوبة لخديجة الروحية، ولكنها صورة معدولة عن خديجة المضطهِدة لمحمد جنسيا: كلاهما عقبتان يتعثر بهما النبي للجنسي والروحي في عقله الباطن، المتكشف في توجهه لله، طلبا للنجاة من اضطهاد الكبت الجنسي، والكبت الانقهاري الاجتماعي من طبقة قريش الحاكمة: الله وحده هو الذي يقدر على انقاذ محمد من عذاباته الجنسية والاجتماعية، لذا سارت حركة نبوته المنتصرة، في خطين متوازيين: روحي أخضع أبي لهب وكل مشركي العرب لله؛ وجنساني، قدمته نساء العرب للنبي بطيب خاطر؛ وبالخطين معا، جاء نصر الله والفتح، بعد هزيمة العدو القرشي، التي فتحت الباب واسعا أمام هزيمة العرب أجمعين، لحساب نبوة محمد.
رد النبي محمد على عمه أبي لهب، جاءت أقسى من كلمات أبي لهب. قسوة رد النبي محمد، تتصل بحاجته النفسية الملحة والعميقة، لامتلاك كرامته، امتلاكا نبيلا، يطهره من انجراحه الناشئ من انقهاره الناشئ من مشاعر اضطهاد قديمة، بدأت منذ مولده؛ ولم يبرأ منها، حتى وهو في صحبة خديجة.
ظل محمد يرد بقسوة، على كل من يعادي دعوى نبوته:
كان محمد يدافع عن نبوته، في مرحلة مكة بقوة روحية كلامية، تتمثل في آيات القرآن والصبر والحكمة والثبات على المبدأ. وفي مرحلة المدينة، تحولت قوة الدفاع الروحية إلى قوة روحية مادية. لم تغب الروحية عن النبي محمد في المدينة، استمرت، لكن فاعليتها انحصرت في دائرة المؤمنين به: وكان النبي يعي أهمية التعامل مع أصحابه المؤمنين، بشفافية روحية عالية الحساسية: لو كنت فظا غليظ القلب، لانفضوا من حولك؛ قال القرآن، مخاطبا محمد. الروحية صفة أصيلة في محمد، ولدى النبي محمد، فهي صفة تؤدي وظيفة حفظ كيان الجماعة المؤمنة. هذه الجماعة المؤمنة، “رحماء بينهم، اشداء على الكفار” بوصف القرآن، كتاب نبوة محمد.
الرحمة بين المؤمنين، تعادل الشدة مع الكافرين. في المدينة، بنى النبي محمد دولته. الدولة كيان مادي على الأرض. تحتاج الدولة المادية إلى قوة مادية للدفاع عنها، وتوسيعها. القرآن فرض على المؤمنين الجهاد للدفاع عن عقيدتهم المجسدة في دولة على الأرض. الجهاد قاس على النفس، هذه القسوة، يفرغها المجاهد في المعركة، تفريغا نفسيا مفعما بإرادة الاستشهاد (الموت المقدس الديني)، المفتوح مباشرة على حوريات العين، بالغات الحسن والإمتاع. النبي محمد وجماعته دافعوا عن سلامة دولتهم المادية بقسوة ترنو إلى جنسانية في الجنة المتخيلة، لا توفرها نساء الدنيا: جاهد النبي والمسلمون ف يسبيل الله، لنيل رضا الله، وابتغاء جائزة يفوزون بها، في مقدمتها، وجه الله، واللذة الجنسانية العميقة المفتوحة.
وفي سبيل الله، وامتثالا لحكمه، وفقا للنبي، قام النبي محمد وجماعته، بذبح جميع رجال قبيلة يهودية، كانت تسكن المدينة، بتهمة التواطؤ مع مشركي مكة في الحرب على دولة النبي. وطرد قبيلة يهودية أخرى من المدينة، بعدما تراجع عن تنفيذ قرار بذبح رجالهم، لإصرار حلفاء لهم من أهل المدينة، على رفض قرار النبي بذبحهم.
السبب وراء عنف النبي مع اليهود، لا يعود فقط للتواطؤ ضده، مع أعدائه القرشيين. فالنبي عفا عن أهل مكة القرشيين عندما انتصر عليهم. موقف النبي العنيف من اليهود، يعود إلى إدراكه أنهم يشكلون تهديدا مستمرا لدعوته؛ بينما تهديد قريش له كان تهديدا مؤقتا.. فهو كان يعي أن هداية قريش للإيمان به، مطلب أساسي لدعوته، وكان واثقا من أنه آت. كان النبي قد طلب من القرشيين، في بداية دعوته في مكة، أن يتبعوه، ليملكوا بدعوته العرب جميعا*. لذا عفا النبي عن أهل مكة عند فتحها؛ وعفا عنهم أيضا، بنبله المرتبط بعصبية القرابة؛ فهو “أخ كريم، وابن أخ كريم”، كما وصفه القرشيون المنهزمون أمامه يوم فتح مكة. استثنى العفو النبوي عددا من المرتدين عن دعوته، بعدما كانوا مؤمنين به.
قسوة النبي (جهاده في سبيل الله واللذة الجنسانية في الجنة) مع من يراهم خطرا عليه، تكررت ضد مرأة عربية طاعنة في السن، نظمت شعرا تهجو فيه النبي؛ أرسل فرقة من رجاله لعقوبتها، فربطوا ساقها اليمنى بجمل، وساقها اليسرى بجمل آخر يتجه اتجاها معاكسا للجمل الأول، ثم ضرب الرجال الجملين في وقت واحد ضربا قاسيا، فانطلق الجملان كل في اتجاه، فتمزقت العجوز بين الجملين إلى نصفين. قسوة النبي مع المرأة، هي دفاع جنساني منبثق من عقل محمد الباطن، المتكون من خبرته كلها، يستهدف التخلص من مرأة ترفضه روحيا؛ والروحي في النبوة المحمدية مفتوح على الجنساني! فالمرأة التي ترفض النبي روحيا، ترفضه جنسانيا، للوحدة العضوية بين موضوعيِّ الرفض!
تقول روايات المحدثين عن النبي محمد، أنه كان لا يغضب لسبب يتعلق بشؤونه الشخصية؛ ومن أهم وصاياه وأجملها: لا تغضب! كان النبي محمد حليما. والحلم من النبل. ونبوة النبي، تجسد نبله، ولكن الأخير مؤطر بحدود لا تسمح بتهديد النبوة.
بالنبوة، ارتقى نبل النبي الشعوري، في المرحلة المكية، إلى أعلى مستوى وجودي تصوري اعتقادي: في رحلة الإسراء والمعراج، ارتقى النبي على الأرض، إلى مرتبة إمامة الأنبياء جميعا في بيت المقدس. وبعد إمامته الأنبياء في صلاة أرضية لله؛ ارتقى إلى صلة مباشرة بالله.. حتى سدرة المنتهى.. فوق ملائكة الله المقربين.. في حضرة النور المباشر لله رب محمد!
نبل محمد إلهي. وجهاده ضد أعدائه، لم يخرجه عن نبله، ولكنه، في المرحلة المدينية، ربط النبل، بانتصاراته في ميدان الفتوحات الجغرافية والجنسية.
تماهى محمد مع رب عقيدته. تماهيا صار قيمته المطلقة؛ صار كرامته؛ صار علاج جرح الكرامة الدامي القديم. في شعور محمد، على الصعيد الروحي، دخلت هويته الشخصية تحت هويته الإيمانية.
في المدينة، استعاد النبي محمد، وحدة بنائه النفسي التي افتقدها بشعورية اليتم والاضطهاد والانقهار وانجراح الكرامة، فامتلك ناصية القوة الروحية والمادية معا. ودافع عن انتصاره في ميدانه الداخلي النفسي، بالدفاع عن دعوته، التي استعاد بها احترامه وسلامه، كشخص يرتبط وجوده النبيل، السوي المتفوق، بالنبوة.
محمد والنساء:
تلعب علاقة ذكر الإنسان الطفل، منذ ولادته، أو مما قبل، بالأم، دورا تأسيسيا أوليا، في بناء علاقته اللاحقة بالمرأة.
تمنح المرأة الأم الحياة، وتحميها. أم محمد، منحته الحياة الجسدية. ونقلته إلى مرأة أخرى، لم تلده، حافظت على بقائه. بدء الحياة وحفظها، يشكلان وحدة واحدة غير قابلة للانقسام. الولادة خطوة أولى للحياة المستمرة؛ خطوة غير منفصلة عما يليها. وقوع الانفصال المادي، بين البدء والاستمرار، يعني الموت. في حالة النبي محمد، انفصل حفظ الحياة، عن بدء الحياة، انفصالا نفسيا. العلاقة بالأم، جسدية نفسية. محمد انفصل عن أمه، جسديا ونفسيا.
نقل محمد الرضيع، إلى حضانة مرضعته حليمة السعدية، فصلت بدء الحياة عن حفظ استمراريتها، فصلا نفسيا. تتكون علاقة نفسية بين الجنين وأمه، تنمو نموا سويا، مع نمو الوليد في كنف أمه وأبيه. ولد محمد بلا أب. انفصل عن أمه منذ ولادته.
النبوة عوضت محمد عن فقدان الأب. إبراهيم، في إطار نبوة محمد، هو أبوه. وفي عقيدة محمد، كان إبراهيم حنيفا مسلما. والله في التراث الديني المسيحي المعروف لدى العرب، هو أبونا الذي في السماء العليا؛ هو أبو النبي عيسى المباشر؛ وعيسى أخو محمد، وفقا لمروية عن الأخير. لم يوافق النبي محمد على عقيدة أبوة الله للمسيح والناس. قد يعود ذلك، إلى انجراحه باليتم الذي أفقده أبوه، انجراحا ربما نجم عن اعتقاده، بعقل طفولته المنقهرة، أن أبوه، عبد الله، أو عبد المطلب، مسئول عن غيابه بالموت أو بالإنكار والإقصاء. وإذا صح أن أبا محمد هو عبد المطلب، فإن تنكر الأخير لأبوته لمحمد، وإقصاؤه عنه في طفولته المبكرة، قبل أن يدخل محمد تحت رعاية عبد المطلب، ستصيب الطفل بانجراح يتم اضطهادي انقهاري أقسى من اضطهاد انقهاري كان سيصيبه، من موت الأب.
ينزل العقل الطفولي ليستقر في منطقة العقل الباطن، التي توجهنا فيما يلي من حياتنا، نحو مواقف، تنسجم مع مخزون خبرتنا. في عقل محمد الباطن، الأبوة خبرة جارحة، تدفع للهروب منها لدى مواجهتها في وقائع الحياة، أو خلال عملية التطلع، ذات الطبيعة التجاوزية أو النزاعية. غياب الأب في حياة محمد المبكرة، سلبه إمكانية تمثل عوامل الأبوة الإيجابية، وفي مقدمتها، اعتزاز الطفل الذكر بذاته، اعتزازا ينتج من شعوره أنه يمتلك أبا ذا قوة حماية مطلقة، توفر للطفل احتياجاته النفسية والجسدية، بقوة الأب المادية والروحية معا. في المسيحية، عيسى ابن الله، بماديته (تجسد الله فيه) وروحانيته (وجود الله العلوي الحر المحب). الأب لم يتجسد في حياة محمد، بل حضر كخبرة سالبة؛ فنفر من فكرة الرب المتجسد في الابن. لكن الأب ظل حاجة روحية لمحمد، يطلب امتلاكها بوسيلة من ذات طبيعتها الروحية. لذا قبل فكرة الأبوة الروحية لعيسى، ما يعني، بحكم أن عيسى أخوه، قبوله لأبوة الله الروحية له.
كحيلة نفسية دفاعية، نأى محمد بنفسه عن فكرة الله الأب المادي، لتدني قيمة الأبوة المادية في حياته، لغياب الأب البيولوجي الاجتماعي. غياب الأب حرم محمد من اكتساب مشاعر الفخر والاعتزاز بالأبوة. تتدنى مرتبة الأب القيمية أيضا، بعلاقته السلبية مع الأم. في حالة محمد، فهو، بمعاناة طفلية شعورية عقلية، لا تبارحنا آثارها جذريا طوال حياتنا، يعتقد أن ابوه ذهب بإرادته بعيدا عنه وعن أمه.. مما جعل الرابط العاطفي بينه وبين أمه، قويا، في مواجهة موقف الأب الهروبي العدواني. هذا الاعتقاد الطفولي، يدفع فيما بعد، إلى خفض مرتبة الأبوة، في التصور والخيال والواقع. تزيد قوة الدفع السلبية، إذا ما صح أن عبد المطلب، هو الأب الحقيقي لمحمد.
محمد فقد أباه، وهو لا يزال في بطن أمه. وهو فقد أباه بالموت، إن صح أنه ابن عبد الله؛ أو فقده بالإنكار، إذا صح أنه ابن عبد المطلب. تلقى محمد من أمه الأسى الذي أصابها لفقدانها أب جنينها، في مرحلة من واجب المرأة فيها، أن تمنح طاقة الحياة الأمومية الإيجابية الكاملة لطفلها الجنين. لكن محمد ولد أسيانا، بأسى أم ترملت، على الحقيقة أو المجاز.
الولادة الأسيانة لمحمد، ردت على أبوة، يعتقد أنها خذلته، برفض اعتبار الأبوة قيمة تضاف لرب في أعلى مستويات التصور والخيال.
رفض محمد قبول أبوة الله لعيسى، المتجسدة؛ لأن الأبوة، في خبرة محمد، غير ذات قيمة إيجابية فاعلة، بل هي سلبية، فهي خاذلة، عدوانية، أنانية.. ومحمد لا يبحث عن رب غير ذي قيمة إيجابية فاعلة، خاذل له، عدواني معه، ظالم منغلق عليه بأنانيته.. كان محمد، من داخله، وبدفع عقلي باطني، يبحث عن رب سام، يوفر له حاجته من الأمن والكرامة والاستمرارية فيهما.
محمد قبل بأخوة عيسى له، باعتبار عيسى من روح الله. ومحمد بحاجة لروح الله. جبريل الذي رآه محمد في أول نبوته، هو روح الله. عيسى ومحمد نبيان أخوان بروح الله. هما أخوان من غير أبوين: ابو محمد المادي غاب منذ البدء.. وعيسى لا أب ماديا له أصلا.. غياب الأب المادي عامل مشترك في حياتيهما؛ هذا العامل المشترك، دفع محمد لطلب المزيد من تعميق أخوتهما، بمشاركة عيسى في امومة مريم.
الموت سلب من محمد أمه، بعد زمن قصير من عودته من غيبته لدى مرضعته، إلى أمه. عند موت أمه البيولوجي، تفاقمت في نفس محمد خبرة اليتم والانفصال عن الأم. يعادل تفاقم هذه المشكلة النفسية، تعمق انجراحه بفقدان قوة حماية أبوية، مادية وروحية. موت الأبوين يحرمنا من القوة المادية التي يوفراها لنا، وحرماننا منهما يخلق انجراحا روحيا، نداويه بدافعية عقلية باطنة، تتجسد بخلق مصدر روحي، تعويضي، تخلقه قوتنا التخيلية.
الحاح الانجراح، وتعمقه، لدى محمد، خلق في لاوعيه، حاجة عميقة وملحاحة، وظفّت ملكة التخيل، في اتجاه تطوري روحي، توجته رؤية منامية، رآى محمد فيها، جبريل، يأمره أن يقرأ بسم ربه.. الذي اختاره رسولا. أنتجت مكونات محمد لنفسية المعرفية الروحية الاجتماعية، تجسدا لجبريل، سُلّم ارتقائه لمقام رباني سام، يجد فيه عزاءه ودواءه.
وفي طريقه نحو المقام الرباني السامي، خلق محمد بديلا خياليا روحيا، للأم المفقودة، مجسد تاريخيا، وفقا لمخزونه الثقافي، هو مريم، أمه وأم عيسى أخوه. مريم في زمن محمد كيان روحي. تفي كيانية مريم الروحية بحاجة محمد الروحية. لكن حياة الواقع لا تكتفي بالروحي فقط، الواقع مادي روحي. خديجة قدمت لمحمد المادي الروحي الأنثوي، تزوجها وهي تكبره بخمسة عشر عاما، وهي خطبته لنفسها.. خديجة هي بديل الأم المادية العائدة رمزيا من الموت الذي اختطف أمه آمنة.. محمد كان منجرحا باختفاء أبيه، ومنجرحا أشد، بفقدان أمه آمنة، المكلومة باختفاء أب وليدها محمد.. أسى أم منجرحة، تنقل انجراحها لطفلها، بغير وعي منهما، زاد من ارتباط الطفل العاطفي بأمه، فزاد من انجراحه بفقدان أبيه، الذي اصبح أشد وأعتى بفقدانه لأمه..
طفل بلا أب ولا أم، هو طفل منكسر.. النبوة رد محمدي نفسي على انكساره. خديجة كانت باب الخروج من الانكسار.. كانت ينبوع الثقة التي رسخت إيمان محمد بأن الله اختاره نبيا. خديجة وفرت الأمن المادي، والدعم الروحي لمحمد.. تُرى، هل كان محمد سيتابع دعوة النبوة لو لم تثبته عليها خديجة؟!
دخول محمد مع عيسى في شراكة روحية إلهية أمومية، يرفع قيمة الأمومة عند محمد. قال: جُعلت الجنة تحت أقدام الأمهات. الأمومة أنثوية. تحتل الأنثوية مكانة عالية في سيرة النبي محمد. في أخر خطبة له قبل موته، أوصى النبي محمد بالنساء خيرا. وكان، يحب النساء حبا جما. واختار أن يموت على صدر محبوبته عائشة. ومنح قدسية لهواه النسائي الجنساني. كان الوحي يدافع، وبسرعة، عن هواه النسائي الجنساني. لاحظت عائشة ذلك، خاطبت زوجها النبي محمد تقول: مالي ارى ربك يعجل لك في هواك؟!
لدى محمد، مريم خير نساء الأرض. هي، في الأرض، أمه بالروح، لكونها أم أخيه عيسى.. في الجنة ستصير زوجته.. الأنثوية في تصور محمد، تجمع الأمومة مع الزوجية. لذا، قبل بخديجة زوجة. خديجة كانت زوجة أمّا لمحمد.. لو لم تكن أما، لما تركته يغادر برضاها، بيت الزوجية زمنا طويلا، للاعتكاف في غار حراء؟! رحماك ربنا.. هل من امرأة لا تحبسنا في سجنها، فتحصي علينا أنفاسنا، وتغلق علينا بابه؟! خديجة لم تكن سجنا نسويا لزوجها.. كانت أمومة حرة، هيأت لمحمد، سبيل النمو نحو مجد النبوة!
بخديجة، بدا وكأن محمد قد دنا من استعادة أمه المفقودة، استعادة بدت وكأنه دنا بها من امتلاك توازنه النفسي المضطرب، باضطهاد اليتم المبكر، والمضاعف، لفقدان الأب والأم. بزواجه من خديجة، اكتسب محمد، من وضع خديجه الاجتماعي الرفيع، احتراما اجتماعيا، هو أهل له، بصفاته الأخلاقية الرفيعة، المشهود له بها في مجتمع مكة.
الفارق العمري بين زوج في ذروة الشباب، وزوجة تكبره بخمس عشرة سنة، قد ينتج علاقة زوجية جنسية مضطربة. غياب الزوج الطويل عن بيت الزوجية، للتعبد الروحي، يشي بأن هناك خللا في العلاقة الجنسية بين محمد وخديجة. أخمن، أن الخلل يأتي من جهة خديجة. عمرها المتقدم، ورضاها بغيبة محمد الطويلة عن فراش الزوجية، ونزوع الزوجة الروحي الحنيفي المسيحي، واعتزال الزوج الروحي في معتكف ناء؛ هي عوامل تعزز صحة تخميني.
اضطراب العلاقة الجنسية بين الزوجين، يجرحهما. في حالة محمد وخديجة، الجرح مباشر وأعمق وأقسى لدى الزوج؛ خديجة تنجرح، انجراحا منعكسا عن انجراح محمد، انجراحها ليس ذاتيا كما محمد، ما دامت المشكلة عندها، وهي مشكلة عزوف عن الجنس ونفور منه، لأسباب خاصة بها؛ فإن العلاقة الجنسية المضطربة بينها وبين زوجها، لا تسبب لها أذى نفسيا.. الأذى النفسي يقع من افتقاد ما نحتاجه. المرأة فاقدة الرغبة الجنسية، لا تحتاج العلاقة الجنسية. خديجة حاولت أن تعوض الخلل الزوجي الجنسي، المسئولة هي عنه، بدعم مالي اجتماعي روحي لمحمد.
محمد اجترح انكسار علاقته الجنسية بخديجة، مقابل سخائها الأنثوي الأمومي المادي الاجتماعي الروحي. وانطلق نحو علاقة روحية ترفع شأنه قبالة نفسه المنجرحة جنسيا، وقبالة مجتمع، يُعلي قيمة الذكورة بخاصيتها الأساسية: القاهرية. محمد يفتقر القيمة الأخيرة وهو في صحبة خديجة؛ فهو غير قاهر لها ماليا واجتماعيا، ولا قاهر لها جنسانيا. لذا، فهو، قبالة خديجة، منكسر، ضعيف الحيلة!
الله وحده، هو الذي سيمنح محمد عزاء رفيعا عن انكساره، منذ يتمه المبكر وحتى زواجه المضطرب! لا نجاة لزوج، تأسره زوجةٌ أم، إلا أن يمضي قدما، صابرا، في طريق الروح.. طريق الأمومة.. طريق مريم.. حاضنة النفخة الروحية!
الروحية طوق نجاة محمد من مشكلته مع خديجة. انكساره الجنسي هو انكسار مجدد ومعمق لانكساره القديم من غيبة الذكر الأب. الآن محمد يواجه غيبة الذكر الزوج القسرية. الذكر الزوج في علاقته الزوجية والجنسية فوقي في الوضع المألوف. محمد يفتقد الفوقية في علاقته مع خديجة: فلا هو فوقها ماليا، ولا يمارس فوقية جنسية على جسدها. لكن نبيلا مثله، يأبى إلا الفوقية. الفوقية الروحية متاحة له. هو من شجرة النبوة، هذا النسب مصدر نبله، وينبوع من ينابيع روحانيته.
في ثقافة محمد الدينية، الله هو أعلى صور الفوقية. وهو وجود ذو طبيعة روحية. والله يمنح فوقيته للنبي بعلاقة روحية.
محمد بحاجة للفوقية الروحية، ليعوض بها واقعية لا يتمتع فيها بفوقية يشعر أنه أهل لها***.
الشعورية الفوقية الاحتياجية تملأ أفق محمد النفسي الروحي، وتشغله. خديجة منحته دعمها المطلق. تحت الحاح متواصل نشط، صارت الحاجة للتفوق، خيالا تجسد في رؤية جبريل، روح الله ورسوله إلى محمد، وهو يأمر محمد، بقراءة كتاب الله الأول له: “اقرأ..”
استقراء حياة محمد منذ يتمه المبكر، وإلى انكسار ذكورته المتجدد المعمق بخبرة زواجه الأول، يجعل من المنطقي، أن تكون آيات “إقرأ..”، هي أول كتاب الوحي الذي تلقاه محمد النبي:”اقرأ.. بسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق..”؛ العلق دودة دونية، والعلقية مرحلة جنينية، تتلو مرحلة المنيّ، التي وصفه القرآن بالماء المهين.. منذ جنينيته، غاب الأب، فولد محمد محروما من قيمة ذكرية يمنحها الأب في بيئة الطغيان القرشية.. القاهرة.. “كلا إن الإنسان ليطغى! اقرأ.. بسم ربك الأكرم..”؛ هذا الأكرم، هو مانح محمد النبي كرامته في وجه طغيان اجتماعي وجهل علمي وانجراح نفسي: علّم بالقلم، علّم الإنسان مالم يعلم.. طغاة قريش جاهلون (القرآن سمى مرحلة ما قبل البعثة النبوية بالجاهلية).. محمد كريم وتلقى من الله علما سيهزم جهالة الطغيان!(لاحظ، أن قول علّم بالقلم، تشي إلى علاقة الوحي المحمدي، بمادة معرفية دينية مدونة بالقلم، هي كتب ديانتي أتباع موسى وعيسى!)
أول آيات القرآن، تعزي محمد: إذا كنت تشعر بأنك منجرح الكرامة، فلا تترك هذا الشعور يحبطك ويدمرك، فالإنسان بدأ من دودة مهينة، تدوسها الأقدام ولا تبالي.. لكني أنا الأكرم، سأرفع شأنك وأكرمك، بعلم ينزل مني!
الله، سيرفع محمد النبي فوق قومه.. الفوقية حاجة نفسية لدى محمد. في مرحلة مكة المحمدية النبوية، ظلت الفوقية روحية. مرحلة النبي المكية، مصبوغة بروحانية محمد المنعكسة عن روحانية تجربته الزوجية مع خديجة، الفاقدة للحرارة الجنسانية. خديجة حنيفية مسيحية، صبغت تعاليم محمد الدينية المكية بصبغة مسيحية، لا تميل للعنف، الذي لجأ إليه محمد في المدينة، بعد أن كانت مرحلة خديجة قد انتهت، وبدأت مرحلة الجنسانية الواسعة في حياة النبي محمد، بموازاة مع بلوغ مرحلة قهر العرب، التي تؤكدها أية تصف الله، رب محمد بـ “القاهر فوق عباده”.
القاهرية مرحلة قلبت انقهارية محمد الجارحة الاضطهادية. الانقهار شعور يتولد من شعور شخصي، بوقوع عدوان من الآخرين، ويُنتج انفعالا مواجِها، لدى الشاعر بالانقهار، يأخذ صورة القاهرية***. الله، هو صورة القاهرية التي أنتجها شعور محمد، ليواجه بها انقهاريته.
والقاهر: هو الغالب على جميع الخلائق ، وهو يعلو في قهره وقوته ، فلا غالب ولا منازع ، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه.
والقاهر في اللغة اسم فاعل مِن قهر يقهر قهراً فهو قاهرٌ ، وقهرت الشيء غلبته ، وعلوت عليه مع إذلاله بالاضطرار ، تقول : أخذتهم قهراً ، أي من غير رضاهم ، وأُقهر الرجل إذا وجدته مقهوراً ، أو صار أمره إلى ذل ، وإلى صغار.
قاهرية الله فوق عبادة، تمثلت في وضع العرب، بين خيارين فقط: الإيمان به رسولا لله؛ أو السيف، أي القتل. كما وضع بقية الناس من غير العرب، بين خيارين: الإيمان به رسولا لله، أو دفع الجزية عن يد و”هم صاغرون”! خيارا العرب كانا أقسى، لقسوة اضطهادهم له، ولاصطدامهم مع الجانب السياسي من دعوته، وهو توحيد العرب تحت لوائه، ليجسد فوقيته الشخصية عليهم، وفوقيتهم، كقوم له، وكذاته الاجتماعية، على الناس كافة.
عندما نزل جبريل على محمد، كان عمره في الأربعين، وعمر خديجة في الخامسة والخمسين. هنا، بكل تأكيد، كانت علاقة محمد بخديجة علاقة روحية، فقد بلغت سن اليأس الجنسي. مع بدء الوحي، كان انقهار محمد بغياب المرأة جنسانيا، قد بلغ درجة عالية، تولد عندها، انهقار بكبت جنسي شاق واضطهادي، وجد علاجه، بحيلة عقلية باطنية دفاعيىة، بانشقاق حالة محمد المضطهَدة المنقهرة المجروحة، عن تخيل من أعلى الدرجات، تمثل في زيارة جبريل الأولى له، يحمل إليه، أنه – أي محمد – رسول الله!
بعد موت خديجة، خطب النبي محمد عائشة الطفلة، بنت أبي بكر الصديق، أهم أتباعه وأقربهم إلى نفسه. خطبة عائشة كانت تكسوها ظلال روحية ممتدة من خبرة النبي النسائية الروحية مع خديجة. عائشة بنت أخ محمد بالروح، أبي بكر، الذي كان يصدق كل ما يقوله ويفعله محمد بدون أدنى شك. مع ذلك، خطبة عائشة، كانت تحولا نوعيا في علاقة محمد بالنساء. محمد كان في قلب خديجة. عائشة كانت في قلب محمد. خديجة المرأة الأفق الروحي لمحمد. خديجة المرأة العشيقة للنبي محمد. عندما تزوج محمد خديجة، كان عمرها أربعين عاما، وعمره 25 عاما. عندما خطب النبي خديجة، كان في عقده الخامس، وكانت هي قد تجاوزت الخمس سنوات، بسنة واحدة فقط. عندما خطب النبي عائشة من صديقه الحميم أبي بكر، استهجن الأخير طلب النبي: وقال له: أنا أخوك، وعائشة لا تصلح لك! رد النبي: أنت أخي، وهي تصلح لي! أذعن أبو بكر لرغبة النبي. يمكن فهم صلاح عائشة للنبي محمد برسم معادلة: خديجة أمّ – محمد ابن وزوج لديه طفلتان، هما ابنتاه أو ابنتا خديجة من زواج سابق – خديجة غابت= محمد يعاني فراغا نفسيا روحيا، مع معاناة من خبرة سلبية زواجية لا تزال آثارها نشطة في خبرة محمد، يعززها معاناة المشاركة العاطفية مع يتيمتين طفلتين؛ المعاناة بصورها، تدفع نحو تعويض فيه عنصر الطفولة، وعنصر جنساني محرك، يرنو للتخلص من خبرة جنسانية مؤلمة سابقة، بتجربة جنسانية بديلة، واعدة، تحملها طفلة! فإذا صحَ أن بنتي خديجة، ليستا بنتي محمد، فإن تحوله الجنساني نحو طفلة، يعكس رده النفسي على إحباط جنساني، حرمه من ولادة أطفال له: عائشة طفلة تمنح النبي محمد مشاعر الوالدية التي يفتقرها، وفشل في امتلاكها في إطار علاقة جنسانية محبطة سابقة؛ امتلاك محمد لعائشة الطفلة هو تعويض عن حرمانه الناشئ عن علاقته الجنسانية السلبية الوالدية، وامتلاك لجنسانية واعدة تجيء من طفلة. في الجنسانية الواعدة، جانب روحي يشع من والدية محمد الروحية لعائشة كطفلة، ومن كونها بنت أهم أنصاره في الروحية الدينية. بذا، كانت عائشة امتدادا لخبرة النبي الروحية مع خديجة، وتعويضا عن حرمان النبي الجنساني خلال مرحلة زواجه من خديجة. توحد الروحي مع الجنساني، تحقق في حياة النبي بعد موت خديجة، وانطلاقه الجنساني الحر الواسع، مرتبطا مع انتصارات دعوته الجغرافية العسكرية السياسية الروحية، التي قهر فيها العرب.
إذعان أبي بكر لرغبة النبي، كان نقطة تحول النبي محمد، من روحية الدعوة، إلى روحانيتها وجسديتها معا. انتقال محمد من خديجة إلى عائشة، هو انتقال جنساني من الروحي إلى الروحي الجسدي.
موت خديجة، الأم الروحية لمحمد الإنسان ومحمد النبي، جدد موت آمنة. في داخل النبي، دوت صرخة احتجاج: كفاني موتا لأمي. عائشة طفلة، ولن تلعب في حياته دور الأم. صاحب اقتران النبي محمد بعائشة، بعد دخوله بها في المدينة، تحولا حاسما في مسار نبوة محمد: صار النبي محمد قائدا سياسيا واجتماعيا وعسكريا لدولة المسلمين في المدينة، التي انتقل إليها، بصحبة أبي عائشة. انتقال النبي من روحانية مكة، إلى روحية/جسدية المدينة، كان انتقالا من جنسانية روحية، اكتفت بزوجة، خاملة جنسيا، إلى جنسانية فحولية كفت لإشباع تسع زوجات وأربع خليلات، كنّ جاهزات لتلبية نداء رغبة النبي محمد الجنسية.
في المدينة، صار الوحي الإلهي النازل على قلب النبي محمد، مدافعا متحمسا سريعا، عن رغبات النبي الجنسية. لاحظت عائشة ذلك، قالت للنبي: مالي أرى ربك يعجل لك في هواك.
تدخل الوحي لينقذ النبي محمد من حرج وقع فيه، عندما فاجأته زوجته حفصة، وهو يضاجع ماريا القبطية في فراش الأولى. وعد يومها، أن ينهي علاقته الجنسية مع ماريا، لكن الوحي عاتبه، فرجع عن وعده: كانت ماريا بالنسبة له، موضوعا جنسانيا أثيرا، كان يغريه لقضاء جلّ يومه بصحبتها! تأثير ماريا الجنساني، لا يعود فقط لأهليتها الشخصية، ولكن مسيحيتها، تفتح شهوة النبي على أفق روحي، يمتد لتخيل مريم المسيحية، التي قال إنها ستكون زوجة له في الجنة! مريم في الأرض، كروح، كانت أمه لكونها أم أخيه عيسى المسيح. أفق مريم الأم يمتد إلى العالم المتخيَّل بعد الموت، فتتحول فيه الأمّ غلى زوجة!
وتدخل الوحي تدخلا سافرا، في موضوع زينب بنت جحش، بعد أن دخلت دائرة الشهوة النبوية. وأمر الله محمدا أن لا يخفي ما الله مبديه، إشارة لمشاعر رغبة النبي في زينب، بعدما شاهدها من باب بيتها المفتوح، بصورة أثارته. وتزوج النبي محمد زينب، بعد أن طلقها زوجها لإفساح المجال أمام زوجها من النبي. القرآن، قال أن غاية زواج محمد من زينب هي إبطال ما درج عليه العرب من امتناع الرجل عن الزواج من مطلقة الابن بالتبني.
محمد، واجه الأبوة لذكر، من جديد، كحضور سلبي، في سياق رغبة دفعته نحو إحدى جميلات العرب، فعالج مشكلته الأبوية المتجددة بقرآن حاسم: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم.. هو ليس أبا لأحد من الرجال. هو، بيولوجيا أو روحيا أبو بنات.. البنات في حياة الرجل، امتداد لخبرته الأنثوية المبكرة مع الأم، المستمرة مدى الحياة.
ساحة عقل محمد الباطن، لم تشهد نزاعا يتعلق بالأمومة، كما نزاع الأبوة. لذا، لم يكن لديه نفور من قبول مريم أما له ولعيسى معا. أم محمد لم يغيبها الموت قبل ولادته. أم محمد موجودة في خبرته الطفولية. صحيح هي بعيدة، لكن وجودها البعيد، هو وراء قلق غياب الأنثى الأم الذي يعاني منه الأطفال المنفصلون عن أمهاتهم. وجود أمه البعيد، باعث منشط لحلم عودته من جديد لصدرها.
عاد محمد لطفولته مع أمه، بزواجه من الطفلة عائشة. كان يلهو مع عائشة، كاشفا عن حاجة باطنية قديمة، ترتبط بطفولته المنجرحة باليتم من الأبوين، بالتوالي.. عندما قال النبي محمد عن عائشة بنت الست سنوات: تصلح لي؛ كان يكشف حاجة دفينة، لطفولةٍ آمنة، مبتهجة.. كان قوله أيضا يكشف حاجة مكبوتة، لامرأة زوجة، يمنحها حبه الروحي والجنساني، إلى أقصى المدى!
عائشة عشق اشتعل في قلب محمد النبي المتقدم في السن، إلى درجة غفران لا يقدمه الأزواج في العادة، لامرأة يعتقدون أنها خانتهم.. وجرح الخيانة يقسو بقدر الحب المكنون في الصدور، وبقدر المكانة التي يتبؤها الزوج الذي يصدق أو يشك، أن زوجته خانته، مع رجل من أتباعه.. قست شكوك النبي في زوجته عائشة، قسوة زائدة الإيلام، لأن خيانتها التي تصورها محمد، تعود إلى أنه كبير في السن، والمكانة، وأن المتهمة فيه عائشة، شاب من أتباعه!
ظل محمد المكلوم بحديث أتباعه عن خيانة عائشة له، يتمزق بين عشقه وتخيلات ترسم له، أن زوجته الفتية، لا تمتلئ من رجولته. إلى أن حكم القرآن ببراءة عائشة من قصة الإفك التي حاكها المنافقون، كما حكم القرآن في قصة غرامه بزينب. حُكم القرآن، أنهى عذاب النبي الذي كان يتمزق بين عشقه لعائشة، وانجراحه بخيانتها المزعومة!
الوحي، يرعى جنسانية محمد، ويعيد له اعتباره المعنوي، الذي كان يفتقده شعوريا، قبل نبوته، الذي – الوحي – تنزل على محمد ليداوي انجراحاته.
الوحي (الروحية) هو الذي اختص محمد بامتيازات جنسانية خاصة، وسّعت أمامه أفق العلاقات بالنساء.
الوحي أعاد الهيبة لمحمد. وهيبة الذكر في البيئة الذكرية العربية، ترتبط بحجم نسائه، ومدى إخلاصهن له. لكل مؤمن أربع زوجات. للنبي تسع زوجات ومحظيات**.
في مرحلة المدينة، توحد الإلهي مع الجنسي. هذا التوحد، تكشّف جليا في أخر لحظات حياة النبي: طلب من عائشة أن تدنو منه، وضع رأسه على صدرها، وتمتمت شفتاه المثقلتان باحتضاره: بل الرفيق الأعلى.. من صدر عائشة.. إلى ربه، رحل النبي محمد. وكان رجل من صحابة محمد قال للنبي: سأتزوج عائشة بعد موتك؛ فنزل الوحي، يقضي أن زوجات النبي أمهات للمؤمنين.. بذا، لن تتزوج أي من نسائه بعد مماته.. بذا، ضمن النبي، بإرادة روحية سبق لها أن حفظت كرامته وهيبته الذكورية، بتبرئة عائشة؛ أن هيبة ذكورته لن تنتهك بعد مماته أيضا، إلى أبد الآبدين..
زوجات النبي أمهات المؤمنين.. النبي من المؤمنين، بل هو أولهم.. بذا، تكون كل زوجاته، أمهات له.. فإذا كان فقد أمّا واحدة في طفولته، فقد امتلك أمهات عديدات في مرحلة انتصاره على انجراحه القديم.
جنسانية النبي، رحلة طويلة قضاها عائدا إلى صدر أمه المفقود.. ألم يتوج حياته بالموت فوق صدر عائشة؛ أي: باستعادة صدر الأم المفقود؟! وفي اللحظة التي استعاد فيها صدر أمه، ورأسه فوق صدر عائشة، تحاور النبي مع ذاته للمرة الأخيرة: جاء ملك الموت يعرض عليه البقاء في الحياة، أو الالتحاق بالرفيق الأعلى؛ فاختار النبي المنهك بمرضه، المثقل بخبرة حياة منجرحة بفقدان الأم الأولى؛ اختار الرفيق الأعلى.. صعد من جديد لغار حراء، وعلى أجنحة ملك الموت هذه المرة، انطلق من صدر عائشة، إلى أفق الروح المطلق..
أحسبه، في لحظات النزع الأخير، اكتشف هوان الإنسان الحقيقي: مريض منهوك خائر، ذهبت كل قوته، فلم يستطع أن يحرك لسانه ليطلب مسواكا من رجل جاء لعيادته. لاحظت عائشة أن النبي يريد المسواك فتخذله قوة الكلام، ولا يستطيع مد يده. أخذت عائشة المسواك، النبي لا يقدر على تطريته، عائشة استاكت المسواك في فمها، ووضعته في فم النبي، فكان آخر ما دخل جوف النبي، هو ريق عائشة. من فقدان حليب ثديي صدر آمنة الأمّ المفقودة.. إلى ريق عائشة وصدرها، ابتدأت حياة محمد وانتهت: فقد الأمن بفقدان أمه آمنة. آمنة لم تمنح طفلها أمنها، وهو في ضعفه.. عائشة لم تسعف النبي في نزع الموت.. لم ينفعه ريقها ولا توسد صدرها.. هذه لحظة مواجهة الحقيقة: من هوان إلى هوان نمضي.. وفي هوان أيضا: أهانه أهله في قريش، وكانوا يلقون الزبالة عليه وهو يصلي.. أهانه أهل الطائف حين ظن فيهم أنهم سينصروه؛ فقال مكلوما: “اللهم إني أشكو إليك هواني على الناس”.. في نهاية الرحلة، بعد أن هزم قريش والطائف والنساء، ما عاد جدوى من الشكوى.. فقد أمّا لم تمنحه من أمنها أمنا.. فقد فحولة قهر بها النساء.. وهذا صدر عشيقته يتحداه.. فانهزم بالموت صاعدا من جديد، إلى غار حراء، ملتحقا بروح خديجة.. المرأة التي صنعت منه نبيا!
على صدر عائشة، بِريقها في فم النبي، انتهت النبوة المحمدية. وتركه صاحباه الكبار ، أبو بكر وعمر، وقد شغلهما الصراع مع المهاجرين على إمارة الدولة.. ترك المسلمون جسد النبي يأسن.. وفي لحظاته الأخيرة، طلب من أتباعه كتابا يكتب لهم فيه، وصية تهديهم الطريق، فتنازعوا بينهم، وانتهى أمرهم على تجاهل طلبه، فأمرهم أن يخرجوا من عنده.. وخرج هو من فوق صدر عائشة، الذي لم ينجده في محنة مرض مميت، إلى الله الذي فتح صدره له، ابتداء من “إقرأ..”.. الله، الذي وصفه القرآن، بالقاهر فوق عباده.. فكان “الله القاهر فوق عباده”، هو التعبير الدقيق، عن حاجة محمد لقوة يواجه بها انقهاره المسئول عن انجراحه! خرج محمد من تجربة انكسار انقهاري اضطهادي، إلى الله ذي الجنات الباقيات، الذي يشتاقه ويحتاجه كل مضطهد مسلوب القوة في عالم يغتصبه الطغاة الظالمون!
أما أنا، كاتب هذه المقالة، فقد استوحيت من “أقرأ بسم ربك.. الذي علّم بالقلم..”، منهجها.. وروحانيتها..
—————
*راجع مقالتنا: “النبوة المحمدية – رؤية نقدية” على الرابط التالي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=12986
** ناقشنا المسألة الجنسية في الإسلام في المقالين التاليين:
– رباعيات الجنس الإسلامية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=42101
– الإباحية الجنسية في الإسلام http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=147756

*** اقرأ مقالتنا: الدين والنورانية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=317987
كاتب المقال هو إمام دعوة النورانية الروحي ومؤسسها.
بيت لاهيا في 7/8/2012م.
Alnorani@live.com
سكايبي alnoorani
فيسبوك: حسن النوراني

One thought on “نبوة محمد وانجراحه وجنسانيته – مقاربة نفسية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s